المقدمة
الباب الأول: فيما يجب على العبد في دينه
الباب الثاني: فيما تضمنته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من بيان الحق في أصول الدين وفروعه
المقدمة
00:00:05
..يقر المخالف عليها، والفروع يجوز فيها الخلاف، ويقر المخالف عليها، لكن شيخ الإسلام رحمه الله أبطل هذا التقسيم، وقال: إنه لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة، وأيضًا فإن الخلاف وارد حتى في الأمور العلمية العقيدية، ورد الخلاف بين الصحابة ومن بعدهم، فمثلًا ابن عباس رضي الله عنه ورد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رَبَّه، وعائشة أنكرت ذلك، كذلك أيضًا ورد بل ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام أسمع أهلَ بدر من الكفار، أسمعهم الكلام وهم موتى، وعائشة أنكرت ذلك، وأيضًا فإن من المشهور عند أهل العلم حتى حكي إجماعًا أن النار لا تفنى، وأن أهلها مخلَّدُون فيها أبدًا، وثبت خلاف لذلك عن بعض السلف، وكل هذه من الأمور العلمية العقدية، ولو خالف أحد في أن الصلاة فرض هل يسعه الخلاف هذا ولَّا لا؟
طلبة: لا يسع.
الشيخ: أوَما يسع الخلاف؟
طالب: ما يسع.
الشيخ: ما يسع، وهي من الأمور العملية، لكن اعتقاد أنها واجبة هذا حقيقة علمية، علمية وليس بعملية، المهم أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن تقسيم الدين إلى هذا التقسيم لا دليل عليه، وأن قولهم: إن الأصول لا تجوز المخالفة فيها ولا يقر المخالف، لا دليل عليه، والمسألة ترجع إلى وضوح الدليل وعدم وضوحه، فما كان واضحًا، سواء في العمليات أو في العلميات فإن الخلاف فيه غير سائغ، وما كان محتملًا الاجتهاد فإن الخلاف فيه سائغ؛ إذ ليس قول مجتهد أو رأي مجتهد على آخر يكون دليلًا مُلْزِمًا للآخرين؛ لأننا نقول: إذا قلت: إن هذا واجب بدليل هو واضح عندك، ونحن نقول: ليس بواجب، بدليل هو واضح عندنا، فأينا يجب عليه أن يتبع صاحبه؟!
طالب: يسع.
الشيخ: إن قلت: أنا يجب عليَّ تتبعني، قلنا: وأنت يجب عليك تتبعني، وحينئذ ندور في حلقة مفرغة، إنما المشهور عند أهل العلم ما قلنا أولًا، وهو ما ذكرناه هنا، مع أن كلمة أصول الدين وفروعه يمكن أن تكون هذه الكلمة مقبولة، لكن لا على أساس أن الأصول هي العلمية والفروع هي العملية، بل نقول: إن الأصول ما لا يكون الدين إلا به، والفروع ما يكون صفة في هذه الأصول، يكون فرعًا، أما الأصول التي تعتبر أركانًا في الإسلام فإننا نجعلها أصولًا، ولو كانت من الأمور العمليات، وأيًّا كان الأمر النبي عليه الصلاة والسلام بَيَّنَ للناس كل ما يحتاجون إليه في أمور الدين، بَيَّنَه بيانًا واضحًا، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
طالب: قال: ولم يترك شرًّا إلا حذر الأمة عنه، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء..
الشيخ: فلم يدع خيرًا إلا بَيَّنَه..
الطالب: سقط يعني؟
الشيخ: لا، عندي: خيرًا إلا بَيَّنه وحَثَّ عليه..
الطالب: ولم يدع خيرًا إلا بَيَّنَه وحث عليه..
الشيخ: هذا صحيح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا صحيح؛ لأن الخير مطلوب فعله، فكان يُبَيِّنه بعينه، و(...) في الشر قلنا: ولم يدع شرًّا إلا حذَّر منه، ولم نقل: إلا بَيَّنَه؛ لأن من الشرور ما بَيَّنَه وحذَّر منه، ومنه ما لم يُبَيِّنْه، لكن حذَّر منه على سبيل العموم، فمثلًا الزنا والسرقة وقتل النفس وما أشبه ذلك هذا شر مبين، ولَّا لا؟
طلبة: مبين.
الشيخ: شرٌّ مُبَيَّن، والبدع شر، لكن هل هو مُبَيَّن منصوص على كل بدعة بعينها، ولَّا جاء على سبيل العموم؟ جاء على سبيل العموم والتحريم، والفرق بين ذلك وبين الخير أن الخير مطلوب فِعْلُه، فيحتاج إلى بيانه بعينه، يُبَيِّن كل شيء علشان أفعله، بخلاف الشر، فإن الشر من باب التُّرُوك ومن باب التخلي، فيُذْكَر أحيانًا مفصَّلًا وأحيانًا مجملًا.
وقد يقول قائل: إن الْمُجْمَل مُبَيَّن؛ لأنه إذا ذُكِرَت قاعدة عامة دخل فيها جميع الأفراد، لكننا تحاشينا إلا بَيَّنَه؛ لأني كأني وجدت فيها ثقلًا، أنه قال: الرسول بَيَّن الشر، فيحذَّر من الشر على سبيل العموم.
طالب: حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلِها كنهارها..
الشيخ: ليلُها.
الطالب: ما تكون بدلًا؟
الشيخ: لا، مبتدأ، على المحجة البيضاء ليلِها ما يصح.
الطالب: ما يصِف المحجة؟
الشيخ: هل يستقيم المعنى على المحجة البيضاء ليلِها، يعني: على ليلِها كنهارها؟
الطالب: حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فسار عليها أصحابه نَيِّرة مضيئة، وتلقاها عنهم كذلك القرون المفضَّلة، حتى تجهم الجو بظلمات البدع المتنوعة التي كاد بها مبتدعوها الإسلامَ وأهلَه، وصاروا يتخبطون فيها خبط عشواءَ، ويبنون معتقداتهم على نسج العنكبوت وأوهى، والرب تعالى يحمي دينه بأوليائه.
الشيخ: هذا بالحقيقة الظاهر أن عليه اعتراضًا، وهو؟
طالب: قوله: (وأوهى).
الشيخ: قوله: (وأوهى)؛ لأن في القرآن: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: ٤١].
طالب: (...).
الشيخ: الأفضل حذفها، الأحسن أن تُحْذَف.
طالب: نعم هذا هو.
طالب آخر: النسج غير البيت.
الشيخ: لا، النسج هو البيت.
طالب: ولو قال: على حجة؟
الشيخ: نفس الشيء.
طالب: لكن على نسج.
الشيخ: نفس الشيء.
طالب: (...) كلها مقصودة.
الشيخ: لا، مقصودة، إي نعم.
طالب: شيخ، ويش هو خبط عشواء؟
الشيخ: العشواء التي لا تُبْصِر، تجد المتخبط ما يدري..
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، العشواء العين العشواء أو صاحبها، المعنى أن هذا العشواء هي التي لا تبصر، فتجد صاحبها -مثلًا- يتلمس يطيح بحية، يطيح بدرة، يطيح بشوك.
طالب: (...) بوصف الناقة؟
الشيخ: بالناقة؟ إن كان يصف الناقة يمكن، ما أدري على وجه الأصل فيها، لكن العشواء هي التي لا تبصر.
طالب: (...) ولا بيت ولا مسجد، (...) الدور المبنية، صحيح (...) أساس بنيانه ما قال: من عشرتهم، ليس البيت (...).
الشيخ: إذا قلنا: على نسج العنكبوت، هذا بيت العنكبوت، وأوهى منه..
الطالب: هذا ليس المقصود بيتها، أوهى (...)، هم بنوا البيوت على (...) ليست بيوتًا (...) يبنون (...) على أصل هو أوهى من نسيج العنكبوت.
الشيخ: ما أدري والله، لكن أنا الحين ما أحبها؛ لأن ما دام في القرآن: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ.
طالب: هذا البيوت، نسج العنكبوت (...) بيوتهم.
طالب آخر: المشبَّه هو مو البيوت.
الشيخ: المشبَّه بالقرآن؟
الطالب: المشبَّه بالقرآن نعم.
الشيخ: الأصنام، عبادة الأصنام.
الطالب: ما الدليل؟
الشيخ: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: ٤١]، هذه الأصنام مثل المعتقدات، أصنام الباطل مثل المعتقدات، وأنا رأيي أننا نحذفها، الأحسن ما دام فيها شبهة.
الطالب: والرب تعالى يحمي دينه بأوليائه الذين يهَبُهُم من الإيمان والعلم والفطنة ما به يصدون هؤلاء الأعداء، ويردون كيدهم في نحورهم، فما قام أحد ببدعة إلا قيَّض الله -وله الحمد- من أهل السنة مَن يَدْحَض بدعته ويبطلها.
وكان في مقدمة القائمين على هؤلاء المبتدعة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرَّاني ثم الدمشقي، المولود في حران يوم الإثنين الموافق عشرًا من ربيع الأول سنة ست مئة وإحدى وستين هجرية، والمتوفَّى محبوسًا..
طالب: يقول: الموافق عشرة، صحيح؟
الشيخ: الموافق عشرة؟
طالب: العاشر.
الشيخ: ما هناك فرق، العاشر أحسن، لكن ما فيه بأس.
طالب: ويردون كيدهم في نحورهم.
الشيخ: نعم، كيدهم في نحرهم.
طالب: تيميَة ولَّا تيميَّة؟
الشيخ: يصلح تيميَّة وتيميَة، يكون فيها التخفيف والتشديد.
الطالب: والمتوفَّى محبوسًا ظلمًا في قلعة دمشق في ذي القعدة..
الشيخ: ذي القَعدة، عندنا ذي القَعْدة وذي الْحِجَّة، يقولون: الأفصح في ذي الْحِجَّة الكسر، الأفصح، وفي ذي القَعْدَة الفتح، هذا هو الأفصح.
الطالب: لكن جائز يعني؟
الشيخ: جائز لكن نرى لماذا (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: ما يهم، مثلما يُخَطِّئُونني إذا قلت: تجارِب وتجرِبة، وهم يقولون: تجرُبة وتجارُب، حتى ناس من طلبة العلم، وهذا غلط، هذا خطأ من ناحية اللغة، يعني اللي يقول: تجارُب أو تجرُبة، نقول: أخطأت، لست على اللسان العربي، أنت نصف عربي، الصواب تجرِبة وتجارِب.
| قَدْ جَرَّبُوهُ فَمَا زَادَتْ تَجَارِبُهُمْ | أَبَا قُدَامَةَ إِلَّا الْمَجْدَ وَالْفَنَعَا |
طالب: (...) على أساس؟
الشيخ: لا، هم العامة ما هم يبالون، لو علَّمتهم اليوم نسوا باكرًا، لكن طلبة العلم صحيح هو اللي يعلِّمهم، هذا الرجل، إي نعم في ذي القَعْدَة.
الطالب: في ذي القَعْدة سنة سبع مئة وثمانٍ وعشرين هجرية..
الشيخ: الصواب: سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، أنت عربي تقرأ من على اليمين، أو تقرأ من على اليسار.
الطالب: لا، على اليمين.
الشيخ: هذا الرجل اختلف أهل النسب في نسبه هل هو عربي أو ليس عربيًّا، فقيل: إن آل تيمية أنهم ليسوا من العرب، وأن أصلهم أكراد، وقيل: إنهم عرب، وهذا هو الصحيح أنهم من العرب، ونحن مهما كان الأمر؛ سواء قلنا: هذا هو الصحيح، ولا ما .. نحن لا يضرنا أن يكون عربيًّا أو كرديًّا، المهم أنه كان عالِمًا ربانيًّا، أليس كذلك؟
| إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَأَنَذَا | لَيْسَ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِي |
فالإنسان في الحقيقة نسبه هو علمه وعمله، فهذا الرجل إن كان من العرب فلا شك أن العرب أفضل من غيرهم جنسًا لا بالشخص، قد يكون بالشخص مَن هو من أشخاص الفرس أو الروم مَن هو أفضل من العرب بكثير، لكن جنس العرب أفضل من غيرهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا» .
طالب: يا شيخ، عربي أصح؟
الشيخ: عربي؟
الطالب: إي أصح؟
الشيخ: ويش لون عربي أصح؟
الطالب: نَسَب مَن نُسِبَ إلى العرب أصح من اللي مو عربي.
الشيخ: يعني شيخ الإسلام تقصد؟ إي صحيح، هذا هو الأصح، أنا رأيت هذا في نسخة خطية مكتوب عليها: إن هذا كذب، وإن هذا من الذين يكرهون شيخ الإسلام ابن تيمية، أرادوا أنهم بس يعيبونه بأي شيء.
طالب: كتاب حديث يا شيخ قرأته، شيخ الإسلام ابن تيمية (...)، قوله (...).
الشيخ: عجيب.
الطالب: ابن تيمية (...).
الشيخ: أنا عندي الحقيقة النزاع في هذا الشيء ما هو بذات قيمة قوية، الرجل مهما كان، لنفرض إنه كردي أو فُرْسي أو اللي يكن، الرجل نفع الله به الإسلام نفعًا عظيمًا، ما نعتقد أن أحدًا من المسلمين فيما نعلم من علماء المسلمين نفع مثل ما نفع هذا الرجل في عصره، بل ولا في قريب من عصره أيضًا.
طالب: وبعد عصره (...).
الشيخ: وبعد عصره من باب أولى، سبحان الله العظيم.
طالب: يا شيخ، قلنا: نعده عربيًّا.
الشيخ: إي، هذا هو الراجح ما فيه إشكال.
الطالب: وله المؤلفات الكثيرة في بيان السنة وتوكيد أركانها وهدم البدع، ومما ألَّفَه في هذا الباب..
الشيخ: من خير ما كتب منهاج السنة في الرد على الرافضة، وكتاب العقل والنقل الذي يعبَّر عنه بدرء تعارض العقل والنقل، وكلها مجموعات بطبعة واحدة الآن، ومفيدات جدًّا، لكن فيهم شيء من الصعوبة؛ لأنها مبنية على فلسفة تتعب طالب العلم المبتدئ، ولهذا تلميذه ابن القيم أسهل منه عبارة بكثير، وإن كان دائمًا تجد أن المعاني متفقة، لكن تختلف الأساليب، كتاب العقل والنقل يقول ابن القيم: إنه ما في الوجود له نظير ثانٍ، إنه ما يوجد له نظير يعني: في بابه، وهو صحيح الحقيقة إذا (...) إحنا أكثره ما نعرفه، يعني كثيرًا منه ما نعرفه، لكنه إذا قرأته رأيت أن الرجل عنده علم عظيم في العقل وفي النقل، وفي استنباط الحجج، وهو قال في مقدمة الكتاب: ما من صاحب بدعة يحتج بدليل إلا أنا ملتزم بأن أجعل دليله دليلًا عليه إذا كان من الكتاب والسنة.
طالب: ومما ألَّفه في هذا الباب رسالة الفتوى الحموية التي كتبها جوابًا لسؤال ورد عليه في سنة ثمانٍِ وتسعين وست مئة..
الشيخ: أيش مَئة، ست مَئة؟ سنةَ..
الطالب: ثمان وتسعين.
الشيخ: وَسِتِّ ولا وَسِتُّ؟
الطالب: وستُّ مئة.
الشيخ: ومَئة ولا مِئة؟
طالب: وستُّ مِئة.
الشيخ: ويش بتقرأ في سورة الكهف: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ [الكهف: ٢٥]؟ اقرأ سورة الكهف، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ؟
طالب: ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [الكهف: ٢٥].
الشيخ: مِئة ولَّا مَئة؟
طالب: مِئة.
الشيخ: ويش الفرق بينهما؟
طالب: مِئة هذه العدد..
الشيخ: ما فيه جواب، كلمة مِئة فيها ألف تُكْتَب ألف لكن ما يُنْطَق بها، حطيتوا بالكم؟ هذه من الأشياء اللي تُكْتَب ولا يُنْطَق بها، إذن فهي اصطلاح خطي لا يُنْطَق به، وهذه مما يغلط فيه حتى طلبة العلم، دائمًا تجد طلبة العلم يقولون: ست مَئة ثمانِ مَئة، هذا خطأ غريب.
طالب: ما ورد يعني؟
الشيخ: إلَّا، ورد عن ابن جني أن فيها قولين!
طالب: ويضمون أول حرف بالنسبة (...) خُمس مئة سُبع مئة.
الشيخ: إي نعم، ولهذا سَرَت هذه الغلطة إلى نقودنا، الورقة هذه الخمس مئة مكتوب فيها خُمس مئة، يعني عشرين ريالًا.
طالب: قوله تعالى: قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ [البقرة: ٢٥٩].
الشيخ: إي، مِئة عام، ما تقول: مَئة عام.
الطالب: (...)؟
الشيخ: فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ [البقرة: ٢٥٩].
طالب: وأرسلناه إلى مئة عشر.
الشيخ: إلى مئة ألف، معروف هذا، ما فيه إشكال.
طالب: قول الله تعالى: ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: ٢٥].
الشيخ: ثلاثَ مِئة.
الطالب: ثلاثَ مِئة سنين، كيف نقول: يبدأ بالرقم الصغير؟
الشيخ: أحسنت، هذا المكتوب اللي عندنا، ما دام مكتوبًا نرجع على ما كُتِبَ، أما عندما ننطق بدون كتابة فلا بأس نبدأ بالعدد الأكبر، ثم إن ثلاث مئة ما يمكن إلا تقول هكذا، كيف تبغي تقول؟ لو قلت: مئة وثلاث، صار خطأ عظيمًا.
طالب: (...).
الشيخ: أنت قصدك: ازدادوا تسعًا ولَّا ثلاث مئة؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما له دخل، ازْدَادُوا تِسْعًاهذه جملة مستقلة، ما قال: ثلاث مئة وتسع سنين، لو قال: ثلاث مئة وتسع سنين، صار فيها دليل.
الطالب: أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا [العنكبوت: ١٤]؟
الشيخ: ما فيها دليل.
طالب: .. التي كتبها جوابًا لسؤال ورد عليه في سنة ثمانٍ وتسعين وست مئة.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: مِن حَمَاة بلد في الشام يسأله..
طالب آخر: بالتاء ولَّا بالهاء.
الشيخ: لا، حَمَاه، عند الوقوف بدون تاء.
طالب: هجرية، كيف نعربها؟
الشيخ: هذه (...) للي قبله، إذا قلنا: ثمانِ وتسعين وست مئة هجريةً، إن كان المنصوب اللي قبله، في سنة، فتقول: في سنة ثمانٍ وتسعين وست مئة، فهنا نجعلها منصوبة على كل حال؛ لأنها وصف لمنصوب محذوف، والتقدير: سنةً هجريةً.
طالب: والناصب؟
الشيخ: الناصب لسنة؟ إذا كانت منصوبة فالناصب التمييز، تكون منصوبة على التمييز، لكن هنا نشوف هي منصوبة ولَّا مجرورة، ثمانٍ وتسعين وست مئة هجريةٍ، بالكسرة، لكن لو تقول: ستين سنةً، تقول: هجريةً.
الطالب: (...) يقول: للهجرة.
الشيخ: ما يخالف، كله جائز؛ لأن هجرية نسبة إلى الهجرة.
طالب: (...) الأولى نكتب هذه الأرقام بال..
الشيخ: في؟
الطالب: يعني تُكْتَب بالعربية ..
الشيخ: يعني لا رقم، كتابةً لا رقم، إي، بس هي على سبيل الاختصار.
طالب: من حماة بلدٍ في الشام، يسأل فيه عما يقوله الفقهاء وأئمة الدين في آيات الصفات وأحاديثها، فأجاب بجوابٍ يقع في حوالِي ثلاث وثمانين..
الشيخ: حوالِي؟
طالب: حوالِيَ؟
الشيخ: ما أدري.
طالب: في حوالِي.
الشيخ: لا، ما تقولون؟
طالب: فِي حَوَالَيْ.
الشيخ: نعم، في حوالَيْ.
طالب: فأجاب..
الشيخ: وهذه أيضًا نسمع دائمًا في الإذاعات حَوَالِي بالكسر، وهو لا يصح، بالفتح.
طالب: (...).
الشيخ: حوالَيْ ثلاث وثمانين صفحة.
الطالب: الصفحات (...).
الشيخ: تزيد على ثلاث وثمانين؟
الطالب: أقل.
الشيخ: أقل، نعم.
الطالب: في الحاشية (...).
الشيخ: إي، أكثر بكثير.
الطالب: حوالَي أيش أصلها يا شيخ؟
الشيخ: قريبًا يعني.
الطالب: لا، يعني أصلها اشتقاق.
الشيخ: أصلها من حَامَ حَوْلَه وجلس حوله، أي قريبًا منه، ثم جاءت على هذه الصفة وأُلْحِقَت بالمثنى إلحاقًا، حوالَيْه، وصارت منصوبة دائمًا، مثل دَوَالَيْك، ومثل لَبَّيْك وسَعْدَيْك، وما أشبه ذلك.
الطالب: (...) عادي؟
الشيخ: إي، تكون منصوبة على الظرفية بالياء؛ لأنها ملحقة بالمثنى.
طالب: (...).
الشيخ: من حولَه (...).
الطالب: (...).
الشيخ: له صفح أيضًا من صفحة الوجه، وهو ما يقابلك من الإنسان، والصفحة هنا ما يقابل الإنسان.
الطالب: (...).
الشيخ: عجيب ما نرى وجه.
طالب: وحصل له بذلك محنة وبلاء، فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء، ولما كان فَهْم هذا الجواب والإحاطة به مما يشق على كثير من قرائه أحببت أن أُلَخِّص المهم منه، مع زيادات تدعو الحاجة إليها، وسميته فتح رب البرية بتلخيص الحموية، وقد طبعته لأول مرة في سنة..
الشيخ: لأولِ.
طالب: وقد طبعته لأولِ مرة في سنة ثمانين و.. اشتبهت عندي.
الشيخ: لا، ما يشتبه عليك إن شاء الله، بس لا تسأل إن هي (...) عليك، تقول: لا تسأل عندما سنرد عليك، ولا تلتبس.
طالب: في سنة ثلث مئة وثمانين بعد الألف.
الشيخ: اقرأ من على اليمين.
طالب: ثمانين وثُلْث مئة بعد الألف.
الشيخ: وألف أحسن من بعد الألف.
الطالب: وألف.
الشيخ: سنة ثمانين وثلاث مئة وألف.
طالب: وثُلْث مَئة.
الشيخ: مَائة؟ غلطت.
الطالب: ثمانون..
الشيخ: سنة ثمانين (...) ثمانون؟
الطالب: لا (...).
الشيخ: يلَّا، اقرأها الآن.
الطالب: وقد طبعته لأول مرة في سنة ثمانين وثلاث مئة وألف هجرية.
الشيخ: أحسنت، تمام.
الطالب: وها أنا أعيد طبعه للمرة الثانية، ومن ثَمَّ غيَّرت ما رأيت من المصلحة تغييره من زيادة أو حذف، واللهَ أسأل أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه ونافعًا لعباده، إنه جواد كريم.
الشيخ: الفتوى الحموية هذه كتبها رحمه الله في قَعْدَة واحدة بين الظهر والعصر، لكن يقال: إنها كانت أقلَّ مما هي عليه الآن، وأنه بعد ذلك زاد عليها نقولًا، وليس هذا ببعيد، فيكون أصل الكلام اللي في الفتوى أصله من الشيخ رحمه الله، وأما النقول فقد ألحقها بها أخيرًا؛ لأنه ينقل عن بعضهم إلى ما يكون ثلاث صفحات، أو أربع، أو خمس من كتبهم، وهو يقول: إنما نقلت هذا لا لأني أقول بكل ما يقول، لكن لما صار بعض الناس منتسبًا إلى طائفة معينة صار لا يقبل الحق من غيرهم، فرأيت أني آتِي بشيء من كلامهم ليطمئن، ولا شك أن مَن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة فإنه مشابِه لليهود، أو لا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لقوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ [البقرة: ١٤٥] إلى آخره.
فالحاصل أن المؤلف رحمه الله كتب هذه الفتوى العظيمة في جلسة واحدة بين الظهر والعصر، إلا أنه ألحقها نقولًا بعد ذلك، ولهذا تسمى هذه الفتوى الفتوى الحموية الكبرى، وكلمة (الكبرى) فيها إشارة إلى أن هناك صغرى.
طالب: (...) فَتْحه يا شيخ.
الشيخ: كتبه؟
طالب: هو قال: فتح أقرب على مقدَّر: وسميته.
الشيخ: وسميته؟ إي، فتحه.
الطالب: أقول: فيه بدل من الهاء.
الشيخ: لا، سَمَّى مفعولًا ثانيًا، لكن هم عادة العنوان يخلونه على ما هو عليه، يُحْكَى كما هو عليه.
الطالب: لو على الحكاية بالضم.
الشيخ: الحكاية بالضم، وتكون المفعول الثاني الجملة كلها، فتقول: (سميته)، فعل وفاعل ومفعول أول، (فتح رب البرية بتلخيص الحموية) هو المفعول الثاني منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
الطالب: يا شيخ، استدلال شيخ الإسلام بكلام الصوفية في الرسالة يعني، يستدل به بعض الناس على أنه يعني..
الشيخ: صوفي؟
الطالب: يعني ليس عدوًّا للصوفية كما..
الشيخ: لا، شيخ الإسلام ما هو عدو للصوفية ولا لغير الصوفية، شيخ الإسلام عدو للباطل أينما كان، فالصوفية فيه في مذهبهم حق وبعضهم باطل، ما هم كلهم على باطل، ثم إن بعض الصوفية قد يُعْذَر بما قام في قلبه، ولا تقوم عليه الحجة، وقد يَرِد عليه شيء ما يستطيع دفعه، إحنا سمعنا عن بعض الوعاظ أنهم يقولون: إذا ذُكِرَت عنده النار يموت؛ لأنه ما يستطيع قلبه التحمل.
طالب: ليس صوفيًّا هذا.
الشيخ: لا، أنا قصدي أنه قد يَرِد على قلوب هؤلاء ما لا يستطيعون دفعه، فلهذا شيخ الإسلام أحيانًا يعتذر عن بعضهم، وقد رأيت تعليقًا للشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله مرة على كتاب شيخ الإسلام وجَّه العذر عن بعض الذين يتيهون في الصوفية بغير إرادة منهم، فحملوا على شيخ الإسلام حملة عنيفة، قال: هذا ما يمكن أبدًا، والإنسان يجب أنه يرحم الخلق وينصر الحق، ويعلم أن ما يَرِد على نفسه هو من الضعف يَرِد على غيره أيضًا، وما يرد عليه من الجهل يَرِد على غيره.
طالب: (...) يستدل بأحاديث موضوعة وضعيفة (...).
الشيخ: هم بالحقيقة أئمة في بعض الأمور، وعندهم نقص، ما هم كلهم كاملين، ولا سيما الإنسان اللي ما يعتمد على السنة يكون عنده خلل كثير، وتجد مثلًا عندك الغزالي الآن، عند بعض الناس سماه إمام الأئمة.
طالب: وحجة الإسلام.
الشيخ: وحجة الإسلام، وعنده في كتابه اللي يعتبر من أفضل الكتب عندهم إحياء علوم الدين عنده من الخرافات والأحاديث الباطلة والموضوعة شيء كثير.
طالب: (...) الصوفية يمجده.
الشيخ: هم مرادهم -سلَّمك الله- الصوفية المعتدلة الذين ليس عندهم إلا أشياء غير إرادية ينحرفون بها، أما عاد الصوفية البالغة قادة الصوفية فهذا لا شك إن بعضهم ملحدون، بعضهم يقول بوحدة الوجود.
طالب: شيخ، ذكرت زيادات من الحاشية في حين ما يتبين كلام شيخ الإسلام من الزيادات.
الشيخ: كيف؟
الطالب: زدتم عليها، مع أن الزيادات (...) حاجة إليها.
الشيخ: نعم نعم.
الطالب: (...) لكن الزيادات ما تُفْهَم.
الشيخ: إي ما تُفْهَم؛ لأننا افترضنا أنها كتاب واحد.
الطالب: تلخيص (...).
الشيخ: نعم، هي بالنسبة للأصل تلخيص، يعني الذي نُقِل من أصله مُلَخَّص، وأما الذي زِيدَ فهو طبعًا خارج عن التلخيص، لكن الذي زِيدَ بالنسبة للملَخَّص ليس بشيء، يعني قليل جدًّا، ولهذا أتت كلمة (ربما)؛ لأننا ما زدنا كثيرًا.
طالب: والجواد هل هو من أسماء الله؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: الجواد؟
الشيخ: إي نعم، ورد في الحديث القدسي: «ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ» ، إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هي بالتشديد، بالتخفيف، جَوَاد.
طالب: بعضهم يقول: جَوَّاد؟
الشيخ: لا، هذا لحن.
طالب: دفاعه أنه يأتيهم أشياء لا شعورية فينحرفون عن السنة هل هذا وارد أصلًا في الإسلام أنه هو يأتي للإنسان أشياء لا شعورية تجعله ينحرف عن الشرع، وهل هذا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته؟
الشيخ: والله على كل حال قد يُعْذَر في هذه الحال؛ لأنه لا يدري ما يقول، ولكن (...)
***
الباب الأول: فيما يجب على العبد في دينه
00:35:11
.. رحمه الله تعالى: (الباب الأول: فيما يجب على العبد في دينه)، الدين هو العمل؛ العمل الذي يطلب العامل عليه الجزاء، كل عمل تطلب عليه الجزاء فإنه دين، قال الله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، المراد بالدين هنا يوم الدين يومَ الجزاء، وقال تعالى في أن الدين عمل، مثاله من القرآن قوله تعالى: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آل عمران: ٢٤]، وقال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩]، وهذا هو المراد في هذا الباب، (في دينه) أي: عمله الذي يريد الجزاء عليه.
(الواجب على العبد في دينه هو اتباع ما قاله الله وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم)؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩]، ثم بعد ذلك (الخلفاء الراشدون)، ولهذا ما أتينا بقولنا: وقاله الخلفاء، إيماءً إلى أن طاعة الخلفاء تابعة لطاعة الله ورسوله على وِزَان قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ [النساء: ٥٩]، ما قال: وأطيعوا أولي الأمر.
(والخلفاء الراشدون المهديون)، الخلفاء جمع خليفة، وهم الذين خَلَفُوا النبي صلى الله عليه وسلم في الولاية والهداية؛ أما في الولاية فظاهر، ومنهم الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي، وأما الهداية فكل مَن قام بالعلم النافع، والدعوة إلى الحق، والعمل بالحق، فإن هؤلاء خلفاء للرسول عليه الصلاة والسلام، أيش نقول؟
الطلبة: بالهداية.
الشيخ: بالهداية، خلفاؤه بالهداية.
وقوله: (الراشدون المهديون)، اعلم أن الرشد هو سلوكُ طريقِ الرشاد، بأن يعمل الإنسان بما هو رشد وصلاح وفلاح، والهداية (المهديون) تكون بالعلم، الهداية العلم بالشيء، فعليه يكون هؤلاء جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح، فالعلم النافع في قوله: (المهديون)، والعمل الصالح في قوله: (الراشدون).
قال: (من بعده من الصحابة والتابعين لهم بإحسان)، هذا الواجب علينا في ديننا؛ أن نتبع ما قاله الله ورسوله، وما قاله الخلفاء الراشدون المهديون من بعده من الصحابة والتابعين، وهذا هو مذهب السلف، إذا قيل: مذهب السلف، هذا مذهبهم، إنك تتبع ما كان عليه هؤلاء، ولا ريب أن الصحابة خير القرون كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
التعليل: قال: (وذلك أن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالبينات والهدى)، فالبينات: الآيات البينة الدالة على نبوته، والهدى: العلم، قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد: ٢٥] ويش بعده؟
طالب: وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ.
الشيخ: وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥]، ففي الكتاب العلم، والبينات الآيات الدالة على أن هؤلاء من الرسل.
قال: (وأوجب على جميع الناس أن يؤمنوا به ويتبعوه ظاهرًا وباطنًا)، الدليل: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [الأعراف: ١٥٨]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُعامة، أمر الله تعالى نبيه أن ينادي ويُعْلِن لعموم الناس أن يقول: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًاالعرب والعجم، بنو إسرائيل وغير بني إسرائيل، كل الناس.
رَسُولُ اللَّهِمَن الله جل وعلا؟ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فإذا كان له ملك السماوات والأرض وأنا رسوله وجب عليكم أن تتبعوه؛ لأن المالك هو الذي له السيطرة والسلطان على مَن؟ على المملوك.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَأي: لا معبود حقٌّ إلا هو سبحانه وتعالى.
يُحْيِي وَيُمِيتُ، (يحيي) هل يلاقي (الحيَّ) في المعنى ولَّا لا، أيش تقولون؟
طالب: كيف السؤال؟
الشيخ: يعني معنى (حي) و(يحيي) واحد؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، دعنا من لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ [البقرة: ٢٥٥]، لكن قصدي هل إن معنى (يحيي) معناها (حي)؟
طالب: يعطي الحياة.
الشيخ: لا، الحي صفة بنفسه، والمحيي صفته في غيره، فهي من أفعاله، ولهذا ما جاء في القرآن (محيي)، هو في القرآن (محيي)؟
طالب: وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ [الأنعام: ٩٥].
الشيخ: لا، خَلِّ (مُخْرِج)، ما فيه (محيي)، لكن فيه (الحي) موجود، ولهذا ما نقول: من أسماء الله المحيي؛ إذ لا يشتق من أفعاله أسماء له، كما لا نسميه الآخِذ، ولا الْمُمْسِك، ولا الباطش، وما أشبه ذلك من أفعال، ولهذا مَرَّ علينا في العقيدة أن الصفات أوسع من الأفعال، أو لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: الصفات أوسع من الأفعال، لوجهين؛ الأول: إنه ما من اسم إلا وهو مقرون بالصفة، كل اسم فهو دَالٌّ على صفة، وليست كل صفة دالة على اسم، أيضًا الصفات تابعة لأفعاله، وأفعاله لا نهاية لها، بخلاف الأسماء، الأسماء ما نقول: لها نهاية أو لا نهاية لها؛ لأنه ما نعرف؛ لأن من أسمائه ما استأثر الله به، وما استأثر الله بعلمه لا نقول فيه شيئًا.
إذن يُحْيِي وَيُمِيتُ، أي: يجعل الحياة في غيره ويُمِيت غيره.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ [الأعراف: ١٥٨] يعني قل لهم: آمِنُوا، ولَّا خطاب من الله مستأنَف؟
طالب: مستأنف.
الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه خطاب مستأنَف، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ، وَصَفَهُ الله تعالى بالرسالة والنبوة، وذلك أكمل وأبلغ، وإلا فإن كل رسول من البشر فهو نبي.
وقوله: الْأُمِّيِّهذا وصفُ مدح ولَّا وصف ذم؟
طلبة: وَصْف مَدْح.
الشيخ: باعتبار النبي عليه الصلاة والسلام وصف مدح؛ لأن هذا مما يؤكِّد صحة رسالته، فهو إذن صفة مدح في الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في غيره؟
طالب: نقص.
الشيخ: صفة نقص، ولهذا قال العلماء: لا تصح إمامة الأُمِّيّ، الإنسان إذا سمعه أعوذ بالله، إذن الرسول ما تصح إمامته؟ نقول: غيره، الرسول أُمِّيّ، لكن يقرأ القرآن، ومرادهم بالأمي أيضًا –الفقهاء- الذي لا يُحْسِن قراءة الفاتحة فقط.
قال: النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ، عليه الصلاة والسلام، نعم هو أشد الناس إيمانًا، وأقواهم إيمانًا، وأخشاهم لله عز وجل، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ، كَلِمَاتِهِجمع كلمة، كلماته الكونية أو الشرعية؟
طلبة: كله.
الشيخ: الكونية والشرعية، أما الكلمات الشرعية فهي ما أوحاه الله إلى الرسل، وهي الكتب الْمُنَزَّلة، وأما الكلمات الكونية فهو ما يَخْلُق بها جل وعلا، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، فكل خَلْق فإنه مخلوق بكلمة، والخلق لا نهاية له، إذن الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن بالله وكلماته، فيكون مؤمنًا بالشرع وبالقدر صلى الله عليه وسلم، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بشرع الله وبقدر الله.
ثم قال: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]، اتبعوا مَن؟
طالب: النبي.
الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام، فأمر بالإيمان به واتباعه، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّبِعُوهُأي: اتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام، فالإيمان بالله ورسوله، والاتباع للرسول.
قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، (لعل) هنا أيش معناها؟
طالب: التعليل.
الشيخ: التعليل، أي: لأجل أن تصلوا إلى غاية الاهتداء، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، الشاهد من هذه الآية قوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ، ويش بعد؟
طالب: وَاتَّبِعُوهُ.
الشيخ: وَاتَّبِعُوهُ، فهذا واجب على كل مسلم.
قال: (وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ» )، «عَلَيْكُمْ» بمعنى: الزموا، فهي اسم فعل أمر، وقوله: «بِسُنَّتِي»، أي: طريقتي، وليس المراد بالسنة هنا ما يقابل الواجب، بل المراد به الطريقة، «وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي»، قوله: «مَنْ بَعْدِي» زمنًا أو مرتبة؟ (...)
الشيخ: أجب عن السؤال.
طالب: (...).
الشيخ: طيب (...) واضح (...) من بعده، والمرتبة؟
الطالب: (...) المرتبة يعني..
الشيخ: يعني إذا (...) سنة الرسول وسنة الخليفة.
الطالب: لأن مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من..
الشيخ: فتقدم عليها، قلت لكم ذلك؛ لأن بعض الإخوة نصح إنسانًا في صلاة التراويح وقال له: يا أخي، لا تَزِد على إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشر ركعة، لا تُصَلِّ ثلاثًا وعشرين، ثلاث وعشرون ما هي من سنة صلاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال له هذا: هي من سنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» .
قال: الآن احتججتَ بما هو عليك، قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي»، فقدَّم سنته وسنة الخلفاء الراشدين، وكيف تحتج علَيَّ بسنة عمر وتدع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فإذن سنة الخلفاء الراشدين بعد سنة الرسول زمنًا ورتبة، على أن الذي صح عن عمر أنه أمر تميمًا الداري وأُبَيَّ بن كعب أن يقيمَا بالناس بإحدى عشرة ركعة، وهذا هو المظنون بعمر رضي الله عنه؛ لأن عمر ما يمكن يخالف سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنا قلت لكم هذا على سبيل المثال؛ لأن بعض الناس إذا شاف سنة الخلفاء الراشدين ولو كانت مخالفة لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام أقامها دليلًا عليك، وهذا ليس بصحيح، وقد رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.
فما بالكم بمن إذا قيل له: قال رسول الله، قال: فلان وفلان من العلماء؟! أَبْعَد وأَبْعَد، إذا كان أبو بكر وعمر الْمُوَفَّقَان للصواب لا يُحْتَجّ بقولهما على قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف بغيرهما؟ بل إنهما هما رضي الله عنهما لا يرضيان أن أحدًا يحتج بقولهما على قول الرسول، وحينئذ يكون قولهما غير وارد أصلًا، أما فهمتم النقطة هذه؟
يعني نقول لمن احتج علينا بقول عالم من العلماء، أو خليفة من الخلفاء على قول الرسول، نقول: هذا غير وارد أصلًا؛ لأن هذا الذي احتججت بقوله لا يرى أن قوله يعارَض به قول الرسول، هم بأنفسهم يقولون إما بقلوبهم أو بألسنتهم، يقولون: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخُذُوا به واضربوا بقولي عرض الحائط، ومن ثم صاروا أئمة، صاروا أئمة لهذا السبب؛ لأنهم عرفوا قدر أنفسهم، وعرفوا أنه لا مجال لهم أمام كتاب الله وسنة رسوله، فلما عرفوا أنفسهم وتواضعوا لله رفعهم الله، فصاروا أئمة بهذا، أما -نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية- الذي يريد أن يكون قوله أصلًا وقول الله ورسوله فرعًا فهذا في الغالب يخزى ويرد، ويكون كما قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]، ما أخذ بما أنزل الله من الآيات التي أعطاه إياها، قال: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف: ١٧٦]، نسأل الله السلامة.
ثم قال في الحديث: («تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» )، تمسكوا بها، الآن متمسكون بها، وفي قوله: «تَمَسَّكُوا بِهَا»، ما قال: أمسكوها، إشارة إلى أنها نجاة، مثلما أتمسك بالحبل عند الغرق لأنجو به، فسنة الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين نجاة، «وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»، علشان إن طلقت أيديكم بقيت؟
طالب: أضراسكم.
الشيخ: أضراسكم، وهذا من شدة التمسك، عاد يكون بعد الأضراس (...).
المهم على كل حال كأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: تمسكوا بها بكل وسائل التعلق باليد وبالنواجذ، وهذا يراد به شدة التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين.
واعلم أنك إذا فعلت ذلك انشرح صدرك للإسلام، واطمأن قلبك بالإيمان، وصار العمل لديك سهلًا ميسرًا، لكن كلما أعرضت صَعُب عليك العمل بقدر إعراضك، واسأل الذين مَنَّ الله عليهم بالهداية، واتخذوا هذا الطريق سبيلًا، سَلْهُم عن مشقة العبادات عليهم، سيقولون: سهلة، لكن سَل المعرضين تقول: صلوا فريضة في المسجد، يرون أنها أثقل عليهم من أثقل الأشياء.
(«وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ» )، (إياكم) تحذير، محدثات الأمور في الدين، بدليل قوله: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي»، أما محدثات الأمور في الدنيا فإن كانت مُعِينَة على طاعة الله فهي سبب ووسيلة، وإن أعانت على شر فهي سبب ووسيلة، وهكذا.
وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» كل بدعة تفيد أن مَن قَسَّم البدع إلى خمسة أقسام فإن تقسيمه مردود عليه، ما فيه بدعة حسنة، كل البدع ضلالة، وهذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، ونحن نشهد بالله أنه أعلم الخلق، وأنه أنصح الخلق، وأنه أفصح الخلق، أليس كذلك؟ هل لو كان هناك شيء يُسْتَثْنَى من البدع هل يكون الرسول جاهلًا به؟
طالب: حاشا.
الشيخ: أبدًا، وهل لو كان هناك شيء من البدع مستثنى هل الرسول يكتمه عن الأمة؟
طالب: حاشا.
الشيخ: أبدًا، لو كتمه لكان على خلاف النصح، وهل لو كان شيء من هذه البدع مستثنى وتكون العبارة هكذا بهذا التعبير؟ الرسول ما يعرف يُعَبِّر؟ يعرف أحسن، وهو أحسن تعبيرًا من غيره، قال: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، فإذا جاءنا أولئك الذين يُقَسِّمُون البدع إلى خمسة أقسام، أو ثلاثة أقسام، أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا غير صحيح، ولا نقبل منكم صرفًا ولا عدلًا، البدع كلها سيئة، ونقول: ما زعمتم أنه بدعة فليس ببدعة شرعًا، قد يكون بدعة من حيث اللغة، لكن لا تجعلوها مَوْرِدًا للتقسيم، إذا جعلتموها موردًا للتقسيم فمعنى ذلك بل مضمون ذلك الاعتراض على كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، عرفتم؟ أو ما هو بواضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: واضح، إحنا نقول: إن سلَّمْنَا لكم التقسيم فإننا لا نسلِّم لكم أن هذا التقسيم وارد على البدعة الشرعية، بل هو وارد على البدعة اللغوية، فإن قصدتم أنه وارد على البدعة الشرعية فإننا لا نقبل منكم؛ لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وكل بدعة ضلالة هل يلزم منه أن كل مبتدع ضالٌّ؟
نقول: التضليل والتكفير والتفسيق هي في الحقيقة قسمان: قسم باعتبار الجنس، وقسم باعتبار الشخص، فباعتبار الجنس يصح أن نقول: كل مبتدعٍ ضالٌّ، أو فاسق أو كافر، بحسب ما تقتضيه بدعته، وباعتبار الشخص والتعيين لا نقول: بدعته ضلالة، لكن لا نصفه بالفسق أو الكفر حتى يوجد شروط التكفير وتنتفي موانعه، وأظن سبق البحث به قريبًا، لكن ما ذهب إليه من البدعة نقول: إنه كفر أو فسق أو ضلال، حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية، ولا نبالي بهذا؛ لأن الله يقول: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢].
فإذا قلنا -مثلًا-: تحريف آيات الصفات عن ظاهرها ضلال (...) علينا واحد وانتفخ، انتفخت أوداجه واحمرَّت عيناه، وقال: هل تقولون: ابن حجر ضالٌّ؟ هل تقولون: النووي ضالٌّ؟ هل تقولون: السيوطي ضالٌّ؟ ويش نقول؟
طالب: نقول: بهذا الشرط هو ضالٌّ.
الشيخ: نقول: نعم، أما قوله فهو قول ضلال، أما هو فإذا عرفنا منه النصح لله ولكتابه ولأئمة المسلمين إحنا نقول: هو مخطئ، لكن ما نقول: هو ضالٌّ؛ لأن اللي يفهم من لفظ الضلال يفهم منه القدح والذم، فنحن قد نتوقف في وصفه بالضلال، لكننا لا نصوِّبه وإن حسنت نيته؛ إذ لا يكفي في قبول العمل حسن النية، هو يكفي؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يكفي حتى يكون موافقًا للشرع، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
طالب: إحنا ذكرنا في سورة الشعراء أن قول موسى: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٢٠] (...) أنه يوصف بالضلال (...) وإن كان معذورًا (...).
الشيخ: لا، ما ذكرنا هذا، إلا أن فعله فعل ضلال.
ثم قال: (والخلفاء الراشدون هم الذين خَلَفُوا النبي صلى الله عليه وسلم في العلم النافع والعمل الصالح).
الحقيقة خلفوا الرسول في العلم النافع والدعوة والعمل، وهكذا ينبغي أن يكون، لكن من الممكن أن نقول: إن الدعوة من العمل الصالح، إلا أن بيانها أحسن، النص عليها أحسن، فهم الذين خلفوا النبي عليه الصلاة والسلام في العلم النافع، والدعوة إلى الحق، والعمل الصالح، وأحق الناس بهذا الوصف هم الصحابة رضي الله عنهم الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وإقامة دينه، ولم يكن الله تعالى ليختار -وهو العليم الحكيم- لصحبة نبيه إلا مَن هم أكمل الناس إيمانًا، وأرجحهم عقولًا، خلافًا لمن قال: إن هؤلاء بمنزلة السُّذَّج والعامة، وأما العقلاء هم الذين أخذوا عن الفلاسفة، هؤلاء العقلاء اللي يعرفون المقدمات والنتائج، وإذا حصل كذا صار كذا، وما أشبه ذلك، أما اللي يأخذ الدين بظاهره فهو من عامة الناس، ولهذا يقولون: إن الناس عامة وخاصة، العوام دول اللي أخذوا دينهم على ظاهره، والخاصة هم الذين أخذوه عن طريق العقل والجدال والخصومات، والحقيقة أن الأمر بالعكس؛ الذين أخذوا الدين على ظاهره واستسلموا لله عز وجل ظاهرًا وباطنًا هم أهل العقل، أما (...) اسألهم عند الموت يقولون: أكثر الناس شكًّا عند الموت -والعياذ بالله- أهل الكلام، هم أكثر الناس شكًّا عند الموت.
طالب: (...).
الشيخ: أهل الكلام، (...) الظاهر.
الطالب: نبغي أننا نعرف.
الشيخ: عشان (...) خليهم يروحون، هادولا هم أكثر الناس شكًّا.
طالب: أهل الجدال؟
الشيخ: إي أهل الجدال؛ لأنهم -والعياذ بالله- بنوا عقائدهم على غير شريعة.
الطالب: لا حول ولا قوة بالله.
الشيخ: يقول: كذلك هم أقومهم عملًا، الصحابة أقوم الناس عملًا لا شك في هذا، وكذلك أمضاهم عزمًا، ما أحد أمضى من الصحابة في العزيمة أبدًا، سيوف قاطعة باترة رضي الله عنهم، ولهذا انظر لما رجعوا من الخندق مُتْعَبِينَ من الجوع والحصار والأعمال والمجاهدة، فجاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأمره أن يخرج إلى بني قريظة، ندبهم إلى الخروج وقال: «لَا يُصَلِّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ الْيَوْمَ» .
طالب: رضي الله عنهم.
الشيخ: قالوا: والله نبغي نتلين اليوم للرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: خلُّونا نتلين ما (...) محط رحلنا حتى يقول بعد: روحوا واطلعوا، لا، راحوا على طول، وقالوا: ما نصلي إلا في بني قريظة، رضي الله عنهم، ولما أصيبوا بما أصيبوا به يوم أحد وقيل لهم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]، واسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران: ١٧٢]، وانتدبوا للقتال، هذه العزائم الحقيقة، عزائم الرجال المؤمنين المخلصين، أما اللي توانى ويتكاسل، ولا شك أن مَن بعدهم أقل منهم في هذا الأمر، وإن كان حصل منهم جهاد التابعين في زمن الخلفاء الراشدين، لكن أقل من الصحابة بكثير، ولولا الصحابة ما مشى هؤلاء ولا تقدموا، هم أهداهم طريقًا صح ولَّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: حقًّا أهدى الأمة طريقًا الصحابة رضي الله عنهم بلا منازع، ولهذا أعطاهم النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية المطلقة، فقال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ، قال: فكانوا أحق الناس أن يُتَّبَعُوا بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم أئمة الدين الذين عُرِفُوا بالهدى والصلاح.
في عهد الصحابة رضي الله عنهم ما خرجت البدع، البدع اللي انتشرت كبدع الجهمية وشبهها صحيح خرج في عهد الصحابة بدعة الخوارج، وخرج في عهد الصحابة بدعة القدرية، المعتزلة اللي يقولون: (الْأَمْرُ أُنُف)، ما فيه كتابة ولا شيء، لكن البدعة الكبيرة اللي خرجت أخيرًا كانت بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا لا يُعْرَف للصحابة كلام في كثير من مسائل الصفات اللي حصل فيها الجدل أخيرًا، لماذا؟ لأنه ما وُجِدَ سبب لأن يتكلموا، فكانوا على مقتضى ظاهر القرآن والسنة يمشون على ظاهرها.
ولهذا لو قال لنا قائل -مثلًا- في بعض الأشياء اللي ما حصلت إلا أخيرًا: وين كلام الصحابة فيها؟ نقول: كلام الصحابة فيها نعتقد علم اليقين أنهم ماشون فيها على أيش؟ على ظاهر الكتاب والسنة؛ لأنه لو كان لهم ما يخالفه لنُقِل، فهم ماشون أمامهم قرآن وأمامهم سنة مشوا عليها، ولهذا اللي أدركوه في زمنهم أخبروا بحكمه، ابن عمر لَمَّا أُخْبِرَ عن الذين ينكرون القدر قال: أَخْبِرْهُم أنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
لكن -ولله الحمد- الشريعة محفوظة، لَمَّا مات الصحابة وانقرض عصرهم جاء زمن التابعين ومَن بعدهم، قَيَّض الله -ولله الحمد- أئمة يَهْدُون بأمر الله، من الإمام أحمد وغيره، وحفظ الله بهم السنة، ثم تطورت الأمور، وكثر الجدل، وكثر النزاع، ولكن -والحمد لله، مثلما قلنا في المقدمة- ما ابْتُدِعَ بدعة إلا قيض الله لها من أهل السنة مَن يدحضها ويُبَيِّنُها غاية البيان، ولا يمكن أن تنتشر البدع إلا عند خفاء السنن.
ولهذا يجب على الإخوة الذين يتمسكون بالسنن أن يُظْهِرُوها ويُبَيِّنُوها، لا يقولون: والله هذه أشياء تُسْتَنْكَر، تنتقد علينا، صحيح أن الناس بينتقدون أول ما يكون، لكن إذا اطمأنوا إلى الأمر مشوا عليه، فيه أشياء كثيرة كانت بالأول منتقَدَة، ولا يمكن أبدًا أن تُفْعَل، ولكن أصبحت الآن تمرن الناس عليها، مَن يقول قبل عشرين سنة مثلًا أو أكثر: إن أحدًا يجرؤ على أن يصلي التراويح إحدى عشرة ركعة! لو يصلي إحدى عشرة ركعة التراويح قالوا: هذا كفر بعد إسلام، هذا شيعي، ما فيه إشكال عند الناس أنها ثلاث وعشرون كالفرض، من يقول: إن أحدًا يجرؤ على أن يصلي في نعليه! ما أحد يجرؤ يصلي بنعليه ولا أنه يدخل المسجد بالنعال، كذا؟ من يقول: إن أحدًا يجرؤ على أن يسجد للسهو بعد السلام؟ لكن السنن تُفْعَل شيئًا فشيئًا، (...) الناس لها بالقول والبيان، ثم البيان بفعل، وتَثْبُت السنن وترسخ.
طالب: النظر هذا إلى الصحابة، النظر العموم أو بالنظر إلى الأفراد؟
الشيخ: لا، للعموم، يعني العلم هل كل الصحابة علماء؟
طالب: شيخ، أُثْنِيَ على شيخ الإسلام، قال أحد الحاضرين: هل هو أعلم من الصحابة؟
الشيخ: إي، في العلوم التي بعدهم هو أعلم منهم، العلوم التي نشأت بعدهم لا شك أنه أعلم منهم، أما في علوم الشرع العامة فالفقهاء من الصحابة أعلم منه، لكن ما نقول: إن كل صحابي يحيط (...) العلوم، لكن أنا الغريب.. شوفوا المبالغة، بعض الناس يقول: من قال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر، وأنه ليس شيخًا للإسلام، وبعض الناس يقول (...).
كل الواقعة، والثانية سورة عم، وإنه لو لم يُبْعَث الرسول عليه الصلاة والسلام لبُعِثَ شيخ الإسلام ابن تيمية، سبحان الله العظيم! تناقض عظيم، إي نعم، والصواب لا هذا ولا هذا، نحن لا نشك في شيخ الإسلام رحمه الله، له قدم صدق في الإسلام، وأن الله سبحانه وتعالى أنقذ به كثيرًا من الناس بعده.
طالب: (...) من فوائد العبارة هذه، فكان من الصحابة عندهم علوم، حتى في الأمور المنطقية السبر والتقسيم (...)؟
الشيخ: إي، ما يخالف، لكن العلوم الأخيرة اللي حصلت بعد انفتاح الناس على اليونان وغيرها ما كانوا يعرفونها، إنما لو أدركوها لكانوا أعلم من شيخ الإسلام بها، لا شك أنهم أصفى قريحة وأقوى فهمًا.
طالب: (...).
الشيخ: ثم الحقيقة أنا عندي أن السؤال هذا ينبغي تركه؛ لأنه حتى لو قلت لإنسان مثلًا: شيخ الإسلام أعلم بما أدرك، يعني قد يكون به ازدراء للصحابة، أو أحد يفهم من هذا نقص الصحابة، كل شيء من هذا الباب يجب تركه، يقال: الفضل عند الله عز وجل، والصحابة لا أحد يوازيهم في ميدان الصحبة أبدًا.
طالب: شيخ، ومن قال..
طالب آخر: فيه كلام لابن المبارك أنه قيل (...) عمر بن عبد العزيز ولَّا معاوية، وزعل زعلًا شديدًا (...) يقول: إن معاوية أفضل؟
الشيخ: إي، يقال: غبار جهاد (...) في أنفِ معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، إنما على كل حال هذه المسائل؛ لأنهم ما يريدون أن أحدًا يقول هذا، ما دام الرسول قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ، هذا ما نعرفه، فالفضل عند الله، ولا شك أن شيخ الإسلام وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة أن لهم فضلًا كبيرًا على الناس، لكنه من فضل الله عز وجل.
طالب: وقال بعض المشككين.. نقول: الصحابي مَن رأى الرسول مرة ولو في طريق نجعله صحابيًّا، ماذا عن (...)؟
الشيخ: والله هذا هو الظاهر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام..
الطالب: حتى لغةً؟
الشيخ: لا، دعنا من اللغة، اللغة ما توافق على هذا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: «لَيْتَ أَنَّنَا رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، فقالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي» ، وهذا يشمل حتى مَن لم يكن معه إلا في تلك اللحظة، قال: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي»، فظاهر هذا العموم، وكل مَن جلس معه فهو صاحب له.
طالب: شيخ ..
(...) (رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من بيان الحق في أصول الدين وفروعه).
الشيخ: أما الباب الأول فقد تقدم أن المقصود به بيان ما يجب على المرء في دينه، وهو اتباع الكتاب والسنة، وما قاله الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
الباب الثاني: فيما تضمنته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من بيان الحق في أصول الدين وفروعه
01:12:17
الباب الثاني: رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا تضمنت هذه الرسالة العظيمة، لا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بإصلاح الخلق، فلا بد أن تكون رسالته متضمنة لكل ما يصلح الخلق في دينهم ودنياهم، فهي متضمِّنة لشيئين هما العلم النافع والعمل الصالح.
الدليل: قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [التوبة: ٣٣]، فهذا هو الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام الهدى ودين الحق.
إذا قلت لك: أرسلت إليك فلانًا بكتاب، فما هو المرسَل به الآن؟ الكتاب.
أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، إذن المرسَل به الهدى ودين الحق، الهدى من الهداية، وهي ضد الظلام، فهو العلم النافع، ولهذا كم في رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام من العلوم العظيمة، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة: ٢].
وثانيًا: العمل الصالح الذي هو دين الحق؛ لأن دين بمعنى عمل، وهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، فدين الحق أي الدين الذي هو الحق، مثلما يقال: مسجد الجامع، ويش معناه؟ أي المسجد الجامع، فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، أو الموصوف إلى الصفة؟ الموصوف إلى الصفة.
إذن (دين الحق) يعني العمل الذي هو الحق، فرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم تضمَّنَت هذين الأمرين: العلم النافع، والعمل الصالح؛ لأنها أخبار، وقصص، وأنباء عن أمور مستقبلة، كلها علوم نافعة.
وكذلك أعمال يقوم بها المكلَّف فعلًا وتركًا هي أعمال صالحة، ولهذا قال المؤلف: (فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح)، والعمل الصالح لا بد أن يشتمل على أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الدليل: قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: ٥]، فـمُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَهذا الإخلاص، حُنَفَاءَهذه المتابعة، وقال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].
وسئل الفضيل بن عياض رحمه الله عن العمل الصالح ما هو؟ قال: ما كان خالصًا صوابًا، فخالصًا يعني مخلصًا لله، وصوابًا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: الموافقة.
الشيخ: موافقًا للسنة، ويدل لذلك أيضًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ» ، إِلَى آخره.
وقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، هذا في المتابعة.
وقوله: (المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم) يشمل السنن والواجبات، لكن السنن على سبيل الكمال، والواجبات على سبيل؟
طالب: الإلزام.
الشيخ: الإلزام.
قال: (والعلم النافع يتضمن كل علم يكون للأمة فيه خير وصلاح في معاشها ومعادها)، ويش في المعاش؟
طالب: الدنيا.
الشيخ: الحياة الدنيا، والمعاد الآخرة، وأول ما يدخل في ذلك العلمُ بأسماء الله وصفاته وأفعاله، هذا أول ما يدخل، فإن أنفع شيء تَعْلَمُ به هذه الأمور الثلاثة: أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، هذا أهم من أن تَعْلَم الجنة والنار وما أشبه ذلك؛ لأنه ما يمكن أن الإنسان يعبد الله وهو ما يعرف أسماءه ولا صفاته، كيف يعبده؟ يعبد شيئًا مجهولًا؟ هذا شيء مستحيل، والمؤلف ابن تيمية رحمه الله قَدَّم هذه المقدمة لأجل يكون توطئة للرد على هؤلاء المعطِّلِين اللي قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بيَّن الحق في أسماء الله وصفاته، وأنه وَكَلَ ذلك إلى عقولنا، نحن الذين نقول: هذا واجب لله وهذا ممتنع، والرسول ما بَيَّنَ هذا، نقول: هذا غير صحيح، الهدى ودين الحق، أول ما يدخل بالهدى العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، هذا أول ما يدخل، وأولى ما يدخل في العلم النافع الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال: (فإن العلم بذلك أنفع العلوم، وهو زبدة الرسالة الإلهية، وخلاصة الدعوة النبوية، وبه قوام الدين قولًا وعملًا واعتقادًا).
أظن هذا معروف، ولا يمكن يقوم الدين قولًا وعملًا واعتقادًا إلا بمعرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله، لو قيل لك -مثلًا-: اعبد شيئًا، لكن (...) ما تدري ويش اسم هذا الشيء، ولا تعرف عن صفته شيئًا، ولا عن أفعاله شيئًا، يمكن تعبده ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش أعبد؟ بَيِّن لي هذا المعبود ويش هو؛ ما أسماؤه، ما صفاته، ما أفعاله؟ حتى أخافه وأرجوه، أما شيء مجهول ما يُعْرَف اسمه ولا صفته ولا فعله، فكيف يمكن؟ ليس له آثار معروفة، آيات تدل عليه، وليس له صفات توجِب التحبب إليه، والتذلل له، وليس له أسماء، هذا ما يمكن يُعْبَد.
إذن حقيقة الأمر أنه لا تكون عبادة إلا بهذا، ومن أجل هذا كان من المستحيل أن يهمله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يبينه بيانًا ظاهرًا لينفي الشك ويدفع الشبهة، وبيان استحالته للوجوب.
ترى إحنا علم الكلام بالحقيقة أو علم العقائد ترى فيه أشياء عقلية كثيرة، والحقيقة أن الاعتماد على النقل في ذلك هو الأصل، لكن الأمة الإسلامية ابتُلِيَت بقوم يُحَاجُّون بشبهات يدعونها عقلية، وهي وهمية، إذا كانت تخالف الكتاب والسنة فلا بد إذن من أن ندخل المجال معهم حتى نتمكن من المشي؛ لأن هؤلاء إذا حاجَجْتَهُم بالنصوص يقولون: هذا ظاهر يحتمل التأويل، ثم يُوقِعُون الناس في متاهات عظيمة، وهم -والعياذ بالله- حيث إنهم يريدون الرئاسة فقط لا يريدون إلا أن تتبعهم العامة فقط، ما يريدون وجه الله وبيان الحق، يريدون بس أن تتبعهم العامة، فيأتون بألفاظ طويلة غريبة عجيبة إذا سمعها الإنسان العامي اقشعَرَّ جلده، وقال: هذا هو الحق، وأنتم (...) أبو هريرة، وقال: هذا العقل العظيم، هذا اللي قدَّر الله حق قدره، ما نتبع إلا هذا، ولذلك اغتر بهم عالَم كثير، حتى الخلفاء اغتروا بهم.
يقول شوف: (بيانًا ظاهرًا ينفي الشك)، والشك محله أيش؟ القلب، (ويدفع الشبهة)، ومحلها اللسان؛ لأن المراد بالشبهة هنا الحجج والشبهات التي يلقيها هؤلاء، فهم يُلْقُون شبهات على الناس يَغُرُّونَهُم بها.
يقول: (وبيان استحالته من وجوه؛ الأول).
طالب: شيخ، لو قال قائل: إنهم أرادوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أهمل بيان الكيفية؟
الشيخ: لا، ما يقولون كذا، هذا حق أن الرسول ما بَيَّن الكيفية؛ لأنه ما أحد يستطيع أن يحيط بها، ولو أَنَّا كُلِّفْنَا بالكيفية لكُلِّفْنَا ما لا نطيق؛ لأن الله يقول: لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، وهذه نافية ما هي بنهي، نفي، فلا يمكن الإحاطة بالله عز وجل، لكنهم ما يريدون هذا، هم يريدون المعنى، أهل التفويض يريدون تفويض المعنى، ما يُعْرَف معناها، وأما أهل التأويل فمعروف.
طالب: طيب، التفويض ما هو مُلَازِم للتعطيل؟
الشيخ: إي معلوم، التفويض تعطيل؛ لأنه في الحقيقة عَطَّلَ النص عما يراد به، فالله أراد منا أن نفهم النص على معناه، وهم عَطَّلُوا معناه، لكن الفرق بينهم وبين المؤولة أن المؤولة عَطَّلُوا معناه الظاهر، وجعلوا له معنى آخر، فصاروا أحكم منهم؛ لأن أهل التعطيل يقولون لأهل التفويض: أنتم أغرار جُهَّال، ما تعرفون شيئًا، لكن نحن أهل العلم، ولا شك أن مذهب التعطيل أحكم من مذهب التفويض، يعني مذهب أهل التأويل اللي هو التحريف أحكم من مذهب أهل التفويض وأصح، والكل باطل، إي نعم.
طالب: سمعنا بعض الناس ينسب التفويض إلى أهل السنة، فيقول منهم ..
الشيخ: لا، هذا غلط هذا، التفويض مثل ما قال شيخ الإسلام، هذا هو اللي فتح باب الإلحاد وباب الكفر، فلهذا يُعْتَبَر من شر أقوال أهل البدع؛ لأن أهل الإلحاد ويش قالوا؟ قالوا: أنتم تقولون: ما ندري، وإحنا نقول كذا وكذا، فلا تستطيعون أن تقولوا: إنكم خالفتم النص؛ لأنكم أنتم أنفسكم ما تدرون ويش معنى النص، ومَن لا يدري عن معنى شيء لا يمكن أن يَدَّعِي أن هذا الشيء يخالفه.
ثم يقولون أيضًا، يعني الآن يقولون: أنتم ما تستطيعون تردون علينا لأنكم ما تعلمون معنى النصوص، ثم إننا نحن أحكم منكم؛ لأننا كنا أهل علم ومعرفة، وأنتم تقولون: نحن لا نعلم، فقد ناديتم على أنفسكم بالجهل.
طالب: شيخ، الحشوية تلقيب لأهل السنة، يعني رمي لأهل السنة، أم أنها اسم من أسماء الْمُفَوِّضة؟
الشيخ: لا، هذا رَمْي بس، حشوية رمي لهم؛ لأنهم يقولون: إنهم على حشو، ما في كلامهم خير، ولا في كلامهم صدق، ولا.. أو إن الحشو لها معنيان عندهم، أو إن الحشو معناه اللي من عامة الناس اللي ما يعرفون شيء.
طالب: بعض الناس يقولون يعني: لا تخوضون في أسماء الله وصفاته، ما يجوز..
الشيخ: إي، يبغونك ما تخوض علشان يخوض اللي غيرك بالباطل، خذ بالحق، السَّلَف رحمة الله عليهم اللي أدركوا زمن الأهواء هل سكتوا؟ أَفْقَه منا وأعلم منا بالله، ما سكتوا، صحيح الصحابة ما تكلَّموا بهذا؛ لأنه ما ظهر في وقتهم هذا الشيء، يقرؤون كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام على ما ظهر منهما، لكن لما ابْتُلِيَ الناس بأهل الأهواء تكلَّموا، وبعضهم.. مَرَّ علينا قبل أن الإمام أحمد لَمَّا سُئِلَ: ما بالنا نقول في القرآن: غير مخلوق، وهو ما قاله الصحابة؟ ويش قال؟ قال: نقول: لأن هؤلاء يقولون: مخلوق، هؤلاء الجهمية يقولون: مخلوق، ليش ما نقول إحنا: ليس بمخلوق؟ لازم نقول.
ولما قيل لبعض العلماء: كيف تقولون: إن الله تعالى استوى على العرش بذاته؟ هذا تكلُّف، ليش تقولون: بذاته، وهو ما في القرآن بذاته، ولا في السنة بذاته؟ قالوا: نعم، إحنا بنقول لأن دولا يقولون: إنه ما استوى بذاته، إنه استولى.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
الطالب: في حديث (...).
الشيخ: لا، بس استوى على العرش بذاته ما هو المقصود لفظ الذات، المقصود استوى بذاته ما هي موجودة هذه، قالوا: نعم، إحنا نقول بذلك لأن هؤلاء يقولون: استوى بمعنى استولى، ليس أن ذاته عَلَا عليه، بل المعنى استولى عليه، ولم يُثْبِتُوا العُلُوّ.
طالب: (...) ذات الإله يختلف.
الشيخ: إي يختلف عن هذا؛ لأن (ذات) في اللغة العربية ما وردت بمعنى العين، إنما وردت بمعنى جانب، أو بمعنى أي شيء، مثل: نزلت به ذات ليلة، بمعنى أي ليلة من الليالي.
طالب: طيب في ذات الله.
الشيخ: في ذات الله أي في سبيله وجانبه، هذا المعنى، وذلك في ذات الإله، وليس المعنى بذات الإله يعني في نفسه اللي هو عين الإله، لا، ولهذا (ذات) في اللغة العربية الفصحى بمعنى صاحبة في الأصل، تأنيث ذو، لكن حقيقة الأمر أنك عندما تُقْسِم وتقول: ذات وصفات، فلا حرج، ما فيه مانع بمعنى، وتجعل (ذات) بمعنى نفس، وبمعنى عين، ولهذا كل العلماء من عهد التابعين فمن بعدهم كلهم يقولون: ذات بمعنى قسيمة للصفة ولا تُنْكَر.
طالب: يا شيخ، فيه ناس يقولون بأن فيه بعض الصفات لها معانٍ، والبعض الآخر من الصفات (...) لا نعرف معناه.
الشيخ: ما هو بصحيح، كلها معروفة المعنى.
الطالب: (...).
الشيخ: كلها معروفة المعنى.
الطالب: (...) لفظ الاستواء معروف معناه، أنه (...) ما نعرف معناه.
الشيخ: عجيب، ما تعرف معنى اليد؟
الطالب: هم يقولون هكذا، لكن يعني (...) شيخ الإسلام ابن تيمية المشترك اللفظي أن اليد كلمة مطلقة إذا قيل يد..
الشيخ: أصلًا كلما أضيفت اليد، اليد ما ذُكِرَت مطلقة لله، مضافة إلى الله، فتكون يدًا خاصة به، عندما أقول لك: يد الضب، ويد الإنسان، ويد الكلب، ويد الجمل، هل تفهم من هذا المعنى أن الأيدي هذه كلها واحد؟ يد كل شيء تناسبه، فاليد التي بها يقبض الله السماوات والأرض كخردلة في يد أحدنا؟ ويطوي السماء بيمينه كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤] هل تشبهها يد؟ ما يمكن أبدًا.
المهم أن هذه المسائل كلها -والحمد لله- معلومة، ولا يمكن الله يخاطبنا بشيء غير معلوم في أعلى ما يكون من الأهمية، أعلى ما يكون من الأهمية معرفة الله بأسمائه وصفاته.
فلو قلنا: إنه يمكن أن يخاطبنا الله بما لا نعلم، صار القرآن ما نزل إلا عبثًا في هذا الباب، إي نعم، على كل حال أمامنا شيء من هذا النوع ننتظر حتى نصل إليه.
طالب: (...) بالنسبة للذين يقولون بأن القرآن (...) ظني الدلالة، يعني على أساس أن الأقوال مختلفة (...) الرد عليهم.
الشيخ: نرد عليهم بأن كون هذا الشيء ظنيًّا أو يقينيًّا أمر نسبي، فهذا النص -مثلًا- يكون عند شخص يقينيًّا، وعند آخر ظنيًّا، وعند ثالث متردَّدًا فيه، وعند رابع مجهول المعنى إطلاقًا، ما يعقل له معنى إطلاقًا، وعند خامس مُعَمًّى عليه، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، يقولون: هذا أساطير الأولين؛ لأنهم سُدَّت عليهم أبواب الوصول إلى معرفة القرآن.
فالمسألة في هذه الأمور نسبية، يعني بعض الأحيان تكون الدلالة عندك في هذا النص قطعية ما فيها إشكال، عندك مثل الشمس، وعند غيرك ظنية، بل قد يستدل بها على خلاف ما تقول، وهذا غير صحيح، صحيح أن النصوص فيها شيء عندك قطعي، وبعض الأحيان ظني، وأحيانًا يتبين لك في بعض الأحيان أنه قطعي، وفي بعض الأحيان تنسى ويش الدلالة، ويصير عندك ظنيًّا، أحيانًا نفس الإنسان يتردد في النص الواحد، يكون في يوم من الأيام عنده قطعي الدلالة لوجوه يذكرها في ذلك الوقت، ثم ينسى هذه الوجوه في وقت آخر، ويكون عنده ظني الدلالة، أو ربما يتوقف فيه، هذا أمر معلوم، يعني كل أحد يعرفه من نفسه، أمر عقلي فطري.
يقول (الأول: إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على النور والهدى)، موافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، فهي نور وهدى وبينات، بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٦] سراجًا لهبته ضئيلة (...) ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: منيرًا (...) ما هو بالسراج فقط، سراج منير ينير كل ما يبلغه.
قال: (حتى ترك أمته على المحجة البيضاء)، المحجة بمعنى الطريق، البيضاء: المنيرة اللي ما فيها ظلمة، (ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).





