كتاب التوحيد - 51
عدد الزيارات 6275

عناصر المادة :
باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

وقيل: «وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» أي: لا يُطلَب منهم أداء الشهادة؛ يعني يشهدون قبل أن يُدْعوا لأداء الشهادة. وعلى القولين جميعًا فيه دليل على تسرعهم في الشهادة وعدم اهتمامهم بها وتأنِّيهم فيها.
وقيل: إن المعنى «وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» أي: لا يحملون الشهادة، أي: يشهدون بما لا يعلمون. وعلى هذا فيكون المراد شهداء الزور الذين يشهدون بغير شهادة.
وعلى القول الأخير لا إشكال في المسألة، وعلى القول بأنهم لا يُستشهدون لا يطلب منهم التحمل؛ لا إشكال في المسألة إلا في بعض الصور.
وعلى القول بأنهم يؤدون الشهادة قبل أن يُطلب منهم الأداء يُشْكِل على هذا ما ثبت من حديث زيد بن خالد الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا»، وهذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام ترغيب في أداء الشهادة قبل أن يسأل ولَّا تحذير؟
طلبة: ترغيب.
الشيخ: ترغيب؟ كيف ترغيب؟
طالب: الذي ذكرت الآن؟
الشيخ: إي، حديث زيد بن خالد، ترغيب؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: كيف كان ترغيبًا؟ لأنه قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ»، فمعنى ذلك أنه يحث على أن يؤدي الإنسان شهادته قبل أن يُسْأَل.
فإذا قلنا هذا صار هناك تعارُض في ظاهر الحال بين حديث زيد بن خالد وحديث عمران بن حصين. أنتم فهمتم المعنى «لَا يُسْتَشْهَدُونَ» كم فيها من أوجه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ثلاثة؛ «لَا يُسْتَشْهَدُونَ» يعني أنهم يشهدون بما لا يعلمون؛ أي: شهداء الزور. «لَا يُسْتَشْهَدُونَ» لا يُطلب منهم أن يتحملوا الشهادة. «لَا يُسْتَشْهَدُونَ» لا يطلب منهم أداء الشهادة؛ أي أنهم يشهدون قبل أن تُسأل منهم. على هذا الوجه يحصل التعارض بين هذا الحديث وبين حديث زيد بن خالد: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟».
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن حديث زيد بن خالد يُبطل الوجه الثالث في حديث عمران بن حصين، وأنه يجب الأخذ به، وحديث عمران بن حصين لا يُؤخذ بالوجه الثالث منه.
ومنهم من قال: بل نأخذ بالوجه الثالث، ونحمل حديث زيد بن خالد على أن المراد به من يشهد بحق لا يعلمه المشهود له. كيف حق وهو ما يعلمه المشهود له؟ نعم، يمكن، يقول مثلًا: أنا قد سمعت إقرار زيد لعمرو بِدَيْن في ذمته، وعمرو لم يدرِ أني حاضر، قد يكون في ظُلمة مثلًا، أو من وراء الجدار، أو ما أشبه ذلك. فحينئذٍ إذا ذهبتُ وأديتُ الشهادة عند القاضي أو أعلمت صاحب الحق، يكون هذا محمودًا أم لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يكون محمودًا، وقد يكون عندي شهادة لإنسان مات وانتقل الحق للورثة، والورثة لا يعلمون أني شاهِد به، فأذهب وأؤدي الشهادة لو ما سألوني. هذا أيضًا محمود ولَّا لا؟ محمود، فيحملونها على شهادة لم يعلم بها من؟ المشهود له.
ومنهم من قال: المراد بحديث زيد بن خالد، المراد الشهادة في حقوق الله؛ يعني شهادة الحسبة، فيؤدي الشهادة من غير أن يُسأل؛ لأن الغالب أن الشهادة في حقوق الله ليس لها من يُطالِب، فيذهب الشاهد ويشهد، فيكون هذا خير الشهداء.
ومنهم من لم يأخذ بحديث زيد بن خالد رأسًا؛ لأن حديث عمران في الصحيحين وحديث زيد بن خالد في مسلم، فحاول الترجيح. ولكن قد سبق لنا أن القاعدة أنه إذا أمكن الجمع لا يجوز الترجيح، والجمع هنا ممكن: بأن يُحمل حديث زيد بن خالد على ما إذا كان المشهود له لم يَعلم بالشهادة، أو أن ذلك في حقوق الله التي ليس لها مُطالِب، أو أن المراد بذلك المبادرة، يعني أنها كناية عن سرعة أداء الشهادة والمبادرة فيه، فكأنه لشدة إسراعه بذلك كأنه يؤديها قبل أن يُسأل، وإن كان ذلك ليس على سبيل الحقيقة.
وعلى كل حال فإن حديث عمران بن حصين اللي معنا ذم الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدُون، وليس المراد أنهم يشهدون قبل أن يُطلب منهم أداء الشهادة، لا؛ لأن هذا قد يكون محمودًا كما في حديث زيد بن خالد، لكن المراد بذلك شهداء الزور، أو الذين يشهدون بدون أن يُطلب منهم التحمل، ولكنهم يفعلون ذلك على وجه يحصل به العداوة والبغضاء بين المشهود له والمشهود عليه؛ لأنه قد يكون بين صاحب الحق ومَنْ عليه الحق، قد يكون بينهما قرابة وصداقة، بحيث إن صاحبَ الحق لا يحب أن يشعر المطلوب بأنه قد أشهد عليه، فيأتي هذا الرجل ويشهد من غير أن يُحَمَّل.
وأيضًا ربما يكون الكلام الذي بين المشهود له وعليه على سبيل الهزل ليس على سبيل الجد، فيأتي هذا ويشهد من غير أن يُحَمَّل وهم لا يريدون أحدًا أن يشهد؛ لأن المسألة على سبيل المزح والهزل، وليست على سبيل الجد.
والخلاصة أننا نحمل حديث عمران بن حصين على قوم يشهدون الزور، واضح، أو يشهدون من غير أن يُحمَّلوا الشهادة على وجْه يضر بالمشهود له. وأما إذا كان في ذلك مصلحة فإنه لا يُذَم.
الثاني من أوصافهم: «يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ».
قد تقول: كان الذي يتبادر إلى الذهن أن يقول: يُؤتَمنون فيخونون، ولكن ما في الحديث هو الصواب عند التأمل.
المعنى أنهم أهل خيانة وليسوا أهلًا للأمانة، وليس المعنى أنه تقع منهم الخيانة مرة من المرات حتى يُقال: لماذا لم يقل: يُؤتَمنون فيخونون؟ كأن هؤلاء -والعياذ بالله- الخيانة كأنها طبيعة لهم، فلخيانتهم لا يُؤتَمنون. فما هي الخيانة؟
الخيانة هي الغدر والخداع في موضع الائتمان؛ هذه الخيانة، وهي من الصفات المذمومة في كل حال، وأما المكر والخديعة فهي مذمومة في حال دون حال؛ قد يكون المكر محمودًا، وقد يكون الخداع محمودًا، بخلاف الخيانة؛ ولهذا يُوصف الله عز وجل بالمكر والخداع في الحال التي يكون فيها مدحًا، كما في قوله: يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].
لكن لا يُوصف بالخيانة أبدًا، مثل قول العامة الآن: خان الله من خانه! خان الله من خانه؛ هذا حرام. الله عز وجل يقول: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم، قال: فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ. فالخيانة صفة ذميمة وهي: خِداع الغير في موضع الائتمان.
«وَلَا يُؤْتَمَنُونَ»، يعني ليسوا أهلًا للأمانة فلا يؤتمنون على الدماء، ولا على الأموال، ولا على الأعراض، كذا؟ ما يأتمنهم الإنسان على شيء أبدًا؛ لأنهم أهل خيانة. هذا في القرن الرابع يظهر، فما بالك الآن في القرن الخامس عشر، لا شك أن الأمور تفاقمت.
وقد ذكر في حديث آخر: «يَفْشُو الْكَذِبُ» . يعني: يظهر، وليس ببعيد؛ لأن اللي يشهد بدون عِلْم كاذِب.
قال: «وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ».
النذر قد يكون للآدمي وقد يكون لله عز وجل، فالنذر للآدمي بمعنى العهد الذي يُوقعه الإنسان بينه وبين غيره؛ لأن أصل النذر معناه: إلزام الإنسان نفسه بالشيء، هذا النذر، إلزام الإنسان نفسه بالشيء؛ هذا يسمى نذرًا، ثم إن كان عبادة فهو خاص بالله، وإن كان غير عبادة فإنه قد يكون مع الغير ويسمى عهدًا.
فهم يَنْذِرُونَ لله ولا يُوفون له، ويُعاهِدون المخلوق، ولا يُوفون له، وهذا من صفات النفاق.
النذر سيأتينا إن شاء الله تعالى في الفقه أنه أقسام، فمنه: نذْر الطاعة، وعقده واجِب. نذر الطاعة وعقده مكروه، ولَّا واجب؟ مكروه، لكن وفاؤه واجب. ومنه نذر المباح، مثل أن يقول: لله عليَّ نذر أن ألبس هذا الثوب، أو أن أدخل هذا المكان. هذا ما هو نذر طاعة، نقول: إن دخلت وإلا فَكَفِّر كفارة يمين، وسيأتي إن شاء الله التفصيل فيه.
قال: «وَلَا يُوفُونَ». «وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
«يَظْهَرُ» يعني يفشو ويكثر، «السِّمَنُ» يعني كثرة الشحم واللحم، ولكن مُشْكِل هذا الحديث جدًّا؛ لأن ظهور السِّمن ليس باختيار الإنسان، أو لا؟
كم من إنسان وده أنه يخفف من اللحم اللي عليه ولكن ما يحصل، أو لا؟ وكم من إنسان هزيل وده يسمن ولا يحصل؟ فكيف يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفة التي ليست باختيار الإنسان لا إيجادها ولا إعدامها، كيف يجعلها صفة ذم؟
قال أهل العلم: المعنى أن هؤلاء يعتنون بالمطاعم والمشارب التي يكون بها السِّمَن، فهم يعتنون بأسباب السِّمَن، يكون ما همهم إلا إصلاح أبدانهم، ليس لهم هم إلا أن يصلحوا أبدانهم. يلَّا رَكِّب ميزان عندك في البهو في القهوة، كل يوم اوزن روحك، إذا نقصت اليوم كيلو فكِّر في نفسك ويش البلاء؟ وإن زدت أيضًا عن الوزن المعتاد فكِّر في نفسك ليش هذا النمو؟ يمكن بعض الغدد بدأت تفرز إفرازات خلك تنمو، بعدين يكبر الجسم (...) تنحط. هذه موجودة الآن، موجودة، فيه ناس يفعلون هذا، عندهم موازين كل يوم يزنون أنفسهم، يشوفون ويش الزيادة؟ ويش النقص؟ يكملون الناقص، ويحاولون أنهم يحذفون الزيادة. هذه عناية كاملة بالجسم، لكن القلوب فارغة؛ لأن النفس إذا اشتغلت بشيء انشغلت عن غيره، قلبه ما يهمه، يسمن يهزل ما يهم، المهم هذا الجسم هل يسمن ولَّا ما يسمن.
ولهذا قال: «يَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» لتعاطي أسبابه، فكأنهم لا يهتمون إلا بما يكون سببًا لتنمية أبدانهم وزيادتها، أما غير ذلك فلا يهتمون به.
وأما السِّمَن الذي لا اختيار للإنسان فيه فإنه لا يُذم عليه، أو لا؟ كما لا يذم الإنسان على كونه طويلًا، أو قصيرًا، أو أسود، أو أبيض، أو أعرج، أو سليمًا، ما يُذم، لكن يذم على شيء يكون هو السبب فيه لا يهتم إلا به. هذا في القرن الرابع، وفي قرننا أشد وأشد، حتى إني يعني وجدت في كتاب يقول: يعني ينبغي للإنسان أن يكون جيدًا في هندامه، وكذا وكذا وكذا، إلى أن قال: يلبس الثوب النظيف ويحلق لحيته! وهذا موجود الآن في أيدي الناس، كتاب موجود في أيدي الناس.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما عليك من اسمه، المهم أن نشوف كيف التربية -والعياذ بالله- إلى هذا الحد، يجعلون معصية الشارع، يجعلونها من المظاهر الحسنة.
طالب: يا شيخ، هذه الأمور تحصل في القرن الرابع أو في القرن الأول؟
الشيخ: لا.
الطالب: متن الحديث يقول: «إِنَّ بَعْدَكُمْ»؟
الشيخ: إي، «بَعْدَكُمْ» قصده: بعد هذه القرون.
طالب: (...)؟
الشيخ: يكون في الرابع فما بعد.
طالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: لأن لفظ البخاري يدل عليه: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ».
طالب: شيخ، كيف قلنا: قرن التابعين ستين سنة واللي بعده أربعين سنة، مع أنا الآن نكون نحن في القرن الخامس عشر؟
الشيخ: نحن نقول هذا..
الطالب: بالحساب يا شيخ؟
الشيخ: نعم، نحن نقول هذا بناءً على أن القرن مُعتَبر بالسنوات، مئة سنة، لكن لو قلنا: المعتبر بالقوم والطائفة، فآخِر -كما قال ابن حجر- آخر من مات من تابعي التابعين سنة مئتين وعشرين.
الطالب: (...) القرن الخامس؟
الشيخ: بناءً على القول الثاني: إن القرن هو مئة سنة، فيه أقوال للمسألة، حتى القرن بالسنين مختلفون فيه، من ثلاثين، أربعين، خمسين، ستين، أيضًا بعضهم يقول: سبعين، وثمانين، تسعين، مئة، مئة وعشرة، مئة وعشرين، كل هذه (...) العلماء.
طالب: والصحيح يا شيخ، القرون المفضلة أيها؟
الشيخ: الظاهر بالنسبة لهذا الحديث أنهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.
الطالب: إلى مئتين و..
الشيخ: إلى مئتين وعشرين.
طالب: شيخ، قد يقول قائل: إن القرن الأول المقصود بهم الصحابة والتابعون مع بعض، نفسهم يكونوا القرن الأول؟
الشيخ: ما رأيت أحدًا قال بهذا.
طالب: هل يمكن أن نقول: يعني المقصود بقوله: «وَيَكْثُرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» يعني فيه ذم من يكثر من الأكل، وإن لم يكن يتعاطى الأطعمة التي تجلب السِّمن؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
طالب: إي نعم، يا شيخ.
الشيخ: يقول: ألا يقال: إنه يدل على من أكثر الأكل وإن لم يتعاطَ الأطعمة التي يحصل فيها السِّمَن؟
أما الحديث لا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» . والبدنة يقولون: إنها توجب الهدنة؛ يعني معناه أن الإنسان ما يكون نشيطًا ولا شيئًا.
طالب: «وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»، ألا يكون ذلك دالًّا على شدة رغبتهم للدنيا وتلبيتهم لشهواتهم ومطالبهم؛ لأن الاعتناء بالبدن قد يكون خلاف السِّمَن؛ لأن الإنسان اللي يلخبط في الأكل ما يعتبر اعتنى ببدنه؛ يعني حتى إنه انتفخ من كثرة الأكل.
الشيخ: لا، يعني معناه أنهم يشوفون المآكل والمشارب التي تُنَمِّي الجسم؛ يعني ما همهم إلا أجسامهم، هو كناية عن اعتناء الإنسان بجسمه دون دينه، ولهذا الدِّينُ الآن شوف ما يهمهم، يشهدون بدون أن يتحملوا الشهادة، ويخونون، ولا يوفون أيضًا، ما همهم إلا بس يعني أنانيين كما يقولون في اللغة الحاضرة.
الطالب: يعني يكون هذا لشدة رغبتهم في الدنيا وتلبيتهم لشهواتهم؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: مناسبة الحديث للباب؟
طالب آخر: ما سبب لو سألنا سائل: ما سبب جعل هذا القرن خير القرون؟
الشيخ: كيف؟! لأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ما كثرت فيهم الفتن، ولا ظهرت فيهم البِدَع ولا الأهواء، وإنما ظهرت البدع والأهواء وانتشر الشر والفساد فيما بعد ذلك، فمثلًا القول بخلْق القرآن فشا وانتشر في عهد من؟
طالب: الإمام أحمد بن حنبل.
الشيخ: في عهد المأمون في زمن الإمام أحمد بن حنبل، فشا وانتشر وكثر، وظهرت البِدَع، ورفعت الفلاسفة رؤوسها والخوارج والمعتزلة والجهمية، وحصل شر عظيم، واضح هذا؟
طالب: شيخ، ما يكون القرن هو مئة سنة، وما كان مئة ولو تعدَّى؛ يعني مثلًا إذا وُجِد في هذه المئة السنة، وتعدى يعني عمره أنه هنا يحسب من الـ(...).
الشيخ: مشكل إذا جعلنا القرن مئة سنة، معناه مئة سنة، ومئة سنة، ومئة سنة، ثلاث مئة سنة، ما يناسب الواقع؛ لأن الشر والفساد ظهر قبل ذلك.
الطالب: ظهر من وقت الصحابة؛ يعني (...) الخوارج.
الشيخ: لكن في وقت الصحابة الخير أعم، وصاحب الشر ذليل.
الطالب: الخوارج و(...).
الشيخ: نعم، لا شك أنه ظهر، لكنه ما هو مثل ظهوره بعد المئتين والعشرين أو بعد المئتين بعد.
طالب: شيخ، المناسبة؟
الشيخ: مناسبة أيش؟
الطالب: مناسبة الحديث للباب؟
الشيخ: (باب ما جاء في كثرة الحلف)، مناسبته ما تظهر إلا في الحديث الذي بعده، حديث ابن مسعود: «تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، ويَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» . ولهذا المؤلف جاء بحديث ابن مسعود.
الطالب: ولماذا أتى بحديث (...)؟
طالب آخر: يستشهدون (...)؟
الشيخ: لا.
الطالب: ما فيها؟
الشيخ: لا، ما فيها؛ لأن ما فيها كثرة الحلف، الأخ يقول: ما في الحديث ذكر للحلف، اللهم إلا أن يُقال: إنهم في خيانتهم، وفي عدم الوفاء أنهم يؤيدون ذلك باليمين، يقول مثلًا: واللهِ ما فعلت، واللهِ ما أمَّنتني على شيء، والله ما عاهدتني، وما أشبه ذلك، يمكن.
طالب: شيخ، ما يفهم من قوله: «يَشْهَدُونَ»، يعني دائمًا (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بواضح، إلا كان لقرنه بحديث ابن مسعود.
(...) لكن أورد عليَّ (...).

***

(وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»).
نقول في هذا ما قلنا في الأول، إلا أن قوله: «خَيْرُ النَّاسِ» واضح في أن قرْن الرسول صلى الله عليه وسلم خير الناس، فصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الحواريين الذين هم أنصار عيسى عليه الصلاة والسلام، وأفضل من النقباء السبعين الذين اختارهم موسى صلى الله عليه وسلم.
قال: («ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»).
«يَجِيءُ قَوْمٌ» يعني بعد هذه القرون الثلاثة، أنت ذكرت أربعة في قراءتك.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قرأت..
الشيخ: قلت: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هي عندكم هكذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لا، أنا عندي مرتين فقط، وهو الصحيح.
«ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»، ما معنى هذه الجملة: «يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»؟
اختلف فيها الشراح على وجهين:
الوجه الأول: أنهم لقلة الثقة بهم لا يشهدون إلا بيمين، ولا يحلفون إلا بيمين؛ لقلة الثقة بهم، فيقول مثلًا: أشهد أن لفلان على فلان كذا وكذا، ثم يقول: والله إني لصادق؛ لأنه تكثر فيهم الخيانة فيؤكدون شهاداتهم بالأيمان. أو يقول: والله إني لأشهد أن لفلان على فلان كذا وكذا، ففي الصيغة الأولى تقدمت الشهادة على اليمين، وفي الثانية تقدمت اليمين على الشهادة. هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يُبالون بالشهادة ولا باليمين، حتى تكون الشهادة واليمين في حقهم كأنهما متسابقان، كفرسي الرهان، يسبق هذا تارة، وهذا تارة؛ لمبادرتهم بالأيمان وبالشهادات، فهم لا يتحرون لا في اليمين بالله، ولا في الشهادة. وعلى هذا فيكون المعنى كناية عن تساهلهم في الأيمان والشهادة، لا يبالون.
وقد سبق لنا أن النصوص إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمَل عليهما جميعًا؛ يعني على المعنيين، أو الثلاثة، أو الأربعة. وإذا كان المعنى لا يحتمل إلا واحدًا فيُنظر إلى الراجح فيُرجح.
وعلى كل حال فهذا يدل على أن القرن الذي يكون بعد القرون الثلاثة يجيء فيه هؤلاء القوم، وليس المعنى أن كل أصحاب القرن على هذا الوصف؛ لأنه قال: «يَجِيءُ قَوْمٌ». ولم يقل: ثم يكون الناس. وأظن الفرق واضح بين اللفظين.
ثم إن هذه الأفضلية أفضلية من حيث العموم والجنس، ولا يعني ذلك أنه لا يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من التابعين، أو أنه لا يوجد في التابعين من هو أعلم من بعض الصحابة.
أما فضل الصُّحْبة فلا أحد يمتاز به غير الصحابة، ولا أحد يسبقهم فيه، وأما العلم والعبادة فقد يكون فيمن بعد الصحابة من هو أكثر من بعضهم عِلمًا وعبادة، وعلى هذا فالتفضيل باعتبار العموم والجنس. كما لو قلت: الرجال خير من النساء، هل معنى ذلك أن كل فرد من أفراد الرجال أفضل من كل فرد من أفراد النساء؟ لا؛ لأنه يوجد في النساء من الأفراد ما هو أفضل من كثير من الرجال، وخير من كثير من الرجال. فالتفضيل هنا باعتبار العموم والجنس.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (وقال إبراهيم).
(إبراهيم) النخعي، وهو من التابعين، وهو من الفقهاء؛ فقهاء التابعين، لكنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في الحديث ليس إلى ذاك، هو جيد في الفقه؛ يعني هو يغلب عليه التفقُّه على الحديث، وإن كان هو من رواة الحديث ومن المحدِّثين، لكنه يغلب عليه الفقه أكثر، فهو رجل ذو فقه.
يقول: (كانوا يضربوننا على الشهادة ونحن صغار).
طلبة: (والعهد).
الشيخ: (والعهد)؟ ما هي عندي، (يضربوننا على الشهادة والعهد).
(كانوا) الضمير يعود على مَنْ؟ أولياء أمورهم، هذا هو الظاهر؛ لأن التأديب لولي الأمر.
(يضربوننا على الشهادة)؛ يعني إذا شهدنا، يضربوننا عليها إن شهدنا زورًا، أو إذا شهدنا ولم نؤدِّها، يضربوننا عليها ونحن صغار.
لماذا؟ لأجل أن يتربوا على الصِّدْق والتثبت.
وقوله: (والعهد)، العهد فيما بيننا يعني، الإنسان إذا عاهد أخاه لا بد أن يوفي به، فيضربونهم عليه وهم صغار للتأديب.
يستفاد من هذه الجملة من إبراهيم رحمه الله: أن الصبي تُقبل منه الشهادة؛ لأن قوله: (ونحن صغار) يعني ما بلغنا، ولَّا لا؟
وهذه محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول: يُشترط لقبول الشهادة أن يكون بالغًا عاقلًا، ما هو لتحمُّلها؛ لقبولها، أي: للأداء. فإذا تحمَّل وهو صغير، ثم أدى وهو بالغ؟
طالب: فلا تُقْبَل.
الشيخ: لا، قُبِلَت؛ يعني يشترطون للأداء البلوغ، أما التحمل فلا يشترط له إلا التمييز، لكن بعض العلماء يقول: إن شهادة الصغار بعضهم على بعض مقبولة؛ لأن البالغ يندر وربما لا يُوجد أن يكون بين الصغار، الصبيان دائمًا يلعبون في الأسواق، ويعتدي بعضهم على بعض، فلو أن صبيًّا اعتدى على صبي فشجَّه، وجاء وكل الصبيان اللي حاضرين قالوا: نشهد أن فلانًا هو اللي شجه، فقال الجاني: أبدًا، كذابون، هل نقبل من الصبيان دولا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على الخلاف، إن قلنا: يُشترط البلوغ والعقل فإنها لا تُقبل، ومعنى ذلك أن جناية هذا الرجل سوف تُهدَر، وإن قلنا بقبولها فإنه يُحْكَم بالجناية.
وقال بعض العلماء: إنها تُقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض إن شهدوا في الحال، إن كان على طول مسكناهم وشهدوا قُبِلَت. وأما إن شهدوا بعدُ فلا تُقبَل، ليش؟ قال: لاحتمال النسيان أو التلقين، ولَّا لا؟ يمكن، هم ينسون وإلا لقَّنوهم، قال: اشهدوا مثلًا بكذا وكذا، أما إذا كان في الحال والقضية حارة ما بعد تفرقوا ولا شيء فإنها تقبل.
ولا يسع العمل إلا بهذا، لا يسع الناسَ العمل إلا بهذا، وإلا لضاعت حقوق كثيرة تجري بين الصبيان، وظاهر كلام إبراهيم أن الصبيان تُقبَل منهم الشهادة.
ويستفاد من هذا الأثر أيضًا: جواز ضرب الصبي على الأخلاق، وإن لم تكن من الصلاة، الصلاة جاء بها الحديث، لكن غير الصلاة من الأخلاق والآداب هل يُضرب عليها؟ نعم، يُضرَب عليها إذا لم يتأدب إلا بالضرب. وقد سبق لنا أن المؤدِّب لا يضمن ما تلف بهذا التأديب بالشروط الخمسة السابقة.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل؛ الأولى: الوصية بحفظ الأيمان)، من أين تؤخذ؟
طالب: قوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩].
الشيخ: وين الوصية؟
طالب: الأمر.
الشيخ: والأمر وصية؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، الأمر وصية.
(الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة)؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» .
الشيخ: نعم، ومعنى المنفقة سبقت لنا. لكن قال: «مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ»، وهذا هو المهم، المهم الثاني: «مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ»، وأما كونها «مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ». فهذا قد يكون تحصيل حاصل لكنه ممحقة للبركة.
(الثالثة: الوعيد الشديد لمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه).
طالب: (...) «ولَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».
الشيخ: «رَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَةً، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» .
(الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي).
طالب: «(...) الزَّانِي، وَالْعَائِلُ الْمُسْتَكْبِرُ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَةً».
الشيخ: أيهم؟ كل الثلاثة، ولَّا بس اثنين، ولَّا واحد؟
الطالب: الثلاثة.
الشيخ: كلهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: أما «الْعَائِلُ الْمُسْتَكْبِرُ» فالداعي فيه قليل، و«الْأُشَيْمِطُ الزَّانِي» كذلك. لكن «رَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَةً» الداعي قليل؟
الطالب: لا، هذا لا.
طالب آخر: الظاهر لا.
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الداعي قليل؟
طلبة: نعم، قليل.
الشيخ: أو لا؟
طلبة: الداعي قليل.
الشيخ: أبدًا، ما هو قليل.
طالب: كثير.
الشيخ: الداعي كثير، كل وده يربح.
طالب: لكن (...) ربح الآخرة.
الشيخ: لا، ربح الآخرة هذا ما يرد عليه هذا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، على كل حال الظاهر أن الثلاثة (...)، وربما يقال: إنه منهم، فيقال: ما له داعٍ أنك تحلف، بِعْ واشترِ بلا يمين، لكن الطمع والجشع كثير في الناس.
يقول المؤلف: (الخامسة: ذمُّ الذين يحلفون ولا يُستحْلفون).
(يحلفون ولا يُستحلفون)، طالما هم بيشهدون، (يحلفون ولا يستحلفون)، من أين تؤخذ؟
طالب: «جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَةً». «لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن هذا الرجل الذي جعل الله بضاعته هل استُحلف؟
وهل هذا الذي قاله المؤلف على إطلاقه؛ أن كل من حَلَف ولم يُستحلف فهو مذموم؟ لا، ما هو على إطلاقه، الرسول صلى الله عليه وسلم يحلف وهو ما استُحْلِف، بل أمره الله أن يحلف وهو لم يُستَحلف في قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣]، زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣]. هذه ثلاثة مواضع في القرآن أمر الله نبيه أن يحلف، ولا رابع لها، فقد أمر الله نبيه أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن من غير أن يُسْتَحْلف.
وعلى هذا فيكون كلام المؤلف ليس على إطلاقه؛ فإن الحلف إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضته المصلحة فإنه جائز، بل قد يكون مندوبًا إليه، أرأيت حلف الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة المخزومية لما قال: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . ويش تقولون في ها اليمين هذا؟ وقع موقعًا عظيمًا من هؤلاء القوم الذين أهمهم شأن المخزومية، كيف امرأة من بني مخزوم تُقطع يدها، هذا عار؛ ولهذا تعبت قريش في طلب الشفاعة حتى بعثوا أسامة بن زيد.
فالمهم أن اليمين إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضت المصلحة فإنه جائز وإن لم يُستحلف، لكن إذا اقتضته المصلحة فقد يكون مندوبًا.
(السادسة).
طالب: ما يكون كذلك حديث ابن مسعود (...)؟
الشيخ: نعم، يمكن، يؤخذ من هذا.
(السادسة: ثناؤه صلى الله عليه وسلم على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث)؛ لقوله: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» إلى آخره.
وقوله: (أو الأربعة) بناءً على الشك.
وقوله: (وذِكْر ما يحدث) ينبغي أن نجعلها مسألة مستقلة برأسها، وهي ذِكْر آية للرسول عليه الصلاة والسلام، فإن ذكره هذا الشيء، ثم وقوعه كما أخبر لا شك أنه آية من آيات الرسول ولَّا لا؟ فلو جُعِلَت هذه مسألة مستقلة لكان أبين وأوضح؛ لأن الإخبار بما سيحدث، ثم يقع على صفة ما أخبر دليل على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(السابعة: ذم الذين يَشهدون ولا يُستشهدون)، منين تؤخذ؟
طالب: من حديث عمران: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» .
الشيخ: نعم، وممكن نقول: وذم الذين يخونون ولا يؤتمنون، ولَّا لا؟ وذم الذين يَنْذِرُونَ ولا يوفون، وذم الذين يسمنون!!
طالب: لا، غير صحيح.
الشيخ: إذن ذم أيش؟
طالب: يتعاطون أسباب السِّمَن.
الشيخ: نعم، يتعاطون أسباب السِّمَن، ويغفلون عن سِمَن القلوب، القلوب ما عليهم منها هزيلة ولَّا سمينة، لكن الأبدان يعتنون بها، وينصبون موازين كل يوم يزن نفسه. لكن من فَضْل الله أن عند الناس أن الذي يزن نفسه يجب أن يُزَكِّي على نفسه، ويمكن هذه العقيدة تمنع بعض الناس من أن يزنوا أنفسهم؛ لأنه إذا كان كلما وزن نفسه لازم يزكي على نفسه مشكلة هذه، هذا عند الناس، ما هو صحيح هذا، هذا ليس بصحيح.
طالب: (...).
الشيخ: والله تختلف!!
طالب: ذم الذين يوفون ولا ينذرون؟
الشيخ: لا، الذين يَنْذِرُونَ ولا يوفون.
(الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد)؛ لقول إبراهيم النخعي رحمه الله: (كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار).
(التاسعة: عناية السلف بتربية صغارهم).
و(العاشرة: جواز الضرب في التأديب)، خلافًا لمن منعه وقال: إن المصلحة تقتضي ألا يُضرَب الطفل، خلوه يلعب على ما يبغي ولا تضربه؛ لأن الضرب هذا يُمَوِّت قلبه.
طالب: بالنسبة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»، قلت: إن هذا يدل على أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم خيرٌ من أصحاب موسى، ومن أصحاب عيسى، ومن أصحاب النبيين عمومًا؛ هل أيضًا العطف الذي حصل هو عطف القرن الذي بعده والقرن الذي بعد الذي بعده، هل هذا يعني أن أتباع التابعين أفضل من أصحاب موسى وأفضل من أصحاب عيسى؟
الشيخ: إي نعم، هذا محل إشكال، قوله: «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، هل نقول: إن هؤلاء الآخرين أفضل من أصحاب الأنبياء الآخرين؟ لا، فأصحاب النبي خيرٌ من أصحاب الأنبياء السابقين، وأتباع الرسول خيرٌ من أتباع الرسل السابقين، وهلم جرًّا.
طالب: يا شيخ، نقول: إذا شهدوا الصبيان على بعضهم، أحيانًا يشهدون لـ.. يعني فيه واحد كلهم يبغضونه فيشهدون عليه، كيف نقبل شهادتهم؟
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: هذا مُجَرَّب.
الشيخ: صحيح، هذا مُجَرَّب، إذا قيل مثلًا: نعم، هادولا شهدوا عليَّ؛ لأني متزعل أنا وياهم، يبغضونني. نقول: اثبت العداوة، مثلما لو قال له أحد كبير يعني، حتى الكبير مثلًا لو طعن في الشاهد وقال: إنه عدو لي، نقول: جيب شهود.
طالب: (...).
الشيخ: مشكل (...) لا شك أنه خطأ، من عندهم، ونقول: إن الأصل (...).
باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه
00:48:13

(ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم)

الذمة بمعنى العهد، الذمة يعني العهد، وسُمِّي العهد ذمة؛ لأن الإنسان يلتزم به كما يلتزم صاحب الدين بالدَّيْن في ذمته؛ فلذلك سُمِّي العهد ذمة، ولله سبحانه وتعالى عهد على عباده، وللعباد عهْد على الله عز وجل، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام له عهد على أمته ولهم عليه عهد.
أما عهد الله على عباده فأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأما عهد العباد على الله فألا يعذب من لا يشرك به شيئًا: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاهذا عهد الله علينا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [المائدة: ١٢] هذا عهد على الله. قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠].
وأما عهد النبي عليه الصلاة والسلام على الأمة فأن يتبعوا شريعته، ولا يبتدعوا فيها، وعهدهم عليه أن يُبَلِّغ لهم ولا يكتمهم شيئًا، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ» . هذا من عهدنا على أنبيائنا.
لكن المراد بالـ(ذمة) هنا غير ما أشرت إليه، فالمراد به العهد الذي يكون بين المتعاقِدَيْن في العهود، كما بين أهل مكة والنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية.
(وقول الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل: ٩١]).
(أوفوا) فعل أمر، من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟
طالب: الرباعي.
الشيخ: من الرباعي، من (أَوْفَى يُوفِي). والإيفاء بمعنى إعطاء الشيء تامًّا، ومنه إيفاء المكيال والميزان وما أشبه ذلك.
وقوله: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِهل هو من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله؟ أي: بعهدكم الله أو بعهد الله إياكم؟
طالب: لا..
الشيخ: نشوف الآن، قال: إِذَا عَاهَدْتُمْ؟
طالب: الأول.
طلبة: الفاعل.
الشيخ: كلاهما يحتمل؛ لأن فَاعَل؛ الفعل (فَاعَل) يقتضي المشاركة من الجانبين، كقاتَل وجاهَد وعاهَد، فالآية صالحة لهذا ولهذا. وهما -أي عهْد الله لنا وعهدنا له- متلازمان.
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ، ومنه النَّذْر، فإن النذر نوع من العهد، كما قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة: ٧٥، ٧٦] كذا يا أخ ويش قلت: (...)؟
نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: ٧٧].
وقوله: إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل: ٩١]، فائدتها التوكيد والتنبيه على وجوب الوفاء، وإلا لاكتفي بقوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ [النحل: ٩١]، لكن يقول: إِذَا عَاهَدْتُمْوصدر منكم العهد فإنه لا يليق بكم أن تدعوا الوفاء به.
ثم أكَّد هذا الأمر بقوله: وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل: ٩١].
نقض الشيء هو حَلُّ إحكامه، وشُبِّه العهد بالعقدة؛ لأنه عَقْد بين المتعاهِدَيْن؛ ولهذا قال: وَلَا تَنْقُضُوا، ونحن نعرف أن النقض مثل نقْض النسيج ونَقْض الحبل إذا عُقِدَ وما أشبه ذلك.
وقوله: بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، توكيد الشيء بمعنى تثبيته، والعهود تؤكَّد، أو تُوَكَّد على الصحيح، توكد ولَّا تؤكد؟
طالب: تُوَكَّد.
الشيخ: تُوَكَّد، هذا الأفصح، يقال: وَكَّدَ الأمر وأَكَّدَه توكيدًا وتأكيدًا، وكما ترون الآن: تَوْكِيدِهَا، فإذن الواو أفصح من الهمزة.
ثم قال: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل: ٩١]، بماذا؟ لأن الإنسان إذا عاهد غيره وقال: أُعاهدك بالله، ثم يذكر ما عاهد عليه. فقوله: أعاهدك بالله، معناه أنه جعل الله كفيلًا، وهذا زيادة في تأكيد العهد.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩١]، ختم الآية بالعِلم تهديدًا عن نَقْض العهد؛ لأنه إذا آمن الإنسان بأن الله يعلم كل ما يفعل فسوف لا ينقض العهد.
والحاصل أن مناسبة الآية للترجمة واضح جدًّا؛ لأنه قال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ، وقال: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل: ٩١].
(وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّرَ أميرًا على جيش أو سَرِيَّة).
(إذا أمَّره)، أي جعله أميرًا عليه، والأمير في ذلك العهد يتولى التنفيذ والفتوى والْحُكم والإمامة؛ إمامة الصلاة، ويتولى كل هذه الأشياء، يكون إمامًا في الصلاة، ومفتيًا لهم، وحاكمًا فيهم، ومنفذًا؛ أربعة أشياء، لكن اختلفت الأمور الآن وصار يُجعل لكل شيء من هذه الأعمال شخص خاص.
(إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سرية).
(أَوْ) هنا ليست للشك، ولكنها للتنويع، والـ(جيش) ما زاد على أربع مئة، والـ(سرية) ما دون ذلك؛ يعني ما كانت أفرادها أربع مئة فأكثر فهو جيش، وما كان دون ذلك فهو سرية.
ثم إن السرايا تارة تُبعَث من البلد مستقلة، وتارةً تكون فصيلة من الجيش. والفصيلة من الجيش تارة تكون في الابتداء، وتارة تكون بعد الرجعة.
فالسرايا إذن ثلاثة أقسام: قِسْم تُنَفَّذ من البلد، وقسم آخر تُنَفَّذ من الجيش في الابتداء، وقسم ثالث تُنَفَّذ من الجيش في الرجعة. أما الذي من البلد فظاهر: بأن يبعث سرية من ثلاث مئة، مئتين، مئتين وخمسين، ثلاث مئة وخمسين.
وأما اللي من الجيش فأن يخرج الجيش بكامله، ثم يَبعثون سرية في الابتداء؛ يعني تكون أمامهم تذهب إلى العدو؛ هذا قسم، أو بعد رجوعهم يبعثون سرية، بأن يُذكَر لهم فلول من العدو فيَبْعثون إليهم السرية.
وقد فرَّق العلماء بين السرية في الابتداء والسرية في الرجعة من حيث نصيبها من المغنَم، فقالوا: إن الإمام له أن يُنَفِّل السرية في الابتداء، ينفلهم الرُّبع بعد التخميس، وفي الرجعة الثلث، الربع في الابتداء وفي الرجعة الثلث، لماذا؟ لأنه في الابتداء الجيش وراءها سوف يلحق بها، فهي أشد أمنًا من التي تُبعث بعد الرجعة، ولَّا لا؟
(إذا أَمَّرَ أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله).
(أوصاه)، الوصية معناها: الإخبار بالشيء على وجْه الاهتمام به؛ يعني يُعلمه بالشيء، ويحثه عليه حتى يأخذَ به.
و(تقوى الله) هي امتِثال أمره واجتناب نهيِه، مأخوذة من الوِقاية، ومعناها: اتخاذ وقاية من عذاب الله، وهذا لا يكون إلا بفعل الأوامر، واجتناب النواهي. وقد سبق أن بعض أهل العلم حدَّها أو عرَّفها بتعريف آخر، فقال: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله. وبعضهم عرفها بغير ذلك، فقال:
خَلِّ الذُّنُـــوبَ صَـــــغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـــــــــــــــا ذَاكَ التــــــــــُّقَـــى
وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْـــــــــــــقِرَنَّ صَـــــــــــغِيرَةً إِنَّ الْجِبَـــــــالَ مِنَ الْحَصَـــى

ولكن كل التعريفات تنصب فيما قلنا أولًا، وهو: أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وإنما كانت الوصية بالتقوى لأمير الجيش أو السَّرِية؛ لأن الإمارة في الغالب تُعطِي الإنسان رِفْعة على مَنْ هو أمير عليهم، وربما تأخذه نفسه الأمَّارة بالسوء حتى لا يتقي الله عز وجل.
وقوله: (وبِمَنْ معه من المسلمين خيرًا).
أنا عندي بالباء: (وبِمَن).
طالب: (ومَنْ).
الشيخ: (ومَنْ).
طالب: (ومَنْ معه).
الشيخ: إي، أما على (وبِمَنْ) فهي معطوفة على تقوى الله بإعادة العامِل، وأما على حذف الباء فهي معطوفة عليه بغير إعادة العامل.
وقوله: (بِمَنْ معه من المسلمين خيرًا)، يعني أوصاه أن يعمل (بمن معه من المسلمين خيرًا).
(خيرًا) في الأمور الدنيوية ولَّا في الأمور الدينية ولَّا فيهما جميعًا؟
طالب: فيهما جميعًا، فيسلك بهم الأسهل، ويطلب لهم الأخصب إذا كانوا على خيل أو إبل، وكذلك يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويمنع من التظالُم فيما بينهم، فكلمة (خير) تشمل خير الدنيا والآخرة.
ومِنْ هذا الحديث نعرف أنه يجب على من تَوَلَّى أمرًا للمسلمين أن يسلك بهم ما هو خير، بخلاف عمل الإنسان لنفسه فإنه لا يُلْزَم إلا بالواجب، أما مَنْ عَمِلَ لغيره فإن الواجب عليه أن يتبع ما هو خير.
وقال: («اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»).
قوله: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ». هل إن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يفتتح الغزو بالاسم؛ باسم الله، أو أراد أن يُعلِّمهم أن يكونوا دائمًا مُستعينين بالله عز وجل؟ الظاهر الثاني أوْلى، وإن كان الأول محتمِلًا؛ لأن بعْث الجيوش من الأمور ذات البال، وكل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بباسم الله فهو أبتر.
وقوله: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، متعلق بـ«اغْزُوا»، وهو تنبيه من الرسول صلى الله عليه وسلم على حُسن النية والقَصْد؛ لأن الغزاة لهم أغراض ومآرب كثيرة، ولكن الغزو النافع الذي تحصل به إحدى الْحُسنيين هو الغزو في سبيل الله.
وما ضابط الغزو في سبيل الله؟
طالب: النية.
الشيخ: بأن يُقاتل؟
الطالب: يقاتل في سبيل الله.
الشيخ: لتكون كلمة الله هي العليا؛ هذا الغزو في سبيل الله أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا حمية ولا شجاعة ولا ليُرى مكانه، ولا لطلب الدنيا، بل لتكون كلمة الله هي العليا، لكن ما رأيكم فيمن قاتل للوطن؟
طالب: في سبيل الله.
طلبة: (...).
الشيخ: في سبيل الله ولَّا؟
طالب: لا.
الشيخ: حمية؟
طالب: نعم.
طالب آخر: حمية.
الشيخ: لا، حقيقة فيه التفصيل؛ إذا كان يُقاتل للوطن؛ لأنه وطن إسلامي يريد أن يحميه ويحمي من فيه من المسلمين، فهذه نية سليمة صحيحة. وإن كان لمجرد الوطنية فهذا حمية، وليس في سبيل الله.
من قاتل للقومية؛ لأنهم قومي فهو في سبيل الله؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؟
طالب: (...) إن كانوا مسلمين.
الشيخ: يُنظر، لكن كلمة (قوم) قد يُفهم منها حَمِيَّة الجاهلية، العصبية، وأنه يُقاتِل لهذه القومية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
على كل حال النية أمْرها خَفِي جدًّا ودقيق، وقد يكون فيها جزء من ألف جزء يفسدها، فلا بد أن تكون النية خالصة لله عز وجل لتكون كلمة الله هي العليا.
وقوله: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، «فِي» تشمل -والله أعلم- النية كما قلتم، وتشمل أن يكون الإنسان في قتاله في إطار دين الله؛ لأن «سَبِيل اللَّهِ» دينه وشريعته، فلا يتعدى الحدود، بل يكون على حسب ما رسمه الشرع، وهذا يشمله قوله: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
(«قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ»).
«قَاتِلُوا» فعل أمر «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ»، والأمر هنا للوجوب، فيجب علينا أن نُقاتِل مَنْ كَفَرَ بالله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: ٧٣]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ١٢٣]. فإذا قاتلنا مَنْ يلينا من الكفار فأسلموا، نُقاتِل مَنْ وراءهم؛ لأن الذين وراءهم يكونون بعد أن يُسلِم هؤلاء هم الذين يلونوننا، وهكذا إلى أن نخلص إلى مشارق الأرض ومغاربها، هذا الواجب علينا.
وقوله: «مَنْ كَفَرَ»، «مَنْ» هذه اسم موصول.
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية؟ اسم موصول: «قَاتِلُوا» الذي «كَفَرَ»، واسم الموصول بصلته يفيد العِلِّيَّة؛ أي أن صلة الموصول عِلَّة الحكم، فإذا قُلت: أكْرِمِ الذي اجتهد؛ أي: لاجتهاده. وإذا قلت: اضرب اللي يهوجس في الدرس؟
طالب: لهواجيسه.
الشيخ: لهواجيسه، وإذا قلت: رُشَّ من ينام بالمسدس؛ مسدس الماء يعني، ما هو بـ..؟
طالب: لنومه.
الشيخ: لنومه، كذا؟
إذن صلة الموصول تفيد أيش؟ عِلِّيَّة الحكم.
إذن «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ» لماذا؟ لكُفره، فنحن لا نقاتل الناس عصبية كما يُصوِّر ذلك أعداء المسلمين، يقول: المسلمون يتعصبون. أبدًا، ما نتعصب؛ أي إنسان يدخل في دين الله ما هو علشان أنه ديننا، أي إنسان يدخل في دين الله فهو أخونا، وأي إنسان يخرج عن دين الله فهو عدونا وعدو الله عز وجل، فليس عندنا عصبية.
إذن: «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ»، والكُفْر بالله عز وجل مدارُه على أمرين، وهما: الجحود والاستكبار، إما استكبار عن طاعته، وإما جحود لما يجب قبوله وتصديقه.
(«اغْزُوا») تأكيد، وإنما أتى بها مرة ثانية كأنه يقول: حققوا الغزو، اغزوا بجِد، لا يكون غزوكم غزوًا سلبيًّا أو غزوًا فاترًا، بل يكون غزوًا جديًّا، «اغْزُو».
(«وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»).
أربعة أمور نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: «لَا تَغُلُّوا»، وما هو الغلول؟
قال العلماء: الغُلُول أن يكتم شيئًا من الغنيمة، هذا الغلول، مثل: يغنم مثلًا، قَتَلَ هذا الْمُشْرك وَوَجَد معه ذهبًا وسَيْفًا وما أشبه ذلك، فأعجبه هذا وكَتَمَه، جعله لنفسه، هذا غلول، وهو من كبائر الذنوب حتى قال الله عز وجل: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ١٦١]، يأتي به مُعَذَّبًا به والعياذ بالله.
قال أهل العلم: والغالُّ يُحرَّق رحله كُلُّه إلا المصحف والسلاح وما فيه روح. المصحف لاحترامه، والسلاح لفائدته، وما فيه روح؛ لأنه لا يجوز تعذيب ما فيه الروح بالنار.
قال: «وَلَا تَغْدِرُوا»، الغدر هو الخيانة، «لَا تَغْدِرُوا» إذا عاهدتم؛ هذا هو الشاهد من الحديث، إذا عاهدتم فلا تغدروا، وأما مع عدم العهد فلنا أن نغدر، صح؟
طالب: لا يا شيخ.
طلبة: ما يرد.. ما يصير.
الشيخ: لا.
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: لا، هو يسمى غدرًا لكن الحرب خدعة، بس هو ما هو خيانة، ليس خيانة، الخيانة ما هو خيانة، لكن غدر ومكر وخداع لا بأس به إذا لم يكن بيننا وبينهم عهد، فالغدر مع العهد حرام، ومع عدم العهد بأن يكون حربًا فإنه جائز، ومنه ما ذُكِر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما خرج الرجل وأقبل على علي قال: ما خَرَجْت لأُبارز رجلين، صحيح ما خرج ليبارز رجلين؟
طالب: نعم.
الشيخ: خرج ليبارز رجلًا واحدًا، هذاك فهم أن أحدًا يلاحقه، المشرِك، التفت، شوفوا، لما التفت ضربه عليٌّ بالسيف حتى أزال رأسه عن رقبته. هذا جائز ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: جائز؛ لأنه هو حرب لنا، هو حرب، وما دام حرب نبغي نفعل كل ما نقدر عليه في القضاء عليه.
«وَلَا تُمَثِّلُوا»، ويش معنى التمثيل؟ التمثيل التشويه بقطع الأعضاء أو نحوها، وذلك عندما نتولى على العدو بالأسر أو بالجرح، فإنه لا يجوز لنا أن نُمَثِّل به؛ لأن هذا التمثيل لا حاجةَ إليه، بل هو انتقام في غير محله، فلو غلبنا هؤلاء الأعداء وأسرناهم، ما يجوز أن نقطع آنافهم أو آذانهم أو ألسنتهم أو أيديهم أو أرجلهم، هذا مُحرَّم؛ لأن الرسول يقول: لا تُمَثِّلوا.
واختلف العلماء فيما لو كانوا يفعلون ذلك بنا، هل نفعله بهم أو لا؟ يعني لو كانوا إذا أسروا منا أحدًا أو جرحوه ونالوه مثَّلُوا به، هل نُمَثِّل بهم أو لا؟ فمنهم من أخذ بالعموم: «لَا تُمَثِّلُوا»، والرسول صلى الله عليه وسلم ما استثنى شيئًا، وإذا اعتدوا علينا بالتمثيل فإننا لا نعتدي عليهم بالتمثيل؛ لأننا إذا مَثَّلْنا بزيد مثلًا فقد يكون زيد لا يرضى أن يُمَثِّل قومه بمن أُسِرَ منا أو أُخِذَ، فكيف نُمَثِّل بهم؟
وقال بعض أهل العلم: بل نُمَثِّل بهم إذا مَثَّلُوا بنا؛ لأن هذا العموم مُقابَل بعموم آخر، ما هو؟ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، ونحن إذا لم نُمَثِّل بهم وهم يُمَثِّلون بنا قد يُفَسِّرون ذلك بأنه ضعْف وعجْز، وإذا مثَّلْنا بهم يعرفون أن عندنا قوة، وربما يدَعون التمثيل خوفًا من أن نمثل بهم. والمسألة تحتاج إلى بحث، ولكن المصلحة فيما يظهر تقتضي أنهم إذا مثَّلوا بنا فإننا نُمَثِّل بهم.
فإن قلت: قد يقع التمثيل لواحد منهم وهو لا يرضى بأن يُمثِّل قومه بقومنا؟
فالجواب أن الأمة الواحدة فِعْل الواحد منها فِعْلٌ للجميع؛ لأنها بالتزامها أو عدم التزامها كأنها شخص واحد، الله عز وجل يخاطِب اليهود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بأمور جرت على مَنْ؟ على من كانوا في عهد موسى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا [البقرة: ٧٢]، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة: ٦٣]، وما أشبه ذلك، لماذا؟ لأنها أمة واحدة، فإنعام الله على بعضها إنعام على الجميع.
قال: («وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»).
من الوليد؟ الوليد الصغير، لا يجوز قتلُه، ليش؟ لأن هذا الوليد الصغير لا يُقاتِل، وإذا لم يقاتِل فكيف نقتله؟ ما ذنبه؟ ولأنه ربما يُسْلِم.
وكذلك في أحاديث أخرى: لَا نَقْتُلُوا رَاهِبًا وَلَا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا امْرَأَةً إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا أَوْ يُحَرِّضُوا . فإن قاتلوا، أو حرَّضوا، أو كان لهم رأي في الحرب وتوجيه فإنهم يُقتلون، كما قتل دُريد بن الصمة في غزوة ثقيف . فإذا كان لهم رأي ومشورة أو مباشرة للقتال فإنهم يُقتلون.
واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن القتال ليس لأجل الإسلام، ولكنه لحماية الإسلام، قالوا: والدليل على ذلك أنه ما نقتل هؤلاء، ولو كان من أجل الإسلام لقتلناهم إذا لم يُسلموا، وهذه المسألة فيها خلاف طويل بين العلماء، ورَجَّح شيخ الإسلام رحمه الله أن قتال الكفار لحماية الإسلام، وليس لأن يُجبروا على الإسلام، وله في ذلك رسالة مشهورة عنوانها: قتال الكفار.
(«وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»).
«إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، لماذا بدأ بذكر العداوة ولم يقل: وإذا لقيت أحدًا من المشركين؟ تهييجًا لقتالهم؛ لأنك إذا علمت أنهم أعداء لك فإن ذلك يدعوك إلى مُقاتلتهم؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١]، لم يقل: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة: ٥١] كما قال في آية أخرى، لكن قال: عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ؛ أبلغ.
«وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، من العدو؟ العدو ضد الولي. ومن الولي؟ ضد العدو، ومن العدو؟
طلبة: ضد الولي.
الشيخ: إذن دَوَرَان هذا. الولي: من يتوَلَّى أُمورك ويعتني بك بالنصر؛ لأنه أوْلَى الناس بك وأقربهم، ولي قريب. والعدو بالعكس: من يخذلك وينابذك ويبتعد عنك.
«مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، انتبه لكلمة «مِنَ الْمُشْرِكِينَ»؛ لأن لها شأنًا سيُذكر فيما بعد.
كلمة «مِنَ الْمُشْرِكِينَ» يدخل فيه كل الكفار، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى اليهود والنصارى؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: حتى عبدة الأوثان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، حتى عبدة الأوثان.
(«فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ-»).
قوله: «ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ-»، الخصال والخلال بمعنى واحد، وإذا كان بمعنى واحد عُلِمَ أن «أَوْ» للشك، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه قال: «ادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ-».
لو قلت لي: «عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ»، لماذا لم نقل: إنها للشك؟
طالب: ليست نفس المعنى.
الشيخ: إي، لاختلاف المعنى.
(«فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ»).
«أَيَّتُهُنَّ» هذه ويش إعرابها؟ اسم شرْط، أنا عندي: «فَأَيَّتُهُنَّ» بالرفع، مبتدأ وهي اسم شرط، و«مَا» زائدة، و(ما) تُزاد في الشرط تأكيدًا للعموم، كما في قوله تعالى: أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠].
«فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ».
«أَجَابُوكَ» الكاف مفعول به، وأين العائد إلى اسم الشرط؛ لأنه لا بد من رَبْط الشرط باسمه؛ باسم الشرط كما أن صيغة الموصول لا بد فيها من عائد، وخبر المبتدأ لا بد فيه من رابط؟
نقول: محذوف، التقدير: فأيتهن ما أجابوك إليه؛ يعني: أي واحد يجيبون إليها. «فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ»، هذه جواب الشرط، «اقْبَلْ مِنْهُمْ» هذه الواحدة، و«كُفَّ عَنْهُمْ» يعني لا تقاتلهم؛ لأنه كان بالأول يقول: «قَاتِلُوا»، وهنا قال: «فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ».
فإذن نعرض عليهم الآن ثلاث خصال: إذا أجابوا للأولى ما نعرض الثانية، إن منعوا الأولى عرضنا الثانية، إن أجابوا إليها ما ندعوهم للثالثة، إن لم يجيبوا دعوناهم للثالثة.
قال: («ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ»).
«ثُمَّ» الظاهر أنها زائدة، كما في رواية أبي داود ؛ لأن ما لها معنى: «ثُمَّ ادْعُهُمْ»، ويكون التقدير: فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، ادعهم إلى الإسلام؛ لأنه لو كانت «ثُمَّ» غير زائدة، لكانت الخلال أو الخصال مُبَيَّنَة ولَّا غير مُبَيَّنَة؟
طالب: غير مُبَيَّنَة.
الشيخ: غير مُبَيَّنَة؛ لأن (ثُمَّ) للعطف، والعطف يقتضي المغايرة، فإذن ما بعدها يكون غير ما قبلها؛ فلهذا الصواب أنها محذوفة: ادعهم إلى الإسلام.
ويمكن أن يقال: إن قوله: «ثُمَّ» ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنها من كلام الراوي، فيكون المعنى: «ادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ»، كأن الراوي قال: ثم يقول؛ يعني بعد ما يقول يجملها: «ثَلَاث خِصَالٍ- أَوْ خِلَالٍ-»، «ثُمَّ» يقول: «ادْعُهُمْ». لكن هذا خلاف الأصل، وارتكاب دعوى أنها زائدة كما تفيده رواية أبي داود أهون من هذا التقدير.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، عندي بالرفع.
الطالب: على الوجهين، نقول: منصوبة بأحد وجهين؛ منصوبة على الاشتغال والثاني على نزع الخافض.
الشيخ: على نزع الخافض؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف هذا؟
الطالب: يعني فإلى أيتهن أجابوها.
الشيخ: الرفع ما فيه شيء، رفعها ويكون العائد محذوفًا: إليه.
طالب: يا شيخ، كيف الاشتغال؟ فيه ضمير مشغول؟
الشيخ: ما فيه ضمير مشغول بالحقيقة، الاشتغال ما له وجه، إما مفعول مقدم أو منصوب بنزع الخافض، ما فيه اشتغال، يعني إما مفعول مقدم أو منصوب بنزع الخافض وإما مرفوع (...).

***

(«فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ»).
قوله عليه الصلاة والسلام: «ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ»، المراد به الإسلام المتضمِّن للإيمان؛ لأنه مر علينا أن الإسلام إذا أُفْرِد شمل الإيمان، والإيمان إذا أُفْرِد شمل الإسلام، فإن جُمِعَا افترقا كما فَرَّق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في حديث جبريل .
والإيمان عند أهل السنة والجماعة تدخل فيه الأعمال؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» .
«فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ»، إن أجابوك إلى الإسلام وأسلَموا فاقْبَل منهم، وهذا هو الذي يريده المسلمون من قِتال أعدائهم، لا يريدون إلا الإسلام، إذا أسلموا فهم إخوتنا، ولا يحل لنا أن نقاتلهم بعد ذلك.
(«ثُمَّ ادْعُهُمْ») بعد أن يُسلِموا («إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ»).
وهنا إنما يقاتلوا أعرابًا، أهل بادية، فإذا أسلموا طُلِبَ منهم أن يتحولوا إلى دار المهاجرين ليتعلموا دِينَ الله؛ لأن الإنسان في باديته بعيدٌ عن العلم، بعيدٌ عن الدين كما قال تعالى: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [التوبة: ٩٧]، فيُدْعون إلى أن يتحولوا إلى دار المهاجرين، وهذا أصل في توطين البادية، برنامج معروف عند الدول؛ توطين البوادي، حتى لا يبقوا على الجفاء والغِلْظة والتمزق والتفرق.
وقوله: «إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ»، هل المراد بها الجنس أو المراد بها العَيْن؟ يعني هل المراد المدينة نفسها، أو الدار -«دَار الْمُهَاجِرِينَ»- الدار التي تصلح أن يُهاجَر إِليها لكونها بلد إسلام، سواء كانت المدينة أم غير المدينة؟
طلبة: (...).
الشيخ: فيه احتمال، الحقيقة أنه فيه احتمال؛ لأنك إن نظرت إلى الاحتمال الأول وهو أن المراد بها المدينة قلت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُعَبِّر عنها باسمها؛ المدينة، ولا يأتي بالوصف المشتق العام، وإن نظرت إلى أن دار المهاجرين الأولى هي المدينة رجَّحت هذا.
والظاهر لي -والله أعلم- أنها شاملة؛ أن المراد بـ«دَار الْمُهَاجِرِينَ» الدار التي يُهاجَر إليها وهي دار الإسلام. على أننا لا نعلم إذا كان هذا الحديث مُتقدمًا، فإننا لا نعلم بلدًا يُعتبر بلد إسلام مستقل إلا المدينة.
قال: («وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ»).
وهذا تمام العدل، لا يُقال إنكم لما أتيتم بعدُ فالحق للمستوطِن الأول، ما دام الرجل ارتحل واستوطن ونزل فإن له ما لصاحب البلد الأصلي؛ ولهذا قال: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ».
«لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ» من الغنيمة والفيء، «وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» من الجهاد والنُّصْرة وغير ذلك، فيكونون مساوين لمن كانوا قبلهم من أهل البلد الأصليين.
(«فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا»قالوا: ما نتحول عن بلادنا، نبقى في بلادنا وفي فلواتنا.
(«فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ»).
صار الآن عندنا بعد الإسلام يُدْعَوْن أيضًا إلى التحول إلى دار المهاجرين، وهذا أعلى شيء، فإن أبوا إلا أن يبقوا في محلهم صاروا كأعراب المسلمين تجري عليهم أحكام الله عز وجل، وليس لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا، فإن جاهدوا فهم كغيرهم من المجاهدين؛ يحصلون على الغنيمة، وظاهر الحديث أنهم يحصلون على الغنيمة والفيء، ويمكن أن يُقال: إنهم لا يحصلون إلا على الغنيمة فقط.
ولهذا اختلف أهل العلم: هل الأعراب يستحقون من الفيء شيء أو ليس لهم إلا الزكاة فقط والفيء يكون لأهل البلدان؟ وهذا يرجع إلى الاستثناء هنا؛ لأنه قال: «لَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ»، والمجاهد ماذا يستحق؟
طالب: غنيمة.
الشيخ: غنيمة ولَّا فيء؟
طلبة: غنيمة.
الشيخ: يستحق غنيمة، فيكون الاستثناء هنا عائدًا على قوله: «فِي الْغَنِيمَةِ». وأما الفيء فلا يستحقون؛ لأنه ليس مَنْ في البلد يُسْتنفر للجهاد، ويَتعلَّم الدين وينشره كأعرابي عند إبله وفي مراعيه، فلا يستحق الفيء.
والمعروف مما ذهب الإمام أحمد رحمه الله أنهم لهم حق في الفيء والغنيمة إذا جاهدوا مع المسلمين، لكن الفيء لهم حق فيه مُطلقًا، والغنيمة إن جاهدوا.
يقول: («فَإِنْ هُمْ أَبَوْا..»)
طالب: يجري عليهم حُكم الله؟
الشيخ: نعم، يجري عليهم حكم الله ورسوله في كل شيء، من وجوب الزكاة مثلًا يدفعونها إلى الإمام وإلى السُّعاة، وكذلك الخبص عليهم، إذا كانوا أصحاب ثمار أو زروع، المهم كل أحكام الله تجري عليهم.
طالب: نقول (...)؟
الشيخ: لا، بيجينا الآن.
طالب: شيخ، لو قال قائل: قول النبي عليه الصلاة والسلام يعني أنهم ليسوا (...) ليسوا لهم في الغنيمة والفيء شيء فيه دليل على التشريك في القرب؟
الشيخ: فيه أيش؟
الطالب: التشريك في القرب.
الشيخ: في القرب؟
الطالب: إي، أن يقصد بها الله وشيئًا آخر، يعني غرضًا من الدنيا يعني؟
الشيخ: يعني أن المجاهد يريد هذا وهذا؟
الطالب: إي، أو غيره مثلًا مثل التعليم (...)؟
الشيخ: إي، خلونا نشوف بعد الاستنباط من الحديث تأمل هذا.
«فَإِنْ هُمْ أَبَوْا»، «أَبَوْا» أيش؟
«أَبَوْا» الإسلام، هم إذا أسلموا طُلِب منهم أيش؟
طلبة: التحول.
الشيخ: التحول إلى دار المهاجرين، ثم مرحلة ثانية إذا أبوا: أن يكونوا كأعراب المسلمين، وفي هذه الحال إما أن يجاهدوا مع المسلمين أو لا يجاهدوا، فإن جاهدوا فلهم من الغنيمة والفيء، وإن لم يجاهدوا فليس لهم شيء من الغنيمة والفيء محل نظر، فصار بعد الإسلام كم لهم من مرتبة؟ لهم ثلاث مراتب بعد الإسلام: التحول إلى دار المهاجرين، البقاء في أماكنهم مع الجهاد، البقاء في أماكنهم مع ترْك الجهاد. عرفتم أو لا؟ ثلاث مراتب بعد الإسلام.
أما إذا لم يُسلِموا، قال: «فَإِنْ هُمْ أَبَوْا»، إعراب «هُمْ»: عند البصريين توكيد للفاعل المحذوف مع فعل الشرط، والتقدير: فإن أبوا هم.
وعند الكوفيين..