ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما: السؤال بالله بالصيغة بأن يقول: أسألك بالله، ومثاله
ما مر علينا في حديث الثلاثة، حيث قال الملك: «أَسْأَلُكَ
بِالَّذِي أَعْطَاكَ الْجِلْدَ الْحَسَنَ وَاللَّوْنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا»
.
ومثله أن تقول: أسألك بالله كذا.
والسؤال الثاني بالله: السؤال بالحكم، ما
بالصيغة؛ بأن يسألك الإنسان سؤالًا أمرك الله بإجابته؛ كالسؤال عن مسألة من مسائل
العلم، وسؤال الفقير من الصدقة، وما أشبه ذلك.
(...) البحث فيه
والمناقشة.
(باب لا يرد من سأل بالله) (سأل بالله)، السؤال بالله له
معنيان؛ أحدهما: أن يسأل بشرع الله عز وجل؛ يعني يسأل سؤالًا يبيحه الشرع. والثاني:
السؤال بالله بالصيغة؛ مثل أن يقول: أسألك بالله كذا وكذا.
وحكم رد من سأل
بالله، حكمه الكراهة أو التحريم، على حسب ما يكون المسؤول.
والبحث هنا: هل يجوز
للإنسان أن يسأل بالله أو لا يجوز؟ ثم إذا سأل هل يجب إعطاؤه أو لا يجب؟ فعندنا
الآن مسألتان.
أما المسألة الأولى فإن المؤلف رحمه الله لم يتكلم عليها، وهي: هل
يجوز أن يسأل بالله أو لا يجوز؟
وأما الثانية فهي التي تكلم عليها، وهي التي هي
موضوع الذي ساقه.
ونحن نتكلم عن المسألة الأولى، وهي: هل يجوز للإنسان أن يسأل
بالله أو لا؟
فنقول أولًا: السؤال من حيث هو مكروه، ولا ينبغي للإنسان أن يسأل
أحدًا شيئًا، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي صلى الله عليه
وسلم عليه أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن عصا أحدهم لتسقط منه وهو على
راحلته، فلا يقول لأحد: ناولني إياها، بل ينزل هو ويأخذها .
والمعنى يقتضيه؛ لأنك إذا أعجزت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترمًا عند
الناس، وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد؛ لأن من أذل وجهه لأحد فإنه ربما يحتاجه
ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه إذا كان قد سأله اضطر إلى أن يجيبه.
فالسؤال أصلًا نقول: إنه مكروه إلا لحاجة.
أما سؤال المال؛ لأن عندنا سؤال مال
وسؤال معونة، فسؤال المال محرم، لا يجوز لأحد أن يسأل من أحد مالًا إلا إذا دعت
الضرورة إلى ذلك. وقال الفقهاء رحمهم الله: إلا إذا أبيح له أخذ ذلك الشيء، ولهذا
ذكروا في باب دفع الزكاة: من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله.
ولكن فيما قالوه
نظر؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام حذر من السؤال، وقال: «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَزَالُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» ،
والعياذ بالله، وهذا يدل على التحريم. فالصواب أن سؤال المال محرم إلا للضرورة، أما
مع الضرورة فلا بأس.
وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن، فهذه التي
قلت: إنها مكروهة، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
أما رد السائل فهو موضوع بابنا
هذا: السائل إما أن يسأل سؤالًا مجردًا؛ بأن يقول: يا فلان أعطني، وإما أن يسأل
سؤالًا مقرونًا بالله؛ مثل أن يقول: أسألك بالله.
أما الأول: فإن كان ما سأله
مما جعله الشارع له فإنك تعطيه؛ مثل أن يسأل الفقير شيئًا من الزكاة، وأنت عندك
زكاة وتعرف أنه محتاج، تعطيه ولَّا لا؟ تعطيه؛ لأنه سأل بالله، فإن هذا مما أباحه
الشارع له، فأعطه حقه.
وأما الثانية: إذا سأل بالله بالصيغة؛ بأن قال: أسألك
بالله، فإنك تعطيه وإن لم يكن مستحقًّا لذلك ما لم يسأل إثمًا. جاء أعرابي إليك
وقال: أسألك بالله أن تعطيني كذا وكذا، فإنك مأمور بإعطائه، لماذا؟ لأنه سأل بالله
عز وجل، والسؤال بالله سؤال بعظيم، فإذا سأل بعظيم فإن من تعظيمك لذلك العظيم أن
تجيبه وأن تعطيه، إلا إذا سأل شيئًا محرَّمًا؛ كما لو قال: أسألك بالله أن تعطيني
عشرة ريالات لأشتري بكة من الدخان، ماذا تقول؟ أقول: لا. ليش؟ لأن في ذلك إعانة على
المحرم، فلا يجوز أن أعطيه حتى لو سأل بالله، وسؤاله هو بالله آثم؛ لأنه ليس له أن
يسأل ما يكون إثمًا.
وكذلك لو سألك بالله في أمر يضرك تمكينه منه؛ مثل أن يقول:
أسألك بالله أن تخبرني ماذا قال لك فلان؟ أمر سري. يجب تجيبه على هذا؟ لا يجب، ولو
قلنا بذلك لكان كل واحد يعطف عليك يقول: تعال، أسألك بالله ويش أنت تسوي في بيتك؟
أسألك بالله ويش معاشك؟ أسألك بالله ويش عمل كذا وكذا؟ وهذا فيه إحراج، والشريعة لا
تأتي بمثل هذه الإجابة؛ لما فيها من هتك أسرار المسلمين، ولما فيها من الإغراء؛
إغراء هؤلاء الظلمة الذين يلحون على الناس ويحرجونهم.
إذن يكون الأمر مقيدًا
بألا يسأل محرمًا، وألا يكون في إجابته ضرر على من؟ على المسؤول، فإن كان فيه ضرر
فإنه لا يمكن أن يتضرر الإنسان بإجابة هذا الظالم.
طيب، إذا سأل ما يستحقه
مقرونًا بالله؟ يعني أتى بالأمرين: بالصيغة وبالمعنى، يزداد ذلك تأكدًا.
(عن
ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ») .
«مَنْ» شرطية للعموم؛ لأن أدوات الشرط من العموم. «مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ» وقلت لكم: إن السؤال بالله له
معنيان؛ المعنى الأول: أن يسأل ما يستحقه بشرع الله، والمعنى الثاني: أن يسأل
بالصيغة (أسألك بالله).
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَأَعْطُوهُ»؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته من جهة، وتعظيمًا
لله عز وجل الذي سأل به.
وهل يشترط أن يسأل بلفظ الجلالة (بالله) أو حتى بما
يختص به الله من الأسماء؟ نعم، نقول: عام، المراد (بالله) بكل ما يختص بالله؛ ولهذا
الملك الذي جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى قال لهم: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ كَذَا وَكَذَا»، «بِالَّذِي أَعْطَاكَ»، وسبق لنا أنه عدل على قوله: (بالله)
تنبيهًا له على ما أنعم الله به عليه.
قال: «فَأَعْطُوهُ»، الأمر هنا ماذا تقولون فيه: للوجوب ولَّا
للاستحباب؟ نقول: على القاعدة المعروفة عند أهل العلم أن الأصل في الأمر الوجوب،
لكنه مقيد بالشروط التي ذكرناها: ألا يسأل إثمًا، وألا يسأل ما يتضمن ضررًا على
المسؤول، فإن سأل ذلك، فإن سأل على هذا الوجه فإنه لا تجب إجابته، بل
ينصح.
الثاني قال: «وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ
فَأَعِيذُوهُ» «اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ» بأن قال: أعوذ بالله منك فإنه تجب
إعاذته. لماذا؟ لأنه استعاذ بعظيم، ولهذا قالت امرأة ابنة الجون للرسول عليه الصلاة
والسلام: أعوذ بالله منك، فقال لها عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ -أو بِمُعَاذٍ- الْحَقِي
بِأَهْلِكِ» .
فإذا استعاذ أحد بالله وجب عليك أن تعيذه، إلا أن يستعيذ من أمر واجب عليه، فإنه لا
يجب عليك إجابته، كما لو أردت أن تلزم شخصًا بصلاة الجماعة: يلا امش (...)، قال: فك
من شرك، أعوذ بالله منك. تعيذه؟ لا، الله عز وجل ما يعيذ ظالمًا، إذا كان الله نفسه
سبحانه وتعالى لا يعيذه فإنك أنت لا تعيذه، فإذا استعاذ بالله من إلزامه بأمر واجب
عليه أو إلزامه بالإقلاع عن أمر محرم عليه، تعيذه؟ لا؛ لأنك إذا أعذته فقد أعنته
على الإثم والعدوان. وربما نقول فيمن استعاذ بالله مثلما قلنا فيمن سأل بالله؛ يعني
من استعاذ بملجأ صحيح يقتضي الشرع أن يعيذه وإن لم يقل: أستعيذ بالله منك، فإنه يجب
عليك أن تعيذه.
ولهذا قال أهل العلم: لو أن أحدًا جنا جناية تستلزم الحد، ثم لجأ
إلى الحرم، فإنه لا يجوز أن يقام عليه الحد في الحرم، وكذلك لو وجب عليه قصاص فإنه
لا يقتص منه في الحرم إذا لجأ إليه. ولكن ماذا يُصْنَع به؟ فقال العلماء: إنه يضيق
عليه، لا يبايع ولا يشارى، وإذا عرف أنه لا يبايع ولا يشارى، ولا يؤجَّر بيتًا، ولا
يلتفت له إطلاقًا؛ فإنه سوف يخرج، بخلاف من انتهك حرمة الحرم، ففعل الجرم في نفس
الحرم، فإن الحرم لا يعيذه؛ لأنه هو الذي انتهك حرمته.
والحاصل أنه ربما نقول:
إن من استعاذ بالله؛ أي: بما جعله الله تعالى معاذًا، سواء كان بالصيغة أو كان بغير
الصيغة.
وقوله: «وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» «مَنْ
دَعَاكُمْ»، هذه «مَنْ» من ألفاظ العموم؛ لأنها
شرطية، «فَأَجِيبُوهُ».
«دَعَاكُمْ» إلى أي شيء؟ الظاهر أن المراد بالدعوة الدعوة
المعروفة؛ وهي الدعوة إلى الإكرام أو التكرمة، ما هو من دعاك إلى أي شيء؛ يعني لو
صوت لك إنسان قال: يا فلان يا فلان، هذا دعوة، لكن الظاهر أن المراد بها في الحديث
الدعوة للتكرمة في البيت.
«فَأَجِيبُوهُ»؛ يعني: لا
تعتذروا منه، وقوله: «فَأَجِيبُوهُ» ظاهره الوجوب،
وظاهر «مَنْ» العموم، وعلى هذا فتكون الإجابة واجبة في
كل دعوة، وهذا مذهب أهل الظاهر: أن كل من دعاك وجبت عليك إجابته.
ولكن جمهور أهل
العلم: لا تجب الإجابة إلا في دعوة العرس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيها:
«شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى إِلَيْهَا
مَنْ يَأْبَاهَا، وَيُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى
اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ،
فهنا فرق في دعوة العرس أن من لم يجب فقد عصى الله ورسوله، ولم يرد في مثل ذلك في
غيرها من الدعوات.
وأيًّا كان، سواء قلنا بالوجوب أو الاستحباب، فإنه يشترط لذلك
شروط:
الشرط الأول: قال العلماء: أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن، فإن
كان ممن يجب هجره أو يسن فإنه لا يجاب. لماذا؟ لأن إجابة دعوته تنافي الهجر، بل هي
صلة له.
الشرط الثاني: ألا يكون ثمة منكر في مكان الدعوة، فإن كان في مكان
الدعوة منكر فإننا ننظر: إن كان يمكنه إزالته بحضوره وجب عليه الحضور لسببين، ما
هما؟ الدعوة، وإزالة المنكر. وإن كان لا يمكنه التغيير فإن الحضور حرام عليه؛ لأن
حضوره يستلزم إثمه، وما استلزم الإثم فهو إثم.
الشرط الثالث: أن يكون الداعي
مسلمًا، فإن لم يكن مسلمًا لم تجب الإجابة؛ يعني لو دعاه ذمي فإن الإجابة لا
تجب.
من أين أُخِذَ هذا الشرط؟ من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، ومنها: «إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» ،
قالوا: فقوله: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ»
معناه التقييد، كل ما ورد من العموم.
يشترط أيضًا ألا يكون كسبه حرامًا، فإن كان
كسبه حرامًا لم تجب الإجابة. لماذا؟ لأنه يستلزم أن تأكل طعامًا حرامًا، وأكل
الطعام الحرام لا يجوز، وهذا محل خلاف؛ لأن بعض أهل العلم ذهب إلى أن ما كان محرمًا
لكسبه فإثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من هذا الكاسب، بخلاف ما كان
محرمًا لعينه؛ كالمغصوب وكالخمر، وما أشبه ذلك.
ولكن على الرأي الأول إذا كان
الإنسان ليس ماله كله حرامًا، ولكن منه حرام ومنه حلال، فإن الكراهة تقوى بحسب كثرة
الحرام وقلته؛ كلما كثر الحرام كان البعد عنه أولى، وكلما قَلَّ كان أقل
كراهة.
طالب: ما رأيك (...)؟
الشيخ: ما تدخل في هذا الحديث، لكنها تدخل في عمومات أخرى؛ لأن
من دعاك بالنداء فإنه يجب عليك إجابته لتحريم الهجر؛ لأنك لو لم تجبه كان هجرًا،
إلا إذا دعاك إلى أمر محرم، فمعلوم أنه لا يجب عليك أن تجيبه.
طالب: لماذا (...)؟
الشيخ: هم يقولون
الجمهور-: قيدناها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ذكر المعصية إلا في إجابة
دعوة العرس: «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ»
.
الطالب: الأمر (...)؟
الشيخ: لا شك
أن القول بأنها للعموم أقرب إلى الصواب.
طالب: الثاني
(...).
الشيخ: عامل اليهود، اشترى من اليهودي طعامًا
لأهله، وكذلك أجاب دعوة اليهودي، وأكل من الشاة التي (...) في خيبر، والمعروف عن
اليهود -عامتِهم- أنهم كانوا يأكلون الربا ويأكلون السحت. ثم إنني إذا أخذت أنا
بطريق مباح ما هو ذنبي؟ إلا إذا عرفت أنه مغصوب، مال فلان أو فلان ما آخذه. وربما
يُقوي هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام في اللحم الذي تُصدق به على بريرة، حيث
قال: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»
. وكان
يحرم على الرسول أن يأكل الصدقة ،
لكن لما كان صدقة على إنسان آخر حُسبت على أنها صدقة، لكن أخذها الرسول بطريق غير
صدقة. فإذا كان تركك لأكل هؤلاء الأقارب يؤدي إلى مفسدة وقطيعة، فلا حرج عليك أن
تأكل.
وكان بعض الناس إذا أكل من هذه الأموال المتشابهة دفعًا لمفسدة أو جبرًا
لخاطر، كان يتصدق بقيمة ما أكل، لكنه فعل ذلك استحسانًا، هو ما ورد فيه شرع، لكن
قال: إن الله عز وجل يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦]، ويقول: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩]، وقال: لعل هذه الصدقة تكفِّر ما وقع في قلبي
من الشبهة من أكل هذا المال الذي اكتسبه صاحبه بطريق محرم.
طالب: (...) إذا فعل الجرم (...) قتله؟
الشيخ: إذا فعل الجرم في الحرم ما يعيذه الحرم.
الطالب: لا، هذا ما فعل الجرم في الحرم، هذا يعني
(...).
الشيخ: من؟
الطالب:
هذا (...).
الشيخ: بعد أن أسلم -والعياذ بالله- ارتد
ورجع إلى مكة، واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا ما
أمنه الحرم ولا الكعبة.
طالب: بالنسبة (...)؟
الشيخ: الاستعاذة بالحرم ما هو معناه أني أطلب منه العون، لكنني
دخلت في مكان يعيذ، ولهذا لما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام الفتن قال: «مَنْ وَجَدَ مَكَانًا فَلْيَعُذْ بِهِ» ،
فدعاء المخلوقات بالاستعاذة هذا هو اللي ما يجوز؛ يعني لو قلت: يا مكة أعيذيني
مثلًا، يا كعبة أعيذيني، هذا ما يجوز.
طالب:
(...)؟
الشيخ: أما إذا دخلت ملجأ، الملجأ معاذ، الملجأ
يعيذك، حتى الإنسان إذا دخل بيته وأغلق بابه استعاذ به، وليس المعنى أنه قال: يا
بيتي أعذني، هذا ما يجوز.
طالب: ما يمكن نقول أيضًا
بأنه إذا أكلت طعام رجل يتعامل بالربا، نقول: إنه يجب عليك قبل أن تأكل تنبهه؛ لأن
سكوتك وأكلك نوع من الإقرار؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني مسألة
النصيحة.
الطالب: ما نقول -مثلًا-: هذا طعام كذا وكذا،
والله قال في الربا كذا وكذا؟
الشيخ: إي.
الطالب: يعني (...)؛ لأني لو أكلت وخرجت قد يكون فيه نوع من
الإقرار.
الشيخ: هو على كل حال..
الطالب: قد ينفع هذا يا شيخ؟
الشيخ:
نعم، هو لا بد من..، هذه المسألة مهمة التي ذكر الأخ؛ يعني لا بد أن ننبه هذا الرجل
ونقول: إن هذا حرام ولا يجوز الأكل منه؛ لأنك اكتسبته بطريق محرم. لكن أحيانًا يكون
الإنسان ما يتمكن من مثل هذا التعبير في مثل هذا الوقت أو في مثل هذه الحال، ولكل
مقام مقال، والنصيحة واجبة على كل حال.
طالب: نفس
السؤال يا شيخ (...)؟
الشيخ: شيء، فهل يلزمك أن تجيب؟
ما تقولون؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يلزمه؛ لأن هذا يحرجه كما قلت، يستلزم إما أن يتدين،
وإما أن يسأل، ما يلزمه، إلا إذا قال: والله إن كان تبغي آجي بدون شيء!
طالب: الرسول (...).
الشيخ: أو يكون
عليه إحراج بعد؟
طالب: إي نعم، يكون عليه.
الشيخ: يكون عليه إحراج، إذن يعتذر.
طالب: ولذا ما هو، قال: إن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
قال: هو يتكلف صاحب الوليمة هو..
الشيخ: صحيح نعم، الذي
يؤلم هو الزوج.
الطالب: (...).
الشيخ: الذي يولم الزوج.
الطالب:
الرسول صلى الله عليه وسلم نهى (...).
الشيخ: إذن معناه
الوليمة تولم الآن؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب!
طالب: لكن هل هي حق
للآدمي -يا شيخ- أو لله؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: إجابته هل هي حق لله ولَّا للآدمي؟
الشيخ: لا، هي حق لله وللآدمي جميعًا، ولهذا لو أنك اعتذرت فعذرك
ما فيه شيء.
الطالب: إذن تكون للآدمي؟
الشيخ: لا، لله وللآدمي، افرض أن الرجل هذا ممن لا يستحق أن يجاب
فلا أجيبه، فتكون لله، فهي واجبة بأمر الله عز وجل، لكن لصاحبها أن يسقطها، كما أن
له ألا يدعوني أيضًا. ولكن لاحظوا إذا كان هو يعذرك حياءً منك وخجلًا لا عن اقتناع
بعذرك، فإنه لا ينبغي أن تعتذر منه، بل تجيب ويعنيك الله.
طالب: شيخ، في مثل (...)؟
الشيخ:
ترسل إلى الناس، ويمكن مثلما قال الأخ، يمكن ما أدري من (...)، فهل نقول: إنه يجب
على كل من وصله الكارت أنه يجيب، أو نفصل بين من يكون بينه وبين صاحب الكارت علاقة
من قرابة أو صداقة، فيكون هذا دليلًا على أنه أراده بعينه، وبين عامة الناس؟ الظاهر
الأخير؛ أن نفصل؛ لأنه أحيانًا ما يتسنى له أن يأتي إليك، وأحيانًا يصعب عليه
الاتصال بك بالهاتف أو ما أشبه ذلك. فالحاصل إذا كان بينك وبينه علاقة، تعرف أن
الرجل قصدك بعينك فأجب، أما إذا كان بس كروت توزَّع فالظاهر أنه لا يجب
(...).
إذا قلنا: لا يجب، فهذا الرجل صنع الوليمة على قدر الكروت اللي أرسل،
فإذا ما جئت أنا والثاني والثالث، ويش يبقى عنده؟ طعام كثير.
طالب: هو الجاني على نفسه؟
الشيخ:
الجاني على نفسه؟ ما جنا على نفسه، أرسل دعوات للناس على أنهم بيجون.
الطالب: (...)، ما فيه أحد يرسل إلا اللي يعرفه.
الشيخ: لا، هي تأتي مجاملات، أحيانًا يرسل عشرة كروت لواحد من
أصحابه، يقول: خذ، ادع اللي تبغي، أرسلها للي تبغي، هذا واقع.
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي،
(...)
وجوب الإجابة ولو في غير وليمة، فلا فرق، وإذا قلنا: إنما تجب الإجابة في
الوليمة خاصة، فالوليمة على الزوج وليست على أهل المرأة؛ لأن الرسول عليه الصلاة
والسلام قال لعبد الرحمن بن عوف يخاطبه وهو الزوج، قال: «أَوْلِمْ» .
ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: إن الوليمة سنة في حق الزوج، أما في حق الأهل -أهل
المرأة- فهي من باب الدعوات المباحة غير المشروعة.
طالب: شيخ، (...)؟
الشيخ: يعني صار
حقًّا له، ما يعطى إياه وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦].
طالب: (...) عام؟
الشيخ: طيب.
الطالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني
(...).
الشيخ: نقول: العموم، كل من استعاذ بالله فإنه
يعاذ إلا ما اشترطنا أن يكون عليك ضرر، أو أن يكون سأل محرمًا، أو استعاذ من واجب
عليه تنفيذه، إي نعم.
يقول: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ
مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ» «مَنْ صَنَعَ» عام، «مَنْ
صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ»، والمعروف المراد به الإحسان،
كل من أحسن إليك فإنك تكافئه، أحسن إليك بهدية تكافئه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أحسن إليك بإنقاذ
من هلكة، تكافئه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، أحسن إليك بإنجاز معاملة؟
طالب: (...).
الشيخ: اصبر،
(...).
طالب: إذا (...).
الشيخ: طيب، نشوف: إذا كان ما فعله زائدًا على الواجب عليه فقد
صنع إليه معروفًا، فرضنا أن واحدًا من الموظفين العاديين أخذ معاملتك وراح وصلحه من
المسؤولين، هو ما هو لازمه، ما هو بلازم عليه يأخذ معاملتك ويروح يصلحها عند
المسؤولين، هذا معروف ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: معروف، تكافئه، كل من صنع إليك معروفًا فإنك تكافئه. لكن
إذا كان ليس أهلًا للمكافئة بأن كان كبير الشأن، ما يمكن تكافئه، مثل: ملك أو وزير،
أو رئيس أعطاك هدية مثلًا، تكافئه؟ أو نقول: إن مثل هذا يُدْعَى له؟
طالب: يُدْعَى له.
الشيخ: يُدْعَى
له؟
الطالب: يُدْعَى له؛ جزاك الله خيرًا.
الشيخ: نعم؛ لأنه جرت العادة أنه هو نفسه لو أنك كافأته لرأى أن
ذلك غضًّا من حقه، فتكون في الحقيقة مسيئًا إليه أكثر من الإحسان، والرسول عليه
الصلاة والسلام أراد أن تكافئه بإحسان.
للمكافأة فائدتان؛ الفائدة الأولى: تشجيع
ذوي المعروف على فعل المعروف، ولَّا لا؟ نعم؛ لأنك إذا كافأت صاحب المعروف بما يليق
به من مكافأة لا شك أنه يتشجع، لكن لو أنه أحسن إليك وأعطاك -مثلًا- شيئًا رأيته
زهيدًا عندك، قلت: الله لا يكثِّر خيرك، هذه عطية لي؟! هذه تمد لي؟! ويش يكون؟
يتشجع فيما بعد ويعطي الناس ولَّا خلاص؟
طالب:
لا.
الشيخ: يقول: بعده يجينا مثلما جانا الأول، لكن إذا
كافأته لا شك أنه يتشجع.
الفائدة الثانية للمكافأة: أن الإنسان يكسر بها الذل
الذي حصل بصنع المعروف إليه؛ لأنه مهما كان من صنع إليك معروفًا فإنه لا بد أن يكون
في نفسك رق له، ولَّا لا؟ لا بد أن تلين معه، لا بد أن تراه على أنه أرفع منك؛
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْيَدُ الْعُلْيَا
خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ،
و«الْيَدُ الْعُلْيَا» يدُ المعطي، فإذا رددت عليه
معروفه، فإن ما تشعر به في نفسك من استعلائه عليك ونزولك عنه يزول ولَّا لا؟ يزول،
وهذه فائدة عظيمة بالنسبة للمعطى، لمن صنع إليه المعروف هذه فائدة عظيمة؛ علشان ما
يرى لأحد عليه مِنَّة إلا الله عز وجل، وهي من الأخلاق الكريمة التي ينبغي للإنسان
أن يلاحظها.
ولكن قال بعض الناس: إنني لو كافأته على معروفه أعطاني أكثر، وقد
وقع هذا؛ فإن بعض الناس يكون كريمًا جدًّا، إذا أهدى إليك شيئًا ثم كافأته أعطاك
أكثر مما تعطيه، فإن رددت الهدية الثانية أعطاك أكثر، وتكون دائمًا أنت وإياه. فمثل
هذا إذا رد عليَّ أكثر أعرف أنه لا يريد مكافأة، ولكن مع هذا أدعو له.
فقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا
تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ». رجل فقير أحسن إليه غني ولا يستطيع أن
يكافئ هذا الغني، فماذا يصنع؟ يدعو له، فيقول: جزاك الله خيرًا، وبارك لك في مالك،
وما أشبه ذلك من الدعاء المناسب، «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ
مَعْرُوفٌ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي
الثَّنَاءِ» .
ويكون
الثناء أو الدعاء بعد الإهداء مباشرة؟
طالب:
نعم.
الشيخ: إي نعم، بعدها مباشرة؛ لأن هذا من باب
المسارعة إلى أمر الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ لَمْ
تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ»، ولكن الدعاء مقيد ولَّا مطلق؟
لا، مقيد: «حَتَّى تُرَوا» أو
«تَرَوا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». والفرق بين «تَرَوا» و«تُرَوا»: أن «تَرَوا» بمعنى تعلموا، و«تُرَوا»
بمعنى تظنوا؛ يعني حتى تظنوا ويغلب على ظنكم أنكم قد كافأتموه، ثم
أمسكوا.
ففي هذا الحديث فوائد عظيمة في الحقيقة غير ما يتعلق بالتوحيد، فيه
فوائد اجتماعية:
أولًا: فيه وجوب إعطاء من سأل
بالله. وذكرنا أن ذلك له شروط، ما هي؟ ألا يسأل؟
طالب:
محرمًا.
الشيخ: محرمًا، وألا يكون؟
طالب: فيه ضرر.
الشيخ: فيه ضرر على
المسؤول، ويش بعد؟
طالب: (...).
الشيخ: ألا؟
(...) محرمًا، هذا اللي قلنا، هو الأول: ألا يسأل
محرمًا، وألا يكون فيه ضرر على المسؤول.
طالب: وألا
(...).
الشيخ: هذا، خلاص.
طالب: ألا يكون (...).
طالب آخر:
(...).
الشيخ: ما بعد وصلنا هذا.
«مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ»، قلنا: هذا أيضًا
يجب إعاذته إلا إن استعاذ من واجب عليه، أو استعاذ من منعه من محرم. استعاذ من واجب
عليه؛ جئت أطلبه حقي، قال: أعوذ بالله منك، أقول له أنا: وأنا أعوذ بالله من
مماطلتك، أعطني حقي، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما نعيذه. أمرناه بأن يأتي الجماعة، قال: أعوذ بالله
منكم، ما نعيذه. نهيناه أن يقع في المحرم فقال: أعوذ بالله منكم، ما نعيذه، والله
أعلم.
(...) ضررًا على المدعو، هذا لا بد منه.
طالب:
قلت ذلك (...).
الشيخ: وهو ألا يستلزم سقوط ما هو
أوجب.
طالب: نعم، كصلاة.
الشيخ: كما لو دعاك دعوة تتضمن ترك صلاة الجماعة، ممكن؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذن ستة
شروط.
طالب: الخامس أن يكون (...).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والسادس ألا
يكون..
الشيخ: ألا يتضمن الإجابة.
طالب: (...).
الشيخ: بالأخص على
الأعم غير سديد، ما تقول؟ (...).
طالب: لا
تكافئه.
الشيخ: لا تكافئه، ولك أن تكافئه بمثله؛ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]، لكن
ما يطلب منك أن تفعل.
طيب على كل حال، وقد يقول قائل: إن الصنيعة في الأصل،
الصنيعة إذا أطلقت فالمراد بها صنيعة المعروف، وحينئذٍ لا يكون إشكال.
طالب: (...) يا شيخ، نقول: ذكر المثال (...)؟
الشيخ: أنه لا يمكن أن يستدل بالأخص على الأعم، وأن من جعل
مدلولًا عامًّا لدليل خاص فإنه مردود عليه، هذا أهم شيء عندي، وإلا فالمؤلف يمكن أن
يتخرَّج من كلامه بما ذكر الأخ بأن (أل) هذه للعهد، إي نعم. (...)
«قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي
الثَّنَاءِ» ،
وهذا في الحقيقة الذي يقوله لا شك أنه كافَأ؛ لأن (جزاك) يعني: أعطاك الله جزاء على
فعلك خيرًا، وعطاء الله أكثر من عطاء المخلوق، فإذا قبل الله هذه الدعوة فقد كافأته
يقينًا.
طالب: (...).
الشيخ: عليه أحد الملوك هدية، قال له: ليش ما تقبله؟ قال: نحن
نقبلها لما كانت تعين على دنيانا، أما إذا كنا نقبلها لتهدم ديننا فلا
نقبل.
طالب: بشرط أنه يمكن المهدي عليه (...).
الشيخ: إذا كافأته ما تؤدي إلى أن تسكت عنه عن باطل أو ترك واجب،
هذه مهمة. بعد؟
طالب: شيخ (...)؟
الشيخ: هذا خير بالنسبة لنا إحنا، لكن لماذا شرعت؟ هذا شيء ثانٍ.
(...) وهذا أظن ذكرناها، أن الإنسان يقطع منة الخلق عليه حتى لا يعترف إلا بمنة
الله سبحانه وتعالى، إي نعم.
(باب لا يُسْأَلُ بوجه الله إلا الجنةَ)، أو
(إلا الجنةُ)؟
طالب: (الجنةُ)
بالضم.
الشيخ: الذي يقول: بالضم نطالبه بالشاهد من
كلام ابن مالك:
| وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إِلَّا لِمَا | بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ (الَّا) عُدِمَا |
أو (عَدِمَا)، عرفتم؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، وإذن: (إلا الجنةَ) ما يصح، ما يستقيم؛ لأن (يُسأل) فعل مضارع مبني للمجهول، ويش يتطلب؟
طالب: نائب فاعل.
الشيخ: يتطلب نائب فاعل.
(لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)..
طالب: ما يصير أعطيه الجنة يا شيخ؟
الشيخ: لا.
(لا يُسْأَل بوجه الله)، هل المراد (لا يُسْأَل الله) بوجهه (إلا الجنة)، أو (لا يُسْأَل) أحد بـ(الله إلا الجنة)؟ يعني المعنى الآن، هل المعنى: لا تسألوا الله بوجهه إلا الجنة، فإذا قلت: اللهم ارزقني سيارة، ما تقول: أسألك بوجهك أن ترزقني سيارة؛ لأنها ما هي الجنة، أو أن المعنى: لا تسأل أحدًا بالله بوجهه؛ لأن المؤلف أعقبه بـ(باب من سألكم بالله فأعطوه)، (لا يرد من سأل بالله)؟
هذا اختلف أهل العلم في شرح هذا الحديث؛ فقال بعضهم: لا تسأل أحدًا من المخلوقين بوجه الله، ومعلوم أنك إذا قلت: إلا الجنة، معناه: لا تسأل بوجه الله مطلقًا؛ لأنه لا أحد يقدر أن يسأل الجنة. أنتم فاهمون هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني: إذا أردت أن تسأل أحدًا بالله لا تسأل بوجهه، لا تقول: أسألك بوجه الله كذا وكذا، تقول: (أسألك بالله) لا بأس، لكن (أسألك بوجه الله) لا؛ لأنه ما يُسْأَل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذن لا يُسْأَلون بوجه الله مطلقًا.
ويظهر أن المؤلف رحمه الله يرى هذا الرأي في شرح الحديث؛ لأنه أعقبه قوله: (باب لا يرد من سأل بالله).
وقيل: بل المعنى: لا يُسْأَل الله بوجهه إلا الجنة، فإذا سألت الله شيئًا فإن كان الجنة وما يستلزم دخول الجنة فاسأل بوجه الله، وإلا فلا. فعلى هذا إذا سألت الله شيئًا من الدنيا ما تسأله بوجهه، لا تقول: أسألك بوجهك كذا وكذا من أمور الدنيا، لكن من أمور الآخرة تسأله؛ مثلًا تقول: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار، والنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بوجه الله، لما نزل قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْقال: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْقال: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام: ٦٥] قال: «هَذِهِ أَهْوَنُ» . إذن، لو قال قائل بأنه يعم المعنيين جميعًا لكان له وجه.
وقوله: (بوجه الله) فيه إثبات الوجه لله عز وجل، وهو ثابت في القرآن وبالسنة وإجماع السلف؛ في القرآن مثل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وقال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وقال: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢]، والآيات في هذا كثيرة.
والأحاديث أيضًا كثيرة في هذا، ومنه ما أشرنا إليه قبل قليل: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، فما هذا الوجه الذي أضافه الله إلى نفسه؟ هل هو وجه حقيقي، أو أنه وجه يعبر به عن الذات وليس لله وجه بل له ذات، أو أنه يعبر عن شيء يراد به وجهه وليس هو الوجه في الحقيقة، أو أنه يعبر به عن الجهة، أو أنه يعبر به عن الثواب؟ خلاف، ولكن هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا: إن وجه الله وجه حق؛ لأن الله تعالى قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ [الرحمن: ٢٧]، ولما أراد غير ذاته قال: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ [الرحمن: ٧٨]، ذِيصفة للرب، ما هي لـاسْمُ، لكن وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوصفة لأيش؟ لـوَجْهُ، فإذن الوجه هو الموصوف بالجلال والإكرام، وإذا كان الوجه موصوفًا بالجلال والإكرام فإنه لا يمكن أن يُراد به ثوابًا، ولا يمكن أن يراد به جهة، ولا يمكن أن يراد به ذات؛ لأن وَجْهُ رَبِّكَغير ذات ربك؛ إذ إن الذات هي الرب، والوجه شيء زائد، فهو من صفات الله عز وجل الثابتة له على وجه الحقيقة، وجه حقيقي.
أما أهل التأويل فقالوا: إن الله ليس له وجه -والعياذ بالله- وقالوا: إن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، أما الوجه حقيقة لا. لماذا يا ناس؟ قال: لأنك لو أثبت لله وجهًا حقيقة لزم أن يكون جسمًا، والأجسام متماثلة، ويلزم من ذلك إثبات المثل لله عز وجل، وهذا تكذيب لقول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. عرفتم كيف؟ ما عرفتم؟
طلبة: نعم، عرفنا.
الشيخ: طيب، قالوا: لا يراد به الوجه الحقيقي. لماذا يا جماعة؟ (...)
مماثلًا للخلق. طيب، وإذا لزم أن يكون مماثلًا للخلق صار ذلك تكذيبًا لقول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وأنتم يا أهل السنة تقولون: إن الممثل كافر؛ الذي يعتقد أن لله مثيلًا فيما يختص به الرب فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن.
نقول لهم: إذا قلتم: إذا ثبت أن لله وجهًا حقيقيًّا لزم أن يكون جسمًا، فما تعنون بالجسم الذي فررتم منه؟ أتعنون بالجسم الشيء المركب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك فإننا نوافقكم على أن الله ليس على هذا الوجه، ولا يمكن أن يكون الله تعالى على هذا الوجه.
وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية الثابتة المتصفة بما يجب لها من صفات الكمال، فهل في هذا محذور؟ ما فيه هذا محذور؛ أي: ما فيه أي محذور، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال ابن عباس: الصمد الذي ليس له جوف ، لا جوف له، فالله عز وجل صمد له ذات لكن لا تشبه الذوات.
ثم نقول: وقولكم: (إن الأجسام متماثلة) قضية من أكذب القضايا، فإننا نسألك أيها الرجل: هل جسمك كجسم الدب؟ ماذا يقول؟
طالب: لا.
الشيخ: لا. هل جسمك كجسم الذرة؟ لا. إذن كيف تقول: أجسام متماثلة؟ الأجسام فيها تباين عظيم في الحجم والرقة واللين، وغير ذلك.
طالب: والتركيب.
الشيخ: والتركيب وكل شيء؛ يعني أجسام غير متماثلة، ولا أحد يشك في هذا.
طيب، إذن بطل أن تكون أجسامًا متماثلة، إذا بطلت حجتهم بطلت نتيجتهم؛ أن يكون ذلك مستلزمًا لئن يكون الله عز وجل مماثلًا للخلق إذا قلنا بأن له وجهًا حقيقيًّا.
ونحن الآن نشاهد من المخلوقات ما له وجوه وتتفق في الوجوه، ولَّا لا؟
طالب: إي نعم، (...).
الشيخ: ما تتفق؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولا البشر يتفقون، حتى البشر ما يتفقون في الوجوه. صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولذلك يقولون، يزعمون -ما أدري هو صحيح ولَّا لا؟- ما من إنسان في الدنيا إلا وله أربعون شبيهًا، ما أدري هل هذا صحيح ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: ولكن ما هو صحيح الظاهر، ما من إنسان في الدنيا -والله أعلم- يشابه الآخر، سبحان الله العظيم! على كثرة الخلق ما تجد أحدًا يشابه الآخر.
طالب: إلا التوأم.
الشيخ: ولا التوأمين، أبدًا.
الطالب: إلا.
الشيخ: أبدًا.
الطالب: لو أنه انقسمت البويضة (...).
الشيخ: شوفوا -بارك الله فيكم- (...) توائم لا بد من فارق.
طالب: طيب، البويضتان المختلفتان؟
الشيخ: ما نعرف عن البويضتين، المهم أنه ما هو بلازم.
طالب: وأنا أعرف (...).
الشيخ: شوف -بارك الله فيك- الآن أنا ما أعرفكم كلكم على سبيل التفصيل، لكن بعضكم يكلمني اليوم، ويجيء واحد مثله من بكرة أحسبه هو؛ يعني الفرق دقيق لازم نفرق من كل وجه.
طالب: لو تشوفهم عند (...) وما تعرفهم.
الشيخ: ما يخالف، جبهم لنا نشوفهم.
طلبة: (...).
الشيخ: طيب، دقيقة، الآن نقول: الأجسام غير متماثلة، الوجوه غير متماثلة، يقولون: حتى العروق اللي في اليد والرجل مختلفة، عروق كل يد غير العروق اللي في الثانية، وعروق كل رِجْلٍ غير عروق الرِّجْل الثانية.
طالب: (...).
الشيخ: والبصمات أيضًا.
على كل حال، إن دعوى أن الأجسام متماثلة هذه دعوى باطلة، وبهذا يجب علينا أن نؤمن بأن الله عز وجل له وجه حقيقي موصوف بالجلال والإكرام، لا يشبه أوجه -أو بالأصح: لا يماثل أوجه- المخلوقين. ولاحظوا -يا إخوان- أن التعبير بنفي المماثلة أدق وأسد من التعبير بنفي المشابهة. لماذا؟ لأن هذا هو الذي جاء به القرآن، ولأنه ما من شيئين موجودين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه، ولَّا لا؟ طيب، إذن نأخذ بما عبَّر الله به عن نفسه؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
بقي أن يقال: ماذا تقولون في قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت من حديث أبي هريرة وغيره: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، وأنتم تقولون: إن الله تعالى له وجه لا يماثل أوجه المخلوقين، «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»؟
نقول: هذا لا يمكن أن يراد به ظاهره بإجماع المسلمين وإجماع العقلاء؛ لأن الله عز وجل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، والكرسي موضع القدمين ، والسماوات كلها والأرضون كلها بالنسبة للكرسي كحلقة أُلْقِيت في فلاة من الأرض ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فما ظنك برب العالمين؟! لا أحد يحيط به وصفًا ولا تخيلًا.
هل يمكن من هذا وصفه أن يكون على صورة آدم ستين ذراعًا -مثلًا- ولَّا لا؟ لا يمكن أبدًا، فاحتمال أن يراد بذلك التمثيل احتمال باطل لا يمكن أبدًا، وإنما المعنى: أن الله تعالى خلق آدم على صورة اختارها، صورة الوجه الذي لا ينبغي أن يقبح أو أن يضرب، نعم (...)؛ لأنه لما أضافه إلى نفسه اقتضى من الإكرام والتخصيص (...) إذا ينبغي أن يقبح أو أن يضرب. هذا وجه.
وهذا الوجه سليمٌ وماشٍ على القواعد اللغوية؛ لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، ولأن الله تعالى أضاف إلى نفسه بيتًا وناقة وروحًا.
ويمكن أن يقال: إن مجرد كونه على صورته لا يقتضي المماثلة. أيش الدليل؟ الدليل ما ثبت به الحديث الصحيح: أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوأ كوكب في السماء . هل يلزم من هذا أن يكونوا على نفس القمر ولَّا لا؟ لا، معلوم؛ لأن القمر أكبر من..، أهل الجنة يدخلون الجنة طولهم ستون ذراعًا وعرضهم -كما جاء في بعض الأحاديث- سبعة أذرع ، هل يمكن أن يكون وجوههم مماثلة للقمر ليلة البدر؟ القمر كبير ولَّا لا؟ كبير جدًّا، كيف؟ ما يمكن يكون مماثلًا له. فهذا وجه آخر في تخريج الحديث.
على أن بعض أهل العلم أوله بتأويل آخر؛ قال: «عَلَى صُورَتِهِ»؛ أي: على صورة آدم؛ أي: أن الله خلق آدم من أول أمره على هذه الصورة، وليس كبنيه يتدرج في الإنشاء. الإنسان، بنو آدم يتدرجون في الإنشاء أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم خلقًا آخر، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لكن آدم خلق هكذا من أول، فالمعنى: «عَلَى صُورَتِهِ» التي هو عليها من أول ما خُلِقَ.
لكن الإمام أحمد أنكر هذا التأويل؛ أن يجعل الضمير عائدًا على آدم، وقال: إن هذا تأويل الجهمية وليس بصحيح؛ لأنه يفقد الحديث معناه، ثم إنه يعارضه اللفظ الآخر المفسر للضمير، ما هو؟ «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» ، هذا اللفظ الاسم الظاهر مفسر للضمير، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضًا، ولولا هذا التفسير -تفسير المضمر بهذا الاسم الظاهر- لكان قد يقال: إن له وجهًا.
فالحاصل أننا نقول: إن وجه الله حقيقي ولا يماثل أوجه المخلوقين، ولا يرد علينا قوله: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» لما علمتم من تخريجها، تمام. (...) ضعفه بعض أهل العلم، وقال: إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه على تقدير صحته يدل على أنه من الأدب ألا تسأل بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة، الفوز بالجنة أو النجاة من النار.
يقول المؤلف: (فيه مسألتان).
طالب: (...)؟
الشيخ: قوله: (...) الله عليك، هذا جاه الله؛ يعني أنهم يستشفعون بالله على الإنسان، وهذا لا يجوز؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يكون شفيعًا إلى خلقه، فهم يقولون: (جاه الله عليك)؛ يعني أنني أستشفع بجاه الله سبحانه وتعالى عليك.
الطالب: طيب، وجه الله، يقولون: وجه الله (...)؟
الشيخ: إي، هم قصدهم هذا؛ يعني معناه أني أتوسل إليك بوجه الله.
(الأولى: النهي عن أن يُسْأَل بوجه الله إلا غاية المطالب) (إلا غاية المطالب)؛ يعني: الجنة وما يُقرِّب إليها من قول وعمل، وكذلك النجاة من النار.
(الثانية: إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى)، وقد تقدَّم الكلام فيه، وبينَّا أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه من صفات الذات وصفات الأفعال على الوجه اللائق به.
وقد سبق لنا أيضًا أن صفات الذات تنقسم إلى معنوية وخبرية، أليس كذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، المعنوية: كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر. والخبرية: كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، وما أشبهها. هذه يسمونها خبرية، ولا يسمونها معنوية؛ لأننا لو قلنا: إنها معنوية صرنا إلى ما صار إليه أهل التأويل؛ لأن أهل التأويل -أو بالأصح: أهل التحريف- يقولون: اليد بمعنى القدرة أو النعمة التي هي الفعل، لكنهم يسمونها صفات خبرية بمعنى أنه جاء بها الخبر.
ونظير أسمائها أبعاض لنا؛ فاليد بالنسبة للإنسان بعض له، والوجه بالنسبة للإنسان بعض له، وكذلك الساق والقدم والعين، لكننا لا نقول هذا بالنسبة لله، ما نقول: إن عينه بعض منه، أو إن يده بعض منه، أو ما أشبه ذلك؛ لاتفاق السلف على أن الله تعالى لا يوصف بما يدل على التجزئة والتبعض. لكن نقول: نظيرها في التثنية بالنسبة لنا أبعاض لنا، ولهذا ما نسميها معنوية، نسميها خبرية.
طالب: (...) قياس على الجنة؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ورد أحاديث تدل على أن الرسول سأل بوجه الله شيئًا سوى الجنة، إي نعم، كقوله: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، لما قال: هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْقال الرسول: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْقال: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا [الأنعام: ٦٥] قال: «هَذِهِ أَهْوَنُ» ، إي نعم.
طالب: ما نقول يا شيخ (...) هل يُسأل بها؟
الشيخ: لا، هل..؟
الطالب: هل يُسأل الله بها (...)؟
الشيخ: لا، ما يُسْأَل إلا بوجه الله، فلا يُسْأل بيده، ولا يُسأل بعينه مثلًا؛ لأن هذا الوجه دائمًا يعبَّر به عن الذات، لكنه لكونه أشرف ما في الموصوف بالنسبة لنا فإنه يعبَّر به عن الذات.
طالب: شيخ، ما يصير أن المعنى من هذا: لا نسأل المخلوقين (...)؟
الشيخ: عام، لكني قلت لكم: إنه عام، حتى أيضًا بالنسبة إلى وجه الله ما تقول مثلًا: اللهم إني أسألك بوجهك أن ترزقني سيارة، أو أن ترزقني كذا وكذا من أمور الدنيا. هذا على تقدير صحة الحديث، أما إذا لم يصح فالأمر واضح.
طالب: أليس من قواعد أهل السنة أنهم ما (...) سوله؟
الشيخ: بلى.
الطالب: يدل عليه الذات والجسم.
الشيخ: نعم.
الطالب: وصف الله بالذات والجسم، هذه ما وردت يا شيخ؟
الشيخ: الجسم ما نقول: إن الله جسم؛ لا نثبته ولا ننفيه.
الطالب: لأنه (...).
الشيخ: إي نعم، هذا من حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فلا يجوز إثباته ولا يجوز نفيه.
الطالب: نقول: الذات؟
الشيخ: أما الذات فهو يُعبَّر بها عن حقيقة الشيء.
الطالب: ما ورد (...)؟
الشيخ: لا، ما وردت؛ لأنها مقابلة الصفات.
طالب: مناسبتهما؟
الشيخ: مناسبتهما لباب التوحيد أن فيهما تعظيمًا لله عزَّ وجلَّ، فمن سأل بالله أُعْطِيَ، ومن استعاذ به أُعيذَ؛ لأن ذلك من تعظيم الله سبحانه وتعالى. ووجه الله واضح أنه من تعظيمه -تعظيم الوجه- ألا يُسْأل به إلا أعلى المطالب.
طالب: (...)؟
الشيخ: هي التي لا ينفك الله عنها، كل صفة لازمة فهي من صفات الذات، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي من صفات الفعل.
***
ثم قال: (باب ما جاء في الـ"لو") (في الـ"لو"). لو قال لنا قائل: كيف دخل (أل) على حرف؛ لأن (لو) حرف ولَّا اسم؟ حرف، وقد سبق لنا في أول كتاب النحو -وكلكم تعرفونه، الصغار منكم والكبار- أن من علامات الأسماء الألف واللام، قال ابن مالك:
| بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ وَالنِّدَا وَ(أَلْ) | وَمُسْنَدٍ لِلِاسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ |
كيف (...) (لو) حرف بالاتفاق، كيف دخل عليها (أل)؟ لأن المقصود بها اللفظ؛ يعني: باب ما جاء في هذا اللفظ.
ولذلك من علامات الاسم الإسناد:
| ............................. | وَمُسْنَدٍ لِلِاسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ |
ومع ذلك يصح أن تُسْنِد إلى الحروف الخبر، فتقول: (من) حرف جر، كيف تعرب (من) الآن؟ مبتدأ؛ لأن المقصود بها اللفظ.
إذن (في الـ"لو")؛ أي: في هذا اللفظ، وهو كلمة (لو).
والمؤلف رحمه الله جعل الترجمة مفتوحة: (باب ما جاء في الـ"لو")، ولم يجزم بشيء؛ لأن (لو) تُسْتَعمل على عدة أوجه، انتبه لها، (لو) تُسْتَعمل على عدة أوجه:
الوجه الأول: تُسْتَعمل في الاعتراض على الشرع.
ثانيًا: تُسْتَعمل في الاعتراض على القدر. (...)
طالب: (...).
الشيخ: ثالثًا: تُسْتَعمل في التحسر والندم.
رابعًا: تُسْتَعمل في التمني.
والخامس: في الخبر المجرد.
فأقسامه الآن خمسة، ولهذا المؤلف رحمه الله ما جزم بأي حكم من الأحكام. كم من الأقسام؟
(...) إذا كانت في الاعتراض على الشرع فلا شك أنها محرَّمة، ومنه قوله تعالى: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨]، يقول المنافقون في إخوانهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوافي أُحدٍ، في أُحدٍ خرج الناس مع الرسول عليه الصلاة والسلام مسلمهم ومنافقهم، وفي أثناء الطريق تخلَّف عبد الله بن أُبَيٍّ ومن معه من المنافقين بنحو ثلث الجيش، وحصل ما حصل كما تعرفون في غزوة أحد، استشهد من المسلمين كم؟ سبعون رجلًا. هؤلاء المنافقون وجدوا شيئًا يعترضون بها على تشريع الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: لَوْ أَطَاعُونَاورجعوا كما رجعنا، مَا قُتِلُوا؛ يعني: فرأينا خيرٌ من شرع محمد عليه الصلاة والسلام، ولهذا ما أطاعنا هؤلاء فقتلوا. ولا شك أن هذا محرم، وربما يصل إلى درجة الكفر.
الثاني: أن يُراد بها الاعتراض على القدر، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٥٦]، يعترضون بذلك على قدر الله، وهذا وإن كان صريحًا لكن يُشَم منه الرائحة؛ يعني: لو أنهم بقوا ما قتلوا.
وأين نحن من قدر الله عز وجل؟ الله عز وجل هو الذي يقدر الأمور، وهم وإن كانوا هنا فإنهم لم ينجوا من الموت، كما سيأتي شرحه -إن شاء الله- في الكتاب.
طالب: محرم؟
الشيخ: إي، ما فيه شك أنه محرم.
الثالث: أن يُقْصَد بها الندم، تقول للندم والتحسر، فهذا أيضًا محرم؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنك منهي عنه؛ لأن الله يريد منَّا أن نكون دائمًا في انشراح وفي انبساط؛ لأن الندم يكسب النفس حزنًا وانقباضًا. لكن عدم الندم يكون انشراحًا وانبساطًا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزَنَّ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» . الإنسان يحرص على اللي ينفعه ويفعل، ثم تكون الأمور على خلاف ما أراد، مثاله؟
طالب: مثاله (...)، ثم ما سافر، قال: لو سافرت لكان كذا وكذا؛ يتحسَّر.
الشيخ: لا، رجل شرع في غيب الألفية، وتعب وقال: لو علمت بصعوبتها لغيَّبت الدُّرَّة، يصلح؟
طالب: لا.
الشيخ: أو ما فيه ندم؟
الطالب: (...) ندم.
الشيخ: طيب، رجل حرص على أنه يشتري هذا الشيء يظن أن فيه ربحًا، ولكنه أخلف وصار فيه خسران، فقال: لو أني ما شريته ما حصل لي خسارة. ويش يكون؟ هذا تحسر وندم، وهذا يقع كثيرًا، وقد نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
الرابع: أن تُسْتَعمل في التمني، وإذا كانت تستعمل في التمني فهي على حسب المتمنى؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشر.
طيب، جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام في قصة النفر الأربعة: «قَالَ أَحَدُهُمْ: لَوْ أَنَّ لِي مَالَ فُلَانٍ لَعَمِلْتُ فِيهِ عَمَلَ فُلَانٍ» . هذا تمنى خيرًا، والثاني تمنى أن عنده مال فلان الذي ينفقه في غير مرضاة الله، هذا تمنى شرًّا.
ومثل أن يقول قائل: لو حصل لي أن أقامر؟ يعني تمنى أن يقامر، يكون هذا تمنى شرًّا.
فالمهم أنها إذا وقعت في التمني فهي بحسب ما يتمناه؛ إن تمنى خيرًا فخير، وإن تمنى شرًّا فشر.
الخامس: الخبر المحض، يعني يقصد بها الخبر المحض فقط؛ مثل أنت تقول: لو زرتني لأكرمتك، لو حملت هذا الثقيل لتعبت، لو حضرت إلى الدرس لاستفدت. أيش تقولون في هذا؟ هذا جائز ما فيه شيء. وهل منه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» ؟
طالب: لا، هذا تمنٍ.
الشيخ: إي، اختلفوا فيه؛ فبعضهم قال: إن هذا خبر، والرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدي ولأحل. وبعضهم يقول: إن هذا من باب التمني؛ كأنه يقول: ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدي. فأيهما أقرب؟
طالب: الثاني.
طالب آخر: (...).
الشيخ: الظاهر لي أنا أنه الخبر، ولكم أن تختاروا ما شئتم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يتمنى شيئًا قدَّر الله خلافه، لكن الظاهر أنه خبر، أخبَر أنه من أجل ما رأى من أصحابه من التلكؤ في التحلل، قال: لو أني فعلت كذا، «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ» .
وعلى كل حال، الآن الأقسام التي عندنا في (الـ"لو") خمسة: أن تقع في معارضة الشرع، في معارضة القدر، في الندم والتحسر، في التمني، في الخبر المحض. وهذه الأحكام لهذه الأقسام الخمسة معلومة بالتتبع؛ بتتبع منطوق الكتاب والسنة، ولهذا المؤلف رحمه الله أطلق الترجمة وقال: (باب ما جاء في الـ"لو").
طالب: شيخ، هل يسأل (...)؟
الشيخ: معروف أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالخروج، وهم قالوا: لا نخرج، وفعلًا رجعوا، ولهذا عبد الله بن أُبَيٍّ قال في تعليل رجوعه: إنه يعصينا ويطيع الصبيان .
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كل عام.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الندم، إذا كان من باب الندم على (...)؟
الشيخ: لا، هذه توبة، لكن الندم على ما قدَّر الله عليك، أما التوبة هذه.
طالب: شيخ، (...)؟
الشيخ: أيش لو..؟
الطالب: لو (...)؛ يعني وجدت من يرعاني وأنا صغير لما كنت على هذه الحال؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا من باب التحسر ولَّا من باب..؟
الشيخ: واللهِ على حسب ما في نفس الإنسان، قد يكون أنه (...) أو قد يكون أنه تمنى وتحسر مما وقع؛ لأن التمني في الحقيقة غالبًا في الشيء المستقبل؛ يعني يتمنى أن لو كان كذا لفعل. فهذه تعود إلى نية القائل بالنسبة لكونه ندمًا أو غير ندم أو مجرد خبر، أما بالنسبة للسامع فهو يحكم بحسب ما يظهر من اللفظ، واللي (...) علمه عند الله.
طالب: (...) في أمر الله؟
الشيخ: إي، التحسر أنه يرى أن هذا الأمر وقع على فوات الحفظ مثلًا، فوات حفظه واستعداده للأمور، يقول: لو أني فعلت كذا واستعددت وما أشبه ذلك ما حصل، فهو يتحسر على ما فات. أما التمني فإنه يتمنى مجرد منية بدون أن يظهر أنه متحسر أو ندمان، أو أنه فاته لفوات حفظه، أو ما أشبه ذلك.
طالب: (...) تمنى أنه لو كان حاذقًا؟
الشيخ: ما يخالف، كلنا نتمنى لو كنا حاذقين.
الطالب: لا، تمنى (...)؟
الشيخ: لا، فرق بينهما، أنت الآن عندما تتمنى أنك فعلت شيئًا هل في ذهنك أو في نفسك أنك متحسر؟
الطالب: على أني ما فعلت.
الشيخ: لكن هل عندك تحسر؟ بخلاف الإنسان اللي فعل الأشياء اللي يظن أنها نافعة، ثم انقلب عليه الأمر، هذا يندم ويتحسر.
الطالب: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: (ما جاء في الـ"لو").
إذن عندنا الآن كلمة (الـ"لو") إدخال (أل) التعريف عليها لأن المقصود لفظها. (وقول الله تعالى)؛ يعني: وباب قول الله تعالى.
(يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران: ١٥٤]). الضمير يعود على من؟ على المنافقين يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، والمراد: ما قُتِلَ بعضنا، ولا هم ما قُتِلوا؛ لأن المقتول هل يقول؟ ما يقول.
قال الله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤]، ما الذي يخفونه؟
طلبة: النفاق.
الشيخ: لا، بيَّنه، يَقُولُونَهذا المُخْفَى.
يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَالَوْهذه امتناعية، وأين فعل الشرط فيها؟
طالب: كَانَ.
الشيخ: كَانَ، وجواب الشرط: مَا قُتِلْنَا. لماذا لم يقترن باللام؟ لأنه منفي بـمَا، وقد سبق لنا أنه إذا كان منفي بـ(ما) فالأفصح عدم اقترانه باللام، تقول: لو جاء زيد ما جاء عمرو، أفصح من أن تقول: لو جاء زيد لما جاء عمرو. وإن كان قد يَرِدُ على وجهٍ قليل؛ كقول الشاعر:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا | ................................... |
(لَمَا)، وكان عليه أن يقول: ما افترقنا. هنا في الآية: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا، ولم يقل: لما قُتِلنا.
هَاهُنَاالمشار إليه أيش؟
طالب: المكان.
الشيخ: أي مكان؟
الطالب: أُحُد.
الشيخ: أحد، نعم، مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا. أجاب الله ردًّا على قولهم: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، ولا يمكن أن يتخلفوا، لو هم في البيوت لا بد أن يخرجوا إلى مضاجعهم.
قوله: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، من أي أقسام (لو)؟
طالب: الاعتراض على القدر.
الشيخ: أو الشرع؟
الطالب: (...).
الشيخ: على الشرع، نعم؛ لأنهم هم عَتبوا على الرسول عليه الصلاة والسلام حيث خرج بدون موافقتهم، وقالوا: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا.
ويمكن أن يكون اعتراضًا على القدر؛ يعني: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌفي حسن التدبير والرأي ما خرجنا فنُقْتَل، ولهذا قال: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١٥٤].
طالب: (...)؟
الشيخ: فإذن تكون شرعية.
الطالب: شرعية؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن ابتلاء ما في القلوب باعتبار (...) بالشرع.
طالب: يعني (...)؟
الشيخ: إي نعم، لكنه..، أما قلنا: إنهم هم يتظاهرون بالإسلام، فالمعنى مَا قُتِلْنَا؛ أي: ما قُتِلَ بعضنا.
قال: (وقوله: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨]). هذا قدري، اعتراض على القدر؛ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ.
وقوله: وَقَعَدُوا. ما محل هذه الجملة من الإعراب؟ هل هي جملة حالية أو معطوفة على قَالُوا، فيكون هنا -إن قلنا: إنها معطوفة على قَالُوا- فقد وُصِف هؤلاء بأمرين: الاعتراض على القدر، والجبن عن تنفيذ الشرع، الجبن عن الجهاد. الاعتراض على القدر بماذا؟ بقولهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا، والجبن عن الجهاد بقوله: وَقَعَدُوا، فهم جبناء عن الفعل، وهم معترضون على القدر.
وإن قلنا: إن الواو للحال، وإن الجملة على تقدير (قد)؛ أي: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْوقد قعدوا؛ يعني: والحال أنهم قد قعدوا، فيكون هنا الجملة في محل نصب على الحال، ويكون أيضًا فيه توبيخ لهم؛ حيث قالوا هذا القول مع قعودهم، ولو كان فيهم خير لخرجوا مع الناس، لكن ليس فيهم خير، ما فيهم إلا الاعتراض (...) على المؤمنين وعلى قضاء الله وقدره.
وقوله: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨]، من يعني (...)؟
طالب: المنافقون.
الشيخ: إخوانهم من المنافقين؟
الطالب: لا، هم (...).
الشيخ: نعم، كلمة لِإِخْوَانِهِمْقال بعض المفسرين: لِإِخْوَانِهِمْفي النسب وليس إخوانهم في الدين، وقال آخرون: لِإِخْوَانِهِمْفي الدين ظاهرًا؛ لأن المنافقين يتظاهرون في الإسلام، فيكون المعنى: قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْفي الدين ظاهرًا.
ولو قال قائل: إنه شامل للأمرين لكان ذلك صحيحًا؛ لأن من المؤمنين الذين قُتِلُوا في سبيل الله من هو أخ له في النسب من بني عمهم، ومن هو أخ له في الإسلام ظاهرًا.
وقوله: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا. هل هذا صحيح؟ غير صحيح، ولهذا رَدَّ الله عليهم بقوله: قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وأنتم قاعدون هل تستطيعون أن تدرؤوا عن أنفسكم الموت؟ لا. شوف الآية مع الآية اللي قبلها تدل على أنه لا فرار من قدر الله، وأن الإنسان مهما كان فإنه محكوم بقدر الله تعالى، كما أنه يجب أن يكون محكومًا بشريعة الله.
ومناسبة هذا الباب للتوحيد ظاهرة جدًّا؛ لأن من جملة أقسام (لو) الاعتراض على القدر، ومن اعترض على قدر الله عز وجل فإنه لم يرضَ بالله ربًّا، ومن لم يرضَ بالله ربًّا فإنه لم يحقق توحيد الربوبية، والواجب أن ترضى بالله ربًّا، ولا يمكن أن تستريح وينشرح صدرك إلا إذا رضيت بالله ربًّا تمام الرضا، وكنت تمشي مع القضاء والقدر، ويكون لك أجنحة لكنها تميل حيث مال بها القدر، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهَ كُلَّهُ خَيْرٌ»، لماذا؟ «إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ، وجرِّب نفسك.
ثم اعلم أنه مهما كان فإن الأمر سيكون على ما كان، مهما كان الأمر لا تقول: واللهِ.. يعني مثلًا واحد خرج في سفر، فأصيب بحادث، لا تقُل: لو أني ما خرجت في هذا السفر ما أصبت في الحادث، هذا صحيح، لكن لا بد أن تخرج ولا بد أن تُصاب. لماذا؟ لأن هذا مُقدَّر لا بد منه.
تزوج إنسان بامرأة فوجدها امرأة شوهاء المنظر، سيئة المنظر، فقال: لو أني ما تزوجت هذه سلمت من شرها. ويش نقول؟ ما يمكن هذا، أنت صحيح لو ما تزوجت لسلمت منها، لكن لا يمكن ألا تتزوجها، لا بد أن تتزوجها. فإذا علمت ذلك هان عليك الأمر، وأنه لا بد أن يصير الإنسان هكذا.
فيه رجل كان عنده أطفال في البيت، فشذَّت طفلة منهم، فوطئت على فم الخزان وعليه الغطاء، عليه غطاء ووطئت على طرف الغطاء، فانهصر الغطاء حتى سقطت في الخزان وماتت. قال (...) لو ما راحت للخزان، ويش تبغي بالخزان؟! يمكن هذا؟ صحيح، هي لو ما راحت سلمت، لكن لا يمكن إلا أن تروح وتقع.
فإذا علمت بهذا وأيقنت أنه مهما عملت من الأعمال لا بُدَّ أن تجد الأمور على ما كانت عليك هانت عليك الأمور، ما بقي عليك الآن إلا أن ترضى بالله عز وجل ربًّا وتستسلم للقضاء والقدر وتكون من خيار من أصيب بالقدر. لأنه إحنا ذكرنا أن المصائب ينقسم الناس فيها إلى أربعة أقسام، أو على الأصح: لهم أربع حالات: الجزع، والصبر، والرضا، والشكر.
الجزع معروف، وهذا يقع لأكثر الناس. والصبر أن تتحمل فلا تفعل محرَّمًا، تكون يعني ما معناه أنك ما أحسست، أحسست جدًّا، لكن ما تفعل المحرم، ما تضرب الخد، ولا تنتف الشعر، ولا تشق الجيب، ولا تدعو بالويل والثبور.
الرضا حال أكمل من الصبر. كيف ذلك؟ يعني معناه أن الإنسان ما يحس بالمصيبة، ما يحس بها، كأنها غير مصيبة؛ لأنه راض تمامًا بالقضاء والقدر. الفرق بينه وبين الصبر ظاهر؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: ولهذا الصحيح أن الرضا ليس بواجب بل مستحب، والصبر واجب، والسخط محرم.
الشكر، كيف نقول: الشكر، إنسان أصيب بمصيبة ويشكر الله؟
طالب: نعم.
الشيخ: يشكر الله؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: (...).
الشيخ: يشكره على أيش؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، إما أن يشكر الله على أن هذه مصيبة أهون من أعظم منها، أو يشكر الله على أنها مصيبة يصل بها إلى درجات الكمال. ولَّا لا؟ ولهذا أصيبت رابعة العدوية في أصبعها، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها . يعني الإنسان إذا تذكر ما أعدَّ الله له على هذه المصيبة شكر الله، لكن وين اللي يصل إلى هذا؟! نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الراضين الشاكرين.
طالب: (...)؟
الشيخ: مثل الاعتراض على الشرع، هذا عدم إيمان بتوحيد الألوهية، الاعتراض على القدر على تقدير الله؛ ما يتعلق بفعل الله وخلق الله هذا هو الربوبية.
يقول: (في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه)، (في الصحيح) أيُّ الصحيحين؟ المؤلف دائمًا يطلق (في الصحيح)، وهو في مسلم هذا الحديث.
(في الصحيح: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» .
كلمة عظيمة هذه: «احْرِصْ»، الحرص معناه: بذل الجهد والاعتناء بالشيء. «عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» في أمور دينك أو أمور دنياك، والإنسان لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ يعني الأعمال اللي يعملها الإنسان: إما نافع، أو ضار، أو لا نافع ولا ضار. أليس كذلك؟
طالب: شيخ، (...)؟
الشيخ: طيب، الضار على كل حال نحذر منه، والنافع مأمور به، وما لا ينفع ولا يضر لا فيه أمر ولا نهي، لكن العاقل يشح بوقته وعمره أن يبذله فيما لا نفع فيه ولا ضرر. ثم هذا الذي ليس فيه نفع ولا ضرر في حد ذاته في الغالب لا بد أن يكون وسيلة، إلى أي شيء؟ إلى ما فيه نفع أو ضرر، وحينئذ يأخذ حكم الغاية؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
فالأفعال التي يفعلها العبد لا تخلو من ثلاث حالات: إما نافع، أو ضار، أو لا نافع ولا ضار. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ».
طيب، وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام علق الحكم على ما ينفع، فما كان أكثر استيعابًا لهذا الوصف فهو أولى؛ يعني ما كان أنفع فهو أولى. فإذا اجتمع عندك أمران أحدهما أنفع من الآخر فبأيهما تأخذ؟ تأخذ بالأنفع.
إذا قال لك قائل: أين الدليل؟ نقول: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ». لو قال: ما قال: احرص على أنفع الأشياء، قلنا: إن الحكم إذا عُلِّق على وصف كانت قوة الحكم بحسب ذلك الوصف، فكلما يقوى فيه النفع كان الحرص عليه أولى وأكثر.
«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ». طيب، حرصت على ما ينفعني، هل أعتمد على نفسي؟ لا، ولهذا قال: «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، وهذا أمر مهم، لا يمكن أن تنال مقصودك إلا بالاستعانة بالله.





