لا، ما هي مراسيم، أقول: (...) ما هي مراسيم.
طلبة:
نصايل.
الشيخ: نصايل، باللام.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ولغة حائل:
نصائب، وأظنها أيضًا لغة الرياض؛ نصائب. والإخوان؟
طالب: شاهد.
الشيخ: شاهد؟
الطالب: نعم، بالدال.
الشيخ: من
الشهادة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، إذَن ويش نقول فيها لو نبغي أن نجمعها؟ الشهود؟
طلبة: شواهد.
الشيخ: أو
الشواهد؟
الطلبة: شواهد.
الشيخ: الشواهد. هي أقرب شيء أنها النصائب بالباء؛ لأنها منصوبة،
أو الأعلام لأنها عَلَم على القبر.
على كلِّ حال من الإشراف أن تكون نصائبُ
القبر أو علاماته كبيرةً بحيث يكون مشتهرًا من بين القبور؛ فإنه يجب أن يُسَوَّى
بالقبور حتى لا يتميَّز عليها بشيء.
ومنه -أي: من الإشراف- أن يُبنى عليها، وهذا
من كبائر الذنوب؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعن المتخذين عليها المساجدَ
والسُّرُج .
وهل من الإشراف أن
يوضع عليها سراج؟
طالب: نعم.
طالب
آخر: لا، السُّرُج غير.
الشيخ: إي، هذا غير؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من
إشرافها أن تُشَرَّف بالتلوين -بالنون- بأن يُوضع على نصائبها ألوانٌ مزخرفة وما
أشبه ذلك. فكلُّ شيءٍ مُشرف -أي: ظاهر على غيره، وعالٍ على غيره، ومتميِّز عن غيره-
فإنَّه يجب أن يُسَوَّى بغيره؛ وذلك لأنَّنا إذا فتحنا بابَ التشريف في القبور
أدَّى ذلك إلى ما لا تُحمَد عُقباه من الشرك والغلوِّ فيها، وهذا مما يسدُّه
الشارع، كلُّ طريقٍ يوصِل إلى الشرك فإنَّ الشارع يسدُّه غايةَ السد.
وجْه
المناسبة لذِكر القبر المشْرِف مع الصورة أنَّ كلًّا منهما قد يُتَّخذ وسيلةً إلى
الشرك؛ فإنَّنا نعلم أن أصل الشرك في قوم نوح أنهم صوَّروا صُوَر رجالٍ صالحين،
فلما طال عليهم الأمد عبدوهم، كذلك هذه القبور المشْرِفة قد يزداد الغلوُّ فيها حتى
تُجعَل أوثانًا تُعبد من دون الله.
وقد أطال الشارح -رحمه الله- في هذا الباب،
أطال في الكلام على البناء على القبور؛ وذلك لأنَّ فتنتها في البلاد الإسلامية
قديمة ومنتشرة، ما عدا بلادنا -ولله الحمد- فإنها سالمةٌ من ذلك، نسأل الله أن
يُديم عليها، وأن يحمي بلاد المسلمين من شرها.
إذَن خلاصة هذا الباب:
أولًا:
ما مناسبة ذِكْره في كتاب التوحيد؟ وهل له علاقة بأقسام التوحيد أو ببعضها؟
طالب: الربوبية؛ توحيد الربوبية أكثر من
غيره.
الشيخ: وفي؟
الطالب:
وفي الخالقية أكثر من الـ...
الشيخ: اصبِرْ، الخلْق من
الربوبية.
الطالب: إي، وفي (...).
الشيخ: نعم، وفي توحيد الألوهية.
الطالب: توحيد الألوهية بس (...).
الشيخ: والثالث؟
طالب: الأسماء
والصفات.
الشيخ: نعم، ما وجه علاقته بتوحيد
الربوبية؟
طالب: توحيد الربوبية نقول: وجهه
يعني...
الشيخ: علاقة التصوير في توحيد الربوبية؟
الطالب: تصوير (...)، نعم، التصوير نقول: لأنَّ
الإنسان إذا صوَّر .. لأن التصوير (...) من فِعل الله تعالى؛ يعني من كمال خلْق
الله تعالى، وهو الله سبحانه منفرد بهذا التصوير، فإذا الإنسان صوَّر قد يعني
(...).
طالب آخر: يكون مضاهاةً لخلْق الله.
الشيخ: نعم، صحيح؛ لأنَّ فيه مضاهاةً لخلْق الله الذي هو معنى
ربوبيَّته؛ لأنَّ معنى الربوبية هو الخلْق، ويش بعد؟ والمُلْك والتدبير.
وجه
تعلُّقه بتوحيد الألوهية؟
طالب: أنَّ هذه الصُّوَر قد
تُعبد من دون الله.
الشيخ: قد تُتَّخذ لعبادتها من دون
الله، أحسنت.
وجه تعلُّقها بتوحيد الأسماء والصفات؟
طالب: لأنَّه قد تكون هذه الصورة (...)؛ لأنَّ المصوِّر قد يضاهي
صفات الله بالتصوير، قد ضاهى صفةً من صفات الله وهي التصوير.
الشيخ: إي، ما هو هذا الخلق اللي هو توحيد الربوبية؟!
طالب: لأنَّ من أسماء الله المصوِّر، والمصوِّر يُطلق عليه
المصوِّر..
الشيخ: قد يتَّخذ لنفسه هذا الاسم، فيكون
مشاركًا لله تعالى في هذا الاسم؛ لأن من أسماء الله المصور. وتعلُّقه بتوحيد
الأسماء والصفات -كما تَرَون- أضعف من تعلُّقه بتوحيد الإلهية وتوحيد
الربوبية.
البحث الثاني في هذا الباب أن نقول: التصوير ينقسم إلى عدَّة أقسام،
ولَّا لا؟ التصوير ينقسم إلى عدة أقسام.
طالب: أن
يصوِّر ما له روح، الثاني: أن يصوِّر ما لا روح فيه، إذا كان يصوِّر ما لا روح فيه
وهو من خلْق الله مما هو نامٍ.
الشيخ: هذه إذَن باقي
رابع، إذا جعلت اللي ما لا روح فيه نامٍ وغير نامٍ بقي عليك رابع.
الطالب: مما هو فعل الآدمي.
الشيخ:
مما هو فعل الآدمي.
إذَن أن يصوِّر ما هو من خلْق الله وله روح، ما هو من خلْق
الله وهو نامٍ ولا روح له، ما هو من خلْق الله وهو غير نامٍ، ما هو من فعل
المخلوقين. كذا؟ صارت أربعة.
طالب: تصوير ما له
جسم.
الشيخ: دعنا .. هذا بعدين.
طالب: مجسَّم (...) يا شيخ.
الشيخ:
مجسَّم وملوَّن.
الأول إذا صوَّر ما هو من خلْق الله وله روح، ما تقول في حُكمه؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: إي،
ما يجوز، لكن هل هو من صغائر الذنوب أو من كبائرها؟
الطالب: لا، من كبائر الذنوب.
الشيخ:
نعم، نقول: هذا حرام ومن كبائر الذنوب.
ما الذي تعرف من عقوبة هذا المصور؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذا
واحد.
الطالب: (...) الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لا، ما هي عقوبة هذه.
طالب:
أنَّه يجعل له بكلِّ صورة صوَّرها نفسًا يعذَّب بها في النار.
الشيخ: هذا اثنان.
الطالب: يؤمَر أن
ينفخ فيه الروح وهو ليس بخالق.
الشيخ: ثلاثة.
طالب: (...) «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ
ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» .
الشيخ: نعم، بس هذه عقوبة ولَّا بيان حاله ووصْفه؟
الطالب: وصفه أنَّه ظالم، والظلم شيء عظيم.
الشيخ: إي، «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ» .
طالب: بأنَّه أشدُّ الناسِ عذابًا يوم القيامة.
الشيخ: ما ذكرناها؟
طالب: (...)
اللعن.
الشيخ: أين هو؟ «كُلُّ
مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ» .
فيه بَعْد سادس بس
المؤلف ما ذكره، وهو اللَّعْن؛ كما في حديث أبي جحيفة قال: إنَّ الرسول عليه الصلاة
والسلام لَعَنَ المصوِّرين .
هذه عقوبات -والعياذ بالله- ستٌّ،
واحدة منها تكفي في الحذر منه والبُعد عنه.
طالب:
(...)؟
الشيخ: والله ما أعرف عنه شيئًا.
طيب، هذا
إذا صوَّر ما فيه روح.
إذا صوَّر شيئًا من خَلْق الله ينمو ولا روح فيه، أيش
تقول؟
طالب: فيه خلاف.
اختار مجاهد أنه داخلٌ في
هذا النص، وقال الجمهور: إنَّه ليس داخلًا.
الشيخ:
أحسنت. ما حُجَّة مجاهد؟
طالب: عموم الأدلة؛ «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»، وحديث
علي: ألَا أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ ألَّا تَدَع صورةً إلا طمستَها ، وعموم الأحاديث
يعني.
الشيخ: لكن ما فيه شيء قد يكون قريبًا من النص؟
الطالب: و«كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي
النَّارِ» .
الشيخ: لا.
الطالب: و«أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» .
طالب آخر: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» .
الشيخ: نعم، هذه واضحة أن ما فيها روح؛ «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». ما هو
دليل الجمهور؟
طالب: دليل الجمهور الحديث الثاني وهو
«كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ
صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» ،
ومعروف أنَّ..
الشيخ: «كُلُّ
مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ» هذا قد يكون عليهم وليس لهم.
الطالب: (...) العمومات، أمَّا حديث ابن عباس..
الشيخ: طيب، من العمومات يكون دليلًا لمجاهد.
الطالب: إي، يكون لمجاهد.
الشيخ:
نبغي دليل الجمهور.
الطالب: طيب، دليل الجمهور حديث ابن
عباس.
الشيخ: وهو؟
الطالب:
«يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ
بِهَا»، فالنفس هنا يعني..
الشيخ: ما تكون
للأشجار وشبهها. طيب، وغير؟
طالب: أي إنها ليست فيها
حياة.
الشيخ: وغير؟
الطالب: وأيضًا من صوَّر صورة..
الشيخ: الأشجار ما فيها حياة!
الطالب: يعني ليست حياتها كـ(...).
الشيخ: فيها حياة ولَّا لا؟
الطالب:
ما فيها روح يا شيخ.
الشيخ: إي، ما فيها روح،
صح.
الطالب: وأيضًا حديث ابن عباس الثاني: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا
الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» .
الشيخ: إي نعم، وهذه لا روح فيها.
طالب: فيه حديث صريح؛ عندما انقطع جبريل عن النبي صلى الله عليه
وسلم فأخبره أنَّ في البيت كلبًا وتمثالًا، قال: فمُرْ بالكلب
فليُخرج، ومُرْ بالتمثال فليُقطعْ وأن يكون كهيئة الشجرة.
الشيخ: حتى يكون كهيئة الشجرة .
ذكرنا أن من تمام
الحُجَّة أن يذكر الإنسان حجَّته ويردَّ حجَّة خصمه، فكيف نردُّ على مجاهد رحمه
الله؟
طالب: (...).
الشيخ:
(...) ليس فيه روح، وباب التحدِّي غير باب الواقع.
ومن هذا الحديث أيضًا في هذا
الباب: وجوب طَمْس الصُّوَر عامة.
طالب: (...) «لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» أنها نكرة في سياق
النفي فعمَّت.
الشيخ: فتعمُّ. طيب، هل يُستثنى من ذلك
شيء؟ إحنا ما ذكرنا ما يُستثنى، لكن بناءً على الخلاف في ذلك، وأظن ذكرناه.
إذا
صوَّر الإنسانُ ما كان من خلْق الله ولكن ليس فيه نماء؛ ما ينمو، فما
الحكم؟
طالب: صوَّرها، (...) ينفخ فيها الروح فليس
نافخ، يعني ما فيها روح.
الشيخ: يعني يجوز ولَّا لا؟
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ:
يجوز تصوِّر صورة القمر؟ واحد على السبورة صوَّر صورة القمر وحطَّ له خطوطًا كأنها
أشعَّته، ويش تقول؟ يجوز ولَّا لا؟
الطالب: لأنه يا
شيخ ما فيها روح، ليس فيها روح.
الشيخ: أجب وبعدين
علِّل، يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ ويش تقولون؟
الطلبة:
نعم يجوز.
الشيخ: ويش تقول؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف؟!
حتى اللي ما (...).
طالب: (...) على الجواز.
الشيخ: متفقين على الجواز، صح، هذا جائز، متَّفَق عليه.
لو
صوَّر الإنسانُ ما يصنعه الآدمي؛ واحد صوَّر سيارة لابنه، أيش تقول؟
طالب: جائز.
الشيخ: كيف
جائز؟
الطالب: صور سيارة؟
الشيخ: إي.
الطالب: جائز.
الشيخ: لكن من موديل سبع وثمانين، جائز ولَّا لا؟
الطالب: جائز.
الشيخ: جائز؟ لو هي
آخر صنعة؟
الطالب: لو هي آخر صنعة أو أول
صنعة.
الشيخ: أيش تقولون؟ صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنَّه إذا جاز
أن يصنع الأصل فالفرعُ من باب أَوْلى.
طالب: شيخ، لو
عدَّل فيها يا شيخ؛ يعني بعضهم يرسم سيارة لها رِجْلا آدمي أو (...)؟
طالب آخر: إذا حدد (...).
طالب آخر:
يعني السيارة بطنه، يرسمه كجمل ولكن بطنه سيارة.
الشيخ:
وفيه رقبة وآذان وأشباه ذلك؟
الطالب: (...) طبيعي.
طالب آخر: (...).
الشيخ:
ويش تقولون في هذا؟
طالب: ما يجوز يا شيخ؛ لأنه صوَّر
الجمل (...).
الشيخ: الرسول أنكر في قصة الخميصة؛ كانت
عائشة عندها خميصة فيها خيلٌ لها أجنحة، وقالت: إن هذه من خيول سليمان ،
فهل يجوز مثلًا أننا نجعل مثلًا صورة جمل وله كَفَرات أربع، هذه تقولها؟
طالب: لا يا شيخ، جمل ولكن بطنه على جثة سيارة (...).
الشيخ: بس البطن فقط؟
الطالب: هذا يا
شيخ.
الشيخ: يمكن وجع وبطنه وارم، الحقيقة أنا أظنُّ
أنَّ هذا يدخل في التحريم، ولَّا لا؟
طالب: تَدَرُّج
إلى التصوير.
الشيخ: لا، هو تصوير، حتى البطن المربَّع
هذا اللي مثل هيئة السيارة قد يكون مُحَمَّل عليه أحمال وتُشبه السيارة، فالمهم ما
دام أن رَسْم الجمل موجود فلا يجوز.
طالب: فيه حديث
«الصُّورَةُ الرَّأْسُ» يا شيخ؟
الشيخ: فيه حديث «الصُّورَةُ
الرَّأْسُ»؛ بمعنى أنَّه إذا أُزِيل زال اسمُ الصورة.
الطالب: بس إذا صار به رأس.
الشيخ:
نعم، أنا رأيتُ أيضًا في كتاب اسمه عجائب المخلوقات مصوِّرين -والعياذ بالله- حتى
الملائكة، مصوِّرين جبريل وإسرافيل وما أشبه ذلك، كلُّ هذا حرام ولا يجوز.
طالب: شيخ، إذا قُطِع الرأسُ يعني المراد إذا قُطِع من
الرقبة؟ يعني يكفي بذلك؟
الشيخ: إي، يكفي، إذا بَقِيت
الرقبة كفى؛ يعني زال التحريم.
الطالب: مجرَّد
الوجه؟
الشيخ: إي، الرأس والوجه هو الذي يمثِّل الصورة
تمامًا.
طالب: إذا قطعناه من تمثال مثلًا؟
الشيخ: إذا قطعناه من تمثالٍ وبَقِيت الرقبة ما فيه
مانع.
الطالب: والرأس مستقلٌّ وحدَه.
الشيخ: الرأس يكون مستقلًّا وحده، نعم، لكن هل إنه يجب إتلاف
الرأس هنا، أو إذا بَقِي رأسٌ بدون جسم صار مباحًا.
الطالب: يعني رأس بدون جسم مباح؟
الشيخ: هذا ظاهر مُرْ بِرأس التمثال
فليُقطع ، ولم يقل: وليُكسَر
الرأس.
فظاهر الحديث أنَّه إذا فُصِل هذا عن هذا أنَّه لا حرج؛ لأنَّه ما
يُسمَّى هذا آدميًّا ولا هذا.. يعني ما يُسَمَّى هذا صورة ولا هذا صورة.
الطالب: يعني على هذا يجوز رسم الوجه فقط؟
الشيخ: إي نعم، بناء على هذا، والمسألة فيها عندي تردُّد في
مسألة الرأس، أمَّا الجسم بلا رأس فهو كالشجرة.
طالب:
أكثر البيوت فيها علب صابون (...) واللوكس، هذه موجود فيها صُوَر، وصُوَر نساء
بالذات.
الشيخ: بقينا في مسألة واقعية يجب أن نبحثها؛
الآن الناس ابتُلو بمثل ما قال الأخ، بصُوَر موجودة في علب المناديل، وموجودة أيضًا
في المجلات وموجودة في الصُّحُف، لكنَّهم لا يهتمُّون بهذه الصور ولا يشترونها
للصور، وليست ذات أهمية عندهم، فأنا رأيي فيها أنَّ الورع -خصوصًا فيما يمكن
الاستغناء عنه- تركه، حتى لو هو فيما يُمتهَن كالعلب وشبهها، الورع تركُه بلا شك؛
لأنَّ فيما لا شُبهة فيه غنى عنه، وما دام الله مغنينا عن هذا الأمر فلندعه، وأمَّا
الشيء الذي لا يمكن الاستغناء عنه ولكن الصور فيه غير مقصودة والتحرُّز منه فيه
مشقَّة فالظاهر أنَّ هذا يرتفع التحريم فيه بناءً على القاعدة الشرعية العامَّة:
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، والمشقَّة تجلب التيسير كما قال أهل العلم، والبُعد عنها أَوْلى،
كلَّما أبعدَ الإنسان عن هذه الأمور فهو أَوْلى، لكن هذه مشكلة، مشقَّة على الناس؛
يعني لو نُلزم الناس بهذا الشيء ونقول: هذا حرامٌ والملائكة لا تدخل بيوتَكم، وهم
ما قصدوا الصور، ولا اقتنوها للصور، ولا هي عندهم ذات أهمية إطلاقًا، والتحرُّز
منها مشقَّة عظيمة؛ هذا يُعفَى عنه رفعًا للحرج عن هذه الأُمَّة.
ومثل ذلك
أيضًا ما يوجد في الدراهم من الصور، الدراهم فيها صور، وما يوجد أيضًا في الحفائظ
-حفيظة النفوس- وفي رُخَص السيارات، وأظنُّ في الشهادات إلَّا -أظن- الجامعيَّة ما
يحطُّون فيها صورة.
طلبة: (...).
الشيخ: الجامعيَّة أظن ما يحطُّون فيها صورة، إي نعم، لكن
الشهادات اللي غيرها؛ شوف الابتدائي وما أشبهها، يحطُّون فيها صورة.
فهذه
المسائل التحرُّز منها صعب، وتأثيم الناس بوجودها في بيوتهم أيضًا صعب؛ لأنَّ
الإنسان يشعر بأنَّه عاصٍ لله في هذه الحال، فيَلْحق نفسَه من القلق والاضطراب شيءٌ
قد يخشى الإنسان على نفسه لو أفتى الناس بالتحريم.
يقال: أمَّا الشيء الذي يمكن
الاستغناء عنه فالأَوْلى الاستغناء عنه، وأمَّا الشيء الذي لا يمكن وفيه مشقَّة
فالله عز وجل ما جعل علينا في ديننا من حرج، لا سيَّما أنَّه غير مقصودٍ لنا ولا
نهتمُّ به أبدًا.
طالب: ما هي حدود المشقَّة التي تجلب
التيسير؟
الشيخ: حدود المشقَّة أنَّ الإنسان لو أراد
أن يتتبَّع هذه الأشياء تَعِب، لو مثلًا جاءتْه مجلَّة فيها مثلًا خمس صور، ست صور،
بيَجي يوميًّا بيجد يتعب في طمسها أو تمزيقها مثلًا، هذا نوع المشقة.
طالب: يا شيخ، يعني لو (...) خمس دقائق هل تعتبر هذه مشقة عليه،
إذا صار عنده قلم..
الشيخ: لا، بس تتبُّعها، قد يكون
مرَّة يمكن ما فيه مشقَّة خمس دقائق ولا ساعة أيضًا مشقَّة، ثم هي غير مقصودة في
الحقيقة، بالنسبة لي أنا ما شريتُها للصورة هذه ولا قصدتُها إطلاقًا.
طالب: لكن الحديث يا شيخ «وَلَا صُورَةً
إِلَّا طَمَسْتَهَا» ، أقول: هذا الحديث
كأنَّه مخالفة، كما أننا نخشى أننا نلزم الناس بتحريمها أيضًا نخشى من مخالفة
النصوص الواردة بها.
الشيخ: لأنه قد تكون كلمة «صُورة» الصورة المقصودة التي اتُّخِذتْ لذاتها، فيه احتمال
قوي لهذا، لا سيَّما في أوقاتهم، أوقاتهم ما تجد صورةً في وقت الرسول ووقت الصحابة،
ما تجد صورةً إلا مقصودة لذاتها في الغالب، لكن عندنا الآن ما هي مقصودة أبدًا، حتى
الإنسان اللي يشتري المجلات هذه ما هو يروح يقصد.
أمَّا المجلات اللي فيها
تُقصَد الصور مثل -والعياذ بالله- المجلات الخليعة هذه، فاللي يشترونها أولئك القوم
ليتمتعوا بالنظر إلى ما فيها من الصور، هذا لا شكَّ في تحريمه.
طالب: طيب يا شيخ، القِرَام اللي كان لعائشة، عائشة ما كانت تقصد
الصور لذاتها، كانت تريد أن تستر النافذة، فالنبي صلى الله عليه وسلم مزَّقه وغضب،
اشتد غضبه لهذا ، مع أنها ما قصدت
الصورة لذاتها؟
الشيخ: نعم، هي ما قصدت إلا الستر، لكن
كونها خصَّت هذا الذي فيه التصاوير يدلُّ على أنها قصدته لأجْل الوشي الذي فيه
والتطريز الذي فيه، ولهذا تجد أنَّ قيمتها تكون أكثر من السادة اللي ما فيه
شيء.
طالب: يا شيخ من التجربة (...).
الشيخ: هي على كلِّ حال، الكلام على عموم الناس، وإلا يمكن صاحب
الهمَّة العالية قد يَسْهل عليه ذلك يتجنَّبها أولًا، وما دعتْ الحاجةُ إليه يصنع
به ما فعلتَ، لكن بالنسبة لعموم الناس لا شكَّ أنَّه مشقَّة عليهم.
***
(...) (التغليظ الشديد في المصوِّرين)، من أين يؤخذ؟طلبة: «أشد الناس عذابًا».
الشيخ: من قوله «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» ، ومن الوعيد الآخر.
(الثانية: التنبيه على العِلَّة، وهو تَرْك الأدب مع الله؛ لقوله: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» )؛ فإنَّ الذي يذهب يخلق كخلق الله لا شكَّ أنَّه مسيءٌ للأدب مع الله عز وجل، كما أنَّ الذي يُضَادُّ اللَّهَ تعالى في شرعه قد أساء الأدب مع الله.
(الثالثة: التنبيه على قدرته وعَجْزهم)، وبيَّن مأخذها بقوله: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ شَعِيرَةً» ؛ وجه ذلك أنَّ الله تعالى خَلَق ما هو أكبر وأعظم من الذرَّة أو الشعيرة، وهم عجزوا عن خلق الذرَّة أو الشعيرة.
(الرابعة: التصريح بأنَّهم أشدُّ الناسِ عذابًا). وهو واضحٌ من الحديث: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».
(الخامسة: أنَّ الله يخلق بعدد كلِّ صورةٍ نفسًا يعذَّب بها المصوِّر في جهنم).
طالب: يجعل له صورة يصورها.
الشيخ: «يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» .
(السادسة: أنَّه يُكَلَّف أن يَنْفخ فيها الروح)؛ «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» .
(السابعة: الأمر بطمسها إذا وُجدت).
طلبة: «ألَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا».
الشيخ: «ألَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» .
الثامنة: الجمع بين صورة التماثيل وصورة القبور؛ «أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» ؛ لأنَّ في كل منهما وسيلةً إلى الشرك، فهذا وجه الجمع بينهما.
والتاسعة: إثبات العذاب يوم القيامة.
والعاشرة: أنَّ الجزاء من جنس العمل؛ لأنَّه يُجعل له بكلِّ صورةٍ صورها نفسٌ يُعَذَّب بها في جهنم؛ لأنَّ هذا هو عمله، فكان جزاؤه كعمله.
يؤخذ منها أيضًا فوائد أُخرى لكن ما لها دخل في التوحيد.
طالب: حديث الصورة قبل هذا ما هو؟ حديث الوسادة ؟
الشيخ: نحن ذكرنا لكم أنَّ الأحوط أن يتجنَّبها الإنسان.
طالب: شيخ، في (...) المصورين؟
الشيخ: (...).
الطالب: نعم، (...).
الشيخ: ما هو تصوير هذا.
طلبة: (...).
طالب: هيكل الإنسان، (...) عليه هيكل (...)؟
الشيخ: هيكل، هيكل مصنوع يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا لا مانع، لكن بس يُجعل الرأسُ وحده والجسمُ وحده، يُفْصل.
طالب: بعض الناس يصور صورًا بالظل، يعمل بيديه حركات وتخرج صور، فهل هذا تمثيل؟
الشيخ: لا، ما يخالف، ما يظهرهذا؛ لأنه ما يمثِّل تمامًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا أبدًا، ولا يمثِّل ولا شيء، يصوِّر رأس بعير يقول كذا، نعم.
***
(...) ثم قال: (باب ما جاء في كثرة الحلف).
سبق لنا أنَّ الحلف بغير الله عز وجل شِركٌ، وأنَّه قد يكون شركًا أكبر وقد يكون أصغر بحسب ما قام بقلب الحالف من تعظيم المحلوف به؛ فإنْ عظَّمه تعظيمًا لا يليق إلا بالله فهو شركٌ أكبر، وإنْ كان دون ذلك فهو شركٌ أصغر، لو حلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم معتقدًا أنَّه يستحقُّ من التعظيم كما يستحقُّ الله عز وجل كان شركًا أكبر، وكذلك لو حلف بالكعبة أو نحو هذا، أمَّا إذا كان يعتقد أنَّه لا يستحقُّ من التعظيم كما يستحقُّ الله فهو شركٌ أصغر.
ومراد المؤلف في هذا الباب ليس ما ذكرنا الآن أنَّه الحلف بغير الله، مراده الحلف بالله عز وجل، ووجه مناسبته لكتاب التوحيد أنَّ كثرة الحلف تدل على أنَّه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله عز وجل ما يقتضي هيبته أو هيبة الحلف به سبحانه وتعالى؛ فالإنسان إذا أكثرَ الحلفَ بالله دلَّ ذلك على أنَّ في قلبه نقصًا من تعظيم الله عز وجل، وتعظيم الله تبارك وتعالى لا شك أنَّه من تمام التوحيد، بل هو من أعظم مقوِّمات التوحيد.
قال: (وقول الله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩]).
هذه الآية ذكرها الله عز وجل في سياق كفَّارة اليمين: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩].
وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْما معناها؟
نقول: اليمين له ابتداءٌ وانتهاءٌ ووسطٌ؛ ابتداؤه الحلف، وانتهاؤه الكفَّارة، ووسطه الحِنث.
مثال ذلك: إذا قلتَ: واللهِ لا أفعل كذا. هذا ابتداء. فإذا فعلتَه فهو الحنث، وهو وسط. فإذا كفَّرتَ عنه فهو الكفَّارة وهو الآخِر؛ الطرف الثاني.
فكلُّ يمين فيه طرفان ووسط، الطرف الأول ما هو؟
طلبة: الحلف.
الشيخ: الحلف. والطرف الثاني؟
طلبة: الكفَّارة.
طلبة آخرون: الحنث.
الشيخ: لا، الكفَّارة. والوسط؟
طلبة: الحنث.
الشيخ: الحنث.
ما معنى الحنث؟ الحنث أن يفعل ما حلف على تَرْكه أو يترك ما حلف على فِعله، هذا الحنث، ومنه نعلم أنَّ كلَّ يمينٍ على شيءٍ ماضٍ فليس فيها حنث، وما لا حنث فيه لا كفَّارة فيه، فالحلف على الشيء الماضي إمَّا أن تكون صادقًا أو كاذبًا، فإنْ كنتَ صادقًا فقد بررت، وإن كنتَ كاذبًا فقد أثمتَ، أمَّا الكفَّارة فلا تجب. أوما فهمتم هذا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: مثال يا شيخ.
الشيخ: مثال ذلك: قلتَ لشخصٍ: واللهِ ما فعلتُ هذا أمسِ. إن كنتَ صادقًا فهي يمينٌ بارَّة، إن كنتَ كاذبًا فهي يمينٌ فاجرة، لكنْ ما عليك كفَّارة؛ لأنَّ الكفَّارة ما تكون إلا في حلفٍ على مستقبل. واضح أو لا؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: واضح، لكنْ لو قلتَ: واللهِ لَأفعلنَّ هذا غدًا أو اليومَ. المهم: لأفعلنَّ هذا في المستقبل. إن فعلتَ هذا فقد بررتَ، وإن لم تفعلْه فقد حنِثتَ وتلزمك الكفَّارة؛ لأنَّه على شيءٍ مستقبل.
فإن حلفتَ على شيءٍ مستقبلٍ بناءً على غَلَبة الظنِّ ولم يكنْ، ففيه خلافٌ بين أهل العلم؛ فمنهم مَن قال: عليك الكفَّارة، ومنهم مَن قال: لا كفَّارة عليك، والصحيح أنَّه لا كفَّارة عليك.
مثال ذلك: قلتَ: واللهِ ليقدمنَّ زيدٌ غدًا. بناءً على ظنِّك أنَّه سيقدم فلم يقدم، فهُنا الصحيح أنَّه لا حنث عليك؛ لأنك إنما حلفتَ على ما في قلبك وهو حاصل، كأنَّك حينما قلتَ: واللهِ ليقدمنَّ زيدٌ غدًا، كأنَّك تقول: واللهِ إنَّ هذا هو ظنِّي. وهو صحيحٌ أنَّه ظنُّك؟ نعم، صحيحٌ أنَّه ظنُّك.
إذَن الآن قوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْبعد أن ذكر اليمين والكفارة، والحنث قلنا: إنَّه يكون وسطًا بينهما، فما المراد بحفظ اليمين؟ هل هو الابتداء، أو الانتهاء، أو الوسط، أو الثلاثة؟
طالب: الجميع.
طالب آخر: إذا ما حصل الابتداء وما حصل (...).
الشيخ: لا، هل المراد حِفظها في الابتداء أو في الانتهاء أو في الوسط؟ بمعنى: هل مراد الآية: لا تُكثروا الحلف بالله، أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا، أو المراد: إذا حنثتم فلا تتركوا الكفارة؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، كلُّها، فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا المؤلف جاء بها في هذا الباب لأنَّ من معنى قوله: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْأي: لا تُكثروا الأيمان، والمؤلف يقول: (باب ما جاء في كثرة الحلف)، لا تُكثروا الأيمان؛ لأنَّ كثرة الأيمان وكون الإنسان كلَّما.. يحلف يحلف يحلف، معناه استهانتُه بالله عز وجل، وهذا أمرٌ عظيمٌ جدًّا.
والمراد بذلك ما كان معقودًا ومقصودًا، أمَّا ما كان يجري على اللسان بلا قصدٍ فهذا ليس فيه شيء؛ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [المائدة: ٨٩]، ما فيه مؤاخذة إطلاقًا، وقد مرَّ علينا أن اللغو في اليمين مثل؟
طالب: لا واللهِ.
الشيخ: مثل: (لا واللهِ) و(بلى واللهِ) في عرض حديثه؛ مثلًا قلتَ لصاحبك: أنت ستزور فلانًا؟ قال: لا واللهِ ما أنا بزائره، لا واللهِ ما أنا بجاءٍ، لا واللهِ إني أفعل كذا. ما قصده اليمين، شيء يجري على اللسان بلا قصد هذا ما فيه شيء، لكن المراد اليمين المنعقدة، لا تُكثر اليمين.
نأتي لوسط اليمين؛ أي: لا تحنثوا في أيمانكم، وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْيعني: لا تحنثوا فيها، إذا حلفتَ فاثبتْ على يمينك، لا تحنث. هذا من حِفظ اليمين ولَّا لا؟ نعم، هذا من حفظ اليمين.
ولكن هذا الوسط وهو الحنث فيه تفصيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، وعلى هذا فالحنث نقول: حِفظ اليمين فيه ألَّا يحنث إلا إذا كان أيش؟
طالب: غيره أحسن منه.
الشيخ: إلا إذا كان الحنثُ خيرًا، وإلا فالأحسن أن تحفظ يمينك ولا تحنث، واضح يا جماعة؟
رجلٌ حَلَف قال: واللهِ لا أكلِّم فلانًا. وهو من المؤمنين الذين يحرم هَجْرهم، هل الأفضل حِفظ اليمين أو الحنث في اليمين؟
الطلبة: الحنث.
الشيخ: الحنث في اليمين؛ يعني الأفضل أن تكلِّمه وتُكَفِّر عن يمينك، ولَّا لا؟ لأنَّ كلامه خيرٌ من هَجْره.
رجلٌ آخَر قال: واللهِ لأعينن فلانًا على شيءٍ محرَّم، ما تقولون في الحنث هنا؟
طلبة: يجب الحنث.
الشيخ: يجب الحنث، ولَّا لا؟ أي يجب أن يُعينه ولَّا ألَّا يُعينه؟
الطلبة: ألَّا يُعينه.
الشيخ: ألَّا يُعينه؛ لأن هذا هو الحنث، يجب ألَّا يُعينه ويُكَفِّر عن يمينه، واضح؟ إذَنْ صار الحنث فيه تفصيل، لكن إذا كان الأمر مستويًا؛ الحنث وعدمه سواء في الإثم، فما هو الأفضل؟ الأفضل حِفظ اليمين.
طالب: شيخ، إذا حَلَف أن يهجر أخاه، هل يجب الحنث أو الأفضل الحنث؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا حلف أن يهجر أخاه هل يكون الأفضل الحنث أو يجب؟
الشيخ: يجب، إذا كان يحرم هَجْره يجب الحنث.
المعنى الثالث اللي هو الآخِر، أو الطرف الثاني: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْيعني لا تَدَعوها بغير تكفير؛ فإذا حَلَف وحنث في يمينه وَجَب عليه أن يُكَفِّر، فورًا ولَّا على التراخي؟
طلبة: فورًا.
الشيخ: فورًا؛ لأنَّ الأصلَ في الواجباتِ الفوريةُ، ولا يجوز أن يؤخِّر التكفير ولا أن يَدَع التكفير، وهذا من حِفظ اليمين ولَّا لا؟ من حِفظ اليمين؛ لأنه قيامٌ بما تقتضيه تلك اليمين وهو الكفَّارة، فيكون أداء الكفَّارة حفظًا لها.
فصار حفظ اليمين يدخل فيه ثلاثة أشياء: حفظها ابتداءً، وحفظها حنثًا، وحفظها كفَّارةً.
ابتداءً؛ يعني: لا تُكثر اليمين.
وسطًا: لا تحنث فيها إلا أن يكون خيرًا.
انتهاءً: لا تَدَعْها بدون تكفير.
وما هو التكفير؟
التكفير بيَّنه الله بقوله: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩]، بدأ بالأصعب ولَّا بالأسهل؟
طلبة: بالأسهل.
الشيخ: بالأسهل؟
الطلبة: نعم.
طلبة آخرون: بالأصعب.
الشيخ: بالأصعب؟
ما يمكن تقولون، نشوف؛ أمَّا بوقتنا الحاضر فالأسهل الإطعام، لكن يمكن يجيء في يوم من الأيام الإطعام أحبُّ إلى الناس من الثياب، ولَّا لا؟ لو تكون زمن مساغب، الناس عندهم ثياب، مملوءة بيوتهم من الثياب، لكنَّهم جوعى، هنا الإطعام أفضل.
ربما تكثر الرقاب؛ العبيد المماليك يكثرون، ثوبه يسوى خمسين ريالًا وهو يسوى عشرين ريالًا، ويش (...)؟ الكسوة أفضل وكذلك الإطعام.
المهم -على كلِّ حال- بالنظر للغالب لا شك أنَّ الآية بدأ الله بها بأيش؟ بالأسهل.
طيب، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍتخييرًا ولَّا ترتيبًا؟
طالب: تخييرًا.
الشيخ: تخييرًا، ولهذا قال بعدها: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩].
مَن لم يجد أيش؟ مَن لم يجد إطعامًا أو مَن لم يجد مُطْعَمًا؟
يشمل الأمرين، ولهذا حُذِف المفعول به ليكون أعمَّ؛ قد أَجِد إطعامًا وعندي دراهم ولكن ما أَجِد مَن أُطعم، أطلب في البلد كلِّه ما أجد فقيرًا، ماذا أصنع؟ أصوم ثلاثة أيام، صح ولَّا لا؟
لا يُقال: إنَّه هنا فُقِد المحلُّ -محلُّ الواجب وهو الفقير- فيسقط، كما لو قُطِعت اليد فإنه يسقط غسلُها. لأنَّا نقول: إنَّ الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، وحذفَ المفعول، فدلَّ ذلك على العموم.
ترى لا مانع أننا نتكلم بهذا، وإن كان هذا فرعًا فقهيًّا ما له دخل في التوحيد، لكن تذكيرًا.
إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍفي قراءة ابن مسعود: (مُتَتَابِعَةٍ).
طالب: شيخ، (...).
الشيخ: إذن نرجع إلى..
الطالب: ما يدخل في عموم: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»؟
الشيخ: إلَّا، نقول: أفضل، لكن أصله ما هو بواجب، حتى بلا يمين ليس بواجب، فاليمين ما توجبه، بس يكون الأفضل أنَّه إذا كان المطلوب مستحبًّا أن يحنث.
الطالب: والمكروه (...)؟
الشيخ: والمكروه نقول: الأفضل ألَّا يفعل، فيكون الأفضل في المكروه ألَّا يفعل لسببين: لحفظ اليمين، ولأنَّ المحلوف عليه مكروه.
ألَا يدخل في قوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْأي: لا تحلفوا بغير الله؟ هل يدخل في هذا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: أو نقول إنَّ الحلف بغير الله ليس بيمين؟
طالب: يمين يا شيخ.
طالب آخر: كيف يا شيخ؟
الشيخ: أقول: هل يدخل في قوله: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْيعني: لا تحلفوا بغير الله، أو لا يدخل؟
إنْ كان الحلف بغير الله تعالى حلفًا فهو داخل؛ يعني: احفظوا أيمانكم أن تُقسِموا بما لا يحلُّ القَسَم به، ولا شك أن الحلف بغير الله قَسَم ويمين، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» ، وقال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» أو «أَشْرَكَ» ، ولم يقل: فليس له يمين، وعلى هذا فيدخل فيها إذَنْ معنى رابع وهو: ألّا تحلفوا بغير (...).
(...) من صفات الله؟
طلبة: كذلك.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: لو قال: وعِزَّة الله لأفعلنَّ كذا وكذا، مشروع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه دليل عندكم؟
طالب: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ص: ٨٢].
الشيخ: غير هذا.
طالب: نقول: الصفة فرع عن الذات، فإذا حلف..
الشيخ: هذا تعليل، ما فيه دليل؟
طالب: «فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ» .
الشيخ: نعم، صحيح.
طالب: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ..» .
الشيخ: حلفُ الله بالشيء ما هو حجة؛ لأن الله يحلف حتى بالمخلوقات: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا [الشمس: ١، ٢].
طالب: القسم من الشيطان فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢].
الشيخ: لو ما قلت: القسم من الشيطان، كان أَهْون بعد، لو جبت الآية مثل ما جابها الأخ.
على كل حال يقول العلماء: إنَّ الحلف بصفةٍ من صفات الله عز وجل حلفٌ صحيحٌ؛ لأنَّ صفات الله عز وجل غير مخلوقة، صفات الله ليست مخلوقة، فيجوز الحلف بها.
من يسأل؟
طالب: (...) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ [الإسراء: ١١٠] (...)..
الشيخ: (...) الحلف بآيات الله الآن كَثُر عندنا الحلف بآيات الله: قَسَمًا بآيات الله لأفعلنَّ كذا، قَسَمًا بآيات الله ما فعلتُ كذا.
طلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: إنْ قَصَد به الآيات الشرعية فهو يمين صحيح، إنْ قَصَد به الآيات الكونية فهو حرام، لكن فيما يبدو لي أنَّ غالب ما يريده الناس الآيات الشرعية؛ فإنَّ العامِّي إذا قال: قَسَمًا بآيات الله، تقول له: ويش آيات الله؟ قال: المصحف أو القرآن، ما يقول: الشمس أو القمر.
***
قال: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» ، أخرجاه).«الْحَلِفُ» المراد به الحلف الكاذب كما بيَّنت ذلك رواية الإمام أحمد: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ» ، أما الحلف الصادقة فليس لها هذه العقوبة.
وقوله: «مَنْفَقَةٌ» مأخوذ من النَّفاق، والنَّفاق مُضِيُّ الشيءِ ونفاذه، مُضِيُّ الشيءِ ونفاذه يسمَّى نَفاقًا، فهو إذَنْ منفقٌ للسلعة؛ يعني معناه: مروِّجٌ لها ومُمْضٍ لها بحيث يأخذها الناس إذا حلف الإنسان.
والحلف على السلعة قد يكون حلفًا على ذاتها أو نوعها أو وَصْفها أو قيمتها، كلُّ هذا يمكن يقع.
على ذاتها بأن يقول لك: هذا من حديد. وهي من باغة. أو هذا النوع؟ هذا النوع، ولَّا لا؟ الحديد نوع، والباغة نوع آخر، ويش هي الباغة؟
طالب: بلاستيك.
طالب آخر: نايلون.
الشيخ: إن قلنا: نايلون، قال: هذا ثوب النايلون هذا.
طالب: بلاستيك.
الشيخ: كله ظاهر (...) لولا (من الباغة).
طالب: (...).
الشيخ: لا، بس ما يشبه الحديد، فيه أشياء تشبه الحديد وهي من هذا البلاستيك.
طالب: ألومينيوم.
الشيخ: بلاستيك، تأكله النار، يحترق بالنار. هذا من الباغة.
حلف على أنَّ هذا من الحديد وهو من الخشب لكنَّه أملس كالحديد، هذا حلف على أيش؟ النوع.
حلف على أنها طيِّبة، هذا على الصفة.
حلف أنَّ قيمتها عشرة، هذا على أيش؟ على القيمة.
حلف على الذات بأن يقول: واللهِ إنَّ هذه هي ملك فلان. وكانت مشهورةً بالجودة مثلًا، وهي ليست هي، هذا على الذات.
فعلى كلِّ حالٍ الحلفُ على السلعة يعمُّ كلَّ هذه الأشياء: ذاتها أو نوعها أو وصْفها أو قيمتها.
«مَنْفَقَةٌ»، وأيش قلنا «مَنْفَقَةٌ»؟ يعني مروِّج ومُمْضٍ ومنفِّذ للسلعة؛ لأنَّ الناس إذا حُلِف لهم على أنَّ هذه من النوع الجيِّد مثلًا أخذوها، لكنَّها يكسب الإنسان من ورائها ولَّا ما يكسب؟ يكسب، إلَّا أنَّ هذا الكسب تُمحق بركته؛ لأنَّه كسبٌ حرام، والكسب الحرام ما يبقى، والعياذ بالله، سَمَّاه الله تعالى سُحتًا لأنَّه يسحت البركة والنفع.
ومَحْق الكسب هنا هل معناه أن الكسب يزول نفسُه؛ يعني مثلًا يضيع أو تأكله النار مثلًا حريق، أو أنها تُمحق بركتُه بحيث لا ينتفع الإنسان به في حياته، أو أنَّ الله يسلِّط على هذا الرجل آفاتٍ تستهلك هذا الكسبَ كأمراضٍ فيه أو في أهله أو ما أشبه ذلك؟ أيش تقولون؟
الطلبة: يشمل الجميع.
الشيخ: يشمل الجميع، فإنَّ الكسب المحرَّم يُمحق؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» . وكم من إنسانٍ عنده مالٌ قليلٌ لكن قد نَفَعه الله به ونَفَع غيرَه من ورائه، وكم من إنسانٍ عنده أموالٌ ولكنَّه لم ينتفع بها، صار -والعياذ بالله- بخيلًا، يعيش عيش الفقراء وهو أيش؟ غني؛ لأنَّ بركتها قد مُحِقت والعياذ بالله.
في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الحلف وإنْ غَرَّ الإنسانَ بكثرة الكسب فهو مَمْحقة للكسب، نتائجه وخيمة.
وفيه دليلٌ على أنَّ الكسب المترتِّب على شيءٍ محرَّم من كبائر الذنوب. ويش الدليل؟ الوعيد عليه أنه «مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»، وهذا وعيدٌ في الدنيا، والوعيد في الدنيا دليلٌ على أنَّ هذا الأمر من كبائر الذنوب.
***
ثم قال: (وعن سلمان)..طالب: شيخ، هل مَحْق البركة بمجرَّد الحلف، أو أنه حلف على أمرٍ كاذبًا؟
الشيخ: لا، قلنا: إنَّ الحلف هذا مُطْلق، لكن قيَّدته رواية الإمام أحمد: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ». أمَّا الحلف فكثرة الأيمان لا شكَّ أنها غير محمودة حتى في الصدق.
طالب: إذا حلف شخصٌ قال: وسورةِ البقرة، وآيةِ الكرسي. هل يشمل هذا الحلف بكتاب الله؟
الشيخ: إي، هذا من الحلف بصفات الله.
الطالب: إذا قال: والبقرةِ. وبنيَّته أنها سورة البقرة؟
الشيخ: إنْ كان مَن حوله يفهمون أنها البقرة ذات القوائم الأربع فهو ما يجوز، إذا كان بيحلف أمام السيخ أو الهندوس يقول: والبقرة. ويش يبغي يفهمون؟ أنَّها بقرتهم اللي هم يعبدون، ولّا لا؟ ما يجوز هذا.
طالب: يا شيخ، بالنسبة للحديث: الحلف منفعة للسلعة؟
الشيخ: (منفعة)!
طلبة: «مَنْفَقَةٌ».
الشيخ: «مَنْفَقَةٌ».
الطالب: «مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ»، هل البيع صحيح؟
الشيخ: البيع صحيح مع الإثم، لكن للمشتري الخيار -خيار الغبن- كما مرَّ علينا في الفقه.
طالب: هل كلُّ عقوبة ترتَّبت في الدنيا يكون لها عذاب في الآخرة؟
الشيخ: لا، مَن عُوقب بعمله في الدنيا فإنَّه لا يُعاقَب في الآخرة.
الطالب: يعني مثل البائع الآن.
الشيخ: أيُّ إنسانٍ يكون له عقوبة في الدنيا على عمله فإنَّه لا يُعاقَب عليه في الآخرة.
طالب: يا شيخ، لو استخدم البائع التورية في الحلف؟
الشيخ: ما يجوز هذا لأنَّه ظالم، التورية للظالم حرامٌ بالاتفاق، والتورية للمظلوم جائزة كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والتورية لمن ليس بظالمٍ ولا مظلومٍ فيها خلاف بين العلماء، وقد مرَّ علينا أنَّ الأفضل ألَّا يورِّي إلا لمصلحة.
طالب: يا شيخ، ما هي رواية أحمد؟
الشيخ: أيش رواية أحمد؟
الطالب: رواية أحمد؛ قيَّدتْها رواية أحمد؟
الشيخ: هذه رواية أحمد: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ» .
طالب: يا شيخ، قلت: كل .. يعني؟
طالب آخر: ما يُخَصَّص بالحدود يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ما يُقَيَّد فقط بالحدود؟
الشيخ: لا، حتى في غير الحدود؛ مَن عوقب في.. هذا في المسلم، أمَّا الكافر فيُعاقَب في الدنيا والآخرة.
طالب: أقول: بالنسبة للحلف بصفة من صفات الله، ما يمكن أن نستدلَّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم في المريض: «أَعُوذُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» ، والتعوُّذ كالحلف؟
الشيخ: لا، على كل حال فيه أشياء واضحة؛ مثل: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» هذا بالصفة؛ لأنه اسم موصول.
طالب: لو إنسانٌ عاقٌّ لوالديه وعقَّ به أبناؤه، فنقول: هذه عقوبتُه، وفي الآخرة ما يُعاقَب على عقوق الوالدين؟
الشيخ: ما يُعاقَب، إذا عُوقِبَ في الدنيا ما يُعاقَب.
الطالب: إذا مثلًا عقَّ به أبناؤه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: تكون هذه عقوبته؟
الشيخ: ولا يُعاقَب في الآخرة.
الطالب: (...) حقوق الوالدين؟
الشيخ: حقوق الوالدين حصل هذا، حصل العقوبة عليه بأن أضاع أولادُه حقَّه.
(...)
***
وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» .«ثَلَاثَةٌ» مبتدأ، وهي نكرة، فما الذي سوَّغ الابتداء بها وهي نكرة؟
طالب: لأنه صفة.
الشيخ: صفة؟!
الطالب: (...).
الشيخ: لأنها أفادت، هذا جواب مُجمَل، ومستنده قول ابن مالك:
| وَلَا يَجُـــــــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّـــــــكِرَهْ | مَا لَمْ تُفِدْ................... |
لكن نوع الإفادة هنا التقسيم.
طالب: كيف؟
الشيخ: قسَّمهم؛ يعني إجمال ثم تفصيل.
قال: «لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ». «لَا يُكَلِّمُهُمُ» التكليم معروف، هو إسماع القول، ولا يكون كلامًا إلا ما كان مسموعًا، وأمَّا الكلام النفسي الذي يُقَدِّره الإنسان في نفسه فلا يُسَمَّى كلامًا على سبيل الإطلاق، وإن كان يُسَمَّى قولًا بالتقييد، أمَّا عند الإطلاق فإنَّ هذا لا يُسَمَّى كلامًا أبدًا، لكنْ إذا قُيِّد في النفس تَقَيَّد؛ كما في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [المجادلة: ٨]، وقال عمر رضي الله عنه: زَوَّرتُ في نفسي كلامًا . في قصة السقيفة، زَوَّرتُ كلامًا في نفسي؛ يعني قَدَّرتُه، فأمَّا عند الإطلاق فلا يكون إلا بحرفٍ وصوتٍ مسموع.
والناس في كلام الله اختلفوا على عدَّة أقوالٍ، أَوْصلها ابن القيم في مختصر الصواعق المرسَلة إلى ثمانية أقوال، ولكنَّنا نحن إذا رفضنا هذه الأقوال وقلنا: نعود إلى ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، ونأخذ عقيدتنا صافيةً من كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونقطع النظر عن هذه المجادَلات والمخاصَمات؛ لأنه ما أوتي الجدلَ قومٌ إلا ضلوا، إذا رجعنا إلى ذلك عرفنا أنَّ الكلام معناه واضحٌ وبيِّنٌ وهو ما يُسمع من المتكلم.
وعلى هذا فكلام الله عز وجل كلامٌ حقيقي، يتكلم ويُسمع، ولكن الصوت ليس كأصوات المخلوقين، أمَّا ما يُسمع من كلام الله فإنَّه لا شك أنه من جنس كلام المخلوقين بحروفٍ يفهمها المخاطَب، ولولا ذلك ما فُهِم، لو كان الله عز وجل يتكلم بحروفٍ لا تُشبه الحروفَ التي نتكلم بها لكُنَّا لا نفهم ذلك أبدًا، فالذي يختصُّ به من كلامه هو أنَّ صوته جل وعلا لا يُشبه أصواتَ المخلوقين، أمَّا الحروف التي تُسمع فإنها هي حروف اللغة التي يخاطِب الله بها مَن يخاطبه، والله عز وجل يخاطب كلَّ أحدٍ بلُغته.
فنفي الكلام هنا دليلٌ على إثباته، ولَّا لا؟ لأنَّه لَمَّا نفاه عن قومٍ دلَّ على ثبوته لقوم، وبهذه الطريقة استدلَّ بعض أهل العلم على إثبات رؤية الله يوم القيامة من المؤمنين، استدلَّ بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]، يعني الفُجَّار، قال: فما حُجِب الفُجَّار إلا والأبرار يرون الله عز وجل؛ إذْ لو امتنعت الرؤية مطلقًا لَكان الفُجَّار والأبرار سواءً فيها، كذلك هنا لو انتفى كلام الله عز وجل عن كلِّ أحد لَكان لا وجه للتخصيص بنفي الكلام في هؤلاء «لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ».
إذَنْ كلام الله عز وجل بحرفٍ وصوتٍ مسموع، ولكن لا يَلزم من كلامه سبحانه وتعالى أن يكون له آلةٌ كما يكون للآدمي، نحن لنا آلاتٌ لا يتمُّ كلامُنا إلا بها؛ كاللسان والأسنان، والحلق، وما أشبه ذلك، ولا يَلزم من ثبوت الكلام لله أن يكون له هذا، كما أنَّه لا يَلزم من سماعه أن يكون له أيش؟ أُذُن، وانظر إلى الأرض تَسْمع وتحدِّث، هل لها آذان؟
الطلبة: لا.
الشيخ: هل لها لسان وشفتان وأسنان؟ ما عُمرها عضَّت واحدًا منكم بأسنانها؟ أبدًا، ما لها شيء، ومع ذلك فإنَّ الله تعالى يقول: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة: ٤، ٥].
انظر إلى الجلد؛ يشهد، ينطق يوم القيامة؛ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤]، وفي الآية الثانية: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [فصلت: ٢١]، ومع هذا ليس لأرجُلنا ولا لأيدينا ولا لألسنتنا ألسُنٌ ولا شفتان، فالله جل وعلا يتكلم، ولا يَلزم من كلامه أن يكون له أدواتٌ كأدوات المخلوقين، وهو جل وعلا خالق كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ من مخلوقاته مقرونٌ بأسبابه وأدواته، أمَّا الربُّ عز وجل فإنَّه سبحانه وتعالى لا يَلزم من كلامه ما يَلزم لكلام المخلوقين.
طالب: واليد؟
الشيخ: أمَّا اليد فهي ثابتةٌ لله، لكن ما هي كأيدينا، الله أعلم بكيفيتها.
قوله: «لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ» إن قيل: إنَّ الله يكلِّم مَن هو أعظم منهم، يكلِّم أهلَ النار. أليس يكلِّم أهلَ النار؟
طالب: بلى.
الشيخ: يكلِّمهم ويكلِّمونه، آخر الأمر يقول: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]، فكيف يُنفى الكلام هنا؟!
يقال: المراد كلام الرضا، أمَّا كلام الغضب والتوبيخ فإنَّ هذا الحديث لا يدلُّ على نفيه.
«وَلَا يُزَكِّيهِمْ»، أيش معنى التزكية؟ التزكية بمعنى التوثيق والتعديل؛ يعني أنَّه يوم القيامة ما يُعَدِّل هؤلاء ولا يُوَثِّقهم ولا يشهد لهم سبحانه وتعالى بالإيمان؛ وذلك لِمَا فعلوه من هذه الأفعال الخبيثة.
«وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، «عَذَابٌ» أي أيش؟ عقوبة، و«أَلِيمٌ» بمعنى مؤلِم شديد مُوجِع.
هذه ثلاث عقوبات -والعياذ بالله-: نَفْي التكليم، نَفْي التزكية، إثبات العذاب الأليم.
مَن هم؟ فصَّلهم قال: «أُشَيْمِطٌ زَانٍ» هذا واحد، الأُشَيمِط هو الذي اختلط سوادُ شعره ببياضه لأنَّه كبير السن، وكبير السن قد بردت شهوتُه وليس فيه ما يدعوه إلى الزِّنى، ولكن مع ذلك زَنى، مما يدلُّ على خُبثٍ في إرادته وسوء تصرُّف؛ فإنَّ الأُشيمط في العادة يكون قد بلغ أَشُدَّه واستوى، وعرف الحكمة، ومَلَكه عقلُه أكثر من هواه، هذا من جهة، وكان عليه مع هذا السبب أن يُحسن التصرُّف.
ثانيًا: الأُشيمط قد بردت شهوتُه، وليس به حاجةٌ مُلِحَّةٌ إلى إتيان النساء، فالزِّنى منه أيش؟ غريب، الزِّنى منه غريب، ليس عن طبيعةٍ تحدوه إلى فِعله، ولكن عن سوء نِيَّةٍ وقصدٍ وضعف إيمانٍ بالله عز وجل، فصار السبب المقتضي لزناه قليلًا، والحكمة التي نالها ببلوغ الأَشُدِّ كثيرة ولَّا لا؟ كثيرة، وكان عليه في هذا السنِّ أن يُغَلِّب جانب أيش؟ العقل، ولذلك الشابُّ عنده قوة لكن عنده شهوة تحجزه أحيانًا دون التصرُّف المحمود، وأمَّا الشيخ فعنده فُتور وعنده حكمة، ومع ذلك ذهب يزني والعياذ بالله.
والزِّنى: فِعْل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، وقد نهى الله عنه وبيَّن أنَّه فاحشةٌ وأنَّه ساء سبيلًا؛ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: ٣٢].
وصَغَّره «أُشَيْمِطٌ» تحقيرًا له؛ كأنَّه يقول: ويش هذا الشايب العجوز؟! إن صحَّ أن يعبِّر بالعجوز للرجل- لكن هذه مشهورة عند بعض العرب يسمِّي الشايب عجوزًا؛ يقول: لي أبٌ عجوز، سبحان الله! أب عجوز؟! قل: أمٌّ عجوز، تقول: أبٌ شيخ، لا بأس؛ أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣].
أقول: يقول: هذا «أُشَيْمِطٌ» صغَّره تحقيرًا لشأنه؛ يعني: ويش هذا الإنسان اللي بلغ من الكِبَر عتيًّا يروح يزني؟!
وعندي فيه إشكال في قوله: «أُشَيْمِطٌ زَانٍ»، لماذا جرَّها مع أنها صفةٌ لمرفوع؟ لأنها اسمٌ لا ينصرف؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لنقُل: التنوين هذا ليس تنوين إعراب، ولكن هي مرفوعة بضمة مقدَّرة على الياء المحذوفة.
الشيخ: إي نعم، إذَن النون ليست آخر الكلمة، فالحركة اللي فيها ليستْ حركة إعراب.
«أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»، أعوذ بالله.
طالب: «أُشَيْمِط» هل هي منوَّنة: «أُشَيْمِطٌ»؟
الشيخ: نعم، «أُشَيْمِطٌ زَانٍ».
«وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»، «عَائِلٌ» مَن العائل؟ الفقير، والدليل قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٦ - ٨]، شوف عَائِلًا فَأَغْنَى، مقابلة الشيء بالشيء تبيِّن المعنى.
«عَائِلٌ» العائل فقير، والاستكبار عادةً يكون من الغني؛ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧]، فالغالب أنَّ الاستكبار من الأغنياء؛ هو الذي يرى نفسَه غير محتاجٍ للناس وأرفع منهم، ويستطيع أن يحصِّل ما لا يحصِّلون، فيستكبر ويعلو.
هذا رجلٌ فقير، ثيابُه متمزِّقة، رأسُه أشعث، لا يستطيع أن يحلق رأسَه؛ ما عنده فلوس، قدماه مخرَّقتان، وأعقابه كلُّها شقوق، ثيابُه ليس لها أزارير، ثم مع ذلك إذا رأيتَه وإذا هو مستكبر، رافعٌ رأسَه دائمًا، يمكن تسلِّم عليه (...) تسمع قولة: عليكم السلام، إنْ قال، واللي بعده يقول: أهلًا، ويحذف (لا).
هذا العائل المستكبر ويش حكمه؟ لا يكلِّمه الله يوم القيامة ولا يزكِّيه وله عذابٌ أليم؛ لأنَّ داعي الاستكبار في حقِّه معدومٌ أو ضعيفٌ جدًّا؛ ليش تستكبر؟! ويش أنت حتى تستكبر؟! شوف ثيابك مرقَّعة ومشقَّقة، كيف تستكبر على الناس؟! هو لو كان غنيًّا قلنا: عنده داعٍ للاستكبار، لكن إذا كان فقيرًا فليس عنده داعٍ للاستكبار، فيكون كِبْره دليلًا على ضعف إيمانه وعلى خُبث طويَّته؛ ولذلك كانت عقوبتُه أشدَّ وأعظم لأنَّ داعي المعصية في حقِّه أضعف.
الثالث: «رَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ».
«جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ»، كيف «جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ»؟ ويش معناه؟
طلبة: الحلف.
الشيخ: جعل الحلفَ بالله.
فإن قال قائل: أنتم تنكرون علينا التأويلَ وصَرْفَ اللفظ عن ظاهره، كيف أوَّلتم وصرفتم اللفظ عن ظاهره؟ وهل هذا إلا أن تُنكروا على الناس ما تفعلونه أنتم؟! الرسول يقول: «جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ»، ما قال: جعل اليمينَ بالله بضاعتَه. وهذا غلطٌ منكم، هل يليق بالإنسان أن يُنكر على غيره ما يفعله هو بنفسه؟!
نقول: نحن ما فعلناه بأنفسنا، نحن فعلناه بتفسير الرسول عليه الصلاة والسلام، بماذا فسَّره؟ قال: «لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ»؛ إذَنْ فالرسول عليه الصلاة والسلام فسَّر المراد، وإذا كان المتكلم بالكلام هو الذي أخرجه عن ظاهره فهو أعلم بمراده، ويجب علينا أن نفسِّره بماذا؟ بما فسَّره به؛ كما في الحديث الصحيح القدسي: «عَبْدِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي» ، الله هو يستطعم أحدًا؟! ولَّا لا؟ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤]، كيف هذا؟!
نقول: بيَّنه الله عز وجل؛ قال: «عَبْدِي فلانٌ جَاعَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ»، فنحن إذا أخرجنا اللفظَ عن ظاهره بتفسير المتكلِّم به له فهل نُلام؟ لا، بل لو أننا فسَّرناه بظاهره لَكُنَّا مُلامين مخطئين.
وعلى هذا معنى قوله: «جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ» هو قوله: «لَا يَشْتَرِي ...»، وعليه فالجملة هنا استئنافية تفسيرية، استئنافية لتفسير معنى «جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ».
«لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ»، كيف «لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ» ويش لون يقول؟ ما يشتري إلا بيمينه؛ سُمتها منه بعشرة، قال: لا، زوِّد شوي. قلت: واللهِ ما معي شيء، ما معي أكثر من العشرة. وأنا معي ألف، ويش يصير هذا؟ اشترى بيمينه.
أو سُمتها منه بعشرة، قال: لا يا أخي، تسوى أَزْود؛ بخمسة عشر. قلت: واللهِ إني شُفتها في السوق الفلاني، واللهِ شُفتها بعشرة أو بتسعة بعد. هذا أيضًا اشترى بيمينه.
أمَّا «لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» فكما سبق، كلَّما أراد سلعة راح يحلف عليها، أو نوعها، أو ثمنها، أو سومها، أو ما أشبه ذلك.
لماذا استحقَّ هذه العقوبة العظيمة؟ لثلاثة أمور:
أولًا: استهانته بالله عز وجل، الثاني: كَذِبه، الثالث: أَكْله المالَ بالباطل؛ لأنَّ الغالب أنك تزيد السلعة بهذه الأيمان، ثم إنَّه داخلٌ في اليمين الغَموس -والعياذ بالله- «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، ففيها هذه الأمور الأربعة المنكَرة: الكذب، ويش بعد؟ والاستهانة بالله عز وجل، وأكْل الأموال بالباطل، واليمين الغموس؛ فلهذا كانت عقوبته أنَّ الله لا يكلِّمه ولا يزكِّيه وله عذابٌ أليم.
عندما نسمع هذا الحديث يا إخواني يجب أن نتربَّى به، نتربَّى بمقتضاه، بمعنى أن نتجنَّب هذه الأمور، وإلَّا ما الفائدة منه؟! إذا لم تظهر مقتضيات النصوص على معتقَداتنا وأقوالنا وأفعالنا فنحن والجاهلون بها سواء، بل نحن أعظم، ولذلك لا ينبغي أن تمرَّ علينا مثلُ هذه النصوص مرَّ الكرام بس نعرف معناها فقط، بل يجب أن نعرف معناها وأن نعمل بمقتضاها.
ثم يجب علينا أيضًا وبوصفنا ممن آتاه الله العلم -ولو هذا العلم النسبي- علينا أن نحذِّر الناسَ منها لنكون وارثين للرسول عليه الصلاة والسلام؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان عالِمًا عاملًا داعيًا صلى الله عليه وسلم، أمَّا طالب العلم دون أن يتَّصف بهذه الصفات فإنه ليس وارثًا للرسول عليه الصلاة والسلام وليس من وَرَثة العلماء، العلماء علماءُ عاملون دعاةٌ، فعلينا أن نحذِّر إخواننا المسلمين من هذا العمل، وأعني به العملَ الكثيرَ بين الناس وهو جَعْلُ اللهِ بضاعةً لهم؛ لا يبيعون إلا بأيمانهم، ولا يشترون إلا بأيمانهم.
ومناسبة الحديث للباب واضحة -أظن- أنَّ مَن جعل اللَّهَ بضاعتَه فإنَّ الغالب يُكثر الحلف بالله سبحانه وتعالى.
***
(...) (عن عمران بن حصين) هذا اللي..طالب: (...).
الشيخ: قوله: (وفي الصحيح) هو في الحقيقة في الصحيحين، ولعل المؤلف رحمه الله مرَّ عليه هذا في أحد الصحيحين فنقله منه، أو يريد بقوله: (في الصحيح) يعني: في الحديث الصحيح، بقطع النظر عن الاصطلاح.
(عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي» ).
«خَيْرُ» مبتدأ، و«قَرْنِي» خبره.
وقوله: «خَيْرُ أُمَّتِي» في لفظ البخاري: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي» ، وفي حديث ابن مسعود: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ، وهذا هو المراد، فالمراد بالخيرية هنا الخيرية المضافة إلى الناس عمومًا ليس إلى الأُمَّة فقط؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: «بُعِثتُ فِي خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ» ، وعلى هذا فالخيرية الثابتة بالقرن الأول خيريةٌ عامَّةٌ على جميع الناس، ليس على هذه الأُمَّة فقط.
فإن قلت: إذا قلتَ هذا أبطلتَ قوله: «خَيْرُ أُمَّتِي»، حيث أضاف الخيرية إلى الأُمَّة.
فالجواب أنَّنا إذا قُلنا: إنَّ الخيرية مضافة إلى عموم الناس دخل فيها هذه الأُمَّة، لكن إذا خصصناها بهذه الأُمَّة خرج بقية الناس، والأخذ بالعموم الداخل فيه الخاص أَوْلى.
وقوله: «قَرْنِي» القرن مأخوذٌ من الاقتران، والمراد بهم الطائفة المقترنون في شيء من الأشياء؛ إمَّا في مِلَّةٍ ونِحْلةٍ، وإمَّا في سنٍّ، وما أشبه ذلك، فالقوم المقترنون المشتركون في شيءٍ من الأشياء يُسَمَّون قرنًا؛ لأنه مأخوذ من الاقتران.
وهل هو مُعَرَّفٌ بالزمن أو مُعَرَّفٌ بالطائفة؟
بعض العلماء عرَّفه بالطائفة كما ذكرتُ، وبعضهم عرَّفه بالزمن، والذين عرَّفوه بالزمن اختلفوا فيه على أقوالٍ كثيرة: منها أنَّ بعضهم حدَّ القرنَ بأربعين سنة، وبعضهم حدَّه بثمانين سنة، وبعضهم بمئةٍ إلى مئةٍ وعشرين، لكن المشهور بين أهل العلم أنه مئة سنة، أو أنَّ المراد بهم الطائفة المقترنون أو المشتركون في شيءٍ من الأشياء كالصُّحبة مثلًا، فيصير معنى «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي»: خيرُ أُمَّتي الصحابة سواءٌ بلغوا مئة سنة أمْ لم يبلغوا.
والمعروف أنَّ آخِر مَن مات من الصحابة مات في سنة مئة وعشرة أو مئة وعشرين، ولنقُل: مئة وعشرين، فهذه المدة زادت على المئة، وإذا اعتبرناها من البعثة تكون مئةً وثلاثًا وثلاثين سنة؛ لأنَّ التقويم مبتدأ من الهجرة، والهجرة كانت بعد البعثة بكم؟ بثلاث عشرة سنة، أضِفْ ثلاث عشرة إلى مئة وعشرين تكنْ مئةً وثلاثًا وثلاثين، هذا القرن الأول.
أمَّا التابعون فإنَّ آخرهم سنة مئة وثمانين، بينهم وبين آخر الصحابة كم؟ ستون سنة.
طالب: أقل.
طالب آخر: خمسون.
الشيخ: لا، ستون؛ لأنَّ أولئك آخرهم مئة وعشرون على الأكثر، أكثر ما قيل: مئة وعشرون.
طالب: هذا لو قلنا: من البعثة؟
الشيخ: لا، من الهجرة.
وأمَّا تابِعو التابعين فآخرهم مَن مات سنة مئتين وعشرين. كم كان قرنهم؟ كان أربعين سنة.
شوف قرن الصحابة إن ابتدأتَه من البعثة صار مئةً وثلاثًا وثلاثين سنة، وإن ابتدأتَه من الهجرة صار مئةً وعشرين، وقرن التابعين من مئةٍ وعشرين إلى مئةٍ وثمانين، كم كان؟ ستين سنة، وقرن تابعي التابعين أربعون سنة؛ فعلى هذا يكون منتهى القرن الثالث سنة مئتين وعشرين من الهجرة.
«خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي»، وقوله: «أُمَّتِي» على هذه الرواية المراد بالأُمَّة أُمَّة الإجابة. ما يصلح أُمَّة الدعوة؟
طالب: لا يصلح.
طالب آخر: يصلح.
الشيخ: «خَيْرُ أُمَّتِي» يعني أُمَّة الدعوة أو أُمَّة الإجابة؟
طلبة: الإجابة.
الشيخ: لماذا؟ لأنَّ أُمَّة الدعوة إذا لم يؤمنوا فليس فيهم خير، وعلى هذا فالمراد بالأُمَّة هنا أُمَّة الإجابة.
***
(«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قال عمران: فلا أدري أذَكَر بعد قرنه مرَّتين أو ثلاثًا). عندي: (أو ثلاثًا) والمشهور أنَّ القرون المفضَّلة كم؟طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة. وإذا كان عمران لا يدري أذَكَر مرَّتين أو ثلاثًا، فالأصل؛ اليقين كم؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، مرَّتان مع القرن الأول تكون ثلاثًا، ولو ثبتت الثالثة لَكانت القرون المفضَّلة أربعة.
قال: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ»، الآن حضر سيبويه ليقول: لماذا رفعتم (قومٌ)؟ و(إنَّ) أيضًا سوف تحتجُّ؛ تقول: لماذا أبطلتم عملي وجعلتموني شلَّاء؟ لأنَّ (إنَّ) لو عَمِلتْ لَقال: «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا»؛ لأنَّ (بعد) ظرف، والظرف خبر مقدَّم، و(قومًا) اسم إنَّ مؤخَّر.
ولكن في رواية البخاري: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا»، فعلى هذه الرواية فيه إشكال ولَّا ما فيه؟
طالب: لا، ما فيه.
الشيخ: لا إشكال فيه؛ «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا».
لكن على رواية: «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ» اختلف العلماء في الإجابة عنها؛ فقيل: إنَّ هذا على لغة ربيعة الذين لا يقفون على المنصوب بالألف، فلم يُثبت الكاتبُ الألفَ فصارت: «قَوْمٌ»، وهذا الجواب جوابٌ ليس بسديد؛ لأنَّ الرواية ليست مكتوبة فقط، بل مكتوبة ومقروءة؛ يعني لو أنَّنا قُلنا: إنها مكتوبة فقط ممكن، لكنْ هي تُكتَب وتُقرأ، والتلاميذ يأخذون من مشائخهم الأحاديث باللفظ ولَّا لا؟ باللفظ.
وقال بعضهم: (إنَّ) هنا اسمها ضمير الشأن محذوف، فألحقها بـ(إنْ) أيش؟ المخفَّفة؛ لأن (إن) المخفَّفة تعمل في ضمير الشأن، كما قال الشاعر:
| ......................... | وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ |
فقالوا: إنَّ (إنَّ) المشدَّدة هنا حُمِلت على (إن) المخفَّفة، فاسمها ضمير الشأن محذوفٌ، و(بَعْد) خبر مقدَّم، و(قومٌ) مبتدأ مؤخَّر، والجملة خبر (إنَّ).
وقال بعضهم: إنَّ (إنَّ) هنا حرف جوابٍ بمعنى (نَعَم)؛ لأنَّ (إنَّ) تأتي بمعنى (نعم)، وعلى هذا فيكون المعنى: ثم نَعَمْ بعدكم قومٌ. لكن هذا فيه تكلُّف.
والظاهر أنَّه -إنْ صحَّت الرواية- فإنَّ (إنَّ) المشدَّدة محمولة على المخفَّفة، ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفًا، وإن قلنا: إنَّ في الرواية تحريفًا وإنَّ الصواب اللفظ الثاني: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا»، فلا إشكال.
طالب: هنا يقول: اسم مرفوع لفعل محذوف، تقديره: يجيء قومٌ.
الشيخ: «ثُمَّ إِنَّ».
الطالب: جوَّز العيني قَطْعه بفعلٍ محذوفٍ تقديره: يجيء قومٌ.
الشيخ: ويش هو التقدير؟ ثم إنَّ بعدكم يجيء قومٌ؟ تبقى المشكلة.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم (...)، «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ» المهم على كل حال اللي أرى أن يُقرأ بالصواب، ما دام هي رواية البخاري: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا» هذا الصواب.
«يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ».
«يَشْهَدُونَ» بمعنى يخبرون عمَّا شاهدوه أو ما سمعوه أو ما شَمُّوه أو ما لمسوه؛ لأنَّ الشهادة إخبار الإنسان بما يعلم؛ كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦]، فالمعنى: يخبرون بلفظ (أشهد) أو بغيره؛ لأنَّ الصواب أنَّ الشهادة ما يُشترط أن تكون بلفظ (أشهد)، ولذا قيل للإمام أحمد: إنَّ فلانًا يقول: أقولُ إنَّ العشرة في الجنَّة ولا أشهد. قال: إذا قال فقد شَهِد . الشاهد أنَّ الشهادة هي إخبار الإنسان بما يعلمه.
وقوله: «وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» أي: ولا يُطلب منهم الشهادة.
واختلف العلماء في قوله: «وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» هل المراد: ولا يُطلب منهم أداءُ الشهادة، أو: ولا يُطلب منهم تحمُّل الشهادة؟ لأنَّ قوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] ويش المراد بها؟ أي: حَمِّلوهم؛ أي: اطلبوا شهيدين يشهدان لكم. فعلى هذا «وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» أي: لا يُطلب منهم تحمُّل الشهادة؛ ما يقال: يا فلان اشهدْ، فيكون ذَمًّا لمن شَهِد دون أن يُطلب منه..





