«وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
ووجه الاستدلال أن
النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان مبنيًّا على هذه الأركان الستة، وإذا فات
ركنٌ من الأركان سقط البُنيان، فإذا أنكر الإنسان شيئًا واحدًا من هذه الستة صار
كافرًا، وإذا كان كافرًا فإن الله لا يقبل منه.
الإيمان بالله عز وجل ذكرنا فيما
سبق أنه يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
هذا ما يتضمَّنه الإيمان بالله عزَّ وجلَّ.
فمَن أنكر وجود الله فليس بمؤمن، ومن
أقرَّ بوجوده لكن قال: ليس ربَّ كل شيء، فليس بمؤمن، ومن أقرَّ بوجوده وأنه ربُّ كل
شيء، لكن أنكر كونه الإله الواحد، فإنه لم يؤمِنْ به، ومن أقرَّ بذلك كله وأنكر
أسماءه وصفاته، أو أنكر أن يكون مختصًّا بها، فهو غير مؤمنٍ بالله.
الإيمان
بالملائكة يتضمن أيش؟ الإيمان بأسماء من علِمْنا أسماءهم وبصفاتهم وبأفعالهم.
والملائكة عليهم الصلاة والسلام هم عالم غيبي.
(...) والعلم والكتابة، والمشيئة
باعتبار فعل الله، والخلق باعتبار فعل الله حكمه الكفر. إنكار المشيئة باعتبار فعل
العبد، والخلقِ باعتبار فعل العبد، هذا ليس بكفر ولكنَّه بدعة، سماهم الرسول عليه
الصلاة والسلام الذين ينكرونه مجوسَ هذه الأُمَّة .
لماذا لا يكون كفرًا؟
لأن لهم شبهةً في أن أفعال العباد من مشيئتهم وهم الذين فعلوها، نعم لو بُيِّن له
الحق وأصرَّ فهذا محل ترددٍ؛ هل يكفر أم لا يكفر؟ ولذلك غلاة القدرية كفارٌ عند أهل
السنة؛ الذين ينكرون العلم والكتابة كفارٌ. وأمَّا الذين لا ينكرون ذلك -ينكرون
المشيئة والخلق باعتبار فعل العبد- فإنهم لا يطلقون عليهم الكفر، لكن يطلقون عليهم
اسم البدعة والضلالة.
طالب: شيخ، لا يكفرون بقوله
تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]؟
الشيخ: إي، هم قد يؤولونها بالمشيئة العامة، ما هو
(...) التكذيب، نعم كما قلت لك: لو أقمنا عليهم الحجة وأزلنا عنهم الشبهة وأصروا،
فهذا يكون محلَّ تردد، قد نحكم بكفرهم لعنادهم.
ثم قال -نشوف الآن كلام ابن
عمر-: (وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمرٍ بيده).
الصيغة هنا قسَمٌ، أين جوابه؟ جوابه جملة: (لو كان لأحدهم مثل
أُحدٍ ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر). وابن
عمر رضي الله عنه وعن أبيه ذكر حكمهم بالنسبة لقبول عملهم، ما قال: هم كفارٌ، لكن
حكمهم بأن إنفاقهم في سبيل الله لا يُقْبَل. يستلزم الحكم بماذا؟ بكفرهم، وإنما قال
ابن عمر ذلك جوابًا على ما نقل عنهم من أن أناسًا من أهل البصرة يقولون: إن الله عز
وجل لم يُقَدِّر الأفعال، وأن الأمر أُنُفٌ، وأنه ما يعلم بأفعال العبد حتى يعملها
وتقع منه، فابن عمر حكم بكفرهم المستلزم من قوله: (ما قبله
الله منه حتى يؤمن بالقدر)، والذي لا تُقْبَل منه النفقات من هو؟ الكافر؛
لقوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤].
(ثم استدل) ابن عمر استدل (بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ،
وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ
وَشَرِّهِ»).
وهذا الإيمان يجب أن تؤمن بكل جزء منه، ما هو بالجميع، بكل
جزء؛ تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، القدر خيره وشره، فإن
كفرتَ بواحد من هذه الستة فأنت كافر بالجميع؛ لأن الإيمان كلٌّ لا يتجزأ، كما قال
الله تعالى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١].
الإيمان بالله سبق لنا
أنه يتضمن أمورًا أربعة؟
طالب: الإيمان بوجوده،
والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
الشيخ: نعم، الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، وبألوهيته،
وبأسمائه وصفاته. وسبق الكلام على هذه الأنواع الأربعة وأدلتها من الكتاب
والسنة.
الإيمان بالملائكة يتضمن أمورًا ثلاثة أو أربعة؟
طالب: أربعة.
طالب آخر: الإيمان بمن
علمنا أسماءهم.
الشيخ: بوجودهم، هذا واحد.
الطالب: هذا جديد يا شيخ.
الشيخ:
نعم، هو الإيمان بالملائكة لازم الإيمان بوجودهم.
الطالب: ومن علمنا أسماءهم أيضًا.
الشيخ: وبمن علمنا أسماءهم منهم.
الطالب: وبأفعالهم وصفاتهم.
الشيخ:
وبأفعالهم وصفاتهم. يكون الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أشياء، فممَّن علمنا صفاته
جبريل؛ علمناه خلقته التي خُلِقَ عليها له ست مئة جناح قد سدَّ الأفق، وهذا يدل على
عظمته، وأنه كبير جدًّا، إذا كانت أجنحته ست مئة وهو قد سدَّ الأفق، فمعناه أنه فوق
ما كنا نتصور، ومع ذلك يأتي أحيانًا بصورة بشر؛ أتى مرة بصورة دِحيةَ الكلبي ، وأتى مرة بصورة رجل
شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من
الصحابة، فجلس إلى النبي عليه الصلاة والسلام جلسة المتعلم المتأدب.
الإيمان
بالكتب يتضمن الإيمان بأنها حق من عند الله، وبتصديق أخبارها، وبالتزام أحكامها ما
لم تُنْسَخْ، وعلى هذا فلا يلزمنا أن نلتزم من أحكام الكتب السابقة ما نُسِخَ،
وكلها منسوخة بالقرآن، إلا أشياء معينة قد لا تكون كثيرة، وكذلك لا يلزمنا العمل
بما نُسِخَ في القرآن؛ لأن القرآن فيه أشياء منسوخة.
فنقول إذن: الإيمان بالكتب
يتضمن الإيمان بأنها حقٌّ من عند الله، وتصديق أخبارها، والتزام أحكامها ما لم
تُنْسَخْ.
والتعيين؛ ونؤمن بما علمناه مُعَيَّنًا، مثل: التوراة، والإنجيل،
والقرآن، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
ونؤمن بأن كل رسول أرسله الله فمعه كتاب،
كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ [الحديد: ٢٥]، وقال يحيى: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠]، وقال
عيسى أيضًا كذلك، فكل نبيٍّ فمعه كتاب.
طالب: كل رسول
أو كل نبي؟
الشيخ: كل رسول معه كتاب.
والإيمان
بالرسل نؤمن بأنهم حق صادقون مصدوقون، ونؤمن بما أخبروا به بما صحَّ عنهم من
الأخبار، وبما ثبت عنهم من الأحكام ما لم تُنْسَخ، ونؤمن بأعيان من علمنا أعيانهم،
وما لم نعلم فنؤمن بهم على سبيل الإجمال، ونعلم أنه ما من أمة إلى خلا فيها نذير،
وأن الله سبحانه وتعالى أرسل لكل أمة رسولًا تقوم به الحجة عليهم، كما قال الله
تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].
والبشر إذا لم يأتهم رسول يُبَيِّن لهم فهم معذورون؛ لأنهم يقولون: يا
ربنا ما أرسلت إلينا رسولًا، كما قال الله تعالى: لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: ١٣٤]، فلا بد من رسول يهدي به الله
الخلق.
طالب: شيخ، قوله تعالى: عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [المائدة: ١٩]، قد يأتي رسول
ويُبَين عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِما يدل على أنه
فيه فترة؟
الشيخ: إي، صحيح، يعني الفترة بين عيسى ومحمد
عليه الصلاة والسلام من أطول ما يكون.
الطالب: وهل هنا
قامت الحجة؟
الشيخ: قامت؛ لأن فيها بقايا، مثلما جاء في
الحديث الصحيح في مسلم : «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ عَرَبَهُمْ
وَعَجَمَهُمْ، فَمَقَتَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»، وكما
قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود: ١١٦].
اليوم الآخر، قال شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي
صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. ذكر هذا في العقيدة الواسطية، هذا
الكتاب العجيب، كتاب مختصر لكنه مبارك، من أفيد ما كتب في بابه، رحمه الله.
وعلى
هذا فتنة القبر من الإيمان باليوم الآخر، عذاب القبر ونعيمه من الإيمان باليوم
الآخر، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: النفخ في الصور وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة
عراة غُرلًا بُهمًا، هذا أيضًا من الإيمان باليوم الآخر.
الإيمان بالموازين
وبالصحف وبالصراط وبالحوض وبالشفاعة، كل هذا من الإيمان باليوم الآخر، منه ما هو
معلوم بالتواتر، ومنها ما هو معلوم بالقرآن، ومنها ما هو معلوم بالآحاد من السُّنة،
لكن كل ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر اليوم الآخر فإنه
يجب علينا أن نؤمن به.
ثم قال: «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ
خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» هنا أعاد الفعل، ولم يكتفِ بواو العطف؛ لأن الإيمان
بالقدر مهم، فكأنه مستقل برأسه.
الإيمان بالقدر هو أن تؤمن بتقدير الله عز وجل
للأشياء كلها، سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله عز وجل قدَّرها
وكتبها عندها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
ومعلوم أنه لا كتابة
إلا بعد علم، فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم الله تعالى مكتوبًا؛
لأن الذي كُتِبَ إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في
الدنيا هي معلومة عند الله عز وجل، ولكنها لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة،
إنما الكتابة إلى يوم القيامة.
هذا القدر، قال بعض العلماء: إنه سِرٌّ من أسرار
الله، وهو كذلك، ما أطلع اللهُ عليه أحدًا؛ لا ملَكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا،
إلا ما أوحاه الله عز وجل إلى رسله، وإلا فإنه سر مكتوم ما أحد يعلم به، قال الله
تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: ٣٤].
وإذا قلنا: إنه سرٌّ مكتوم، فإنه -أي هذا القول- يقطع حُجة العاصي
بالقدر، أو يقطع احتجاج العاصي بالقدر؛ لأننا نقول لهذا العاصي الذي عصى الله عز
وجل، وقال: هذا مُقدَّر عليَّ، نقول له: ما الذي أعلمك أنه مُقدَّرٌ عليك حتى
أقدَمْتَ؟ أفلا كان الأجدر بك أن تُقدِّر أن الله تعالى قد كتب لك السعادة وتعمل
بعمل أهل السعادة؛ لأنك لا تستطيع أن تعلم أن الله كتب عليك الشقاء إلا بعد وقوعه
منك؟ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]. فهذا القول تستريح له النفس وتطمئن إليه؛ أن القدر سِرٌّ من أسرار الله
مكتومٌ، ما يُطَّلَع عليه إلا بعد وقوع المقدور.
وقوله: «خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». ما هو الخير والشر؟
الخير ما يلائم
العبد، والشر ما لا يلائمه. ومعلوم أن المقدورات خير وشر؛ فالطاعات خير والمعاصي
شر، والغنى خير والفقر شر، والصحة خير والمرض شر، وهكذا؛ يعني سواء كذلك في الأمور
الشرعية أو في الأمور الكونية.
ولكن هاهنا نقطة يجب أن نعرفها؛ وهي أن الخيرية
والشرية ليست باعتبار قضاء الله سبحانه وتعالى، فقضاء الله تعالى كله خير، حتى ما
يقضيه الله من شَرٍّ هو في الواقع خير، وإنما الشر في المقضي، كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ماذا
قلت؟
الطالب: كل (...) إذا كان خيرًا أو كل شيء من الله
يكون خيرًا، سواء كان أتى للإنسان بالشر أو بالخير.
الشيخ: هل قلت هكذا؟
طالب: في
معناه.
الشيخ: إي، معناه على وجه بعيد! نحن نقول: الخير
والشر ليس باعتبار قضاء الله الذي هو فعله، لكنه باعتبار المقضي، فالمقضي هو الذي
يكون خيرًا وشرًّا، أما قضاء الله نفسه فهو خير.
الدليل قول النبي صلى الله عليه
وسلم: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ
إِلَيْكَ» ،
ما قال: (الشر ليس في يديك) مقابل «الْخَيْرُ
بِيَدَيْكَ»، بل قال: «الشَّرُّ لَيْسَ
إِلَيْكَ»، لا ينسب ولا نسبة إلى الله، فضلًا عن أن يكون بين يديه أو ليس
بين يديه، فالشر لا يُنْسَب إلى الله أبدًا.
فلو قال قائل: الخير بيديك، والشر
بيديك، وكل شيء إليك؟
طالب: ليس هذا هو (...).
الشيخ: صحيح؟ إذا قال: الخير بيديك، والشر بيديك، وكل شيء
إليك.
طالب: (...).
الشيخ:
يكون غلطًا، أما (الخير بيديك) صح، و(كل شيء إليك) صح، و(الشر بيديك) لا؛ لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ،
وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، وعلى هذا فلا يُنْسَب الشر إلى الله عز وجل؛
لا إرادة، ولا قضاءً، الله عز وجل ما يريد الشر.
لكن الشر يكون في ماذا؟ في
المقضي، قد يلائم الإنسان وقد لا يلائمه، وقد يكون طاعة وقد يكون معصية، فهو في
المقضي. ومع ذلك فهو وإن كان شرًّا فإنه شرٌّ في محله، وخيرٌ في محل آخر، أو شر في
محله للإيصال إلى الخير، ما يكون شرًّا محضًا، حتى المقضي على كونه شرًّا ليس شرًّا
محضًا، بل هو شر من وجه، خير من وجه، أو شر في محل، خير في محل آخر.
ولنضرب لذلك
مثلًا: الجدب والفقر، هذا شر ولَّا لا؟
طالب:
نعم.
الشيخ: لكنه خير، خير باعتبار ما ينتج منه، قال
الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواما هو
كله، بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، النتيجة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، والرجوع إلى الله عز
وجل من معصيته إلى طاعته لا شك أنه خير، وينتج خيرًا كثيرًا، فألمُ الفقر وألَمُ
الجدب وألَمُ المرض وألَمُ فقْدِ الأنفس كله ينقلب إلى لذة إذا كان يعقبه الصلاح،
ولهذا قال: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وكم ما أناس طغوا
بكثرة المال وزادوا ونسوا الله عز وجل واشتغلوا بالمال، فإذا أصيبوا بالفقر رجعوا
إلى الله وعرفوا أنهم ضالون. إذن صار هذا الشر خيرًا باعتبار آخر، ولَّا لا؟
قطع
يد السارق لا شك أنه شَرٌّ بالنسبة له؛ تُقْطَع يده معلوم أنها شرٌّ عليه، لكنها
خير بالنسبة له وبالنسبة لغيره؛ أما بالنسبة له فلأن قطعها يُسقط عنه العقوبة في
الآخرة، وعذابُ الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فهو إذن شر له لكنه من جهة أخرى خير.
وهو أيضًا خير في غير محله؛ فإن فيه ردعًا لمن أراد أن يسرق، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وفيه أيضًا حفظ
للأموال؛ لأن السارق إذا عرف أنه إذا سرق ستقطع يده امتنع من السرقة، فصار في ذلك
حفظُ لأموال الناس، ولهذا قال بعض الزنادقة:
| يَدٌ بَخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ | مَــا بَالُهَا قُــطِعَتْ فِي رُبْعِ دِيــنَارِ |
| تَنَاقُضٌ مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ | .......................... |
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ثم يقول:
| ....................... | وَنَسْتَجِــــيرُ بِمَـــــوْلَانَا مِــنَ النَّارِ |
كيف تستجير بالله من النار وأنت تقول: هذا تناقض، حكم الله تناقض؟!
طالب: هو المتناقض.
الشيخ: إي نعم، لكنه أجيب بالرد عليه ردًّا مفحمًا، فقيل فيه:
| قُــــــــلْ لِلْمَـــــعَرِّي عَــــــــارٌ أَيَّمَــا عَـــــــارٍ | جَهْلُ الْفَتَى وَهْوَ مِنْ ثَوْبِ التُّقَى عَارِي |
جاهل ولا عنده تقوى.
ثم ذكر بيتًا آخر نسيته، ثم قال:
| حِمَايَةُ النَّفْسِ أَغْـــلَاهَا وَأَرْخَصُهَا | حِمَايَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي |
وجهه ظاهر حماية النفس أغلاها؛ لأننا لو قلنا: من قطع يد إنسان فعليه ربع دينار، ويش يسون الجناة؟
طالب: يقطعون أيدي الناس.
الشيخ: يمشون على أيدي الناس ويقطعون، ما دام أربعُ أيدٍ بهم دينار واحد، كما يقول العامة: (...).
لكن إذا قيل: فيها خمس مئة دينار، نصف دية، تحتفظ النفوس ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تحفظ النفوس بهذا. فإذا قُطِعَت بربع دينار صار في ذلك حماية لأموال الناس، إذا عرف الإنسان أنه إذا سرق ربع دينار قُطِعَت يده ما يسرق.
فالحاصل أننا نقول: إن قضاء الله الكوني والشرعي لا شرَّ فيه إطلاقًا، وأما المقضي فهو الذي فيه خير وفيه شر، ومع ذلك فإن الشر الذي فيه ليس شرًّا محضًا؛ لأنه قد يكون خيرًا في غير محله، وقد يكون خيرًا باعتبار ما ينتجه، وقد يكون خيرًا في محله أيضًا، خير من وجه، وشر من وجه.
فمثلًا: ظهور الفساد في الأرض في البر والبحر هو شرٌّ، لكن خير باعتبار العاقبة. قطع يد السارق قلت: إنه شرٌّ، وهو خير في محله؛ يعني باعتبار السارق نفسه. كيف يكون خيرًا للسارق؟ كفارة له، وخير في غير محله؛ لما فيه من حفظ أموال الناس وردع الجناة عن السرقة.
فإذا تأملت هذا يا أخي فاعلم أن حكمة الله عز وجل فوق ما تتصوره، وأن الله عز وجل ما يقضي قضاء كونيًّا أو شرعيًّا إلا وهو متضمن للخير، لكن قد يكون الخير محضًا، وقد يكون الخير راجحًا وفيه شر.
طالب: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» ؟
الشيخ: نعم، «أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ»؛ إذ إنه لا ملجأ من الله إلا إليه، إذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له، فأنا «أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» إذا قضيت عليَّ قضاء بسبب أعمالي السيئة؛ فلا ملجأ لي إلا أنت.
الطالب: ومدح المعري (...) بيان ديوانه والثناء عليه، وأنه حر التفكير، أدباء يعني.. بعض الأدباء حتى ألفت رسالة.
الشيخ: إي، على كل حال أنت تعرف الأدباء، الأدباء عندهم من الجهل بأحكام الشرع شيء كثير، فلا عبرة بمدحهم.
الطالب: يُنْكَرُ عليه هذا؟
الشيخ: ما فيه شك، يقال: أنتم إذا مدحتموه بهذا، فلماذا لم تنظروا إلى أحواله الأخرى؟
طالب: (...) المقضي إلى من ينسب؟
الشيخ: المقضي يُنْسَب إن كان من العبد فهو يُنْسَب إلى العبد؛ مثل المعصية تُنْسَب إلى العبد، وإذا كان من الله عز وجل فإنه يُنْسَب إلى الله عز وجل، لكن يقال: إن تقديره لهذا الشيء خير.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن قول ابن عمر: لو أنفق مالًا في سبيل الله ما قبله الله، قلنا: يستلزم أنه يعني كأنه (...) هذا الاستلزام ما هو..؟
الشيخ: كيف ذلك؟ بينا وجهه؟
الطالب: يقول عن المؤمن: ينفق في سبيل الله وليس بكافر ولا يقبله الله إذا أشرك به؟
الشيخ: لا، هذا إذا أشرك به في نفس العمل، لكن هؤلاء ما لهم دخل في العمل، فأولئك كفروا بالقدر وأنفقوا في سبيل الله، ولو كان المفسد هنا مقارنًا لعملهم -يعني يتعلق بنفس العبادة- صح أن يقال: إن العبادة لا تُقْبَل مع كون الإنسان مؤمنًا، كما لو صار الإنسان محدثًا مثلًا فإنها لا تُقْبَل منه، ومع ذلك فإنه لا يكفر بهذا على القول الراجح؛ هذا لأن المفسد مقارن للعمل متعلق به، أما هذه مسألة القدر ما لها دخل في الإنفاق.
الطالب: يعني قوله: في سبيل الله، تحدد ذلك؟
الشيخ: نعم، ثم أنفقه في سبيل الله، فهذا يوضحه آية التوبة: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ [التوبة: ٥٤].
ثم قال المؤلف: (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك ).
أفادنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه ينبغي للأب أن يسدي النصائح لأبنائه ولأهله، وأن يختار العبارات الرقيقة التي تليِّن القلب؛ حيث قال: (يا بني)، وفي هذا التعبير من اللطافة وجذب القلب ما هو ظاهر.
وقوله: (لن تجد طعم الإيمان)، هذا يفيد أن للإيمان طعمًا كما جاءت به السنة ، وطعم الإيمان مُرٌّ ولَّا حلو؟
طالب: حلو.
الشيخ: نعم، حلو. وطعم الإيمان ليس كطعم الأشياء المحسوسة، طعم الأشياء المحسوسة إذا أتى بعدها طعم آخر أزالها، لكن طعم الإيمان يبقى مدة طويلة، حتى إن الإنسان أحيانًا يفعل عِبادةً في صفاء قلب وحضور قلب وخشوع لله عز وجل، تجده يتطعم بتلك العبادة مدة طويلة، فالإيمان له حلاوة وله طعم لا يدركه إلا من أسبغ الله عليه نعمته بهذه الحلاوة وهذا الطعم.
وقوله: (حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك). قد تقول: ما أصابني لم يكن ليخطئني، هذا تحصيل حاصل؛ لأن الذي أصاب الإنسان أصابه، فلا بد أن نعرف معنى هذه العبارة، فتُحْمَلُ هذه العبارة على أحد معنيين أو عليهما جميعًا؛ إما أن المعني (ما أصابك) أي: ما قدر الله أن يصيبك، فعُبِّر عن التقدير بالإصابة؛ لأن ما قُدِّر سوف يقع ويصيب، فما قدَّر الله أن يصيبك لم يكن ليخطئك مهما عملتَ في الأسباب.
الاحتمال الثاني: (ما أصابك) فلا تفكر أن يكون مخطئًا لك؛ يعني لا تقُلْ: لو أني فعلت كذا ما حصل كذا؛ لأن الذي أصابك الآن ما يمكن أن يخطئك، فكل التقديرات التي تُقدِّرها وتقول: لو أني فعلت ما حصل كذا، هي تقديرات يائسة، لا تؤثر شيئًا.
وأيًّا كان فالمعني صحيح على الوجهين؛ فما قدَّر الله أن يصيب العبد فلا بد أن يصيبه ولا يخطئه، وما وقع مصيبًا للإنسان فإنه لن يمنعه شيء (...) شيء.
إذا آمنت هذا الإيمان ذُقْتَ طعم الإيمان؛ لأنك تطمئن وتعلم أن الأمر لا بد أن يقع على ما وقع عليه، ولا يمكن أن يتغير أبدًا.
مثال ذلك: رجل خرج بأولاده إلى النزهة، فدبَّ بعض الأولاد إلى بركة عميقة فسقط، فغرق فمات. قال: أنا لو ما طلعت بها اليوم كان أحسن، كان ما يموت الولد. نقول: هذا ما يمكن، لا بد أن تجري الأمور على ما جرت عليه، ما يمكن تتغير، ما أصابك لم يكن ليخطئك، حينئذٍ يطمئن الإنسان ويرضى ويعرف أن لا مفر، وأن كل التقديرات والتخييلات التي تقع في ذهنه كلها من الشيطان، لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، وحينئذٍ يرضى ويسلم.
وقد أشار الله إلى هذا المعني في قوله لما قال: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢، ٢٣]. فأنت إذا علمت هذا العلم وتيقنته بقلبك ذقتَ حلاوة الإيمان واطمأننت واستقر قلبك، وعرفت أن الأمر جارٍ على ما هو عليه، لا يمكن يتغير.
ولهذا دائمًا -بإذن الله- يجد الإنسان الأمور سارت ليصل إلى هذه المصيبة، فتجده يعمل أعمالًا ما كان عادة يعملها، ويفعل أفعالًا ما كان عادة يفعلها، حتى يصل إلى ما أراد الله عز وجل، مما يدل على أن الأمور بقضاء الله وقدره، وحينئذٍ تطمئن.
وكذلك: «مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ»، نقول فيه مثل الأول؛ يعني: ما قُدِّر أن يخطئك فلن يصيبك، فلو أن أحدًا سمع بموسم في بلد ما؛ موسم تجارة، وسافر بأمواله لهذا الموسم، فلما وصل وجد أن الموسم قد فات. نقول له: ما أخطأك من هذا الربح الذي كنت تعُدُّ له لم يكن ليصيبك مهما كان ومهما عملت؛ يعني: ما قُدِّر أن يخطئك فلا يمكن أن يصيبك، أو نقول: ما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ لأن الأمر لا بد أن يجري على ما قضاه الله وقدره. وأنت جرِّب نفسك تجد أنك إذا حصلت على هذا اليقين ذقت حلاوة الإيمان.
ثم استدل لما يقول بقوله: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ»).
طلبة: «الْقَلَمَ».
الشيخ: أنا عندي بالرفع، وهي مروية بالوجهين: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ»، على رواية الرفع يكون (القلمُ) خبر (إن)، ويكون أول ما خلق الله القلمُ، لكن ليس من كل المخلوقات كما سنبين إن شاء الله تعالى.
وأما على رواية النصب، فـ«إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟». عندكم (فقال) ولَّا (قال له)؟
طلبة: (فقال).
الشيخ: «فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ» يكون خبر (إن) محذوفًا، أو «قَالَ لَهُ: اكْتُبْ» وتكون الفاء زائدة، ويكون المعنى: أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له؛ يعني: خلقه ثم أمره أن يكتب، وعلى هذا المعنى لا إشكال فيه.
لكن على المعنى الأول -اللي هو الرفع- يشكل: هل إن أول المخلوقات كلها هو القلم؟
الجواب: لا؛ لأننا لو قلنا: إن القلم أول المخلوقات وأنه أمر بالكتابة عندما خلق، لكنا الآن نعلم ابتداء خلق الله للأشياء، وأن أول ما صار الله يخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ونحن نعلم أن الله عز وجل خلق أشياء عظيمة وكثيرة قبل هذه المدة بأزمنة لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال خالقًا، وعلى هذا فيكون: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» يحتاج إلى تأويل؛ ليطابق ما علم بالضرورة من أن الله تعالى له مخلوقات عظيمة قبل هذا الزمن.
قال أهل العلم: وتأويله أن المعنى «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» مما نشاهده من المخلوقات، وهي السماوات والأرض، فهي أولية نسبية؛ أي: بالنسبة لخلق السماوات والأرض، ولهذا قال ابن القيم في النونية:
| وَالنَّاسُ مُخْتَــلِفُــونَ فِي الْقَــــلَمِ الَّــذِي | كُـــتِــــبَ الْقَــضَـــاءُ بِهِ مِـــــنْ الــدَّيَّانِ |
| هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْ هُوَ بَعْدَهُ | قَـــــوْلَانِ عِنْدَ أَبِي الْعَــــلَا الْهَــــــمْدَانِي |
| وَالْحَــــــــــقُّ أَنَّ الْـعَــــــــرْشَ قَبْـــــــلُ لِأَنَّــهُ | قَبْــــــــــلَ الْكِــــــتَابَةِ كَــــانَ ذَا أَرْكَـــــانِ |
ثم قال: «فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ».
القائل من؟ الله عز وجل يخاطب القلم، والقلم جماد، لكن كل جماد أمام الله فهو مدرِك وعاقل ومريد، والدليل على هذا قوله سبحانه وتعالى في سورة فصلت: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [فصلت: ٩ - ١١]؛ يعني لا بد أن تنقاد لأمر الله طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، فكان الجواب: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. إذن خُوطِبَت السماوات والأرض وأجابت ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أجابت، ودَلَّ قوله: طَائِعِينَعلى أن لها إرادة وأنها تطيع. إذن فكل شيء أمام الله عز وجل فهو مدرِك ومريد، ويجيب ويمتثل.
«قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: يَا رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟».
في هذا دليل على أن الأمر المجمل لا حرج على الإنسان في طلب استبانته، أو لا حرج على المأمور في طلب استبانته.
وعلى هذا فإننا نقول لبعض الآباء الغشم إذا قال لولده: روح -مثلًا- قال: طيب، وين أروح؟ بعض الآباء الغشم (...) يقول: أقولك: روح، وتقول: وين أروح؟ امتثل، امش، حتى وجهه. نقول: لا مانع إذا كان الأمر مجملًا، فإن طلب استبانته معصية ولَّا غير معصية؟ غير معصية، هذا القلم لا شك أنه ممتثل لأمر الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك قال: «رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، الله أكبر! فكتب المقادير ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هذا القلم يعلم الغيب؟
طلبة: أمره.
الشيخ: لكنه أمره، ولا بد أن يمتثل لأمر الله، فكتب هذا القلم الذي يُعْتَبَرُ جمادًا بالنسبة لمفهومنا، كتب كل شيء أمره الله أن يكتبه؛ لأن الله إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون على حسب مراد الله.
فلهذا «قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، (كل) من صيغ العموم، فتعم كل شيء مما يتعلق بفعل الله أو بفعل المخلوقين.
وقوله: «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». ما هي الساعة؟ القيامة، وأُطْلِقَ عليها لفظ الساعة؛ لأن كل شيء عظيم من الدواهي له يقال له: الساعة، يعني: الساعة المعهودة التي تُذْهِلُ الناس وتحيق بهم وتغشاهم حتى تقوم الساعة، وذلك عند النفخ في الصور.
ثم قال لابنه: (يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي»).
«مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا»، المشار إليه أن الله كتب مقادير كل شيء، «فَلَيْسَ مِنِّي» هذه براءة من الرسول عليه الصلاة والسلام منه؛ لأنه كافر، والرسول صلى الله عليه وسلم بريء من كل كافر.
يستفاد من هذا الحديث: ملاطفة الأبناء بالموعظة، من قوله: (يا بني).
ويستفاد منه أيضًا: أنه ينبغي أن يلقَّن الأبناء من الصغر، أن يلقنوا الأحكام بأدلتها؛ لأنه ما قال له: إن الله كتب مقادير كل شيء، وما أشبه ذلك من عنده، ولكنه أسنده إلى من؟ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. فمثلًا إذا أردت أن تقول لابنك: سَمِّ الله على الأكل، واحمد الله إذا فرغت، صحيح يمكن أن تقول: سَمِّ الله إذا أكلت، واحمد الله إذا فرغت، يعني يحصل به المقصود.
لكن إذا قلت: سَمِّ الله على الأكل، واحمد الله إذا فرغت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» ، إذا فعلت ذلك استفدت فائدتين:
الأول: أن تعوِّد ابنك على اتباع الأدلة.
والثاني: أن تربيه على محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإمام المتبَع الذي يجب الأخذ بتوجيهاته صلى الله عليه وسلم.
وهذه في الحقيقة أنا أقول: إننا غافلون عنها، أكثر الناس اللي يعتبر طيبًا منهم أن يوجهه إلى الأحكام فقط، لكن ما يربط هذا التوجيه بالمصدر الذي هو الكتاب والسنة.
يقول: («مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». وفي رواية لأحمد : «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ»).
طالب: «لَهُ اكْتُبْ».
الشيخ: «فَقَالَ لَهُ» «لَهُ»؟
طالب: «فَقَالَ: لَا أَكْتُبُ».
الشيخ: لا، ما هو قاله. ويش اللي عندكم في الشرح؟ «فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ»؟
طالب: «فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ».
الشيخ: أنا عندي (لا) بين «قَالَ» و«اكْتُبْ».
طالب: «فَقَالَ لَهُ».
الشيخ: «لَهُ» زيادة عندكم بالشرح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي.
طالب: فيه «لَهُ: اكْتُبْ» في المتن.
الشيخ: نعم، «فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ» (...) الجميع، أو نقول: (ما) الحالة اسم استفهام مفعول مقدم لـ«أَكْتُبُ»، و«أَكْتُبُ» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة. أما إذا لم تُلْغَ، فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(الذي) خبره؛ يعني: ما الذي أكتب؟ والعائد على الموصول محذوف، والتقدير: ما الذي أكتبه؟
طالب: (...) في رواية لأحمد (...).
الشيخ: «أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» عندي بالرفع، «فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
نقول فيه ما قلنا فيما سبق، ولكنه يفيد أمرًا زائدًا على ما سبق، وهو قوله: «فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ»، فإنه صريح في أن القلم امتثل. والحديث الأول يقول: «اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، وليس فيه أنه كتب، ولكننا نحن نعلم أنه سيكتب، إلا أن هذا فيه التصريح بأنه كتب: «فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
فيستفاد منه ما سبق من كتابة الله سبحانه وتعالى كل شيء إلى قيام الساعة، وهذا موجود في القرآن الكريم: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا؛ أي: من قبل أن نبرأ الخليقة إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢].
وقوله: «إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» هو يوم البعث، وسُمي يوم القيامة لقيام أمور ثلاثة فيه:
الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٥، ٦].
وثانيًا: قيام الأشهاد الذين يشهدون للرسل وعلى الأمم؛ لقوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
والثالث: قيام العدل؛ لقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. فلذلك سُمِّي يوم القيامة.
(وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اللَّهُ بِالنَّارِ» ).
من لم يؤمن به أحرقه الله بالنار، في هذا دليل على أن الإيمان بالقدر واجب ولا يتم الإيمان إلا به، وأن من لم يؤمن به فإنه يُحَرَّق بالنار.
وقوله: «أَحْرَقَهُ اللَّهُ بِالنَّارِ» بعد «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ» يدل على أن من أنكر أو شكَّ فإنه يُحْرَق بالنار؛ لأن لدينا ثلاثة مقامات:
المقام الأول: الإيمان والجزم بالقدر بمراتبه الأربع.
والمقام الثاني: إنكار ذلك.
وهذان واضحان. كيف واضحان؟ لأن الأول إيمان، والثاني كفر.
والمقام الثالث: الشك والتردد. فهل يُلْحَق بالإيمان أو يُلْحَق بالكفر؟ يُلْحَق بالكفر، ولهذا قال: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ»، ودخل في هذا النفي من أنكر ومن شكَّ.
وفي قوله: «أَحْرَقَهُ اللَّهُ بِالنَّارِ» دليل على أن عذاب النار مُحْرِق، وأن أهلها ليسوا -كما زعم بعض أهل البدع- يتكيفون لها حتى لا يحسون بألمٍ، بل هم يحسون بالألم -والعياذ بالله- وتحرق أجسامهم. وقد ثبت في حديث الشفاعة أن الله يخرج من النار من كان من المؤمنين حتى صاروا حممًا ؛ يعني فحمًا أسود، وهذا يدل على أن النار تحرق، وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال: ٥٠]، وفي قوله: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
(وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من نفسي)..
طالب: (...).
طلبة: (فقلت له).
الشيخ: (فقلت) ما عندي (له)، ما يخالف، ما يضر.
طالب: (في قلبي).
الشيخ: (في قلبي) بدل (في نفسي)؟
طالب: إي نعم.
طالب آخر: (في قلبي) بدل (في نفسي).
الشيخ: (فقلت له: في نفسي شيء من القدر).
طالب: (في قلبي).
طالب آخر: (فحدثني).
الشيخ: (فقلت له: من قلبي)، ويش بعد؟
طالب: (في نفسي).
طالب آخر: (فحدثني).
الشيخ: (من قلبي في نفسي)؟
طالب: (فحدثني).
طلبة: لا، الأخير يا شيخ (لعل الله يذهبه).
الشيخ: طيب، أنا أعيدها عليكم، وواحد منكم إذا كان مخالفًا لي يعيد: (فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي)، هذا هو؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، غلط.
قوله: (في نفسي شيء من القدر)، لم يُفْصِح عن هذا الشيء، لكن لعله لما حدثت بدعة القدر، وهي من أول البدع حدوثًا، لما حدثت صار الناس يتشككون فيها ويتكلمون فيها، وإلا فإن الناس قبل حدوث هذه البدعة كانوا على الحق، ولا سيما أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات يوم وهم يتكلمون في القدر، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك وأمرهم بألا يتنازعوا وألا يختلفوا، فكفَّ الناس عن هذا ، حتى قامت بدعة القدرية وحصل ما حصل من الشبه.
فهذا يقول ابن الديلمي: (في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبى). يذهب القدر ولَّا يذهب هذا الشيء؟ يذهب هذا الشيء. وهكذا يجب على الإنسان إذا أصيب بمرض أن يَذهب إلى أطباء ذلك المرض، وأطباء مرض القلوب من؟ هم العلماء، ولا سيما مثل الصحابة رضي الله عنهم، كأبي بن كعب، فلكل داء طبيب.
يقول: (فقال: لَوْ أَنْفَقْتَ) شوف الدواء الناجع، (لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ)، وهذا يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر؛ لأن الذي لا تُقْبَل منه النفقات هم الكفار.
(حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ)، وسبق الكلام على هذه الجملة.
(وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ). (مُتَّ) ولَّا (مِتَّ)؟
طالب: (مِتَّ).
الشيخ: بالضم؛ لأنها من (مات يموت)، وفيه لغة أخرى: (ولو مِت) بالكسر، كما في قوله تعالى: {وَلَئِنْ مِتِّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: ١٥٨] في إحدي القراءتين، وهي على هذه القراءة من (مات يميت) بالياء.
(وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ). لماذا جزم أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار؟ لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها، نسأل الله العافية.
هذا الدواء هل يفيد؟ نعم يفيد، كل مؤمن بالله إذا علم بأن منتهى من لم يؤمن بالقدر هو هذا فلا بد أن يرتدع، ولا بد أن يؤمن بالقدر على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال: (فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه ).
قوله: (حدثني بمثل ذلك)، المشار إليه أيش؟ الإيمان بالقدر، وأن يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكل هؤلاء العلماء الأجلاء كلهم من أهل القرآن، فأبي بن كعب من أهل القرآن ومن كتبة القرآن، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام دعاه ذات يوم وقرأ عليه سورة: لَمْ يَكُنِ [البينة: ١]، وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَهَا عَلَيْكَ»، فقال: يا رسول الله، سماني الله لك؟ قال: «نَعَمْ»، فبكى رضي الله عنه . بكى فرحًا ولَّا خوفًا؟ بكى فرحًا أن الله عز وجل سماه باسمه لنبيه، وأمر نبيه أن يقرأ عليه هذه السورة.
وأما عبد الله بن مسعود، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» .
وأما زيد بن ثابت فهو أحد كتَّاب القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
طالب: حذيفة؟
الشيخ: زيد بن ثابت.
الطالب: أقول: حذيفة (...)؟
الشيخ: إي نعم، وحذيفة بن اليمان أيضًا مشهور حاله، وهو أنه صاحب السر الذي أسرَّ إليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأسماء المنافقين .
كلهم من الصحابة الأجلاء، وحدثوه بمثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحاصل أن هذا الباب يدل على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر بمراتبه الأربع.
ويرد على هذا أسئلة؛ أولًا: الإيمان بالقدر هل هو من باب الإيمان بالربوبية أو بالألوهية أو بالأسماء والصفات؟
طالب: بالربوبية.
الشيخ: نعم، تعلقه بالربوبية أكثر من تعلقه بالألوهية والأسماء والصفات، ثم تعلقه بالأسماء والصفات أكثر من تعلقه بالألوهية، وتعلقه بالألوهية أيضًا ظاهر؛ لأن الألوهية بالنسبة لله يُسَمَّى توحيد الألوهية، وبالنسبة للعبد يُسَمَّى توحيد العبادة، والعبادة فعل العبد فلها تعلق بالقدر، فالإيمان بالقدر إذن له مساس بأقسام التوحيد الثلاثة.
ثانيًا: هل اختلف الناس في القدر؟
والجواب: نعم، اختلفوا فيه على ثلاث فرق؛ فرقتان متطرفتان، وفرقة وسط. الفرقتان المتطرفتان هما: الجبرية والقدرية؛ فأما الجبرية فغلوا في إثبات القدر، وقالوا: إن الله عز وجل خالق كل شيء، وأن كل شيء بمشيئته، وأن الله تعالى كتب كل شيء، وبناء على ذلك فإن الإنسان مُجْبَر على عمله.
ولذلك في الجبرية ثلاث جيمات كلها مذمومة، أصحاب الجيمات الثلاثة، ما هي؟ الجبرية، والجهمية، والمرجئة، وإرجاؤهم متطرف لأنهم يقولون: إن الإيمان هو التصديق، وأن الناس في الإيمان شيء واحد، فأفسق الناس وأعدل الناس في الإيمان شيء واحد.
ما نريد البحث في هذا، قصدي أن الجبرية هم الجهمية من وجه؛ يعني هم طائفة واحدة: جهمية، وجبرية، ومرجئة، يقولون: إن الإنسان مُجْبَرٌ على عمله، وأنه يتحرك بلا إرادة، وأن سقوطه من السطح كنزوله منه باختياره.
ولا شك أن هذا القول باطل، يدل عليه الكتاب والسنة والواقع والحكمة، لو كان الأمر كما قالوا لكان مدح الطائع وذم العاصي عبثًا؛ لأنه كلهم يفعلون بغير اختيار، ولكانت عقوبة العاصي ظلمًا، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يقول: أنا ما عصيت باختياري، هذا شيء مُجْبَرٌ عليه، كيف تعاقبني؟!
ولهذا يقولون -الجبرية، شوف بناء على أصلهم الفاسد- يقولون: إنه لا ظلم وإن عُوقِبَ العاصي على معصيته؛ لأن الظلم عندهم هو أن يتصرف المتصرف أو الفاعل في غير ملكه، والكل ملك لله عز وجل، ولهذا قالوا: إن الظلم بالنسبة لله عز وجل محال لذاته. ويش معنى محال لذاته؟ يعني لا يُتَصَوَّر وُقوع ظلمٍ من الله عز وجل؛ لأنه محال لذاته.
وعلى رأيهم: هل لتَمدُّحِ الله عز وجل بنفي الظلم عن نفسه، هل له وجه؟ إذا كان محالًا لذاته كيف هو يمدح نفسه بأنه لا يظلم؟! لأن من لا يظلم إذا كان الظلم محالًا لذاته عنده فإنه لا يُمْدَح عليه، إنما يمدح على نفي الظلم من كان قادرًا عليه ولم يفعل لكمال عدله، ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» ، ولم يقل: إني لا أقدر على الظلم، مثلًا. ففرق بين أن نقول: إن الظلم ممكن في حق الله لكنه محال من جهة كمال عدله، فهو محال لغيره. أما هم يقولون: إن الله إذا عذَّب هذا المطيع أو هذا العاصي، حتى لو عذَّب المطيع عندهم فليس بظلم، ليش؟ لأنه في ملكه، والظلم عندهم أن يتصرف الفاعل في غير ملكه، فلذلك طردوا هذه القاعدة وقالوا: لا مانع من أن يكون العاصي مُجْبَرًا على معصيته ثم يُعَذَّب ويعاقب.
والطرف الثاني المتطرف: القدرية، والقدرية أقرب إلى العقل من أولئك الجبرية، القدرية قالوا: نحن نفعل باختيارنا، وكل إنسان يعرف الفرق بين ما يفعله باختياره وبين ما يفعله بإكراه وبغير اختيار. إذا كنت تنزل من السلم في الدرجة وأنت غافل تحدث من يمشي معك، ثم نزلت رجلك بدون اختيار من الدرجة، هل هذا مثل ما لو نزلتها باختيارك وأنت تشاهد الدَّرجة؟ لا، كلٌّ يعرف الفرق. فيقولون: نحن نفعل باختيارنا ولا شك، ومن ثَمَّ نرى أننا مستقلون بفعلنا عن الله، وأننا نفعل بإرادة مستقلة وبفعل مستقلٍّ، ولا تعلق لله سبحانه وتعالى بفعلنا إطلاقًا.
وغُلاتُهم يقولون: إن أفعالنا غير مكتوبة وغير معلومة لله، حتى الله عز وجل ما يعلم ما نفعل إلا إذا فعلنا، فيعلمه علم جزاء فقطْ، أما أنه يعلمه علم تقدير سابق فلا.
وهذا أيضًا تنقُّصٌ في حق الله عز وجل، وهو مخالف للعقل من جهة أن المخلوق لا يتصرف إلا بمشيئة خالقه وخلقه.
فالصواب إذن القول الوسط في هذا، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، يقولون: نحن نؤمن بأن الله تعالى عالم بكل شيء، وقد كتب مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، ونعلم أنه لن يحدث في ملكه إلا ما يشاء، ونعلم أن كل شيء في السماوات والأرض وكل حركة وسكون فإنها بمشيئة الله وخلقه، نؤمن بذلك، ومع هذا لا ننفي عن العبد ما هو معلوم بالضرورة من كونه ذا إرادة وقدرة، ولَّا لا؟ ولذلك لو انتفت الإرادة عن العبد هل يؤاخذه الله بعمله؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ما يُؤَاخذ بعمله، لو أُكْرِهَ على فعل شيء فلا حكم لفعله، لو أُكْرِهَ على قول شيء لا حكم لقوله؛ لأنه ليس له إرادة، بل لو أن الإنسان غضب غضبًا شديدًا حتى لا يدري هل هو في السماء أو في الأرض، وجعل يسب الدين ويسب الرسول ويسب الله، ويطلق زوجته ويأخذ أوانيه، ويضرب بها الأرض يكسرها، له حكم ولَّا لا؟
طالب: ليس له حكم.
الشيخ: ما له حكم. ليش؟ لأن ما عنده إرادة، فإذا سُلِبَت الإرادة من العبد انتفت الأحكام المترتبة على قوله أو فعله.
وكذلك لو أنه فعل شيئًا بغير اختياره، مثلًا، مثلنا لكم في كتاب القصاص: واحد مسك إنسانًا، رجل كبير الجسم أمسك إنسانًا صغير الجسم وضرب به شخصًا آخر، مسكه هكذا مثل العصا وضرب به الآخر، ومات الثاني، مَن الذي يضمن؟
طالب: الجاني.
طلبة: (...).
الشيخ: اللي أمسك الرجل وضرب به الثاني؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن إذا قال الذي أمسكه وضرب به الثاني، قال: أنا ما باشرت القتل، اللي باشره هذا الإنسان، شوف!
طالب: الاختيار.
الشيخ: نقول: هذا ما له حركة الآن ولا اختيار، والله أعلم (...).
طالب: (...) مع أن الله تعالى قدر عليها؟
الشيخ: نوجهها بأن..، يعني أقرب ما يزيل عنك الشبهة أن تقول لنفسك -مثلًا- عندما تقدم على أي عمل من الأعمال: هل أنت حين إقدامك عليه تعلم أن الله قدَّره لك؟
الطالب: بالطبع لا أعرف.
الشيخ: ما تعرف، فمثلًا الآن أمامك خير وشر، من الناس مثلًا من يسلك الخير ومنهم من يسلك الشر؛ فالذين سلكوا الخير ما علموا أن الله قدره لهم إلا بعد أن وقع منهم، وكذلك الذين فعلوا الشر ما علموا أن الله قدره عليهم إلا بعد أن وقع منهم.
فنقول لك الآن: أنت الآن واقف حيادي، لماذا لا تقدر لنفسك أن الله قدَّر لك الخير ثم تفعل الخير؟ والنقطة هي هذه، النقطة في الحقيقة هي هل للعاصي حُجة على ربه أم لا؟ كل المدار على هذا، وإلا فالأمر واضح، من جهة الخلق أن الله خلق هذا الشيء وقدره، هذا ما فيه إشكال كبير، لكن الإشكال الكبير هو أنه كيف يُعَذَّب الإنسان على أمر مكتوب عليه؟ فنحن نقول: إن هذا المكتوب عليك ما عندك علم به أنت حتى تعمله، والصحابة لما حدثهم الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمِنَ النَّارِ»، قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: «لَا، اعْمَلُوا» . فأرشدهم إلى العمل، فأنت اعمل الخير وقدِّر أن الله كتبه لك.
طالب: نكمِّل الحديث.
الشيخ: نعم، «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ؛ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥ - ١٠]. فالإنسان إذا اتقى الله عز وجل يسره الله، وإذا كان الأمر بالعكس فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، ونحن الآن نرى أعمالنا الدنيوية، دعونا من أعمال العبادة، الأعمال الدنيوية الآن ما الذي يختار الإنسان لنفسه؟
طالب: الأصلح.
الشيخ: ما يراه أصلح، يُخَيَّر الآن بين كليات، تجده يختار كلية أصول الدين، وهذا يختار كلية الشريعة، وهذا يختار كلية الجغرافيا، وهذا يختار كلية اللغة، باختيار؛ لأنه يعلم أن هذا هو الأصلح له. فلماذا لا نختار هنا العمل الصالح؟! يُخَيَّر بين أن يسافر إلى بلد لأن الربح فيها أكثر، أو بلد آخر والربح فيها أقل، وين يروح؟
طالب: للأكثر.
الشيخ: للأكثر.
طالب: مدى صحة قول بعضهم، يقول: إن القلم لا سابق لا سائق؟
الشيخ: والله هذه أول مرة أسمع هذه العبارة.
الطالب: أنا سمعت من بعضهم.
الشيخ: المشهور عند كثير من الناس هل الإنسان مسير أو مخير، هذه اللي يلهجون بها، وأما أنه القلم سائق أو سابق.
الطالب: لا، يقولون: إن القلم سابق لا سائق.
الشيخ: لا، هذا خطأ، وكل الأعمال تجري على ما كتب الله عز وجل، لكنه كما قال بعض العلماء وهو كلام جيد: إن القدر سِرٌّ من أسرار الله، ما أطلع الله عليه أحدًا، ونحن لا نعلم به إلا بعد أن يقع منا الفعل، إذا وقع منا الفعل علمنا به.
فعلينا إذن أن نفعل كما أرشد إليه الرسول: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، وفي لفظ: «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» فقط، بدون: «لِمَا خُلِقَ لَهُ».
طالب: اختلف الرواة (...) علم كتابة مولانا، اختلف الرواة عنه.
الشيخ: عندنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فيه من يشهد.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فيه المسجلات.
الطالب: (...).
الشيخ: ويش قال؟
طالب: أنا سمعته
| عَلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا................ | ............................ |
(...)
طالب: بتوفيق الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لا، هو إقدامه من فعله، لكن هذا الإقدام مكتوب عليه من قبل، إي نعم.
طالب: يا شيخ، (...) منكم من يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها...
الشيخ: حديث ابن مسعود: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ، هذا يفسره الحديث الثاني: «لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» ، حتى يكون قرب موته وهو على هذا العمل، ثم بعد ذلك -والعياذ بالله- يغلب عليه الكتاب.
طالب: شيخ، بالنسبة (...)، ما يستفاد منها يعني فائدة وهي الاجتهاد في العبادة والاجتهاد إلى الطريق الصحيح؟
الشيخ: بلى.
الطالب: كما أنه لو وضع طلبة في الفصل وقال لهم المدرس: أنا لا بد، يعني (...) قرار، أنا لا بد أني أرسب ثلاثة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هو ممكن أن الطلبة كلهم (...)، فكله راح يجتهد حتى ينجح.
الشيخ: حتى لا يرسب.
الطالب: حتى لا يرسب نعم، أما يكون من هذا فائدة؟
الشيخ: بلى، ما فيه شك. هو لو أن الإنسان علم ماذا كتب له، لو علم ما عمل، ولكنه لا يعلم، هو سِرٌّ، هذا السر هو السر في الواقع (...).
طالب: (الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة. الإخبار بأن أحدًا..) (...).
الشيخ: هنا (بيان فرض الإيمان بالقدر)، من أين تؤخذ؟
طالب: (بيان كيفية الإيمان بالقدر).
الشيخ: (كيفية الإيمان بالقدر)؟
الطالب: (...).
طالب آخر: (الثانية).
الشيخ: (الثانية) هي (بيان كيفية الإيمان)، (الأولى: بيان فرضية القدر).
دليله قوله: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ..» إلى آخره.
(كيفية الإيمان بالقدر) هو أن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
لم يتكلم المؤلف عن مراتب القدر؛ لأنه لم يذكرها، لكننا نحن ذكرناها وأنها أربع مراتب جُمعت اختصارًا في بيت واحد، وهو قوله:
| عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ | وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَــادٌ وَتَكْــوِينُ |
يقول: (الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به). مِن أين تُؤْخَذ؟
طالب: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قَبِلَه الله منك حتى تؤمن بالقدر.
الشيخ: حتى تؤمن؟
الطالب: بالقدر.
الشيخ: بالقدر، نعم. ويتفرع منه ما ذكرناه سابقًا بأنه يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر؛ لأنه هو الذي لا يُقْبَلُ منه العمل.
(الرابعة: الإخبار أن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به). كلمة (أحد) يقولون: إنها لا تُذْكَر إلا في النفي، ما تُذْكَر في الإثبات، فلا يقال: إن أحدًا قام، أو: قام أحدٌ، ولكن يقال: لم يقُم أحدٌ، قال الله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤].
وهنا المؤلف وغيره من أهل العلم يستعملونها في الإثبات، لكن لما كان الخبر منفيًّا صارت كأنها مستعملة في النفي، فهنا يقول: (أن أحدًا لا يجد)، تقدير الكلام: أنه لا يجد أحدٌ، فيكون المعنى على النفي ولَّا على الإثبات؟ المعنى على النفي.
يقول: (أن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به). بماذا؟ بالقدر، وهو كذلك، وقد سبق لنا أن الإيمان بالقدر يوجب طمأنينة الإنسان؛ لأنه يعلم.
أن من فوائد الإيمان بالقدر.. (...).
لأنه -الإيمان بالقدر- يجعل الإنسان يطمئن لما قضاه الله عز وجل ويستريح؛ لأنه علم أن هذا أمرٌ لا بد أن يقع على حسب المقدور، لا يتخلف أبدًا، لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ لأن
(لو) تفتح عمل الشيطان ولا ترفع شيئًا وقع، مهما قلت: (لو) لا يمكن أن يرتفع شيء وقع أبدًا.
(الخامسة: ذكر أول ما خلق الله)، وظاهر كلام المؤلف: الميل إلى أن القلم أول ما خُلِقَ، أول مخلوقات الله.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن القلم ليس أول مخلوقات الله؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ»، وفي لفظ: «ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ» ، وهذا واضح في الترتيب، ولهذا كان الصواب بلا شك أن القلم بعد خلق العرش.
وسبق لنا تخريج الروايتين، وأنه على الرواية التي ظاهرها أن القلم أول ما خُلِقَ تحمل على أيش؟ على أنه أول هذا العالم المشاهَد، فهو قبل خلق السماوات والأرض، فتكون أوليته نسبية.
طالب: يا شيخ، قد يقول قائل: وُجِد الدليل على صرف هذه اللفظة عن ظاهرها، وهي رواية الرفع؛ لأن الله لا يزال خالقًا، لكن تعيين هذا التأويل، يعني أن أول ما نشاهده في هذا العالم يحتاج إلى دليل؛ لأنه أمر غيبي، فما الدليل؟
الشيخ: الدليل لأنه لا يمكن أن نقول: إنه قبل كل شيء، مع أنه ثبت أن خلق العرش قبله، هذا هو الذي أوجب لنا أن نؤوله.
(السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة)، لقوله: «فَجَرى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
فيه أيضًا من الفوائد أو من المسائل: توجيه خطاب الله عز وجل إلى الجماد، وأنه يعقل أمر الله، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الله وجَّه الخطاب إلى القلم ففهم واستجاب، لكنه سأل بالأول قال: «مَاذَا أَكْتُبُ؟».
(السابعة: براءته صلى الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به)، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». وهذه البراءة مطلقة أو مقيدة؟ مطلقة، لماذا؟ لأن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر كفرًا مخرِجًا عن الملة، وعلى هذا فتكون البراءة مطلقة.
قال: (الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال أهل العلم)، أو (بسؤال العلماء) عندكم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، (عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء)، كيف ذلك؟
طالب: (...) ابن الديلمي.
الشيخ: نعم، ابن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، بعد أن أتى أبي بن كعب. فدل هذا على أن من عادة السلف السؤال عما يشتبه عليهم.
وفيه أيضًا مسألة ثانية: جواز سؤال أكثرَ من عالِم للتثبت؛ لأن ابن الديلمي سأل عدة علماء، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أما سؤال أكثر من عالم لتتبع الرخص، فهذا لا يجوز، كما نص على ذلك أهل العلم؛ لأن بعض الناس يستفتي عالمًا إذا ما أجاز له قال: أروح أدور الثاني أقول: يجد لي رخصة، هذا من شأن اليهود؛ اليهود لما كان في التوراة أن الزاني يُرْجَم إذا كان محصنًا ولما كثر الزنى في أشرافهم غيَّروا هذا الحد، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وزنى منهم رجل بامرأة قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل لعلكم تجدون عنده شيئًا آخر ، لأجل تتبع الرخص.
(التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته؛ وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط)، كيف؟ لأنه قال: (كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم). وهذا يزيل الشبهة، إذا نُسِبَ الأمر إلى الله ورسوله زالت الشبهة تمامًا، لكن عمن؟ عن المؤمن، أما غير المؤمن فلا تنفعه؛ لأن الله عز وجل يقول: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧]. لكن المؤمن هو الذي تزول شبهته بما نُسِبَ إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، ولهذا لما قالت عائشة لعَمرةَ: كان يصيبنا ذلك -تعني الحيض- فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة . ما ذهبت تعلل، ولكن لا حرج على الإنسان أن يذكر الحكم بعلته لمن لا يؤمن لعله يومن.
ولهذا يذكر الله عز وجل إحياء الموتى ويذكر الأدلة العقلية الحسية على ذلك؛ فقال في أدلة العقل: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، هذه دلالة أيش؟ عقلية، العقل يؤمن إيمانًا كاملًا بأن من قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة من باب أولى. وذكر أدلة حسية: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى، هذا دليل حسي، تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت: ٣٩].
فإذن لا مانع أن نأتي بالأدلة العقلية أو الحسية من أجل أيش؟ أن نقنع الخصم.
فيه دليل رابع، وهو دليل فطرة، لا مانع أيضًا من أن نأتي به للاستدلال على أيش؟ للاستدلال على ما نقول من الحق؛ لنلزم الخصم به، وما زال العلماء يسلكون هذا المسلك، وقد مَرَّ علينا قصة أبي المعالي الجويني مع الهمداني؛ حيث إن أبا المعالي الجويني -غفر الله لنا وله- كان يقرر نفي علو الله على عرشه أو نفي استواء الله على عرشه، فقال له الهمداني: دعنا من هذا الأمر، دعنا من ذكر العرش، فما تقول في هذه الضرورة: ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. هذا عقلي؟ لا. سمعي؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا. أيش؟
طالب: حسي.
الشيخ: حسيٌّ لا، فطري. فجعل الجويني يضرب على رأسه ويقول: حيرني الهمداني! ما يقدر يُجِيب.
فإذن الأدلة سمعية وعقلية وفطرية وحسية. أربعة أنواع، وأشدها إقناعًا للمؤمنين هو السمعي؛ لأنه يقف ويعلم أن كل ما خالف دلالة السمعي فهو باطل، وإن ظنه صاحبه حقًّا.
إذن هذه المسائل التي ذكرها المؤلف، وزدنا عليها كم مسألة؟ ثلاثًا ولَّا ثنتين؟
طالب: ثنتان.
الشيخ: مسألتان.
***
ثم قال المؤلف: (باب ما جاء في المصورين)..
طالب: يا شيخ، فيه إشكال في حديث عبادة «مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ» قلنا في حديث مسلم : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»، مما يدل على خلق القلم قبل السماوات والأرض، الحديث هذا يدل على خلق القلم قبل السماوات والأرض؟
الشيخ: إي، ما فيه إشكال، الكلام على خلق القلم قبل العرش هو اللي فيه الخلاف، أما قبل خلق السماوات والأرض معروف بخمسين ألف سنة.
الطالب: يا شيخ، قد يقال: إن الله خلق القلم قبل العرش ثم أمر بالكتابة بعد الخلق؟
الشيخ: قلت لك: الدليل على هذا أن الله تعالى كتب، والقلم قيل له: «اكْتُبْ» من يوم خلق الله القلم.
طالب: والماء أليس مخلوقًا (...)؟
الشيخ: نعم، ما فيه شك. وأيضًا ما نستطيع أن نجزم بأن الماء والعرش والهواء هو أول المخلوقات، يمكن لله مخلوقات أخرى قبل هذا.
الطالب: (...) أمامنا.
الشيخ: إي.
الطالب: الماء والعرش؟
الشيخ: نعم، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: ٧].
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: (...) أول ما خلق الله القلم.
الشيخ: نعم، بلى فيه.
الطالب: ما يدل عليه؟
الشيخ: لكن ذكرنا فيه، يمكن ما حضرت شرحنا فيه..





