كتاب التوحيد - 41
عدد الزيارات 1586

عناصر المادة :
باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
باب: قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي}

الكنية عندنا بمحمد بن أبي القاسم ما هي بخاصة بالشخص نفسه، فهي كنية جنس وليست كنية شخص.
طالب: طيب، للقاضي اللي هو بيحكم ويقول: إنه مكره، كيف يكون مكرهًا وهو يحكم وهذا..؟
الشيخ: أقول: إنه لا يمكن الإكراه، إذا كان صادقًا في أنه مكره يتخلى.
الطالب: حكمه هذا إقرار منه، ضمن الإقرار؟
الشيخ: واللهِ الكفر صعب يا أخ، التكفير ما هو شيء هين.
الطالب: وأيضًا كوننا نحكم بغير ما أنزل الله ليس بهين أيضًا؟
الشيخ: إي، ولكن ما..
الطالب: (...) بقانون ثم يعدل إلى قانون غيره (...) على هذا، ما فيه مجال للإكراه، لا يحكم، يترك؟
الشيخ: نعم، هذا هو الواجب.
الطالب: إي، طيب بقاؤه كما هو؟
الشيخ: ما أقول شيئًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، مثله أو أشد.

***

باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
00:01:08

ثم قال المؤلف: (باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول).
الحقيقة أن الترجمة فيها شيء من الغموض (باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو فيه القرآن أو فيه الرسول)، أو (من هزل بشيء وبالقرآن وبالرسول)، أيهما؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الظاهر أنه الثاني، (من هزل بشيء فيه ذكر الله) كالقرآن مثلًا، أو نقول: القرآن ذكره المؤلف.
(فيه ذكر الله) مثل الأحكام الشرعية، (أو القرآن)؛ يعني: أو هزل بالقرآن، (أو الرسول) أو هزل بالرسول، والمراد بالرسول هنا اسم الجنس، لا المراد به الشخص، فـ(أل) هنا فيه للجنس وليست للعهد؛ يعني: ليس المراد الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم فقط، بل جنس الرسل. وأما القرآن فواضح أنه يعنى به كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (من هزل)، (هزل)؛ يعني: سخر واستهزأ، و(...) لعبًا ليس جدًّا.
وحكم هذا المؤلف يقول: (باب من هزل)، يعني ما حكمه؟ حكمه أنه يكفر؛ أنه كافر بإجماع أهل العلم، اللي يهزأ بالله أو يهزأ بالرسول عليه الصلاة والسلام أو يهزأ بالقرآن أو يهزأ بالشرع، وإن شئت فقل: من هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية، أو هزل بكلامه كالقرآن، أو برسله، من هزل بشيء من ذلك فإنه يكون كافرًا؛ وذلك لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة كبيرة، كيف يسخر أحد ويستهزأ بأمر يؤمن به وأنه أمر عظيم؟! لأن المستهزئ لاعب يضحك، كيف نقول: إن هذا الرجل مؤمن بالله وهو يستهزئ بالله عز وجل، أو مؤمن بالقرآن وهو يستهزئ بالقرآن؟! المؤمن بالشيء على ما هو عليه لا بد أن يُعظِّمه، وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به، أما أن يسخر فهذا مُنافٍ للإيمان منافاة عظيمة.
ولهذا أجمع العلماء على أن من سخر بالله أو بكتبه أو برسله فإنه يكون كافرًا ولو هازلًا، لو قال: أنا أمزح، نقول: طيب، المزح ينافي الإيمان منافاة كاملة، ولهذا يقولون: إن الكفر نوعان: كفر إعراض، وكفر معارضة، فالكافر المعرِض معرِضٌ عن الدين ولكن ما يستهزئ، ولا ينال الدين منه شيء، ولكن المستهزئ هذا كفره كفر معارضة -والعياذ بالله- لأنه يسخر بالدين ويهزأ به، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط.
وهذه المسألة خطيرة جدًّا، ورُبَّ كلمةٍ أوقعت لصاحبها البلابل والهلاك وهو لا يشعر؛ قد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله عز وجل لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار مكانًا بعيدًا ، ولذلك يجب الحذر في مثل هذه الأمور، فمن استهزأ بشيء من الشرع كمن استهزأ -مثلًا- بصلاة أو زكاة، أو حج أو صوم، أو صلاة ولو نافلة، فإنه يكون كافرًا بإجماع المسلمين.
وكذلك من هزل بالآيات الكونية، وقال مثلًا: إن وجود كذا وكذا سخف وسفه، أن يوجد البرد في أيام الصيف مثلًا، أو أن يوجد الحر في أيام الشتاء، هذا سفه! نقول: هذا -والعياذ بالله- كفر مُخرجٌ عن الملة؛ لأن الرب عز وجل كل أفعاله حكمة، ما يصدر شيء منه من أمور الشرع أو القدر إلا لحكمة عظيمة، قد لا نستطيع، بل لا نستطيع بلوغها.
الخلاصة الآن: كل من هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية، أو بكتبه أو برسله؛ فإنه كافر بإجماع المسلمين، وكفره أعظم من كفر الإعراض، الذي يعرض عن الدين ولكن ما يتعرضه؛ لأن هذا -والعياذ بالله- جمع بين الأمرين: بين الإعراض عن الدين وبين التعرض له بالسب والشتم.
ثم اختلف أهل العلم: هل تُقْبَل توبة من سب الله عز وجل أو سب رسوله أو سب كتابه؟
اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها لا تُقْبَل توبته، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ أنها لا تُقْبَل توبته، وأنه يقتل كافرًا ولو رجع، ولو قال: إنه تاب، ولو قال: إنه أخطأ؛ فإنها لا تُقْبَل، لا بد أن يُقْتَل كافرًا، يُقْتَل ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْعى له بالرحمة، ويُدْفَن في محل بعيد عن قبور المسلمين، ولو تاب؛ لأن هذا يقولون: إن هذه الردة أمرها عظيم كبير ما ينفع فيها التوبة.
وقال بعض أهل العلم: بل إنه يتوب (...) تُقْبَل توبته، إذا علمنا صدق توبته ورجوعه إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم، فإننا نقبل توبته؛ لأن الآيات الواردة في قبول التوبة عامة لم يستثن فيها شيء، مثل قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣].
ومعلوم أن من الكفار من يسبُّون الله ومع ذلك تُقْبَل توبتهم، وهذا هو القول الصحيح، إلا أن سابَّ الرسول عليه الصلاة والسلام تُقْبَل توبته ويجب قتله، بخلاف من سبَّ الله؛ فإنها تُقْبَل توبته ولا يُقْتَل، لا لأن حق الله دون حق الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن لأن حق الله للهِ، وهو قد أخبرنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا؛ كل من تاب تاب الله عليه، فما دام الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب إليه العبد فإننا لا نقتله، نقبل توبته، ونقول: ثبتك الله على ما رجعت إليه.
وأما سابُّ الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يتعلق به أمران: أمر شرعي لكونه رسول الله، وأمر شخصي لكونه من بني آدم.
الأمر الشرعي لكونه رسول الله يُقْبَل ولَّا لا؟ يُقْبَل إذا تاب، فنقول: توبته مقبولة، ولكن يجب أن يقتل لحق الرسول عليه الصلاة والسلام. وإذا قتلناه غسَّلناه وكفَّناه، وصلينا عليه، ودفناه مع المسلمين، نقتله على أنه مسلم؛ لأننا قبلنا توبته. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ألَّف في ذلك كتابًا سماه: الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول، وأن يتحتم قتله بكل حال.
فإن قلت: أليس قد ثبت أن من الناس من سبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام وقبِلَ الرسول عليه الصلاة والسلام منه وأطلقه؟
فالجواب أن نقول: نعم، هذا صحيح، لكن متى كان هذا؟ في حياته وعفا عنه، لكن بعد مماته ما ندري، ونحن ننفذ ما نراه واجبًا في حق هذا الذي سبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طالب: ما هو الرسول صلى الله عليه وسلم قتل الرجل الذي تعلق بأستار الكعبة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: سبه؟
الشيخ: نعم.
طالب: عندما يقول قائل: كوننا لا ندري هل يعفو عنه أو لا يعفو عنه، هذا موجب للتوقف؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لا موجب لئن..
الشيخ: لا، ما هو موجب للتوقف؛ لأن المفسدة حصلت بالسبِّ، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه ولَّا لا؟ الأصل بقاؤه.
الطالب: ولكن ما هو بغالب (...)، ما هو بغالب أن عفا عنه؟
الشيخ: إي نعم، ولكن لا بد، نحن الآن ما نعرف عن هذا شيئًا، وربما يكون أيضًا في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام إذا عفا قد تبقى المصلحة ويكون في ذلك تأليف، مثل أنه عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان قومه من المنافقين ومع ذلك لا يقتلهم، ما قتلهم، وقال: «لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» . لكن نحن الآن لو علمنا أحدًا بعينه من المنافقين قتلناه، كما قال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام فقط.
طالب: هل (...) لأنه ارتد؟
الشيخ: لا؛ لأنه استهان بحق الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: لأن الرسالة من الله سبحانه وتعالى (...)؟
الشيخ: كما قلنا: تُقْبَل توبته، ينتفي عنه الكفر الآن، ويبقى القتل؛ يُقْتَل.
الطالب: هل النظر إلى السب بمجرد (...) القتل؟
الشيخ: ذكرت قبل قليل أن سب الرسول يتعلق به أمران: سبٌّ من الناحية الشرعية لكونه رسول الله، فهذا تنفع فيه التوبة، وسبٌّ آخر شخصي، هذا ما ينفع فيه التوبة، حق آدمي.
الطالب: لكن حق الآدمي لا يوجب القتل؟
الشيخ: بس الرسول له منزلة، ولهذا لو قذَفَ الرسولَ وجب قتله، ما نقول: يحد ثمانين جلدة، إي نعم.
طالب: أقول: سب النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، ما نقول: عفا عنهم لأنهم كفار ثم أسلموا؟
الشيخ: لا، بعضهم ما هو كافر، بعضهم ارتدَّ وسبَّ.
الطالب: يعني إذا الكافر سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام ثم أسلم؟
الشيخ: لا، هذا نقبل توبته، حتى الآن..، يعني كلامنا على فيمن ارتد بذلك.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: الأمر الشخصي -يا شيخ- ما تُقْبَل التوبة؟
الشيخ: إي نعم، حتى في حقوق الآدميين الآن خاصة لو تاب الإنسان من سرقة أو غصب، فلا بد أن يُؤَديَ صاحب الحق حقَّه.
طالب: طيب، (...).

***

الشيخ: وقول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥]).
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْسألت مَن؟ سألت هؤلاء الذين يخوضون ويلعبون بالاستهزاء بالله ورسوله وكتابه وأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ)؛ يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام، فالخطاب في قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْيعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)، جملة (لَيَقُولُنَّ) هي جواب، لكن لماذا؟ للقسم ولَّا للشرط؟
طالب: للقسم.
الشيخ: تقول ذلك بناء على قاعدة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من ذكرها؟
الطالب: ابن مالك.
الشيخ: ويش يقول؟
الطالب: يقول: (...) من عوامل الجزم، وحذف..
الشيخ: [وَاحْذِفْ].
الطالب:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَـــــــوَابَ مَــــــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــوَ مُــــلْتَزَمْ

الشيخ: نعم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَــــــوَابَ مَــــا أَخَّــــرْتَ فَهْــــــوَ مُـــــــلْتَزَمْ

والآن المتأخر الشرط (إن)، ولهذا جاءت اللام في الجواب: لَيَقُولُنَّ. وقوله: لَيَقُولُنَّ؛ أي: المسؤولون.
(إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)؛ يعني: ما كنا إلا نخوض ونلعب، معنى القصر: ولكننا نخوض ونلعب، الفرق بينهما هو أن اللعب قصد به الهزء، والخوض كلام عائم لا زمام له، نتحدث حديث بس لأجل تقطيع الوقت، وأما اللعب فإنما يقصد به الهزء. هذا إذا وصف بذلك القول، أما إذا لم يصف به القول فيطلق، فيكون الخوض في الكلام واللعب في الجوارح.
و(إِنَّمَا كُنَّا)، هذه أداة حصر ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ يعني: ما حالنا وشأننا إلا أننا نخوض ونلعب. فيقول الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم: إذا قالوا لك ذلك قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥]؟ هذا الاستفهام إنكار وتعجُّبٍ؛ يعني: ينكر عليهم أن يستهزئوا بهذه الأمور العظيمة، ويتعجب كيف يكون أحق الحق محلًّا للسخرية والاستهزاء، (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ) ثلاثة أشياء (كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ).
(بالله) يستهزئون بالله عز وجل نفسه بذاته.
(بآياته) يشمل الكونية والشرعية.
فالشرعية مثل أن يستهزئ بالقرآن؛ مثل أن يقول: هذا أساطير الأولين، (...) يقدر يزين مثله، والعياذُ باللهِ، أو يستهزئ بشيء من الشرائع؛ كالصلاة والصوم، والحج والزكاة، وغير ذلك.
وأما الآيات الكونية -كما قلت لكم قبل قليل- مثل أن يسخر بما يقدره الله تعالى في هذا الكون، (...) في هذا الوقت، كيف يطلع هذا الثمر من هذا الشيء؟ استهزاء وسخرية، كيف يخلق اللي يضر الناس؟! يقتلهم ويهلكهم أيش هذا؟! إلى غير ذلك من أنواع الاستهزاء، والعياذ بالله. فنقول: هذا استهزاء بالآيات الكونية.
(وَرَسُولِهِ) من يقصد به في هذا الموضع؟ يقصد به محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الذي وقع.
(كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) فجعل الله تعالى خوضهم ولعبهم جعله استهزاء، والاستهزاء هو السخرية.
لَا تَعْتَذِرُوا [التوبة: ٦٦]، لَاناهية، والمراد بالنهي هنا التيئيس؛ يعني: انههم عن الاعتذار تيئيسًا لهم بقبول اعتذارهم.
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٦] أفادت الآية، قَدْللتحقيق، كفر محقق بعد إيمان، إذن هم كانوا بالأول مؤمنين، لكنهم ضعفاء الإيمان، ما كانوا منافقين خالصين؛ يعني ليس في قلوبهم إيمان، عندهم إيمان لكنه إيمان ضعيف، ولضعفه تجرؤوا على أن يستهزئوا بالله وآياته ورسوله، وإلا الإنسان اللي عنده إيمان قوي ما يمكن يستهزئ، ولهذا قال: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، بماذا؟ بالاستهزاء، فالاستهزاء هو الذي محا الإيمان وحَلَّ بدله الكفر.
إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٦]، إِنْ نَعْفُهنا ضمير جمع، لماذا؟ للتعظيم، إِنْ نَعْفُ؛ يعني الله عز وجل، عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ؛ يعني من هؤلاء الذين استهزؤوا.
قال بعض أهل العلم: وهؤلاء الذين قال الله فيهم: إِنْ نَعْفُهم الذين حضروا وصار عندهم كراهة لهذا الشيء، لكنهم داهنوا فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليهم، لكن صاروا أخف؛ لما في قلوبهم من الكراهة بعض الشيء، ولهذا عفا الله عنهم وهداهم للإيمان وتابوا.
نُعَذِّبْ طَائِفَةًهذا جواب للشرط، إِنْ نَعْفُ، معناه: ما يمكن العفو عن الجميع، بل إن عفونا فلا بد أن يصاب الآخرون. نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ، الباء هنا للسببية؛ أي: بسبب كونهم مجرمين بالاستهزاء وعندهم جرم، والعياذ بالله، فلا يمكن أن يوفقوا للتوبة حتى يُعْفَى عنهم.
هذه الآية إذا تأملها الإنسان وجد أنها فيها عدة فوائد:
أوَّلًا: فيها بيان علم الله عز وجل؛ لأنه قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ [التوبة: ٦٥] كذا وكذا، وهذا مستقبل ولَّا ماضٍ؟
طلبة: مستقبل.
الشيخ: مستقبل، فيفيد علم الله عز وجل بما سيكون، وهذا أمر لا شك فيه، فالله تعالى عالم ما كان، وما يكون لو كان كيف كان يكون، له غيب السماوات والأرض، وإليه يُرْجَع الأمر كله.
ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم بما أنزل الله إليه؛ حيث أمره الله أن يقول: أَبِاللَّهِإلى آخره.
ومن فوائد الآية: أن من أعظم الكفر الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: بدليل الاستفهام أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ.
ومن فوائدها: أن الاستهزاء بهؤلاء -بالله وآياته ورسوله- هو أعظم استهزاء؛ لأنه كأنه قال: أبهذه الأشياء؟ والتقديم المتعلَّق يدل على الحصر؛ يعني: كأنه ما بقي إلا أن تستهزئوا بهؤلاء الذين ليسوا محلًّا للاستهزاء، بل أحق الحق هذه الثلاثة.
ومن فوائد الآية: أن المستهزئ بالله يكفر. من أين تؤخذ؟ قوله: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
ومن فوائدها: استعمال الغلظة في محلها، وإلا فالأصل أن من جاء يعتذر أن يُرْحَمَ ويُقْبَلَ عُذْرُه، لكنه في مثل هذا المحل ليس أهلًا لئن يُرْحَمَ، فاستعمال الغلظة في محلها هو الحكمة.
ومن فوائد الآية: قبول توبة المستهزئ بالله.
طالب: هذا (...).
الشيخ: قبول توبة المستهزئ بالله؛ لقوله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ، وهذا أمر قد وقع، فإن من هؤلاء الذين كانوا مستهزئين مَن عفا الله عنه وهُدِي للإسلام، وتاب، وتاب الله عليه.
ويكون في ذلك دليل على القول الراجح السابق؛ وهو أن المستهزئ بالله تُقْبَلُ توبته ولَّا لا؟ تُقْبَل، لكن لا بد أن يكون هناك دليل بين على صدق توبته؛ لأنه كما قلت لكم: الاستهزاء ما هو مثل كفر الإعراض، كفر عظيم لا بد أن يقوم دليل على صدق توبته.
طالب: (...) قلنا: إن هؤلاء اللي تاب الله عليهم (...)؟
الشيخ: إي، لكن إذا حضروا فهم مثلهم، كما قال الله عز وجل في آية أخرى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء: ١٤٠]، وهم يستطيعون أن يفارقوا لو شاؤوا.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الآيات يشمل الشرعية والكونية، (...) الفرق بين المسألة هذه ومسألة سبِّ الله، قد يكون نفس الشيء؟
الشيخ: لا.
الطالب: إذا قال مثلًا: ويش ها الليل والنهار؟!
الشيخ: تقدم لنا في سبِّ الدهر ثلاثة أحوال، كل حال تختلف عن الحال الأخرى بالحكم، وقلنا: إذا جعل الأمر منصبًّا إلى ذات الله عز وجل ويش صار؟ صار كفرًا، وإن كان منصبًّا إلى الدهر لكونه سببًا؛ فإن اعتقد أنه فاعل فهو كفر أيضًا، وإن لم يعتقد ذلك فإنه محرم وسفهٌ، وإن أراد مجرد الإخبار فلا بأس به. تقدم لنا هذا.
الطالب: ما أن (...) على الاستهزاء؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: يعني ما يمكن يستهزئ بدون أن (...) الله؟
الشيخ: لا، أبدًا، هو اللي يستهزئ إذا استهزأ في الآيات الكونية، فهذا مستهزئ بالله عز وجل؛ لأن الحوادث هذه محدثة، ما من حادث إلا وله محدِث، فإذا استهزأ بهذه الحوادث كالمخلوقات التي تستزيد أو اللي قائمة الآن، هذا استهزاء بالله.
الطالب: طيب، مثلًا يدخل فيها بعض الضحك من بعض أشكال الحيوانات؛ يعني فيه شكلها مضحك؟
الشيخ: لا، ما أظن هذا، ولهذا سيأتينا -إن شاء الله تعالى- فيما لو سخر بشخص لا لنسبته إلى الشرع، قد يسخر بشخص لا لنسبته إلى الشرع، فلا يكون بذلك كافرًا. سيأتينا -إن شاء الله- التفصيل فيما بعد.
طيب، المهم فهمنا معنى الآية الآن: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥]، النبي صلى الله عليه وسلم امتثل غاية الامتثال، حتى إن الرجل الذي اعتذر إليه جاء يعتذر، ماذا يقول له؟ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، ولا يزيد على هذا أبدًا، مع أنه في إمكانه أن يزيد توبيخًا وتقريعًا لهذا، لكنه أُمِرَ أن يقول فقال، واقتصر صلى الله عليه وسلم على ما قيل له.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ذكرت أن من فوائد الآية (...) الاستهزاء هذا وقع على الرسول يعني، كيف قلنا: التوبة (...)؟
الشيخ: إذا كان الرسول موجودًا وعفا عن حقه ما فيه مانع.
الطالب: (...) الله سبحانه وتعالى ما علق العفو هذا بكونه (...)، قال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ؟
الشيخ: معلوم أن الرسول اللي بيعفو، ما فيه شك أنه بيعفو، ما دام لو عفا عنهم مصرح الرسول بيعفو بلا شك.
الطالب: يعني ما يبقى الحكم (...)؟
الشيخ: لا، ما يبقى، وكلامنا فيما إذا كان سبَّ الرسول بعد وفاته، أما في حال حياته فالأمر إليه.

***

قال: (عن ابن عمر) وهو صحابي، (ومحمد بن كعب) وهو تابعي، (وزيد بن أسلم) وهو تابعي، (وقتادة) تابعي. فالرواية عن هؤلاء الثلاثة مرسلة، أما عن ابن عمر فإنها مرفوعة؛ لأنه -ابن عمر- من الصحابة.
قال: (دخل حديث بعضهم في بعض)، معنى (دخل حديث بعضهم في بعض) أن هذا الحديث مجموع من كلامهم، ما هو واحد انفرد به، بل هو مجموع من كلامهم، وهذا يفعله بعض أئمة الرواة مثل الزهري ونحوه، يحدثهم جماعة بشأن قصة من القصص كحديث الإفك مثلًا، فيجمعون هذا ويجعلونه في حديث واحد، ومع ذلك يشيرون إلى هذا الأمر، فيقول مثلًا: دخل حديث بعضهم في بعض، أو حدثني بعضهم بكذا وبعضهم بكذا، أو ما أشبه ذلك؛ حتى لا يكون الحديث من رواية واحد ينسب إليه جميع الحديث وهو لم يحدث إلا ببعضه.
(أنه قال رجل في غزوة تبوك)، (تبوك) بأطراف الشام، وقد كانت في رجب حين طابت الثمار، وكان مع الرسول عليه الصلاة والسلام فيها نحو ثلاثين ألفًا، ولما خرجوا رجع عبد الله بن أُبَيٍّ رأس المنافقين، رجع بنحو نصف العسكر، حتى قيل: إنه لا يدرى أي الجيشين أكثر؛ اللي رجعوا ولَّا اللي راحوا؟ مما يدل على وفرة النفاق في تلك السنة، وهي في السنة التاسعة في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وندب الناس إليها عليه الصلاة والسلام وبيَّن أنه سيذهب إلى تبوك، مع أنه كان من عادته يورِّي ما يُصرِّح، لكن هذه صرح؛ لأن المسافة بعيدة والأمر يحتاج إلى استعداد، ولهذا قدم عثمان بن عفان مائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ومئة دينار أو ألف دينار -نسيت- مالًا كثيرًا.
وتخلف من الصحابة خمسة؛ منهم اثنان لحقوا بالعسكر بعدُ، ومنهم ثلاثة لم يلحقوا، وقصتهم مشهورة وهم: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وقصتهم مشهورة معروفة.
وكان سبب هذه الغزوة أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه أن الروم ومن والاهم من نصارى العرب يجمعون له، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم هو في بلادهم، وهذا غاية ما يكون من القوة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لو بقي ثم جاءت هذه الجموع لحصل بذلك ما يحصل، لكنه أراد أن يخرج حتى يبين قوته؛ لأنه يجاهد بالله، ولله، وفي الله صلى الله عليه وسلم، ما هو بيجاهد لأجل قومية عربية، أو قومية فارسية، أو قومية هندية، أو قومية كذا وكذا، لا، يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فقط، وقد وعده الله بقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣]، لا بد أن تكون الكلمة هي العليا؛ كلمة الله، ودين الرسول هو الأعلى صلى الله عليه وسلم.
فخرج وبقي في تبوك نحو عشرين يومًا، ولكنه لم يلْقَ كيدًا ورجع صلى الله عليه وسلم. في هذه الغزوة ضلت ناقته، فتحدث بعض المنافقين قبل أن يرجعوا، قالوا: هذا محمد يقول: إنه يأتيه الخبر من السماء وضلت ناقته وهو ما يدري وين هي! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا أَخْبَرَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ بِأَنَّ النَّاقَةَ فِي الْوَادِي الْفُلَانِيِّ»، فذهبوا إلى الناقة ووجدوها في ذلك الوادي ، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه.
وفي هذه الغزوة فيها آيات متعددة؛ منها: أنه قال: «إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ»، وأمرهم أن يشدوا عقل إبلهم، وفعلوا، فقام رجل بعد أن هبت الريح، فشالته وحملته في جبال طيئ .
طالب: في (...).
الشيخ: عند (...)، ولما رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة جاؤوا به، جاءت به طيئ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه من آيات الله، وعلم بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن تكون، هو علم مؤكد ولَّا حالة الطقس؟
طالب: علم مؤكد.
الشيخ: علم مؤكد، ولهذا وقع، والذي خالف نقلته الريح إلى هذا المكان. الله أكبر! وهذا من آيات الله.
طالب: كيف يقوم؟
الشيخ: لعله ما علم هو.
الطالب: كيف يقوم؟
الشيخ: يقوم (...).

***

وهو: هل هؤلاء الذين نزلت فيهم الآية، هل كانوا كفارًا من قبل؟ كما ترى له وجهة نظر، لكن المعنى يبعده؛ لأن هذا الإظهار كان سابقًا على هذه الفعلة؛ إذ كانوا يظهرون عند خواصهم الكفر والاستهزاء، هذا هو الذي يمنع من تأويل الآية على هذا المعنى؛ أي على أن المعنى: أظهرتم الكفر؛ إذ يقال: إن إظهارهم الكفر سابق، فإنهم ما زالوا يظهرون الكفر في خواصهم وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: ١٤].
ويمكن الجمع بين القولين بأن يقال: الآية هذه نزلت في ضعفاء الإيمان الذين يخالطون المنافقين في جلوسهم معهم وسماعهم ما يقولون، ويكون هذا الآية كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٦]، يكون معناها على ظاهرها. وهذا هو الذي أيَّده شيخ الإسلام ابن تيمية؛ بأن هؤلاء كفروا بعد أن استهزؤوا، وليس المعنى أظهروا نفاقهم وكفرهم؛ لأنه -كما سمعتم- كان ذلك ظاهرًا من قبل.
وحتى لو فُرِضَ أنها نزلت في منافقين خُلَّصٍ أظهروا نفاقهم، فقيل لهم: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، فإن هذا الكفر إنما رُتِّب على الاستهزاء، لا على أصل النفاق، فيكون في الآية دلالة على أن الاستهزاء كفر؛ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، سواء قلنا: إن هؤلاء كانوا مؤمنين وكفروا بذلك، أو كانوا منافقين وأظهروا ذلك؛ فإن الله تعالى يقول: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، وقد سبق ذلك.
وفي الحديث في غزوة تبوك قلنا: إن هذه الغزوة في سنة التاسعة من الهجرة، وإن سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إن قومًا من الروم ومن متنصرة العرب كانوا يجمعون له، فأراد أن يغزوهم عليه الصلاة والسلام إظهارًا للقوة وإيمانًا بنصر الله عز وجل.
وقلنا: إن في هذه الغزوة صار فيها آيات متعددة، ما لها دخل في موضوع البحث.
طيب، وفيه وقفنا على كما قلتم؟
طالب: في غزوة تبوك؟
الشيخ: في غزوة تبوك، نعم.
طالب: (...).
الشيخ: (كذبت، ولكنك منافق)، نعم.
(ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء أرغب بطونًا ).
(ما رأينا)، هذه الرؤية يحتمل أنها بصرية أو أنها علمية قلبية، وقوله: (مثل قرائنا)، هذا هو المفعول الأول، وقوله: (أرغب بطونًا)، هو المفعول الثاني. ويجوز العكس؛ أن يكون المعنى: ما رأينا أرغب بطونًا مثلَ قرائنا هؤلاء، والمراد بالقُرَّاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقوله: (أرغب بطونًا)؛ أي: أوسع، وإنما كانت الرغبة هنا بمعنى السعة؛ لأنه كلما اتسع البطن رغب الإنسان في الأكل.
وقوله: (ولا أكذب ألسنًا)، الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، والألسن جمع لسان، والمراد: ولا أكذب قولًا، واللسان يُطْلَقُ على القول كثيرًا باللغة العربية، كما في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤]؛ أي: بلُغَتِهم وقولهم.
(ولا أجبن عند اللقاء)، الجبن هو خور في النفس يمنع المرء من الإقدام على ما يُكره. هذا الجبن، فهو خُلُق نفسي ذميم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتعوذ منه ؛ لما يحصل فيه من الإحجام عما ينبغي الإقدام إليه، فلهذا كان صفة ذميمة.
ونحن إذا طبَّقنا هذه الأوصاف وجدنا أنها في المنافقين لا في المؤمنين، فالمؤمن يأكل بمعي واحد ؛ ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ، والمؤمن أصدق الناس، ولا سيما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فإن الله وصفهم بالصدق في قوله: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨]، فلا أحد أصدق من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأما الجبن، فإن هذا من صفات المنافقين، ولهذا يحسبون كل صيحة عليهم؛ لو يسمعون واحدًا ينشد ضالة في السوق قالوا: يلَّا عدو عدو، البيوت البيوت، اختبئوا، فهم يحسبون كل صيحة عليهم.
وهم أكذب الناس أيضًا، ولذلك الكذب من آيات النفاق.
وأما حبهم للدنيا فلا شك أن أصل نفاقهم من أجل الدنيا؛ من أجل أن تحمى دماؤهم وأموالهم، إذا صرَّحوا بالكفر ستؤخذ.
فهذه الأوصاف القائلون بها هم أحق الناس بها، أما النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فهم أبعد الناس عنها.
طالب: شيخ، مفرد (مِعي واحد)؟
الشيخ: (المعي) جمع مفرد أمعاء، والأمعاء تعرفها أظن، المس بطنك تجدها.
يقول: (قال عوف بن مالك: كذبت)، أخبرت بخلاف الواقع، وفي هذا دليل على وجوب تكذيب الكذب مهما كان الأمر، وأن السكوت عليه لا يجوز، كل من تكلم بكذب فيجب أن يُكَذَّب.
قال: (ولكنك منافق، لأخبرن عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم)، من أين علم أنه منافق؟ لأنه لا يمكن أن يُطْلِق مثل هذه الأوصاف رجل يتسمى بالإسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا وهو منافق، وبهذا نعرف أن من يدَّعي الإسلام وهو يسب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فإنه كاذب وليس بمسلم؛ إذ إن الطعن في صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام ليس طعنًا في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام فقط، طعن فيهم، وطعن في الرسول عليه الصلاة والسلام، وطعن في الشريعة، وطعن في الله.
أما كونه طعنًا فيهم فلأنه سبٌّ لهم وعيب لهم، كونه طعنًا في الرسول لأن أصحابه هؤلاء المطعون بهم عند هؤلاء الطاعنين، والمرء على دين خليله، والإنسان يستدل على صلاحه أو فساده وعلى سوء أخلاقه أو صلاحها بماذا؟ بالقرين. وأما كونه طعنًا في الشريعة فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في نقل الشريعة هم الصحابة، ومعنى ذلك: إذا كان هؤلاء الذين نقلوها بهذه المثابة فمن الذي يثق بهذه الشريعة؟! وأما كونه طعنًا في الله فإنه طعن في حكمته؛ حيث اختار لأفضل خلقه أسوأ خلقه، أعوذ بالله! هذا طعن، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: أن الله يختار للرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الذين لهم من السب والشتم عند أولئك القوم ما هم أحق به منهم.
فعلى كل حال، لا شك أن من سبَّ الصحابة رضي الله عنهم فإنه ليس بمؤمن، بل هو منافق إن أظهر الإسلام، وكافر إن كان معلنًا بكفره، ولهذا قال: (كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه).
من أين جاء؟ من الله عز وجل بالوحي، والله تعالى عليم بما يفعلون، وعليم بما يريدون، وعليم بما يبيتون، كما قال تعالى في أمثالهم: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨].
يقول: (فجاء ذلك الرجل)، الذي كان يقول: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته) الظاهر أن هذا من باب عطف التفسير؛ يعني (ارتحل) لأن الارتحال معناه الركوب على الرحل، فيكون هذا من باب عطف التفسير.
(وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق).
طالب: أو غيرها يا شيخ؟
الشيخ: أو غيرها؟
الطالب: أقول (...)؟
الشيخ: لا.
الطالب: ما هو يعني (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بالانتقال إلا إذا قُيِّد؛ ارتحل من كذا إلى كذا.
الطالب: (...) عطف، يعني قال: (ارتحل وركب)، ما نقول: إنه ارتحل من المكان وركب بعد؟
الشيخ: لا، هو في مكانه، لكن قد ركب الناقة.
قال: (نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق)، لكن بئس ما صنعوا! ما رأوا من أحاديث الركب إلا أن يسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكنه -والعياذ بالله- النفاق، وإلا فالدنيا مملوءة من الكلام الذي يقطع به المسافر الطريق؛ لأن الحديث ولا سيما مع أصحابك وأحبابك لا شك أنه يقطع الوقت ويخفف عبْءَ السفر ويسهل المسافة؛ يعني يمضي الوقت سريعًا.
فقالوا: إن هذا ما نريده، ولكن هل هم صادقون في ذلك؟ لم يكونوا صادقين، إذا كانوا يقولون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِوالله عز وجل يقول: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١]، فهو ما يوجد أحد أكذب من المنافق، فهم كاذبون، إنما أرادوا بلا شكٍ سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
يقول: (قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا) (كأني) هذه (كأن) للتشبيه، وقد سبق لنا أن (كأن) إن دخلت على مشتق فهي للتوقع، وإن دخلت على جامد فهي للتشبيه. فهنا دخلت على جامد: (كأني أنظر)؛ لأنَّ (أنظُرُ) من النظر، يعني معناه أنني كأنه الآن أمامي؛ من شدة يقيني به.
(متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ما هي النسعة؟ النسعة الحزام الذي يُرْبَط به الرحل، ويُسَمَّى البطنة أو البطان؛ لأنه يُحْزَم على البطن.
ويقول أيضًا: (وإن الحجارة لتنكب رجليه)؛ يعني يمشي والحجارة تضرب رجليه، وكأنه -والله أعلم- في المشي نوع من السرعة، ولكنه لا يحس في تلك الحال؛ لأنه يريد أن يبدي اعتذاره، وكأنه اعتذار بقوة.
أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول له: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟! ما يلتفت إليه وما يزيده عليه) لأن الله قال له: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥]، فلا يلتفت إلى هذا الرجل احتقارًا له، ولا يزيده عليه امتثالًا لأمر الله عز وجل، وكفى بالقول الذي أرشد الله إليه، كفى به نكاية.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما كان يقرأ؛ لأن لَا تَعْتَذِرُوا [التوبة: ٦٦]، هذه الظاهر من كلام الله، ولهذا قال: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ، على قراءة إِنْ نَعْفُ، وفيها قراءة: {إِنْ يُعْفَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ تُعَذَّبْ طَائِفَةٌ}، فيها قراءتان، لكن على القراءة المشهورة: إِنْ نَعْفُنُعَذِّبْيكون الكلام لله.
طالب: شيخ، (...) ورسله (...)؟
الشيخ: وين؟
الطالب: أَبِاللَّهِالقول للرسول عليه الصلاة والسلام؟
الشيخ: لا، وَرَسُولِهِ.
الطالب: يعني على نص الآية؟
الشيخ: إي، على نص الآية.
طيب، تقدم الكلام على حكم الاستهزاء بالله ورسوله وآياته، ويقول المؤلف: (فيه مسائل).
طالب: شيخ، قول عوف بن مالك، قال: (كذبت، ولكنك منافق).
الشيخ: نعم.
الطالب: قول: (لكنك
الشيخ: للاستدراك، يعني (كذبت) ما أردت ذلك (ولكنك)، إي نعم.
الطالب: بل كان (...)؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، من قال الكفر بدون علم له فإنه لا يُعْذَر بكونه مُرتدًّا، يعني ما هو من الحدود (...)؟
الشيخ: قتل المرتد ليس من الحدود، لا، الحد لا يسقط بالتوبة إذا وصل إلى الحاكم، والردة تسقط بالتوبة، بل إنه يُسْتَتاب عند كثير من أهل العلم، يُسْتَتاب ثلاثة أيام إن تاب وإلا قُتِل، ولهذا بعض المعاصرين الذين يكتبون القصاص وقتل المرتد يكتبونه في الحدود، وهذا خطأ، هذا ليس كذلك. ثم إن الحد كفارة، وقتل المرتد ليس كفارة؛ يعني يُقْتَل على رِدَّته كافرًا.
الطالب: طيب، (...) هؤلاء، يعني بغض النظر عن حقه هو (...)؟
الشيخ: نعم.
الطالب: تركه من أي ذنب؟
الشيخ: تقدم لنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له في المنافقين الذين يعلم نفاقهم، قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، فتركهم لهذا؛ لأن المقام مقام تأليف، وغالبًا النفاق غالبًا لا يظهر، ولهذا المنافقون كثيرون، ولكن ما عُلِمَ منهم أحدٌ أظهر نفاقه إلا القليل.
طالب: شيخ، كثير من العوام يقول نكاتٍ فيها سخرية واستهزاء واضح بالله والآيات والرسل، البعض منهم يكون جاهلًا، وبعضهم يكون غير جاهل، كيف الحكم؟
الشيخ: كلاهما نقول: تُبْ إلى الله عز وجل؛ فإنك قد ارتددت.
الطالب: حتى وإن كان جاهلًا؟
الشيخ: حتى وإن كان جاهلًا، إلا إذا كان لا يدري ما معناها، ما هو جاهل بالحكم.
الطالب: لا.
الشيخ: لأن الجهل بالحكم لا يمنع من العقوبة أو من ترتُّبِ الأثر، وهذه قاعدة سبقت لنا: إن الجهل بالحكم لا يُعْذَر فيه. ترى بالحكم، يعني بالعقوبة المترتبة عليه، ما هو بالحكم هل هو حلال أو حرام؛ يعني مثلًا واحد فعل شيئًا لكن ما يدري أنه يوصل إلى القتل مثلًا.
الطالب: لا يجب عليه؟
الشيخ: ما يسقط عنه القتل، ولهذا الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان هل يدري أن عليه كفارة؟ ما يدري، ومع ذلك ألزمه النبي عليه الصلاة والسلام بها. والرجل لَيتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري يهوي بها في النار كذا وكذا.
طالب: لكن الظاهر أنها ما تُقْبَل توبته؟
الشيخ: من؟
الطالب: بالنسبة للمستهزئ.
الشيخ: تقدم لنا أظن، لكن ما حضرتَ.
الطالب: لا، حضرتُ، أقول: الظاهر.
الشيخ: لا، تقدم لنا..
الطالب: ما التفت إليك ولا..
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يعلم أنهم ليسوا صادقين عليه الصلاة والسلام.
الطالب: كقضية العين؟ يعني لو علم أنهم صادقين؟
الشيخ: لا، لو علمنا وحسنت حاله فالصحيح أنه يُقْبَل، مثل ما ذكر الله في سورة النساء، ذكر المنافقين ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١٤٦]، وكذلك في الآية هذه قال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً [التوبة: ٦٦].
قال: (فيه مسائل؛ الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر)؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما (...).
(أن من هزل بهذا كافر)، (بهذا) المشار إليه ما هو؟ بالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ.
(الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن يقول ذلك كائنًا من كان)، سواء كان منافقًا، أو كان مؤمنًا لم يظهر نفاقه ثم استهزأ، فإنه يكفر.
(كائنًا من كان)، هذه العبارة دائمًا ترد، ويش إعرابها؟
طالب: خبر.
الشيخ: خبر أيش؟
الطالب: (كان)، يكون هو كائن.
الشيخ: خبر (كان) المحذوفة ولَّا الموجودة؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، بـ(كائنًا).
الطالب: خبر (كان) المحذوفة.
الشيخ: المحذوفة ولَّا الموجودة؟
طالب: تقدم على اسمها؟
الشيخ: إي، ما تقدم على اسمها، كيف تتقدم على اسمها؟
طالب: (...) الخبر.
الشيخ: نعم، الموجودة.
طالب: هذا كافر (...).
طالب آخر: شيخ، (...) محذوف، أو تمييز.
الشيخ: لا، ما تصح تمييزًا، التمييز يكون جامدًا (...).
طالب: (كائنًا) خبر (كان) المحذوفة، و(من كان) اسمها، اسم (كان) المحذوفة.
الشيخ: (...) خبر مقدم، و(من) مبتدأ، و(كان) خبر (مَن)، واسمها مستتر.
طالب: مفعول مطلق.
الشيخ: لا، كان اسم فاعل.
المهم، أيًّا كان هذا (...)، المعنى واضح.
طالب: بس ستأتي كثيرة يا شيخ؟
الشيخ: هاه، تأتي كثيرًا نعم.
الطالب: التعبير هذا كثير.
الشيخ: نعم، كثيرًا ما يأتي.
(الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ورسوله).
(النميمة) من: نَمَّ الحديث؛ إذا نقله ونسبه إلى غيره، وهي القالة التي يُقْصَد بها الإفساد بين الناس. قال العلماء: وهي نقل كلام الغير إلى الغير بقصد الإفساد. هذه النميمة: نقل كلام الغير إلى الغير بقصد الإفساد. تجيء لشخص تقول: فلان يسبك ويقول فيك كذا، ويقول فيك كذا، ويقول فيك كذا، هذه من أكبر الذنوب، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» أو «نَمَّامٌ» . وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلًا يُعَذَّب في قبره لأنه يمشي بالنميمة .
أما النصيحة لله ورسوله فإنه لا يقصد بها ذلك، وإنما يقصد بها احترام شعائر الله عز وجل وإقامة حدوده وحفظ شريعته.
وعوف بن مالك نقل كلام هذا الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هل قصده أن يُفسِد بينهم، أو أن قصده أن يقام الحد أو ما يجب أن يقام على هذا الرجل؟ الأخير، فهذا هو النصيحة لله ورسوله.
ومن ذلك: لو رأيت شخصًا يعتمد على إنسان ويثق به، والرجل هذا يكشف سرَّه ويهزأ به في المجالس، فإنه في هذه الحال لو ذهبت إليه وقلت: فلان لا تأمنه، تراه يكشف سرك ويستهزئ بك بالمجالس. هل هذه من النميمة؟ لا، ولكنها من النصيحة. ففرق بين النصيحة التي يقصد بها دفع الشر والإصلاح، وبين الإنسان اللي ما قصده إلا أن يفسد بين هذين الرجلين، ما قصده إلا هذا.
يقول: (الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله).
(العفو الذي يحبه الله) هو الذي يكون فيه إصلاح؛ لأن الله اشترط في العفو قال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، وتفسير بعضهم لهذه الآية بأن المعنى: وأصلح الود بينه وبين من أساء إليه، هذا قاصر، والصواب: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَفي عفوه؛ بأن كان عفوه مشتملًا على الإصلاح، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، والندب إلى العفو في مثل هذا السياق واضح.
وأما من كان عفوه إفسادًا لا إصلاحًا فإنه آثم بهذا العفو، ووجه ذلك من الآية ظاهر. ما وجهه من الآية؟ أن الله قال: عَفَا وَأَصْلَحَ، ووجهه من المعنى ظاهر أيضًا؛ لأن العفو إحسان، والفساد إساءة. وأيما أولى: دفع الإساءة ولَّا فعل الإحسان؟ دفع الإساءة أولى، فإذا علمنا أن في هذا العفو حصولَ مفسدة وإساءة، كان العفو حينئذٍ غيرَ مندوب إليه، بل كان محرمًا.
النبي عليه الصلاة والسلام هنا ما عفا عن الرجل، بل غلظ عليه. وجه الغلظة أنه صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إليه ولا يزيد على هذا الكلام الذي أمره الله به، مع أن الحجارة تنكب هذا الرجل تنكب رجليه، والرسول ما رحمه ولا رقَّ له.
ولكل مقام مقال؛ يعني ينبغي للإنسان أن يكون شديدًا في موضع الشدة، لينًا في موضع اللين، لكن أعداء الله عز وجل الأصل فيهم الشدة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: ٧٣]، ذكر الله الآية هذه برمتها في سورتين من القرآن، ما اختلفت، بحروفها وألفاظها: في سورة التوبة، وفي سورة التحريم، مما يدل على أنها من أهم ما يكون؛ يعني يندر أن تجد آية مكررة في القرآن بلفظها، وهي آية كاملة، أما بعض آية يمكن كثيرًا، لكن آية كاملة مكررة في القرآن بلفظها قليل.
والحاصل: أن الأصل في أعداء الله استعمال الشدة، هذا الأصل، ولكن قد يكون استعمال اللين في بعض الأحيان للدعوة إلى الله عز وجل والتأليف، قد يكون مستحسنًا.
طالب: (...) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البقرة: ١٠٩] (...).؟
الشيخ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
الطالب: نعم، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ، بعدها قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩] (...)؟
الشيخ: فيما إذا كان هناك مصلحة، يُحْمَل على أنه فيه مصلحة، إي نعم؛ ولهذا قيد قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩].
طالب: الآية منسوخة يا شيخ؟
الشيخ: فيه خلاف بين العلماء في مثل هذه الآيات هل هي منسوخة أو أنها منزلة على أحوال.
يقول: (الغلظة على أعداء الله.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل)
، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: مع أن الأصل أن الاعتذار يُقْبَل، لكن إذا عُلم أنه اعتذار باطل وإنما المقصود به التخدير فقط فإنه لا يُقْبَل، حسب حال صاحبه، وإلا فالأصل أنه إذا جاء إنسان معتذرًا إليك فإنه ينبغي لك أن تقبل عذره، لا سيما إذا علمت أن الرجل محسن لكن حصلت منه هفوة، فهنا الاعتذار إذا تقدم هو به ينبغي أن تعذره.
باب: قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي}
01:06:25

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب قول الله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِيالآية [فصلت: ٥٠]).
أَذَقْنَاهُالضمير يعود على أيش؟ الإنسان، والمراد به الجنس، وقيل: المراد به الكافر، والظاهر أن المراد به الجنس، إلا أنه يمنع من هذه الحال الإيمان، فلا يقولها المؤمن.
أول الآية: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٧ - ٤٩]، هذه حال الإنسان باعتباره إنسانًا، لكن الإيمان يمنع الخصال السيئة المذكورة.
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ [فصلت: ٥٠]، شوف التأكيد مِنَّا، أضافها الله إليه لبيان أو لوضوح كونها من الله.
ثانيًا: مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ، ما هو إنسان في الرحمة من أول أمره أصيب بضراء، بمرض، أصيب بفقر، أصيب بفقد أولاد، أو غير ذلك من الضرر، بعد هذه الضراء التي لا طاقة له بها يذيقه الله الرحمة حتى يحس بها إحساسًا مثل الذائق للطعام.
فماذا يقول؟ لَيَقُولَنَّ، وأيضًا شوف: مَسَّتْهُ؛ يعني: أصابته وأثرت فيه، لَيَقُولَنَّ هَذَا لِيكفر عظيم، واللام في قوله: لَيَقُولَنَّواقعة في جواب القسم المقدر قبل اللام في قوله: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ.
ما معنى: هَذَا لِي؟ (قال مجاهد: هذا بعملي). نقرأ الآية؛ لأن المؤلف قال: (الآية)، قال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [فصلت: ٥٠]، نسأل الله العافية، انغمس في النعيم حتى نسي الآخرة، بخلاف المؤمن؛ المؤمن إذا أصابته الضراء ولجأ إلى الله عز وجل ثم كشفها الله عنه يجد لذة وسرورًا بها يشكر الله على ذلك، ويذكر نفسه قبل أن يصاب بها؛ أي: بهذه النعمة، فيعرف بذلك قدر نعمة الله. لكن هذا -والعياذ بالله- بالعكس، أخذه الأشر والبطر وانغمس حتى نسي الآخرة وأنكرها، قال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً، وبهذا كفر؟
طالب: نعم.
الشيخ: كفر؛ لأن الذي ينكر قيام الساعة أو يشك فيه كافر.
بعد ذلك شوف -والعياذ بالله- التألي والتعلي، قال: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى. (إن) شرطية، وتأتي فيما يمكن وقوعه وفيما لا يمكن وقوعه، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] لا يمكن وقوعه، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهنا قال: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي؛ يعني: على فرض أن أرجع إلى الله، على هذا الفرض والتقدير: إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى، و(حسنى) هذه اسم تفضيل؛ يعني للذي هو أحسن من هذا، شوف المسكين غرَّته نفسه!
إذن الرجل ما صدق بالبعث، ولكن يقول: على تقدير أننا سلمنا جدلًا أنه واقع، فأنا سأنقلب إلى خير من ذلك إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى، كيف ذلك؟ قال: لأن الذي أعطاني هذا يعطيني أحسن منه إذا رجعت إليه، إذا أكرمني وأنا لست عنده بعيدًا فإني إذا رجعت إليه يكون الإكرام أكبر وأشد، مع أن الرجل من الأصل منكرٌ أن هذا من الله، ويش يقول؟ هَذَا لِي.
قال الله تعالى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا، أي: فَلَنُنَبِّئَنَّهذا الإنسان، لكنه أظهر في مقام الإضمار من أجل الحكم على هذا القائل بالكفر، ولأجل أن يشمله وغيره، فكل كافر بهذا القول أو بغيره فإنه يُذاقُ من عذاب غليظ، ومن قال هذا فإنه كافر يستحق أن يذاق العذاب الغليظ. (...)
طيب، قوله: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ، على من يعود الضمير؟
طالب: على الْإِنْسَانُ [فصلت: ٤٩].
الشيخ: على الْإِنْسَانُمن حيث هو إنسان؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، نعم ما الفائدة من قوله: مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ؟ (...).
قال: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ، أنا عندي فيها: عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨]، عَلَى عِلْمٍ، عندكم فيها عِنْدِي؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذان فيه آيتان؛ آية: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٤٩]، والثانية: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨]، وهذا الأخير قول قارون: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، والظاهر من تفسير المؤلف لها أنه يريد إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٤٩]، كما سيتبين.
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ، ما معنى قوله: عَلَى عِلْمٍ؟ فيه أقوال:
أوَّلًا: (قال قتادة: على علم مِنِّي بوجوه المكاسب)، فيكون العلم عائدًا إلى الإنسان؛ يعني أنني عالم بوجوه المكاسب، ولا فضل لأحد عليَّ فيما أوتيته، وإنما الفضل لي. هذا قول.
القول الثاني: (وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل)، فيكون بذلك مُدِلًّا على الله، وأنه أهل ومستحق لأنْ ينعم الله عليه. وعلى هذا فيكون العلم هنا عائدًا إلى الإنسان أو إلى الله؟ عائدًا إلى الله؛ يعني: أوتيت هذا الشيء على علم أني مستحق له وأهل له. أو عَلَى عِلْمٍ؛ أي: أنني عالم بوجوه المكاسب، فأنا اكتسبته بيدي، ولا فضل لأحد عليَّ. وهذا يمكن أن يقوله الإنسان، قد يقول الإنسان هذا وقد يقول هذا.
وقال: (وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف)، يعني: أوتيت هذا الشيء لأني شريف وأهل لأنْ أوتاه.
فصار معنى الآية يدور على وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا أنكر أن يكون ما أصابه من النعمة من فضل الله، بل زعم أنها من كسب يده وعلمه ومهارته.
والثاني: أنه أنكر أن يكون لله الفضل، كأنه هو الذي له الفضل على الله؛ لأن الله أعطاه ذلك لكونه أهلًا لهذه النعمة.
فيكون على كلا الأمرين غير شاكر لله عز وجل، والحقيقة أن ما نؤتاه من النعم فهو من الله، هو الذي يسَّرها وسهلها حتى حصلنا عليها، حتى لو فُرِضَ أن لنا سببًا في تحصيل هذا الشيء من العلم والمعرفة، فمن الذي علَّمنا؟ الله عز وجل، كما قال تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٥]. والذي أقدرنا أيضًا على حصول هذا الشيء -لأن قد نعلم ولا نقدر- من هو؟ الله عز وجل، كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]، فكل ما يحصل لنا من علم أو إرادة أو قدرة فمن الله.
وعلى هذا فإن الواجب علينا أن نضيف هذه النعم إلى الله سبحانه وتعالى؛ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]، حتى لو كانت بمهارتك أو بعلمك فانظر من الذي أعطاك هذه المهارة؟ ومن الذي أعطاك هذا العلم؟ الله عز وجل. ثم إن المهارة نفسها أو العلم قد لا يكون سببًا لحصول الرزق، فكم من إنسان عالم وماهر وجيد وحاذق ومع ذلك لا يوفق! لا يأتيه الناس ينتفعون بما عنده وينفعونه بما عندهم، فيبقى عاطلًا لا يعمل ولا يكتسب.
فالمهم أننا يجب علينا أن نؤمن بأن كل ما أصابنا من النعم سواء كان ذاتيًّا أو خارجيًّا فإنه من الله سبحانه وتعالى، حتى نعرف للمنعم نعمته ونشكره على ذلك.
وقد سبق لنا أن أركان الشكر ثلاثة؛ وهي: الاعتراف بالقلب، والثناء باللسان، والعمل بالأركان. وعلى هذا قول الشاعر:
أَفَــادَتْكُــــــمُ النَّعْمَاءَ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

(أفادتكم النعماء مني ثلاثة)؛ يعني: ملكتم هذه الثلاثة بنعمكم، (يدي) وهذا عمل الجوارح، (ولساني) الثناء باللسان، (والضمير المحجبا) الاعتراف بالقلب، والإقرار بها بأنها من عند هذا المنعم.
أما من تحدَّث بها بلسانه ولم يعمل بجوارحه فليس بشاكر، نقص شكره. وكذلك من صار يتحدث باللسان لكن عنده شعور في داخل نفسه أنه لمهارته وجودته وحذقه هو السبب، فهذا أيضًا ما شكر النعمة.
وكذلك من أثنى باللسان واعترف بالقلب، لكن لم يقم بطاعة المنعم ولم يؤد ما أوجب الله عليه في هذه النعمة؛ فإنه ليس بشاكر، كما سيأتينا في الحديث الذي ذكره المؤلف (عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى» )، هذه قصة عجيبة فيها عِبرة وعظة.
واعلم أن جميع القصص الواردة في الكتاب وصحيح السنة ليس المقصود منها مجرد الخبر، ولكن المقصود منه العبرة والعظة لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، مع ما تكسب النفس من الراحة والسرور؛ لأن القصة فيها تسلية للإنسان، فهي مع كونها تسلية فيها أيضًا موعظة، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا يحدث أصحابه بمثل هذه المواعظ أو بمثل هذه القصص؛ حتى ينتفعوا بها ويحصل لهم بذلك تسلٍّ.
«ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، بنو إسرائيل تقدَّم أنهم أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
«أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى»، الأبرص هو من في جلده وضح؛ بياض، والبرص داء معروف، وهو من الأمراض المستعصية التي لا يمكن علاجها، ربما توصلوا أخيرًا إلى عدم انتشارها، لكن رفعها بالكلية لا يمكن، ولذلك جعلها الله آية لعيسى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠].
والثاني: «أَقْرَعَ»؛ يعني ليس على رأسه شعر، مسح شعر رأسه.
والثالث: «أَعْمَى» فقد البصر.
وكل هذه الثلاث من الأشياء التي إذا فقدها الإنسان أو إذا ابتلي بها الإنسان، فإنه لا بد أن يتأثر نفسيًّا، ولا بد أن يفوته من المصالح ما يفوته بقدر هذه النعم، وأكثرها فواتًا في المصلحة هذه الثلاثة الأعمى، لكن التأثر النفسي قد يكون في غيره أكثر، والسبب في ذلك كثرة وجود العمى في بني آدم، وإلا لو كثرت الأمراض الأخرى ما صارت تتعب نفسيًّا؛ فإن كثرة العيوب تسلي الإنسان، قالت الخنساء في أخيها صخر:
وَلَــــوْلَا كَثْـــــــرَةُ الْبَاكِـــــينَ حَـــــــوْلِي عَــــــلَى إِخْـــــوَانِهِمْ لَقَــــتَلْتُ نَـــــفْسِي
وَمَــــــــــا يَبْكُـــــــونَ مِــــــــــثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

هؤلاء الثلاثة يقول: «فَأَرَادَ اللَّهُ»، هنا عندي (فاء) مثبتة، وفي بعض النسخ: «أَرَادَ اللَّهُ»، فأما على إثبات الفاء ففيه إشكال، وأما على حذفها فلا إشكال، والإشكال في خبر (إن) إذا كانت الفاء موجودة: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى»؛ لأن «أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى» بدل من «ثَلَاثَةً»، ما يمكن أن تكون هي الخبر، وإذا كانت بدلًا فإن (إن) تطلب الخبر.
فعلى حذف الفاء يكون الخبر جملة «أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ»، ولا إشكال فيها، ولكن على وجود الفاء يكون الخبر محذوفًا دَلَّ عليه السياق والتقدير: إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أقص عليكم نبأهم، الخبر يكون محذوفًا يُقَدَّر بما يتناسب والمقام.
«فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ»، إرادة كونية أو شرعية؟ إرادة كونية، يقول: «يَبْتَلِيَهُمْ» يختبرهم، كما قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠].
«أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا» (ملَكًا) ولَّا (ملِكًا)؟
طالب: «ملَكًا».
الشيخ: الفرق بينهما أن الملِك السلطان، والملَك أحد الملائكة، والملائكة عالم غيبيٌّ خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم قائمين بطاعة الله، لا يأكلون ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار لا يسأمون، ولهم أشكال، ولهم أعمال ووظائف مذكورة في الكتاب والسنة، وعلينا أن نؤمن بهم، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة.
قال أهل اللغة: وأصل (الملَك) مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة، وعلى هذا فيكون أصله: مألك، فصار فيه إعلال قلبي فصار: ملأك، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام الساكنة وحذفت الهمزة للتخفيف، فصار: ملَك، ولهذا في الجمع تأتي الهمزة فيقال: ملائكة.
«فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلَكًا»، وهذا الملَك (...) جعله الله عز وجل قادرًا على أن يتجنس ويكون من جنس هؤلاء.
«فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي».
طالب: (الذي قذرني الناس).
الشيخ: «الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ»، نعم.
شوف هو طماع، قال: «لَوْنٌ حَسَنٌ»، ما اقتصر على مجرد زوال العيب، بل طلب أكثر من ذلك، والثاني: «جِلْدٌ حَسَنٌ» مثله، قال: «ويذهَبُ» هل نقول: «يذهبُ» ولَّا «يذهبَ»؟
طالب: «يذهبُ».
الشيخ: «يذهبُ»؟
طالب: «يذهبَ».
الشيخ: «يذهبَ»؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي.
طالب: لا، بالضم.
طالب آخر: على تقدير.
الشيخ: اختلف النحويون.
طالب: منصوب بـ(أن) مضمرة يا شيخ.
الشيخ: ما ينصب بـ(أن) مضمرة.
وَشَذَّ حَذْفُ (أَنْ) وَنَصْبُ فِي سِوَى مَا مَرَّ........................

لأن ما قبلها شيء يوجب حذفها؛ لأن (لون) ما هو مصدر، ما هو اسم خالص، وأيضًا هو التقدير: أحب شيء إليَّ لون حسن.
«يذهبُ»، وعلى هذا فالرفع أولى لكنه يقدر بمصدر، كقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وهو مُقدَّر بمصدر بدون حرف (أن)، وعلى هذا التقدير: وذهاب الذي.
وقوله: «قَدْ قَذِرَنِي»، ويش معنى «قذرني»؟ أي: استقذروني وكرهوني وكرهوا مخالطتي من أجله. «قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ»، الباء للسببية؛ أي: بسببه.
«قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا» الله أكبر! هذا من قُدرة الله عز وجل، مسحه ليتبين أن كل شيء له سبب، لما مسحه بإذن الله عز وجل برئ، ذهب عنه القذر وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، كما أراد أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، كما أراد، لكنه بدأ بذهاب القذر قبل اللون الحسن والجلد الحسن؛ لأنه يبدأ بزوال المكروه قبل حصول المطلوب، كما يقال: التخلية قبل التحلية.
(«قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوِ الْبَقَرُ». شك إسحاق)، إسحاق أحد الرواة، ولكن الظاهر أنه الإبل كما يفيده السياق.
«الْإِبِلُ أَوِ الْبَقَرُ»، أيضًا طلب من المال أدناه ولَّا أعلاه؟
الطلبة: أعلاه.
الشيخ: أعلاه. يقول: «فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ»، سبحان الله العظيم! من أين جاءت الناقة؟ سخَّرها الله عز وجل وذلَّلها، فلعلها كانت قريبة من الملك فأعطاه إياها.
وقوله: «عُشَرَاءَ»، على وزن فعلاء، قيل: إنها الحامل مطلقًا، وقيل: إنها الحامل التي بلغ حملها عشرة أشهر. وأيهما أصح؟
طالب: في لغتنا غير ذلك.
الشيخ: ويش لغتنا؟
الطالب: أقول يعني عندنا (...) العشراء اللي تحمل.
الشيخ: اللي معها ولدها؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، في اللغة يقول في القاموس: إنها التي تَمَّ لحملها عشرة أشهر أو ثمانية.
طالب: (...).
الشيخ: «أُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا»؛ أي: أنزل لك البركة. وهل هذا خبر أو دعاء؟
طالب: خبر بمعنى الدعاء.
الشيخ: يحتمل أنه لفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء، ويحتمل أنه خبرٌ مُجرد؛ خبر محض، يعني كأنه قال: هذه ناقة عشراء مبارك لك فيها، ويكون على هذا المعنى على تقدير (قد)؛ أُعْطِيَ ناقة عشراء فقال له: قد بارك الله لك فيها.
ولكن الأقرب أنه للدعاء، فهو خبر لفظًا دعاءٌ معنًى، وإنما قلنا ذلك هو الأقرب لأنه يسلم من التقدير.
طالب: ولا يحتمل -يا شيخ- أنه بمعنى الدعاء المجرد؟
الشيخ: لا، هو دعاء ما فيه شك، لكن كلمة (بارك) فعل ماض، هو دعاء، نحن نقول: دعاء لفظه لفظ الخبر. «قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا».
قال: «فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ»، ولا (شعرٌ) ويكفي؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هو يبغي أزيد: «شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ». ويش هو الذي قذر الناس به؟ القرع؛ لأن الإنسان إذا كان رأسه أقرع كرهه الناس واستقذروه، وهذا يدل على أنه ليس من عادتهم أن يلبسوا الغترة والشماغ؛ لأنه لو كانوا يلبسون ذلك لكان يجعلها على رأسه وينتهي الموضوع، ولا العمائم أيضًا، وإن كان قد يبدو بعض الرأس ويكره مما بدا، ولكن على كل حال هذا الرجل متأثر نفسيًّا من هذا القرع الذي فيه؛ لأنه يقول: إن الناس يستقذروني.
«قَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ أَوِ الْإِبِلُ».
طالب: «فَمَسَحَهُ».
الشيخ: إي نعم، «فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا»، كما طلب، وهذه نعمة من الله أن الإنسان إذا سأل الله عز وجل أن يعطيه ما سأل.
(«قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ أَوِ الْإِبِلُ»، الشك من إسحاق)، ولكن كما قلنا: إن سياق الحديث يدل على أنه أعطي البقر.
يقول: «فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا».
«فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يُرُدَّ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ»، ما شاء الله هذا زاهد! ما طلب بصرًا يخرق الجدار أو بصرًا حسنًا، إنما طلب بصرًا يبصر به الناس فقط؛ أن يرد الله إليه بصره حتى يبصر به الناس، شوف حال هذا الرجل مع السابقين، بينهم فرق.
يقول: «فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ»، بصره الذي كان يبصر به من قبل، والظاهر أن بصره الذي كان معه من قبل هو ما يبصر به الناس فقط.
يقول: «قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ»، وهذا أيضًا يدل على زهده وتواضعه، وأنه لا يريد من المال إلا ما تقوم به كفايته فقط، كما أنه يدل على أنه صاحب سكينة وتواضع؛ لأن السكينة في أصحاب الغنم.
«قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا». سبحان الله! قوله: «فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا») قيل إن المعنى: «وَالِدًا» قريبة الولادة؛ ليوافق ما سبق وما سيأتي؛ لأن صاحبيه أُعْطيا أنثى حاملًا؛ الأول: «نَاقَةً عُشَرَاءَ»، والثاني: «بَقَرَةً حَامِلًا»، وهذا «أُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا»؛ أي: قريبة الولادة، والشيء قد يُسَمَّى بالاسم القريب؛ يعني قد يُعَبَّر عن الشيء حاصلًا وهو لم يحصل لكنه قريب الحصول، ولعله مما يؤيد ذلك: «قَالَ: فَأَنْتَجَ هَذَانِ»، عندكم: «فَأَنْتَجَ»؟
طلبة: نعم.
الشيخ: «فَأَنْتَجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا»، كلمة «وَلَّدَ هَذَا» مع قوله: «فَأَنْتَجَ» يشعر بأن معنى قوله: «وَالِدًا»..