كتاب التوحيد - 52
عدد الزيارات 6365

عناصر المادة :
باب: ما جاء في الإقسام على الله
باب: لا يستشفع بالله على خلقه

وعند الكوفيين مبتدأ، وخبره الجملة بعده، والقاعدة عندنا فيما إذا اختلف النحويون في مسألة أن نتبع الأسهل، وعلى هذا فالأسهل أن نقول: «هُمْ» مبتدأ، والجملة خبر المبتدأ.
وقوله: «إِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ» هذا جواب الشرط.
«فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ» اسألهم سؤال عطاء ولَّا سؤال تعليم؟
طلبة: عطاء.
الشيخ: سؤال عطاء، والفرق بين سؤال التعليم والعطاء أن سؤال التعليم الذي يُؤخَذ بالإخبار يتعدى بـ(عن)، مفعوله الثاني يكون بـ(عن)، يتعدى إليه الفعل بـ(عن)، فيقال: (سألته عن كذا).
قال الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ [المعارج: ١، ٢] بعذاب يعني عن عذاب واقع، أو أنها في الآية: سأل سائل وأُجيب بعذاب واقع، وهذا هو الصحيح في الآية.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف: ١٨٧]هذا سؤال العلم، سؤال استخبار.
أما سؤال الإعطاء فمثل الحديث الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه، يقول: «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ» . وهذا يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه، فتقول: (سألت زيدًا مالًا)، ومنه هذا الحديث: «فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ».
الجِزْية: فِعْلة من جَزَى يَجْزِي، وظاهر فيها أنها مكافأة على شيء، وهي عبارة عن مال مدفوع من غير المسلِم عِوضًا عن حمايته وإقامته بدارنا. عرفتم؟ الجزية: مال مدفوع، يدفعه غير المسلم، عِوضًا عن حمايته وإقامته بدارنا؛ لأن صاحب الذمة اللي بيؤخذ عليه الجزية محمي من جهة المسلمين، دمه معصوم، وكذلك ماله، وذريته، لكن يعطي الجزية.
وقد قال الله تعالى في وصف إعطائهم الجزية: عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] عَنْ يَدٍبمعنى أنهم يسلِّمونها بأيديهم، لا يُقبَل أن يُرسِل بها خادمه أو ابنه، لا بد أن يأتي بها هو، وقيل: عَنْ يَدٍعن قوة منكم؛ لأن اليد في اللغة تُطلق من القوة، والصحيح أنها شاملة للمعنيين، يعني يعطون الجزية عن يد؛ عن ظهور قوة منكم، وعن يد مباشرة؛ يسلمها بيده.
وقال بعض العلماء: عَنْ يَدٍأن يعطيك إياها، ثم تأخذها بقوة، تجر يده جرًّا بقوة حتى تتبين لك قوتك، لكن الصحيح أنه ما لها حاجة، إذا جاء هو وسلمها بيده وأنا أستشعر أنني أقوى منه بديني، هذا كافٍ.
وقوله: وَهُمْ صَاغِرُونَأيضًا، يعني يجب أن يكونوا متصفين بالصغار، وهو الذل والهوان، ما يأتي بسيارة كاديلاك ويدخل عليَّ أبهة، عِقاله مميل وطاقيته على الجبهة، وما أشبه ذلك، ويالا يمشي (...)، هذا ما يمكن يأتي بهذه الصفة، يأتي بصفة ذل وصغار، ومع ذلك قال العلماء: ينبغي أنه ما تأخذ منه علطول، (...) تهينه، خله يقف، حتى ينقعد جنب رجليه وبعدين قال: أعطني الجزية أو (...).
المهم أن هذه معاملة.. يكفي دون ذلك إذا أعطونا الجزية وجاؤوا صاغرين غير مترفعين، ولا على سبيل الأبهة يكفي هذا، ونسأل الله تعالى أن يعيد لنا المجد حتى يحصل هذا الأمر.

***

قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» عنهم يعني: عن قتالهم. والجزية: هي المال الذي يُفرَض على غير المسلم عوضًا عن حمايته وإقامته في بلاد المسلمين. وقد سبق لنا كيف تُؤخَذ منهم؛ أنها تؤخذ عن يدٍ وهم صاغرون.
يقول: «فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ» سبق لنا إعراب «هُمْ أَبَوْا» وقلنا: إنه على رأي الكوفيين تكون «هُمْ» مبتدأ، وجملة «أَبَوْا» خبره، وأما على رأي البصريين فإن «هُمْ» فاعل لفعل محذوف أو توكيد لفاعل فعل محذوف، تقديره: فإن أبوا هم، وجملة «أَبَوْا» الثانية لا محل لها من الإعراب لأنها تفسير للجملة الأولى.
«فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» اطلب منه العون «وَقَاتِلْهُمْ» فبدأ النبي عليه الصلاة والسلام بطلب العون من الله؛ لأنه إذا لم يُعِنْكَ في جهادك لأعدائه فإنك مخذول.
«وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ» إلى آخره. «حَاصَرْتَ» الحصر معناه التضييق، والمعنى أنك طوقتهم وضيقت عليهم، بحيث لا يخرجون من حصنهم ولا يدخل إليهم أحد، فإذا حاصرتهم.. وأهل الحصن: الحصن كل ما يتحصن به من قصور أو أحواش أو غيرها.
وقوله: «فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ»؛ أرادوك: أي طلبوك، فهنا ضَمَّنَ الإرادةَ معنى الطلب، وإلا فإن الأصل أن تتعدى بـ(من): فأرادوا منك.
«أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ» الذمة: العهد، فإذا قال أهل الحصن المحاصَرون، إذا قالوا: نريد أن ننزل على عهد الله ورسوله، فإنه لا يجوز أن ننزلهم على عهد الله ورسوله، لماذا؟
علل ذلك بقوله: «فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ»: أن تخفروا بضم التاء وكسر الفاء من (أخفر) الرباعي، بمعنى (غدر)، وأما (خفر يخفِر) الثلاثي فهي بمعنى (أجار)، فعلى هذا يتعين أن تكون (تُخفِروا) بضم التاء وكسر الفاء.
وقوله: «فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا» (أن) هنا مصدرية، ولا تصح أن تكون شرطية؛ لأن (أهون) خبر المبتدأ، ومحلها من الإعراب (أن) وما دخلت عليه؛ (تخفروا) محلها من الإعراب النصب على أنها بدل من اسم (إن) بدل اشتمال، وتقدير الكلام: (فإن إخفاركم ذممكم).
وتعلمون أن البدل يصح أن يحل محل المبدَل منه، ولهذا قدرتُها بقولي: (فإن إخفاركم ذممكم).
وقوله: «أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ» لأن الغدر بذمة الله وذمة نبيه أعظم، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام غدرهم بذممهم أهون من غدرهم بعهد الله وعهد رسوله.
وقوله: «أَهْوَنُ» هنا هذا من باب اسم التفضيل الذي ليس في المفضَّل ولا في المفضَّل عليه شيء من هذا المعنى. وجه ذلك: أن قوله: «أَهْوَنُ» يقتضي اشتراك المفضَّل والمفضَّل عليه بالهُون، والأمر ليس كذلك؛ فإن إخفار الذمم سواء كان لذمة المجاهدين أو لذمة الله وذمة رسوله كله ليس بهين، بل هو صعب، لكن الهون هنا أمر نسبي، وليس على حقيقته، فإخفار ذمة الإنسان وذمة أصحابه أهون من إخفار ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم.
طالب: إذا كان يا شيخ نسبيًّا ما (...) منه شيء ولو بسيط؟
الشيخ: أبدًا، ما فيه شيء أبدًا، كله ليس بهين، لكن هذا أهون من هذا بالنسبة، أما أن يكون المفضل والمفضل عليه مشتركين في الهون فليس كذلك.
قال: «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ». الأول أرادوا أن ينزلوا على العهد، بدون أن يُحكَم عليهم بشيء، بل يعاهَدون على حماية أموالهم وأنفسهم ونسائهم وذريتهم، ولكن بلا حُكْم، وهذه مسألة.
المسألة الثانية: أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله، فهل يجابون إلى ذلك؟
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا» . الحكم هنا قال: «أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ» ولم يقل: وحكم أصحابك؛ ذلك لأن الحكم في الجيش أو في السرية لمن؟ للأمير، وأما الذمة والعهد فهي من بين الجميع، فلا يحل لكل واحد من الجيش والسرية أن ينقض العهد، أما الحكم فإنه خاص بنفس الأمير؛ ولهذا قال: «عَلَى حُكْمِكَ» فإذا قال أهل الحصن: نحن ننزل ونستسلم على حكم الله، نقول: لا، ما تنزلون على حكم الله؛ لأننا لا ندري أنصيب فيهم حكم الله أم لا «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا». وهنا الفعل معلَّق (تدري) وإلا فإنه ينصب مفعولين، لكنه معلق بالاستفهام.
هذا الحكم الأخير، هل هو ثابت إلى اليوم، أو هو في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقط؟
اختلف في ذلك أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه ثابت إلى اليوم، وإن أهل الحصن لا يُنزلون على حكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان وإن اجتهد فلا يدري أيصيب حكم الله أم لا، فليس كل مجتهد يكون مصيبًا، ومنهم من يقول: إن هذا خاص في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ لأنه العهد الذي يمكن أن يتغير فيه حكم، فإن من الجائز أنه بعد أن يمضي هذا الجيش أو هذه السرية من الجائز أن يغير الله الحكم عز وجل، فإذا كان هذا جائزًا فلا يمكن أن تُنزِلهم على حكم الله لأنك لا تدري هل تصيب الحكم الجديد أو لا تصيبه، أما بعد أن انقطع الوحي فإننا ننزلهم على حكم الله عز وجل. واجتهادنا في إصابة حكم الله يعتبر صوابًا؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فنجتهد ونلتمس حكم الله عز وجل، فإذا وصلنا إلى أي حكم فثَم حكم الله؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقد قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
وهذا القول أصح؛ وذلك لأنه يُحكَم للمجتهد بإصابة الحكم ظاهرًا شرعًا، وإن كان قد يخطئ وقد يصيب، وإن حصل الاحتراز عن ذلك، وقال: إننا لسنا نحكم بحكم الله، ولكن ننزلك على ما نفهم من حكم الله، بهذا اللفظ، صار هذا أولى وأحرى؛ لأنك إذا قلت: على ما نفهم صار أمرًا واضحًا أن هذا الحكم حكم الله بحسَب فهمك، لا بحسب الواقع، وإنما اخترنا هذه العبارة لأنه ربما يحدث تغير في الاجتهاد، ويأتي أمير آخر يحارب هؤلاء مرة ثانية أو يحارب قومًا آخرين، ثم يتغير الحكم، فيقول الكفار: إن المسلمين أحكامهم متناقضة، فإذا قلت: أنا أنزلكم على ما أفهم من حكم الله زال هذا المحظور، وسلِم الإنسان، وبهذا أيضًا يجتمع القولان؛ القول بأنه خاص في عهد الرسول والقول بأنه عام؛ لأنه إذا قال: أُنزِلك على ما أفهم فإن هذا ليس فيه بأس، حتى على القول بأن هذا الحكم عام إلى يومنا هذا.
يُستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة، هل تحبون أن نستعرضها، أو نقول هذا نأخذ منه المهم أو الشاهد للباب وندع الباقي؟
طالب: الفائدة.
الشيخ: الفائدة، طيب.
إنا ذكرنا فيما سبق تحريم التمثيل والغلول والغدر وقتل الوليد، وقلنا: إن التمثيل يُستثنَى منه على رأي بعض أهل العلم ما إذا فعلوه بنا، فإذا فعلوا ذلك بنا فإننا نفعله بهم، حتى لا نُنسَب إلى الضعف والعجز.
وسبق لنا أيضًا أنه يُشرَع للإمام أن يبعث الجيوش والسرايا، الجيوش ما زاد على أربع مئة، وأربع مئة وما دونها هذه سرية، وأن السرايا تُبعَث على وجهين:
الوجه الأول: في بداية الجهاد، في المقدمة.
والثاني: عند الرجوع.
وأن خطر المبعوثة عند الرجوع أعظم، ولهذا يُنَفَّل لها أكثر من السرية الأولى.
ويستفاد من هذا الحديث أنه لا يجوز القتال قبل الدعوة. من أين يؤخذ؟ من عموم قوله: (إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ) بما ذُكر. فجعل القتال آخر مرحلة. وعلى هذا فلا يجوز لنا أن نقاتل الكفار حتى ندعوهم ونيئس من كل شيء.
ولكن إذا قال لك قائل: كيف تجيب عما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المُصْطَلِق وهم غارون ؟
أجاب العلماء بأن هؤلاء قد بلغتهم الدعوة، وأن الدعوة فيما لم تبلغهم واجبة قبل القتال، وفيمن بلغته سُنة، ويُرجَع في ذلك للمصلحة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز أخذ الجزية من غير اليهود والنصارى والمجوس؛ لأن اليهود والنصارى تؤخذ منهم الجزية بنص القرآن، والمجوس أُخذت منهم الجزية بما ثبتت السُّنة. ومن عدا هؤلاء الثلاث طوائف اختلف فيهم أهل العلم؛ هل تؤخَذ منهم الجزية أو لا تؤخذ، أو يُفرَّق بين أن يكونوا من مشركي العرب فلا تؤخذ منهم؛ لأن في الجزية إذلالًا، أو من غير مشركي العرب فتؤخذ منهم.
والصحيح أنها تؤخذ من كل كافر؛ لأن هذا الحديث عام، لأنه قال: «قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ» ولم يقل: من اليهود والنصارى. وعلى هذا فتؤخذ الجزية من كل كافر.
وفي الحديث إشارة إلى أن القتال ليس لإكراه الناس على الدخول في دين الله، ولو كان كذلك ما نفعت الجزية، فكان يجب أن يدخلوا في الدين أو يقاتَلوا. وهذا القول هو الراجح، الذي تؤيده أدلة الكتاب والسنة؛ بأنه لا يُكرَه الإنسان على الدخول في دين الله.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» إلى آخره، فهو عام مخصوص بأدلة الجزية.
ويستفاد من هذا الحديث: عِظم العهود، ولا سيما إذا جُعلت عهدًا لله ورسوله؛ لقوله: «فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ».
ويستفاد منه: جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش؛ لقوله: «وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ».
ويستفاد منه: أنه لا يجوز أن يُنزَلوا على حكم الله؛ إما في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو مُطلَقًا؛ لقوله: «فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ».
ويستفاد منه: أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ: «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا». وهذا دليل على أن الإنسان إذا اجتهد قد يخطئ وقد يصيب.
وقد ثبت بذلك الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» .
وعليه هل نقول: إن المجتهِد مصيب ولو أخطأ؟
هذه مسألة حصل فيها نزاع بين العلماء غريب؛ منهم من يقول: كل مجتهد مصيب، ومنهم من يقول: ليس كل مجتهدٍ مصيبًا، ومنهم من يقول: كل مجتهد مصيب في الفروع وليس كل مجتهد مصيبًا في الأصول؛ حذرًا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
والصحيح أن المجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث موافقته الحق الذي هو شرع الله، فإنه يخطئ ويصيب.
ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ، وَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ». فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى خطأ وصواب، ولكن هل هذا شامل لما يسمى بعلم الأصول كما هو ثابت في علم الفروع، أو خاص بعلم الفروع فقط؟
ظاهر الحديث العموم، وهو ظاهر نصوص الكتاب والسنة التي بيَّن الله فيها أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولكن يجب علينا أن نعرف أن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ، ولو وقع من مجتهد؛ لأنه لا يمكن أن يكون هو المصيب والسلف غير مصيبين في ذلك، سواء في هذا ما يسمى بعلم الأصول أو لا.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقالا: ايتوا لنا بفرق نطمئن إليه، أنتم تلحقون شيئًا من أصول الدين بالنص تلحقونه بالفروع، مثل الصلاة، الصلاة لا شك أنها من أصول الدين، هي أحد أركان الإسلام، ومع ذلك فهي عند المقسِّمين للأصول والفروع من الفروع، ثم يأتون بأشياء تتعلق بالعقيدة، وهي مختلَف فيها حتى عند السلف ويقولون: هذه من الفروع؛ لأن ما هي أصل الإيمان، فرع من فروع الأصل.
ونحن نقول في الواقع: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة فكل الدين أصول، وإن أردتم بالأصول ما يتعلق بالعلميات دون العمليات فهذا محل نظر؛ لماذا نقول في الأول: كل الدين أصول؛ لأن حتى العبادات البدنية أو المالية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا حيث تعتقد أنها مشروعة، فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك ما صح تعبدك لله بها، فكل عمل صالح عبادة فلا بد أن يكون مسبوقًا بعقيدة أن الله تعالى شرعه.
فعلى كل حال الصحيح أن الاجتهاد مفتوح، سواء فيما يسمى بالأصول أو في الفروع، وأن من المجتهدين من يصيب ومنهم من يخطئ.
هل يؤخذ من هذا الحديث أن باب الاجتهاد باقٍ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: باب الاجتهاد مو باب الجهاد.
طلبة: نعم.
الشيخ: من أين نأخذه؟
طالب: من اجتهاد الأمير.
الشيخ: من اجتهاد هذا الأمير؛ لأن قوله: «لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ أَمْ لَا» معناه أنه سوف يجتهد.
وبهذا يتبيَّن ضعفُ قول من يقول: إن باب الاجتهاد قد انسد من زمان، وإن الواجب على الناس اليوم التقليد لأئمتهم وألا يحاولوا أن يجتهدوا. ولا شك أن هذا القول يترتب عليه مسألة كبيرة جدًّا، وهي الإعراض عن الكتاب والسنة إلى آراء الرجال؛ لأن معنى ذلك ألا تنظر في الكتاب ولا في السنة، إذا أردت الحكم اذهب إلى كتاب؛ إن كنت من الحنابلة: كتب الحنابلة، وإن كنت من الشافعية: كتب الشافعية، ومن المالكية انظر إلى كتب المالكية، ومن الحنفية إلى كتب الحنفية، ومن الظاهرية إلى كتب الظاهرية، وهلم جرًّا، وندع الكتاب والسنة، وهذا خطأ، بل الواجب على الإنسان إذا تمكن أن يأخذ الحكم من كتاب الله وسنة رسوله، أن يأخذه منهما، يجب عليه، ولكن يجب أن نلاحظ أنه لكثرة السنن وتشتتها وتفرقها لا ينبغي للإنسان أن يحكم بشيء بمجرد أن يسمع حديثًا في هذا الحكم حتى يتثبت؛ لأنه قد يكون هذا الحكم منسوخًا وأنت لا تعلم، وقد يكون مقيدًا وأنت تظنه مطلقًا، وقد يكون مخصوصًا وأنت تظنه عامًّا، فتريثْ، وأما أن نقول: أبدًا لا تنظر في القرآن ولا في السنة؛ لأنك لست أهلًا للاجتهاد، فهذا غير صحيح.
ثم إنه على قولنا بأن باب الاجتهاد مفتوح لا يجوز أبدًا أن نحتقر آراء العلماء السابقين، وأن ننزل من قدرهم؛ لأن أولئك تعبوا واجتهداوا وليسوا بمعصومين، فكونك تذهب تقدح فيهم أو تأخذ المسائل التي يفرضونها تأخذها على أنها نكت تعرضها أمام الناس ليسخروا بهم، فهذا أيضًا لا يجوز، إذا كانت غِيبة الإنسان العادي محرمة فكيف بغيبة أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في استخراج المسائل من أدلتها، ويأتي واحد في آخر الزمان يقول: (أنا ابنُ جَلَا وطلَّاع الثَّنَايا)، هؤلاء ما يعرفون، هؤلاء يفرضون المحال، هؤلاء يقولون كذا، هؤلاء يقولون كذا... مع أن أهل العلم فيما يفرضونه من المسائل النادرة قد لا يقصدون الوقوع، ولكن يقصدون تمرين الطالب على تطبيق المسائل على قواعدها وأصولها.
وفي هذا إثبات الحكم الشرعي، يعني هذا الحكم هنا من باب الأحكام الشرعية، وقد مر علينا أن حكم الله ينقسم إلى قسمين؛ كوني وشرعي. فالحكم الكوني ما يتعلق بالكون، وهو الذي لا يمكن لأحد مخالفته، والحكم الشرعي ما يتعلق بالشرع والعبادة، ومن الناس من يأخذ به، ومنهم من لا يأخذ به، هذا الحديث الذي معنا من أي النوعين؟ من الأحكام الشرعية.
وقوله تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] هذا كوني.
وقوله تعالى في سورة الممتحِنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] شرعي.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله:
(فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين)
.
هنا لو أنه قال رحمه الله: (الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وبين ذمة المسلمين) لكان أوضح؛ لأنك عندما تقرأ هذه العبارة تظن أن الفروق بين الثلاثة كلها، وليس كذلك، فإن ذمة الله وذمة نبيه واحدة، والفرق بينهما وبين ذمة المسلمين.
ما هو الفرق؟
الفرق أن جعل ذمة الله وذمة نبيه للمحاصَرين محرَّمة لا تجوز، وذمة المسلمين جائزة.
(الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرًا). من قوله: «وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ».
وهذه قاعدة، وهي: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرًا، تقال هذه القاعدة على وجه آخر، وهو: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.
وهذه القاعدة قد دل عليها الشرع والعقل، أما الشرع ففي مثل قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨]. فإن سب آلهة المشركين مطلوب، لكن إذا استلزم سب الله عز وجل صار منهيًّا عنه وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. لماذا؟
لأن سب الله أعظم من السكوت عن سب آلهتهم، فإذن نسكت وإن كان في هذا السكوت شيء من المفسدة لكن نسكت على هذا لئلا نقع في مفسدة أعظم.
وكذلك أيضًا فيه قاعدة مقابلة، وهي: جلب أعلى المصلحتين بترك أدناهما. يعني إذا اجتمعت مصلحتان فخذ بأعلاهما، وإذا اجتمعت مفسدتان فخذ بأدناهما، وهذا يدل عليه الشرع والعقل أيضًا.
قال المؤلف: (الثالثة: قوله: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ»). طييب ويش الفائدة منها؟ وجوب الغزو مع الاستعانة بالله والإخلاص له والتمشي على شرعه.
(الرابعة: قوله: «قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ») ويش المسألة هذه؟ وجوب قتال الكفار، وأن علة قتالهم الكفر.
هل معنى ذلك أنه لا قتال إلا بكفر؟
لا، فالكفر سبب للقتال، لكن هناك أسباب أخر للقتال، فإن من منعوا الزكاة يقاتَلون، وإذا ترك صلاة العيد أهل بلد قوتلوا، وإذا تركوا الأذان والإقامة قوتلوا أيضًا، وإذا اقتتلت طائفتان وأبت إحداهما أن تفيء إلى أمر الله فإنها تقاتَل، إذن لا يلزم من القتال الكفرُ، لكن الكفر سبب للقتال، فالقتال له أسباب متعددة.
(الخامسة: قوله: «اسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ») وجوب الاستعانة بالله وألا يعتمد الإنسان على حوله وقوته.
(السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء) لأن حكم الله مصيب بلا شك، حكم العلماء قد يصيب وقد لا يصيب، هذه واحدة.
ثانيًا: تنزيل أهل الحصن على حكم الله ممنوع إما في عهد الرسول فقط أو حتى في عهدنا هذا، وأما على حكمه -حكم الأمير- فهو جائز.
هل يؤخذ من الحديث أنه لا ينبغي عند الاستفتاء أن تقول: ما رأي الإسلام في كذا، كما يوجد الآن عند الناس؟ أو مثلًا واحد يكتب كتابًا، يقول: حكم الإسلام كذا وكذا، وهو قد لا يكون حكم الإسلام؟
نعم نقول هكذا إلا فيما هو نص واضح صريح فلا بأس، مثل أن يقول القائل: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فتقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنها حرام.
(السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا) لكن تقييد المؤلف الصحابي بحكم لا يدري أن يصيب حكم الله أم لا، أقول: هل هو ظاهر أنه خاص في الصحابة أو حتى مَن بعدهم؟
طالب (عبد الرحمن بن داود): حتى من بعدهم، من باب أولى.
الشيخ: الظاهر: حتى من بعدهم فإنه يجوز أن نحكم عند الحاجة بما يرى أنه حكم، وليس من باب أولى، خلافًا لـ(عبد الرحمن بن داود)؛ لأن الصحابة أقرب إلى الصواب من غيرهم، فقد نجوز لهم الحكم ما لا نجوز لغيرهم.
لكن قصد (عبد الرحمن) أنه إذا جاز الخطأ على الصحابي فغيره من باب أولى، هكذا تريد؟
الطالب: إي نعم.
طالب: فضيلة الشيخ، إنزال بني قريظة على سعد بن معاذ هل هو خاص بعهد النبي صلى الله عليه وسلم أم يصح لمن بعده؟ يعني في واحد من الجند.
الشيخ: بإذن الأمير لا بأس.
الطالب: حتى وإن كان هو لا يعلم بما (...).
الشيخ: إي ولو، ما دام موثوقًا به لا حرج أن يقول: ننزلكم على حكم فلان بن فلان، وإنما اختير سعد بن معاذ في بني قريظة واضح؛ لأنه كان حليفًا لهم، هذا السبب أنهم اختاروه.
طالب: ما الفرق بين غيبة العلماء وغيبة عامة الناس؟
الشيخ: أشد غيبة العلماء؛ لأنها أخطر، لأن غيبة العلماء تحط من قدرهم، وإذا حطت من قدرهم امتنع الناس عن الاستهداء بهداهم، وهذا ضرر عظيم، الآن مثلًا لو تبغى تغتابلك واحدًا من العلماء الذي يعتمده الناس مثلًا في أحكامهم، ما تنزل قيمته عندهم؟
تنزل قيمته، إذا نزلت قيمته معناه أن الأحكام اللي يهدي الناس بها تزول أو تضعف.
الطالب: إذا كان للتوضيح يا شيخ؟
الشيخ: لا، الخطأ يُبيَّن، الخطأ يجب أن يبيَّن، ولكن يقال مثلًا: إن هذا الأمر محل اجتهاد، والإنسان يخطئ ويصيب، ولا ندري نحن المخطئون أو هو المخطئ، مع أن عدم التعيين أولى.
الطالب: يعني عدم تعيين نفس العالم..
الشيخ: نفس العالم اللي أخطأ في هذا.
طالب: بالنسبة لفرق تقسيم العالم إلى مجتهد وغير مجتهد؟
الشيخ: لا، ما نقسمها عليه، يعني من يُستفتَى؛ لأن المقلد ذكر ابن عبد البر أنه ليس من العلماء بالإجماع.
الطالب: لا أقصد الآن ترخُّص العامة، إذا ترخص في الفتوى فهو مصيب على كل حال يعني؟
الشيخ: العامي؟
الطالب: إي.
الشيخ: العامي يجب عليه أن يسأل أهل العلم.
الطالب: لا مثلًا ترخص اللي ما يقولون بالوضوء من أكل الإبل عندهم، وعدم ترخصهم عندنا، هل كلهم مصيبون؟
الشيخ: أما العامة الذين عند علماء لا يرون هذا الرأي فهذا هو الواجب عليهم، ما يستطيعون، إلا إذا تبين لهم الحق فيجب أن يتبعوه، وأما عندنا مثلًا يقولون بوجوب الوضوء منه فلا يجوز أن يترخصوا برخص العلماء الآخرين لمجرد هوى.
الطالب: لا، أقصد العامي.
الشيخ: لو قال العامي: أنا والله بقلد المذاهب الثلاثة ولا أتوضأ من لحم الإبل نقول: ما يجوز الحال؛ لأنك إنما تريد الترخص فقط.
الطالب: لكن هل كلهم مصيبون؟ يعني إذا دولك ترخصوا واللي عندنا ما ترخصوا، كلهم مصيبون؟
الشيخ: من هما، العلماء ولَّا العامة؟
الطالب: عوامنا ما تخرصوا، وعوامهم..
الشيخ: نعم عوامنا مصيبون؛ لأن هذا هو منتهى قدرتهم، أن يقلدوا علماءهم، وعوامهم أيضًا مثلهم.
الطالب: مصيبون.
الشيخ: مصيبون، ما هو مصيبون للحق الذي أنزل الله، لكن مصيبون في عملهم وطريقهم.
الطالب: طيب ما يؤيد هذا القول أن اختلاف العلماء رحمة؟
الشيخ: لا، هو لو اتفقوا لكان أرحم لكن رحمة بمعنى أن رحمة الله تسعهم فلا يقال لهذا المخالف: إنك آثم، ولو كان الصواب مع مخالفه.
الطالب: ذاك استفاد؛ العامي.
الشيخ: أبدًا، العامي ما استفاد، يستفيد لو قلنا: أنت مخيَّر، وأما إذا قلنا: أنت الآن في مكان لا يعرف علماؤه إلا هذا القول، معناه أنه ملزَم به، ولهذا إذا كان من الشافعية وكان الشافعية رأوا أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء ما يمكن يترخص بقول من لا يرى نقض الوضوء مجرد تشهٍّ فقط، وإلا حصل تلاعب، كأنه يقول: قلِّد مثلًا الإمام أحمد في أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وقلد الشافعي في أن لحم الإبل ما ينقض الوضوء، وامسس المرأة لشهوة وكل اللحم ثم صلِّ، صلاته الآن باطلة على المذهبين، هو يقول: ويش عليكم مني؟ أنا مقلد للإمام أحمد في أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ومقلد للشافعي في أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، نقولك الآن: صلاتك عند الإمام أحمد باطلة، وعند الشافعي باطلة، وهو يقول: لا.
طالب: المرتد يُدعَى إلى ثلاث؟
الشيخ: لا، المرتد يدعى إلى واحدة ولَّا السيف، إلى الرجوع للإسلام ولَّا القتل.

***

باب: ما جاء في الإقسام على الله
00:48:19

(باب ما جاء في الإقسام على الله) الإقسام مصدر أقسم يُقسِم إذا حلف. والحلف له عدة أسماء: يمين، وألِيَّة، وحلِف، وقَسَم، وكلها بمعنًى واحد. قال الله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥]. وقال: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦]، لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١] يعني: لا أحلف، لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] وما أشبهها، أي: لا أحلف بهذا البلد.
واختلف العلماء في (لا)؛ فمنهم مَن قال: إنها نافية على الأصل، وإن معنى الكلام: لا أقسم بهذا الشيء على المقسَم به؛ لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسَم. وهذا لا شك أنه فيه شيء من التمحل والتكلف؛ لأن كل إنسان يقرأ الآية يعرف أن المقصود الإثبات لا النفي.
وقال بعضهم: إن (لا) زائدة، وإن التقدير: أقسم. وقال بعضهم: إن (لا) للتنبيه. وهذا بمعنى الثاني؛ لأنها من حيث الإعراب على القول بأنها للتنبيه تكون زائدة.
وقال بعضهم: إنها نافية لشيء مقدَّر، يعني مثلًا: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١] لا صحة لما تدعون أو لما تزعمون من انتفاء البعث، أقسم بيوم القيامة، إلى آخره. وهذا أيضًا فيه شيء من التكلف.
والصواب أنها زائدة للتنبيه.
والمهم أن الإقسام بمعنى اليمين والحلِف.
والإقسام على الله معناه أن تحلف على الله أن يفعل أو أن تحلف على الله ألا يفعل، هذا معناه، أن تحلف على الله تقول: والله لا يفعل الله كذا، أو تقول: والله ليفعلن الله كذا. وهذا القسَم على الله ينقسم إلى أقسام في الواقع:
القسم الأول: أن تقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وغاية ما فيه أنه يدل على يقينك بما أخبر الله به ورسوله، مثل أن تقول: والله ليُشفِّعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، أيش هذا؟
طلبة: جائز.
الشيخ: هذا جائز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه معناه قوة اليقين من الحالف على ما أخبر الله به عن نفسه. أو تقول: والله لا يغفر الله لمن أشرك به، أيش هذا؟
طلبة: جائز.
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأنه مطابق لما أخبر الله به، وغاية ما فيه أنك أبرزته بصفة اليمين لقوة يقينك به، وهذا لا جدال فيه ولا إشكال فيه.
القسم الثاني: أن يقسم الإنسان على ربه لقوة رجائه به سبحانه وتعالى، لقوة الرجاء وحسن الظن به، فهذا أيضًا جائز لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم إياه، الرسول عليه الصلاة والسلام أقر ذلك في قصة الرُّبَيِّع بنت النضْر بن الحارث عمة أنس بن مالك رضي الله عنه، كسرت ثَنِيَّة لجارية من الأنصار، فاحتكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص، القصاص أن تُكسَر ثنية الربيع، فعرضوا عليهم الصلح؛ أبَوا، قالوا: نصالحكم، نعطيكم دية، نعطيكم ما تريدون؛ أبوا، قالوا: إلا القصاص، فقام أنس بن النضر رضي الله عنه: يا رسول الله، أتُكسَر ثنية الربيع؟! -لأنها غالية عنده- والله لا تُكسَر ثنية الربيع. يريد به رد الحكم الشرعي؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ»، السن بالسن، ما يمكن، قال: والله ما تُكسر ثنية الربيع. غرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على ألا تكسر ولو أن يبذل كل غال ورخيص فعل. هذا معنى كلامه، يعني كأنه يقول: الصلح الذي أبوا أنا لا يهمني، أنا أعطي كل ما أملك ولا تكسَر. ونحن نعلم علم اليقين أنه لا يريد أن يقصد رد حكم الله ورسوله أبدًا، كيف وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال هذا، وعرفوا أن الرجل مصمم، ألقى الله في قلوبهم العفو؛ في قلوب الأنصار العفو فعفوا، سبحان الله! قوة رجائه بالله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» الله أكبر! شوف هذا الرجل لقوة رجائه بالله عز وجل وحسن ظنه ألقى الله في قلوب هؤلاء الذين كانوا قد صمموا أمام الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يقتصوا؛ ألقى الله في قلوبهم العفو فعفوا.
الرسول عليه الصلاة والسلام أثنى عليه، وهذه شهادة من الرسول أن الرجل من عباد الله وأن الله تعالى أبر قسمه ولين له هذه القلوب المصممة على القصاص، وكيف لا وهو الذي قال: إنه يجد ريح الجنة دون أُحُد، وهو الذي لما استشهد رضي الله عنه وُجد به بضع وثمانون ما بين ضربة برمح وسيف وما أشبه ذلك، قيل: إنه لم يعرفه إلا أخته بِبَنَانِهِ .
على كل حال إذا كان الحامل على الإقسام على الله قوة الرجاء به، وحسن الظن بالله، فإن هذا جائز، ويشهد له هذا الحديث، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» . أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يُنظَر له ولا يُدخَل على الناس لاحتقارهم له، لكنه عند الله ذو جاهٍ عظيم؛ لو أقسم على الله لأبره.
القسم الثالث من الإقسام على الله: أن يكون الحامل له -أي للإقسام على الله- هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله عز وجل، وسوء الظن به تبارك وتعالى، فهذا لا شك في تحريمه وأنه وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المقسِم؛ من أنت حتى تتحجر فضل الله عز وجل! ومن أنت حتى تُدِلَّ على الله بعملك! واللهِ ما عملت من عمل صالح إلا ولله فضل عليك به بخصوصه؛ يحتاج إلى شكر، ما هو يحتاج إلى أن تنفخ روحك وتقول: أنا من أنا يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات: ١٧].
انظر من على يمينك وعن يسارك من كافر وفاسق وفاجر وكاذب ومنافق، واحمد الله أن عافاك مما ابتلاهم به، انظر إلى من ابتلوا من الناس بالتحريف؛ تحريف النصوص، وصرفه عما أراد الله بها، سواء كانت عقدية أو فقهية، واحمد الله أن عافاك منها؛ من هذه البلية، فلله عليك نعمة إذا هداك ووفقك فلا تتأل على الله وتقول: أنا من أنا، ولا تتحجر فضل الله.
واعلم أن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى، وكم من إنسان كان على جانب كبير من الفجور والفسق حتى أيس الناس من هدايته، ولكن الله عز وجل يمن عليه فيهديه، وهذا شيء مشاهَد ومجرَّب وواقع، نسمع به خبرًا ونشاهده بأعيننا نظرًا.
فإذن هذا القسم الثالث ما حكمه؟
حكمه أنه حرام، ولا يجوز للإنسان أن يقسم على الله تعالى إذا كان الحامل له على القسَم هذا السبب.
وهذا هو الذي ساق الحديث من أجله، والترجمة صالحة لأنه لم يحكم على المقسِم على الله بشيء، بل قال: (باب ما جاء في الإقسام على الله). ولكن سياقه للحديث يدل على أنه أراد الرابع ولَّا الثالث؟
الثالث، أراد القسم الثالث، وعلى هذا فنقول: ما وجه مناسبة الحديث أو الباب لكتاب التوحيد؟
وجهه أن هذا الذي تألى على الله عز وجل أساء الأدب مع الله، وتحجر فضل الله، وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، بل قد ينافي التوحيد كله، وبهذا نعرف وجه المناسبة، وأن شأن الله عز وجل أعظم من أن يقسم عليه أحد من خلقه.
في ظني أنك لو أقسمت على ملك من ملوك الدنيا، قلت: تفضل، قال: اصبر، قلت: والله أن تدخل هالحين، ما بك، ماذا يُعَدُّ هذا؟ يعد هذا سوء أدب، يمكن ينصرف ويقول للسجان: اسجنه، وللجلاد: اجلده، ليش هو يحلف عليَّ؟! فهذا دليل على أن التألي على من هو عظيم يعتبر تنقصًا في حقه.

***

يقول المؤلف: (عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ»). طيب ما شأن «لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ»؟ هذه الكلمة ماذا تدل عليه؟ هل تدل على أن الإنسان أحسن الظن بالله ورحم عباد الله؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، بل تدل على العكس، اليأس من روح الله، وتدل أيضًا على احتقار عباد الله، وتتضمن إعجاب هذا الإنسان بنفسه؛ لأنه لو كانت حاله مثل حال هذا الرجل من المعاصي ما قال هذا الكلام، لو قال هذا الكلام لكان يشهد على نفسه أن الله ما يغفر له، بل هذا يدل على أن الرجل القائل كان على جانب من العبادة، وهذا الرجل كان على جانب من المعاصي، ولهذا قال: والله لا يغفر الله.
والمغفرة سبق لنا مرارًا أن معناها: ستر الذنب والتجاوز عنه، وأن أصلها من المغفر الذي يُغطَّى به الرأس، وهو صفحة من الحديد يغطى بها الرأس عند الحرب، فبها وقاية وستر.
«فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟» (من) اسم استفهام، و(ذا) ملغاة، و(الذي) اسم موصول خبر مبتدأ، و(يتألى) بمعنى يحلف «عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟»، أي من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي ألا أغفر لمن أساء من عبادي، والاستفهام ظاهر فيه أنه للإنكار.
«مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟». وقد ورد الحديث مبسوطًا في رواية أبي هريرة أنه كان رجل له صاحب، وكان هذا الرجل عابدًا، والآخر مسرفًا على نفسه، وكان يراه على المعصية ويزجره وينهاه ويقول له: أجُعِلْتَ عليَّ رَقيبًا؟ خَلِّ بيني وبين ربي. ثم يأتيه من الغد ويقول له كما قال، وهو يقول الثاني: أجُعلت علي رقيبًا، خلِّ بيني وبين ربي. وهذا يدل على أن الرجل عنده حسن ظن بالله عز وجل. وفي المرة الثالثة لما رآه على هذه الحال قال: والله لا يغفر الله لك. مع أن الرجل المسرف على نفسه كان عنده حسن ظن ورجاء بالله، وأنه كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه لأنه قال: خل بيني وبين ربي. والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحًا، ثم غلبته نفسه عليه مرة أخرى، فإن توبته الأولى تبطل ولَّا لا؟ ما تبطل، توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب من الثانية فتوبته صحيحة؛ لأنه نقول: من شرط التوبة أن يعزم على ألا يعود، وليس من شرط التوبة ألا يعود. أن يعزم على ألا يعود.
المهم أن هذا الرجل والعياذ بالله أطلق هذه الكلمة، «فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» .
ونحن نعلم علم اليقين أن هذا الرجل الذي غفر الله له أنه قد وُجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك، فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو كان شركًا وبدون توبة فإنه لا يغفر له؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] لكن إما أن هذا الذنب دون الشرك، وفضل الله واسع، تجاوز الله عنه، وإما أنه شرك أو كفر ولكن الله مَنَّ عليه بالتوبة، وأيًّا كان فإن الله قال: «إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ» واضح؛ لأنه حصل منه أسباب المغفرة إن كان ذنبه مما لا يدخل تحت المشيئة، أو فضل الله عليه بالمغفرة إن كان ذنبه مما هو داخل تحت المشيئة، لكن «وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» هذه هي التي تحتاج إلى جواب؛ لأنه قد يتولد فيها إشكال «أَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»؛ فما هو السبب بأن الله أحبط عمله؟ وهل المراد عمله كله كما هو ظاهر الإضافة، أو المراد عمله الذي كان يفتخر به على صاحبه؟
ظاهر الحديث الأول؛ لأن الأصل في المفرد المضاف أن يكون عامًّا، فهذا ظاهر الحديث، وحينئذٍ لا بد أن نلتمس حسب علمنا وفهمنا ما هو السبب الذي أبطل الله سبحانه وتعالى عمل هذا الرجل به.
أما على الاحتمال الثاني أنه أحبط عمله الذي كان يفتخر به على هذا الرجل، فالأمر في هذا أهون وظاهر، ولكن الإشكال الذي يرد ما وجه إحباط الله عمل هذا الرجل على سبيل العموم؟
نحن حسب فهمنا -والعلم عند الله عز وجل- أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإدلال على الله بما عمل، كأنما يمنُّ على ربه بعمله، وحينئذٍ فإنه يَفتقِد ركنًا عظيمًا من أركان العبادة؛ لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع، هذا الرجل الذي يقول مثل هذا الكلام إذا كان يرى في نفسه الإعجاب والإدلال على الله عز وجل، أين الذل والخضوع؟!
أنت لا بد أن تكون عبدًا لله عز وجل بما تَعَبَّدَكَ به، وبما بلغك من كلامه، وهذه الأخيرة مسألة كثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدونه بوحيه، قد يصعب عليهم أن يرجعوا عن رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله، ويركبون رأيهم ويحرفون النصوص من أجله، وهذه مسألة صعبة، يعني قد تجد الرجل عابدًا، مقيمًا للصلوات، مؤتيًا للزكاة، قائمًا بالصوم على الوجه الذي يستطيع، وكذلك بالحج، لكنه لا يعبد الله بالنسبة لما بلغه من وحيه، والواجب أن تكون لله عبدًا ذليلًا بكل شيء، حتى فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضعانًا كاملًا، حتى تحقق العبودية، فالذي يبدو -والله أعلم- أن هذا الرجل كان مُدِلًّا على الله بعمله وافتقد من نفسه الركن الأعظم في العبادة، وهو الذل والخضوع.
ولا شك أنه إذا لم تكن العبادة مبنية على الذل والخضوع أنها لا تصح، أنت إذا لم تشعر أنك تقوم بالعبادة لأنك عبد لله رقيق بين يديه، فإن عبادتك ناقصة وقد تكون باطلة. هذا وجهه والله أعلم.
أما إذا قلنا: إن المراد العمل الذي حصلت فيه الإساءة فالأمر واضح سهل؛ لأن العمل إذا حصلت فيه الإساءة بطل.
ونظير هذا مما يحتمل العموم أو الخصوص قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بَهْزِ بنِ حَكيم عن أبيه عن جده فيمن منع الزكاة، قال: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا» : «آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ» هل المراد بماله كل المال، أو ماله الذي منع زكاته؟ فمثلًا إذا كان عنده عشرون من الإبل، وزكاتها كم من الغنم؟ كم زكاة عشرين من الإبل من الغنم؟ أربع شياهٍ، فمنع الزكاة، هل نأخذ عشرين من الإبل فقط، أو إذا كان عنده أموال أُخَر كبقر وغنم ونقود نأخذ نصف المال كله؟
اختلف في هذا أهل العلم؛ منهم من قال: إنه لا يؤخَذ إلا نصف ماله الذي وقعت فيه المخالفة، ومنهم من قال: يؤخذ جميع المال.
والراجح أن هذا يرجع إلى رأي الإمام، إذا رأى أن من المصلحة أن يؤخذ نصف ماله كله أخذه، أو نصف المال الذي حصلت فيه المخالفة أخذه. وهذا الحديث عاد ما دام محل البحث فيه هل نُسخ ولَّا بقي حكمه أم لا.
طالب: شيخ، أقول: ما وجه (...) الرسول صلى الله عليه وسلم (...) أن من الناس من يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها كذا وكذا فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار، أو يكون من الناس من يعمل بعمل أهل النار حتى يكون بينه وبينها كذا وكذا فيسبق عليه الكتاب فيدخل الجنة .
الشيخ: يعني (...) أحبطت عمله؟
الطالب: هذا يعمل بما يراه الناس، وهذا يعمل عبادته بما يراه الناس.
الشيخ: على كل حال لا بد إذا قلنا: العمل عمومًا إن هناك فيه مفسد للعمل.
طالب: قول: إنه افتقد الركن الأعظم وهو الذل والخضوع قد تشكِل في رواية أبي هريرة أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: رجل عابد. (عابد) صفة لهذا الرجل، والعبودية معناتها الخضوع والذل، من تعبد الطريق أي ذَلَّلَهُ.
الشيخ: إي لكن هو عابد بحسب ما يتراءى ويظهر، وليس كذلك؛ لأنه لو حصلت له ردة كان ما يكون سبب حبوط العمل مجرد هذا القول، تكون الردة هي التي أوجبت الحبوط.
طالب: مثلًا لو إنسان يدعو شخصًا، وكثرت دعوته إليه وهذا معرِض، قال: أسأل الله أن يهدينا، أسأل الله أن يهدينا، وغضب في يوم من الأيام قال: أنت بها الطريقة ما أظن الله يهديك..
الشيخ: لا ما يجوز، كلمة (ما أظن) غير الجزم، هذا جزم قال: والله لا يغفر الله لفلان، تألى على الله، لكن مع ذلك لا ينبغي أن يقول: ما أظن؛ لأن هذا ظن فيه نوع من إساءة الظن بالله عز وجل. يقول: إذا أنت تقول: الله يهديني نقول نحن: الله يهديك، لكن ما منعك الهداية؟ الله بيَّن لك الطريق، تفضل.
طالب: أقول: إن هذا الرجل، إنه يعني عنده يرجو من الله المغفرة (...) دعاء الله سبحانه وتعالى دعاء عبادة ودعاء مسألة، وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] إذا قلنا: هل الله سبحانه وتعالى يستجيب لشخص إذا فعل أحد الاثنين؛ إما دعاء العبادة أو دعاء المسألة؟
الشيخ: إي نعم، دعاء العبادة إجابة الله الداعي فيها أن يقبلها منه ويثيبه عليها، ودعاء المسألة أن الله تعالى يستجيب دعاءه، ولا يلزم إذا استجاب دعاءه أن يعطيه ما سأل، لا يلزم، قد يعطيه الله ما سأل، وقد يعطيه ما هو أفضل منه؛ يدخر له يوم القيامة ما هو أفضل منه، أو مثله، ، وقد يصرف عنه من الشر ما هو مثله.
طالب: دعاء العبادة، الفرق بينهما، ودعاء المسألة؟
الشيخ: دعاء العبادة: كل عبادة فهي دعاء؛ لأن العابد لسان حاله يقول: يا رب، تقبل مني وأثبني، وأما دعاء المسألة فواضح.
طالب: هل يصح أن يقال: لعلمي والله لا يغفر له..
الشيخ: لا، أبدًا.
الطالب: ولو كان كافرًا.
الشيخ: ولو كان كافرًا. حتى لو كافر يسجد للصنم ما يجوز يقول: والله لا يغفر الله لك. ولهذا ما يجوز تلعنه.
الطالب: وليس من أهل النار.
الشيخ: لا، تقول: إن مات على شركه فهو من أهل النار، إن مات على شركه فليس مغفورًا له.

***

(...) (وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد) وقد أشرنا إليه من قبل في الدرس الماضي، أن هذا الرجل كان حريصًا على العبادة قائمًا بها، لكنَّ عنده غرورًا بنفسه والعياذ بالله وإعجابًا بعمله، فحبط بذلك عمله.
(قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) أوبقته بمعنى أهلكته، ومنه الحديث: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» أي المهلكات، وقوله: (دنياه وآخرته) أما كونها أوبقت آخرته فالأمر ظاهر؛ لأنه كان من أهل النار والعياذ بالله، ولكن كيف أحبطت دنياه؛ لأن دنيا الإنسان حقيقةً هي ما اكتسب بها عملًا صالحًا، فإذا لم يكتسب بها عملًا صالحًا فهي خسارة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢] الإنسان، كل الإنسان إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
وقال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥]، فالحقيقة أن الذي لم يوفَّق في هذه الدنيا للإيمان والعمل الصالح فإنه قد خسرها والعياذ بالله، وفاتت عليه؛ لأن هذه الدنيا مهما طالت بالإنسان ومهما زُخرفت له ومهما أتته على ما يريد فمآلها الفناء والزوال، وهذا الفناء والزوال إذا حصل ما كأن شيئًا جرى على هذا الرجل من النعيم والترف، واعتبر ذلك بحالك اليوم؛ كل ما جرى عليك، حتى بالأمس القريب، كأنه شيء لم يكن (...) إن كل إنسان لم يوفَّق في الدنيا للعمل الصالح فإنه خاسر؛ لأن هذه الدنيا مهما كانت مآلها للفناء، وكل شيء فانٍ فإنه كلا شيء، وقلتُ: اعتبر هذا بما حصل لك مما سبق تجده مر عليك وكأنه لم يكن، وهذا من حكمة الله عز وجل أن الإنسان في هذه الدنيا تكون حاله هكذا لئلا يركن إليها؛ لأن الركون إلى الدنيا خطير على الإنسان في آخرته.
وقول أبي هريرة: (تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) الحديث من رواية جندب بن عبد الله، لكن المؤلف أشار إلى حديث آخر رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
(فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله)
.
من أين تؤخذ؟
طالب: من قول الرجل: «وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ».
الشيخ: لا.
(...) إحباط العمل لا شك أنه أمر يجب الحذر منه.
ثم إن قوله: «مَنْ ذَا الَّذِي» الاستفهام هنا للإنكار.
المسألة (الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله) و(الثالثة: أن الجنة مثل ذلك). من أين تؤخذ؟
طالب: من الرجل قد يتكلم كلمة كان من أهل الجنة، فلما قالها، كلمة بسيطة وسريعة من أهل النار.
الشيخ: شراك النعل ما هو؟
الطالب: هذا الذي يلبسه.
الشيخ: النعل هو اللي يلبس، ولكن ما شراكه؟
الطالب: الحبل الذي يربط.
الشيخ: إي، يعني السير اللي يكون بين الإبهام والأصابع. هذا الشراك.
هذا المثل ويش يُقصَد به؛ أنها أقرب من شراك النعل؟
طالب: التحديد (...).
الشيخ: أو التقريب، تقريب الجنة، وأنها قد تكون قريبة من الإنسان وهو لا يشعر، وكذلك النار.
وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله؛ هاتان المسألتان الثانية والثالثة، هما حديث ثبت في حديث البخاري؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» .
(الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ» .. إلخ). ما هو الحديث الذي يشير إليه المؤلف؟
طالب: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا فتهوي به في جهنم سبعين خريفًا.
الشيخ: أو: «أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». وهذا فيه الحذر من مزلة اللسان؛ لأن اللسان قد يزل فيهلك به الإنسان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ -أو قال: فَخِذَيْهِ- أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» . لأن هذا اللسان خطره عظيم. قال معاذ للرسول عليه الصلاة والسلام لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟». قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه أمسكه وقال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». قلت: يا رسول الله، وإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بما نتكلم به؟ قال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أو قال: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» .
ففيه الحذر الشديد من مزلة اللسان، ولا سيما إذا كانت هذه الزلة سببًا للاقتداء به والأسوة به، كما يحدث من بعض دعاة الضلال والعياذ بالله، فإن ذلك يكون أشد إثمًا؛ لأنه يكون عليه وزره ووزر من تابعه إلى يوم القيامة.
(الخامسة: أن الرجل قد يُغفر له بسببٍ هو من أكره الأمور إليه) (...) فإنه غفر له بسبب هذا (...) وهذه المسألة ما هي بظاهرة لي جدًّا، أو لا يظهر لي وجهها من الحديث، إنما لا شك أن الإنسان قد يُغفر له بشيء هو من أكره الأمور إليه، مثل الجهاد في سبيل الله؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦] هذا أمر مسلَّم لكن أخذه من هذا الحديث هو الذي فيه ثقل عندي.

***

باب: لا يستشفع بالله على خلقه
01:26:13

ثم قال المؤلف: (باب: لا يستشفع بالله على خلقه) استشفع بالشيء أي جعله شافعًا له، والشفاعة في الأصل جعل الفرد شفعًا، وعرفوها بأنها التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة، أن تتوسط لغيرك بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.
مثالها بجلب المنفعة: لو توسطت لإنسان بأن يوظَّف في وظيفة يرغبها، هذه شفاعة بماذا؟ بجلب منفعة.
بدفع مضرة: لو أن أحدًا أُلزم بدفع مال ظلمًا، فشفعت إلى هذا الذي ألزمه بأن يسمح عنه ويعفو عنه، كان هذا من باب دفع المضرة.
الاستشفاع بالشيء على الشيء لا شك أن المشفوع إليه أعلى درجةً من الشافع غالبًا، أليس كذلك؟
الشافع يكون أدنى مرتبة في الغالب من المشفوع إليه، وإذا كان كذلك فإن الاستشفاع بالخلق على الله جائز، والاستشفاع بالله على الخلق محرم؛ لأنا قلنا: إن درجة الشافع أو مرتبة الشافع أدنى من مرتبة المشفوع إليه.
ولننظر؛ الاستشفاع بالله على خلقه هذا تنقص لله عز وجل، حيث مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه؛ لأنه لو كان أعلى مرتبة ما احتاج إلى أن يشفع عنده، لكان يأمره أمرًا، فيقول: افعل كذا، والله عز وجل لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد؛ لأن ذلك تنقُّص، وهذا هو وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد؛ لأن الاستشفاع بالله على خلقه يستلزم تنقُّص الله سبحانه وتعالى، وهذا منافٍ للتوحيد.
قال: (عن جُبَيْر بنِ مُطْعِم رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ) أعرابي واحد الأعراب، وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الغالب عليهم الجفاء؛ لأنهم أبعد أو أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله (فقال: يا رسولَ الله، نُهِكَتِ الأنفسُ) يعني ضعفت (وجاع العيالُ وهَلَكَتِ الأموالُ) من أي شيء؟ من قلة المطر والخصب، فالأنفس ضعفت، ما كان عند الإنسان القوة النفسية والمعنوية التي تحصل له إذا كان هناك خصب وربيع، وجاع العيال لأن العيش قلَّ، وهلكت الأموال لأنها لم تجد ما ترعاه.
(فاستسق لنا ربك) إلى هنا الكلام صحيح، استسق لنا ربك يعني: اطلب من الله عز وجل أن يسقينا، وهذا حق وليس فيه بأس؛ لأن طلب الدعاء ممن تُرجَى إجابتُه من وسائل إجابة الدعاء.
(فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله) الآن حصل الخطأ، نستشفع بالله عليك: يعني نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم. و(نستشفع بك على الله) هذا صحيح، يعني نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عند الله فتدعو الله لنا، هذا لا بأس به.
قال الراوي: (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ») قال ذلك استعظامًا لهذا القول، وإنكارًا له، وتنزيهًا لله عز وجل عما لا يليق به من جعله شافعًا بين الخلق وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.
و(سبحان) اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق. ما نقول: هو مصدر لأنه ليس مصدرًا؛ بل هو اسم مصدر من (سبَّح يسبِّح) والمصدر (تسبيحًا). وإذا جاءت الكلمة بمعنى المصدر وليس فيها حروف المصدر تسمونها اسم مصدر، مثل (كلام) اسم مصدر (تكليم)، (سلام) اسم مصدر (تسليم). أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا [نوح: ١٧] (نباتًا) هذه اسم مصدر، مع أنها لو جاءت من (نبت) لكانت مصدرًا، لو جاءت من (نبت ينبت نباتًا) صارت مصدرًا، لكن لما جاءت من (أنبت يُنبِت) صارت اسم مصدر؛ لأنها لم تتضمن حروف الفعل.
هنا نقول: (سبحان) منصوب على أنه مفعول مطلق، وهو لازم النصب، ما يأتي إلا منصوبًا، ما يأتي مجرورًا ولا يأتي مرفوعًا، ولازمُ حذف العامل أيضًا، يعني ما يمكن يأتي معه الفعل، ما يمكن تقول: سبحت الله سبحانًا، اللهم إلا نادرًا أو في شعر ونحوه، وإلا فإنه لا يُجمَع بينه وبين فعله. فما معناه؟
قالوا: إن معنى التسبيح التنزيه، تنزيه الله عز وجل، تنزيهه عما لا يليق به من نقص أو عيب أو مماثلة المخلوق وما أشبه ذلك. والذي يُنزَّه الله عنه أمران؛ أحدهما النقص والعيب، والثاني: مماثلة المخلوق، وإن شئت فأدخل مماثلة المخلوق في النقص والعيب؛ لأن مماثلة الناقص نقص، بل مقارنة الكامل بالناقص تجعله ناقصًا، كما قال الشاعر
ألم تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُــــــصُ قَــــــــدْرُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ السيفَ أَمْضَى مِنَ العَصَا

لو قلت: والله عندي سيف بتَّار قطَّاع أمضى من عصا فلان، وعصا فلان كُبر الذراع، ماضية هذه ولَّا لا؟ لا، ما هي ماضية.
هذا يعتبر، هذا السيف الآن، يعتبر سيفًا ناقصًا رديئًا، كيف تقول: أمضى من العصا!
فإذن تنزيه الله عن مماثلة المخلوقين يمكِن أن نقول: إنه داخل في قولنا: تنزيه الله عن كل نقصٍ وعيب.
وإنما سبح النبي صلى الله عليه وسلم هنا كما قلت استعظامًا للأمر، وإنكارًا على الرجل، وتنزيهًا لله عز وجل عما لا يليق به.
(فما زالَ يُسبِّحُ) يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله (حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: ويحك) إلى آخره.

***

طالب: (...) قال الله فيه: إني قد غفرت لك (...) ما جاء إن هؤلاء (...) كانوا متحابين فإنه (...) لو كان هذا (...) ما جاز له هذا العابد (...) يحبه (...).
الشيخ: ما هو على كل حال، هذا صحيح وارد، لكن قد يقال: إنه في ذلك الوقت ما هناك وبراء.
طالب: (...).
الشيخ: هذا إما أن يكون مقصودًا به أن الأعمال الموصلة إلى الجنة قريبة وسهلة.