يشعر بأن معنى قوله: «وَالِدًا» أي: قريبة
الولادة.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، لا بأس به، أنثى والدة مثل ما يقال: حامل ومرضع؛
لأن الوصف (...) منها يُستغنى به -أي بالمعنى- عن التفسير اللفظي.
وقوله: «فَأُنْتِجَ هَذَانِ»، وفي رواية: «فَأَنْتَجَ هَذَانِ». وفي (...) ذلك: فنَتَج هذان. والأصل أن
هذه المادة (نتج) في اللغة العربية، الأصل أنها مبنية للمفعول دائمًا، تقول: نُتجت
الناقة أو أُنتِجت، ولا تقول: نَتجت أو أَنتجت، لكن الرواية المسموعة تكون على خلاف
الأكثر: «أَنْتَجَ هَذَانِ»، ومعنى «أَنْتَجَ هَذَانِ» الإشارة لصاحب البقر والإبل.
«وَوَلَّدَ هَذَا»، يعني «أَنْتَجَ»، أي: حصل لهما نتاج من الإبل والبقر. «وَوَلَّدَ هَذَا»: أي صار لشاته أولاد.
قالوا: والمنتِج
من أَنتج، والناتِج من نَتج، والْمُوَلِّد للمُوَلَّد، مِثله القابِلة التي
تُوَلِّد النساء. لكن من تولَّد توليد النساء يقال له: قابِلة، ومن تولد توليد غير
النساء يُقال: منتِج أو نَاتج أو مُولِّد؛ مُنتِج إذا كانت من أَنْتَج، وناتِج إذا
كانت من نَتَج، مُوَلِّد إذا كانت من وَلَّدَ.
«فَكَانَ
لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ
مِنَ الْغَنَمِ».
هنا استعمل اسم الإشارة للقريب في مكان البعيد، وكان
مقتضى السياق أن يقول: فكان لذاك؛ لأنه للأول، والأول هو أبعد المذكورين. لكنه يجوز
أن يُستعمل اسم الإشارة للقريب في مكان البعيد، وبالعكس.
«لِهَذَا» من هو؟ قلنا: إنه الأبرص والأقرع. «وَلِهَذَا» الأقرع، «وَلِهَذَا»
الأعمى.
إلى الآن ما بعد حصل مشكلة، الآن نحن في دور بيان النعم. يأتي على دور
الابتلاء.
«قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي
صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ»، «أَتَى الْأَبْرَصَ فِي
صُورَتِهِ». أي: في صورة الأبرص، «وَهَيْئَتِهِ»، أي: هيئة الأبرص. والفرق بين الصورة والهيئة؛
الصورة في الجسم، والهيئة في الشكل واللباس وما أشبه ذلك.
يقول: «رَجُلٌ مِسْكِينٌ» (...).
الثياب ما هي طيبة وعليها
علامة الفقر، وهذا هو معنى الهيئة.
قال: «فَقَالَ رَجُلٌ
مِسْكِينٌ»، الخبر مبتدأ محذوف، التقدير: أنا رجل مسكين، والمسكين الفقير،
وسُمِّي الفقير مسكينًا، قالوا: لأنه أسكنه الفقر وأذله؛ لأن الغني في الغالب يكون
عنده قوة، وعنده حركة بخلاف المسكين، المسكين غالبًا هادئ ضعيف النفس، يرى نفسه في
مكان حقير.
«قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قَدِ
انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي»، «الْحِبَالُ»، الأسباب، فالحبل يطلق على السبب، والسبب يطلق
على الحبل، قال الله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج: ١٥]، يعني بحبل، وهنا قال: «الْحِبَالُ» يعني: الأسباب، وواضح جدًّا إطلاق هذا على هذا
وهذا على هذا؛ لأن الحبل سبب يتوصل به الإنسان إلى مقصوده، كالرِّشا مثلًا يتوصل به
الإنسان إلى الماء الذي في البئر.
يقول: «فِي سَفَرِي،
فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ»، هذه «لَا» نافية للجنس، «لَا بَلَاغَ»
البلاغ بمعنى الوصول، ومنه التبليغ، تبليغ الرسالة أي إيصالها إلى المرسل إليه،
يعني لا شيء يوصلني إلى أهلي ولا أستطيع ذلك إلا بالله، ثم بك.
إذن فالمسألة من
الضرورة أن يعطيه ولَّا لا؟ من الضرورة، ما دام الرجل ما عنده شيء إلا الله، ثم هذا
الرجل.
«أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ
الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ»، أسألك: «بَعِيرًا».
السؤال هنا ما هو سؤال استخبار، سؤال استجداء؛
لأن (سأل) تأتي بمعنى (استجدى)، وتأتي بمعنى (استخبر)، سألته عن فلان؛ استخبرته،
سألته مالًا؛ استجديته واستعطيته.
«أَسْأَلُكَ بِالَّذِي
أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ»، من الذي
فعل ذلك؟ الله عز وجل، فمَسْح الملَك عليه ما هو إلا مجرد سبب، وإلا فالذي أزال عنه
القذر وأعطاه اللون الحسن والجلد الحسن والمال هو الله سبحانه وتعالى.
وهنا قال:
«أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ». لم يقل: أسألك
بالله؛ لأجل أن يُذَكِّره نعمة الله عليه، وإلا لو قال: أسألك بالله أن تعطيني كذا
وكذا؛ صح، لكنه قال: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ
اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ»؛ ليُذَكِّره بنعمة
الله عليه، حتى يكون في ذلك إغراء له على إعانة هذا المسكين؛ لأن هذا المسكين يا
إخواني جَمَعَ بين أمرين: بين كونه مسكينًا، وكونه ابن سبيل، يعني فيه سببان
يقتضيان الإعطاء.
«أَسْأَلُكَ بَعِيرًا
أَتَبَلَّغُ»، شوف كلمة «بَعِيرًا» تدل على أن
الأبرص أُعطي الإبل، ويكون بالأول إسحاق حين عبَّر الإبل أو البقر، هذا من باب
ورعه، قال: هذا أو هذا، وإلا فلما ساق الحديث علمنا أن الأول أُعْطِي الإبل.
«أَسْأَلُكَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بهِ فِي
سَفَرِي»، ليس «بَعِيرًا» أطيب الإبل، «بَعِيرًا» يتبلغ به في سفره، يتوصل به إلى أهله.
فما قال
هذا الرجل والعياذ بالله؟
قال: «الْحُقُوقُ
كَثِيرَةٌ». نسأل الله العافية! «الْحُقُوقُ
كَثِيرَةٌ». يعني معناه أن هذا المال اللي عندي متعلق به حقوق كثيرة، ما هو
حقك أنت فقط، وهذا اعتذار منه، ورد لطلب هذا المسكين الذي هو مسكين وابن سبيل،
وتناسى -والعياذ بالله- أن الله هو الذي منَّ عليه بالجلد الحسن، واللون الحسن،
والمال، تناساه.
فلما كان هذا تناسيًا منه بما أنعم الله به عليه، ذَكَّره الملك
به فقال: «كَأَنِّي أَعْرِفُكَ». ما تقولون في (كأنَّ)
هنا؟
طالب: تشبيه.
الشيخ:
لكن هو يعرفه؟
طالب: (...).
الشيخ: وهنا قلنا: إن (كأنَّ) إذا دخلت على اسم جامد فهي
للتشبيه، مثل: كأنَّ فلانًا بحر أو أسد، وإذا دخلت على مشتق فهي للظن والْحُسبان.
وقوله: «كَأَنِّي أَعْرِفُكَ». معناه: أنني كنتُ
أعرفك؛ لأنه يعلم هذا، فهو يقول: إني أعرفك معرفة تامة.
«أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَالََ؟»، ذكره بالنعمة: «أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟»، و«فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ الْمَالَ».
بقي: «أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟». فأعطاك الله
اللون الحسن؟ أو لا؟ إي نعم، هكذا يكون، لكن أراد أن يبينه بما فيه من العيب السابق
حتى يعرف قدْر النعمة، وهو بنفسه يحمل، أو يكمل ما بقي؛ لأنه ما يمكن ينكر أنه
أبرص.
شوف المال أنكر، فقال: «إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا
الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ». أعوذ بالله! الآن أنكر أن يكون المال من
الله، وقال: إنه ورثه كابرًا عن كابر؛ لأنه يمكن أن يُكابِر ويقول: إني ورثته
كابرًا عن كابر.
لكن البَرَص ما يستطيع أن ينكره؛ لأن هذا الرجل -أعني الملك-
قال: «أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ؟». وهنا الاستفهام
للتقرير؛ لأن الاستفهام إذا دخل على (لم) يكون للتقرير، كقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك.
إذن،
قد كنتَ أبرص، وكنت فقيرًا، لكنه لم ينكر البرص، وأنكر المال، فقال: «وَرِثْتُهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ».
«كَابِرٍ» يقصد الكبر المعنوي أو الحسي؟
طلبة: الحسي.
الشيخ: الحسي، يعني
أبًا عن جد، و«كَابِرًا». منصوبة بنزع الخافض،
والتقدير: من كابر، يعني: ممن يكبرني وهو الأب، «عَنْ
كَابِرٍ» له وهو الجد.
وقال بعضهم: إن المراد الكِبَر المعنوي؛ يعني أننا
شركاء ونحن في سيادة وفي نعمة من الأصل، فليس هذا مما تجدد لنا، بل نحن كبراء
وشركاء.
والحقيقة أن اللفظ يحتمل المعنيين جميعًا.
يقول: «فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا
كُنْتَ».
قوله: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا»،
«إِنْ» هذه شرطية ولها مُقابِل؛ يعني: وإن كُنتَ صادقًا
فأبقى الله عليك النعمة، «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ
اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ»، وإن كنت صادقًا فأبقى الله عليك النعمة.
فإن
قال قائل: كيف يأتي بـ(إن) الشرطية الدالة على الاحتمال، مع أنه يعرف أنه كاذب أو
لا؟ ما هو يعرف؟
طلبة: يعرف.
الشيخ: يعرف أنه كاذب، وقرَّره بالأول بنعمة الله عليه، فكيف
يقول: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا»؟
نقول: هذا من باب
التنزُّل مع الخصم، كيف التنزُّل مع الخصم؟
يقول: «إِنْ
كُنْتَ» كما ذكرت عن نفسك، ورثته كابرًا عن كابر؛ فأبقى الله عليك هذه
النعمة، و«إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا». وأنك لم ترثه «كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا
كُنْتَ». ولم يقل: إلى ما أقول، قال: «إِلَى مَا
كُنْتُ»؛ لأنه كان على ذلك بلا شك. وهذا من باب التنزُّل مع الخصم، وهو
كثيرًا ما يرد في الأمور المتيقنة. قال الله عز وجل: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، ومعلوم؟
طلبة: أن الله خير (...).
الشيخ:
وأن الله عز وجل خير مما يشركون، ولكن هذا من باب مقابلة الخصم بما يدعيه لإدحاض
حجته.
وفي قوله: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا»، دليل على
تعليق الدعاء بالشرط، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهو موجود ولَّا غير موجود؟
طالب: موجود.
الشيخ: مثل (...) في
القرآن.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور: ٧]، وتقول هي:
وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].
(...) في ذكر المسائل (...)
***
في قصة الأبرص قال: الإبل أو البقر، شك إسحاق، وذكرنا أن في السياق ما يدل على أنه قال: «الْإِبِل».وتقدم أيضًا أن الأبرص والأقرع لم يطلبا مقدار الكفاية، بل طلبا أكثر من الكفاية، ولم يطلبا أيضًا من المال أقله، بل طلبا ما هو أعلى من الإبل والبقر.
وسبق أن الله عز وجل أرسل إليهما الملك بصورتيهما قبل النعمة، ولكنهما جحدا وأنكرا وقال كل منهما: «إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ».
وبقي الأعمى، الأعمى يظهر عليه من الأصل أنه رجل زاهد؛ لأنه ما طلب إلا أن يرد الله إليه بصره حتى يرى الهلال ضحى؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟ ولكن أيش؟ حتى يبصر الناس فقط: «فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ».
وأنه اختار من المال أدناه وهو الغَنَم، وهذا مما يدل على زهادته، وأنه لا يريد إلا الكفاية؛ ولهذا كان شكورًا للنعمة، قانعًا بما أعطاه الله.
يقول المؤلف رحمه الله في سياق الحديث: «قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا».
«أَتَى» الفاعل يعود على «الْمَلَكِ».
«فِي صُورَتِهِ» أي في صورة الأقرع.
وفي الأول، في الأبرص قال: «فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ»، وهنا قال: «فِي صُورَتِهِ» فقط. فالظاهر -والله أعلم- أن هذا من تصرُّف الرواة، وإلا فالغالب أن الصورة قريبة من الهيئة، لكن تقدم أن الصورة في البدن والهيئة في المظْهَر.
«فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا»، المشار إليه من؟ الأبرص.
«فَرَدَّ عَلَيْهِ» أي: الأقرع «مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا». أي: الأبرص، فصار كلا الرجلين -والعياذ بالله- غير شكور لنعمة الله تعالى ولا معترِف بها، ولا رحيم لهذا المسكين الذي انقطع به السفر.
«قَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ».
«إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا» في ماذا؟ فيما تقول: من أنك ورثتَ هذا المال كابرًا عن كابر.
«فَصَيَّرَكَ اللَّهُ»، أي: ردك «إِلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ». من أي شيء؟ من القرَع الذي يقذرك الناس به.
«قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ»، فأتاه على أي كيفية؟ أعمى. «فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي».
«مِسْكِينٌ» أي: فقير، «ابْنُ سَبِيلٍ» مسافر، «انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ» الأسباب، «فِي سَفَرِي».
وقد تقدم لنا الفرق بين المسكين والفقير، وقلنا: إنهما إذا انفرد أحدهما عن الآخر، فمعناهما واحد، وإن اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر؛ ولهذا يُقال: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
«وَابْنُ سَبِيلٍ» تقدم لنا أنه المسافر، وسُمِّي ابن سبيل لملازمته للطريق، ومنه سُمِّي: ابن ماء لطير الماء، فكل شيء يلازم شيئًا فإنه يُضاف إليه بلفظ البنوة.
يقول: «فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ»، ما معنى البلاغ؟ الوصول؛ يعني: فلا أصل إلى أهلي وإلى حاجتي وإلى بغيتي «إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ».
«أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي». لم يقل: أسألك بالله، لماذا؟ تذكيرًا له بنعمة الله عليه.
«بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ» الرجل الأعمى: «قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي». اعترف بالنعمة، والاعتراف بالنعمة أحد أركان الشُّكر، والركن الثاني؟
طالب: أركان الشكر؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بالجوارح.
الشيخ: بالجوارح، بطاعة الْمُنعم. والركن الثالث؟
طالب: الاعتراف بالقلب و..
الشيخ: الاعتراف بالقلب بأنها من الله.
الطالب: (...) بلسانه.
الشيخ: وعلى هذا قول الشاعر:
| أَفَــــادَتْكُـــمُ النَّـــــــعْمَاءُ مِنِّي ثَـــــلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
هذا الرجل اعترف: «قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي»، وهذا من باب التحدث والاعتراف بنِعمة الله سبحانه وتعالى.
«فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ»، ما شاء الله! الرجل يقول: «شَاةً وَاحِدَةً»، المطلوب شاة، ويتبلغ بها في سفره، والرجل هذا قال: «خُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ». شاة أو أكثر؟ إن شئت أن تأخذ أكثر فلا حرج. «قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ».
«فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ»، معنى «لَا أَجْهَدُكَ»، أي: لا أبلغ الجهد منك، أي: المشقة، الجَهْد بالفتح مشقة. والمعنى: لا أشق عليك بمنع ولا مِنة؛ لأن المسؤول إما أن يمنع، والمنْع شاق على السائل، وإما أن يعطي ولكن مع المنة، والْمِنة أيضًا شاقة على المعطى؛ ولهذا جعلها الله تعالى مُبطِلة للصدقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: ٢٦٤].
إذن، ما معنى: «لَا أَجْهَدُكَ»؟ أي: لا أبلغ الجهد منك بماذا؟ «بِمَنْعٍ وَلَا مِنَّةٍ، خُذْ مَا شِئْتَ»، بدون مِنَّة، خُذ ما تريد، فأنا لا أمنعك ولا أمنُّ عليك بما تأخذ.
وهذا من هذا الرجل الأعمى ظاهر جدًّا في شُكْر نعمة الله، ظَهَر عليه الاعتراف باللسان: «قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي». وهذا الاعتراف باللسان مطابِق لما في القلب، فيكون دالًّا على الشكر بالقلب بالتضمن، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وقوله: «خُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ»، هذا من باب الشُّكر بالجوارح، فيكون هذا الرجل الأعمى قد أتم أركان الشُّكر: اعتراف بالقلب وباللسان وبالجوارح.
وقوله: «لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ»، «لِلَّهِ»، اللام هنا للاختصاص، المعنى: لأجل الله عز وجل، وهذا ظاهر في إطلاقه، وأنه لم يمنعه إلا إخلاصًا لله سبحانه وتعالى، فكل ما تأخذه لله فأنا لا أمنعك منه ولا أرده.
طالب: يا شيخ؟ طيب، كيف صار بالجوارح؟ لأنه..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا باللسان والقلب؟
الشيخ: باللسان والقلب، الجوارح قوله: «خُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ»؛ لأن هذا إعطاء، والإعطاء من أعمال الجوارح. ما هو ظاهر؟ إذا أعطيتك.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذا أعطيتك شيئًا فهذا شُكْر لله تعالى على هذه النعمة.
الطالب: (...)، قوله: «خُذْ» يعني ما أعطاه بيده ولا..
الشيخ: أذن له.
الطالب: إي.
الشيخ: هذا الإذن هو إعطاء، لولا الإذن ما أخذ شيئًا، إي نعم.
طالب: هل يجوز (...)؟
الشيخ: الجوارح (...).
الطالب: والإرادة؟
الشيخ: هي تبع القلب.
الطالب: وهذا أراد أنه يعطيه؟
الشيخ: ما هو أراد، أذن له بلسانه، فهذا بدل ما أنه يأخذ مثلًا شاة ويعطيه إياه، قال: خذ أنت علشان أحسن أن يأخذ ما يريد؛ لأنه لو أن هذا الرجل الأعمى أخذ شاة وأعطاه إياها قد تكون غير التي في نفسه، ويستحيي أن يقول: أعطني غير هذه، لكن «خُذْ مَا شِئْتَ» أبلغ.
طالب: يا شيخ اللام (...)؟
الشيخ: للاختصاص، يعني معناه أنه «أَخَذْتَهُ لِلَّهِ»؛ يعني إخلاصًا لله عز وجل، كل ما أخذته لله عز وجل، يعني معناه أن يراد به وجه الله، «فَخُذْ مَا شِئْتَ». يعني فيما لو قُدِّر أنها ليست هذه القصة، وجاء إنسان يستعين منك أو يستعينك بشيء يأخذه للهو، تمنعه؛ لأنه ما أخذه لله.
«قَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ»، الذي قال له الملكُ: «أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ». اختبرتم، والذي ابتلاهم الله عز وجل، وظاهر الحديث: أن هذا الرجل مع صاحبيه كانت قصتهم مشهورة معلومة بين الناس؛ لأن قوله: «فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ»، يدل على أن عنده علمًا بما جرى لصاحبيه، وغالبًا ما تكون هذه الأشياء مشهورة: رجل أبرص، ثم يعافيه الله، ويعطيه المال، ورجل أقرع يعافيه الله ويعطيه المال، هذا في الغالب أن يكون مشهورًا، قصته مشهورة.
«فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» . «رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ»؛ لأنك شكرت نعمة الله باللسان والقلب والجوارح، «وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ»؛ لأنهما كفرا نعمة الله سبحانه وتعالى، فأنكرا أن يكون الله عز وجل مَنَّ عليهما بالشفاء من المرض وأعطاهما المال.
في هذا الحديث من العِبَر شيء كثير:
منها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقص علينا أنباء بني إسرائيل من أجل الاعتبار والاتعاظ بما جرى، وهو أحد الأدلة التي استدل بها مَنْ قال: إن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وموضع بحث هذه القاعدة أصول الفقه، لكنه لا شك أنها قاعدة صحيحة، وأن ما ثبت للأمم فهو ثابت لنا إلا إذا وَرَد الشرع بخلافه.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما ثبت في شرعنا، أما ما أحدثوه من تصحيح أو تغيير فهذا معلوم أنه ليس بشرْع.
الطالب: طيب، كيف نعرف؟ (...)، كيف نعرف أن هذا محرَّف أو غير محرَّف؟
الشيخ: هذا قد نقول: إننا نعرف ذلك بأن تتفق عليه الأناجيل، وليس في شرعنا ما يخالفه. فهذا نعرف أنه دل عليه الشرع، أو أن الله يحكي لنا عن شيء مما شرعه لمن سبق بدون أن يقول التزموا به، فإننا نأخذ به. فطُرق العِلم بأنه شرع لمن قبلنا؛ إما في القرآن، وإما في السُّنَّة، وإما في أخبار عن الصحابة رضي الله عنهم الذين لم يُعرفوا بالنقل عن بني إسرائيل.
المهم أن طرق العِلْم كثيرة، لكن إذا ثبت أنه من شَرْعهم ولا بالمبدَّل والمحرَّف فإنه شرع لنا، والأدلة في هذا متعددة.
ومن فوائد الحديث: بيان قدرة الله عز وجل، بماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، بإبراء الأبرص، والأقرع، والأعمى من هذه العيوب التي فيهم.
ومن فوائده: أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، أو لا؟ نعم؛ لقوله: «فَيَأْتِي الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ..» إلى آخره.
ومن فوائدها: أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحًا أو معانٍ فقط أو قوى، والأدلة على ذلك أيضًا كثيرة، وقد سبق الإشارة إليها.
ومنها: حرص السلف أو الرواة، حرصهم على نقل الحديث بلفظه.
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، إسحاق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لا يلزمه الرضا بقضاء الله.
طالب: (...).
الشيخ: لا يلزمه الرضا بقضاء الله؟
طالب: يلزمه.
الشيخ: أي: في المقضي، لا يلزمه الرضا في المقضي؟ كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: بعبارة أوضح لكم، أنه لا يلزمه الرضا بالمصائب.
طلبة: إي نعم.
الشيخ: ما يلزمه الرضا بها؟
طالب: كيف يا شيخ؟
طلبة: (...).
طالب: ينقسمون، الناس تنقسم.
طالب آخر: لا، لا يلزمه.
الشيخ: الرضا بالمصائب لا يلزم، والصبر يلزم، الصبر لازم والرضا غير لازم؛ ولهذا هؤلاء الذين أُصِيبوا، قالوا: أحب إلينا أن يكون كذا، وأن يكون كذا، والرضا معناه أنه ليس يحب شيئًا سوى ما وَقَعَ، راضٍ به. وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب، أن للإنسان عند المصائب أربعة مقامات: جزَع، وصَبْر، ورِضا، وشُكْر. كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الجزع مُحرَّم، والصبر واجب، والرضا مُستحب، والشكر أحسن وأطيب.
وقد سبق أيضًا أننا أوردنا: كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة وهي لا تلائمه؟ كونه يشكر على النعمة واضح؛ لأنها تلائمه، لكن كونه يشكر على المصيبة وهي لا تلائمه كيف ذلك؟ وقلنا: إن الإنسان إذا آمَن بما يترتب على هذه المصائب من الأجر العظيم، عرف أنها تكون بذلك نعمة، والنعمة تُشكر. هذا وجه كون الإنسان يمكن أن يشكر على المصائب.
طالب: لكن يا شيخ الحديث الذي مر معنا: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» ؟
الشيخ: نعم، سبق لنا الكلام عليه، وقلنا: المراد بالرضا هنا الصَّبْر، أو الرضا بأصل القضاء دون المقضي؛ لأنه فيه فرق بين أصل القضاء الذي هو فعل الله يجب الرضا به؛ لأن الله حَكيم عز وجل، وبين المقضي فقد ذكرنا أنه ينقسم إلى أقسام: مصائب وأحكام؛ فالأحكام الشرعية يجب الرضا بها، لا ترضى بأن هذا الشيء حرام، وهذا واجب، وهذا مُباح، وهذا مكروه، وهذا سُنَّة. تقدم التفصيل فيه.
طالب: (...) إعادة وجه الاستدلال؟
الشيخ: أي استدلال؟ (...)
صبر؛ يعني رَضِي ولَّا ما رَضِي؟
طلبة: ما رَضِي.
الشيخ: ما رضوا بالمقضي، ولهم الحق في ذلك؛ ولهذا الإنسانُ إذا مرض يسأل الله أن يشفيه من المرض، وإذا افتقر يسأل الله تعالى أن يرزقه الغنى وما أشبه ذلك.
وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد: جواز الدعاء المعلَّق. منين نأخذه؟ «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ». فهذا ما قال: صيَّرك الله إلى ما كنت، قال: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا»، وهو يعلم أنه كاذب ولَّا ما يعلم؟ يعلم أنه كاذب، لكن هذا من باب التنزل معه.
وفيه أيضًا دليل على جواز التنزل مع الخصم فيما لا يقر به المتنزِّل، لأجل يتحامى الخصم؛ لأن قوله: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا»، الملَك يعلم أنه كاذب، لكن بناءً على قوله: إن هذا ما حصل، وأن المال ورثتُه كابرًا عن كابر. وقد ذكرنا أمثلة متعددة للتنَزُّل مع الخصم؟
طلبة: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩].
الشيخ: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، فهنا لا تخيير بين الآلهة التي تُعبد من دون الله وبين الله عز وجل، بل الله تعالى خير، لكن هذا من باب التنزُّل معهم.
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤]، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه على هدى، وأولئك على ضلال، لكن هذا من باب التنزل معهم، من باب العدل.
وفيه دليل، في الحديث دليل على أن بركة الله عز وجل لا نهاية لها.
طالب: «بَارَكَ اللَّهُ».
طالب آخر: (...).
الشيخ: من قوله: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا»، «فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ».
هل يستفاد منه أن دعاء الملائكة مُستجاب، أو أن هذه قضية في عين؟
طالب: قضية في عين.
الشيخ: نستفيد من هذا إذا قلنا بأنه يدل على أن دعاء الملائكة مُستجاب؛ صار الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب وقال الملك: «آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ» ، فحينئذٍ نعلم أن الدعاء قد استجيب، ولكن هذا ليس باليقين. فالظاهر لي أنها قضية في عين؛ يعني في هذه المسألة أجاب الله دعاءه للابتلاء الذي سيكون لهؤلاء.
ومن فوائد الحديث: بيان أن شُكْر كل نعمة بحسبها، فشُكْر نعمة المال أن يبذل المال في سبيل الله، شُكْر نعمة العلم أن يبذل العِلْم لمن سأله بلسان الحال أو المقال، وشكر نعمة البدن أن يُعين الإنسان ببدنه في حاجته يرفع متاعه على دابته، أو سيارته، أو ما أشبه ذلك، ونعمة الجاه أن يَشفى بحسب جاهه. شُكر كل نعمة بحسبها، والشُّكر الأعم الذي يستحق به الإنسان أن يكون من الشاكرين هو أن يقوم بطاعة الْمُنعم على سبيل الإطلاق؛ لأن الإنسان قد يشكر نعمة المال لكن ما يشكر نعمة البدن، أو بالعكس، لكن الشُّكر المطلق الذي يكون فيه الإنسان من الشاكرين هو أن يقوم الإنسان بطاعة الْمُنعِم في كل شيء.
ونظير هذا ما مَرَّ من التوبة: التوبة من كل ذنب بحسبه، لكن ما يستحق الإنسان وصْف التوبة الْمُطلق إلا إذا تاب من جميع الذنوب.
ومن فوائد هذا الحديث: دليل على جواز التمثيل، أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة. مثل أن يأتي في صورة مسكين وهو غني، أو ما أشبه ذلك؛ للاعتبار. ما تقولون في هذا؟ هل يمكن؟
طالب: لا، ما يمكن هذا.
طلبة: (...).
الشيخ: لكن مَلَك لا يعمل بمعصية الله؟
طالب: (...) بأمر الله، وهو ابتلاء هؤلاء.
الشيخ: طيب، إذا كان فيها مصلحة؟
طالب: مصلحة (...).
الشيخ: إذا كان فيه مصلحة، وأراد أن يختبر الإنسان بمثل هذا، فله ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فله ذلك، نعم.
وفيه أيضًا: دليل على أن الابتلاء قد يكون عامًّا وظاهرًا، من أين يؤخذ؟
من قوله: «فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ»، فقد قررنا قبل قليل أن هذا دليل على أن المسألة مشهورة وبيِّنَة.
طالب: (...).
الشيخ: وفيه دليل على فضيلة الورع والزهد، وأنه قد يجر صاحبه إلى ما تحمد عقباه. بدليل قصة الأعمى، فإنه لما كان زاهدًا في الدنيا، ولا يريد إلا ما تقوم به حاجته، كانت العاقبة أن كان شكورًا لنعمة الله.
وفيه دليل على ثبوت الإرْث في الأمم السابقة، وأن الميراث كما هو في الشريعة الإسلامية فهو أيضًا في الشرائع السابقة؛ لقوله: «وَرِثْتُهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ»، فهذا دليل على أن الميراث كان مَشهورًا في الأمم السابقة.
طالب: قوله: (...)؟
الشيخ: هذا يعني معناه أني أتمثل (...) المسكين، هذا هو التمثيل.
الطالب: طيب، لو (...)؟
الشيخ: للمصلحة ما فيه بأس.
الطالب: ما يُعد كذبًا؟
الشيخ: ما يعد كذبًا؛ لأنه ما هو يقول: إني أنا فلان بن فلان اللي هو نفسه، إنما يقول: أنا أُمَثِّل صورة هذا الرجل أو هذا الفلان أو ما أشبه ذلك.
الطالب: لا، قوله: هو «مِسْكِينٌ وَانْقَطَعَتْ بِي» كذا وكذا؟
الشيخ: يعني قصده -والله أعلم- في هيئة المسكين، وإلا هو الملَك ما هو بيسافر، ولا هو بيحتاج إلى الأكل والشرب، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الملائكة صمت ما لهم أجواف، ما يأكلون ولا يشربون، وإنما يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]. لكن هذا من باب أنه مَثَّلَ نَفْسَه بهذا الرجل؛ من باب التمثيل، وإلا هو يعلم. ولولا هذا كان (...)، يمكن يعطيه كل اللي (...) إذا خالفه يُعاقَب.
طالب: يا شيخ، الملائكة تتشكل بعد الرسالات؟
الشيخ: بعد رسالات مَنْ؟
الطالب: بعد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، تتشكل في (...)؟
الشيخ: يعني بعد موته ولَّا بعد الرسالة؟
الطالب: بعد موته؟
الشيخ: الله أعلم، ما ندري، ربما تتشكل، وربما لا تتشكل، قد يكون يقيد الله ملكًا من الملائكة يدل أحدًا على طريق (...)، كما يذكر في قصص كثيرة، ربما تقع هذه. وقد يكون لصالحي الجن تشكل في صورة رجل فدله على الطريق.
طالب: يا شيخ، (...).
***
الشيخ: وفي هذا الحديث إثبات صفتين من صفات الله عز وجل، بل أكثر من صفتين: الرضا والسخط؛ لقوله: «فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ».وفيه الإرادة، وهي: «أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ». وأهل السنة والجماعة يُثبتون هذه الصفات على المعنى اللائق بالله، على أنها حقيقة أو مجاز؟
طلبة: حقيقة.
الشيخ: على أنها حقيقة، فيقولون مثلًا في الإرادة: الله عز وجل يريد، وإرادته نوعان: كونية وشرعية، والفَرْق بينهما أن الكونية يَلزم بها وُقوع المراد، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله، قد يكون مرادًا له كونًا وليس محبوبًا إليه. وأما الشرعية فإنه لا يلزم بها وقوع المراد، ويلزم أن يكون محبوبًا لله. عرفتم الفرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الفرق؟
طالب: الكونية (...).
الشيخ: أن يكون محبوبًا لله. فإذا قال لك قائل: هل الله يريد الخير؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كونًا أو شرعًا.
طلبة: شرعًا.
الشيخ: الخير الواقع مراد لله كونًا وشرعًا؛ يعني العمل الصالح إذا وقع فهو مراد لله كونًا وشرْعًا، وإن لم يقع فهو مراد شرعًا غير مراد كونًا، والعمل السيئ إذا وَقَعَ فهو مراد لله كونًا غير مراد شرعًا، وإن لم يقع فهو غير مراد لا شرعًا ولا كونًا. واضح؟
طالب: (...).
الشيخ: خَلْقًا وتقديرًا، التكوين يعني؛ الخلق والتكوين.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا اللي عندك، مثلًا العمل الصالح إذا وقع، فهو مُراد كونًا وشرعًا؛ يعني أراد الله أن يكون فكان؛ هذا الكوني، وشرعًا؛ لأنه محبوب لله، فإن لم يقع فهو مراد شرعًا غير مراد كونًا.
طالب: طيب، شرعًا (...)؟
الشيخ: شرعًا إنما أراده، أراد منا أن نفعل؛ يعني أحبه. العمل السيئ؟
طالب: كونًا.
الشيخ: نشوف، العمل السيئ إذا وَقَعَ فهو مراد كونًا لا شرعًا، مراد كونًا؛ لأنه وقع، لا شك أن الله أراده، غير مراد شرعًا؛ لأن الله لا يحبه، فإن لم يقع فليس بمراد كونًا ولا شرعًا.
ولهذا نقول: الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة.
فيها أيضًا إثبات الرضا، الرضا (...).
طالب: (...)؟
الشيخ: لا.
الطالب: نقول: إنه مستحق له فيكون مُضنيًا على الله عز وجل بعمله.
الشيخ: صح، يكون مُضنيًا على الله تعالى بعمله، كأنه يقول: إن الله أعطاني؛ يعني لا تفضلًا منه ولكن لأني مستحق لذلك. وعلى الوجهين جميعًا ففيه كفران للنعمة.
(الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العِبَر العظيمة).
يعني قصة الثلاثة، وقد سبق لنا فيها ذِكْر عِبَر كثيرة، والذي ذكرناه ليس استيعابًا، من ذلك الفَرْق بين الأبرص، والأقرع، والأعمى. اذكر وجهًا من الفروق؟
طالب: نعم.
الشيخ: الفروق (...).
الطالب: والأعمى طلب (...).
الشيخ: هذه واحدة. الثاني؟ (...) اختبار الله عز وجل العباد بما أنعم الله به عليهم.
وفيها: أن الملائكة قد تتشكل وتتلون، لكن بأمر الله سبحانه وتعالى.
وفيها: أن التذكير بالأحوال يكون بالأقوال، ويكون بالأفعال والهيئات؛ لأن هذا الملَك ذكَّرَهم بحالهم بالأقوال والهيئات.
وفيها: أنه يجوز أن ينسب الإنسان إلى نفسه شيئًا لم يكن من أجل الاختبار؛ لقوله –الملك-: إنه فقير وابن سبيل انقطعت به الحبال.
وفيه: أن هذه القصة كانت معروفة مشهورة؛ ولهذا قال: «قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ».
أما مناسبتها للتوحيد فظاهرة؛ لأن هذا الباب إذا كان الإنسان أضاف النعمة إلى عمله وكَسْبه ففيه نوع من الإشراك في الربوبية، وإذا كان أضافها إلى الله لكن زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله تعالى ليس محض تفضُّل، ولكن لأنه أهل، ففيه نوع من التعلِّي أو التدلِّي بجانب العبودية، هذا إن كان من عباد الله.
***
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب قول الله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَاالآية [الأعراف: ١٩٠]).
فَلَمَّا آتَاهُمَاالضمير يعود على ما سبق؛ ولهذا ينبغي أن نشرح الآية من أولها.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: ١٨٩].
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍهل المراد مِنْ نَفْسٍأي من عين واحدة وهو آدم، أو المراد من جنس وصنف واحد؟
في ذلك لأهل العلم قولان:
القول الأول: أن المراد بالنفس الواحدة العين الواحدة؛ يعني شيء معين وهو آدم عليه الصلاة والسلام.
وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، مِنْهَا، (من) للتبعيض؛ لأن حواء خُلِقَت من ضلع آدم.
والقول الثاني: أن المراد بالنفس الجنس؛ أي: من جنس واحدة، وَجَعَل من هذا الجنس زوجَه ليسكن إليه، لم يجعل زوجه من جنس البقر، أو الإبل، أو الضَّأْن، أو الملائكة، بل من جنسها. والنفس قد يُراد بها الجنس كما في قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٦٤] أي: من جِنسهم؛ من الجنس.
ندع هذا حتى نُعرِّج عليه بعد ذلك.
وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، لِيَسْكُنَأي: الزوج. إِلَيْهَاأي: إلى الزوجة. وسكون الرجل إلى زوجته أمر ظاهر؛ لأن بينهما من المودة والرحمة ما يقتضي الأنس والاطمئنان والقرار والاستقرار بينهما، بل إن الإنسان الشاب عند زواجه لا شك أنه يقلق ويضطرب ويتكلف من معاناة الشهوة حتى يتزوج، فإذا تزوج سكن، فيكون السكون هنا من ناحيتين: من ناحية الشعور الذي يجده الإنسان حتى يتزوج، ومن ناحية أنه إذا تزوج سَكَنَ إليها سكونًا خاصًّا لا يوجد له نظير ولا بين الأم وابنها.
وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاهذا تعليل لماذا؟ لكونها من جنسه، أو منه إذا قلنا: إن النفس هو الْمُعيَّن.
فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ [الأعراف: ١٨٩].
تَغَشَّاهَا؛ يعني جَامَعَهَا، وعبارة القرآن والسنة عن الجِماع والكناية عنه أمر معلوم، كأن الاستحياء من ذِكْره بصريح اسمه أمْرٌ فِطْري؛ ولهذا تعبيرات القرآن: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء: ٤٣]، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧]، اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣]، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء: ٢١]، فَلَمَّا تَغَشَّاهَا [الأعراف: ١٨٩]، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧]، وما أشبه ذلك. كل هذا لأن الطباع السليمة تستكره أن تذكر هذا الشيء بخاص اسمه، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك فإنه قد يُصرح به، كما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام لماعز بن مالك وقد أقرَّ عنده بأنه زنى، قال له: «أَنِكْتَهَا» . لا تكني؛ لأن الحاجة هنا داعية إلى التصريح، حتى يتبين الأمر جليًّا؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وقوله: فَلَمَّا تَغَشَّاهَا، أظن أن تشبيه علو الرجل للمرأة عند الجِماع بالغشيان أمْر ظاهِر، كما أن الليل يستر الأرض بظلامه: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤]، لكنه لم يقل: فلما غشيها، بل قال: فَلَمَّا تَغَشَّاهَا؛ لأن هذا تغشٍّ فيه شيء من المعالَجة، كما جاء في الحديث: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا» ، شوف الجلوس بين الشعب الأربع هذا غشيان، لكن «ثُمَّ جَهَدَهَا» هذا تغشٍّ؛ لأنه أبلغ من قوله: غشيها.
وقوله سبحانه وتعالى: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ [الأعراف: ١٨٩]، حَمْلًا خَفِيفًا؛ لأن الحمل في أوله خفيف: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كل هذا خفيف.
ولهذا قال: فَمَرَّتْ بِهِ، والمرور بالشيء معناه تجاوزه من غير تَعَب ولا إعياء، كما تقول: (مررت بزيد)؛ أي: تجاوزته، المعنى أنها تجاوزت هذا الحمل الخفيف بدون تعب ولا إعياء.
فَلَمَّا أَثْقَلَتْ [الأعراف: ١٨٩]، ومتى يكون الإثقال؟ في آخر الحمْل.
فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا [الأعراف: ١٨٩]، لماذا لم يقُل: دَعُوا، بل قال: دَعَوَا؟ لأنهما اثنان.
لماذا لم يقل: دَعَيَا، كما هي اللغة العامية؟
طلبة: لأنها (...).
الشيخ: لأن الفعل واوي، فعاد إلى أصله، فصار دَعَوَا، لا دعيا.
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا، أتى بالألوهية والربوبية؛ لأن الدعاء عبادة، وإيصال المطلوب من جانب الربوبية، فالدعاء يتعلق به جانبان: الألوهية من جهة مَنْ؟ مِنْ جهة العبد أنه داعٍ، والدعاء عبادة، ويتعلق به جانب الربوبية أيضًا؛ لأن في الدعاء تحصيلًا للمطلوب، وهذا يكون متعلقًا بجانب الربوبية؛ لأن الرب عز وجل هو الخالق المالك المدبر.
فلهذا قال: دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا، فقالا: اللهم ربنا؛ هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون بصيغة أخرى غير تلك، ولكن هذا بيان للواقع، أنهم دعوا إلهًا ربًّا سبحانه وتعالى.
لَئِنْ آتَيْتَنَا [الأعراف: ١٨٩]، هذا المطلوب.
لَئِنْ آتَيْتَنَا، آتَيْتَنَابمعنى أعطيتنا. أما (أتيتنا) فهي بمعنى: جئتنا.
لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٨٩].
الجملة هنا فيها قَسَم وشَرْط؛ قسم مُتقدِّم، وشَرْط متأخر، والجواب فيها لأيهما؟ للقَسَم؛ ولهذا جاء مقرونًا باللام: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ.
وقوله: صَالِحًا، هل المراد صلاح الدين، أو المراد صلاح البدن؟ أي: لئن آتيتنا بشرًا سويًّا ليس فيه عاهة ولا نقص، أو صالحًا صلاح دين بأن يكون تقيًّا قائمًا بالواجب؟
طالب: الأخير.
الشيخ: أو يشمل الأمرين؟
طالب: يشمل الأمرين.
طالب آخر: ما يشمل الأمرين.
الشيخ: لا، يشمل الأمرين، بل إن كثيرًا من المفسرين لم يذكر إلا الأمر الأول وهو الصلاح البدني، لكن لا مانع من أن يكون شاملًا للأمرين جميعًا.
لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَأي: من القائمين بشكر هذا الولد الصالح.
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف: ١٩٠]، الذين يُرجِّحون أن المراد بالصلاح صلاح البدن، يقولون: إنه قال: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ، والجواب مُتعقِّب للشرط، وهذا يدل على أن إشراكهما وقع متى؟ حين الإتيان وهو صغير، ومثل هذا لا يُعْرف أيصلح في المستقبل أم لا يصلح؛ ولهذا أكثر المفسرين على أن المراد بالصلاح الصلاح البدني.
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا، حصل المطلوب ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولكن النتيجة بالعكس، ما حصل الشكر الذي وعدا الله به: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا، وشوف سبحان الله! معاهدة الإنسان ربه أن يفعل العبادة مقابِل تفضُّل الله عليه، الغالب أنها لا تكون، في سورة التوبة: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة: ٧٥، ٧٦]، وفي هذه الآية: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ [الأعراف: ١٨٩، ١٩٠]، فكانوا من المشركين لا من الشاكِرين. وبه تعرف سر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر؛ لأن النذر مُعاهَدة لله عز وجل، فقد نهى عن النذر وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» . وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريم النذر، وظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يميل إلى ذلك، إلى تحريم النذر؛ لأن الرسولَ عليه الصلاة والسلام نهى عنه، ونفى أن يأتي بخير.
فإذن ما الذي نستفيد من أمر نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبرنا أنه لا يأتي بخير؟ ما نستفيد إلا المشقة على أنفسنا وإلزام أنفسنا بما نحن في عافية منه؛ ولهذا القول بتحريم النذر قول قوي جدًّا، ولا يعرف مقدار وزن هذا القول إلا من عرف أسئلة الناس وكثرتها، يقولون: إننا نذرنا إذا حصل كذا أن نفعل كذا، ثم يحصل ما نذروا عليه ولا يفون، يذهبون إلى كل عالِم لعلهم يجدون خلاصًا مما نذروه.
المهم -هذه مسألة جئنا بها استطرادًا- يقول: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف: ١٩٠]، فِيمَا آتَاهُمَايكون الذي آتَاهُمَاوهو الوَلد هو محل الشِّرْك.
كيف شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا؟ هل عبدا الولد؟ لننظر، هذا الولَد الذي آتاهما الله عز وجل وهو صالح كيف جعلا في هذا الولد شِرْكًا في الله، بل شُرَكَاءَ؟ نقول: هذا على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يعتقدا أن هذا الولد من الولي الفلاني، أو الصالح الفلاني، هو الذي أتى به لهما، ما نوع هذا الشِّرْك؟
طلبة: أكبر.
الشيخ: شِرْك أكبر؛ لأنهما أضافا الخلْق إلى غير الله، فهذا شِرْك أكبر لا شك فيه، وهذا ما يكون عند بعض الأمم الإسلامية الآن، تجد المرأة إذا كانت لا يأتيها الوَلَد تأتي إلى قبر الولي الفلاني -كما يزعمون أنه ولي، والله أعلم بولايته- ثم تقول له: يا سيدي، يا فلان، يا فلان، أنا ما يأتيني الولد، أعطني الولد. هذا شِرْك أكبر مُخْرِج عن الْمِلَّة، هذا نوع.
ثانيًا: أن يعتقد أن هذا الولَد من الله عز وجل، لكن يُضِيف أسباب سلامته ووقايته إلى الأطباء وإرشاداتهم، وإلى القوابل وما أشبه ذلك، يقول مثلًا: سلم هذا الولد من الطلْق؛ لأن القابلة امرأة متقنة جيدة، أضاف الآن النعمة إلى أي شيء؟ إلى غير الله، إلى السبب. وهذا نوع من الشِّرْك وإن كان لا يصل إلى حد الشِّرْك الأكبر؛ لأنه أضاف النعمة إلى السبب، ونَسِي الْمُسبِّب وهو الله عز وجل.
ثالثًا: لا يُشرِك به من ناحية الربوبية، يؤمن بأن هذا الولد خرج سالمًا بفضل الله عز وجل ورحمته، لكن يشرك به من ناحية العبادة، فيقدم محبته لهذا الولد على محبة الله ورسوله، ويلهيه الولد عن طاعة الله. وفي هذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: ٩].
إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: ١٥]، هذا نوع من الشِّرْك بالولد الذي رزقك الله إياه بشرًا سويًّا صالحًا، فتُشرك بالله في كونك جعلته ندًّا لله في المحبة، وربما قدَّمت محبته على ما يحبه الله عز وجل.
هذا مضمون قوله: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف: ١٩٠]، وتأمل النقد اللاذع في هذه العبارة: فِيمَا آتَاهُمَا، كيف يجعلان شِرْكًا مع المتفضل به؟ وكان الأجدر بهما ألا يجعلا له شركًا؛ لأنه هو الذي تفضل به، هذا الشِّرْك الذي جعلته معهما له فضل بهذا الولد؟! أبدًا، فكيف تجعله شركًا مع الذي أتاك.
ثم قال الله تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠]، تَعَالَىعز وجل بمعنى ترفَّع وتقدَّس عَمَّا يُشْرِكُونَبه من هذه الأصنام وغيرها.
الآية إذن صريحة وواضحة، وهي على القول بأن قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [الأعراف: ١٨٩]، أي: من جِنس واحد، ليس فيها تعرُّض لآدم وحواء بوجْه من الوجوه، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويكون السياق فيها جاريًا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٦٤]، أي: من جِنسهم. وبهذا التفسير الواضح البيِّن يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة.
أما على القول بأن قوله: مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍأي: من شخص واحد وهو آدم وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاوهي حواء، فهنا نمشي مع الآية: خَلَقَكُمْ مِنْآدم وحواء، فَلَمَّاجَامَعَ آدمُ حواء حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا، أي: آدم وحواء دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف: ١٨٩، ١٩٠]، فأشرك آدم وحواء، أشركا بالله، لكن يقولون: إشراك طاعة لا إشراك عبادة فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠].
وهذا التفسير مُنطبق على ما سيُذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسنبين إن شاء الله تعالى وجه ضعفه وبطلانه.
والقول الثالث، يقول: الآية في آدم وحواء، خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثم جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا. فَلَمَّا تَغَشَّاهَاانتقل الكلام من العين إلى النوع، من العين اللي هو آدم وحواء، إلى النوع الذي هو جنس بني آدم؛ أي: فَلَمَّاتغشى الإنسانُ الذي تسلسل من آدم وحواء، فَلَمَّاتغشى زوجته حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَاإلى آخره.
واستدل لذلك بقوله: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠] بالجمع، ولم يقل: عما يشركان، فيكون هنا انتقل الضمير من العين إلى الجنس.
قالوا: ولهذا نظائر في القرآن؛ منها قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]، جَعَلْنَاهَاأي: المصابيح ولَّا الشهب الخارجة منها؟ الشهب الخارجة منها رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢، ١٣]، جَعَلْنَاهُمَنْ؟ الإنسان بالعين ولَّا الإنسان بالنوع؟
طلبة: بالنوع.
الشيخ: الإنسان بالنوع؛ لأن الإنسان بالعين وهو آدم المخلوق من سلالة من طين ما هو يكون يرجع ويصير في الأرحام، وإنما يكون نوع هذا الإنسان في الأرحام.
قالوا: فالآية في أولها لآدم وحواء، ثُمَّ انتقلت منين؟ مِنَ العين إلى النوع، هذا التفسير يعني له وجه، وفيه تنزيه لآدم وحواء من الشِّرْك، لكن فيه شيء من الركاكة، ما هي الركاكة اللي فيه؟ تشتُّت الضمائر: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا [الأعراف: ١٨٩]، تقول: فَلَمَّا تَغَشَّاهَاأي شيء آخر غير الأول. ففيه نوع من القلق. ولكنه على كل حال أهْوَن ممن يقول: إن الآية كلها بجملتها في آدم وحواء بلا شك، كما سنُبين إن شاء الله، فأقرب قول عندي هو أن الآية الكريمة في الجنس لا في العين من أصلها: خلقكم من جنس واحد، وجعل من هذا الجنس زوجه ليسكن إليه.. إلى آخره.
ويكون قوله: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠] جُمِعَ؛ لأن المراد بالمثنى الجنس أو الاثنين من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير عليه مجموعًا، كما في قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: ٩]، ولم يقل: اقتتلا؛ لأن الطائفتين جماعة.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف رحمه الله: (قال ابن حزم رحمه الله: اتفقوا على تحريم كل اسم مُعَبَّد لغير الله).
(اتفقوا) يعني العلماء، والاتفاق بمعنى الإجماع؛ يعني: أجْمَعوا (على تحريم كُلِّ اسم مُعَبَّد لغير الله)، يعني قيل فيه: عبد الشمس، عبد القمر، عبد النهار، عبد الحجر، عبد اللات، عبد العزى، وما أشبهها، عبد المسيح، عبد الحسين، عبد علي، عبد النبي، عبد الرسول، كل هذا حرام بالإجماع. والإجماع دليل من أصول الأدلة التي هي: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس.
يقول: (كعبد عمر وعبد الكعبة)، مَثَّلَ بما أضيف إلى البشر وما أضيف إلى الحجر. (عبد عمر) مضاف إلى البشر، (وعبد الكعبة) إلى الحجر، فما أُضيف إلى غير الله مما عُبِّد فإنه مُحرَّم بإجماع العلماء.
يقول: (وما أشبه ذلك)، مثل؟ ويش مثل (ما أشبه ذلك)؟
طالب: (...).
الشيخ: عبد الحسين، عبد الرسول.
طالب: عبد الزوجة.
الشيخ: عبد الزوجة!! طيب، زين.
بقي أن يُقال: هذا الإجماع ألا يعارضه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» . هذا مُعَبَّد لغير الله؟
يُقال: الجواب أن هذا وصف، الأخير وصف، وليس علمًا، وإنما هو وَصْف، شُبِّه المنهمك بمحبة هذه الأشياء، المقدِّم لها على ما يرضي الله بمن؟ بالعابد، فـ«عَبْدُ الدِّينَارِ» كقولك: عابد الدينار، فهو وصف؛ فلا يعارض هذا الإجماع.
قال: (حاشا عبدْ) أنا أقولها بالسكون (عبدْ المطلب)، صححوا؟
طلبة: (عبدَ).
الشيخ: (عبدَ)؟
طلبة: و(عبدِ).
الشيخ: و(عبدِ)، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن لو قال: ما حاشا لقال: عبدَ المطلب، ولا يقال: عبدِ المطلب.
إذن (حاشا) الاستثنائية إذا دخلت عليها (ما) وجب نصب ما بعدها، وإلا جاز فيما بعدها النصب والجر.
(حاشا عبد المطلب).
طالب: وتصحب (ما) (...)؟
الشيخ: إي نعم، تصحب (ما)، لكن ابن مالك يقول: ما تصحب، وإنما غيره قال: إنها تصحب.
(حاشا عبد المطلب) يعني أنهم لم يُجمعوا على تحريمه، ولكن اختلفوا، وليس المعنى لم يُجمعوا ولكن أجمعوا على حِلِّه؛ لأن هذا مستثنى من الإجماع، فيكون مُختلَفًا فيه. أعرفتم؟
يقول: (حاشا عبد المطلب) فلم يُجمعوا عليه، لماذا لم يُجمعوا عليه؟ الذين قالوا بالجواز قالوا: لا يمكن أن نقول بالتحريم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
| «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَـــــــــذِبْ | أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» |
نقول: الرسول فَعَلَ مُحَرَّمًا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فعل مُحَرَّمًا.
إذن فهو جائز أن يُعبَّد لِلْمُطَّلب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجسر أحد أن يقول: إنه حرام، اللهم إلا بنسخ.
هذا تقرير كلام ابن حزم رحمه الله، ولكن الصواب أن (عبد المطلب) حرام، وأنه لا يجوز التعبيد للمطلب، فلا يجوز أن يُسمِّي أحد ابنه عبد المطلب؛ وذلك لأن ما استدل به من يجيزه لا دليل له فيه، الرسول عليه الصلاة والسلام ما سَمَّى أحدًا عبد المطلب، ولا أقَرَّ أحدًا من أصحابه على تسميته بعبد المطلب. والكلام في الْحُكم لا في الأَخبار، أو في الحكم لا في الإخبار، والرسول عليه الصلاة والسلام هنا أخبر أن له جدًّا اسمه عبد المطلب فقط، ما أقره، لكن هو اشتهر بهذا الاسم فانتسب إليه. ففَرْق بين الإخبار وبين الإنشاء والإقرار؛ فالإخبار شيء، والإنشاء شيء آخر، ولهذا قال: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» . «عَبْد مَنَافٍ» أيضًا قاله، هل نقول: يجوز تسمي عبد مناف؟ ما يجوز، فباب الإنشاء غير باب الخبر. فيكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء.
وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر ليس بكافر، الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يتكلم عن شيء وقع وانتهى ومضى.
فالصواب أنه لا يجوز أن يُعبَّد لغير الله مطلقًا، لا عبد المطلب ولا غير عبد المطلب. وعليه فيكون التعبيد لغير الله من باب الشِّرْك، لو سَمَّيت ولدَك بعبد المطلب؛ صار هذا نوعًا من الشِّرْك، أو بعبد الرسول؛ صار نوعًا من الشرك، أو بعبد علي؛ صار نوعًا من الشرك، أو بعبد الحسين؛ صار نوعًا من الشِّرك، فكل هذا لا يجوز.
قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية) أي آية؟ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا [الأعراف: ١٩٠].
طالب: بالنسبة (...) أحد على اسم عبد المطلب (...) اسمه عبد المطلب بن الحارث؟
الشيخ: لا.
الطالب: وقال له: (...).
الشيخ: لا، الصحيح أن اسمه (المطَّلِب)؛ هذا الصحيح.
الطالب: ما يصح أن (...).
الشيخ: لا، ما يصح، الصحيح أن اسمه (المطلب) وليس عبد المطلب.
طالب: كيف يعني؟ هل إذا (...)؟
الشيخ: لا، وعبد مناف؛ لأن المطَّلِب يقال: إن اسمه عبد مناف.
طالب: قوله: (...)
| «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَــــــــــذِبْ | أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» |
للمباهاة؟
الشيخ: لا أبدًا، المهم أن الرسول..
الطالب: (...).
الشيخ: المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما سمى أحدًا بعبد المطلب، لكنه ذكر أن من أجداده من يُسمَّى بهذا، ولكنه لم..
إذا قال قائل: لماذا لم يقل: أنا ابن عبد الله، وإنما قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»؛ لأن عبد المطلب أشهر من عبد الله.
قال: (وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشاها آدم) تغشى مَنْ؟ حواء (تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس).
(إبليس) فِعليل، من (أَبْلَسَ) إذا يئس؛ لأنه يائس من رحمة الله.
(أتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة)، شوف الكلام! يعني القصة تستدل على أنها كذب من سياقها.
قال: (إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة)، يريد بهذا الكلام أن يقبل كلامه الذي يأمرهما به. وهل هذا وسيلة؛ لأن يقبل كلامهما؟
طلبة: لا.
الشيخ: أو أن يرد كلامه؟
طلبة: يرد كلامه.
الشيخ: هذا وسيلة لأن يرد كلامه، كيف يقول: أنا اللي أخرجتكما من الجنة، وحصلت المصيبة العظيمة عليكما فاقبلا كلامي؟! لو كان هذا كان يقول: أنا ناصح كما الله: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١]. ما يجيء يقول: أنا (...) عليكم بالأول (...) عليكم بالثاني.
يقول: (قال: أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني) هذه جملة قسمية (أو لأجعلن له قرْنَي أيِّل فيخرج من بطنك فيشقه).
(لتطيعاني)، كما أطعتماني أيش أسوِّي؟ (أجعل له قرني أيل)، والأيل ذكر الأوعال (فيخرج من بطنكِ فيشقه).
ما يتصور أحد أن آدم وحواء يُصدِّقان بأن إبليس يقدر على أنه يخلق للجنين قرونًا تشق بطنها، ما يمكن يطيعونه في هذا أبدًا، لو آمنَّا بذلك لكان الأمر عظيمًا، ولَّا لا؟
(فيشقه، ولأفعلن - يخوفهما) ويش المطلوب الذي يقول: أطيعاني فيه؟
(سمِّياه عبد الحارث)، لماذا اختار عبد الحارث؟ قيل: لأن إبليس اسمه الحارث، فأراد أن يُعبِّداه لنفسه.
(سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يُطيعاه)، يقول: (فخرج ميتًا)، هذا أهون من أن يكون له قرون يشق البطن.
(خرج ميتًا)، هل ما هددهما به من التهديد الأول: (لأجعلن له قرني أَيِّل) هل حصل ذلك؟ لا، يجوز أن يكون قوله: (ولأفعلن) من جملة ما هددهما أنه قال: ولأخرجنه ميتًا، يمكن، لكن الذي نص عليه وهو أن يجعل له قرني أيِّل ما حصل.
يقول: (فخرج ميتًا، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث؛ فذلك قوله تعالى: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف: ١٩٠] رواه ابن أبي حاتم).
هذا تفسير الآية فيما رُوِي عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكن هذه الرواية ضعيفة، بل قال ابن حزم: إنها خُرافة موضوعة مكذوبة، ما تصح.
هذا يقول: (فذلك قوله تعالى: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَارواه ابن أبي حاتم، وله بسند صحيح عن قتادة)، (له) لمن؟ (لابن أبي حاتم بسند صحيح عن قتادة، قال: شُرَكَاءَفي طاعته، ولم يكن في عبادته).
(شُرَكَاءَفي طاعته ولم يكُن في عبادته)؛ يعني أنهما أطاعاه فيما أمرهما به لا في العبادة، هما ما عبداه، لكن عبَّدا الولد لغير الله، وفرْق بين الطاعة والعبادة، لو أنَّ أحدًا أطاعَ شخصًا في معصية الله وفَعَل المعصية، هل جعله شريكًا مع الله في العبادة؟ لا، لكن في الطاعة حيث أطاعه فيما حرَّم الله عليه.
(وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا [الأعراف: ١٨٩]، قال: أشفقا ألا يكون إنسانًا).
(أشفقَا) الضمير يعود على آدم وحواء (ألا يكون إنسانًا).
(أشفقا) بمعنى خافا، ويش يكون؟
طالب: جني.
طالب آخر: حيوان.
الشيخ: يكون حيوانًا ولَّا جنيًّا ولَّا غيره.
فقالا: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما).
لكن الصحيح عن الحسن رحمه الله أن المراد بالآية غير آدم وحواء، أن المراد بها المشركون من بني آدم، هذا هو الصحيح عن الحسن (...) القول لا يصح في الآية.
الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهذا من الأخبار التي لا تُتَلقَّى إلا بوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خُرافة مكذوبة موضوعة.
ثانيًا: أن نقول هذه القصة: لو كانت في آدم وحواء لكانت حالهما إما أن يتوبا من هذا الشِّرْك أو يبقيا على هذا الشِّرْك، أليس كذلك؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: فإن قلنا: إنهما بقيا على هذا الشِّرْك، فمعنى ذلك أن آدم -وهو نبي من الأنبياء- وحواء ماتا على الشِّرْك، وهذا أمر لا يمكن، لو قلنا بذلك لكان هذا أعظم من قول بعض الزنادقة في آدم وحواء:
| إِذَا مَـــــــــا ذَكَـــــــرْنَا آدَمًــــــا وَفِعَــــــــــالَهُ | وَتَــــــزْوِيجَـــهُ بِنْـــتَيْهِ بِابْـــنَيْهِ فِي الْخَنَــا |
| عَلِمْنَا بأَنَّ الْخَلْقَ مِنْ نَسْلِ فَاجِرٍ | وَأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ عُنْصُرِ الزِّنَا |
أعوذ بالله! هذا اللي بيجوز أن آدم عليه الصلاة والسلام وهو أحد الأنبياء يموت على الشِّرْك أعظم من ذلك.
أقول: إما أن يكونا قد تابا منه أو لم يتوبا، فإن كانا لم يتوبا فقد ماتا على الشِّرْك، وهذا فرية عظيمة، وإن كانا قد تابا منه فإن ذلك لا يمكن أن يتفق مع كمال حِكْمة الله وعَدْلِه ورحمته؛ لأنه لو تابا منه لكان الله تعالى قد ذكر خطيئتهما ولم يذكر توبتهما، وهذا شيء مستحيل، والله عز وجل إذا ذكر ما جرى لبعض أنبيائه ورسله من خطيئة ذكر توبتهم منها، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا منها ولم يذكر توبتهما.
الوجه الثالث: أننا لو قلنا بذلك لجوَّزْنا الشِّرْك على الأنبياء، والأنبياء معصومون من الشِّرْك باتفاق أهل العلم.
الوجه الرابع: أنه قد ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بماذا؟ بأكله من الشجرة، والأكل من الشجرة معصية أهون من الشِّرْك، ولو كان قد وقع منه شِرْك لكان اعتذاره به أعظم وأوْلى وأحْرى.
الوجه الخامس: في هذه القصة التي ذُكِرت عن ابن عباس أن الشيطان جاء إليهما وقال: (أنا صاحِبكما الذي أخرجتكما من الجنة)، فهل مثل هذا يقوله من يريد أن يغويهما؟ لا؛ لأن الذي يريد أن يطيعاه لا يأتي بشيء يُنفِّر، بل يأتي بشيء يُقرِّب من قبول قوله، فإذا قال: (أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة)، سيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه لا صرفًا ولا عدلًا.
الوجه السادس: أنه في هذه القصة يقول: (لأجعلن له قرني أيِّل فيخرج من بطنكِ فيشقه)، وحينئذٍ إما أن يُصدِّق آدم وحواء بأن ذلك ممكن في حقه أو لا يصدقا..





