أيش؟ طمأنينة.
ومن الفائدة أيضًا، من فوائد ذِكْر العلة مقرونة بالحكم: بيان
سمو الشريعة الإسلامية، وأن أوامرها ونواهيها مقرونة بالحكمة؛ لأن العِلَّة حِكْمة،
عِلَّة الحُكْم معناه: الحكمة التي من أجلها ثبت الحكم. واضح؟
وذكرنا أيضًا
الفائدة الثالثة، وهي: القياس على ما شارك ذلك المعلَّل بتلك العلة.
يستفاد
أيضًا من الحديث: ويمكن أن تكون يعني من مسائل الباب: أنه لا يجوز الإقرار على ما
لا يجوز. من أين يؤخذ؟
من إنكار الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم، قال: «لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ» .
وهذا واجب على كل مسلم ألا يقر ما لا يجوز؛ لأن في سكوت أهل العلم عن بيان الأحكام
الشرعية بالإضافة إلى أنهم آثمون بعدم بيان الأحكام، فيه أن الناس يستمرئون هذا
الأمر ويرون أنه جائز؛ لأنهم يقولون: لو كان هذا حرامًا لكان الناس العلماء تكلموا
عليه وبيَّنوه؛ ولهذا قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧].
وقوله: أُوتُوا الْكِتَابَ. وإن كان لليهود والنصارى، لكن المسلمون الذين أُوتوا الكتاب
القرآن أفضل الكتب مثلُهم؛ ولهذا قال: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَحتى تتبين أن العلة أن كل من آتاه الله عِلْمًا وجبَ عليه أن
يبينه إذا دعت الحاجة إلى بيانه، بحيث يُسأل عنه بلسان الحال أو بلسان
المقال.
طالب: شيخ، (...)؟
الشيخ: أبدًا؛ لأن الرسول رد بعد ذلك.
الطالب: لأنه توضأ يعني في ذلك الوقت، لكن لو فُرض إنسان ماشٍ
وهو ما توضأ، ما هو بلازم، ما يلزمه أن يتوضأ.
الشيخ:
إي نعم، هو على سبيل الاستحباب؛ لأنه بإجماع المسلمين أنه لا يُشترط لرد السلام،
ولا لِذِكر الله أن يكون على طهارة، حتى قالت عائشة: كان
الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر الله على كل أحيانه .
طالب: تنقيص الوضوء (...)؟
الشيخ:
كيف تنقيصه؟
الطالب: يعني مثلًا أن يكون رد السلام على
غير (...).
الشيخ: نقول: الذكر، كل ذكر فالأفضل أن
يكون على طهارة، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام يمتنع، أو يقول: كيف أن أذكر الله
إلا على طهارة ؟
يدل على أن رد السلام من ذِكْر الله، وهو من ذِكْر الله من وجهين: من جهة أنه دعاء،
والدعاء عبادة، ومن جهة أنه يتضمن اسمًا من أسماء الله وهو السلام، عليكم
السلام.
الطالب: إنما يعني يجب أن يرد؟
الشيخ: إي، يجب أن يرد.
الطالب:
(...)؟
الشيخ: إي، كيف؟ يجب أن يرد، لكن الأفضل أن
يكون على طهارة، فإذا قُدِّر أن الإنسان ما عنده ماء، ولا يمكن يرد إلا كان بعد
ساعة أو ساعتين أو بعدما ينصرف الْمُسَلِّم فليرد.
طالب: (...).
الشيخ: «فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ» .
وكأنه عليه الصلاة والسلام قال هكذا، اختار اللفظ العام على التخصيص: جبريل
وميكائيل، وقال: إذا قلتم على عباد الله الصالحين ما حاجة تقولون: على جبريل
وميكائيل؛ لأنهم داخلون في عباد الله الصالحين.
طالب:
شيخ، هنا (...).
طالب آخر: على أي أساس كانوا يعملون
مثل هذا العمل (...)؟
الشيخ: الظاهر أنه اجتهادًا منهم،
الظاهر أنه وقع الاجتهاد، والصحابة قد يجتهدون، ثم يُقَرُّون أو يُنكر عليهم.
الطالب: (...)؟
الشيخ:
كيف؟ هذا ما هو بالسلام على الله.
الطالب: إي، عبارة
(...)؟
الشيخ: السلام على الله يقصدون بذلك السلامة من
النقص.
الطالب: فقط يعني؟
الشيخ: إي نعم، يعني الاحتمال الأول ما يرد عليهم في تسليمهم على
الله؛ لأن الظاهر أنه يبعد أنهم يريدون أن الله يبارك لنفسه باسمه، هذا بعيد، وإن
كان فيه احتمال لكنه بعيد. ومع أننا نقول: حتى الاحتمال الذي ذكروه؛ يعني أنه يحتمل
أن المعنى في قول الإنسان لصاحبه: السلام عليك؛ يعني اسم السلام عليك، هذا ذكروه.
ولكن مع هذا الذي يتبادر إلى الذهن أن معنى السلام عليك الدعاء بالتسليم، أن الله
يسلمك، هذا هو المتبادر.
***
ثم قال: (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت).طالب: (...).
طالب آخر: السلام مني عليك.
الشيخ: بمعنى؟
الطالب: بمعنى أنك سالم (...).
الشيخ: لا، لكن هي تتضمن هذا؛ لأنك إذا دعوت الله له بالتسليم من الآفات فأول آفة يسلم منها؟ أن يسلم من آفاته.
قال: (باب قول: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت).
طالب: الدعاء (...) أليس تنزيه الله عن النقائص؟
الشيخ: إي نعم، لكنه خبر، ليس المعنى أنك تسأل الله أن يُنَزِّه نفسه، لكنك تُثني عليه بذلك، كما أنك تقول: السلام بمعنى السالِم من كل نقص، (...).
قال: (باب قول: اللَّهُم اغفر لي إن شئت).
(اللهم) معناه: يا الله، لكن يقولون: إنه لكثرة استعمالها حُذِفت الياء، وعُوِّض عنها الميم، وجُعل العِوَض في الآخر تيمنًا بالابتداء بذكر الله.
وقوله: (اغفِر لي)، المغفرة تقدَّم أن معناها: ستْر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن اشتقاقها من الْمِغْفر يدل على ذلك، إذ إن المغِفر ما يُستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا بشيء ساتر واقٍ، لو أنك لبست طاقية على رأسك تُسمى مغفرًا؟ لا، هي ساترة لكن ليست واقية. فالمراد بالمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه.
ويدل لذلك أيضًا أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن يوم القيامة ويُقرِّره بذنوبه، ويقول له: قد سَتَرْتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. يعني أسترها عليك أيضًا كما سترتها في الدنيا، وأقيك العذاب.
وقوله: (اللهم اغفر لي إن شئت)، التعليق هذا يُوهِم عدة محاذير، كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث، ولهذا..
طالب: الميم هنا (...)؟
الشيخ: لا، الميم عوض عن الياء إي نعم، لكنها اختيرت الميم دون غيرها، ما قال: (اللهمل)، أو (اللهمع)، أو (اللهمب)، (اللهب)؛ لأن الميم يقولون: تدل على الجمع أكثر.
قال: (في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه).
هذا أيضًا (في الصحيح) يعني الحديث الصحيح، وليس المعنى في أحد الصحيحين؛ لأن الحديث فيهما جميعًا.
قال: (في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قد يقول قائل: إن قولنا: (في الصحيح)؛ يعني في الحديث الصحيح، إن هذا إخراج للفظ عن ظاهره، فما الذي أوجب لنا أن نُخرجه عن ظاهره؟
الجواب: أنه موجود في الصحيحين، لكن لو قال قائل: ربما أن المؤلف رحمه الله حين كَتَبَ هذا الحديث لم يكن عنده إلا أحد الصحيحين فخرجه منه؟ نقول: هذا ممكن، لكن مثل الشيخ إمام، وهذا في نفس الكتاب إذا جاء الحديث في الصحيحين يقول: أخرجه الشيخان، أو أخرجاه، وهذا يدل على أن الصحيحين عنده.
يقول: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ» ).
فنهى وأمر، لا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولا يقل: اللهم ارحمني إن شئت، يعني: ولا يقل: اللهم ارزقني إن شئت، ولا يقل: اللهم أجرني من النار إن شئت، كل الدعاء. لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بمثالين: أحدهما فيه دفع المضار، والثاني فيه جلب المنافع. اللي فيه دفع المضار ما هو؟ «اغْفِرْ لِي»، واللي فيه جلب منافع: «ارْحَمْنِي». فكل دعاء يدعو به الإنسان ربه فإنه يدور على هذين المعنيين: إما منفعة يطلب من الله حصولها، وإما مضرة يطلب من الله أن يدفعها عنه أو يرفعها إن كانت قد نزلت به.
وعلى هذا فيكون المقصود بذكر المغفرة والرحمة فقط، وأيش المقصود؟ التمثيل، المقصود التمثيل. أو إن كان ذلك شائعًا عندهم، فيكون الرسول نهى عنه بخصوصه لأنه شائع.
وقد قال أهل العلم: إنه لا مفهوم للقيد إذا كان قيدًا أغلبيًّا، أي أنه ذكر القيد هذا من أجل أنه الغالب. فالتقييد بالمغفرة والرحمة إما أن نقول: هذا على سبيل التمثيل، أو نقول: لأنه كان موجودًا عندهم، فذُكِر لأنه الأغلب في دعائهم، والتقييد بالأغلب لا ينفي ما سواه، والله أعلم (...).
أن هذا على سبيل التمثيل، ففي الجملة الأولى النجاة من المكروه: «اغْفِرْ لِي»، وفي الثانية حصول المطلوب، فيشمل الدعاء بكل ما فيه حصول المطلوب، أو: بكل ما فيه زوال المكروه؛ يعني ما هو خاص بالكلمتين فقط، عام في كل شيء، يكون المصلحة للعبد إما باندفاع مكروه عنه، وإما بحصول محبوب له.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ».
اللام لام الأمر: «لِيَعْزِمْ»، ومعنى عزم المسألة ألا يكون في تردد، فليعزم بدون تردد وبدون تعليق.
وقوله: «الْمَسْأَلَة» أي: السؤال؛ أي: ليعزم في سؤاله، فلا يجعله مرددًا بقوله: «إِنْ شِئْتَ».
ثم علل، قال: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ»، أي: لا أحد يُكرهه على ما يُريد، أو ما لا يريد؛ يعني لا أحد يُكرِه الله على شيء لا يريده؛ فلا يفعل، أو على شيء يريده فيمنعه منه، والمعنى واضح.
وقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ» تعليل لقوله: «لَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ». ولقوله: «وَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ». ووجه كونه تعليلًا له: أن قول القائل: «إِنْ شِئْتَ». يُشعِر بأن وراء الله تعالى من يستطيع أن يمنعه، فيقول: إن كان ودك فافعل، والله عز وجل لا يفعل الشيء إلا وهو يريده وهو يشاؤه، ما يُكرِهه أحد على أن يشاء حتى يفعل أو أن يشاء فلا يفعل.
والحاصل أن هذا القول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ». يُشعِر بأنه كأن أحدًا وراء الله تعالى يُكرِهه على أن يفعل، فيقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفِر. هذا تعليل.
التعليل الثاني: قال: (ولمسلم : «وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ»).
«وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ» يعني: ليسأل ما شاء من قليل وكثير، ولا يقول: هذا كثير لا أسأل الله إياه؛ ولهذا قال: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ». أي: لا يكون الشيء عظيمًا عنده حتى يمنعه ويبخل به سبحانه وتعالى، كل شيء يعطيه الله أحدًا فإنه ليس عظيمًا عند الله. البعث -بعث الخلق- بكلمة واحدة عظيم ولَّا لا؟ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧]. ليس بعظيم، كل شيء يعطيه الله عز وجل أحدًا مِن الخلق فليس بعظيم، لا يتعاظمه، يعني لا يكون الشيء عظيمًا عنده حتى لا يعطيه، بل كل شيء عنده هَيِّن.
هذا تعليل آخر؛ لأن قول القائل: إن شئت، كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله، فقد لا يشاؤه لكونه عظيمًا عنده.
ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس -والمثال للصورة بالصورة، لا للحقيقة بالحقيقة- أن تقول لشخص: أعطني مليون ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له: أعطني مليون ريال، ربما يكون الشيء في نفسه عظيمًا يتثاقله، فتقول: إن شئت؛ لأجل أن تُهَوِّن عليه المسألة. فالله عز وجل لا يحتاج أن تقول له: إن شئت؛ لأنه هو سبحانه وتعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه، كل شيء يعطيه الله تعالى فهو عنده هَيِّن.
الأمر الثالث من المحذور في هذا التعليق: أنه يُشعر باستغناء الطالب عن الله، كأنه يقول: أعطِني كذا إن كان ودك وإلا ما يهمني. وهذا يدل على أن هذا السائل ليس مُعَظِّمًا للرغبة، كأن الأمر عنده ليس في حاجة إليه، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر، أنا لا يهمني؛ ولهذا قال: «وَلْيُعَظِّمِ الرّغْبَةَ»، أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك ولَّا لا؟
نعم، يُنافي ذلك؛ لأن المعلِّق للشيء المطلوب يُشعر أنه مستغنٍ عنه، وهذا محذور.
والإنسان الداعي ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر بأنه مفتقِر إليه غاية الافتقار، وأن الله تعالى قادِر على أن يُعطيه ما سأل، وأن ما سأله فليس بعظيم على الله عز وجل، بل هو هَيِّن عليه.
إذن من آداب الدعاء ألا يدعو الإنسان بمثل هذه الصيغة؛ لأن فيها محاذير ثلاثة:
المحذور الأول: أنها تشعر بأن الله يُكرَه، له مُكرِه على الشيء، فتقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر.
المحذور الثاني: أنه يشعر بأن الإنسان يرى أن ذلك عظيم على الله وكبير عنده، فهو يقول: إن شئت وإلا ما أكلفك؛ لأنه عظيم فيقول: إن شئت علشان ما يتكلف ويقع في حرج. هذا محذور آخر.
المحذور الثالث: أنه يُشعِر بأن الإنسان الطالب مُستغنٍ عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل؛ فالأمر لا يهمني؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: تحب أهدي عليك كذا وكذا، فقلت: إن كان ودك، ويش يدل عليه هذا؟ الاستغناء، يعني إني ما يهمني إن عطيتني وإلا فلا يهم. فلهذا لا تقل: اللهم اغفر لي..
إذن اجزم، فمن آداب الدعاء أن تجزم، تقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفِّقني لما تحب وترضى، وما أشبه ذلك، تجزم بدون تردد.
ولكن هل تعزم؟ أو هل تجزم بالإجابة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إن كان الأمر عائدًا إلى قُدرة الله فإنك تجزم بأن الله قادر وقد وعد: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠].
الثاني.. ماذا قلت؟
طالب: الجزم بالإجابة.
الشيخ: إذا كان الجزم بالإجابة من حيث قُدرة الله عز وجل فهذا يجب أن تجزم به؛ لأن الله قادر وهو قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، أما من حيث دعاؤك أنت باعتبار ما عندك من الموانع، وقد لا تتوفر الأسباب، فهذا الإنسان يتردد، لكن مع ذلك ينبغي أن يُحسِن الظن بالله عز وجل، وأنه عز وجل إذا قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْوأن الذي وفقك للدعاء سيمُنُّ عليك بالإجابة؛ لأنه هو الموفِّق أولًا وآخرًا، فينبغي أن تُحسِن الظن بالله، لا سيما إذا كنت قد أتيت بأسباب الإجابة، وتنحَّيت عن الموانع.
ومن الموانع: الاعتداء في الدعاء، بأن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم، ومنها أن يدعو الإنسان بما لا يُمكن شرعًا أو قَدَرًا، الذي لا يمكن شرعًا مثل؟
طلبة: اجعلني نبيًّا.
الشيخ: يقول: اللَّهُمَّ اجعلني نبيًّا؛ هذا لا يمكن. أو قدرًا، وأيش مثل؟
طالب: الملك.
الشيخ: الملَك ممكن.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، أن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين المتناقضين، والجمع بين المتناقضين هذا أمر لا يمكن، مستحيل.
فالاعتداء في الدعاء مانِع من إجابة الدعاء، بل هو مُحرَّم، وهو أشبه ما يكون بالاستهزاء بالله سبحانه وتعالى.
ما مناسبة هذا الباب للتوحيد؟
مناسبة هذا الباب للتوحيد من وجهين:
أولًا: من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يُشعِر أن الله له مُكرِه لم يُؤمن بتمام ربوبيته؛ لأن من تمام ربوبية الله عز وجل أنه لا مكره له، بل أنه لا يُسأل عما يفعل، كما قال الله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].
وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى: أن الله تعالى يتعاظمه الأشياء التي يعطيها، فكأنَّ في ذلك قدْحًا في جوده وكرمه.
أما من حيث العبد فإنه يُشعِر باستغنائه عن رَبِّه، وهذا نقْص في توحيد الإنسان سواء من جهة الألوهية أو من جهة الربوبية، بل ومن جهة الأسماء والصفات.
فهذا وجه المناسبة لهذا الباب في كتاب التوحيد؛ ولهذا ذكره المؤلف رحمه الله في باب فيما يتعلق بالأسماء والصفات؛ لأن هذا تنقُّص في حق الله عز وجل.
فإن قلت: ما جوابك عما ورد في دعاء الاستخارة، وما ورد أيضًا في الحديث المشهور: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» . وفي الاستخارة تقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَتَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ خَيْرًا لِي..» إلى آخره ، «إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ»؟
فالجواب من وجهين؛ أولًا: أنني لم أُعلِّق ذلك بالمشيئة، ما قلت: فاقدره لي إن شئت، بل لما دعوت: «اقْدُرْهُ لِي» بدون (إن شئت). لكن أنا لا أعلم هل هذا خير لي أم لا، والله تعالى يعلم، فأقول: «إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا خَيْرُ لِي فَاقْدُرْهُ لِي». نعم، لو كان لفظ الحديث: فاقدره لي إن شئت، صار معارضًا لهذا الحديث، لكن لما لم يكن، وإنما التعليق فيه لأمر مجهول عندي ما أدري هو خير لي ولَّا لا؟
وكذلك نقول في حديث: «أَحْيِينِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»؛ لأن الإنسان ما يعلم هل طول حياته خير له أم شر، ولهذا كره أهل العلم أن تقول للشخص: أطال الله بقاءك، قالوا: لأن هذا دعاء ما يُعْلم وجهه، قد يكون طول البقاء خيرًا له وقد يكون شرًّا له. ولكن تقول: أطال الله بقاءك في طاعته، أو على طاعته، أو ما أشبه ذلك، حتى يكون الدعاء خيرًا بكل حال.
وعلى هذا فلا يكون في هذا الحديث مُعارضة لحديث الاستخارة ولا لحديث: «اللَّهُمَّ أَحْيِينِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»؛ لأن الدعاء مجزوم به، ما هو مُعلَّق بالمشيئة، والنهي إنما هو عما كان معلقًا بالمشيئة.
لكن لو قال: اللَّهُمَّ اغفر لي إن أردت، ما هو إن شئت؟
طلبة: نفس الشيء.
الشيخ: نفس الشيء؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأن الإرادة هنا؟
طلبة: مشيئة.
الشيخ: كونية، فهي بمعنى المشيئة، يعني فالخلاف باللفظ لا يُعتبر مؤثرًا في الحكم.
طالب: شيخ، ما يمكن نقول أيضًا: إن التعليق هنا، إن النهي (...) مما يتعلق بالله عز وجل، أما في حديث الاستخارة فهو متعلق بالعبد نفسه؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنه قال يعني: «إِنْ كَانَ خَيْرًا لِي»، يعني إن كان هذا خيرًا لي، فهذا متعلق بالعبد نفسه.
الشيخ: إي، لكن «اقْدُرْهُ»؟
الطالب: هناك (...) هناك يتعلق بالله عز وجل: إن شئت أنت.
الشيخ: حتى «اغْفِرْ لِي»، مثل «اقْدُرْهُ لِي» لو كان اقدره لي إن شئت؛ صار مثله بالضبط، حتى لو قال: إن كنت تعلم أن هذا خير لي فاقدره لي إن شئت، فهذا منهي عنه، نفس الشيء.
طالب: (...) حديث الاستخارة؟
الشيخ: قلنا: إن الوجه الأول أن هذا مُعلَّق بعلمك، وأنت لا تدري، فليس مُعلَّقًا بمطلوب، مثلًا لست تقول: اقدُره لي إن شئت.
الوجه الثاني: أن دعاء الاستخارة و«أَحْيِينِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»، الخير فيه مجهول ما هو معلوم. وأما «اغْفِرْ لِي» و«ارْحَمْنِي» فالخير معلوم، فلماذا تجعله مُعلَّقًا؟
طالب: يا شيخ، قول بعض الناس: طَوَّل الله عمرك وكذا يعني إن كان (...)؟
الشيخ: إي، نفس الشيء، إذا قال: طَوَّل الله عمرك، قل له: على طاعته؛ يعني على طاعة الله.
الطالب: إي نعم، يعني ما تنبغي يعني..
الشيخ: والله إحنا دائمًا إذا قال أحد: طَوَّل الله عمرك، نقول: على طاعته.
طالب: إذا قال: يا طويل العمر؟
الشيخ: نفس الشيء؛ لأن (يا طويل العمر) إن كان خبرًا قلنا: كذبت! ما تدري هو طويل العمر ولَّا قصير العمر، وإن كان دعاءً فقد يكون خيرًا له وقد يكون شرًّا له. فقل: يا طويل العمر، أرجو أن تكون طول عمرك على طاعة الله. إلا إذا كان (يا طويل العمر) تخاطب إنسانًا له مئة سنة، يعني أن عمره طويل، هذا صح.
طالب: خبر.
الشيخ: خبر، يكون خبرًا صادقًا.
طالب: لا يكون حكم الدعاء بهذا هل هو شرك؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: بهذه الصيغة: إن شئت اغفر لي وارحمني إن شئت؟
الشيخ: لا، ليس بشرك، لكنه فيه تنقُّص لحق الله عز وجل، في حق الله، ما هو شرك.
طالب: ما يكون (...) لأن الحديث ورد في المغفرة والرحمة فهي ما (...) لكن لو بيدعي الإنسان بأمر لا يدري هل إجابته خير أو لا؟
الشيخ: تقول: إن كان خيرًا لي فاقدره، ولا تقل: إن شئت، فتجعل التعليق على العلم لا على فعل الله.
طالب: في الحديث (...) عام في النهي عن طول العمر، فلماذا نحن نقيدها في الطاعة مثلًا، مع أن النذر (...)؟
الشيخ: الرسول أرشدها قال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ كَذَا وَكَذَا لَكَانَ أَوْلَى» . صحيح، ولكنه ما حرَّم هذا الشيء، ما حرمه، فطول العمر إذا كان في طاعة الله فإن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وهذا شيء خير لا شك فيه.
طالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟ (...)
يقول: (فيه مسائل؛ المسألة الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء).
هذه مشكلة، ابن مالك يقول:
| مَا اسْتَثْنَتِ (الَّا) مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ | .......................... |
فأداة الاستثناء (إلا)، والحديث ما فيه (إلا)، الحديث فيه: «إِنْ شِئْتَ». فكيف هذا؟
نقول: إن الشَّرْط استثناء؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» .
ووَجْه كون الشرط استثناء أنك إذا قلت: أكْرِم زيدًا إن أكرمك، فإنه استثناء في الحقيقة، كأنك تقول: أكْرِم زيدًا إلا ألا يكرمك. ما دام قلت: أكرم زيدًا إن أكرمك، المعنى: أكْرِم زيدًا إلا ألا يكرمك. فهذا وجْه كون الشرط استثناء.
فالمؤلف إذا قال قائل: أين الاستثناء في الحديث؟ نقول: إن الشرط استثناء؛ لأنه استثنى من العموم ما يخالف ذلك الشرط. هذا وجه كونه استثناءً.
النهي عن الاستثناء في الدعاء، وظاهِر كلام المؤلف: مُطلقًا، ولا يرد عليه ما قاله الأخ في: إن كنت تعلم أن حصول هذا الشيء لي خير فاقدُرْه. لماذا؟ لأن هذا الاستثناء ليس في الدعاء، ولكنه فيما يتعلق به عِلْم الله، هل هو خير لي أم لا؟ ولهذا لما قلت: إن كنت تعلم أنه خير فاقدره، ويش صار؟ صار دعاء مستثنى فيه ولَّا لا؟ فاقدره؟ لا؛ لأن الدعاء جاء بكلمة (اقدره)، و(اقدره) ما فيها استثناء، ما أقول: اقدره إن شئت. فكلام المؤلف على عمومه.
(الثانية: بيان العلة في ذلك).
(العلة في ذلك) ذكرنا أنها ثلاث عِلَلٍ: أنها تُشعر بأن الله له مُكرِه، والأمر ليس كذلك، أنها تُشعِر بأن هذا أمر عظيم على الله قد يثقل عليه ويعجز عنه، والأمر ليس كذلك، الأمر الثالث أنها تُشعِر باستغناء الإنسان عن الله عن مسئوله، وهذا غير لائق وليس من الأدب.
(الثالثة: قوله: «لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ»)، وهو أمر، فإذا سألت فاعزم، لا تتردد.
حديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» . هذا صحَّحه بعض أهل العلم وضعَّفه بعضهم، قالوا: إنه ضعيف ما هو صحيح. وكما قُلت: بالنسبة لقُدرة الله يجب أن تكون مُوقنًا بأن الله قادر على ذلك، لكن بالنسبة لما قد يكون من تخلُّف الأسباب، أو وجود الموانع فالإنسان يبقى مترددًا؛ لأن الإنسان قد لا يجاب، قد لا يجاب لفوات سبب أو لوجود مانع.
(الرابعة: إعظام الرغبة)؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ»، يسأل ما بدا له، ليس شيء على الله تعالى عزيزًا أو ممتنعًا. يقولون: إن فيه واحدًا يطوف بالبيت، يقول: اللهم إني أسألك نحوًا كنحو ابن هشام، وفِقْهًا كفقه شيخ الإسلام، هذا ممكن؟ ممكن، الله على كل شيء قدير، اللي أعطى هؤلاء أو هذين يعطيك، لا تقُل: إن هذا أمر لا يمكن.
شيخ الإسلام مثلًا، الذين قبله أقل منه، أبوه أقل منه علمًا، وجدُّه أقل منه عِلْمًا، وجده أعلم من أبيه؛ ولهذا يُقال: إن عبد الحليم أبا شيخ الإسلام إنه كوكب بين قمرين.
فالحاصل أن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء، اسأل الله ما بدا لك، وأنت لا ملجأ لك إلا الله عز وجل.
(الخامسة: التعليل لهذا الأمر).
(التعليل) مِن أين؟ من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَعَاظَمُهُ»، و«لَا مُكْرِهَ لَهُ»، وقوله: «لِيُعَظِّمِ الرّغْبَةَ».
وفي هذا من المسائل: حُسْن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا ذكر الحُكْم قَرَنَهُ بالعلة؛ لأن قرْن الحكم بالعلة يفيد فائدتين، أو ثلاثًا إذا كان في الأحكام.
الفائدة الأولى: سمو هذه الشريعة، وأنه ما من شيء تُحكم به إلا وله حكمة وعِلَّة.
الثاني: زيادة طُمأنينة الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فهم العلة مع الحُكْم، لا شك أنه يطمئن أكثر؛ ولهذا لما سُئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن بيع التمر بالرطب ما قال: حلال ولا حرام، قال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟». قالوا: نعم، فنهى عنه ، علشان يتبين الحكمة من النهي.
والرجل الذي قال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، ما قال: الولد لك، ولا تفكر في هذا الأمر، أيش قال له؟ قال: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟». قال: نعم. قال: «مَا أَلْوَانُهَا؟». قال: حُمر. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟». قال: نعم. قال: «مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا؟». قال: لعله نزعه عِرْق، كل الإبل حمر إلا هذا الأورق، الأورق: الأشهب اللي بين البياض والسواد، قال: «لَعَلَّ وَلَدَكَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» . الآن الرجل طابت نفسُه أو لا؟ طابت نفسُه، اطمأن تمامًا للحكم، وعرف أن هذا هو الواقع وسكت.
والحاصل: أن قرْن الحكم بالعلة يُوجِب الطمأنينة بلا شك، ويُوجِب محبة الشريعة والرغبة فيها.
الأمر الثالث، قلنا: القياس إذا كانت المسألة في حُكْم من الأحكام، القياس على ما شَارَك هذا في العلة، يُلحقه به.
طالب: (...).
الشيخ: (...) أنه يجوز الدعاء بطول العمر مطلقًا بدون قيد؟ لكنه في الحقيقة إذا رأيت أن طول العمر ما هو خيرًا مطلقًا، ليس خيرًا مطلقًا، الإنسان هو قد يريده، لا شك أن الإنسان يريد طول العمر سواء كان محسنًا أم مسيئًا، حتى لو مسيئًا فاسقًا كافرًا يحب طول العمر. فلما كان هذا مرغوبًا بَيَّنَ الرسول عليه الصلاة والسلام أن من أسبابه أن تصل الرحم، ولكن ما هو النافع من طول العمر؟ العمل الصالح، ما فيها شك، هذا هو النافع.
طالب: من العمل الصالح وَصْل الرحم.
الشيخ: إي نعم، لا، أنا قصدي أن طول العمر ليس محمودًا على كل حال ولا مذمومًا على كل حال (...).
وصاروا (...)، والواقع أنه لا إشكال؛ لأن طول العمر وكذلك سعة الرِّزْق، والمغفرة، والرحمة، والأولاد، والأموال، والعافية، والهداية، كلها أمور مفروغ منها، ومع ذلك أنت تسأل الله الهداية ولا فيه إشكال، تقول: اللهم اهدني، وتقول: اللهم اغفر لي. وتكون الهداية سببًا لدخول الجنة والنجاة من النار، والمغفرة كذلك، ولَّا لا؟
كذلك أيضًا هذه صلة الرحم تكون سببًا لطول العمر، ولا فيها إشكال، وليس معنى ذلك أن الله كتب للإنسان عمرين، لكنه لما كان القدر أمرًا مكتومًا وسرًّا مجهولًا للعباد بَيَّنَ الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الكلام لأجل يحث الناس على صلة الرحم، وإلا فالأمر بالنسبة إلى الله معلوم ومستقر أن هذا الرجل سيصل رحمه أو لا يصلها، وأن عمره مُحدَّد في زمانه ومكانه وسببه ما يتغير أبدًا، لكن لما كان هذا أمرًا مكتومًا عنا ومجهولًا لدينا صار الرسول عليه الصلاة والسلام يحثنا لأجل أن نعمل، وإلا ما فيه إشكال.
طالب: شيخ، إذا كان (...) من صلة الرحم طول العمر؟ هل يُثَاب على هذا؟
الشيخ: هو قد لا يُثاب إلا إذا قصد بطول العمر استفراغ هذا العمر بطاعة الله. إي نعم، وأما إذا كان قصده بس لأجل أن يتمتع بالدنيا فقط صار مريدًا للدنيا، ولكن مع ذلك لا يُقال: إنك لا تصل الرحم خوفًا من هذه النية، صِلِ الرحم وأحسِن النية.
***
يقول المؤلف: (باب لا يقول: عبدي وأمتي).
(باب لا يقول)، يعني: (لا يقول) الإنسان (عبدي وأمتي).
(عبدي) للغلام، (وأمتي) للجارية.
لماذا لا يقول ذلك؟ لأنه إذا قال: (عبدي)، وأضافه إلى نفسه؛ فإنه قد يستطيل على هذا العبد، وقد يتعاظَم على هذا العبد، ويحتقر هذا العبد؛ لأنه يقول: (عبدي) يضيفه له، أنت عبدي مثلًا، أو يقول لها: أنتِ أمتي. أما إذا قاله غيره فقيل: هذا عبد فلان أو أمة فلان، فهذا لا بأس به، قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور: ٣٢]. لكن النهي عما إذا قاله الإنسان نفسه: (عبدي وأمتي)، ولا سيما إذا دعاه بذلك؛ لأن هناك فرقًا بين الدعاء والخبر، دعاه؛ يعني قال: يا عبدي، تعالَ، يا أمتي، تعاليْ. خبر بأن يقال: لمن هذا العبد؟ تقول: هذا عبدي، أو تقول لإنسان: أتشتري مني عبدي؟ أتشتري أَمَتي؟ هذا أهون. ولكن الدعاء به هو المغلَّظ، أنك تدعوه، تقول: يا عبدي، يا أمتي. أو تقوله استطالَة عليه، تقول: أنت عبدي، أنتِ أمتي، هذا هو الممنوع.
ويقول: (لا يقول: عبدي وأمتي).
إذن نقول: هذه الكلمة إما أن يضيفها القائل إلى نفسه، وإما أن يضيفها إلى غيره، فإن أضافها إلى غيره فلا بأس به فهو جائز، وقد قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور: ٣٢]، وما زال المسلمون يقولون: هذا عبد فلان، وهذه أمة فلان، بدون نكير.
وأما إذا أضافه القائل إلى نفسه، فهذا له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يقوله على سبيل الخبر، والصورة الثانية: أن يقوله على سبيل الدعاء؛ يعني يدعوه يقول: يا عبدي، يا أمتي.
وعلى صورة الخبر له أيضًا وجهان:
الوجه الأول: أن يقول ذلك بحضرته، والثاني: أن يقولها بغيبته، فإذا قالها في غيبته فهي جائزة، إذا قال لإنسان مثلًا: تشتري عبدي، تشتري أمتي، أو مثلًا: عبدي بعد موتي حُرٌّ، وما أشبه ذلك، هذا جائز ولا إشكال فيه، وليس مما جاء به الحديث في النهي عنه.
والثانية الوجه الثاني: أن يقوله لعبده خبرًا بحضرته، حضرة مَنْ؟ العبد، فيقول: هذا عبدي، هذه أمتي. فهذا يُنظر إن ترتَّب على ذلك مفسدة بأن ترتَّب على ذلك استطالة السيد أو إذلال العبد، فهذا ممنوع لا لذاته ولكن لأنه أدى إلى مفسدة وهي الاستطالة على عباد الله، وإذلال هذا العبد أو هذه الأمة. أفهمتم الآن؟
أما إذا قاله على سبيل الدعاء: يا عبدي، ويا أمتي، فهذا لا يجوز.
فصارت الأقسام تُقسم أولًا إلى قسمين: أن يُضيفه القائل إلى نفسه، وأن يضيفه إلى غيره (...) يا عبدي، يا أمتي، وهذا لا يجوز للنهي عنه كما سيأتي إن شاء الله.
والثاني: أن يقوله بلفظ الخبر، وهذا له وجهان: إما أن يقوله بحضرة العبد أو الأمة أو بغيبته، إن قاله بغيبته فهذا لا بأس به ولا محذور فيه، وإن قاله في حضرته فإنه يُنظر إن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو بالسيد مُنِع منه، وإلا فلا بأس به؛ لأن القائل: هذا عبدي، أو هذه أمتي، ما يقصد العبودية التي هي الذل، لكن يقصد بالعبودية أنه ملك ومملوك لي، ما يقصد أنه ذليل كعبادة الإنسان لربه.
***
(قال: في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ» ).«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ» هذه مسألة غير الترجمة.
«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ» لمن؟ للعبد أو الأمة.
«أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ» لا يقول هذا، ليش لا يقوله؟ لأن فيه محذورين:
المحذور الأول: نسبة الإطعام إلى الرب، فظاهره أن الرب قد يحتاج إلى الإطعام، والرب من أسماء الله، والله عز وجل يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤]، ففيه إيهام عظيم أن الله عز وجل يصح أن يتوجه الأمر بإطعام غيره له: «أَطْعِمْ رَبَّكَ».
الثاني: أنك إذا قلت: «أَطْعِمْ رَبَّكَ». تُخاطِب هذا العبد، فإنك في الحقيقة تخدش من كرامته، حيث جعلته مربوبًا وذاك ربًّا.
ففيه محذوران: محذور من جهة الصيغة «أَطْعِمْ رَبَّكَ»، «وَضِّئْ رَبَّكَ». ومحذور من جهة المعنى، أنك تُشعر هذا العبد أو الأمة بالذل؛ لأنه إذا كان ربًّا كان العبد أو الأمة مربوبًا، وهذا كما يقول العامة يكسر خواطرهم، ويجعلهم في حالة سيئة. فعلى هذا يُكْرَه.
أما لو قاله الإنسان في غيبة العبد غير مخاطِب له فلا بأس به، لو قال مثلًا: ربُّ الغلام فلان بن فلان؛ هذا لا بأس به، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح في أشراط الساعة: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» ، وقال يوسف عليه الصلاة والسلام لأحد صاحبي السجن: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف: ٤٢]، فهذا لا بأس به؛ لأن قصة يوسف ما فيها صيغة تُوهِم النقص في الخالق: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَما فيها شيء من نقص.
ويرى بعض أهل العلم في الجواب عن قصة يوسف بأن هذا من الشَّرْع الذي ورد شرعنا بخلافه، ولكن عند التأمل يتبين أنه فرق بين الصيغتين، أن هناك فرقًا بين الصيغتين، والله أعلم (...).
(لا يقل: عبدي وأمتي)، «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ..» (...).
«وَضِّئْ رَبَّكَ».
الإضافة إضافة الرب، إما أن تكون إلى ضمير المخاطَب، أو إلى ضمير المتكلم، أو إلى ضمير الغائب، أو إلى اسم ظاهر.
كم الأقسام؟ أربعة: ضمير المتكلم، وضمير المخاطَب، وضمير الغائب، والرابع: إلى اسم ظاهر. واضح؟
الحديث اللي معنا من أي الأقسام الأربعة؟ من إضافته إلى المخاطب، فلا يقُل: أطْعِم ربَّك، وضِّئ ربك؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عنه، ومن أجل العلتين اللتين ذكرهما الأخ؛ من أن هذا يُوهم معنى فاسدًا بالنسبة إلى الرب، إلى كلمة الرب، وإن كان ما فيه شك أن الرب هنا غير الرب الذي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤].
والثاني: أنه قد يحصل بذلك إذلال للذي قيل له: أطْعِم رَبَّك، وضِّئ رَبَّك، واستعلاء للسيد الذي سُمِّي ربًّا بلفظ الخطاب.
أما إذا كان بلفظ الغيبة، إذا أضيف إلى ضمير الغائب فإن هذا لا بأس به؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في حديث جبريل الذي فيه أشراط الساعة: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا» ، وفي لفظ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» . أما على اللفظ الأول: «رَبَّتَهَا»، فلا إشكال فيه، لوجود الفارق بين رب وبين ربة، ويش الفارق؟ التاء؛ تاء التأنيث، فلا يمكن أن يكون في ذلك إشراك مع الله في اللفظ؛ لأن الله تعالى إنما يُقال له: رب، ولا يقال له: ربة.
لكن على اللفظ الثاني: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا»، وهذا في البخاري، حينئذٍ يقع الاشتراك.
فنقول: إنه لا بأس به؛ لأنه فرق بين (ربك) بالكاف، وبين (ربها) بهاء الغيبة. وقد جاء في حديث اللقطة: «حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا». وهو حديث متفق عليه، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن حديث اللقطة إنما هو في بهيمة لا تَتعبَّد كما يتعبد الإنسان، ولا يحصل منها من الذل مثلما يحصل من الإنسان، ولكن الصحيح أن هذا ليس بفارق؛ لأن البهيمة تعبد الله ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن عبادة خاصة بها: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، أما العباد فقال: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِما هم كلهم، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج: ١٨].
فإذن نقول: إذا كانت بضمير الغائب فلا بأس به.
الثالث: أن تكون بضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي مثلًا، فهل يجوز أو لا يجوز؟ قد يقول قائل: إن هذا يجوز؛ لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال الله تعالى عن صاحب يوسف: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: ٢٣]؛ يعني سيدي. ولأن المحذور من قول: (ربك) الذي يقتضي إذلال هذا العبد منتفٍ ولَّا لا؟ منتفٍ؛ يعني هو بنفسه يقول: هذا ربي، أفهمتم؟
الرابع: أن تضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: رب فلان، هذا رب الغلام هذا، هذا رب الغلام، هذا رب الأمة، وما أشبهها. فما تقولون فيه؟
ظاهر الحديث إذا أخذنا باللفظ فقط: «رَبَّكَ» أنه جائز، وهو كذلك ما لم يتضمن محذورًا، فإن تضمن محذورًا فإنه يُمنع منه، لو كان يتضمن أن من سمع مثل هذا الكلام ظن أن السيد رب حقيقي خالق، فإنه حينئذٍ يُمنع لهذا المحذور، وإلا فالأصل الجواز. وإذا قلنا بالجواز فلا يعني أنه يساوي كلمة: سيد فلان؛ لا، السيد أهون بكثير كما سيأتي، لكننا نقول: ليس بممنوع؛ لأننا ما نستطيع أن نقول بالمنع وهو لم يرد فيه النهي، بل قد ورد ما يدل على جواز إضافة الرب إلى ضمير الغيبة كما في الحديث الذي أشرنا إليه.
فصارت الأحوال كم؟ أربعة، الأحوال أربعة.
وأما قوله: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
كيف «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ»؟
«وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ»، كان المتوقع أن يقول: وليقل سيدك ومولاك؛ لأن الحديث يقول: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ»، فكان الذي أُرْشِد إليه مقتضى الحال أن يكون مناسبًا للذي نُهِي عنه، اللي نُهِي أن يُقال بلفظ الخطاب، والذي أُرشِد إليه أن يُقال بضمير المتكلم: «وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ». فهل نقول: إن في هذا إشارة إلى أنه إذا كان غير العبد قد نُهِي أن يقول: أطعم ربك، فإن العبد من باب أولى أن يقول مثلًا: هذا ربي، أو هذا لربي، أو هذه سيارة ربي، أو ما أشبه ذلك. هذا هو الذي فهم منه الشيخ كما سيأتي في المسائل: أنه يُنهى عن ذلك، أنه إذا كان يُنهى الغير أن يقول للعبد: أطعم ربك، وضِّئ ربك، فإن العبد منهي عن ذلك من باب أولى؛ ولهذا وُجِّه الإرشاد إلى مَنْ؟ «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» وُجِّه الإرشاد إلى العبد، فيكون كأن في الحديث طيًّا، وأنه «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ». ولا يقل: أطعمت ربي، وضأت ربي، أو: أطعم ربي وأوضئ ربي، «وَلْيَقُلْ» بدل الرب: «سَيِّدِي وَمَوْلَايَ»، أطعمت سيدي، أطعمت مولاي، وما أشبه ذلك.
وأما إذا قلنا بأن «أَطْعِمْ رَبَّكَ»، هذا خاص بمن يخاطب العبد؛ لما فيه من إذلال العبد إذا قيل له: أطعِمْ ربك، بخلاف ما إذا قال هو بنفسه: أنا سأطعم ربي، سأُوضئ ربي، سأُعين ربي، وما أشبه ذلك، فإنه ينتفي الإذلال. فإنه يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما وَجَّهَ الخطاب إلى من يتكلم في شأن العبد، وجه الخطاب إلى العبد نفسه، فقال: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
اللام هنا لام الأمر، والمراد به الإرشاد، وليس المراد به الوجوب؛ لأنه لا يجب على العبد أن يقول: سيدي، لو قال: مالكي، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، ما هو لازم، ولو قال مثلًا: (...) مثلًا كما يقول العامة، يجوز؟ يجوز. المهم أن اللام هنا للإرشاد، يعني: «وَلْيَقُلْ» بدل الرب، إذا قلنا: إن اللفظ الأول يشير إلى منع قول العبد: ربي «سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
«سَيِّدِي» هنا (سيد) مضاف إلى ياء المتكلم، وليس السيد على وجه الإطلاق، فالسيد على وجه الإطلاق لا تكون إلا لله عز وجل، لكن السيد مضافة هذه تكون لغير الله، للبشر.
«سَيِّدِي» السيادة في الأصل الشرف؛ لأنه من (السؤدد)، وهو الشرف والجاه، وما أشبه ذلك، ولا شك أن مكانة السيد بالنسبة للعبد أشرف من مكانة العبد بالنسبة للسيد، فهو سيده.
والسيد يطلق على معانٍ كثيرة:
منها: الشريف الْمُطاع، الوجيه، أن يكون وجيهًا، ومن أعيان البلد، ومنه قول الفقهاء رحمهم الله في المؤلفة قلوبهم: إنهم هم السادة المطاعُون في عشائرهم، عرفتم؟
ومنه: الزوج، يُطلق السيد على الزوج؛ لأن له سيادة على زوجته، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النِّسَاءَ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» . يعني بمنزلة الأسير.
ما هو الشاهد لهذا؟
الشاهد قوله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، ما المراد بـسَيِّدَهَا؟ المراد به زوجها.
ويطلق أيضًا على المالك، كما في هذا الحديث: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
فله ثلاثة إطلاقات، ويمكن له إطلاقات أُخَر.
«سَيِّدِي». بالمناسبة، صار مشهورًا بين الناس الآن أن النساء يسمين بهذا الاسم، أو يوصفن بهذا الوصف، فيقول: السيدة فلانة، أو إذا أراد أن يعبر عن النساء قال: السيدات، والله عندي رجال وسيدات، ولَّا تجد مكتوبًا على المراحيض: (خاص بالسيدات)، وجانبه: (خاص بالرجال)! الرجال ما لهم حق من السيادة، انعكست الأمور الآن، ما هو بهذا قلب للحقائق؟! لأن الأسياد هم الرجال في الحقيقة: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ، لكن أولئك انقلبوا، فصاروا لا يتكلمون بامرأة إلا السيدة، وأما الرجل فهو رجل.
هذه العبارات التي ترد على الألسن من غير أن نشعر بها كنت دائمًا أنهاكم أو أنبهكم على أنه يجب أن نُمَحِّص هذه الكلمات الواردة، وننظر هل توافق مع ديننا أو لا توافق، فإن وافقت قَبِلناها لا لأنها وردت علينا من أولئك، ولكن لأنها توافق ديننا، أو لأن ديننا جاء بها، وإن خالفت فيجب أن ننبذها وراء ظهورنا، أما أن نستمر معهم كأننا صم بكم عمي، فهذا غلط؛ ولهذا ينبغي لنا أن نقول: إذا أردنا أن نعبر عن النساء بما عبَّر الله به عنهن: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤]، فالرجال رجال، والنساء نساء.
وإذن نقول: إن السيد يُطلق على ثلاثة أمور: الزوج، وصاحب الشرف والسؤدد، والثالث: المالك.
وقوله: «وَمَوْلَايَ».
طالب: الرجال إذا خاطَبهم جماعة قالوا: سادة؟
الشيخ: إي، لا، قليل هذا، قليل، أنت يمكن ما نظرت إلى بعض الفنادق أو المجتمعات العامة تجد المراحيض هكذا، أنا وجدتها، رأيتها بعيني.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، لكن رأيتها بعيني يقول: الرجال والسيدات، هذا ظلم لنا، إذا جعلوهن سيدات يجعلونها أسيادًا، وإلا خلونا رجالًا وهم نساء.
طالب: (...) وإذا تكلموا قالوا: السيدات والسادة؟
الشيخ: إي، هذا أرضانا من جهة وأزعلنا من جهة ثانية، يقدموهن علينا ونحن أحق بالتقديم (...)
سيدة فلانة مثلما ورد: السيد الفلاني.
طالب: خديجة سيدة نساء العالم؟
الشيخ: ما يخالف، و«الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
الطالب: لا، بالنسبة للذكور؟
الشيخ: القصد أنه ورد لهذا وهذا، لكن كون نجعل أن السيدات اسم جنس، أو علم جنس على النساء، هذا ما ورد، فالسيدة الواحدة ما هي (...)، وحُقَّ لها أن تكون سيدة، السيدات يشمل الفاجرات والعاهرات والكافرات.
وقوله: «وَمَوْلَايَ»، يعني: وليقل مولاي.
«مَوْلَايَ»؟ كيف «مَوْلَايَ»؟ ما هو بالمولى هو الله عز وجل؟
نقول: المولى على قسمين: ولاية مطلقة، فهذه لله عز وجل، كالسيادة المطلقة، فإن الله تعالى هو الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى: ٢٨]، ولي كل أحد؟ نعم، ولي كل أحد بالمعنى العام، كما قال الله تعالى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [يونس: ٣٠]، فجعل له ولاية على هؤلاء المفترين، هذه الولاية العامة، فالله سبحانه وتعالى ولي كل أحد.
أما الولاية الخاصة فإنها للمؤمنين: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]، شوف سبحان الله، القرآن عظيم: مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْما قال: وليس مولى الكافرين، وكان مقتضى السياق أن يقول: وليس مولى الكافرين، لكن قال: لَا مَوْلَى لَهُمْ؛ يعني لا هو مولى ولا أولياؤهم الذين تأخذونهم آلهة مولى، فصار أعم.
الحاصل أن الولاية المطلقة لله عز وجل.
وأما الولاية المضافة المقيدة فهذه تُطلق على غير الله عز وجل، فإنها ترد لمعانٍ كثيرة في اللغة العربية: منها الناصِر، ومنها المتولِّي للأمور، ومنها السيد، ومنها العتيق -المعتق-، قال الله تعالى: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُيعني: مولاه وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤] يعني مولاه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» . ويقال: زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .
فالمولى يُطلَق على عدة معانٍ، لكنها ولاية عامة ولَّا ولاية خاصة؟ ولاية خاصة مقيدة، وبهذا نعرف أن استنكار الناس لمخاطَبة الملوك بقولنا: مولاي، أنه لا وَجْه له؛ لأن المراد (مولاي) متولي أمري، ولا شك أن رئيس الدولة يتولى أمورنا كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩].
«وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
العبد يقول لمولاه: يا مولاي؟ نعم، يقول: يا مولاي. وإذا سئل: من مولاك؟ قال: مولاي فلان، ولا حرج.
«وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي».
هذا خطاب لمن؟ للسيد، «لَا يَقُلْ: عَبْدِي». ولا «أَمَتِي»؛ لأننا جميعًا عباد لله، ونساؤنا إماء لله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» ، فلا يقل الإنسان لمملوكه: عبدي وأمتي، لماذا؟
أولًا: لأنه إذا قال: عبدي، فإنه تشبَّه بالله عز وجل، ولو من حيث ظاهر اللفظ؛ لأن الله عز وجل يخاطِب عباده بكلمة: (عبدي)، كما في الحديث: «عَبْدِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» . وما أشبه ذلك، فإذا قال الإنسان عن مملوكه: عبدي، صار مُشاركًا لله عز وجل، حيث جعل هذا المخلوق عبدًا له ولو باللفظ، وإن كان السيد لا يريد بقوله: (عبدي) ما يريده الله تعالى بقوله: (عبدي)، وإنما يريد السيد بقوله: (عبدي) أيش؟ يعني مملوكي الذي أملكه، لكن مع ذلك هذا من باب التنزُّه في اللفظ والبُعْد عما يقتضي الإشراك.
ولكن لو قالها على سبيل الخبر، بأن قال له قائل: مَنْ هذا؟ من هو عبد لهذا؟ فقال: هذا عبدي، جائز ولَّا لا؟ جائز. أو يقول مثلًا: بعت عبدي فلانًا، أو زوَّجت عبدي فلانًا، أو اشتريت كذا وكذا لعبدي، وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به. لكن الخطاب: يا عبدي، أو يقول: أنت عبدي، هذا هو الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال: «وَلَا يَقُلْ: أُمَّتِي».
الأمة الأنثى من المملوكات تُسمى أَمَة، وتسمى أيضًا: جارية، لكن (جاريتي) لا بأس به، أما (أمتي) فلا؛ لأن (أمتي) فيها إشعار بالعبودية، فهي مقابل (عبدي)، وأما (جاريتي) فهي مقابل (غلامي)، و(غلامي) لا بأس به، وكذلك (جاريتي) لا بأس بها.
«وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَغُلَامِي»، يعني: وجاريتي.
من اللي يقول هذا؟ السيد، يقول: يا فتاي، يا فتاتي، يا غلامي، يا جاريتي، وما أشبه ذلك. أو هذا غلامي، هذه جاريتي، هذا فتاي، هذه فتاتي أو ما أشبه ذلك من الكلمات.
وكل هذا من باب حماية التوحيد، كل هذا الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام حماية للتوحيد وبُعدًا عن التشريك حتى في اللفظ؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم، ومنهم شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أن النهي في هذا الحديث ليس على سبيل التحريم، وإنما هو على سبيل الأدب والفضل والأكمل والأفضل.
وعلى كل حال فما ذكرناه من التفصيل يتبين به الحكم، وأنه إذا أدى إلى إذلال هذا الرجل وإلى استكبار سيده كان ذلك على سبيل التحريم، وإن كان الأمر لا يعدو أن يكون تشريكًا في اللفظ من غير قصد للمعنى فهو أهون بلا شك.
وفي هذا الحديث من الفوائد: حُسْن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا نهى عن شيء فتح للناس ما يُباح لهم، فهو قال: «لَا يَقُولُ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي». وهذه كما هي طريقة النبي عليه الصلاة والسلام فهي طريقة القرآن أيضًا كما بينا في التفسير في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤]، وهكذا ينبغي أيضًا لأهل العلم وأهل الدعوة إذا سدوا على الناس بابًا مُحرَّمًا أن يفتحوا لهم الباب المباح حتى لا يُضَيِّقوا على الناس ويسدوا الطرق أمامهم؛ لأن في فتح الباب فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: تسهيل ترْك المحرَّم على هؤلاء، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنهم إذا عرفوا أن هناك شيئًا بديلًا هان عليهم.
والشيء الثاني: بيان أن الدِّين الإسلامي فيه سعة للناس، وأن ما يحتاج الناس إليه فإن الدين الإسلامي يسعه، ما يحجر على الناس ألا يتكلموا بشيء أو ألا يفعلوا شيئًا إلا فتح لهم ما يُغني عنه، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية (...).
(لا يقول: عبدي وأمتي)، من أين تؤخذ؟
طالب: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي».
الشيخ: «وَأَمَتِي» صح.
لئلا نكون مثل الذي يقول: ما حكم الالتفات في الصلاة؟ سؤال في الاختبار (...)
«عَبْدِي وَأَمَتِي»، ما الحكمة من هذا النهي؟
طالب: حتى لا يكون فيه إشراك في اللفظ بين الرب والـ...
الشيخ: إي، هذا واحد: ألا يكون في ذلك إشراك بما يستحقه الرب.
الطالب: يا شيخ (...)؟
الشيخ: لا، هو الأول، هو الذي قلته (...)
طالب: إذلال العبد، خوفًا من إذلال العبد.
الشيخ: نعم، لئلا يذل هذا الرجل المسلم. الثالث؟
طالب: لما يفضي إلى استعلاء السيد على عبده واستكباره عليه في كونه ربه.
الشيخ: قد يكون في ذلك مدعاة لئن يستعلي الرجل على عبده.
هذا النهي للتحريم ولَّا للكراهة؟
طالب: إن قيل.. (...).
الشيخ: إن قاله على سبيل الاستعلاء والدعاء مثل: يا عبدي، يا أمتي، فهذا حرام. وإن قاله على سبيل الإخبار مثل: هذا عبدي، هذه أمتي، سُئل: ما هذا الولد؟ ما هذا الرجل الذي معك؟ ما هذه المرأة التي معك؟ فقال: هذا عبدي هذه أمتي، فهذا لا بأس به.
طالب: ما نقول: له وجهان؟
الشيخ: وهما؟
الطالب: وجه أول لو كان في حضرته فهذا كأنه..
الشيخ: إن كان؟
الطالب: في حضرت الـ(...) فإنه (...)؟
الشيخ: إن كان في حضرته نعم؛ لأنه يخشى من هذا، إي نعم.
يقول: (الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يُقال له: أطعِم ربَّك)، من أين تؤخذ؟
طالب: (أطعم ربك) من: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ». و(لَا يَقُلْ: رَبِّي) (...).
الشيخ: (أَطْعِمْ رَبَّكَ).
الطالب: (لَا يَقُلْ: رَبِّي).
الشيخ: من أين تؤخذ؟
الطالب: قال: «وَلَا يَقُلْ: سَيِّدِي»، ما قال (...).
الشيخ: العبد ربي؟ هل هذا وجيه؟ هذه الأولوية؟ لأن قوله: سأوضِّئ ربي مثلًا، أو أطعم ربي، أو أدل ربي، ما فيه إهانة له، بخلاف ما إذا قيل له: أَطْعِم رَبَّك، ففيه نوع من الإذلال. ولكن المؤلف كأنه أخذها مما ذكره الأخ من قوله: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ»، كأن فيه إشارة وكأن في الحديث طيًّا أنه لا يقول: أطْعِمْ ربك ولا أطعمت ربي.
وقد ذكرنا أن قوله: «أَطْعِمْ رَبَّكَ» فيه معنى آخر، وهو احتمال؟
طالب: أن الرب يحتاج إلى إطعام.
الشيخ: إلى إطعام، فهذا مُوهِم في اللفظ، والله عز وجل يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ.
يقول: (الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي).
من (الأول)؟
طالب: السيد.
الشيخ: السيد؟ ويش يقول؟
الطالب: يعني (...).
الشيخ: (الرابعة: تعليم الثاني قول سيدي ومولاي)، منين تؤخذ؟
طالب: من قوله: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي»، يا شيخ، أنا ما تنبهت للأولى.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الأولى، يعني هل هو (...) العبد؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنه يقول بالأول: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ» فالمخاطب الشخص الأول العبد ولَّا السيد؟
الشيخ: المخاطَب شخص ثالث، لكن قلنا: إذا كان الشخص الثالث يُنهى أن يقول: ربك، يقوله للعبد، فللعبد من باب أولى. هذا الذي قلت.
الطالب: يقول: الأول؟
الشيخ: ثم نظرنا في هذه الأولوية، وقلنا: إنه إذا قاله الثالث ففيه نوع من إذلال العبد، بخلاف ما إذا قاله العبد ورضي أن يقول: هو ربي (...).
طالب: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
الشيخ: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
(المسألة الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ)، وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك ألا يقول: «وَضِّئْ رَبَّكَ».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: أو «عَبْدِي وَأَمَتِي»؟ كل هذا حفاظًا على التوحيد ولو في الألفاظ.
ذكرنا أنه جاء في القرآن: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور: ٣٢]، ما هو الجمع بين (...).
ما هو من السيد لعبده من طرف ثالث. وثانيًا: أنه من باب الإخبار.
أيضًا يقول: (لا يقول: ربي)، وجاء في القرآن: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: ٢٣]؟ (...)
لماذا؟
طالب: لأنه جائز عندهم في شريعتهم (...) لا يجوز.
الشيخ: إي، هذا جواب، جواب ثانٍ؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، طيب.
طالب: أن المقصود بالرب هنا السيد وليس الله.
الشيخ: إي معلوم، لكن حتى هذا، لو قال: ربي؛ يعني سيدي الذي هو مالكي منهي عنه.
الطالب: وهؤلاء غير مسلمين يعني؟
الشيخ: هذا قول يوسف.
الطالب: إي (...).
طالب: شيخ (...).
الشيخ: نعود إلى أن الاستنباط، استنباط النهي عن قول (ربي) من قوله: «أَطْعِمْ رَبَّكَ» أنه فيه نظر، فيُفرَّق بين أن يقول العبد: هذا ربي وبين أن يقول قائل: أطْعِمْ رَبَّك؛ لما فيه من إذلال العبد. على أننا يمكن أن نقول كما قال الأخ أن هذه في شريعة من سَبَقَ، ونحن شريعتنا نهت عن هذا.
والخلاصة أن هذا الباب كله يُراد به أن الإنسان ينبغي أن يبتعد عما يكون مُشابِهًا للشرك ولو في الألفاظ، أما كونه للتحريم أو للكراهة والأدب فهذا ينبني على ما يترتب عليه من المحاذير: إن ترتَّب عليه استعلاء السيد؛ يعني خلاصة الباب الآن:
نقول: هذه من باب التأدب في الألفاظ والبُعد عن مشابهة التشريك حتى في اللفظ، ثم إن اقترن به ما يقتضي التحريم صار حرامًا من استعلاء السيد واستذلال العبد وإيهام ممتنع في حق الله عز وجل كما في «أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ» صار محرمًا، وإلا فإنه من باب التنزُّه فقط. وذكرنا لكم في الدرس الماضي أن هذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله، أن هذا من باب التأدب في الألفاظ.
بقي عندنا: «وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
أليس قد ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «السَّيِّدُ اللَّهُ»؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف يقول: «سَيِّدِي» هنا؟
طالب: نعم، هنا لله السيادة المطلقة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما هذه السيادة مضافة للعبد.
الشيخ: أحسنت، هي خاصة، أما السيادة المطلقة فهي لله، وأما السيادة المقيدة فإنها جائزة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . صلى الله عليه وسلم، فيثبت السيادة له على جميع بني آدم.
وقال تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، وما زال العلماء يقولون: إذا قال السيد لعبده: كذا وكذا، وإذا قال العبد لسيده: كذا وكذا، ويتكلمون بها من غير نكير.
(مولاي) ما تقول فيها؟ (...).
صح، يقال: الولاية المطلقة لله، وأما الولاية المقيدة فهي تكون لمن أُضِيفت له، قال الله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ». فالحاصل أن (المولى) إذا أُضيفت فلا بأس بها؛ لأنها تطلق على معانٍ كثيرة، حتى يمكن أن نقول للذي يتولى مال اليتيم: إنه مولى اليتيم، ولَّا لا؟ أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وما زال الناس يقولون: (مولى فلان) للعتيق، ويقال: (مولى فلان) للمعتِق، والفرق بينهما عندهم، يعني المعتِق يُسمى مولى، والعتيق يسمى مولى، لكن ما هو الفرق؟ إذا كان المراد المعتِق قيل: (المولى) من أعلى، وإذا كان المراد العتيق قيل: (المولى) من أسفل، لأجل يفرقون بين هذا وهذا.
طالب: قول يوسف: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: ٢٣]، ألا تحتمل أن قوله لله هنا ظاهر الآية؟
الشيخ: لا.
الطالب: لأنه قال في الآخر: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف: ٢٣] (...).
الشيخ: غير هذه الذي ذكر المؤلف في الباب، ولَّا لا؟
فيه مسائل، منها: حُسْن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه لما منع قولًا أرشد إلى قول آخر، لما قال: «لَا يَقُلْ» قال: «وَلْيَقُلْ»، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ومنها أن الأمر يأتي للإباحة، منين يُؤخذ؟
طالب: من قوله: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
الشيخ: ما هي هذه اللام لام الأمر؟
الطالب: للإباحة.
الشيخ: ما هي للاستحباب؟
الطالب: لا.
الشيخ: صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، للإباحة.
طالب: للإرشاد هو نفس الإباحة؟
الشيخ: إي للإرشاد، هذه بدلًا عن هذه، أرشده إلى أمْر مباح.
ما هي العلامة أن يكون الأمر للإباحة؟ لأنه المشكلة الآن، أحيانًا نقول: الأمر للوجوب، وأحيانًا نقول: للاستحباب، وأحيانًا نقول: للإباحة؟
يقول العلماء: إنه إذا جاء في مقابلة أمر ممنوع صار للإباحة، هنا في مقابلة أمر ممنوع فيكون هذا للإباحة، وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة: ٢] في مقابلة أمر ممنوع فيكون للإباحة. تستأذن على رجل في بيته تقرع الباب، فيقول لك: ادخل، الأمر للإباحة؛ ولهذا لو لم تدخل ما تعد عاصيًا؛ لأن الأمر هنا للإباحة. فإذا كان في مقابل أمر ممنوع، يعني في استباحة شيء ممنوع صار للإباحة.
طالب: حديث أبي بكر قال: «قُلِ: اللَّهُمَّ..» (...)؟
الشيخ: لا، هذا إرشاد، هذا استحباب.
الطالب: (...) كيف للإباحة؟
الشيخ: لا، للإرشاد، للاستحباب، مستحب.
طالب: شيخ، اللي يصرف عن التحريم؟
الشيخ: كيف اللي يصرف عن التحريم؟
الطالب: يعني محرم ويكون للكراهة والتوجيه و..؟
الشيخ: هذا حسب القرائن.
الطالب: ما هو من هذا؟ يعني (...)؟
الشيخ: لا، ما هو من المستحب. إي، سؤالك؟
طالب: نعم يا شيخ، قوله لفظ عام: ما يقول عبدي وأمتي، ونحن فصَّلنا، قلنا: إذا كان أراد بها الإخبار، وإذا أراد به (...)؟
الشيخ: المؤلف رحمه الله يقول: إن هذا لا يقال على سبيل الإرشاد.
طالب: الإطلاق.
الشيخ: الإطلاق مراده الإرشاد؛ يعني معناه لا تقل هذا مطلقًا، هذا على سبيل الإرشاد والتأدب؛ ولهذا أشار إليه، قال: التنبيه للمراد وهو، المؤلف رأى رحمه الله أنك تتجنب هذه الأشياء على سبيل البُعْد عما يشبه الشِّرْك ولو باللفظ، ثم عاد هل يمنع أو ما يمنع، يشاف ويش اللي يترتب عليها.
طالب: يا شيخ، نقول: ما فيه فرق بين المخاطب والمتكلم؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: ربي وربك؟
الشيخ: نعم، ظاهر كلام المؤلف أنه ما فيه فرق (...)؛ لأن حتى قول الغلام: (ربي) قد يُشعِر بنوع من الذل له وتنزيله منزلة لا يستحقها.
***
ثم قال المؤلف: (باب: لا يرد من سأل بالله).
(باب لا يرد)، (لا) نافية هذه، الدليل على أنها نافية، ويش الدليل؟ أن الفعل بعدها رفع: (لا يُردُّ).
طالب: قوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]، (...)؟
الشيخ: لا، هذه شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: طيب، (...) على قولنا؟
الشيخ: على قول من يقول إنها شريعة..، إي لكن هذه ما هي في أصل العقيدة؛ لأن هذه من باب التأدب باللفظ، يعني ما هي شرك، لو كانت شركًا لكانت الشرائع متفقة فيها، كل الشرائع متفقة على تحريم الشِّرْك، لكن هذه من باب التأدب في اللفظ، فقد نقول: إنه فيما سبق يقولون هذا وهو بعيد عن أذهانهم أن يكونوا يريدون الإشراك..





