كتاب التوحيد - 49
عدد الزيارات 2819

(باب ما جاء في المصورين)
أوَّلًا: هذا الباب لنسأل: في أيِّ أقسام التوحيد يتصل؟ يعني: ما صلته بالتوحيد؟ أيتَّصل بتوحيد الألوهية، أو بتوحيد الربوبية، أو بتوحيد الأسماء والصفات، أو بالجميع؟
طالب: بالجميع.
الشيخ: أو باثنين منها، أو بواحد؟
طالب: بالألوهية.
الشيخ: طيب، هذا واحد.
طالب: بالربوبية.
الشيخ: هذا اثنان.
طالب: بالجميع يا شيخ.
الشيخ: يعني: الأسماء والصفات والألوهية والربوبية؟
الطالب: نعم.
الشيخ: زين، ما يخالف.
اشرح لي كيف يتعلق بالربوبية.
طالب: بالألوهية.
الشيخ: بالألوهية، نعم.
الطالب: أنه إذا (...).
الشيخ: طيب، توحيد الربوبية؟
طالب: أن الله سبحانه وتعالى (...) خلق الله.
الشيخ: نعم؛ لمضاهاة خلق الله، تمام. في الأسماء والصفات؟
طالب: يُسَمُّون كما سمت قريش العزى.
الشيخ: لا، هذا صور.
طالب: لأن من صفات الله أنه الخالق؛ يعني: وأنه يصور خلقه، فمن فعل يعني هذا الشيء (...).
الشيخ: والحكمة والإتقان؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، على كل حال هو أشد ما يلتصق توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ ولهذا ذكره المؤلف في هذا الكتاب.
و(المصورين) جمع مصور، والمصور: اسم فاعل من صَوَّر، إذا جعل الشيء على صورة معينة، فهناك فعل وتغيير وتبديل حتى يكون الشيء على صورة معينة. افرض أنك تريد أن تكتب، وتحب أن تكون كتابتك ككتابة مَنْ؟ مَنْ أحسنُ الناس خطًّا؟
طلبة: (...).
الشيخ: من هو؟
لنفرض أنه مثلًا واحد أحسنكم خطًّا، لو أن أحدًا أراد أن يُصوِّر على خطِّه، أوَّلَ مرَّة ما يكون يوافق مطابقًا، وثاني مرة، وثالث مرة، تجده مثلًا يحاول أن يجعل هذا الشيء على هذه الصورة المعينة.
إذن التصوير تفعيل من (صَوَّر) إذا جعل الشيء على صورة معينة، فلا بد من فعل يجعل هذا الأمر على هذا الشكل حتى يكون مُحَقِّقًا للتصوير.
المصورون لهم أغراض في تصويرهم: تارة يُصوِّرون أشياء؛ لتُعبَد من دون الله، وتارة يصورون أشياء؛ ليَظْهَر حِذْقُهم وإتقانُهم للصنعة، وأنهم جهابذة حُذَّاق، وتارة يصورون الأشياء لمجرد العبث، يعبثون. فهذه ثلاث إرادات في الغالب، وقد يكون هناك إرادات أخرى.
أما من صوَّر للعبادة فلا شك أنه فعل جُرمًا عظيمًا، وأنه مُعينٌ على الكفر وعلى الإثم والعدوان، والوسائل لها أحكام المقاصد، ومَن صَوَّر شيئًا ليُعبد من دون الله فقد رضي بأن يَعبُد مَن سوى الله كعبادة الله؛ ولذلك جعل تمثالًا ليُعبَد، ومن رضي بالكفر واستباحه فهو كافر؛ ولهذا هذه المسألة خطيرة جدًّا: الذي يصور صُوَرًا لتُعبَد من دون الله، مثلما يوجد الآن أناس يُصوِّرون صورَ بوذا لأجل أن يُعبَد، يجيء إنسان لواحد طماع يحب الفلوس جدًّا وهو مجيد للصنعة – سواء كان خَشَّابًا أو حدَّادًا – يقول له مثلًا: أريد أن تصنع صورة الرب بوذا، فيصنعه له، حرام ولّا حلال؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام.
كذلك يجي أناس يطلبون من شخص أن يصنع صورة مريم وابنها عيسى ليعبدوها، نقول: هذا أيضًا حرام، بل قد نقول: إن هذا كفرٌ يُخرِج عن الملة؛ لأن من رضي بالكفر واستحلَّه للناس -ولو لطائفة معينة- فإنه كافر؛ يعني لو قال: أنا أبيح للنصارى أن يتَّخذوا إلهين اثنين، أو أن يتخذوا آلهة ثلاثة، أرى أن هذا جائز؛ لأن هذه عقيدتهم. ماذا نقول له؟
نقول: هذا كفر؛ لأن مَن أجاز الكفر -ولو لطائفة من الناس- فهو كافر؛ لأن الله لا يرضى الكفر لأحد من الناس كائنًا من كان. هذا قسم.
القسم الثاني: من يريد أن يضاهي خلق الله، بأن يقول: أنا أستطيع أن أصور صورة على شكل الصورة التي خلق الله. وهذا ملعون، ومن أشد الناس عذابًا؛ لأنه جعل لنفسِه مكانًا يسامي مكان الربوبية، وادعى أنه في الإبداع كالله عز وجل، وهذا على خطر عظيم لكنه أهون من الأول؛ وذلك لأنه هو بنفسه يعتقد أنه ليس في منزلة كمنزلة الله عز وجل في الإبداع، وغاية ما هنالك أن يكون مشابهًا أو متشبِّهًا بخلق الله عز وجل.
القسم الثالث: من يريد العبث فقط، يعني: جالس ما له شغل، وعنده أفكار، وعنده هموم وقال: بدل من أنا كده أهوجس، تستولي عليَّ الوساوس، أصنع صورة، سواء كانت تمثالًا أو كانت مرسومة باليد. هذا ويش غرضه؟
عبث، وإزالة الهموم والغموم عن نفسه؛ لأن الإنسان إذا تحرَّك وعمل زال عنه الهم؛ إذ إن النفس تنشغل بما بين يديه فينسى ما سبق. فهل يلحق بالأول أو بالثاني، أو هو في مرتبة دون الأول والثاني؟
نقول: هو في مرتبة دون الأول والثاني، لكن لا شك أنه مُضاهٍ لخلقِ الله؛ لأنه لا يشترط في المشابهة القصد؛ ولهذا لو تشبَّه أحد باليهود أو بالنصارى في لباسه أو هيئته أو ما أشبه ذلك، قلنا له: هذا حرام، فإذا قال: ما قصدت المشابهة؟ قلنا: إذا حصلت المشابهة فقد تحققت، سواء أردت أم لم ترد، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأنه إذا تحققت المشابهة فلا حاجة إلى إرادتها.
فهذه ثلاثة أقسام أو ثلاث إرادات فيمن، أيش؟ فيمن يصورون.
قد يكون هناك إرادات أخرى مثلما يفعل بعض المدرسين: يصور لأجل تمرين الطلبة أو كما يقولون: لأجل إيضاح. وهذا أيضًا حرام، هذا مُحَرَّم، ولا يجوز، وداخل في الحديث (...).
(عن أبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» ).
ما مُنتهى السند في هذا الحديث؟
منتهى السند هو الله عز وجل، وإذا كان منتهى السند إلى الله سُمِّيَ حديثًا قدسيًّا؛ لقداسته وفضله على الأحاديث النبوية.
وإذا كان منتهى السند رسول الله صلى الله عليه وسلم سُمِّيَ مرفوعًا؛ لارتفاع رتبته على ما نُسِبَ إلى غيره من المخلوقين.
وإذا كان منسوبًا إلى الصحابي سُمي موقوفًا؛ لوقفه عليه.
وإذا كان إلى التابعي فمَنْ بعدَه سُمِّي مقطوعًا.
فعندنا أربعة أشياء: مقطوع، وموقوف، ومرفوع، وقدسي. أعلاها القدسي، ثم المرفوع، ثم الموقوف، ثم المقطوع. فمثلًا إذا نُسِبَ الحديث إلى مجاهد، ماذا يُسمَّى؟
طلبة: مقطوع.
الشيخ: مقطوعًا؛ لأنه تابعي. وإذا نُسِبَ إلى ابن مسعودٍ فهو مرفوعٌ؟
طالب: موقوف.
الشيخ: موقوف؟
طالب: نعم.
الشيخ: وإذا نُسِبَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع؛ وهو إما حكمي وإما حقيقي.
وإذا نُسِبَ إلى الله عز وجل سُمِّي قُدْسيًّا لقداسته.
والبحث في الحديث القدسي هل هو من كلام الله عزَّ وجل لفظًا ومعنًى، أو هو من كلام الله معنًى لا لفظًا؟
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير أقرب؛ لأنه لا يُتَعَبَّد بلفظه، بمعنى أنك لا تتعبد بتلاوته، فلو كان من كلام الله لفظًا لكان يمكن أن تقرأَ به في الصلاة كما تقرأ بالقرآن، ولكان أيضًا معجزًا كما يعجز كلام الله عز وجل، ولو كان من كلام الله لفظًا لكان أعلى سندًا من القرآن؛ لأن سند القرآن بين الرسول وبين ربه جبريلُ، وهذا يرويه الرسول عن الله مباشرة كما يظهر من لفظه، وهذا لا يمكن أن يكون هذا الحديث القدسي أعلى سندًا من القرآن.
وقال بعض أهل العلم: إننا نقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَالَ اللَّهُ»، ولا نبحث هل اللفظ لفظ الله عز وجل، أو هل اللفظ كلام الله عز وجل أم لا؟ وليس لنا أن نبحث في هذا، بل نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن القرآن لا شك أنه أعلى من الأحاديث القدسية بالاتفاق؛ لأنه يتعلق بأحكام لا تتعلق بالأحكام التي للأحاديث القدسية، أو لا تكون مساوية لها؛ فالقرآن مثلًا لا يَمَسُّه إلا طاهر، وهذا؟ لو ألَّف الإنسان أحاديث قدسية، كلها أحاديث قدسية، يجوز للطاهر وغير الطاهر أن يمسه.
القرآن لا يقرؤه الجنب، وهذا يقرؤه الجنب. القرآن لو أنكر الإنسانُ منه حرفًا واحدًا مما أجمع القراء عليه لكان كافرًا، بخلاف هذا.
القرآن لا يصحُّ بيعُه على رأي كثير من أهل العلم، بخلاف هذا. والمهم أن هناك فروقًا بين الأحاديث القدسية والقرآن الكريم.
«قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي».
«مَنْ» اسم استفهام، والمراد به النفي، أي: لا أحد أظلم. وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام كان أبلغ من النفي المجرد أو من النفي المحض؛ لأنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام صار مُشْرَبًا معنى التَّحدي، كأن النافي يتحداك، يقول: جيب لي أحدًا أشد من كذا أو أعلم من كذا، أو أفهم من كذا. فبهذا نعرف أن الاستفهام الذي بمعنى النفي أبلغ في النفي من النفي المحض المجرد؛ لأنه يكون مُشْرَبًا بالتحدي والتعجيز، يعني متضمنًا له.
وقوله: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ»، إذا قلنا: إن معناه لا أحد أظلم، فإنه يبقى فيه إشكال؛ لأن مثل هذه الصيغة تكثُر في القرآن وفي السنة؛ قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٤٤]، وأمثلة هذا كثيرة. فكيف نقول: لا أحد أظلم، مع أنه في آية أخرى أو في نصٍّ آخر لا أحد أظلم، ألا يكون في ذلك تناقض؟
والجواب: لا؛ لأن المعنى أن هذه تشترك في الأظلمية، بمعنى أنها تكون في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم. هذا وجه.
والوجه الثاني: أن الأظلمية نسبية، بمعنى لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل، لا في كل شيء، فمثلًا: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ [الأنعام: ١٤٤] يعني: من أظلم من المفترين على غيره ممن افترى على الله كذبًا، لا في كل شيء.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]، أي: لا أحد أظلم ممن منع الناس عن مواضع العبادة من الذي منعهم عن مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه.
وعلى هذا التخريج لا يكون في ذلك إشكال، فتكون الأظلمية أيش؟ نسبية، أي: بالنسبة إلى هذا النوع من العمل.
من أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله، على الوجه الثاني أنها نسبة، كيف نقول؟ يعني: من أظلم ممن يُشابِه أحدًا في صنع شيء ممن ذهب يخلق كخلق الله، ولكن هذا قد يقول قائل: إن هذا في الواقع ليس فيه فائدة؛ لأن كونك تشابه فلانًا في صنعه فيه ظلم؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لا.
الشيخ: هو الأصل ما فيه ظلم، لكن ربما يكون فيه ظلم فيما إذا كان من حقه أن ينفرد بهذا العمل، ثم جئت تزاحمه في عمله، فقد يكون في ذلك شيء من الظلم.
وقوله سبحانه وتعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ»، إعراب «يَخْلُقُ»؟ محلها من الإعراب أيش؟
طالب: فعل مضارع (...).
الشيخ: هي فعل مضارع، لكن ما محلها من الإعراب؟
الطالب: حال.
الشيخ: حال من؟
الطالب: من الفاعل.
الشيخ: من فاعل «ذَهَبَ»، يعني: «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ» خالقًا، أي في الخلق «كَخَلْقِي».
وقوله: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» الخَلْقُ في اللغة في الأصل: التقدير، كما قال الشاعر:

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

(تفري) أي: تفعل، و(ما خلقت) أي: ما قَدَّرْتَ.
ويُطلق الخَلق على الفعل بعد التَّقدير، وهذا هو الغالب؛ يعني: الخلق الناشئ عن تقدير وتأمل ونظر، وهذا تأمُّلٌ ونظر بالنسبة للإنسان لا بالنسبة لله، هو الخلق. فعلى هذا نقول: الخَلْق هنا بمعنى الصُّنع بعد النظر والتأمل من هذا المُصَوِّر.
وقوله: «مِمَّنْ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» فيه إثبات أن غيرَ الله قد يكون خالقًا، مع أننا نعرف أن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير، كما مرَّ علينا -فيما سبق أظن- إفرادُ الله تعالى بالخلق والملك والتدبير. هذا توحيد الربوبية، ما مر عليكم هذا سابقًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: بالخلق والملك والتدبير. إذن معناه ما مر عليكم هذا؟
طالب: لا، مرَّ.
الشيخ: مر؟
الطالب: نعم.
طالب: بهذه الصيغة؟
الشيخ: لا، أظنه مَرَّ في أول كتاب التوحيد.
نعم، بالخلق والملك والتدبير، وذكرنا الأدلة على ذلك من الكتاب، وأوردنا إشكالًا بأن غيرَ الله يخلُق، وأن غير الله يملك، وأن غير الله يدبِّر. وأجبنا عن ذلك بأن غير الله لا يخلقُ خلقَ إيجاد وتكوين، وإنما يخلق خلق تغييرٍ وتحويل، بمعنى: أن هذا الذي سميناه خالقًا لم يخلق مادةَ الشيء، وإنما غيّرها إلى صفة معينة. مثال ذلك: صانع البابِ يُسَمَّى خالقًا له، لكن هل هو حقيقة هو الذي خلقه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الخشب الذي خلقه اللهُ، لكن هذا الرجل حوَّل الخشب مِن صورتِه الأولى إلى تكوينه بابًا، فليس هذا بخَلْقٍ في الحقيقة؛ لأن الخلق: الإيجاد والتكوين، وهذا ليس بخالق. هذا وجه.
كذلك ذكرنا المُلك: أن الله سبحانه وتعالى منفردٌ بالملك، والأدلة واضحة عندكم. وذكرْنا أن الله أثبت المُلكَ لغيرِه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ [النور: ٣٣]، كيف يكون هذا؟
وذكرنا أن مُلكَ الإنسان بما يملكه قاصر بنوعه وشموله؛ أما بشمولِه فأنا لا أملِك إلا ما هو مُلكي فقط، إذا كنت أملِك هذا الكتاب – كتاب التوحيد – فلست أملِك المسجل الذي لك، وإذا كنت تملِك المسجل فلا تملك الكتاب الذي عندي. فليس مُلك الإنسان شاملًا.
كذلك في نوعه، فإن مُلكَ الإنسان ليس مُلكًا مطلقًا يتصرف الإنسان فيه كما شاء، بل تصرفه في ملكه حسب ما تقتضيه الشريعة، لو أراد أن يحرِق ملكه قلنا: ما يمكن، لو أراد أن يستعين بملكه على ما تهواه نفسه مع مخالفته للشرع قلنا: لا يمكن، ففرق بين هذا وهذا.
وأما التدبير فظاهر أيضًا: أننا وإن كنا نملِك شيئًا من التدبير، لكنه تدبير محدود؛ فبهذا نعرف أن الخلق ينفرِد به الخالق، وكذلك الملك والتدبير.
وقوله: «مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»، واضح في أن هذا المصور أراد أن يتشبه بالله في الخلق والإبداع، ذهب يخلق كخلق الله، فهو يريد أن يُظهِر نفسَه بمظهر القادر على مشابهة الله سبحانه وتعالى في خلقه؛ ولهذا يخلق كخلق الله.
قال الله سبحانه وتعالى: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقْوا شَعِيرَةً» .
اللام في قوله: «فَلْيَخْلُقُوا» لام الأمر، والمراد به التَّحدِّي والتعجيز، وهذا من باب التحدي في الأمور الكونية، وقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤] من باب التحدي في الأمور الشرعية، في الوحي، فهذا من باب التحدي.
«فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» الذرة هي واحدة الذَّرِّ، وهي النَّمل الصغار، هذا هو المعروف في لغة القرآن؛ لأن ذلك هو ما يقصد بهذا اللفظ في اللغة العربية التي هي لغة القرآن، وأما من حاول أن يفسر الذَّرَّة بما يُعرَف الآن فهذا قد أبعد النَّجعة وأخطأ وحمَّل كلام الله على غير مراد الله؛ لأننا نعلم أن الله إنما أراد باللفظ الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم أراد بهذا اللفظ ما يدل عليه بلغة القوم الذي نزل بلغتهم، وهم العرب. وهل العرب تعرف الذَّرَّة التي تتكون منها القنبلة الذرية؟ ما تعرفها أبدًا، فلا يجوز أن يُحْمَل كلام الله على هذا المعنى؛ لأن الله خاطبنا بلغة العرب.
الذَّرَّة من أصغر المخلوقات، ويضرب بها المثل في القلة، وانظر إلى قول الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، هذا ضربُ مَثَلٍ في القِلِّة، ولو أن الإنسان عمل أقل من الذرة يراه ولّا لا؟ يراه، مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف: ٤٩]. وإنما ذكر الله عز وجل الذَّرَّة لأن فيها روحًا، وهي من أصغر الحيوانات ذات الروح.
«أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً» (أو) هذه للتنويع، وليست للشكِّ من الراوي ولا للتخيير، ولكنها للتنويع، يعني: انتقل من التحدي بخلق الحيوان ذي الروح إلى التَّحَدِّي بخلق الحبة التي هي أصل الشجرة مثلًا أو الزرع.
ثم انتقل: «أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»، هل المراد الشَّعيرةُ شجرة الشعير ويكون الأول ذكر فيه التحدي بأصل هذه الشجرة اللي هي الحبة.
الحبَّةُ إذا وُضِعَت في الأرض خرج ساق الشعير، أو أنَّ المراد بالشعيرة الحبة من الشعير، ويكون هذا من باب التَّنَزُّل من العموم إلى الخصوص، العموم الحبة، تشمل أيَّ حبة تكون؛ شعيرة، برة، ذرة، أيَّ حبة تكون. أو تكون شكًّا من الراوي؟
الله أعلم، وأيًّا كان فإن الله تعالى تحدَّى هؤلاء بأن يخلقوا شيئًا من الحيوانات؛ حيث ذكر أصغر الحيوانات، أو يخلقوا شيئًا من غير الحيوانات من الجمادات، وذكر الحبة التي قد تكون أصغر من الذَّرَّةِ.
المعنى: أن هؤلاء الذين أرادوا أن يضاهوا بخلقِ الله، ويصنعوا خلقًا كخلق الله، إن كانوا صادقين فليخلقوا ذَرَّة، يستطيعون ولّا لا؟
طالب: لا يستطيعون.
الشيخ: ما يستطيعون، استمع: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَه [الحج: ٧٣]، يجب علينا أن نستمع؛ لأن اللي وَجَّهَنا لهذا الخطاب مَن؟ هو ربُّنا عز وجل، ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، مع أن هؤلاء المدعوين عند هؤلاء الداعين مُعَظَّمون، ويَرَوْن أنهم يملوكون من النفع والضر ما استوجب أن يدعوهم من دون الله، هؤلاء لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، أي: اجْتَمَعُوالخلقه، وهيأوا كل ما عندهم؛ ولهذا ما قال: لو اجتمعوا عليه، لأنه ما هم يريدون أن يحاربوا الذباب، لكن يريدون أن يصنعوا أو يخلقوا ذبابًا فيعُدُّون له العدة، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، زد على ذلك: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج: ٧٣] قال العلماء: لو أنَّ الذباب وقع على هذه الأصنام والأوثان فامتصَّ شيئًا من طيبها الذي يجعلونه عليها، ما استطاعوا أن يستنقِذوه من الذباب، فيكون الذباب غالبًا لهم ولّا لا؟ غالبًا لهم، يأخذ منهم من هذه المعبودات، ولا تستطيع أن تستنقذ حقَّها من الذباب. ومعبودٌ لا يستطيع أن يستنقذ حقه من الذباب هل يستحق العبادة؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ما يستحق العبادة، لكن العقول - والعياذ بالله- سفيهة.
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]، يعني: الذباب، والمسلوب منه، ولّا الطَّالِبُالعابد والمعبود؟ كلاهما، بكلٍّ قال بعض العلماء، والصواب أنه يشمل الجميع.
المهم أنه لا أحد يستطيع أن يخلُق مثل خلق الله، ولا أحد يستطيع أن يُغَيِّر شيئًا مِن خلق الله سبحانه وتعالى أبدًا، لو أراد الإنسان أن يُحَوِّل الإنسان إلى قرد يستطيع؟ ما يستطيع. فإن قلت: إنهم الآن صنعوا إنسانًا آليًّا، نقول: إذا استطاعوا فلينفخوا فيه الروح، يستطيعون ولّا لا؟ ما يستطيعون، أرواحهم إذا خرجت ما يستطيعون يردونها، فكيف يوجدون الأرواح لهذا؟
فالحاصل: أن الله عز وجل تحدى الخلق إلى يوم القيامة أن يخلقوا ذرة أو يخلقوا حبة.
فإن قلت: عندنا الرز أمريكي مصنوع، إذا رآه الإنسان ظنه حقيقيًّا، فهؤلاء الأمريكان خلقوا رزًّا. وأيش نقول؟ نقول: اغرس الرز هذا، اغرسه في الأرض، وأيش ينبت؟ عظامه ولّا أيش؟
طالب: ما ينبت.
الشيخ: ما ينبت شيئًا، لكن الرز الذي خلقه الله طبيعيًّا ينبت ولّا لا؟ ينبت، وهذا والله أعلم هو السِّرُّ في قوله: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً».
قال: «وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»؛ لأن الحبة هي التي إذا غُرِسَت في الأرض فلقها الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [الأنعام: ٩٥]، لكن رزهم هذا لو يجيبون أكياس الدنيا كلها، ويجعلون فيها أفضل السماد، وأطيب المياه لسَقْيِ الحرث، ما نبتت، فهي كالصور، كالدمى التي تُصْنَع من الأحجار والأخشاب وما أشبهها، وليست هي حبة الشعير ولا الحبة التي تحدى الله بها الخلق.
يستفاد من هذا الحديث، وهو ما ساقه المؤلف من أجله: تحريم التصوير؛ لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله.
والتصوير له أحوال:
الحال الأولى: أن يُصَوِّر الإنسان ما له ظل - كما يقولون - أي: ما له جسم على هيكل إنسان، أو بعير، أو أسد، أو ما أشبهها. هذا واحد، وهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، وأنه حرام. فإن قلت: إذا صوَّره الإنسان لا لمضاهاة خلق الله، ولكن صوَّره عبثًا، يعني: صنع من الطين، أو من الجص، أو من الخشب، أو من الأحجار، شيئًا على صورة حيوان، ما قصده أن يضاهي بخلق الله، قصده عبث، أو لصبيه الذي قام يصيح، نعم، بيصنع له شيئًا من هذا ليهدئه به، هل يدخل في الحديث؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يدخل في الحديث؛ لأنه خلَق كخلقِ الله، ولأنَّ المضاهاة لا يشترط فيها القصد، وهذا هو سر المسألة، المضاهاة لا يشترط فيها القصد، متي حصلت ثبت حكمها؛ ولهذا لو أن الإنسان لبس لباسًا يختص بالكفار، ثم قال: أنا ما أردت التشبه، ماذا نقول له؟ نقول: التشبه حاصل، أردته أم لم ترده. ولو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسه، أو في شعره، أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا: حصل التشبه، فالمضاهاة لا يشترط فيها القصد.
طيب، إذن هذا النوع من الصور حرام، سواء قصد بذلك مضاهاة خلق الله أو لم يقصد.
طيب، إذا قال قائل: أفلا تقولون: إن الذي يحرم من هذا النوع ما صوِّر لتذكار قوم صالحين، أو لعبادتهم كما هو أصل الشرك في قوم نوح، فما الجواب؟
طالب: (...).
الشيخ: نقول: الحديث عام، ما ذكر فيه هذا القصد، لكن إذا انضاف هذا القصد إلى التصوير صار أشد إثمًا وعقوبةً.
القسم الثاني: أن يصوِّر صورة ليس لها ظل، صورةً بالتلوين والتخطيط، مثل أن يرسم بيده صورة، فهل يجوز ذلك أو لا؟
نقول: الحديث عام، والمصور بيده المُشَكِّل للصورة على وجه معين، هذا لا شك أنه ذهب يخلق كخلق الله. ويدل على أن هذا داخل في الحكم حديثُ النُّمرُقة حين أقبل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته، فلما أراد أن يدخل رأى نُمرُقة فيها تصاوير، فوقف وتأثر، وعُرِفَت الكراهية في وجهه، فقالت عائشة: ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ؛ يُقَالُ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ، وهذا واضح في أن الصور بالتلوين كالصور بالتجسيم.
وعلى هذا فقوله في صحيح البخاري: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» ، إن صحَّت الرواية هذه؛ الاستثناء، فالمراد بالرقم ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها.
القسم الثالث: أن يلتقط الصورة التقاطًا بدون فعل منه، وبدون أي عمل، وإنما يسلط عليها أشعة معينة فتنطبع هذه الصورة في ورقة معينة بدون أن يحدث منه أي تعديل أو تحسين. وهذه محل خلاف بين العلماء المعاصرين؛ لأنها ما خرجت إلا حديثًا فاختلفوا فيها، فمنهم من قال: إنها صورة، وإذا كانت صورة فإن حركة هذا الفاعل تعتبر تصويرًا؛ يعني لأنه أحدث صورة، هو لمَّا حرك الآلة وتسلطت الأشعة هذه على هذا الجسم فالتقطته، فإن هذا هو التصوير؛ لأنه حرك الآلة، ولولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة، فيكون داخلًا في العموم. ونحن متفقون على أن هذه صورة، لكن الخلاف هل هو تصوير أو غير تصوير؟ فهم يقولون: إن هذه الحركة تُعتَبرُ تصويرًا، وأنها داخلة في التحريم، بل هي داخلة في كونها من أظلم الظلم، وداخلة في اللعن أيضًا كما سيأتي.
ومنهم من قال: إنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة، وإنما التقطها بالآلة، والتصوير والتخطيط من صنع الله سبحانه وتعالى، وليس من صنعي أنا.
وقالوا: إن أقربَ مَثَلٍ يُقَرِّب ذلك: أنك لو كتبت كتابًا، وأدخلته في آلة التصوير، ثم خرج من هذه الآلة، فإن رسم الحروف من محرك الآلة ولّا من الكاتب الأول؟ من الكاتب الأول، بدليل أن هذه الآلة قد يُشَغِّلُها شخصٌ أمِّيٌّ ما يعرف يكتب إطلاقًا، ولا يعرف يحدد، وهذا أقرب؛ لأن هذا المصور لا يُعتَبر مبدعًا ومخططًا. ولكن يبقى عندنا نظر آخر: هل يحلُّ هذا الفعل أو لا يحلُّ؟
إذا كان لغرض محرم صار حرامًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وإذا كان لغرض مباح صار مباحًا. وعلى هذا فلو أن شخصًا صور إنسانًا لما يسمونه بالذكرى، سواء كانت هذه الذكرى للتمتع بالنظر إليه، أو التلذذ به، أو من أجل الحنان والشوق إليه، فإن ذلك مُحَرَّم ولا يجوز؛ لما فيه من اقتناء الصور، لأنه ما شك أن هذه صورة، ما أحد ينكر أن هذه صورة. وإذا كان لغرض مباح كما يوجد في التابعية، والرخصة، والجواز، وما أشبه، فهذا يكون مباحًا.
فإذا ذهب الإنسان الذي يحتاج إلى رخصة إلى هذا المصور الذي تَخْرُج منه الصورة فورية بدون أي عمل، لا تحميض، ولا غيره، وقال: صورني، فصوره، فإن هذا المصور لا نقول: إنه داخل في الحديث.
فأما إذا قال: صورني لغرض آخر غير مباح، صار من باب الإعانة على الإثم والعدوان.
الرابع: أن يكون التصوير لما لا روح فيه.
وهذا على نوعين، فإن كان مما يصنعه الآدمي فلا بأس به بالاتفاق؛ لأنه إذا جاز الأصل جازت الصورة.
مثل: أن يصور الإنسان سيارة، واحد شاف له سيارة (...) وجهه جميل، وكذلك الكشافات، أعجبه، فجلس ينظر إليه ويرسم بيده. يجوز ولّا ما يجوز؟ يجوز، ليش؟
طالب: لا روح فيها.
الشيخ: لا، ما هو علشان لا روح فيها، لأن الأصل صنع الأصل هذا جائز، فصورة الأصل من باب أولى.
طيب، القصور؟
طالب: حلال.
الشيخ: واحد دَخَل القصر أو وجد فيه، أعجبه ما فيه فصوره، جائز؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا النوع الأول جائز بالاتفاق.
النوع الثاني: ما لا يصنعه الآدمي، وإنما هو من خلق الله؛ مثل: الشجر.
طلبة: (...).
الشيخ: أيضًا ما يصنعه الله أو ما يخلقه الله نوعان: نوع نامٍ، ونوع غير نامٍ (...).
نوعان، نوع نام ونوع غير نام، فغير النامي: كالجبال، والأودية، والبحار، والأنهار، فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق.
والنوع الثاني الذي ينمو مثل الأشجار، فاختلف في ذلك أهل العلم، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره؛ لما سيأتي في الأحاديث.
وذهب بعض أهل العلم من السلف والخلف إلى منع تصويره، واستدل بأن هذا من خلق الله عز وجل، والحديث عام: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» ، وبأن الله عز وجل تحدى هؤلاء بأن يخلقوا حَبَّة ويخلقوا شعيرة، والحبة والشعيرة فيها روح ولّا لا؟ ما فيها روح، لكنها تنمو، لا شك أنها نامية. وعلى هذا فتكون حرامًا، وقد ذهب إلى هذا مجاهد رحمه الله أعلم التابعين بالتفسير، وقال: إنه يحرُم على الإنسان أن يصوِّر الأشجار، ولكن جمهور أهل العلم على الجواز.
ولننظر في الحديث الذي معنا يؤيد مَنْ؟ هل يؤيد رأي الجمهور، أو يؤيد رأي مجاهد ومن قال بقوله؟
الطلبة: يؤيد رأي مجاهد.
الشيخ: يؤيد رأي مجاهد ومن قال بقوله؛ أولًا: لعموم قوله: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»، والثاني قوله: «أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً».
فظاهر الحديث هذا مع مجاهد ومن يرى رأيه، ولكن الجمهور أجابوا عنه بما سيُذكَر في الأحاديث التالية: أن قوله: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ، وقوله: «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ» ، يدل على أن المراد الحيوان، وسيأتي إن شاء الله مناقشة؛ لأن المسألة ما هي هينة بالنسبة للأشجار؛ لأن القول بالتحريم له وجه قوي جدًّا، وسيأتي إن شاء الله فيه المناقشة فيما بعد، (...).
طالب: (...) «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، لو قال واحد: أنا ما عندي نية؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: نقول: (...) اشهد، وقل: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فالأعمال يعني كل إنسان يعمل عملًا فهو بنية، فأنت الآن لما لَبِسْتَ هذا الثوب لبسته (...).

***

(أخرجاه) يعني البخاري ومسلم.
(ولهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُون بِخَلْقِ اللَّهِ» ).
«أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» كلمة (أشد) اسم تفضيل، و(أشد) بمعنى أعظم وأقوى، و«النَّاسِ» للعموم، وقوله: «عَذَابًا» تخص الناس.
يعني: أشدُّ الناس الذين يُعَذَّبون عذابًا، و«عَذَابًا» تمييز مبين للمراد بالأَشَدّ؛ لأن التمييز كما تعرفون:
اسْمٌ بِمَعْنَى (مِن) مُبِينٌ نَكِرَه يُنْصَبُ تَمْيِيزًا................

«أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» والعذاب يُطْلَق على العقاب، ويطلق على ما يؤلم ويؤذي، وإن لم يكن عقابًا؛ فمن الأول قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦] أي: العقوبة والنكال؛ لأنهم يدخلون النار والعياذ بالله؛ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨].
ومن الثاني: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» ، وقوله: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِما نِيحَ عَلَيْهِ» .
«أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيامَةِ» «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هو اليوم الذي يُبْعَث فيه الناس، وسُمِّي «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ لأنه يُقام فيه العدل، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]، ويقومُ فيه الأشهاد، ويقوم فيه الناس من قبورهم لله عز وجل، لرب العالمين.
وقوله: «أَشَدُّ» مبتدأ و«الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ» خبره، ومعنى «يُضَاهِئُونَ» أي: يشابهون، «بِخَلْقِ اللَّهِ» أي: بمخلوقات الله سبحانه وتعالى. من هؤلاء الذين يُضاهئون بخلق الله؟
هم المصورون، فإنهم يضاهئون بخلق الله، سواء كانت هذه المضاهات جسمية أو وصفية؛ فالجسمية: أن يصنع صورة مجسمة، والوصفية: أن يصنع صورة ملونة؛ لأن التَّلوين وصف للخلق؛ التلوين التخطيط باليد وصف للخلق، وإن كان الإنسانُ ما خَلَقَ الورقة ولا صنعها، لكن وضع عليها هذا التلوين الذي يكون أيش؟ وصفًا لخلق الله عز وجل.
هذا الحديث كما نعلم جميعًا يدلُّ على أن المصورين يُعذَّبون، وأنهم أشدُّ الناس عذابًا، وأن الحكمة من ذلك مضاهاتهم خلقَ الله عز وجل، وليست الحكمة –كما يدعيه كثير من الناس– أنهم يصنعونها لتُعبَد من دون الله؛ فذاك شيء آخر، لكن هؤلاء لأنهم يُضاهِئون بخلق الله.
أمَّا مَنْ صنع شيئًا ليُعبَد من دون الله فإنه حتى وإن لم يصنع صورة، لو أتى بخشبة ووضعها وقال: هذا اعبدوه مثلًا، دخل في الوعيد، يعني: في أنه أعان على الإثم والعدوان. لكن هذه العلة المضاهاة بخلق الله.
وقوله: «يُضَاهِئُونَ» هل الفعل يُشعِر بالنية، أو نقول: إن المضاهاة حاصلة سواء كانت بنية أو بغير نية؟
الثاني، ما دامت المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم يَنْوِ؛ لأن العلة هي المشابهة، وليست قصد المشابهة، وهناك فرق بين أن نقول: إنه لا بد أن يكون قاصدًا للمضاهاة، فلو جاء رجل وقال: أنا ما أريد أن أضاهي، أنا أريد أن أصوِّر هذا للذكرى مثلًا، لأتذكر به، أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا حرام؛ لأنه متى حصلت المضاهاة ثبت الحكم؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّتِه.
كما قلنا فيمن لَبِس لباسًا خاصًّا بالكفار: إنه يحرُم عليه أن يلبَس هذا اللباس، لو قال: أنا ما قصدت التشبه، نقول له: ولكن حصل التشبه.
فالحكم المقرون بعِلَّة لا يشترط فيه القصد، متى وجدت هذه العلة ثبت الحكم.
فيستفاد من هذا الحديث كما قلت: تحريم التصوير، وأنه من الكبائر؛ لثبوت الوعيد عليهم، وأن الحكمة منه المضاهاة بخلق الله عز وجل.
ويستفاد منه: وجوب حماية جانب الربوبية، وألا يطمَع أحد في أن يلحق بالله عز وجل في ربوبيته؛ لقوله: «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، ومن أجل هذا حُرِّم الكبر؛ لأن فيه منازعة للرَّبِّ عز وجل، وحُرِّم التعاظم على الخلق؛ لأن فيه منازعة للرب سبحانه وتعالى.
وكذلك الآن هذا الذي يصنع ما يصنع ليضاهي خلق الله فيه منازعة لله عز وجل في ربوبيته في أفعاله ومخلوقاته ومصنوعاته، فيستفاد من هذا الحديث: وجوب أيش؟ احترام جانب الربوبية، فكما أنه لا يمكن لأحد أن يطمع في أن يُعْبَد من دون الله، ويُتخذ إلهًا فلا يمكن لأحد أن يطمع في أن ينال شيئًا من خصائص الربوبية، وإلا لفات التوحيد.
وفي هذا الحديث إشكال؛ وهو قوله: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا»، «أَشَدُّ» مع أن هؤلاء المصورين فيه من هم أشد منهم ذنبًا مثل: المشركين والكفار، وقد اختلفت أجوبة الناس في ذلك.
فمنهم من قال: إن الحديث على تقدير (مِن)، (إن من أشد الناس)، وقد ورد في أحاديث أخرى ما يُؤَيِّد هذا، حيث جاءت بلفظ «مِنْ»: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا» .
ومنهم من قال: إن الأَشَدِّيَّة لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل غيرهم قد يشاركهم ويشتركون في الأشَدِّيَّة، كما في قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، وهذا وإن كان سليمًا؛ حيث يقال فيه كما قلنا في الأظلمية، لكنه يُشكِل عليه أن المُصوِّرَ لا يساوي في الجريمة ما صنعه آل فرعون، فإذا قلنا: إن المصورين وآل فرعون يشتركون في الأشدية، بقي عندنا إشكال، وهو: كيف يستوي هذا الذي يُصَوِّر وهو فاعل كبيرة بمن هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟
لا شك أن هذا الإشكال وارد، حتى لو قلنا بأن الجامع بينهما أن آل فرعون ينازِعون في الربوبية، بل قد قال لهم فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، والمُصَوِّرون فيهم منازعة في الربوبية حيث ضاهوا بخلق الله عز وجل.
ولكننا نقول: ولو كان التقدير هكذا، أو لو كان الأمر هكذا، لكن فرقٌ بين المنازعتين؛ منازعة آل فرعون ليست كمنازعة المصور؛ ولهذا فيه رأي آخر ثالث، وجه ثالث يقولون: إن هذه الأشدِّيَّة نسبية؛ يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويُبْدِعونها أشدَّهم عذابًا هم الذين يضاهئون بخلق الله، فمثلًا من ضاهى بصنع واحد من البشر وإن كان قد يكون فيه ظلم، كما لو زاحمه فيما هو من اختصاصه، فإنه لا يكون كظلم من نازع الله تعالى في الربوبية، وعلى هذا فتكون الأشَدِّيَّة نسبية، وهذا أقرب على أن فيه شيئًا من النظر.
ولو قال قائل، وأنا ما رأيت أحدًا قال به: إن هذا من باب الوعيد الذي قد يُطلَق فيه الشيء لأجل تنفير النفوس منه وإبعادها عنه. لو قيل بهذا لسَلِمْنا مما يَرِدُ علينا من هذه الإيرادات. وعلى كل حال ما لنا إلا أن نقولَ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».
طالب: هؤلاء الذين صنعوا الكبيرة واشترك (...) في أشدِّيَّة العذاب سيُطَهَّرون، ثم يدخلون الجنة، فيكون افترقوا الآن.
الشيخ: إي نعم، افترقوا في دوامه؟
الطالب: نعم، افترقوا في دوامه.
الشيخ: إي، لا في شِدَّتِه.
الطالب: إي نعم، ولكن الشدة تكون واحدة.
الشيخ: حتى الشدة يعني كونها تكون واحدة في ابتداء الأمر، الإنسان ما تطمئن نفسي إلى هذا؛ لأن حكمة الله عز وجل تأبى أن يكون هذا الظلم العظيم من آل فرعون يساويه هذا الظلم من المصوِّر.
طالب: يا شيخ، ما يصلح يا شيخ أن نقول: إن المصورين إن كانوا من أهل الإيمان فهم أشد الناس عذابًا من أهل الإيمان. مَن كان من أهل الكفر كان أشد الناس حالًا من أهل الكفر في العذاب؟
الشيخ: طيب، حتى أشد الناس عذابًا من المسلمين فيه شيء من النظر أيضًا؛ لأنه فيه مثلًا جرائم أعظم من هذا، كالرِّبا مثلًا. ولكن ما قلته يعني له وجه، ما ينقص عن الوجوه التي ذكروها.
طالب: يا شيخ، قلت بالأول على تقدير (مِن)، ما الذي يرد عليه من إشكال؛ على هذا التقدير؟
الشيخ: إذا قدَّرْنا (إنَّ مِن أشد الناس)؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نفس الشيء، ما هناك فرق.
الطالب: يعني لو قلنا: (إنَّ مِن أشد الناس عذابًا) فيه إشكال؟
الشيخ: إي، من أَشَدِّهم، فهم شاركوا الأشدِّين، مِن أشدهم، مثلما تقول: من أفضلهم، شارك الأفضل.
طالب: بالنسبة، يا شيخ، هذا عام: «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، يعني خلينا المصورين الذي له مماثلة أو مضاهاة لخلق الله، اللي عنده نية أو..؟
الشيخ: نعم، سواء أراد أو لم يُرِد.
الطالب: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وكذلك العِلَّة؛ يضاهئون بخلق الله.
الشيخ: لكن العمل المفسدة، ولو لم ينوه؛ لو زنى رجل وقال: ما أردت الزنا. أو رابَى وقال: ما أردت الربا. وهذا شيء مُعَلَّق بالفعل، الحكم والعقوبة معلقة بالفعل، فما دامت حصلت المضاهاة ثبت الحكم، «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ»، ولم يقل: الذين يَنْوُون ذلك. فالمفسدة إذا حصلت ما هو شرط النية، وإلا كان كل واحد يقول: والله أنا ما نويت، يعني مثلًا يقول: إنه مثلًا زنى بهذه المرأة، امرأة غير مزوَّجة وقال: أنا ما أردت الزنا، لكن أردت إني أحجز نفسي عن أن أزني بامرأة مزوجة فأفْسِد فراشَ زوجها! ما يجوز هذا.
طالب: ما (...) يا شيخ؟
الشيخ: لا ما يصلح.
الطالب: عامة.
الشيخ: طيب، بقينا: «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» هل يدل على العموم كما سبق في الذي قبله، وأنه يشمل المضاهاة بخلق الله فيما له نفس وفيما لا نفس له فيكون عامًّا؟
ولكن الحديث اللي بعده: (ولهما عن ابن عباس قال: سمِعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ»).
«كُلُّ» هذه لفظ عموم، وهي من أعظم ألفاظ العموم دلالة على العموم؛ لأنها واضحة، الكلية فيها واضحة جدًّا، وأصلها مأخوذة من الإكليل وهو ما يحيط بالشيء، ومنه الكَلالَة في الميراث للحواشي؛ لأنها تحيط بالإنسان.
وقوله: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ» (مصوِّر) عامٌّ يشمل من صَوَّر الحيوان، ومن صور الأشجار، ومن صور البحار، ومن صور الأنهار؛ «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ»، ولكن ما بعد هذه الجملة العامة يقول: «يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» .
المؤلف رحمه الله في هذا الحديث فيه شيء من الوهم:
أوَّلًا: (ولهما) والحديث في مسلم، وليس في البخاري .
ثانيًا يقول: «يُجْعَلُ»، وهو في مسلم بلفظ: «يَجْعَلُ»، وبلفظ: «نَفْسًا»؛ «يَجْعَلُ لَهُ نَفْسًا». وإنما قال: «يَجْعَلُ»، ولم يَظْهَرِ الفاعل؛ لأنه معلوم، كما قال ذلك شراح الحديث: «يَجْعَلُ» أي: الله، وحذفه للعلم به.
«يَجِعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا يُعَذَّبُ بِها فِي جَهَنَّمَ» هذا يدل على تخصيص العموم الأول، وهو قوله: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ».
وقوله: «نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا»، كيفية التعذيب ما سيأتي في الحديث الذي بعده، وهو أنه يُكَلَّف أن ينفُخَ فيها الروح وليس بنافخ، وهذا تعذيب، يُضرب ويُعاقب حتى ينفخ فيه الروح. يمكن ولّا ما يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن أبدًا أن ينفخ فيه الروح، كما أنَّ «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ» ، يمكن يعقد ولَّا ما يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: شعيرتين؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن يعقد؟
طالب: (...).
الشيخ: الشعيرة حبة الشعير، يعني: يعقدها مع الحبة الأخرى، يخليها عقدة.
طالب: ممكن يخيطها يا شيخ.
الشيخ: يخيطها! ما عقد بين شعيرتين.
المهم أن هذا المراد به التعذيب في أمر لا يمكن أن يكون.
طالب: عندي أنا يقول: (رواه البخاري ومسلم).
الشيخ: اللي بعده يمكن: (ولهما مرفوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً»).
الطالب: حديث ابن عباس: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ»؟
طالب: (ولهما) عندي.
الشيخ: لا، الحديث الأول في مسلم فقط.
طالب: اللفظ لمسلم يا شيخ.
طالب آخر: قال: رواه البخاري في البيوع.
طالب آخر: والنقل لمسلم.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: نفس (...).
الشيخ: أو «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً»؟
طالب: لا، «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ»، كذلك رواه البخاري (...).
الشيخ: إي.
الطالب: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً» رواه البخاري، عندي (...).
الشيخ: لا أبدًا، راجعوها في البخاري، هو يقول: (في البيوع)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: راجعوها، ما هو بهذا. نعم؟
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا الذي نحن قلناه.
طيب، الآن نشوف الحديث:
قوله: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ».
(في) للظرفية، و(النار) معروفة هي نار جهنم، والمعنى: أن المصورين يكونون في النار، ولكن هذه الكينونة هل هي على سبيل الخلود أو على سبيل التعذيب، ثم يخرجون منها؟
أما على رأي المعتزلة والخوارج، فيرون أن هذه الكينونة كينونة خلود؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار. لكن قولهم باطل.
وأما على مذهب أهل السنة والجماعة، فإنه يقولون: إنه مستحق لدخول النار، لكنه لا يُخَلَّد فيها.
وأما على رأي المرجئة، فيقولون: إن المراد بكل مصور الكافر؛ لأن المؤمن عندهم لا يدخل النار أبدًا مهما عمل من المعاصي والكبائر لا يدخل النار؛ ولهذا مذهب المرجئة صالح لكثير من الناس في عصرِنا اليوم.
طالب: هو زين.
الشيخ: هو ليس بزين؛ لأنه يُبطِل النصوص الدالة على الوعيد.
وعلى هذا فنقول: إن القول الوسط في هذا أنه مستحق لدخول النار، وقد يدخلها وقد لا يدخلها.
وقوله: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ»، بيَّن أيضًا نوع العقوبة فيه: «يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا» كل صورة، إذا صور في اليوم عشر مرات يجعل له في النار عشر صور يقال: انفخ فيها الروح.
وقوله: «بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا» يشمل ما إذا كرَّر الصورة مرة بعد أخرى أو أتى بصورة أخرى مستجدة، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فلو صوَّر الإنسان أربع صور نسخة واحدة يُكَلَّف أن يَنْفُخَ في كل واحدة، إذا كان معدل ما يصور في اليوم عشر، كم في الشهر؟ ثلاث مئة، وكم في السنة؟ ثلاثة آلاف وست مئة بالسنة، يُكَلَّف في نار جهنم أن ينفخ فيها الروح، يعذب بها في النار.
طيب، وظاهر الحديث أنه يبقى في النار مُعَذَّبًا حتى تنتهي هذه الصور، ولكن الحديث الثاني الدال على عجزه يدل على أن له مُنْتَهى؛ ولهذا قال:
(ولهما عنه مرفوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ. وَلَيْسَ بِنَافِخٍ»).
«كُلِّفَ» بمعنى أُلْزِم «أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ. وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» يعني: معناه أنه يُكَلَّف بأمرٍ لا يتمكَّن منه. ما الفائدة من تكليفِه بأمرٍ لا يتمكن منه؟ الفائدة هي الزيادة في تعذيبه.
فإن قلت: لماذا لا يعذبه الله تعالى بما أراد دون أن يكون العذاب مُقْتَرِنًا بهذا الفعل؟ فالجواب: لأجل أن يذوق جزاء ما عمل، وبهذا تزدادُ حسرته، ويزداد أسفه؛ حيث إنه عُذِّب بما يراه في الدنيا راحة له إما في اكتساب مال، أو في إرضاء صاحب، أو في إبداع وصنعة، كما يوجد الآن ناس يصنعون صورًا بالتلوين بأيديهم، حتى إنك لتقول: هؤلاء قد صوَّروها بالآلات من شدة إتقانهم، هؤلاء لا شك أنهم يرتاحون في الدنيا لما صنعوا حيث أبدعوا هذا الإبداع العظيم، لكن هذه الراحة لما كانت بمعصيةِ الله صارت يوم القيامة حسرة وندامة.
وقوله: «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ». من الذي يكلفه؟ الله عز وجل، إما أن يكلِّفه، وإما أن يأمر الملائكة بتكليفه، وإضافة الفعل إلى الله عز وجل مع أنه من الملائكة؛ هذا كثير. والله أعلم.
(...)
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ».
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف الجمع بين الاثنين؟
الشيخ: الجمع بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، فالتصوير دون الشرك، فهو داخل في قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
طالب: في الدرس الماضي قلنا: إن الحديث القدسي أعلى سندًا من القرآن.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) الحديث القدسي.
الشيخ: نعم.
الطالب: وعلى هذا أيضًا أنه أعلى سندًا من الحديث النبوي يعني.
الشيخ: لا، أقول: هذا إذا قلنا: إنه كلام الله لفظًا ومعنى، يَرِدُ عليه هذا الإيراد، أما إذا قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يرويه بالمعنى عن الله فلا إشكال فيه.
الطالب: يعني يا شيخ هل الذي قال هو الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: الله أعلم، عاد بكيفية ذلك.
الطالب: ليس عن طريق جبريل؟
الشيخ: الله أعلم بكيفية ذلك، ما أعرف.
الطالب: طيب، الحديث النبوي، يا شيخ؟
الشيخ: الحديث النبوي قد يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم لا من الله.
الطالب: ليس معناه من الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، قد يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإقرار الله له يكون بمنزلة الوحي، كما قلنا: إن إقرار الرسول على فعل الصحابي يكون بمنزلة السنة، ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام له أن يجتهد: «لَولَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ» ، ما قال: لولا يأمرني الله لأمرتهم.
وكذلك أيضًا قال في صلاة العشاء: «إِنَّ هَذَا لَوَقْتُهَا» ، وقال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ، فَإِذَا فَارِسٌ وَالرُّومُ يَغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، وَلَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا» ، وأمثلة هذا كثيرة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث النبوية تارة تكون من الله عز وجل بواسطة جبريل أو بإلهام، الله أعلم، وتارة تكون من عند الرسول عليه الصلاة والسلام، وإقرار الله لها بمنزلة الوحي؛ ولهذا لما سُئل عن الشهادة، أو تحدث عن الشهادة، وقال: «إِنَّها تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ»، قال بعد ذلك: «إِلَّا الدَّيْنَ. أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا» . ولما جاءه الرجل المُضَمخُ بالطِّيب وهو مُحرِم وسأله، نزل عليه الوحي في تلك الساعة، واعتراه عليه الصلاة والسلام ما يعتريه عند نزول الوحي، ثم بعد ذلك سُرِّي عنه فأخبره.
طالب: يعني حديث، قلنا: «أَشَدُّ...»، الحديث هذا ألا يكون (...) التصوير أصبحت يعني مما تعم به البلوى حاليًّا، وعرفنا حكم المصوِّر، فما حكم المصوَّر؟
الشيخ: إي، المصوَّر نقول: قد رضي بالحرام فيكون مشاركًا في الإثم.
الطالب: ضرورة، مثلًا أنا التباعية ما يمكن إلا إذا..
الشيخ: لا، هذا ضرورة لا بأس به.
الطالب: يبقى الضرورات تبيح المحظورات.
الشيخ: لا، ما هو علشان هذا، يعني رأي كثير من العلماء – وأنا أرى كذلك – أن التصوير الفوتوغرافي هذا ما يدخل في الحديث؛ لأن التصوير الفوتوغرافي التقاط لما خلقه الله عز وجل فقط، فلهذا نقول: أنت إذا اضطررت إلى وجود الصورة عندك، وذهبت إلى هذا الذي يصورك ويعطيك صورك في الحال بدون أنه يُعَدِّل فيها أو يبدل، نقول: أما هو فلا يدخل في الأَشَدِّيَّة ولا في الظلم، ولا في اللعن أيضًا.
طالب: شيخ، يضع لمساته.
طالب آخر: (...) المصور.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني مثلًا يقول لك: اقترب، يمين يمين، لليسار، ابتسم، ارفع رأسك.
طالب: لمساته تبقى على الصورة.
الشيخ: لا هو من أجل ضبط الصورة، من أجل ضبط الآلة فقط.
طالب: حتى بعد التصوير لا بد أن يرسمها ويزينها.
الشيخ: لا، هي نوعان، الآلة الفوتوغرافية يقولون: إنها نوعان: نوع تحتاج إلى تحميض وتحتاج إلى تعديل، هذه يظهر لي أنها تدخل في الحديث؛ لأنه في الحقيقة ضاهى خلق الله بما..
الطالب: وإن لم يستعمل (...)؟
الشيخ: أما إذا كان لأنه فيه شيء، أنا شاهدتها.
طالب: (...).
الشيخ: (...) وتطلع على طول صورة.
طالب: (...).
الشيخ: ما يقبلونها؟
الطالب: لا يقبلونها.
طالب: هذه ما تُقبَل.
الشيخ: عجيب! الله أعلم.
طالب: التي تستخدم هي هذه التي تحمض؛ لأنها أبقى وأقوى، أما هذه لا، ورقها دقيق ونوعيتها يعني (...).
الشيخ: لكن التي تُحَمَّض هذا، المحمض هذا ما هو يصنع فيها شيئًا؟
طالب: لا بد، نعم، يخططها ويرسمها.
الشيخ: ويزين عيونها وأنفها وشفتيها وكل شيء.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن هذا حرام، هذا داخل في الحديث.
طالب: (...) ما فيه تحميض، هذا تلوين ممكن.
طالب آخر: بعضه يختلط حتى هذا.
طالب آخر: يختلط.
طالب آخر: بعضهم لو تغيب ساعة على طول يعني.
الشيخ: بدون أن يعدل ويبدل؟
الطالب: بدون نعم.
الشيخ: هذا ما يدخل في التحريم.
الطالب: وبعضهم لا.
طالب: يا شيخ، هم يتباهون، المصورون فيما بينهم، يعني أنه أبرع في التقاط الصورة.
الشيخ: إي، بس بضبطها أمام الآلة فقط؛ لأنك إذا أردت يعني أنا الحقيقة اللي أوجب لي هذا أن المثال اللي ذكره من أباح ذلك ما يقدر الإنسان ينازع فيه. قال: لو أني جبت كتابًا بقلم فلان ودخَّلته في الآلة التي تصوِّر وطلع الكتاب، فهل أنت الذي لمَّا حركت الآلة، هل أنت اللي كتبت الحروف هذه؟
طالب: لا.
الشيخ: ولّا الأول؟
الطالب: الأول.
الشيخ: الأول، فهو يقول: هذا ما حصل من التصوير ولا تخطيط ولا تعديل ولا تبديل. لكن أما الذي تقولون: إنه يلزمه تعديل هذا، أنا أرى أنه يدخل في الحديث وحرام عليه. وعلى هذا فلا يجوز لهؤلاء الذين يستعملون الآلات التي تذكرون، لا يجوز أن يصوروا ولا لمن احتاجها للتابعية؛ لأنكم تعرفون الفرق بين التصوير وبين استعمال التصوير. وفي متن الزاد – زاد المستقنع – قرأتم: (يحرم التصوير) وأيش بعد؟ (واستعماله)؛ ولهذا قال النووي رحمه الله: إن التصوير حرام سواء صوَّر لما يُمتَهن أو لما لا يمتهن، مع أن النووي وأكثر أهل العلم يرون أن الصورة فيما يمتهن جائزة، فيفرقون بين التصوير وبين استعمال الصور.
طالب: (...)؟
الشيخ: والله الضرورة هذا شيء ثان.
طالب: (...)؟
الشيخ: أيهم؟ اللي تقولون هذه؟
الطالب: إي، المعدلة؟
الشيخ: المعدلة والمبدلة؟
طالب: يا شيخ، لو إنسان مثلًا رسم صورة لختمها، ثم أنت أخذتها وما عملت شيئًا إلا أنك ختمت فقط وطلعت هذه الصورة، ألا يضمن عليك فيها يا شيخ؟
الشيخ: إي؛ لأن أصلها محرم.
الطالب: طيب، هذه الآلة مثلًا، صنعت الآن يعني وهي تنتج صورة مضاهية لخلق الله (...) صنعها.
الشيخ: لا أبدًا؛ ولهذا نقول الآن: بعض الناس أورد على الذين يقولون بالجواز، قال: لو صنعنا آلة من البلاستيك أو من حديد على صورة وجه، ثم نضع فيها بلاستيكًا مذوَّبًا ولَّا جبسًا ولَّا شيئًا، ثم طلع هذا الوجه تقولون: حرام، ولّا ما هو بحرام؟ نقول: حرام؛ لأن الفعل الأول محرم، أصل الصنعة الأولى حرام.
لكن هذه الآلة التي تُصوَّر ما هي بتصور الآدمي فقط، لو تجيب أي شيء تحطه تصوره، يعني ما هي مصنوعة لهذا الشيء، كل شيء تحطه أمامها: جبل، آدمي، كتب، اللي (...) تصوره.
طالب: لكن (...) العموم الوارد في الأحاديث؟
الشيخ: والله يا أخي، ما يجوز أيضًا ندخل شيئًا في العمومات، ونلحقه هذا الوعيد الشديد إلا إذا تيقَّنَّا أنه داخل؛ لأن حقيقة الأمر هذا الرجل ما صور يا إخوان، ما صور إطلاقًا، حرك آلة فالتقطت الصورة. والمثال بالكتابات هذه في الخط الذي يُصوَّر في الآلة الفوتوغرافية، أنا عندي أنه يقنع الإنسان، أنا عندي الإنسان إذا قارن بين هذا وهذا اقتنع، ما فيه شك.
طالب: لكن النتيجة مضاهاة لخلق الله؟
الشيخ: أبدًا، أنا ما ضاهيت يا أخي، أنا إنما نقلت صورة صورها الله عز وجل فقط، وإلا ما عَدَّلْت العيون ولا الأنف ولا الشفتين ولا شيئًا أبدًا.
طالب: حصلت المضاهاة في كل الأحوال؟
الشيخ: ما ضاهيت أبدًا.
الطالب: حصلت لك.
الشيخ: ما حصلت، أصلًا ما صنعت أنا.
طالب: يعني: جائز يا شيخ؟
الشيخ: جائز، عاد ينظُر للغرض، هل أنت مثلًا صورتها لغرض مُحَرَّم فهي تكون حرامًا كسائر المباحات، فمثلًا لو أن الإنسان صوَّر بالتصوير اللي أقوله الآن، صوَّر مثلًا أنثى ليتمتَّع بالنَّظَر إليها، هذا حرام معلوم. أو صوَّر شيئًا للذِّكْرَى يقتنيه؛ لأن اقتناء الصور حرام.
على كل حال لا يضيع علينا الوقت، أنا رأيي في هذا، الذي آراه الآن، تحرير رأيي في هذه المسألة: إذا كان التصوير التقاطًا مَحْضًا ليس لمن التقطه أي عمل فيه فلا أرى أنه يدخل في النص، وليس مضاهيًا لخلق الله، ولا نستطيع أن نقابل الله عز وجل بأن نُلْحِق عباده من الوعيد ما لا يتبين لنا أنه داخل فيه. أما إذا كان في هذا التصوير الفوتوغرافي شيء من التعديل الذي تحصُل به المضاهاة، فهذا حرام وداخل في الحديث. هذا بالنسبة لعمل التصوير أو لعمل الصورة.
أما بالنسبة لاتخاذ الصورة، فإن اتخاذ الصورة عند أهل العلم محرم في الأصل، سواء كان ذلك للتمتع بالنظر إليها أو للتلذُّذِ بها من الناحية الجنسية، أو كان ذلك لمجرد الذكرى.
وأما إذا كان للامتهان ففيه خلاف، وأنا في نفسي منها شيء، فاستعمال الصور للامتهان في نفسي من ذلك شيء؛ وذلك لأن حديث النُّمرُقَةِ الرسول صلى الله عليه وسلم توقَّف، ما دخل، مع أن النُّمْرُقة للوسادة، هي قالت عائشة رضي الله عنها: إنها فعلت ذلك ليتوسَّدها، توقَّف وقال: «إِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يُقَالُ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ، ثم قال: «إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» فظاهر ذلك أنه حتى فيما يُمْتَهن لا يجوز أنك تبقي الصورة. فالورع عندي ألا تستعملها حتى في المخادة، يوجد مخادة الآن فيها صورة حمام أو طاووس، هذا أيضًا لا تستعملْه، إذا أردت الورع فاتركه، لا تستعمله، وإن كان أكثر أهل العلم يرون جواز ذلك فيما يُمْتَهن.
طالب: (...)؟
الشيخ: يكفي، أنا أعطيتكم الآن رأيي (...).
طالب: شيخ، بالنسبة قلت: أنت (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) لو جاء رسام مُتْقِن، ونقل نفس صورة الشخص كما قلت سابقًا (...)، الصورة بالرسم باليد كأنها صورة..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فلو جاء إنسان ونقلها بالضبط كما هي كأنها صورة..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل هذا يجوز؟
الشيخ: لا، ما يجوز.
الطالب: طيب، هذه الكاميرا يقول بعض أهل العلم: إن هذه الكاميرا ماذا تعمل؟ إنما هي ترسم، هذه الكاميرا إنما هي ترسم، ولكن رسم هذه الكاميرا أدقُّ بكثيرٍ من رسم الإنسان؛ لأنها مصنوعة بدقة، وإذن فعلها إنما هو رسم؟
الشيخ: لا ما هو رسم، ما هو صحيح، لو قالوه ما هو صحيح، لكن هذه الأضواء المشعة هي التي رَسَمت هذا الشيء، ما تشوف مثلًا آلات تتحرك وترسم العين وترسم الشفة وترسم الأنف، ما تشوف هذا، ولا فيه هذا أيضًا.
لكن هذا بواسطة الإضاءة القوية اللي ما أدري ويش لون الأشياء عندهم.
طالب: (...).
الشيخ: أنا أعطيتكم رأيي في الموضوع (...).
طالب: يا شيخ، قلنا: إذا صور عشر مرات (...).
الشيخ: لا، مِن فِعْلِه هو، أما من فعل غيره، فقد يكون من باب العقوبة على المتسبب، أما المباشر على ما صوره هو.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ما فيه بأس هذا، لكن لا، له عين، ولا له أنف، ولا وجه، ولا شيء.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) ما فيه شيء. لكن إن اعتقد أنه ذكر (...) لابس ثوب أنثى، وليكن تشبه.
(ولمسلم عن أبي الهَيَّاجِ، وهو من التابعين قال: قال لي عليُّ بن أبي طالب: ألا أبعثُك على ما بَعَثني عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) .
البعث هو الإرسال بأمر مهم، كالدعوة إلى الله وما أشبه ذلك، هذا هو البعث، قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل: ٣٦]، فالبَعث بمعنى الإرسال بأمر مهم.
وقوله: (على ما بعثني) يحتمل أن يكون المعنى: بما بعثني، فتكون (على) بمعنى الباء، أي: بما بعثني عليه.
ويحتمل أن تكون (على) على ظاهرها، يعني للاستعلاء؛ لأن المبعوث يمشي على ما بعث عليه كأنه طريق له، فتكون مشى على الطريق أي مشى عليه، وهذا هو الأولى؛ لأن القاعدة عندنا أن ما وافق ظاهر اللفظ من المعاني فهو أيش؟ أولى باللفظ، فإذا كان اللفظ محتملًا لمعنيين هو في أحدهما أظهر، فالواجب حمله على ذلك الظاهر.
قال: (على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب إلى اليمن، كما هو معروف، وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة في حجة الوداع.
قال: (ألَّا تَدَعَ) هذه (أن) المصدرية، وبعدها (لا) النافية، و(تدعَ) منصوب بـ(أن) المصدرية، وهي بدل من قوله: (على ما بعثني)، يعني: بدل من (ما)، وهي بدل بعض من كُلٍّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب بأكثر من ذلك، لكن هذا مما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
(ألا تدع صورة إلا طمستها) (صورة) عام؛ لأنه نكرة في سياق أيش؟ في سياق النفي، وكل نكرة في سياق النفي فإنها تفيد العموم أو النهي.
اللي عندنا الآن نفي: (ألا تدعَ)؛ ولهذا نصبت (تدع) ولم تجزم.
وقوله: (صورة) قلنا: إنه عام فيشمل كل صورة، ولكن المراد بذلك صورة الحيوان عند جمهور أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا مجاهد رحمه الله؛ حيث قال: إن الشجر المثمر يحرُم أن يُصَوَّر.
وقوله: (إلا طمسْتَها)، كيف يكون الطمس؟
الطمس إذا كانت مُلَوَّنة بأن يوضع عليها لون آخر يزيل معالم هذه الصورة، وإن كانت منقورة فمعناه أن يحفر نقرة على وجهها حتى لا تتبين معالمها، وإذا كانت مُجَسَّمة فإنه يُزال الجسم فيها حتى تذهب معالمها، وإذا كانت على صورة تمثال – يعني جسم مستقل – فإنه يزال رأسه، كما في الحديث الصحيح في حديث جبريل؛ قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ فَلْيُقْطَعْ، حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرِةِ» . فالمهم أن الطَّمس متعدد الآن: ملون، ومنقور، ونابٍ، وتمثال، وكل واحد منها له طمس يخصه.
وظاهر الحديث سواء كانت هذه الصورة تُعْبَدُ من دون الله أو غير ذلك، حتى التي لا تعبد من دون الله فإن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث علي بن أبي طالب على أن يطمسها.
طالب: كيف تكون (لا) نافية، والسياق في مقام التشريع في الأمر والنهي؟ يعني ينهاه أن يدع صورة.
الشيخ: لا، ما هو ينهاه، يأمُرُه ألا يدع صورة إلا طمسها، مثل: آمرك ألا تترك كذا وكذا، فـ(لا) هذه نافية؛ لأن علامة الناهية الجزم، وهنا منصوبة بـ(أن).
الطالب: يعني النفي ينصب على (ألا يدع)؟
الشيخ: النفي على كلمة (يدع)، وهي تفسير لقوله: (ما بعثني)؛ يعني: ألا أبعثك على هذا، على نفي تركك صورة إلا طمسْتَها.
وقوله: (ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَه) (مُشرِفًا) أي: عاليًا، (إلَّا سوَّيتَه) أي: سويته بما حوله من القبور. ويحتمل أن يكون المراد بالتسوية هنا بالإصلاح، كما في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢]، أي: فسوى خلقه على أحسن ما يكون. والمعنيان متقاربان أو متلازمان، لكن المعنى الأخير أحسن؛ لأنه على فرض أن القبور كلها مُشْرِفة نردها جميعًا إلى أيش؟ إلى التسوية؛ يعني: أن تكون محسنة على ما تقتضيه الشريعة. أما على الأول فإذا كان بعض القبور مشرفًا على غيره فإنه يُسَوَّى بغيره.
والإشراف له عدة وجوه:
أولًا: أن يكون مشرفًا لكِبَرِ الحصى التي توضع علامة عليه، وهي التي يسميها الناس؟
طالب: (...).