فإن صدقا أنه ممكن في حقه فهذا شرك في الربوبية؛ لأنهما صدقا بأنه يمكن أن يخلق،
ولا خالق إلا الله، وإن كانا لم يصدقاه في أنه يمكن أن يفعل فإنه لا يمكن أن يُقبل
قوله وهما يعلمان أن ذلك لا يمكن في حقه.
هذه ستة أوجه.
ومنها أيضًا، نقول:
إن الله قال في آخر الآية: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠]، بضمير الجمع، ولو كانا آدم وحواء لقال: عما
يشركان في إشراكهما، أو عن إشراكهما، أو ما أشبه ذلك. فدل هذا على أنه لا يراد به
آدم وحواء.
فهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة من أساسها باطلة، وأنه لا يجوز أن
يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والشرك الأنبياء مبرؤون
منه باتفاق أهل العلم.
وعلى هذا فيكون تفسير الآية كما أسلفنا في الدرس الماضي
أنها عائدة إلى بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًّا؛ فإن منهم المشرك ومنهم
الموحد.
وأما قوله: (فيه مسائل؛ الأولى: تحريم كل اسم معبَّد لغير الله)،
من أين يؤخذ؟
طالب: الاتفاق.
الشيخ: من إجماع أهل العلم؛ لأن الإجماع أحد الأدلة التي يُعتمد
عليها في الدين، هو الأصل الثالث، الأدلة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
فالإجماع هو أحد الأدلة التي يعتمد عليها في الدين. وقد اختلف العلماء رحمهم الله
في إمكان الإجماع ثم اختلفوا بعد إمكانه هل هو حجة، والصحيح أن الإجماع ممكن، وأنه
إذا حصل فهو حجة؛ لقوله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، و(إن) هذه شرطية ما
تدل على وقوع التنازع، بل إن فُرض أن يقع تنازع فالمَرَد إلى الله والرسول. فعُلم
من ذلك أننا قد نجمع وأننا إذا أجمعنا فإجماعنا حجة؛ ولهذا عند الإجماع ما قال
الله: ردوه إلى الله والرسول؛ لأن الإجماع حجة.
المهم أن هذا ليس موضع بسط
الأدلة على أن الإجماع حجة، والصواب أنه ممكن وأنه حجة، لكن ادعاء الإجماع هو الذي
يحتاج إلى بينة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: الإجماع الذي ينضبط ما كان عليه
السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة. والإمام أحمد لما قيل له: إن
فلانًا يقول: أجمعوا على كذا، أنكر ذلك وقال: وما يدريه لعلهم اختلفوا، فمن ادعى
الإجماع فهو كاذب. ولعل هذه الكلمة من الإمام أحمد رحمه الله لأن المعتزلة وأهل
التعطيل كانوا يتذرعون لإثبات تعطيلهم وشبههم بدعوى الإجماع، فيقول: هذا قول
المحققين، هذا إجماع المحققين، وما أشبه ذلك.
إذن الدليل إجماع العلماء، المؤلف
رحمه الله قال: (تحريم كل اسم معبَّد لغير الله) مع أن الإجماع فيه استثناء،
وهو: حاشا عبد المطلب، وسبق لنا أن الصحيح أنه لا يجوز التسمية بعبد المطلب، وأن
قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ
الْمُطَّلِبْ» ليس
إقرارًا ولا إنشاء، ولكنه إخبار، والإنسان له أن ينتسب لأبيه وجده وما أشبه ذلك،
وإن كانوا معبَّدين لغير الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ» ،
وهذا تعبيد لغير الله، لكنه من باب الإخبار.
(الثانية: تفسير الآية)، وقد
عرفتموه.
(الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تُقصَد حقيقتها)، وهذا
بناء على القصة التي ذكرتُ عن ابن عباس رضي الله عنه. والصواب أن هذا الشرك حق
وحقيقة، وأنه شرك من أشرك من بني آدم؛ ولهذا قال الله تعالى في نفس الآية: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف: ١٩١]، فهو الشرك الحقيقي الواقع من بني آدم.
(الرابعة: أن هبة الله
للرجل البنت السوية من النعم)، بناء على ثبوت القصة، وأن المراد بقوله: صَالِحًا [الأعراف: ١٩٠] أي: سويًّا، بشرًا سويًّا. ولكن
لماذا جاء المؤلف بالبنت دون الابن؟ لأن بعض الناس يرون أن هبة الله البنت من
النقم: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِقال الله
تعالى: أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٨، ٥٩]،
وإلا فهبة الله الولد الذكر السوي من باب النعم، بل هو أكبر نعمة من البنت، وإن كان
البنت أيضًا فيها أجر فيمن كفلها ورباها وقام عليها.
(الخامسة: ذكر السلف
الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة).
أولًا: لا بد أن نعرف الفرق
بين الطاعة وبين العبادة، أما بالنسبة للطاعة المنسوبة إلى الله فلا فرق بينها وبين
العبادة، فإن عبادة الله طاعة الله، وأما الطاعة المنسوبة لغير الله فإنها غير
العبادة، نحن نطيع الرسول عليه الصلاة والسلام ولكن ما نعبده، والإنسان قد يطيع
أباه وهو لا يعبده، وقد يطيع ملكًا من الملوك وهو لا يعبده بل يكرهه. وأما الطاعة
المنسوبة إلى الله فإنها هي عبادة؛ ولهذا فسر كثير من أهل العلم العبادة بالطاعة.
وعلى كل حال الشرك في الطاعة أنني أطعته لا حبًّا وتعظيمًا وذلًّا كما أحب الله
وأتذلل لله وأعظم الله، ولكن طاعة أي: اتباعًا لأمره. فهذا هو الفرق بين الطاعة
وبين العبادة.
وبناء على القصة فإن آدم وحواء أطاعا الشيطان تعبدًا؟ طاعة لا
عبادة، وهذا مبني على صحة القصة.
***
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]).
هذا الباب مما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، والكتاب هذا جامع لأنواع التوحيد: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فقوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىهذا من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأسماء والصفات معناه: إفراد الله عز وجل بما ثبت له من صفات الكمال، بحيث نثبتها له على وجه الحقيقة بدون تمثيل ولا تكييف؛ لأنك إن عطلت لم تثبت، وإن مثلت لم توحد. وقد ذكرنا فيما سبق أن التوحيد مركب من إثبات ونفي، أو لا؟
إثبات الحكم للموحَّد ونفيه عما عداه، وأنك إذا قلت: (زيد قائم) لم توحده، أو لا؟
لأنه ممكن يكون واحد آخر قائم.
وإذا قلت: (زيد غير قائم) لم تثبت له القيام، وإذا قلت: (لا قائم إلا زيد) حينئذ وحدته بالقيام، (لا قائم إلا زيد) وحدته، فإذا قلت: (لا إله إلا الله) وحدته بالألوهية.
في الأسماء والصفات: إذا أثبت لله الأسماء والصفات دون أن يماثله أحد فهذا هو التوحيد، وإن نفيتها عنه فهذا تعطيل، وإن مثلت فهذا إشراك، شرك.
فعلى هذا نقول: إن توحيد الأسماء والصفات معناه: إفراد الله عز وجل بما يستحقه من الأسماء والصفات بحيث تثبتها له حقيقة على وجه لا يماثل غيره.
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠] هذا فيه توحيد. ما طريق التوحيد هنا؟ طريق التوحيد هنا تقديم الخبر: (لله الأسماء)؛ لأن تقديم الخبر يفيد الحصر، وعلى هذا: فلله لا لغيره الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وحينئذ يكون في الآية توحيد الأسماء لله، الأسماء الموصوفة بهذا الوصف.
وكلمة الْحُسْنَىمؤنث أحسن، فهي اسم تفضيل، ومعنى الْحُسْنَىالبالغة في الحسن غايته؛ لأن اسم التفضيل يدل على هذا.
ثم اعلم أن الْحُسْنَىتفضيل مطلق؛ لأن اسم التفضيل قد يكون مقيدًا وقد يكون مطلقًا، فإذا قلت: (زيد أفضل من عمرو) فهذا تفضيل لكن مقيد، وأما إذا قلت: (زيد الأفضل) فهذا تفضيل مطلق. إذا قلت: (أسماء الله أحسن من كذا مثلًا) فهذا تفضيل مقيد، إذا قلت: (أسماء الله هي الحسنى) فهذا تفضيل مطلق.
إذن فأسماء الله تعالى بالغة في الحسن غايته من كل وجه؛ ولهذا ليس فيها نقص لا فرضًا ولا احتمالًا، ما فيها نقص بوجه من الوجوه. فدل ذلك على أن ما يخبَر به عن الله غير ما يسمى به الله؛ لأن ما يخبر به عن الله منه ما لا يتضمن حسنًا إطلاقًا، ومنها ما يتضمن مدحًا وغير مدح من وجه؛ مدحًا من وجه وغير مدح من وجه آخر، لكن يخبر به عنه.
وأما الأسماء التي تسمى الله بها فليس فيها نقص بأي احتمال يكون، فمثلًا الذات يقال: ذات الله، يخبر بها عن الله، لكن هي تحتمل معنًى حسنًا؟ لا؛ لأن ذات الشيء ما يقابل صفاته، يقال: (ذات) للأعيان، و(صفات) للأوصاف التي اتصفت بها الذوات، فيقال: (لله ذات) ولكن ما يسمى بهذا الاسم، ما تقول مثلًا: (يا ذات اغفر لي) أو تسمي ولدك عبد الذات، لا؛ لأنها ما هي اسم.
ويخبر عن الله بأنه متكلم ولكن لا يسمى به؛ لأن الكلام منه كلام محمود وكلام مذموم وكلام لا يُحمد ولا يُذم.
وتقول: إن الله مريد، ولكن لا تسميه به، تسميه بما يدل على كمال الإرادة؛ كما تقول: يا فعال لما تريد.
وتقول: إن الله صانع، لكن لا تسميه به.
كل هذا يستفاد من قوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠].
وقد سبق لنا بحث قيم في أسماء الله، ولعلنا نعيده لئلا يفوت من لم يسمع.
قلنا: إن أسماء الله تعالى فيها مباحث:
البحث الأول: هل أسماء الله تعالى أعلام أو أوصاف؟
طالب: هي أعلام وأوصاف.
الشيخ: (...) أعلام وأوصاف، فباعتبار دلالتها على الذات وأنها علم على ذات الله عز وجل هي أعلام، وباعتبار ما تحتوي عليه من المعاني هي أوصاف.
المبحث الثاني: هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟ ولاحظوا ترى المباحث هذه ما هي بس مجرد أن نعرف؛ لأن فيه من يقول: إن أسماء الله جامدة، ما هي أوصاف، ما تدل على وصف، مثل المعتزلة يقولون: إنه عليم بلا علم، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر... إلى آخره.
المبحث الثاني: هل أسماء الله متباينة أو مترادفة؟ (...) باعتبار دلالتها على ذات الله مترادفة؛ لأنها لمسمى واحد، وباعتبار ما تشتمل عليه من المعاني متباينة؛ لأنها كل واحد منها له معنى. وقال بعض أهل التعطيل من غلاة المعتزلة والجهمية: إنها أسماء مترادفة، فالسميع والبصير والعليم والحكيم شيء واحد. ولا شك أن هذا ضلال مبين.
المبحث الثالث: هل أسماء الله غيره أو أسماء الله هي الله؟ (...) وإن قال قائل: هي الله لأنه يقول: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]، اسْمَ رَبِّكَ.
طالب: نقول الاسم أداة التسبيح، ومعلوم أن (...) بذاته، فلا بد من الاسم.
الشيخ: نقول: أما إن قصد بالاسم اللفظ الدال على المسمى فهو غير الله، إن أريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى فهو غير الله، وإن أريد بالاسم يعني ما دل عليه ذلك المعنى وهو المسمى فهي الله؛ ولهذا قال الله: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء: ١١٠]، وتقول: (يا رحمن اغفر لي) وأنت حينما تقول: (يا رحمن) هل تقصد الراء والحاء والميم والنون؟ تقصد المسمى، فنقول: إن أُريد بالاسم مدلوله فهو هو، تقول: دعوت الله، دعوت الرحمن، دعوت السميع، وتقول: يا سميع، يا بصير، إلى آخره. وإن أردت بالاسم الحروف التي هي الاسم فهي غير المسمى، الآن أنا بأكتب مثلًا اسم (زيد) ثم يجيء (...)؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأني ما ضربت المسمى الآن. لكن لو قلت: (أكرم زيدًا)، قال: أهلًا وسهلًا أنا أكرم زيدًا، وراح وجاب برواز وحطه على كلمة (زيد) ونظفه تمامًا وعلقها، يكون أكرم زيدًا؟
طالب: لا.
الشيخ: قال: أنا أكرمت زيدًا الآن، شوف زيد بالبرواز مكرم ومنشف وكل شيء. ويش نقول؟ أنا عندما أقول: (أكرم زيدًا) يعني المسمى بهذا الاسم. لكن إذا قلت: (اكتب زيدًا) المعنى هذا الاسم. هذا التفصيل الذي يزول به الإشكال، وإلا فللناس في هذا خوض كثير جدًّا.
المبحث الرابع: الأسماء إذا كانت متعدية فإنه يجب أن تؤمن بالاسم وبالصفة وبالحكم الذي يُسمَّى أحيانًا بالأثر. إذا كانت الأسماء متعدية يجب أن تؤمن بثلاثة أشياء: بالاسم والصفة والحكم، وإذا كان الاسم غير متعد يجب أن تؤمن بشيئين: بالاسم والصفة.
مثال ذلك: (السميع)، السميع متعد، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي [المجادلة: ١]، متعد، يجب أن تؤمن بالسميع اسمًا لله. وأن تؤمن بالسمع الدال عليه السميع صفة له، وأن تؤمن بأنه يدرك بسمعه سبحانه وتعالى كل صوت. وهذا الحكم أو الأثر، كله واحد. وعلى هذا فقس.
وإذا كان الاسم غير متعد فإنه يثبت الاسم والصفة؛ إذ لا يمكن أن يتعدى للغير حتى يكون له حكم، مثل: (الحي) اسم من أسماء الله، لا يتم الإيمان به حتى تثبته اسمًا لله وتثبت ما دل عليه من الصفة، وهي الحياة. فيها (...) تتعدى للغير؟ لو قال لك واحد: من اللي يحيي؟ من الذي يحيي؟
طالب: الله.
الشيخ: طيب، إذن هذا الحكم.
طالب: (...) المحيي والحي.
الشيخ: إي نعم، نقول: هذه لصفة أخرى، ما هي للحي، حي بنفسه، لكن محيٍ لغيره، فهي من المحيي لا من الحي. وإلا كان أنا حي هل أحيي؟ ما أحيي، فالحياة شيء والإحياء شيء آخر.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، (الله) هذا إذا قلنا: بمعنى المألوه فهو دال على الاسم وعلى الوصف، وهو أنه مألوه، والمألوه لا بد له من آله، وهو الإنسان، لكنه ليس هذا حكمًا، فأقرب ما يكون الألوهية أنها من باب القاصر، يعني من باب الاسم الذي لا يتعدى.
المبحث الخامس: هل أسماء الله عز وجل توقيفية، أو لكل أن يسمي الله بما شاء؟
الجواب: أسماء الله توقيفية، ليس لأحد أن يسمي الله بما لم يسمِّ به نفسه. الدليل قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، وقوله: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠].
وإذا كان الاسم علمًا على المسمى، فكيف تجعل لله علمًا لا تعلم به؟ لو أنك سميت شخصًا بغير ما سمى به نفسه ماذا يكون الحال معه؟
طالب: ما يرضى.
الشيخ: يرضى؟ أبدًا ما يرضى، هذا وهو مخلوق، كيف الخالق؟ الخالق أولى بأن يعظَّم وتُحترَم أسماؤه، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه. وعلى هذا فالدليل على أنها توقيفية سمعي، أيش بعد؟ وعقلي.
المبحث الذي بعده وهو السادس: هل أسماء الله محصورة بعدد معين أم لا؟
طالب: غير محصورة.
الشيخ: إي نعم، غير محصورة على القول الراجح، القول الراجح أنها غير محصورة، والدليل على عدم الحصر حديث ابن مسعود المشهور الصحيح: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» .
«اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» معناه أن الشيء الذي استأثر الله به في علم الغيب يعني اختص به، هل يطلع عليه؟ ما يطلع عليه.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» ، وعدم الإحصاء -إحصاء الثناء على الله- معناه أننا لا نحيط علمًا بصفاته ولا بأسمائه.
وعلى هذا فنقول: إن أسماء الله غير محصورة، ما تُحصَر، غير محصورة يعني معناه: غير معلوم لنا حصرها، جائز أن يكون ما استأثر الله به شيئًا محصورًا، ما ندري، ولكننا بالنسبة لنا ليست محصورة بعدد نعلمه، والدليل الحديث.
فإن قلت: ماذا تقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ؟
فالجواب أن الحديث لا يدل على الحصر، وإنما يدل على أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة. وهذا كقول القائل: (إن عندي مئة درهم أعددتها للجهاد في سبيل الله)، هل ينافي أن يكون عنده غيرها؟ لا، ما ينافي. فالحديث إذن جملة واحدة، ليس جملتين متباينتين: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
المبحث الذي بعد ذلك مبني على هذا: ما معنى إحصاء أسماء الله؟ هل معناه أن تحصيها عددًا؟ لا، ولكن معنى إحصائها هو الإحاطة بها لفظًا ومعنًى، والتعبد لله بها، أو إن شئت فهو أعم: ودعاء الله بها؛ لقوله: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]. وعلى هذا فإحصاؤها يتضمن ثلاثة أشياء، ما هي؟ الإحاطة بها لفظًا ومعنى، ودعاء الله بها، والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة، فدعاء العبادة أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وهكذا. وأما الدعاء فأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، وما أشبه ذلك. هذا معنى إحصائها.
وليس معنى إحصائها كما يفهمه العامة: يكتبها ثم يعلقها على صدره، أو يعلقها في جداره، هذا ليس هو إحصاءها، إحصاؤها لا بد تفهمها، تدركها لفظًا ومعنًى، وتدعو الله تعالى بها دعاء عبادة ودعاء مسألة.
وقوله سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، فَادْعُوهُالدعاء هو السؤال، والسؤال قد يكون بلسان المقال وقد يكون بلسان الحال. أما لسان المقال فأن تقول: اللهم اغفر لي يا غفور، اللهم ارحمني يا رحيم، وهكذا. وأما الدعاء بلسان الحال فهو العبادة، ولهذا قال العلماء: إن الدعاء دعاء مسألة ودعاء عبادة؛ لأن حقيقة الأمر أن المتعبد ما هو بيسأل الله بلسان حاله؟ ويرجو الله عز وجل، يرجو رحمته ويخاف عذابه.
الدعاء دعاء الله بها دعاء عبادة مثلما قلت لكم قبل قليل: أن تتعبد لله بمقتضى هذه الأسماء، تتعرض لرحمته لأنه رحيم، ولمغفرته لأنه غفور، ولطلب الرزق لأنه رزاق، وهكذا (...).
***
توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠] (...).
ما تعدد لفظه ومعناه، والمشترك ما اتحد لفظه واختلف معناه، والمتماثل: هو ما اتفق لفظه ومعناه. فهذه أربعة أقسام (...).
فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، (ادعوه)، قوله: فَادْعُوهُ بِهَايتضمن الأمر بمعرفتها، لماذا؟ لأنه لا يمكن دعاء الله بها إلا بمعرفتها. إذن فطلب معرفة أسماء الله تعالى مما أمر الله به، خلافًا لمن قال في وقتنا الحاضر من المداهنين: إن البحث في الأسماء والصفات أمر لا فائدة منه، ولا حاجة أن نبحث في الأسماء والصفات! أنا ما أدري هؤلاء، أيريدون أن يعبدوا شيئًا لا يعرفون له أسماء ولا صفات؟ أم يريدون أن يداهنوا هؤلاء المؤولين المحرفين حتى لا يحصل جدل أو مناظرة معهم؟ وهذا لا شك أنه مبدأ خطير، أن يقال للناس: لا تبحثوا في الأسماء والصفات. كيف ما تبحث؟ سبحان الله! يقول الله: ادْعُوهُ بِهَاكيف ندعوه بما لا نعرفه؟ والأمر هنا للوجوب، وهذا يقتضي وجوب علمنا بأسماء الله.
ومعلوم أيضًا أننا لا نعلمها أسماء مجردة من المعاني، بل لا بد أن نبحث في معناها؛ لأن علمها ألفاظًا مجردة فيه فائدة؟ ما فيه فائدة، وإن قُدر أن فيه فائدة للتعبد باللفظ فإنه لا يحصل به كمال الفائدة.
ولهذا نقول: إن قوله تعالى: فَادْعُوهُ بِهَايتضمن الأمر بمعرفتها؛ إذ لا يمكن دعاؤه بها إلا بمعرفتها.
فما معنى ادْعُوهُ بِهَا؟
نقول: له معنيان؛ أحدهما: أن نتعبد لله بها، أي: بما تقتضيه تلك الأسماء. وهل يطلَق على العبادة الدعاء؟ نعم، قال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، نعم: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي، ولم يقل: عن دعائي، فدل هذا على أن الدعاء عبادة وهو كذلك.
وما معنى دعاء الله تعالى بمعنى التعبد لله بها؟ معناه: أن تتعبد لله بمقتضى تلك الأسماء، فمثلًا: الرحيم مقتضاه الرحمة، تتطلع إلى رحمة الله، وتفعل الأسباب التي تكون بها الرحمة. الغفور ويش معناه؟ ذو المغفرة، تتعرض لمغفرة الله عز وجل بكثرة التوبة والاستغفار وما أشبه ذلك. القريب، تتعرض للقرب منه بالصلاة وغيرها، و«أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» .
السميع، تتعبد لله بمقتضى السمع بحيث لا تسمِع الله قولًا يغضبه ولا يرضاه منك. البصير، تتعبد لله تعالى بمقتضى ذلك البصر بحيث لا تري الله عز وجل فعلًا يكرهه منك. وعلى هذا فقس، هذا معنى دعاء العبادة بالأسماء.
أما دعاء المسألة وهو النوع الثاني، فمعناها أن تقدمها بين يدي سؤالك متوسلًا بها إليه، مثلًا تقول: يا حي، يا قيوم، اغفر لي وارحمني؛ هذا دعاء بها، كذا؟ أو لا؟ وكذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء الذي علمه أبا بكر رضي الله عنه، قال فيه: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ، هذا من دعاء الله بها، أن تجعلها وسيلة في دعائك لقبول الله سبحانه وتعالى لك؛ لأنك إذا دعوت وعللت فأنت أثنيت على ربك بهذا الاسم الذي أثنيت به عليه طالبًا أن يكون سببًا لإجابة دعوتك.
وأظن أن التوسل بصفة الإنسان المرغوبة له، أو بصفة المدعو المحبوبة إليه سبب للإجابة، لو أنه –ولله المثل الأعلى– جاء رجل إلى ملك من الملوك يسأله، وقال: أنت الذي تعطي وأنت من أكرم بني آدم وأنت كذا وأنت كذا يثني عليه، يكون سببًا في إعطائه؟ يكون سببًا في إعطائه. لكن لو دخل عليه وقال: يا ظالم، يا عاتي، يا فاسق، أعطني هدية، أيش يقول له؟ يقول: بأعطك عصا!
فالمهم أن الثناء على الله عز وجل بأسمائه لا شك أنه من أسباب الإجابة، فهذا من دعاء الله بها.
فصار معنى قوله تبارك وتعالى: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، أي دعاء عبادة، أيش بعد؟ ودعاء مسألة.
ثم قال تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
ذَرُوا الَّذِينَ، ذَرُوابمعنى اتركوا، والَّذِينَمفعول به، وجملة يُلْحِدُونَصلة الموصول.
ذروهم، ثم توعدهم بقوله: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَوهو الإلحاد، أي: سيجزون جزاءه المطابق للعمل تمامًا. ولهذا يعبر الله تعالى بالعمل عن الجزاء إشارة للعدل، وأنه سبحانه وتعالى لا يجزي الإنسان إلا بقدر عمله.
ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ(ذروهم) يعني: اتركوهم، هل المعنى: اتركوهم وما فعلوا ولا تتعرضوا لهم ولا تناصحوهم ولا تجادلوهم؟ لا، معلوم أنه لا يمكن أن نترك الظالم على ظلمه.
(ذروهم) يعني: لا تسلكوا مسلكهم؟ نعم، يعني لا تسلكوا طريقهم، مثلما أقول: اترك فلانًا، يعني لا تماشه ولا تعمل عمله. فمعنى (ذروهم) يعني اتركوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِفإنهم على ضلال وعلى عدوان، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَوالذي يجزيهم هو الله عز وجل.
ما معنى الإلحاد في أسماء الله؟
الإلحاد مأخوذ من اللحد، وهو الميل، (لحد وألحد) بمعنى: مال، ومنه سمي الحفر في القبر لحدًا لأنه مائل إلى جهة من جهاته، إلى جهة القبلة. فالإلحاد الميل.
وما معنى الإلحاد في أسماء الله؟ هو الميل بها عما يجب فيها. هذا الإلحاد بأسماء الله، فمن أنكر اسمًا من أسماء الله فقد ألحد، ومن أقر به وأنكر ما يدل عليه من صفة فقد ألحد، ومن أقر به وبما يدل عليه من صفة ولكنه أنكر الأثر أو الحكم فقد ألحد. ومن سمى الله بما لم يسم به نفسه فقد ألحد، ومن سمى الله بما لا يليق به فقد ألحد، ومن نقل هذه الأسماء إلى الأصنام فقد ألحد.
وبهذا نعرف أن الإلحاد أنواع:
النوع الأول: أن ينكر شيئًا من أسماء الله أو مما دلت عليه من الصفات؛ هذا النوع الأول.
النوع الأول من الإلحاد: أن ينكر شيئًا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات أو الأحكام.
ما وجه كونه إلحادًا؟ لأنه مال بها عما يجب لها؛ إذ الواجب إثباتها، وسبق أنه لا يتم الإثبات إلا بإثبات ثلاثة أمور في المتعدي وأمرين في اللازم، فإذا لم يثبت على هذا الوجه فقد مال بها عما يجب فيها. هذه واحدة.
الثاني من الإلحاد عكس هذا: يثبت أسماء الله ويزيد، يأتي بأسماء لم يسم الله بها نفسه، ومثلوا لذلك بتسميته علة فاعلة، الفلاسفة يقولون (...) إله، إنما هي علة فاعلة في هذا الكون تفعل، وهذا الكون معلول لها. وبعضهم يعبر عنه بالعقل الفعال، يقول: اللي يدير هالكون هو العقل الفعال، فيسمي الرب بهذا الاسم. وكذلك النصارى يسمون الله بالأب، هذا من الإلحاد؛ لأنه سمى الله بما لم يسم به نفسه، وقد سبق أنه لا يجوز؛ لأن أسماء الله توقيفية.
النوع الثالث: أن يجعلها دالة على التشبيه، يقول: نعم، الله سبحانه وتعالى سميع وبصير ورحيم وقدير، والإنسان سميع وبصير ورحيم وقدير، أو لا؟ اتفقت هذه الأسماء، فيلزم أن تتفق المسميات ويكون الله عز وجل مماثلًا للخلق، فيتدرج بتوافق الأسماء إلى التوافق في الصفات، ويقول: إنكم إذا أثبتم أن الله سميع وبصير وعليم وقدير ورحيم، فالإنسان كذلك أو لا؟ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ١، ٢]، ولَّا لا؟
والعليم أيضًا، وصف الله الإنسان بالعلم، ووصف الله الإنسان بالرحمة، جاء في الحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» . وقال الله تعالى عن النبي عليه الصلاة والسلام: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، والإنسان كريم والله كريم أيضًا، والإنسان حي والله حي. فتوصل إلى اعتقاد المماثلة منين؟ من أسماء الله، وجعل هذه الأسماء مقتضية للتمثيل والتشبيه، فمن جعل أسماء الله مقتضية للتمثيل بالخلق فإنه ملحد فيها، كيف ذلك؟ لأنها هي دلت على معانٍ لائقة بالله عز وجل، حيث قلنا فيما سبق: إنها أسماء وأوصاف، فهي إذن دالة على معانٍ أيش؟ لائقة بالله، لا يمكن أن تكون مشابهة لما تدل عليه من المعاني في المخلوق، أرأيت سمعك هل يكون كسمع الله؟ أنت صحيح سميع بصير، لكن سمعك كسمع الله؟ لا، سمعك حادث وسيزول، يلحقه النقص ولَّا لا؟ وهل هو أيضًا شامل إلى البعيد والقريب؟ لا، وكذلك البصر وغيره من الصفات. هذه كم نوع؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة أنواع.
النوع الرابع: أن يشتق من هذه الأسماء أسماء للأصنام، فيقول: الله إله، وصنمه إله. اشتق من أسماء الله اسمًا لهذا الصنم، سمه اللات من الإله أو من الله، وسمه العزى من العزيز، وسمه مناة من المنان، وعلى هذا فقس. يأخذون من أسماء الله أسماء لهذه الأصنام لأجل أن يلبسوها ثوبًا لا يصلح لها، يسمونها بما سمى الله به نفسه أو بما اشتق من أسماء الله حتى يلقوا عليها شيئًا من الأبهة والعظمة والألوهية فيبرروا ما هم عليه.
فصار الإلحاد أنواعه أربعة؛ الأول: أن ينكر شيئًا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات، وهذا عده بعض العلماء اثنين (...) منها أسماء للأصنام، ونحن نعبر بالتمثيل أحسن من التشبيه، التمثيل أحسن من التشبيه لأنه هو الذي نفاه الله عز وجل، هو الذي نفاه الله في القرآن فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ولم يقل: ليس كشبهه شيء، فنعبر بما عبر الله به عن نفسه.
وما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه، واشتراك في المعنى من بعض الوجوه، ولَّا لا؟ فمثلًا المخلوق والخالق اشتركا في معنى الوجود، ولَّا لا؟ كلاهما موجود، لكن وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه. الاستواء على العرش واستواء الإنسان على البعير مثلًا اشتركا في المعنى العام للاستواء، لكن استواء الخالق يخصه واستواء المخلوق يخصه؛ ولهذا جاءت في القرآن: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
يقول الله عز وجل: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، هذا وعيد، وهو كقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ [الرحمن: ٣١]، تهديد، وليس المعنى أن الله عز وجل الآن مشغول ويلحقه الفراغ فيما بعد، لكن هذا من باب الوعيد والتهديد. وهكذا هنا: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وأشرت قبل قليل إلى التعبير بقوله: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَولم يقل: سيجزون العقاب مثلًا؛ إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، فكأنه هو العمل نفسه.
طالب: قوله: وَذَرُوا الَّذِينَ [الأعراف: ١٨٠]، ما تشبه بالاستدراج؟ يعني (...).
الشيخ: (ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف: ١٨٠]: يشركون )، يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِيشركون فيها.
وقوله: (يشركون) يتضمن الإشراك من الجهتين: بأن يجعلوها دالة على المماثلة، أو أن يشتقوا منها أسماء للأصنام، كل هذا شرك. فمن جعلها دالة على المماثلة – مماثلتها للخلق – فقد أشرك؛ لأنه جعل لله مثيلًا، ومن أخذ منها أسماء لأصنامه فقد أشرك به، حيث جعل مسميات بهذه الأسماء تشارك الله عز وجل.
طالب: (...) من قوله: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، ولم يقل: سيجزون ما كانوا يقولون؛ لأنه (...)؟
الشيخ: إي نعم، هو بارك الله فيكم هذا سؤال مهم: العمل يطلق على القول والفعل، فالذي يقابل القول هو الفعل، وأما العمل فهو شامل للقول وللفعل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، وهذا يكون بالأفعال، ويكون بالأقوال، ولهذا إذا أردت أن تقسم تقول: ينقسم العمل إلى قول وفعل، تقسم العمل. فلو قلت: إلى قول وعمل، فإن المراد بالعمل هنا أيش؟ الفعل، إي نعم.
طالب: شيخ، هل فيه قاعدة خاصة مثلًا لجواز التسمي ببعض الأسماء، مثلًا: (...) خاصة بالله سبحانه وتعالى، وفيه أسماء يمكن يسمَّى بها البشر، ما هي القاعدة (...)؟
الشيخ: القاعدة أنه إذا سميت أحدًا باسم من أسماء الله ملاحظًا فيه الصفة فهو ما يجوز، يعني تسمي هذا الحكيم لحكمته، أو الحكم لأنه يحكم بين الناس، فهذا ما يجوز. أما إذا أردت مجرد العلمية فهذا لا بأس به؛ ولهذا يوجد في أسماء الصحابة: حكيم ويوجد فيه الحكم، ولم يغيره الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه غير أبا الحكم لأنه سُمي بذلك لكونه يحكم بين الناس.
طالب: وهذا (...) يعني؟
الشيخ: لا، فيه أسماء عاد خاصة بالله، ما يسمَّى بها غيره مطلقًا مثل (الله)، الله ما يمكن يسمى به أحد أبدًا، وكذلك قالوا: (الرحمن) إنه من الخصائص، وكذلك مثل (رب العالمين)، رب العالمين هذا ما يسمى به إلا الله. يعني الشيء اللي ما يمكن يصدق إلا على الله فهو ما يسمى به أحد، خاص بالله.
وأما الرب فإنه يطلَق على الله وعلى غيره، كرب الدابة ورب البيت وما أشبه ذلك، يكون مضافًا. ثم إن الرب أيضًا يطلق بمعنى الصاحب، مثل قوله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٨٠]، هذه ما هي مثل: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]؛ لأن رب العالمين الذي خلقهم، لكن رب العزة ما يمكن تقول: إنه خلق العزة؛ لأن العزة صفة من صفات الله غير مخلوقة، فهنا الرب بمعنى صاحب العزة.
طالب: قولها معرفة (...) تطلق على المخلوق؟
الشيخ: إي نعم، إذا لم يقصد الصفة؛ لأن الحكم موجود في الصحابة من تسمى بهذا الاسم: الحكم.
طالب: هل الآية تكون عامة حتى في المتأولين كالأشاعرة وغيرهم؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن إنكار ما دلت عليه من الصفات هو طريق أهل التأويل، ما يقرون بكل الصفات التي تدل عليها. مثلًا (الرحمن) الأشاعرة ما يؤمنون بالرحمة، ما يقولون: الله له رحمة، يقولون: رحمة الله المراد بها إما المفعول أو إرادة المفعول، يعني إما الإحسان اللي هو المفعول وإما إرادة الإحسان.
قال: (وعنه) عمن؟ عن ابن عباس (سَمَّوا اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز ).
وهذا أحد نوعي الإشراك بها، أن يشتق منها أسماء للأصنام. فيه كلمة يقولها النساء عندنا، إذا أصيبت بشيء قالت؟ المرأة، الحريم عندنا عندهم كلمة مشهورة، ويش يقولون؟
طالب: واعزالي.
الشيخ: واعزالي، هل هي تندب العزى التي هي الصنم أو تقول: واعزالي من التعزية؟ يعني تطلب العزاء وهو الصبر والتقوية؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: هذا هو المقصود، ولهذا لو تسأل اللي تقول هذا ويش هو؟ قالت: معناه أني أنا أصبت وأسأل الله أن يثبتني على هذه المصيبة ويقويني عليها، يمكن ما تعرف أن هناك شيئًا يسمى العزى. هذه بعض الناس يرى أنه يجب إنكارها؛ لأن ظاهر اللفظ أنها تندب العزى، وهذا شرك لو كان هذا المقصود، لكن نعلم علم اليقين ما تريد هذا.
قال: (وعن الأعمش: يُدخِلون فيها ما ليس منها ).
هذا أحد نوعي الإلحاد، أيهما؟ أي الأنواع؟ الزيادة، أن يسمي الله بما لم يسمِّ به نفسه، فمن أدخل في أسماء الله ما ليس منها فقد ألحد؛ لأن الواجب في أسماء الله التوقيف: ألا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه.
طالب: شيخ، الأعمش يعني عن ابن عباس ولَّا عن (...)؟
الشيخ: لا، عنه هو.
طالب: هل المنان من أسماء الله؟
الشيخ: نعم.
الطالب: وهل يسمى به (...)؟
الشيخ: يسمى به، فيقال: يا منان امنن علي بكذا وكذا. لكن الحنان هل هو من أسمائه؟
الطالب: عندنا معنى الحنان والمنان والبرهان ويا عظيم الشان (...) في بعض المساجد، مع أن بعض المساجد أنكرنا بها؟
الشيخ: إي، أما (يا منان) فهي اسم ما فيه شك، اسم من أسماء الله ثابت. وأما الحنان فبعض العلماء أنكره وقال: إنه ما ورد إلا في حديث ضعيف؛ الحنان، وبعضهم أثبته. وأما برهان فهذا ما هو من أسماء الله قطعًا. وأما عظيم الشان، صحيح هذا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: نعم، وصف هذا، هذا وصف؛ لأنه عظيم الشان سبحانه وتعالى.
طالب: ويدعى بها (...)؟
الشيخ: يصح أن تدعو الله تعالى بالصفة التي تتعين له، كما كان الرسول يدعو يقول: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، مُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ...» كان يدعو بها عليه الصلاة والسلام.
الطالب: (...) يا عظيم الشان مثلًا؟
الشيخ: إي نعم ما فيه شك.
طالب: معنى حديث: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، في رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» ؟
الشيخ: إي نعم، هذا اختلف العلماء فيه،؛ فمنهم من قال: إن صورة الرحمن ما صحت، وممن أنكر ذلك ابن خزيمة في كتاب التوحيد. ومنهم من قال: إن اللفظة الصحيحة وهي تفسر الضمير في قوله: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»؛ لأن «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ثابتة في الصحيحين. لكن ما المخرج؟
يخرَّج هذا على أحد وجهين: إما أن المعنى أنه على صورة الرحمن، ولا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلًا له، فهذه أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ولا يلزم أن تكون على مثله، فالصورة من حيث العموم، أو يقال: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» إن هذا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، يعني على الصورة التي اختارها سبحانه وتعالى وأرادها، فلا تضرب الوجه فتقبح هذه الصورة التي اعتنى الله بها، أو تقبحه.
***
(...) أنواع.طالب: الإلحاد في الأسماء (...).
الشيخ: القسم الثاني؟ الإلحاد في الآيات؟
طالب: الزيادة على أسماء الله.
الشيخ: إي، أحسنت، أنواع الإلحاد، باق من أنواع الإلحاد؟
طالب: الزيادة على ما أثبت الله لنفسه (...).
الشيخ: إي، يعني أن يسمى؟
الطالب: مثلما سمى (...).
الشيخ: ودليله قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: ٤٠]، الإلحاد في الأسماء فهمناه الآن، الإلحاد في الآيات دليله قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا، وهذه الجملة كما ترون فيها تهديد بين؛ لأن قوله: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَامعناه: سنعاقبهم على هذا الإلحاد.
والجملة هنا مؤكدة بـإِنَّ، إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ.
وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات كونية وآيات شرعية.
فالآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات من آيات الله الكونية، في السماوات والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك، قال الشاعر:
| فَوَا عَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ | أَمْ كَيْفَ يَجْــــــــــحَدُهُ الْجَاحِــــــدُ |
| وَفِي كُــــــــــلِّ شَـــيْءٍ لَــهُ آيَــــــــــــــــةٌ | تَــــــــــدُلُّ عَـــــــلَى أَنَّــهُ وَاحِــــــــــــــدُ |
كل شيء فيه آية من آيات الله عز وجل. إذا كانت الآيات الكونية هي كل ما خلق الله، كل مخلوقات الله تعالى فهي آية كونية لله، فبماذا يكون الإلحاد فيها؟
يكون الإلحاد فيها بثلاثة وجوه: اعتقاد أن أحدًا انفرد بها أو ببعضها، يعني: خلق دون الله، مثل الطبائعيين الذين يقولون: إن الطبيعة هي اللي تكون. هذا إلحاد في آيات الله، هذا قسم: اعتقاد أن أحدًا انفرد بها دون الله أو شارك فيها أو في بعضها، لا انفرد بها.
ثانيًا: اعتقاد أن لله تعالى فيها شريكًا، يعني وإن لم يكن خالقًا لكن له شريك في الملك؛ في ملك هذه الأشياء. هذا إلحاد في الآيات.
القسم الثالث، أو الناحية الثالثة: اعتقاد أن لله معِينًا في خلقها، لا شريكًا ولكن معين؛ أن لله معينًا في خلق هذه الأكوان.
فالإلحاد إذن في الآيات الكونية من ثلاثة أوجه: اعتقاد أن أحدًا سوى الله منفرد بها أو ببعضها، اعتقاد أن أحدًا مشارك لله تعالى فيها. والفرق بين هذا والذي قبله ظاهر؛ لأن الفرق إذا اعتقد أن أحدًا منفرد بها دون الله واضح، كأنه جعل الكون مخلوقًا لغير الله.
أن أحدًا شارك الله فيها، يعني مثلًا صار له مثلًا واحد خلق السماوات، أو الله خلق السماوات، وآخر خلق الأرض. هذا على سبيل الانفراد.
أما الثاني، الوجه الثاني: أن لله تعالى فيها شريكًا على وجه مشاع، يعني كل هذا بينه وبين الله، كل الخلق بين الله وبين أحد آخر.
ظهر الفرق بينهما؟
الثالث: أن يعتقد أن لله تعالى معينًا في إيجادها وخلقها وتدبيرها. هذا من الإلحاد في الآيات.
ويدل على هذه الأوجه قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، هذا واحد: الانفراد.
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ؛ هذا الثاني.
وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، ظهير يعني: معين؛ هذا الثالث.
فصار الإلحاد في آيات الله الكونية من كم من وجه؟ من ثلاثة أوجه، عرفتم؟ كل ما يتعلق بما يخل بتوحيد الربوبية فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية.
القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي ما جاءت به الرسل من الشرائع، أو بعبارة أعم: من الوحي، ما جاءت به الرسل من الوحي فهذه هي الآيات الشرعية، مثل؟
طالب: القرآن.
الشيخ: كالقرآن، القرآن قال الله تعالى فيه: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩]، أما الجهال فلا ينتفعون بالقرآن.
بماذا يكون الإلحاد في الآيات الشرعية؟
يكون الإلحاد بالآيات الشرعية بتكذيبها وتحريفها ومخالفتها. كم من وجه؟ ثلاثة أوجه أيضًا، يكون بتكذيبها وتحريفها، أيش بعد؟ ومخالفتها.
تكذيبها هذا فيما يتعلق بالأخبار، ومخالفتها فيما يتعلق بالأحكام، وتحريفها فيما يتعلق بالأحكام والأخبار، التحريف يشمل، يعني التحريف يتعلق بالأخبار والأحكام.
إذن الإلحاد في الآيات الشرعية يكون من ثلاثة أوجه أيضًا: تكذيبها، ومخالفتها، وتحريفها.
تكذيبها فيما يتعلق؟
طالب: بالأخبار.
الشيخ: نعم، ومخالفتها فيما يتعلق بالأحكام، والثالث: تحريفها يشمل بالأخبار والأحكام، ولَّا لا؟
فمن الناس مثلًا من يحرف الأحكام ويجعل هذا الخبر مثلًا أو هذه الآية لها معنى غير ما أراد الله، ومن الناس من يحرف في الأخبار كتحريف أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم.
إذن الإلحاد في الآيات الكونية والشرعية حرام ولَّا جائز؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام، وبعضه كفر، تكذيبها كفر لا شك، تكذيب الآيات الشرعية كفر، فمن كذب شيئًا مع اعتقاده أن الله تعالى ورسوله أخبرا به فهو كافر، إذا علم أن هذا مما أخبر الله به ورسوله ثم كذبه كفر.
ومنها ما يكون معصية من الكبائر، ومنها ما يكون معصية من الصغائر. قال الله تعالى في الحرم: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥]، فسمى الله تعالى المعاصي والظلم سماها إلحادًا؛ لأنها ميل عما يجب على الإنسان أن يكون عليه، الإنسان العاصي لله مال أليس كذلك؟
مال عما يجب أن يكون عليه؛ لأن الواجب أن يكون عليه هو السير على صراط الله سبحانه وتعالى، فإذا خالف فقد ألحد.
إذن الحمد لله تم تقسيم الإلحاد بالآيات الكونية والشرعية. والسؤال الآن الذي يرد: ما هو الموضع الذي يكون فيه الإلحاد؟
نقول: يكون في الأسماء وفي الآيات، والإلحاد في الأسماء أربعة أنواع، والإلحاد في الآيات نشوفه نقسمه.
الآيات إما كونية وإما شرعية، فالإلحاد في الآيات الكونية يكون باعتقاد أن أحدًا انفرد بها دون الله أو ببعضها، والثاني: أن يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا، والثالث: أن يعتقد أن لله تعالى فيها معينًا. وقد دل على هذه الأشياء الثلاثة قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢].
في الآية هذه شيء رابع لكن ما يتعلق ببحثنا، وهو: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣]. فبهذه الأمور انقطعت كل وسيلة يتعلق بها المشركون، ما دام آلهتهم ما لها ملك ولا مشاركة ولا معاونة ولا شفاعة. إذن بماذا يتعلقون؟ ما عندهم شيء يتعلقون به.
فالإلحاد في الآيات الشرعية قلنا: تكون بثلاثة أمور: تكذيبها، ومخالفتها، وتحريفها.
قال المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل؛ المسألة الأولى: إثبات الأسماء).
من أين يؤخذ إثبات الأسماء؟ من قوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ [الأعراف: ١٨٠]، وهذا خبر متضمن لمدلوله من ثبوت الأسماء لله. وهنا الجملة فيها حصر؟
طالب: تقديم الخبر.
الشيخ: تقديم الخبر، هل الحصر باعتبار الأسماء أو باعتبار كونها حسنى؟
طالب: كلاهما.
طالب: (...).
الشيخ: باعتبار كونها حسنى؛ لأن لغير الله أسماء أيضًا، لكن باعتبار كونها حسنى.
من الذي أنكر الأسماء؟ الجهمية وغلاة المعتزلة، ما هو كلهم، مذهبهم اللي عليه المذهب إنكار الصفات فقط.
طالب: (...) ما تفيد الحصر أيضًا هنا؟
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا (...).
يقول: (الثانية: كونها حسنى)، كون الأسماء حسنى. أيش معنى (حسنى)؟ أي: بلغت في الحسن غايته؛ لأن (حسنى) اسم تفضيل.
(الثالثة: الأمر بدعائه بها)، قلنا: إن الدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما مأمور به: أن يدعى الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء الحسنى.
كيفية دعاء العبادة؟
طالب: دعاء العبادة؟
الشيخ: نعم. (...) فيتعرض لمغفرته، رحيم يتعرض لرحمته بفعل الطاعات.
دعاء المسألة؟ (...)، أو بعبارة أعم: أن يقرنها بدعاء الله؟
طالب: أن يجعلها وسيلة للتوصل إلى (...).
الشيخ: نعم، وسيلة لما يدعو الله به، سواء قبل أو بعد: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيم» ، هذه جعلت؟ بعد.
(الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين).
تركهم؟ تقدم لنا أن المراد ترك سبيلهم، وليس المعنى ألا ندعوهم وألا نبين لهم، وأن الآية أيضًا تتضمن مع ذلك التهديد.
(الخامسة: تفسير الإلحاد فيها)، وقد سبق أن الإلحاد في الأسماء يكون على أربعة أنواع.
(السادسة: وعيد من ألحد)؛ لقوله: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠] (...).
***
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب: لا يقال: السلام على الله).
(السلام) له عدة معانٍ؛ منها: التحية، كما يقال: (سلم على فلان) يعني حياك، ومنها السلام بمعنى السلامة من النقص والآفات، ومنها السلام من أسماء الله، قال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ [الحشر: ٢٢، ٢٣]، السَّلَامُفسمى الله نفسه بالسلام.
السلام بمعنى السلامة من النقص والآفات، مثل قولنا: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ» ، فإننا ندعو له بماذا؟ بالسلام.
السلام بمعنى التحية، أن نقول: سلم لي على فلان وما أشبه ذلك، ولكنها تحية مقيدة بماذا؟ بالسلام، بأن تقول: السلام عليك.
السلام لا يقال على الله عز وجل؛ بمعنى أنك لا تقول: السلام عليك يا رب، أو السلام على الله من عباده. لماذا؟
لأنك إذا قلت: السلام عليك يا رب، أوهمت نقصًا؛ إذ لا يدعى بالسلام من شيء إلا لمن كان قابلًا أن يتصف به. أو لا؟ فإذا قلت: السلام عليك يا رب، فهذا يتضمن أن يكون الله تعالى قابلًا للنقص، ولهذا دعوت أن يسلم منه؛ فلهذا لا يقال: السلام على الله من عباده، حرام أن تقول ذلك.
مناسبته لتوحيد الصفات ظاهرة جدًّا؛ لأن صفات الله عز وجل كلها عليا كاملة، مثلما أن أسماءه حسنى. والدليل على أن صفات الله عليا قوله تعالى: لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل: ٦٠]، وفي آية أخرى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: ٢٧]، الْمَثَلُ الْأَعْلَىمعناه الوصف الأكمل.
فإذا قلنا: السلام على الله، فمعنى ذلك أن هذا الوصف قد يلحقه النقص فينافي كمال الصفات. فمناسبة هذا الباب لتوحيد الأسماء والصفات ظاهرة جدًّا، وهو أنه يوهم أن الله تعالى يمكن أن يلحقه النقص، فلهذا دعونا له بالسلام.
(...) لله تعالى الأسماء الحسنى، أعقبه بأن هذه الأسماء الحسنى وهذه الصفات سالمة من كل نقص وعيب. والكمال لا يصح إلا بانتفاء العيب وثبوت الكمال، لا يثبت الكمال إلا بانتفاء ما يضاده، فمجرد الإثبات لا يدل على الكمال المطلق، والنفي: تعطيل محض. لو قلت: (زيد فاضل) أثبت له الفضل، لكن هل أثبت له أنه لا يلحقه نقص في هذه الصفة؟ لا، جائز أن يكون له نقص. فإذا قلت: (زيد فاضل ولم يتخذ شيئًا من طريق السفول) مثلًا، فالآن أثبت له الفضل المطلق في هذه الصفة.
الرب سبحانه وتعالى يتصف بصفات الكمال، ولكنه إذا ذكر نفي ما يضاد تلك الصفات صار ذلك أكمل، صار هذا أكمل. فلهذا أعقب المؤلف رحمه الله أعقب الباب الأول بهذا الباب إشارة إلى أن الأسماء الحسنى والصفات العلى لا يلحقها نقص. لماذا؟ لأن الله هو السلام.
وسبق لنا أن السلام أنه اسم ثبوتي سلبي؛ ثبوتي من وجه، وهو أنه سبحانه وتعالى سلام، سلبي من وجه، وهو أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتخيله الذهن أو يتصوره العقل يلحق لله عز وجل، كل شيء يمكن من النقص أو العيب فإن كلمة (السلام) تنفي ذلك.
فهو إذن اسم ثبوتي من وجه، وهو ثبوت هذا الاسم له والصفة التي تضمنها وهي السلامة، وهو سلبي من وجه آخر من جهة أيش؟ أنه يدل على انتفاء كل صفة نقص عن الله، يدل على انتفاء كل صفة نقص.
فما معنى (السلام) إذن؟ (السلام) هو السالم من كل نقص وعيب، بحيث لا يعتريه نقص لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أحكامه، لا يعتريه أي نقص، ولهذا لا يقال: (السلام على الله)؛ لأنك لو قلت: (السلام على الله) لأوهم ذلك القول أن الله تعالى قد يعتريه النقص؛ لأنه لا يطلب الخلو من شيء إلا إذا كان ذلك الشيء ممكنًا؛ إذ لو كان ممتنعًا لكان امتناعه معلومًا بدون دعاء، أليس كذلك؟
وأيضًا فإن الله تعالى لا يُدعَى له، وإنما يُدعَى. إذا قلت: (السلام على الله) دعوت الله أن يسلم نفسه، وهذا لا يليق؛ فإن الله تعالى يُدعَى ولا يُدعَى له، وإنما يُثنَى عليه بصفات الكمال الثابتة له.
فصار ينهى عن قول: (السلام على الله) لعلتين:
العلة الأولى: أن مثل هذا الدعاء يوهم أنه يمكن النقص في حقه، فتسأل الله أن يسلم نفسه من ذلك. لماذا يوهم؟ لأنه لا يدعى بالسلامة من شيء إلا في محل يمكن أن يكون قابلًا لضدها، وهو النقص. أما محل لا يمكن أن يقبل بضدها فلا حاجة إلى أن تدعو بالسلامة منه.
أما العلة الثانية فإنك إذا دعوت الله بأن يسلم نفسه فقد طلبت الحقيقة؛ لأن الله عز وجل يُدعَى ولا يُدعَى له، فهو بغنى عنا، لكنه يُثنَى عليه بصفات الكمال، يثنى عليه فيقال: غفور، رحيم، سميع، عليم، قدير، وما أشبه ذلك، وهذا ثناء عليه وليس دعاء له.
قال: (في الصحيح عن ابن مسعود).
معنى قول المؤلف: (في الصحيح) أي في الحديث الصحيح، وهو أعم من أن يكون في الصحيحين أو أحدهما، والحديث ثابت في الصحيحين. وعلى هذا فيكون معنى قوله: (في الصحيح) لا يراد به أي: أحد الصحيحين؛ إنما المراد: في الحديث الصحيح، وهو أعم من أن يكون ثابتًا في أحد الصحيحين أو في كليهما. والحديث ثابت في الصحيحين.
قال: (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ). والغالب أن المعية مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة لا تكون إلا في الفرائض؛ لأنها هي التي يشرع فيها صلاة الجماعة.
(قلنا) هذا جواب (إذا).
(قلنا: السلام على الله من عباده)، فيسلمون على الله (والسلام على فلان وفلان).
ومعنى (السلام على الله من عباده) أنهم يسألون السلامة لله عز وجل من الآفات، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات، وهذا لا يجوز كما أسلفنا.
أو أن اسم (السلام على الله من عباده) لأن قول الإنسان: (السلام عليكم) له معنيان: إما أن المعنى اسم السلام عليك، أي: عليك بركاته، أو أن المعنى السلامة من الله عليك. فهو سلام بمعنى تسليم، ككلام بمعنى تكليم. بيجيينا إن شاء الله شرحه.
المهم، (السلام على الله) إما أن المعنى: اسم (السلام على الله) يعني اسم نفسه عليه يكون بركة ورحمة وما أشبه ذلك، وهذا لا يليق، أو أن التسليم أي السؤال السلامة على الله من العباد، وهذا أيضًا لا يستقيم كما أسلفنا.
وقوله: (السلام على فلان وفلان)، كلمة (فلان) هذه يكنى بها عن الشخص، و(فلانة) عن الأنثى. و(فلان) مصروف ولَّا غير مصروف؟
طالب: مصروف.
الشيخ: مصروف؛ لأنه ليس علمًا ولا صفة، كصفوان مثلًا، صفوان فيها الألف والنون ولكن ليس علمًا ولا صفة فلذلك ينصرف: كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ [البقرة: ٢٦٤].
(فلان) إذن ليس علمًا ولا صفة فينصرف، و(فلانة) كذلك تنصرف، وهي كناية عن أيش؟ عن الشخص ذكرًا أو أنثى، (فلان) ذكر و(فلانة) أنثى.
ما المراد بفلان وفلان هنا؟ جاء مفسرًا في حديث آخر: «السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ» ، كانوا يقولون هكذا.
«السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ» ممكن ولَّا لا؟ ممكن، ولهذا ما نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك، بل قال:
(فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ»)، وهذا النهي للتحريم قطعًا.
لماذا لا نقول: السلام على الله؟
علل، قال: «فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ»، فكيف يحتاج إلى سلام؟ السلام لا يحتاج إلى سلام، هو نفسه عز وجل سلام، سالم من كل نقص ومن كل عيب، فلا حاجة إلى أن تقول: السلام على الله؛ لأنه كما قلت قبل قليل يوهم النقص في حق الله عز وجل.
وثانيًا: يقتضي أننا ندعو الله لله، والله عز وجل يُدعَى ولا يدعى له؛ لأنه ليس بحاجة إلى أحد يدعو له، بل هو عز وجل يحب أن يُمدَح ويُثنَى عليه، لا شخص أحب إليه المدح من الله، فالله عز وجل يحب أن يُحمد، ولكنه لا يُدعى له.
«لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ».
إذن مناسبة هذا الباب لما قبله، من يعرف؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لما ذكر في الباب ما يتضمن الكمال ذكر ما يليه ما ينافي النقص.
السلام على الله ممتنع لسببين، السبب الأول؟
طالب: ذلك أن الله منزه عن كل نقص، فلا يليق أن نقول: السلام على الله.
الشيخ: لأنه؟
الطالب: لأنه يوهم النقص.
الشيخ: يوهم جواز النقصان عليه؛ إذ لا يدعى بانتفاء الشيء عن الشيء إلا وهو ممكن أن يتصف به.
السبب الثاني؟
طالب: قلنا: إنه (...) الواو، أن الله يدعى ويُمجَّد ويُثنَى عليه ولا يُدعَى له.
الشيخ: نعم، وهذا دعاء له.
السلام على الملائكة؟ على جبريل، ميكائيل، إسرافيل؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأن الرسول ما نهى عنه، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر عائشة أن جبريل يسلم عليها قالت: عليه السلام ، فهذا لا ينهى عنه.
يقول المؤلف في الحديث: (فيه مسائل؛ المسألة الأولى: تفسير السلام) ذكرنا أنه بالنسبة لكونه اسمًا من أسماء الله، ويش معناه؟ السالم من كل نقص وعيب.
وبالنسبة لكونه تحية: السلام عليك يا فلان، قالوا: له معنيان؛ المعنى الأول: أنه على تقدير مضاف، أي: اسم السلام عليك، يعني كما أقول: بسم الله عليك مثلًا، اسم السلام عليك، يعني هذا الاسم اسم الله عز وجل الذي فيه البركة والخير والسلامة عليك.
وناسب أنك تختار اسم السلام دون اسم الله مثلًا: اسم الله عليك؛ لأن السلام مناسب لما تريد أن توجهه إلى هذا المدعو له؛ لأنك تريد أن يسلمه الله من النقص والآفات، فتقول: اسم السلام عليك.
والمعنى الثاني أن السلام بمعنى التسليم، اسم مصدر، مثل أيش؟ كالكلام بمعنى التكليم اسم مصدر، أي: تخبر خبرًا يراد به الدعاء؛ أن السلام على فلان، ولكنه خبر لفظًا إنشاء معنى؛ إذ هو دعاء: السلام عليك، يعني: أسأل الله أن يسلمك تسليمًا؛ ولهذا إذا قلت لشخص: السلام عليك، وقال: أهلًا ومرحبًا، حياك الله وبياك، وجعل الجنة مثواك، وأعاذك من النار، وغفر لك، يكفي في رد السلام؟ ما يكفي؛ لأنك أنت دعوت له بالسلام، رد، يجب عليه أن يرد عليك مثلما دعوت: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦] هذا معنى السلام.
إذن تفسير السلام قال المؤلف رحمه الله: (تفسير السلام)، تفسير السلام له وجهان؛ الوجه الأول باعتباره اسمًا من أسماء الله، والوجه الثاني باعتباره تحية. وعرفتم المعنى.
(الثانية: أنه تحية)، منين يؤخذ أنه تحية؟
طالب: (...).
الشيخ: يحيونه؟
الطالب: إي نعم (...).
الشيخ: إي (...) يمكن أن يكون أيضًا بالنسبة لله؛ لأنه «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي: جميع الكلمات الدالة على الحياة والعظمة والملك والبقاء كلها لله.
(الثالثة: أنها) أي: هذه التحية (لا تصلح لله). من أين يؤخذ أنها لا تصلح لله؟
طالب: التحية؟
الشيخ: لا، السلام على الله؟
الطالب: من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ماذا (...)؟
الطالب: «السَّلَامُ عَلَى اللهِ».
الشيخ: «لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ»، نعم، صح.
(الرابعة: العلة في ذلك)؟
طالب: لسببين: أحدهما أنه يوهم أن...
الشيخ: لا، العلة اللي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الطالب: أن الله هو السلام.
الشيخ: أن الله هو السلام: «فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ»، وإذا كان السلام لا تدعو له بالسلام، إذا دعوت له بالسلام فأنت أوهمت أنه يمكن أن ينقص وأن يلحقه الآفات، فتسأله أن يسلم نفسه من ذلك.
يقول: (الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله).
طالب: لا، (التي لا تصلح).
الشيخ: (التي لا تصلح) أيش؟
طالب: (لا تصلح).
الشيخ: (تعليمهم التحية التي تصلح لله).
طالب: لا، (التي لا تصلح).
الشيخ: عندكم (التي لا تصلح)؟
طالب: (لا تصلح).
الشيخ: لا، (التي تصلح) نعم.
طالب: (...).
الشيخ: إي، قوله: «التَّحِيَّاتُ للهِ» يؤخذ من تكملة الحديث، فهو الحديث، ما فيه اللي معناه هذا، لكن تؤخذ منه.
وفي الحديث أيضًا، في الباب من المسائل: حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث نهاهم وعلل النهي، وذكر العلة مقرونة بالحكم له فائدة عظيمة، بل ذكرنا فيما سبق عدة فوائد، الفائدة الكبرى هي أن الإنسان يطمئن إلى الحكم.





