كتاب التوحيد - 53
عدد الزيارات 6924

عناصر المادة :
باب: ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك
باب: ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}

الموصلة إلى الجنة قريبة وسهلة (...) إذا أرادها، وكذلك الأعمال الموصلة إلى النار (...) الحقيقة (...) بين أيدينا، ويمكن أن يقال: إنها حقيقة ولكن لا يلزم من كونها بين أيدينا أن نراها، كما أننا لا نرى الملائكة ولا نرى الجن، وهذا عالم غيبي الله أعلم به، لكن يظهر لي -والله أعلم- المعنى الأول، (...) عندنا قرينة واضحة تمنع من إرادة الحقيقة، فإن الجنة عرضها السماوات والأرض، ولا يمكن أن تكون الحقيقة بين أيدينا.
طالب: شيخ، أنت قلت: يجوز طلب الدعاء ممن يُرجَى إجابته، فهل هذا خاص بالرسول أم عام لصالح الناس؟
الشيخ: عام لكل صالح، ولهذا طلب عمر رضي الله عنه من العباس بن عبد المطلب أن يستسقي لهم .
طالب: على الاحتمال الذي ذكرناه المرة السابقة بالنسبة لـ أبطلت عملك، أنه لإبطال العمل كله فيكون هذا بسبب إعجابه وإدلاله على الله، طيب ممكن يقول قائل: إن الإعجاب هذا مقارن للعمل فيلزمه أن يبطل بمجرد العمل، وسياق الحديث أن الإبطال حصل بهذه الكلمة.
الشيخ: يمكن هذا الرجل لما كان الإعجاب في قلبه لم يظهر أثره، لم يكن هناك علامة على ما في قلبه من الإعجاب، فلما ظهر أثره تبين ما في قلبه. وأيضًا الإعجاب قد يكون مقارنًا للعمل وقد يكون بعده، حتى (...) العمل، ربما الإنسان إذا عمل العمل أُعجِب وأدلَّ على الله به ورأى أن له حقًّا، كما قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات: ١٧].
طالب: لكن الظاهر من سياق الحديث أن هذه الكلمة..
الشيخ: لكن هذه الكلمة مجرد (والله لا يغفر الله لفلان) لو قالها بناء على ما يعرفه من قواعد الشريعة مثلًا، وأن هذا يبعد أن الله يغفر له لكثرة عمله أو لشركه إن كان مشرِكًا، ما كان هذا نتيجته، وقد يقال أيضًا مثلما ذكرنا: إن التألي على الله وسوء الظن به أبطل عمله، سوء الظن به أبطل عمله، يعني سوء الظن بالله من كبائر الذنوب العظيمة.
طالب: ما يقال: إن الدعاء يجب أن يقيد أن هذا فيه مصلحة للأمة كلها، وكذلك توسل عمر بالعباس، لما يعني يكون الواحد يدعو الصالحين لمصلحة ذاتية ففيه إظهار (...).
الشيخ: لا، هو على كل حال إن طلب الدعاء من الغير إذا كان لمصلحة العامة ما فيه شك أن هذا جائز والإنسان ما سأل لنفسه، مثلما لو تقول لإنسان مثلًا فقير مشروع لجمع دراهم لفقير فإن سؤالك هذا لا يضر، أو مشروع عام لمصلحة المسلمين عمومًا، لكن الدعاء الخاص يجوز أنك تطلب من شخص تُرجَى إجابته أن يدعو لك، لكن شيخ الإسلام يقول: ينبغي في هذه الحال أن ينوي بذلك نفع المطلوب، لا النفع المجرد لنفسه؛ لأن المطلوب إذا دعا لك بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله ، أما إذا طلبته لمصلحتك الخاصة فهذا أمر لا ينبغي، وإن كان ليس حرامًا، لكن لا ينبغي؛ لأن فيه نوعًا من الإذلال والسؤال.
طالب: (...).
الشيخ: هذه أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...) ما يقال فيه: إنه تكرار الرجل العابد على الرجل العاصي هذا سبب في وقوع الرجل العاصي في ملذته، وقطع الرجل العابد عليه شهوته هذه سبب في كراهته (...).
الشيخ: كيف (...) المؤلف.
الطالب: (...) يعني كراهة الرجل العاصي لقدوم الرجل عليه وهو في أثناء معصيته هذا يعتبر كراهة (...) الذنوب.
الشيخ: إي لكن هو يكره الذنوب ولَّا يكره توبيخ هذا الرجل له؟
الطالب: يكره تكرار الرجل العابد عليه في أثناء وقوعه في شهوته؛ لأن قطع الشهوة فيه نوع من الكراهة.
الشيخ: يعني كره الذنوب ولا كره..
الطالب: كره قدوم الرجل عليه وتكراره.
الشيخ: (...) ظاهر لي جدًّا، لكن (...) قلتم بالأول: إن تكرار التوبيخ أمر لا يحبه الإنسان.
الطالب: والتكرار كذلك.
الشيخ: وكذلك رؤية الإنسان على المعصية ما يحب أن أحدًا يراه.
طالب: هل إبطال العمل ما يكون أن الله هيأ الإنسان هذا للمعصية (...).
الشيخ: والله هذا محتمل لكنه ما دام عندنا سبب ظاهر عُلِّق به الحكم، فإن الأولى أن نعتبر هذا السبب الظاهر.

***

(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ» فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ) نحن عرفنا فيما سبق أن (ما زال) من أفعال الاستمرار، (زال) إذا دخل عليها (ما) صارت تدل على الاستمرار؛ كقوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: ١١٨، ١١٩]، وعملها عمل (كان) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر. وجملة (يسبح) هذه هي الخبر.
(فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِه). (عُرف ذلك) أي: أثرُه، عُرف أثر هذا التسبيح في وجوه أصحابه وأنهم تأثروا بذلك، من كثرة تسبيح الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم علموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يسبح ويكرر هذا التسبيح إلا لأمر عظيم، ووجهُ التسبيح هنا أن الرجل ذكر جملةً فيها شيء من التنقص لله تعالى، فسبح النبي صلى الله عليه وسلم ربه تنزيهًا له عما تُوهِمُه هذه الكلمة.
ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه بالسفر إذا هبطوا واديًا سَبَّحُوا؛ تَنْزِيهًا لله تعالى عن السُّفُول الذي كان من صفاتهم، وإذا عَلَوْا نَشَزًا كَبَّرُوا ؛ تعظيمًا لله عز وجل، وأن الله تعالى هو الذي له الكبرياء في السماوات والأرض.
(ثُمَّ قَالَ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم، (قَالَ: «وَيْحَكَ، أَتَدْرِي مَا اللهُ؟»). ويح: كلمة منصوبة بعامل محذوف، وتارَةً تضاف فيقال: ويحَك، وتارَة تقطع عن الإضافة فيقال: ويحًا لك، وتارة ترفع، وتارة تنصب، أما رفعها فهي على أنها مبتدأ، فيقال: ويحُه أو ويحٌ له، والنصب على تقدير فعل محذوف، التقدير: ألزمك الله ويحَك، وهي ووَيْل، ووَيْب، ووَيْس كلها تُقال، يقال: ويل، ويح، ويب، ويس. ومعناها متقارِب، ولكن بعض أهل العلم باللغة يقول: إن ويح كلمة ترحم، وويل كلمة وعيد، فمعنى ويحك يعني أني أترحم لك وأحن عليك.
ومنهم من يقول: لا، كلها كلمة تدل على التحذير.
فعلى القول بالفرق بين ويل وويح يكون ويح هنا ترحمًا لهذا الرجل الذي سبح النبي صلى الله عليه وسلم من قوله هذا التسبيح المكرر، فترحموا له، كأنهم رحموه لأنه فعل شيئًا عظيمًا.
وقوله: «أَتَدْرِي مَا اللهُ؟» هذه جملة استفهامية، فما المراد بالاستفهام؟ المراد بالاستفهام التعظيم، المراد التعظيم، يعني أن الله سبحانه وتعالى شأنه عظيم كما بيَّنه فيما بعد.
ويَحتمل أن يكون المعنى «أَتَدْرِي مَا اللهُ؟» أي: لا تدري ما الله، بل أنت جاهل به، ويكون المراد بالاستفهام هنا النفي.
وقوله: «مَا اللهُ؟» هذه جملة استفهامية أيضًا، وهي معلقة لـ(تدري) عن العمل؛ لأن (درى) تنصب مفعولين، لكنها تُعلَّق بالاستفهام عن العمل وتكون الجملة في محل نصب، سدت مسد مفعولي تدري.
ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ» إن شأن الله يعني أمره وعظمته أعظم من ذلك؛ أي: مما تصورت، حيث جئت بهذا اللفظ: نستشفع بالله عليك.
ثم قال: «إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ». لماذا؟ لكمال عظمته وكبريائه.
والشفيع يكون دون المشفوع إليه غالبًا، فإذا استشفعت بالله على أحد فمعنى ذلك أنك نزَّلت رتبة الله عن رتبة ذلك المشفوع إليه، وهذا لا شك نقص في التوحيد.
قال: (وذكر الحديث) أي: تمامه (رواه أبو داود ).
وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن معناه صحيح، وأنه لا يجوز لأحد أن يقول: أستشفع بالله عليك.
فإن قلت: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ» وهذا دليل على جواز السؤال بالله؛ إذ لو لم يكن السؤال بالله جائزًا لم يكن إعطاؤه واجبًا، فكيف نجمع بين السؤال بالله وبين الاستشفاع بالله؟
يقال: الجمع بينهما أن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسؤول به أدنى من مرتبة المسؤول، بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسؤول به مرتبة عظيمة، بحيث إذا سئل به أُعطي، على أن بعض أهل العلم يقول: «مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ» أي: من سألكم سؤالًا بمقتضى شريعة الله «فَأَعْطُوهُ»، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.
ولكن المعنى الأول أصح، وقد جاء مثله في قول المَلَك: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ» فسأل بالله.

***

قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك).
من تسبيح الله وقوله: «أَتَدْرِي مَا اللهُ؟» وقوله: «إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ» كل هذه الجمل تدل على الإنكار على من قال: نستشفع بالله عليك.
(الثانية: تغيُّره تغيرًا عُرِفَ في وجوه أصحابه) من قولهم: فما زال يُسبِّح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه. وكونه يكرر: «سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ» هذا تغير حتى عُرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة، وهذا دليل على أن هذه الكلمة كلمة عظيمة منكرة.
(الثالثة: أنه لم يُنكِر عليه قوله: نستشفع بالله عليك) نستشفع بك على الله، ليش؟ لأنه قال: «إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ»، ولم يقل: لا يستشفع بأحد على الله، فدل هذا على أن المنكَر أن يستشفع الإنسان بالله على أحد من خلقه.
(الرابعة: التنبيه على تفسير: سبحان الله) كيف التنبيه؟ لأن قوله: «إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ» دليل على أنه مُنزَّه عن كل ما يَنقُص تلك العظمة، وأنه منزه عن كل نقص.
(الخامسة: أن المسلمين يسألونه الاستسقاء) لقول الأعرابي: نستشفع بالله عليك، وبك على الله. لأي شيء؟ للمطر والغيث.
وقول المؤلف: (أن المسلمين يسألونه) إنما هذا في حال حياته، أما بعد وفاته فلا يسألونه، لو سأل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته أن يغيثهم لكان ذلك شركًا أكبر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يمكن أن يسأل الله، انقطع عمله، انقطعت عبادته، كما قال هو صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ» .
وبهذا نعرف أن القصة المروية عن الرجل العَتْبي، أو العَتَبي، الذي جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأناخ راحلته عند القبر وقال: يا رسول الله، إن الله يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: ٦٤] وإنني قد جئت تائبًا إلى الله تعالى وتوسل إليه بأن يستغفر له. ثم قال، أنشد:
يا خيرَ مَن دُفِنَتْ بالقَاعِ أَعْظُمُهُ فطَابَ مِن طِيبِه الآلاءُ والأَكَمُ
نَفْسِي الفِداءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُــــهُ فيه العَفَافُ وفيهِ الجُودُ والكَــــــرَمُ

وأنه رأى في المنام أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه وقال: إن الله قد غفر لك . هذه الرواية باطلة، لا صحة لها؛ لأن صاحبها مجهول، والرواة الذين رووا عنه أيضًا كذلك مجهولون، ولا يمكن أن تصح؛ لأن الآية وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُواولم يقل: ولو أنهم إذا ظلموا. و(إذ) لما مضى، بخلاف (إذا).
والصحابة رضي الله عنهم لما لحقهم الجدب في زمن عمر ما استسقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما استسقوا بالعباس بن عبد المطلب، قال عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا قمْ يا عباس فادعُ الله.
ما فيه فوائد بعدُ ثانية؟
فيه أنه ينبغي أن يقدِّم الإنسان الأوصاف التي تَستلزِم العطف؛ لقوله: نُهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال.
وفيه أيضا الترحم على المذنب إذا قلنا: إن (ويحك) كلمة ترحم.

***

باب: ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك
00:19:45

ثم قال: (باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك). في حمايته حمى التوحيد.
المؤلف رحمه الله لما تكلم فيما مضى من كتابه على إثبات التوحيد، وعلى ذكر ما ينافيه أو ينافي كماله، ذكر ما يحمي هذا التوحيد، وأما جميع طرق الشرك مسدودة، منها ما أشار إليه بقوله: (عن عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا. فقال: «السَّيِّدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى». قلنا: وأفضلُنا فضلًا وأعظمُنا طَولًا. فقال: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ». رواه أبو داود بسند جيد).
يقول: (انطلقت في وفد بني عامر) وهذا الوفد الظاهر أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في العام التاسع؛ لأن العام التاسع من الهجرة كثر فيه الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُسمَّى ذلك العام عام الوفود.
(فقلنا: أنت سيدنا. فقال: «السَّيِّدُ اللهُ») السيد هو ذو السؤدد والشرف، والسؤدد معناه العظمة والفضل والفخر وما أشبه ذلك.
قالوا: أنت سيدنا، و(سيِّد) صفة مشبَّهة على وزن فَيْعِل؛ لأن الياء الثانية زائدة، (فقال: «السَّيِّدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى») ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: سيدكم، بل قال: «السَّيِّدُ اللهُ»؛ وذلك لأن (أل) في (السيد) للعموم، ومعناه أن الذي له السيادة المطلَقة هو الله، لكن السيد المضاف يكون سيدًا باعتبار المضاف إليه، مثل سيد بني فلان، سيد البشر، وما أشبه ذلك، أما السيادة المطلقة فهي لله عز وجل.
فإن قلت: السيد إذن من أسماء الله؟
فالجواب: نعم هي من أسماء الله، وهي من معاني الصمد، فإن ابن عباس فسر الصمد بأنه الكامل علمه، في حلمه، في سؤدده ، وما أشبه ذلك.
وقوله: «السَّيِّدُ اللهُ»لم ينههم عن قولهم: أنت سيدنا، ولم يقرهم الإقرار الكامل، فهو ما نهاهم ولا أقرهم، ولكنه أشار إلى أنه لا ينبغي لهم أن يترقوا من السيادة الخاصة إلى السيادة العامة المطلقة؛ لأن (سيدنا) سيادة خاصة مضافة، لكن السيد سيادة عامة مطلقة غير مضافة، فكأنه أرشدهم إلى ألا يتجرؤوا حتى يترقوا من السيادة الخاصة إلى السيادة العامة فقال: «السَّيِّدُ اللهُ».
وهل الرسول عليه الصلاة والسلام سيدنا؟
الجواب: نعم سيدنا بلا شك؛ لأنه سيد ولد آدم كما أخبر عليه الصلاة والسلام عن نفسه ، ولكن المشكلة الآن أن كثيرًا من الناس صاروا يطلقون لفظ السيد على من ليس بسيد، يطلقونه على من يصح أن تُبدَل الدال في حقه بهاء، وكذلك أيضًا يطلقون السيادة على جنس النساء، فيقول: هذه سيدة، ويُكتَب (حمام رجال) (حمام سيدات)، كان مقتضى العدل أن يقول: حمام سادة؛ كما قال: حمام سيدات، أو يقول: حمام رجال وبعدها: حمام نساء، أما يُكتَب: حمام رجال، وإلى جانبه: حمام سيدات، يزعلون الرجال، لكن هذه جاءت من الغرب الذين يسودون النساء، وأقول: يسودون لأن هذا سوَّده يسوِّده أي جعله سيدًا؛ لأن سيدًا أصله السَّيْوِد لكن فيها إعلال، ولكن سبحان الله يوافق (يسودونهن) حِسًّا ومعنًى. الحقيقة أن ترقية النساء إلى مرتبة أعلى من مرتبتهن هذا ضرر عليهن أنفسهن، كما أنه يكون على حساب من؟ على حساب الرجال.
(قال: «السَّيِّدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى») وقوله: «تَبَارَكَ وَتَعَالَى» ما معنى (تبارك)؟
قال العلماء: معناه: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يُوصَف به إلا الله (تبارك)، ولا يقال: فلان تبارك، تبارك فلان لا يجوز؛ لأن هذا الفعل خاص بالله، أو هذا الوصف على الأصح.
لكن العامة الآن يقولون: أنت تباركت علينا، لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله عز وجل، وإنما يريدون بقولهم: تباركت علينا أي أصابتنا بركة من مجيئك، هذا معناه. والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان؟ إي نعم يصح، قال أُسَيْد بنُ حُضَير لما نزلت آية التيمم بسبب العقد الذي ضاع لعائشة، قال: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر .
وقوله: «تَعَالَى» تعالى هي معناها (علا) أو هي أبلغ من (علا)؟
هي أبلغ؛ لأنها تفيد التعالي الذي هو العلو، والتعالي الذي هو التنزه، ولهذا يقول الله تعالى دائمًا: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٦٣] أي: علا وتنزه عما يشركونه به.
(قلنا: وأفضلنا فضلًا) أفضلنا فضلًا! كيف هذا؟
نعم، يعني معناه أن فضلك فاضل أكثر من فضلنا، أن فضلك يا رسول الله فاضل أكثر من فضلنا. صحيح هذا ولا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: (وأعظمنا طَولًا) أي غِنًى وشرفًا، والطول بمعنى الغنى؛ كما في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ [النساء: ٢٥].
ويكون بمعنى العظمة؛ كما في قوله تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] يعني: ذي العظمة والإحسان والغنى.
(فقال: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ») قال: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ» الأمر هنا للإرشاد، ووجه ذلك أنه لا يجب عليهم أن يقولوا بهذا القول، لو قالوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وما أشبه ذلك، جاز ولَّا لا؟ جاز، لكن هذا للإرشاد، إلا أن يقال: إن هذا الأمر يتضمن النهي عن الزيادة، فيكون بمعنى: لا تقولوا أكثر من ذلك، فإذا حُوِّل إلى هذا المعنى صار الأمر للوجوب.
وقوله: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ» ويش هو قولهم؟ أنت سيدنا، أنت أفضلنا فضلًا، أنت أعظمنا طولًا «أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ» بأن تقول: أنت سيدنا مثلًا، أو أنت أفضلنا فضلًا، «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» استجراه بمعنى جذبه وجعله يجري معه، فالمعنى: لا يستميلنكم الشيطان ويجذبنكم إلى أن تقولوا قولًا منكرًا غير معروف، فأرشدهم الرسول عليه الصلاة والسلام هنا إلى بيان الأمر الذي ينبغي أن يُفعَل ونهاهم عن الأمر الذي لا ينبغي أن يُفعَل.
طالب: قولهم: السيدة عائشة، يصح هذا؟ يعني عائشة من النساء أيضًا.
الشيخ: عائشة لا شك أنها سيدة النساء، أقول: لا شك أنها من سيدة النساء، وما فيه بأس، لكن الأفضل ألا يقال هذا، يعني الأفضل لنا أن نعبر بما عبر به السلف، السلف أشد منا تعظيمًا للرسول عليه الصلاة والسلام وللصحابة، ومع ذلك ما كانوا يقولون: قال سيدنا رسول الله، ولا: قالت السيدة عائشة أو السيدة خديجة.
طالب: الآن يكتب مثلًا (...) السيد فلان بن فلان، ولا يضيفها، فهذه ما تدخل في السيادة العامة؟
الشيخ: اللهم إذا كانوا قصدوا معنى فلا شك، ولكن بعضهم يقصد مجرد العالمية، الآن فيه ناس يسمون السيد، اسم، علم.
الطالب: لا، المدراء..
الشيخ: السيد فلان يعني على سبيل التشريف.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يُنهَى عنها، يقال: إن هذا اللفظ لا يصح إلا لله عز وجل.
طالب: تسمية الرجل: مبارك (...)؟
الشيخ: ويش تقولون فيها؟ تسمية الرجل: مبارك؟
طالب: وصف علمية.
الشيخ: إي علمية مثل محمد، ومثل صالح، إي نعم.

***

(...) الشرك قد يكون من الأمور التي لا تدعو إليها النفوس كثيرًا، لكنه أعظم الظلم، فالشيطان يحرص على أن يوصل ابن آدم إلى الشرك، فحماه النبي عليه الصلاة والسلام حماية تامة محكمة حتى لا يدخل الإنسان فيه، هذا هو معنى الباب الذي ذكره المؤلف. وأيضا بيناه قبل.

***

(...) وهو أن السيادة المضافة أجازها الشرع، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» ، وقال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» قاله للأوس، وقال في الرقيق المملوك: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» . وتقدم لنا هذا، ولَّا لا؟ فكيف الجمع؟
اختلف العلماء في الجمع، فقال بعضهم: إن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز، وإنه ليس النهي للتحريم حتى يعارض الجواز.
وقال آخرون: بل النهي حيث يُخشَى منه المفسدة، وهو التدرج إلى الغلو، والإباحة: حيث لا يكون في ذلك محظور.
وقال بعضهم: إن النهي في الخطاب أن تخاطب الغير بقولك: سيدي أو سيدنا أو ما أشبه ذلك، بخلاف الغائب؛ لأنه إذا خوطب الشخص بهذا الاسم فربما يكون في نفسه عُجب وعلو وترفع. ثم إن فيه شيئًا آخرَ وهو خضوع هذا المتسيِّد له، وإذلال نفسه له، بخلاف ما إذا جاء على سبيل الغيبة، مثل «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» أو مثل «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» ، إلا أن هذا الجمع يَرِد عليه إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي، فإن هذا إضافة. ولكنهم قد يجيبون عن ذلك بأن تذلل الرقيق لسيده أمر مطلوب، ولهذا يحرم عليه أن يأبق عن سيده وأن يمتنع مما يجب عليه مراعاة سيده فيه.
فهم الآن كم من قول؟ ثلاثة:
الأول: أن النهي على سبيل الكراهة.
والثاني: على سبيل الجواز؛ بيان أن النهي ليس للتحريم.
الوجه الثاني: أن النهي حين يُخشى منه مفسدة؛ بغلو المتسيد لهذا السيد أو نحو ذلك.
والثالث: أن الإباحة حيث لا يكون المسيَّد أو المسوَّد مواجهًا بالتسييد أو بالتسويد؟ -من ساد يسود- لأنه إذا خُوطب بذلك أدى إلى إعجابه وترفعه وتكبره من وجه، وإلى إذلال المتسوِّد له من وجه آخر، حيث يخاطبه بوجه يقول: أنت أرفع مني، ففيه نوع إذلال.
(...) أم على سبيل الغيبة، مثل سيد بني فلان، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي فُلَانٍ». قالوا: سيدنا الجَدُّ بنُ قَيْسٍ، إلا أنا نُبَخِّلُهُ. قال: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ» . فقال: «مَنْ سَيِّدُكُمْ». كقوله في الأوس: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» . وكذلك قوله: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» .
وأُورد على هذا الجمع أيش؟ ما الذي أورد (...)؟
طالب: أن يقول: يا سيدي.
الشيخ: فيواجهه:
الطالب: يقول: سيدي.
الشيخ: فأباح له أن يواجهه بذلك.
طيب وأجيب:
طالب: أنه (...) الخضوع للسيد.
الشيخ: لسيده.
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، وأن هذا لا بأس به بين السيد ورقيقه.
والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا جائز لكن بشرط أن يكون هذا الموجَّه إليه السيادة أهلًا لذلك. أما إذا لم يكن أهلًا فإنه لا يقال له هذا، مثل لو كان فاسقًا أو زنديقًا أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يمكن للمسلم أن يقول له: يا سيدي، مهما كان، حتى لو فُرض أنه أعلى منه رتبةً، أو جاهًا، أو شرفًا، أو ما أشبه ذلك، فلا يقول له هذا.
وقد جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَغْضَبْتُمُ اللهَ» لأنه ليس بسيد في الواقع. فإذا كان أهلًا لذلك وقاله الإنسان وليس هناك محظور فلا بأس به، لا بأس أن يقول: سيدي، أو أن يقول: يا سيدنا، وأما إذا خُشي المحظور فإنه لا يجوز.
فإن قلت في قولهم: أنت سيدنا، والرسول قال: «السَّيِّدُ اللهُ» : ما هو المحظور الذي يُخشَى منه؟
يُخشى أن هؤلاء يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام غلوًّا كاملًا؛ لأنهم كما يبدو حديثو عهد بإسلام؛ لأنهم جاؤوا وفدًا.

***

ثم قال: (وعن أنس رضي الله عنه؛ أن ناسًا قالوا: يا رسولَ اللهِ، يا خيرَنا وابنَ خَيرِنا، وسيدَنا وابنَ سيِّدِنا): (يا رسولَ اللهِ) هذا نداء طيب؛ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]. المعنى: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا فتقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. ومعنى آخر في الآية: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِيعني إذا دعاكم الرسول لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم وإن شئتم لم تجيبوا، فهو كقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] المهم أن قولهم: (يا رسولَ اللهِ) دعاء سليم.
(يا خيرَنا) صح، هو خيرهم (وابنَ خَيرِنا) هذا غير صحيح؛ لأن أبا الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بمسلم، ولكن إن أرادوا بالخيرية خيرية القَبَلِيَّة فهذا صحيح؛ لأن أبا الرسول صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، وهم من أشراف قريش وأسيادهم، وكذلك نقول في (سيدَنا وابنَ سيِّدِنا).
(فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ») قولوا بقولكم الذي خاطبتموني به أولًا، وهو: يا رسول الله. الدليل قوله: «أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ».
وقوله: «وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» أي: لا يستميلنكم الشيطان فتهووه وتتبعوا طرقه، ونظير ذلك قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ٧١].
قال: «أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» صلى الله عليه وسلم، وهذان الوصفان أبلغ وأكرم وأحسن وصف يتصف به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك ذكر الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعظم المقامات:
فذكره في مقام الإنزال، إنزال القرآن عليه، كقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].
وذكر ذلك في مقام الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١].
وذكره في مقام المعراج: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ٨ - ١٠].
وذكره في مقام الدفاع عنه فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣].
ووصف الله أنبياءه بذلك -بالعبودية- في مقام الثناء عليهم: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣].
ولا شك أن العبودية لله من أجلِّ أوصاف الإنسان؛ لأن الإنسان إما أن يعبد الله أو يعبد الشيطان، قال الله عز وجل في سورة يس: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس: ٦٠] ويش يقابله؟ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦١].
فالإنسان لا بد أن يتعبد لشيء؛ إما لله وإما للشيطان، كما أنه لا بد أن يقاتل؛ إما في سبيل الله، وإما في سبيل الطاغوت والشيطان.
قال ابن القيم في النونية رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ

أعوذ بالله! الرق الذي خُلقوا له وهو عبادة الله هربوا منه، لكن هل تحرروا؟ أبدًا؛ بلوا برق النفس والشيطان، نسأل الله العافية.
فإذن أشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباده الصالحين. هذا أشرف وصف للإنسان.
والشاعر يقول في معشوقته:
لا تَدْعُنِي إِلَّا بيا عَبْدَهَا فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي

شوف أعوذ بالله، يقول: لا تقول: يا فلان، يا عبد الله، يا محمد، يا خالد، يا سليمان، لا، قل: يا عبد فلانة، ما ندري عاد ويش معشوقته اسمها؛ فإنه أشرف أسمائي.
إذن عرفنا أن التعبد للمحبوب أنه من الأوصاف التي يحبها العابد، أليس كذلك؟ وهي بالنسبة لله أشرف وصف للإنسان أن يكون عبدًا لله.
قال: «وَرَسُولُهُ» هذا أيضًا من أشرف أوصافه؛ لأن رسول الله عز وجل في قمة الطبقات الصالحة؛ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩] والنَّبِيِّينَيدخل فيهم الرسل، بل هم أفضلهم، وأفضل الرسل: أولو العزم، وأفضل أولو العزم: رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد.
هل يمكن أن نجد وصفًا أشرف من هذين الوصفين؟ عبد لله، ورسول لله، اختاره الله عز وجل من بين سائر الخلق ليبلغ هذه الرسالة العظيمة، والله يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] فالرسل أهل للرسالة؛ لأن عندهم من العبادة لله والتحمل على آراء عباد الله ما ليس عند غيرهم.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ». أنا محمد: هذا اسمه العلم، عبد الله: وصفه، ورسوله أيضًا: وصفه.
ومن عبارات المؤلف رحمه الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب شيخ الإسلام، يقول: إنه عبد لا يُعبَد، ورسول لا يُكذَّب.
وقد تطرف في حق الرسول عليه الصلاة والسلام طائفتان:
طائفة غلت فيه حتى عبدته وأعدته للسراء والضراء، وصارت تعبده من دون الله وتدعوه من دون الله.
وطائفة أخرى كذبته وأنكرته وزعمت أنه كاذب ساحر كاهن شاعر مجنون.
وتوسط مَن أنعم الله عليهم وقالوا: إنه عبد الله ورسول الله، فهو عبد لا يُعبَد ورسول لا يُكذَّب.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ» بها. التي أنزلها الله عز وجل. (ما) نافية، ومفعول (أحب): (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول (أحب) يعني ما أحب رفعتكم إياي فوق منزلتي؛ لا في الألفاظ ولا في الألقاب ولا في الأحوال أبدًا، لا تجعلوني مع الله إلها؛ أكشف الضر وأجلب الخير، ولا تنزلوني فوق منزلتي في الألقاب والأسماء والأوصاف.
ولهذا نهى أن نغلو فيه كما غلت النصارى في المسيح بن مريم .
وقوله: أن تنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله، يستفاد منها أن الله عز وجل هو الذي يجعل الفضل في عباده، وينزلهم منازلهم: الذي أنزلني الله.
وهذا واضح -الحديث- في أن الرسول صلى الله عليه وسلم حمى جانب التوحيد غاية الحماية، حتى في الألفاظ.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة هنا، شو المناسبة؟ حماية التوحيد، والتوحيد يجب أن يُحمَى من كل وجه، حتى في الألفاظ.

***

ثم قال: (فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو).

من أين تؤخذ؟ «وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ» «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ». وجه التحذير المؤلف ما قال: نهي الناس، وجه التحذير أن الرسول صلى الله عليه وسلم أضاف هذا إلى الشيطان. والإنسان يجب عليه أن يحذر من كل ما كان من طرق الشياطين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور: ٢١]، ولهذا نُهينا أن نأكل باليسار أو نشرب باليسار، ليش؟ لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ، ولكن أنا آكل طعامًا وبشرب إذا أخذت الإناء باليد اليمنى تلوث بالطعام، ثم أتعب الناس اللي يغسلونه بعدُ، ويش الحيلة؟
طالب: يُعَنِّي الناس (...) ولا (...) السنَّة.
الشيخ: تمام. يقول: نوسخ الإناء ولا نوسخ السنة. صحيح؟
على أنه يمكن ألا توسخ الإناء، ما يمكن؟ تضع مثلا على راحتك، والغالب أن الإنسان إن راحته ما تتلوث بالطعام. أو نقول أيضا: نزِّل مسكة الإناء، يأخذها إذا كان كأسا من أسفل، ضُمَّ عليه بإبهامك وسبابتك، يمكن التلويث قليلًا.
والمهم أن نشعر بأنه حرام، ما هو مكروه، نحن إذا شعرنا أنه حرام عرفنا كيف نتخلص، ولَّا لا؟ لأن الحرام ما يجوز إلا عند الضرورة.
المسألة (الثانية: ما ينبغي أن يقول: من قيل له: أنت سيدنا). ويش يقول؟ أقول: سيدي الله؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يكون في نفسي شيء ينفخني فأعلو وأستكبر، وحتى لا يذل هذا الرجل أمامي.
(الثالثة: قوله: «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» مع أنهم لم يقولوا إلا الحق) ظاهر كلام المؤلف أن قولهم هذا من استجراء الشيطان؛ لأن الرسول قال: «السَّيِّدُ اللهُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ» فهذه الكلمة يحتمل أن المعنى أن ما قلتم من استجراء الشيطان، ويحتمل أن المعنى: قولوا بهذا القول، ولكن إياكم أن تغلوا فيحملكم على الغلو فإن هذا من استجراء الشيطان.
وظاهر كلام المؤلف على المعنى الأول.
يقول: (الرابعة: قوله: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي») ويش هالمسألة هذي؟ ويش غرضه منها؟ أخذ منها تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام، وسده كل طريق يوصِل إلى الغلو فيه.

***

باب: ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
00:54:21

ثم قال المؤلف: (باب ما جاء في قول الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧]).
(ما قدروا) الضمير يعود على من؟ على المشركين، و(قدروا) بمعنى عظَّموا، يعني: ما عظموا الله حق تعظيمه، حيث أشركوا به ما كان من مخلوقاته، بل قد يكون من أرذل مخلوقاته. فيه أناس يعبدون البقر، وعندنا إذا أردنا أن نعير شخصًا نقول له: يابضرع وهم يعبدون هذه البقر، فهؤلاء قدروا الله حق قدره؟ ما قدروا الله حق قدره، فيهم من يعبد الأشجار، وفيهم من يعبد الأحجار، وفيهم من يعبد الفروج، وفيهم من يعبد الشمس، ومن يعبد القمر. المهم أي إنسان عبد غير الله فإنه ما قدر الله حق قدره، أي ما عظمه حق تعظيمه.
ثم قال: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِيَحتمل أن تكون الواو للحال، يعني: ما قدروا الله حق قدره في هذه الحال، أو في حال أن الأرض جميعًا قبضته، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف؛ لبيان عظمة الله عز وجل، وهذا عندي أقوى، يعني أن الله بيَّن أن الأرض جميعًا كل ما فيها قبضته، والقبضة ما يقبَض في اليد، وليس المراد بالقبضة هنا المُلك، نعم لو قال: (والأرض في قبضته) لكان ذلك محتمِلًا، لكن (الأرض قبضته) أي ما يُقبض في اليد.
وقوله: جَمِيعًاويش يشمل (جميعًا)؟ بحارها، أنهارها، جبالها، أشجارها، كل ما فيها، الأرض كلها جميعًا قبضته يوم القيامة. سبحان الله العظيم!
وَالسَّمَاوَاتُعلى عِظمها وسعتها مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. قال الله عز وجل: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤]. هذه السماوات العظيمة يطويها الله عز وجل بيمينه مثلما يطوي الإنسان الصحيفة.
وطي الإنسان للصحيفة سهل ولَّا صعب؟ سهل، ولكن طي الله للسماوات أسهل.
وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(سبحانه) تنزيهًا له عن كل نقص وعيب، ومما يُنزَّه عنه هؤلاء الأنداد، فإنه سبحانه وتعالى منزه عنها.
وقوله: وَتَعَالَىذكرنا فيما سبق أن (تعالى) مأخوذة من العلو، لكن صيغتها بهذه الصيغة (تعالى) تدل على علو مع تنزه وترفُّع عن النقائص.
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَيعني عن كل شرك يشركونه به، سواء جعلوا الخالق مثل المخلوق، أو جعلوا المخلوق مثل الخالق، فهو منزَّه عز وجل عن الشركاء سواء رفعت المخلوق حتى جعلته بمثل الخالق، أو نزلت الخالق فجعلته في منزلة المخلوق، فالله عز وجل منزه عن ذلك.
والمشركون به على هذين النحوين؛ قوم غلوا في المخلوق حتى جعلوه بمنزلة الخالق، وهذا كثير، وآخرون جعلوا الخالق بمنزلة المخلوق، مثل الممثلة الذين يمثلون الله بخلقه، والكل قوم مشركون.
وعندي في مسألة الإعراب عَمَّا يُشْرِكُونَ: (ما) اسم موصول، والجملة صلة الموصول، أين العائد؟
طالب: محذوف.
الشيخ: ويش التقدير؟ عما يشركونه به، أي يجعلونه شريكًا مع الله.
هل يمكن أن نقول: إن هذا دليل على جواز حذف العائد المجرور بالحرف وإن لم يكن مماثلًا للحرف الذي جر الموصول، ولَّا لا؟
يعني إحنا قلنا: يشركونه به، واللي جر الموصول (عن)، فهو دليل على أنه يجوز أن يُحذف العائد المجرور وإن جُر بحرف غير الحرف الذي جر الموصول، وهذه المسألة خلافية، ولكن الصحيح أنها جائزة.
قال: (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حَبْرٌ منَ الأحبارِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ) حبر من الأحبار: الحبر هو العالم الكثير العلم، وهو من أحبار بني إسرائيل، من اليهود، وإذا قارنتَ بين الحبر والبحر وجدتهما يتفقان في الاشتقاق لكن مع اختلاف الحروف: حبر وبحر، ولهذا أحيانًا يُسمَّى العالم بالحبر، وأحيانا يُسمى بالبحر، ابن عباس رضي الله عنه يسمونه البحر ويسمونه الحبر.
(فقال: يا مُحَمَّدُ) ليش ما قال: (يا رسول الله)؟ غير مسلم، ليس بمسلم، وهو لا يعتقد أنه رسول الله؛ لأنه لو اعتقد أنه رسول الله لقال: يا رسول الله.
(إنَّا نَجِدُ أنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّماوَاتِ على إِصْبِعٍ، وَالأَرَضِينَ على إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبِعٍ، وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبِعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبِعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبِعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ). يقوله من؟ الله عز وجل. ومتى يكون هذا الجعل؟ يكون يوم القيامة.
(إنَّا نَجِدُ) في أي شيء؟ إما في التوراة أو في الإنجيل. والأغلب أنه في التوراة؛ لأن المدينة فيها اليهود.
يقول: (فَضَحِكَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ) ضحك تصديقًا لقول الحبر، كلمة (ضحك) لولا ما بعدها لكانت تحتمل أن يكون إنكارًا وأن تكون إقرارًا؛ لأن من حدثك بحديث لا تطمئن إليه تضحك مما نقله لك وليس بصحيح، لكنه قال: (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ) ويدل على أنه تصديق له قوله: (ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فإن هذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم استشهد لقول هذا الحبر بماذا؟ بآية من آيات الله.
إذن ما سبب الضحك؟ سبب الضحك هو سرور الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث جاء في القرآن ما يصدِّق ما وجده هذا العالم في كتبه؛ لأنه لا شك أنه إذا جاء ما يصدق هذا القرآن؛ لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يُسَرُّ به، وإن كان الرسول يعلم علم اليقين أن القرآن من عند الله، لكن تضافر البينات مما يقوي الشيء.
أرأيتم أسامة بن زيد، وأبوه زيد، هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم شك في أن أسامةَ ابنُ زيد ولَّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ما عنده في ذلك شك، ولما مر بهما مُجَزِّزٌ المُدْلِجِيُّ، وهو من أهل القِيَافة، وقد تغطَّيَا برداء لم يبدُ منهما إلا أقدامهما، مر بهما فنظر إلى أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم سرورًا عظيمًا حتى دخل على عائشة تبرق أسارير وجهه، وقال لها: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَإِلَى زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» . هذا الحديث أو معناه.
المهم أن الرسول دخل مسرورًا تبرق أسارير وجهه. لماذا؟ لأن في ذلك تأييدًا للحق.
وكان المشركون يقدحون في أسامة بن زيد وأبيه؛ لاختلاف ألوانهما، ولكن الأمر ليس كما قالوا، بل هم كاذبون في ذلك.
طالب: (...) من الناس، من العامة من يقول: يا شيخ (...) فاسد (...) أو يقول لبعض طلبة العلم الصغار (...).
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: ليس كل عُرف يُقبَل، نشوف هل يوافق الشرع؟
طالب: حسب الحال، أحيانًا قد يقال: (يا شيخ) يعني (...).
الشيخ: إي نعم، ما هي للتكبير والتعظيم، ليست للتعظيم. أنا سمعت أنه في بعض البلاد جاء رجل فوجد كلبًا رابضًا على عتبة دكانه، فضربه قال: قم يا شيخ. ما أدري هل هذا صحيح ولَّا لا. فعلى هذا القول يصير معنى الشيخ عندهم كل شيء مجسم يسمى شيخًا.
طالب: ما رأيك فيمن يقول: إن (...) حتى لا يتطاول الزمن (...).
الشيخ: والله ما أدري أنا، هذا يُنظَر.
الطالب: أقول: لا فائدة منها.
الشيخ: هو الحقيقة ما فيها فائدة، أنا أرى بالنسبة لهذي أرى أن الأولى خصوصا مكانها الآن أمام الأبواب يعني شيء مشوه بعض الشيء، لكن الأمر ما هو بأيدينا ولا رأينا شيئًا محرمًا نجزم به حتى ننزِّل، أما لو رأينا شيئًا محرَّمًا نجزم به ما يحتاج.
طالب: سبق أنك قلت: إن ما ترى أن تسمى المساجد بأسماء صحابة، حتى لا يتطاول الزمن..
الشيخ: لا، ما هو المساجد، لا، إحنا قلنا: القاعات.
الطالب: لا قلت: المساجد.
الشيخ: ما أذكر.
طالب: قول المؤلف: (ما ينبغي أن يقول: من قيل له: أنت سيدنا) قد يُفهم منه أنه يرى بوجوب القول السيد الله تبارك وتعالى (...).
الشيخ: لا، هنا (ما) ليست نافية، يعني الذي ينبغي على سبيل الاستحباب فقط.
الطالب: (...).
الشيخ: (ما) في كلام أهل العلم ما تفيد الوجوب.

***

(...) توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.
توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والمُلك والتدبير. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة. وتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله تعالى بما يستحقه من ذلك، بحيث نُثبِت له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، ونَنفي ما نفاه عن نفسه؛ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأيضًا هذا مر علينا كثيرًا.
قوله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧]، معنى (قدروا)؟
طالب: أي: عظموا.
الشيخ: أي: عظموا. والواو تعود على من؟
الطالب: الواو قيل: إنها حالية.
الشيخ: الواو في (قدروا)؟
الطالب: تعود على المشركين.
الشيخ: على المشركين، طيب.
(...) (وَالشَّجَر عَلَى إِصْبَعٍ) ثلاثة (وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبِعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبِعٍ) كم؟ خمسة، (وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبِعٍ) هذه ستة. والمعروف أن الماء والثرى على إصبع.
طالب: ما عندنا الماء.
الشيخ: ما عندكم الماء؟ عندنا، لكن المعروف (الْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبِعٍ) فهي خمسة. يحتاج يُراجَع هذا؛ لأنه المؤلف ما عزاها، المؤلف رحمه الله ما عزاه لا إلى البخاري، وإلا في قوله: (وفي رواية لمسلم) يدل على أنه متفق عليه.
(إصبع) تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أنها واسعة، لا يكاد أحد يلحن فيها من حيث الصرف؛ لأنها مثلثة الأول والثالث، والثاني معروف أنه ساكن، والأخير معروف أنه على حسَب العوامل، فهي أربعة أحرف، أولها وثالثها تجوز فيه الحركات الثلاثة، وثانيها ساكن، ورابعها على حسب العوامل.
(فَيَقُول: أنا الْمَلِكُ) في ذلك اليوم لا ملك لأحد لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] ما فيه ملك، الملك لله، وكل الناس الملوك منهم والمملوكون كلهم على حد سواء، يُحشَرون حفاةً عراةً غُرْلًا، ولا خدم ولا حشم ولا جنود، الناس على حد سواء، حتى الرجال والنساء كلهم عراة، فلا مُلك إلا لله، وبهذا يظهر ملكوت الله عز وجل في ذلك اليوم ظهورًا بيِّنًا؛ لأنه سبحانه وتعالى ينادي: لمن الملك اليوم؟ ما يجيبه أحد، فيجيب نفسه: لله الواحد القهار.
قوله: (الْمَلِكُ) معناه: الملك ذو السلطان، وليس مجرد المتصرِّف، بل هو المتصرف فيما يملك على وجه السلطة والعلو.
وأما المالك فهي دون ذلك، ولهذا يَتمدَّح الله نفسه بأنه الملك، ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] فيها قراءاتان: {مَلِكِ} ومَالِكِليتبين بذلك أنه ملِك مالك، ولهذا جُعلت في فاتحة الكتاب؛ لأجل أن يُقاس عليها كل ما ورد في القرآن من كلمة (ملِك)، أنه ملك مالك؛ لأن من ملوك الدنيا من يكون ملِكًا وليس بمالك، مغلوب على أمره، ومنهم من هو مالك وليس بملِك، فالذي يملك الشاة والبعير مالك، لكن ليس بملِك.
(فَضَحِكَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) ضحك: الضحك معروف، وحتى بدت: أي ظهرت، ونواجذه: جمع ناجذ، وهو أقصى الأضراس. وهذا الضحك من النبي عليه الصلاة والسلام إنكارًا أو تقريرًا؟
تقريرًا، ولهذا قال عبد الله بن مسعود: (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ) ولو كان منكِرًا ما ضحك الرسول عليه الصلاة والسلام ولا استشهد بالآية. لو كان منكرًا لقال: كذبت؛ كما كذب الذين ادعوا أن الذي يزني لا يُرجَم، ولكنه ضحِك تصديقًا لقول الحبر، وسرورًا بأن ما ذكره هذا الحبر موافق لما جاء به القرآن الذي أُوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
(ثُمَّ قَرَأَ) من الذي قرأ؟
طالب: الرسول.
الشيخ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] إلى آخره . هذا هو معنى الآية الذي لا تحتمل غيره؛ لأن الذي فسرها من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم. وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لكلام الله هو في الدرجة الثانية من حيث الترتيب، لكنه مثل الدرجة الأولى من حيث القبول.
انتبه، لأن القرآن يُفسَّر بماذا؟ بالقرآن أولًا، ثم بالسنَّة، ثم بأقوال الصحابة، فهو في المرتبة الثانية من حيثُ الترتيب، لكنه من حيث القبول هو والقرآن سواء؛ تفسير الرسول كتفسير الله عز وجل.
ففي هذا دليل على أن هذا هو معنى الآية الكريمة، ولا تحتمل غيره. وكل مَن فسرها من أهل التحريف بغير ذلك فإنه خطأ، مثل قول بعضهم: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُأي: في قبضته وملكه وتصرفه، وهذا خطأ؛ لأن الملك والتصرف كائن في يوم القيامة وقبل يوم القيامة.
وأيضًا بعضهم يقول: السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِأي: تالفة وهالكة؛ كما تقول: انطوى ذِكر فلان وزال ذِكره. وبِيَمِينِهِأي: بِقَسَمِه؛ لأنه قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، فجعلوا المراد باليمين: القسم، الحلف، إلى غير ذلك من الترهات التي يلجأ إليها أهل التحريف لظنهم الظن الفاسد في الله عز وجل، حيث زعموا أن إثبات مثل هذه الصفات يَستلزم التمثيل، فصاروا والعياذ بالله ينكِرون ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله، وسلف الأمة بشبهات يدَّعونها حُجَجًا وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشورى: ١٦] حجج داحضة فاسدة.
فيقال لهم: هل أنتم أعلم بالله من الله؟ إن قالوا: نعم كفروا، إن قالوا: لا، نقول: هل أنتم أفصح عن التعبير عن الأمور وحقائقها أفصح من الله؟ إن قالوا: نعم كفروا، وإن قالوا: لا خُصموا، قلنا: لماذا؟ الله عز وجل بين ذلك أبين تبيان بأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والرسول عليه الصلاة والسلام أقر الحبر على ما ذكر فيما يطابق الآية، فهل أنتم أفصح من الله؟
طيب هل أنتم أنصح من الرسول عليه الصلاة والسلام لعباد الله؟ أبدًا، ولا أنصح من الله أيضًا؛ لأن الله عز وجل يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، فإذا كان الله عز وجل يريد أن يبين وقوله هو أفصح الكلام، وأصدق الكلام، وهو أعلم المتكلمين بما يقول، لزم ووجب علينا أن نقول مثلما قال عن نفسه.
وإذا قلنا بذلك هل نحن مذنبون؟ أبدًا؛ لأنه إذا سئلنا يوم القيامة فالسؤال الموجَّه: ماذا اعتقدتم بما أخبر الله عن نفسه؟ إن كنا اعتقدنا ما دل عليه كلامه، سلِمنا، وإن كنا ذهبنا يمينًا ويسارًا وقعنا في الهلاك والعطب.
ففي الآية إذن عدة مسائل، وكذلك في الحديث:
أولًا: إثبات الأصابع لله عز وجل. الدليل: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحبر على ما قال. وما هو الإصبع؟ الإصبع إصبع حقيقي يليق بالله عز وجل، كما أن اليد يد حقيقية تليق بالله سبحانه وتعالى. وليس المراد على إصبع المراد معناه سهولة التصرف في السماوات والأرض، كما يقول القائل: ويش هذي، المسألة بسيطة (...) بإصبعي ولا تهمني؛ لأن بعضهم يقول هكذا: (على إصبع) كناية عن سهولة التصرف فيها وتمام القدرة. نقول: هذا خطأ؛ لأن الرسول أثبت ذلك بإقراره، وثبت عنه أيضا أنه قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» . ويش قالوا هم؟ لما قال: بين أصبعين قال: تعال، هل تحس أن الله يلمس قلبك؟ ويش الجواب؟ لا، إذن ويش لون، ما يمكن الحديث يكون يدل على معنى غير موجود.
نقول لهم: يجب علينا أن نقبل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يلزم من البينية المماسة، بدليل قوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤] السحاب بيمس الأرض؟ بيمس السماء؟ لا، وهو بينهما.
وتقول مثلًا: عُنيزة بين الظُّلْفِ والرَّسِّ، يَلْزَم أن تكون مماسة لهما، متصلة بهما؟ ما يلزم.
وتقول: شعبان بين ذي القعدة وجمادى، ولا يلزم أن يكون مواليًا له، ما يلزم.
وحينئذ يتبين أن البينية لا يلزم منها الاتصال، سواء في الزمان أو في المكان. وهكذا نقول فيما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ» ولا يلزم من ذلك المماسة، ولا أن تكون أصابع الله عز وجل في الأرض، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا كان يصلي فإن الله تعالى قِبَل وجهه ، وهل يلزم من المقابلة أن يكون بينك وبينه جدار القبلة ولَّا ما يلزم؟ ما يلزم، هو قِبل وجهك وإن كان على عرشه.
وأضرب مثلًا لذلك بالشمس، الشمس عندما تكون في الأفق ممكن تكون أمامك وقبل وجهك ولَّا لا؟ وهي في أوج العلا.
فتبين بهذا أن هؤلاء الجماعة المحرِّفين الذين يريدون أن يقيسوا الله عز وجل بما يكون للبشر أو للمخلوق، ثم بعد ذلك ينكرون ما أثبت الله لنفسه بناء على هذا الظن الفاسد، أنهم على ضلال، وأن من قال: إن طريقتهم أعلم وأحكم فقد زَلَّ؛ لأن فيه عبارة مشهورة؛ يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
هذا القول على ما فيه من التناقض لو أن الإنسان فكر فيه لوجد أنه قد يصل إلى الكفر؛ أولًا فيه التناقض - (...) لو رحنا بكم شوي لأن المقام مهم- التناقض اللي فيه يقول: طريقة السلف أسلم، وهل يُعقَل أن تكون الطريقة أسلم وغيرها أعلم وأحكم؟ لا؛ لأن الأسلم يستلزم أن يكون أعلم وأحكم؛ إذ إننا نعرف أنه لا سلامة إلا بعلم وحكمة؛ العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك هذه الأسباب. إذا لم يكن علم ولا حكمة فلا سلامة. إذا كان هناك أعلمية وأحكمية لزم أن يكون هناك أسلمية أيضًا.
ثم نقول: بماذا تكون طريقة الخلف أعلم وأحكم؟ بالتحريف والتعطيل؟! أين العلم والحكمة؟! الحكمة أن نقف حيثما بُلِّغنا، هذه الحكمة، والعلم أن نصل إلى علم صفات ربنا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم هذا يَلزَم منه أن يكون هؤلاء الخالفون أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، صح ولَّا لا؟ لأن طريقة السلف هي طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهل هؤلاء أعلم بالله من الرسول وأصحابه؟ على رأي هذا أعلم، وهل هم أحكم من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ أبدًا.
ولهذا هذه الكلمة لو أن الإنسان فكر فيها لوجد أنها قد تصل إلى الكفر؛ لأنه يسلتزم تجهيل الرسول عليه الصلاة والسلام وتسفيهه، تجهيله ضد العلم، وتسفيهه ضد الحكمة. وهذا خطر عظيم جدًّا، وهذه العبارة يجب أن نعرف أنها عبارة وإن قالها من قالها من أهل العلم فإنها عبارة ليست بصحيحة، بل هي باطلة، حتى لو أراد بها معنًى صحيحًا وأن هؤلاء بحثوا وتعمقوا وخاضوا في أشياء كان السلف لم يتكلموا فيها.
نقول: خوضهم في هذه الأشياء هو الذي ضرهم، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ، لو أنهم بقوا على ما كان عليه السلف الصالح ما وصلوا إلى هذا الشك والحيرة والتحريف، حتى إن بعض الأئمة منهم -بعض أئمة أهل الكلام- كان يتمنى أن يموت على عقيدة أمه العجوز اللي ما تعرف هذه البحوث، ويقول بعضهم: هأنا أموت على عقيدة عجائز نيسابور. عقيدة العجائز ردوا لها. يعني لشدة ما رأوا من الشك والقلق والحيرة والتعب، أنتم لا تظنون أن العقيدة الفاسدة أنها يمكن أن يعيش الإنسان عليها أبدًا، ما يمكن يعيش الإنسان إلا على عقيدة سليمة، وإلا ابتُلي بالشك والقلق والحيرة، حتى قال بعض العلماء، وأظنه الشافعي: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام.
وما بالكم بالشك والعياذ بالله عند الموت، يُختَم للإنسان بما يضاد الإيمان.
لكن لو تأخذ العقيدة من كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام بسهولة، وبما جرى عليه السلف، وتقول كما قال الرازي وهو من عظمائهم ورؤسائهم؛ يقول: رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أَقْرَأُ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] فأُثْبِتُ، وأقرأ في النفي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، ومَن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. لأنه هو أقر قبل الكلام اللي نقلت، قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن.. إلى آخره.
فالحاصل أن هؤلاء المنكرين بما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل؛ اعتمادًا على هذا الظن الفاسد؛ أنها تقتضي التمثيل؛ هؤلاء قد ضلوا ضلالًا مبينًا.
الصحابة رضي الله عنهم هل ناقشوا الرسول في هذا ولَّا لا؟ لا شك الذي نكاد نشهد به، إن لم نشهد به، أنه حينما يمر عليهم مثل هذا الحديث يقبلونه على حقيقته، لكن يعلمون أن الله لا مثيل له، فيجمعون بين الإثبات وبين النفي.
إذن ما هو موقفنا من مثل هذا الحديث الذي فيه إثبات الأصابع لله عز وجل؟
أن نقره، وأن نقبله، وألا نقتصر على مجرد إمراره بدون معنًى، فنكون بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، نقرؤه ونقول: نعم هذا معناه إصبع حقيقي يجعل الله عليه هذه الأمور، ولكن هل نتخيل بأفهامنا أو نقول بألسنتنا: إنه مثل أصابعنا؟ أبدًا، لا يجوز، والله أعلم بكيفية هذه الأصابع، كما أننا لا نعلم ذاته المقدسة؛ كذلك لا نعلم هذه الصفات من صفاته، لا نعلم كيفيتها، بل نكِل علمها إلى الله.
(وفي رواية لمسلم: وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) يهزهن هزًّا حقيقيًّا أو معنويًّا؟
حقيقيًّا، يهزهن جل وعلا ليبين للعباد في ذلك الموقف العظيم عظمته وقدرته سبحانه وتعالى، وأنه لا يعجزه شيء، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ هذه الآية، في حديث ابن عمر، أنه كان الرسول يقرأ هذه الآية ويقبض يده ويبسطها، يقول: ويهزهن فصار المنبر يتحرك، يهتز، حتى قلت: ليخرن برسول الله صلى الله عليه وسلم، من شدة هز المنبر، ليش؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بهذا الكلام وقلبه مملوء بتعظيم الله سبحانه وتعالى. والمنبر يسمع ولَّا ما يسمع؟ يسمع، فصار هذا المنبر يهز، حتى قال: ليخرن برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قلت: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم .
لا تقول: هذا جماد ما يشعر. يشعر، الجذع اللي كان الرسول يخطب عليه لما صُنع المنبر وقام الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب على المنبر ويش فعل الجذع؟ كان يحن كما تحن العِشَار إلى أولادها فاقدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم وسكَّته مثلما تسكت الأم صبيها، حتى سكت .
لا تظن هذا الجماد ما يعرف الله عز وجل، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، كل شيء يسبح بحمد الله، حتى الطيور في الجو، وحتى النمل في جحورها، كلها تسبح الله، بل حتى الجمادات تسبح الله؛ سُمع تسبيح الطعام والحصى بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم .
طالب: (...).
الشيخ: والله يا أخي ما أعتقد أني أكون مهما كنت أن الرسول فعل محظورًا في هذا.
يعني مثلًا قل: هل يسوغ لنا أن نهزها كما فعل الرسول؟
الطالب: (...).
الشيخ: أنت قل: هل يسوغ لنا، لا تقول: إن فعل الرسول فيه محظور.
كلمة (فعل الرسول فيه محظور) هذه يجب امحها من الشريط. وبعدين نقول: لو أننا فعلنا مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هل يكون فيه محظور؟ نعم ما تقولون في جواب هذا؟
طالب: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار (...) وما لم يرد (...).
الشيخ: ما يخالف، هو على كل حال اللي ما ورد معروف أننا ما لنا حق..
الطالب: يصير كما أشرنا (...) يا شيخ، نقول: فيه تفصيل؛ إن كان للتحقيق (...) التمثيل فنفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان لشبهة في القلب (...) يفعل فهو كما قال الإمام أحمد: وددت لو تقطع يد من كان يمثل الله عز وجل فهنا (...).
الشيخ: هو الحقيقة ينبغي أن يكون فيه التفصيل:
أولًا: أنه ليس كل من شاهد أو سمع يتقبل ذهنه ذلك بغير أن يشعر بالتمثيل. افرض أنك تخاطب عوام، تبغي تقوله مثلًا، تمثل كما مثل الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا أعتقد أن العامي علطول سوف يعتقد التمثيل؛ لأنه عامي ما يدرك، فهذه ينبغي أن نكف؛ لأن هذا ليس بواجب حتى نقول: يجب علينا أن نبلغ كما بلغ الرسول بالقول وبالفعل، هو ليس بواجب.
وأما إذا كنا نتكلم مع طلبة علم، أو مع إنسان مكابر ينفي هذا، ويريد أن يحول الأمر إلى مجاز، لا إلى حقيقة، فحينئذ نفعل كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، مثل لو قال قائل: إن الله سميع بصير، قال: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، معناه أن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما قرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] وضع أصابعه على عينه، وعلى أذنه، وأبو هريرة حينما حدث به كذلك ، فهذا الإنسان اللي يقول: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، هذا (...) هكذا.
كذلك الذي ينكر حقيقة اليد، يقول: (...) الله ما يقبض السماوات بيمينه، ولكن المعنى أنها في قبضته أي في تصرفه، والرسول يقول (...) بيده ويحركها يفتحها ويضمها فهذا نقول: هو حقيقة كما قال الرسول هكذا.