شرح العقيدة الحموية - 3
عدد الزيارات 1958

عناصر المادة :
الباب الرابع: في بيان صحة مذهب السلف وبطلان القول بتفضيل مذهب الخلف في العلم والحكمة على مذهب السلف

طالب: (...).
الشيخ: إلا، لكن ما هو بعلى وجه الإحاطة، الآن لو قلنا: إنك أنت استويت على الطريق، فالطريق يحيط بك، ويُقِلك أيضًا، لو نزلناه من تحتك سقطتَ على الأرض.
قال: (وهذه الطريقة هي الطريقة الواجبة، وهي القول الوسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل) الله أكبر! ابْتُلِي المسلمون بهاتين الطائفتين: طائفة التعطيل، وطائفة التمثيل؛ أهل التعطيل غلوا في التنزيه، وأهل التمثيل غلوا في الإثبات.
فالذين قالوا: إن لله تعالى يدًا تماثل أيدي المخلوقين، أثبتوا اليد ولَّا لا؟ لكنهم غلوا في إثباتها حتى جعلوها مماثلة لأيدي المخلوقين، والذين قالوا: ليس لله يد تنزيهًا لله أن يكون مشابهًا للمخلوق، هؤلاء غلوا في ماذا؟ في النفي والتنزيه.
أهل السنة والجماعة -والحمد لله- وسط بين الطرفين؛ لا فرَّطوا ولا أفرطوا، ولهذا يقول: (وهذه هي القول الوسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل) فقالوا: لله يدٌ حقيقية لكن لا تماثل أيدي المخلوقين.
(...) قاعدة عظيمة وهي طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، قالوا: الطريقة إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، والتوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه، هذه الطريقة هي الطريقة التي دلَّ عليها العقل والسمع.
ثم الطريقة السليمة -وهي حقيقة الأدب مع الله ورسوله- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١]، فما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله وأسمائه فالواجب إثباته، وما نفاه الله عن نفسه فالواجب نفيه، وما لم يرد فيه إثبات ولا نفي فإننا إن أثبتناه أخطأنا، وإن نفيناه أخطأنا؛ لأن ما عندنا علم، إذن فما الواجب؟ الواجب التوقف، هذا باعتبار لفظه.
أما باعتبار معناه فقد سبق أننا نستفصل؛ فإن أُرِيد به الحق قبلناه، وإن به أُرِيد به باطل رددناه.
يقول: (دلَّ على وجوبها السمع والعقل؛ فأما العقل فوجه دلالته أن تفصيل القول فيما يجب ويجوز ويمتنع على الله لا يدرك إلا بالسمع) (أن تفصيل القول) كلمة (تفصيل) تعني أن الإجمال قد يُدْرَك بالعقل بدون سمع، لكن تفصيل القول فيما يجب ويجوز ويمتنع هذا ما يمكن يدرك إلا بالسمع، أما الإجمال فيمكن أن ندركه بالعقول.
كوننا ندرك أن الله عز وجل كامل الصفات على سبيل الإطلاق، بماذا يُدْرَك؟ بالعقل، هذا يُدْرَك بالعقل. وكوننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى منزه عن النقص على سبيل الإجمال هذا أيضًا يدرك بالعقل، ولهذا أنكر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام على أبيه، أنكر إنكارًا عقليًّا؛ أتعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟! هذا إنكار عقلي، كيف تعبد وتدعي أنه إله وهو لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يدفع، لا يغني عنك شيئًا؟! العقل بمجرد ما يفكر الإنسان يعرف أن عبادة مثل هذا صواب؟
طالب: لا، غير صواب.
الشيخ: غير صواب، إي نعم. إذن انتبهوا للاحتراز في العبارة؛ أن تفصيل القول فيما يجب، وأما إجمال القول فيُدْرَك بالعقل ولَّا لا؟ يُدْرك، لكن التفصيل ما يُدْرك.
مثلًا الله عز وجل استوى على العرش، هل ندرك هذا بالعقل؟ ما ندركه، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما علمنا، بل ولا علمنا أن هناك عرشًا.
علو الله عز وجل العلو المطلق يُدْرك بالعقل ولَّا لا؟ نعم يُدرك بالعقل، لكن كونه علا على العرش هذا العلو الخاص ما ندركه بالعقول.
نزول الله إلى السماء الدنيا يُدرك بالعقل؟ ما يُدرك بالعقل لكنه بالسمع.
فالمهم أن تفصيل القول فيما يجب، وفيما يجوز، وفيما يمتنع؛ أفادنا المؤلف أن ما يمكن أن يوصف أن يكون صفة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، وممتنع، كلها تكون في العلو؛ يعني نجيب مثالًا في العلو، كون المخلوقات فوق الله ممتنع، وكون الله فوقها واجب، وكونه على العرش جائز؛ لأن الله تعالى لو شاء ما استوى على عرشه، فهو من الصفات الجائزة، لكنه بعد أن أخبرنا بأنه استوى يجب علينا أن نصدق وأن نؤمن، فصار ما يجب ويجوز ويمتنع التفصيل فيه لا يمكن إلا بالسمع، إذا كان لا يمكن إلا بالسمع فإنه يجب اتباع السمع في ذلك؛ في إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه، هذا هو العقل.
الآن -ولله المثل الأعلى- لو أن شخصًا أردنا أن نتحدث عن معاملته الباطنة في بيته، المعاملات الخاصة في بيته، أردنا أن نتحدث، معلوم أنا ما ندرك هذا إلا إذا تحدث لنا به، فما هو العقل؛ أن نتحدث نحن عن هذا الرجل ما يصنع في بيته بمجرد نقول: هذا ثابت، أو أن نتوقف على ما يحدثنا به؟ نتوقف على ما يحدثنا به؛ فإذا قال: أنا أفعل في بيتي كذا وكذا تحدثنا به عنه، إذا قال: أنا ما أفعل هذا في بيتي تحدثنا به عنه، إذا لم يخبرنا عن شيء نتوقف.
كذلك ما يوصف الله به؛ ما أخبرنا الله به عن نفسه وجب علينا إثباته، وما نفاه عن نفسه وجب علينا نفيه، وما سكت عنه يجب أن نسكت، هذا هو العقل.
(وأما السمع) يعني: دلالة السمع على وجوب اتباع ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله، (فمن أدلته قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: ١٨٠]) شوف دعاؤه بها ويش يستلزم؟
طالب: التصديق.
الشيخ: إي، التصديق والإثبات، إذن نثبت الأسماء الحسنى بمقتضى هذه الآية.
وقوله: فَادْعُوهُ بِهَادعاء الله تعالى بأسمائه ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن تجعلها وسيلة لما تدعو به؛ فتقول: اللهم يا غفور اغفر لي، ويا عزيز امنعني من الأعداء، ويا تواب تُبْ عليَّ، ويا رزاق ارزقني. هذا من الدعاء بها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به.
ومعلوم أنك إذا جعلتها وسيلة لما تدعو به فإنك ستتوسل لكل شيء بما يناسبه من الأسماء؛ تتوسل لطلب الرزق باسم الرزاق، ولطلب المغفرة باسم الغفور.
لو قال قائل: اللهم يا شديد العقاب اغفر لي، أعوذ بالله! يجوز هذا ولَّا لا؟ ما يجوز.
طالب: يمكن يأثم.
الشيخ: إلا، هذه هي، ما يناسب هذا؛ لأنك لو تقول لرجل: يا بخيل أعطني، يصفعك على الوجه، يقول: هذا عطية البخيل.
إذن دعاؤه بها أن تتوسل بها لما تدعو به. قال أهل العلم: إذا جعلها وسيلة لما يدعو به فإنه يدعو لكل شيء بما يناسبه من الأسماء.
طيب إذا أردت أن تسأل الله أن يعلمك؟
طالب: يا عليم علمني.
الشيخ: يا عليم علمني، أو يا معلم علمني؟
طالب: لا.
الشيخ: المعلم ليس من أسماء الله. إذن يجوز أن نسأل الله سبحانه وتعالى طلب العلم بما يدل على الفضل والجود، فنقول: اللهم يا جواد علمني، أو جُدْ عليَّ بالعلم، أو ما أشبه ذلك.
أما ما أراد أن يسأل عنه (عبد الوهاب) فإن قوله تعالى: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢] هذه صفة، ولا يُشْتق من الفعل اسمٌ، الفعل ما يشتق منه اسم، ولهذا لو قال قائل: أنا بأسمي الله بالماكر لأن الله قال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، قلنا: ما يجوز، إي نعم.
طالب: (...) قلنا: لا يجوز (...)؟
الشيخ: إي، لكنها غير مناسبة.
الطالب: هي غير مناسبة (...).
الشيخ: لا، نقول: ما يجوز؛ لأن هذا سوء أدب مع الله، كيف تسأله بما يقتضي العقوبة مغفرة وتوبة؟! ما يناسب هذا، إي نعم.
طالب: شيخ، يا معلم ما تجوز هذه؟
الشيخ: يمكن بالتخصيص؛ مثل: يا معلم إبراهيم مثلًا، أو يا معلم كذا، يجوز.
الطالب: لكن بالصفات ما يجوز؟
الشيخ: وين؟
الطالب: بصفاته وأفعاله.
الشيخ: إلا، الوصف غير الاسم، الصفة أوسع من الاسم؛ يعني قد يوصف الله بما لم يُسَمَّ به، فليس كل صفة يتصف الله بها يجوز أن نجعلها من الأسماء.
الطالب: فاهم هذا، قصدي الدعاء بس، هل أدعوه بأفعاله، يفعل كذا؟
الشيخ: بصفات الأفعال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا كانت صفات الأفعال مما تختص بالله فيجوز الدعاء بها؛ مثل: اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، وما أشبه ذلك، وإلا فلا يصح.
طالب: عليم (...) إلا إذا كان مضافًا إلى شخص؛ مثل يا معلم إبراهيم؟
الشيخ: نعم.
طالب: قول: يا شديد العقاب اغفر لي، ما تجوز؟
الشيخ: ما تجوز، ما هو لأنها ما هي باسم -مثلًا- من صفات الله، لكنها سوء أدب مع الله.
الطالب: (...) شديد العقاب يمكن أن (...).
الشيخ: لا، ما أسفهها! قل: يا غفور اغفر لي، ولهذا الرسول لما علَّم أبا بكر قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» إنك شديد العقاب أو «إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ؟ نعم لو قلت: يا شديد العقاب لمن عصاك، امنعني من معصيتك، يمكن تقول هذا؟
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم.
القسم الثاني أن يتعبد لله بمقتضى هذه الأسماء؛ لأن العبادة من الدعاء، كما قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠].
فما معنى أن يتعبد لله بمقتضاها؟ إذا علم أن الله شديد العقاب تجنَّب كل ما يكون سببًا لعقابه، إذا علم أنه غفور رحيم تعرَّض لكل ما يكون سببًا لمغفرته، إذا علم أنه الرزاق تعرَّض لكل ما يكون فيه الرزق؛ لأنه يعلم أن الله هو الرزاق، والتجأ في طلب الرزق إلى الله عز وجل، فهذا معنى قوله: فَادْعُوهُ بِهَا.
المعنى الثاني أو القسم الثاني وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ: ذَرُوابمعنى: اتركوا، لكن هل المعنى اتركوهم تهديدًا لهم، فإن الله تعالى سيعاقبهم؛ لقوله: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، أو المعنى: ذروا طريقتهم، ويكون قوله: سَيُجْزَوْنَاستئنافًا؟
نقول: الآية تحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح؛ اتركوا طريقة الملحدين فإنهم سيعاقبون، أو اتركوا هؤلاء لا تبالوا بهم فإنهم سيعاقبون، كما في قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤].
وقوله: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِالإلحاد أظنه مرَّ أو سيأتي؟
طالب: سيأتي.
الشيخ: سيأتي إن شاء الله، نتركه حتى يأتي.
(وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، وقوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦]) تَقْفُمعناه تتبع، مأخوذة من القفا؛ لأن المتَّبِع يكون وراء الإنسان، مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌيعني: أي شيء ما لك به علم لا تتبعه، سواء ما يتعلق بصفات الله وأسمائه، أو ما يتعلق بأحكام الله عز وجل، أو حتى ما يتعلق بما يدور بين الناس في يومياتهم، اللي ما لك به علم لا تتبعه، ولهذا جاء في الحديث: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» ، فأنت الإنسان ينبغي لك أنك تطمئن ولا تحدث بكل ما سمعت.
وقد حدثتكم عن جماعة أتوا إلينا من أفغانستان وقالوا لنا: إن فيهم شيئًا من الشرك وكذا وكذا، وأتوا بكتاب من مؤلفاتهم، وفي اليوم الذي قبله يزعم علينا ناس من الرياض يقولون: إن هذا كذب، وإن الجماعة دولا ناس من السلفيين متشددون جدًّا، وإنهم ما تهيأ لهم أن يُقْبَلوا بسرعة، فأرادوا أن يشوهوا سمعة هؤلاء المقاتلين الأفغانيين، وبناء على هذا بقينا الآن بين ميزانين.
طالب: قليل منهم.
الشيخ: اللي قليل منهم أيش؟
الطالب: يعني (...).
الشيخ: فبقينا بين ميزانين، إذن ما موقفنا الآن وقد جاءت الكفة الأخرى؟ لا نقفو ما ليس لنا به علم، ونقول: نتركه، ونسأل الله لهم الصلاح والاستقامة وأن ينصرهم على عدوهم، ونكتفي بهذا، وما دام المسألة فيها اضطراب وتناقض في الأقوال فالواجب السكوت، إي نعم.
طالب: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦].
الشيخ: الله يهديهم.
قال: (فالآية الأولى دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف)، وما الآية الأولى؟
طلبة: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
الشيخ: طيب. دلت على وجوب الإثبات في قوله؟
طالب: ادعوه.
الشيخ: فَادْعُوهُ بِهَا، وأيضًا بمجرد الخبر وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىيجب علينا الإثبات؛ لأنه خبر الله وهو حق، لكن زيادة على ذلك فَادْعُوهُ بِهَا.
ودلت على وجوب اجتناب التحريف والتعطيل؛ لأنهما -التحريف والتعطيل- منين؟ من الإلحاد، اللي يحرِّف ما جاء في الكتاب والسنة مُلْحِد، أو يعطِّله عن معناه هو ملحد بلا شك؛ لأن الإلحاد أصله الميل كما سيأتي، فكل من خرج عن الاستقامة في أسماء الله وصفاته فهو مُلْحِد.
(ودلت الآية الثانية على وجوب نفي التمثيل) وين الآية الثانية؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، كيف دلت على وجوب نفي التمثيل؟ لأنها خبر من الله عز وجل أن الله لا مثل له، فوجب علينا أن نقول به، وأن ننفي المماثلة.
واعلم أن نفي المماثلة لا يدل على نفي أصل الاشتراك، الاشتراك في الشيء غير المماثلة فيه، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: أنت حيوان والشاة حيوان، اشتركتما في الحيوانية؟
طالب: نعم.
الشيخ: هل اتفقتما في المثلية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا. طيب أنت جسم والحجر جسم، اشتركتما في الجسمية، وتماثلتما؟
طالب: تماثل -إي نعم- في حركة الجسد.
الشيخ: لا، ما تتماثل حتى في الجسمية، اشتركتما في المعنى الأصلي ولكن اختلفتما بلا شك، الحجر لو تضرب حجرًا بحجر يمكن ينكسر، ويمكن ما ينكسر، لكن لو تضرب رأسك بحجر انكسر.
طيب الوجود، أنت موجود والسماء موجودة، اشتركتما في الوجود، لكن تماثلتما؟ لا.
الرب عز وجل موجود والمخلوق موجود، اشتركا في الوجود، لكنهما غير متماثلين في هذا الوجود؛ وجود الباري يخصه، ووجود المخلوق يخصه.
فلاحظوا أن المثلية ليس معناها نفي الاشتراك في مطلق الشيء، وهذا هو الذي ضلَّ به من ضل من أهل البدع؛ ظنوا أن الاشتراك في أصل الشيء يستلزم المماثلة، فقالوا: ما لله يد، ولا لله وجه، ولا لله عين، ولا لله قدم، ولا لله ساق، ولم يستوِ حقيقةً على العرش، ولا ينزل حقيقةً إلى السماء الدنيا، وما أشبه ذلك، ظنوا أن إثبات هذه الأشياء على وجه الحقيقة يستلزم المماثلة، والله تعالى قد نفى أن يكون له مثيل، فإذن يجب علينا أن ننكر هذه الأشياء.
(وأما الآية الثالثة دلت على وجوب نفي التكييف)، وين الآية الثالثة؟ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
طيب قال الإنسان: إن لله يدًا حقيقية، صح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: قال: إنها مثل يد المخلوق؟
طلبة: خطأ.
الشيخ: خطأ، زين، ويش اللي دل على خطئه؟
طالب: عدم وروده.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، عدم وروده! نفي المماثلة، ما هي عدم الورود، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌتُكذِّب كل من ادعى التمثيل في صفات الله، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
هل يمكن أن نستدل أيضًا على نفي التمثيل بقوله: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن؛ لأن الممثل لا علم عنده بذلك، لكن ما دام عندنا آية تدل على نفي التمثيل فالاستدلال بها أولى.
قال قائل: لله يد حقيقة، فنقول: صدق. قال: صفتها كذا وكذا، وقام يعدد لنا أصابع، ويعدد لنا عروقًا، ويعدد لنا عظامًا، ويعدد أشياء والعياذ بالله، ماذا نقول؟ نقول: كذبت، من قال لك هذا؟ هل هذا الذي قام يصف يد الله عز وجل بصفات ما لها نظير عندنا لكن هو تخيَّر صفات وقام يصفها بها، هل هذا في الآيات التي ذكرنا ما يدل على تحريم طريقته؟ نعم فيه؛ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، هذه ما دلت عليها لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌلا، اللي دلَّ عليها وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛ لأننا نقول: من أين لك العلم بهذا؟ فسيقول: ما عندي علم، لكن أظن هكذا، نقول: إذن لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
إذا قال قائل: لماذا لم تأتِ بقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]؟ ليش ما جبت الآية هذه، والمكيِّف قال على الله ما لا يعلم؟
فأقول: إننا عدلنا عن الآية هذه لوجهين:
أولًا: أنها طويلة، والكتاب هذا مقرر على طلبة، كلما كان الدليل أقصر كان أسهل عليكم.
أيهما أطول قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَإلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَأو هذه لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؟
طلبة: الأولى.
الشيخ: طبعًا أطول، الأولى أطول، وهذه أقصر.
ثانيًا: أن الآية هذه وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌأعم من الآية الأولى، الآية الأولى يقول: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وهذه على الله وعلى غيره لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فهي عامة فيما يتعلق بالله عز وجل وفيما يتعلق بغيره.
فتبين -يا إخواننا- بهذه الآيات الثلاث وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفى الله عن نفسه، والسكوت عما سكت عنه، منين نأخذه؟ من الآية وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، ولهذا قلنا: (ودلت على وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيه).
طالب: لكن فيه ميزة -يا شيخ- في الآية.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: النهي للتحريم صريح.
الشيخ: إي، فيها التصريح بالتحريم، لكن هذه تفوقها في مسألتين، ثم نقول: الأصل في النهي التحريم.
طالب: ما نقول: إذا كيَّف نرد عليه بـلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟
الشيخ: لا؛ لأنه قد يُكَيِّف بدون قيد بالتمثيل، إذا كيَّف وقال: كيفية يد الله كيدي مثلًا، هذا نقول: مكيِّف وممثل، لكن إذا كيَّف بمعنى هو نفسه تخيل صفة من الصفات، نقول: هذا..
الطالب: مماثلة يا شيخ؟
الشيخ: بدون مماثلة، ما قال مثلًا: يد الله كيد كذا وكذا، قال: يد الله صفتها كذا وكذا وجاب كيفية من عنده، هذا مكيِّف وليس بممثل.
ثم قال المؤلف: (وكل ما ثبت لله من الصفات فإنها صفات كمال يُحْمَد عليها ويُثْنَى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، فجميع صفات الكمال ثابتة لله تعالى على أكمل وجه.
وكل ما نفاه الله عن نفسه فهو صفات نقص تُنَافي كماله الواجب، فجميع صفات النقص ممتنعة على الله عز وجل؛ لوجوب كماله. وما نفاه الله عن نفسه فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية وإثبات كمال ضدها
).
أظن أن القاعدتين السابقتين واضحتان؛ أن كل ما أثبته الله فهو صفة كمال، كل ما نفاه فهو صفة نقص.
الذي نفاه الله عنه نفسه أيضًا لا بد أن يستلزم إثباتًا، ولهذا قال المؤلف: (فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية وإثبات كمال ضدها)، مثاله قال الله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، هذا نفي للظلم، ننفي الظلم عن الله؛ لأن الله نفاه عن نفسه، لكن يجب مع نفي الظلم إثبات كمال العدل، وليس المراد بس نفي الظلم بل إثبات كمال العدل.
وهذا خاص فيما يُوصف الله به، وفيما يُوصف به الرسول عليه الصلاة والسلام في الغالب، أما غيره فلا يدل عليه، فالنفي لا يدل على الكمال، أما ما نفى الله عن نفسه فإنه يستلزم الكمال، ولهذا يقول: (وذلك أن النفي لا يدل على الكمال حتى يكون متضمنًا لصفة ثبوتية يُحْمَد عليها، فإن مجرد النفي..) النفي المحض لا يدل على الكمال حتى يستلزم صفة ثبوتية مثلما قلنا.
(وذلك لأن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:

قُـــــــبَيِّلَةٌ لَا يَــــــــــغْدِرُونَ بِــــذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ)

هذا مدح أو ذم؟ هذا ذمٌّ؛ لأنه يقول: لا يغدرون بذمة، اللي ما يغدر مؤمن؛ لأن من علامات النفاق الغدر، ومن علامات الإيمان عدم الغدر، لكن هنا ما يريد أنهم لا يغدرون لكمال وفائهم، لو أراد لا يغدرون لكمال وفائهم لكان مدحًا، لكن لا يغدرون لعجز، ما يقدرون يخالفون، كذلك (لَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ) لماذا؟ للعجز عن الظلم، ولَّا لو حصل لهم ظلموا لكنهم عاجزون. فهل نقول الآن: هذا النفي يستلزم مدحًا؟ لا.
أما الرب عز وجل فإنك إذا قلت: إن الله لا يغدر فالمعنى لكمال وفائه، قال الله تعالى: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ١١١]، وإذا قلت: إنه لا يظلم فهو لكمال عدله، لا لأنه غير قادر، هو سبحانه وتعالى قادر أن يظلم لو شاء لكنه عز وجل كامل العدل، فلا يمكن أن يظلم.
والعجيب أن بعض البادية -ولا سيما في الزمان الأول- يرون أن الظلم كمال، وأن من لا يظلم فهو ناقص وجبان، حتى إن الرجل إذا خطب منهم قالوا: تعال، هل أغار على قوم فأخذ إبلهم أو غنمهم؟ إن قالوا: نعم، قالوا: خلاص، نزوجه على طول، وإن قالوا: لا، ترددوا في قبول خطبته؛ لأنهم يرون أن اللي ما يفعل هذا معناه أنه جبان وذليل ما يقدر أي شيء، وعلى هذا يُحْمل هذا البيت.
............ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

طالب: ويش الذمة؟
الشيخ: الذمة العهد.
(وقد يكون سببه عدم القابلية) يعني: قد يكون سبب النفي ما هو العجز لكن عدم القابلية؛ يعني أن هذه الصفة ما تقبل على هذا الموصوف.
(كما لو قلت: الجدار لا يظلم) واحد يتحدث عن بيت بناه: والله عندنا بيت جُدُره لا تظلم أحدًا، ويش نقول؟ هل هذا مدح للجدار؟ ما فيه مدح؛ لأنه لا يقبل الظلم.
كما لو قلت: عندي جدار ليس بأصم، ويش يكون؟ هذا ما يقدر يقبل، ما نقول: هذه صفة مدح؛ لأن الجدار أصلًا لا هو بأعمى ولا مبصر حتى تمدحه بنفي العمى.
فالحاصل أن نقول: إن النفي من حيث هو نفي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تارة يتضمن كمالًا، وتارة يتضمن نقصًا، وتارة لا يتضمن هذا ولا هذا.
فالنفي الموجود في صفات الله كله يتضمن كمالًا، والنفي الموجود في قوم يعجزون عن تحقيقه يكون هذا نقصًا، والنفي في شيء لا يقبل الاتصاف به ولا الانتفاء منه لا يكون مدحًا ولا ذمًّا. والله أعلم.
طالب: بالنسبة للحيوانات تقبل الظلم؟
الشيخ: إي نعم، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقتص للشاة الجلحاء من القرناء ، وتقبل الظلم، الآن شوف إذا جبت علفًا وصار شوي جاءت العنز هذه (...) الثانية، هذا ظلم.
طالب: الجدار -سلَّمك الله- يقبل؛ يعني الجدران تقبل هذه إرادة؟
الشيخ: إي.
الطالب: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أو مجاز؟
الشيخ: لا، حقًّا.
الطالب: حقًّا؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ.
الشيخ: إي، شوف هذا اللي وراك، التفت، هو (...)، قال النبي عليه الصلاة والسلام في أُحُدٍ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا» -يحبنا حقًّا- «وَنُحِبُّهُ» .
الطالب: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤].
الشيخ: نعم (...).
حرَّفت الشيء؛ يعني: غيرته، ومنه: حرَفت الدابةَ؛ يعني: (...) عن وجهة سيرها.
(وفي الاصطلاح: تغيير النص لفظًا أو معنًى) هذا التحريف.
إذا قال قائل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] أي: استولى، يقرأ اسْتَوَىهكذا ولكن يقول: معناه استولى، هذا تحريف معنوي؛ لأنه تغيير المعنى فقط.
وإذا قرأ قارئ: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] فقال: وكلَّم اللهَ موسى تكليمًا، هذا تحريف لفظي ومعنوي.
وإذا قال قائل: الحمدُ للهُ ربِّ العالمين، هذا تحريف لفظي. وكلها مذكورة هنا.
يقول: (والتغيير اللفظي قد يتغير معه المعنى، وقد لا يتغير، فهذه ثلاثة أقسام:
تحريف لفظي يتغير معه المعنى؛ كتحريف بعضهم قوله تعالى:
{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤] إلى نَصْب الجلالة، فيكون التكليم من موسى) من اللي غيَّر الآية؟ الذي غيَّره من ينكرون الكلام، كل الطوائف التي تنكر أن يكون الله متكلمًا يغيرون هذا، يقولون: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، فصار المكلِّم مَن؟ موسى هو الفاعل، واستطاعوا أن يقولوا ذلك؛ لأن (موسى) معتلٌ بالألف ما تظهر عليه الحركات.
يقال: إن بعض أهل التحريف من الجهمية أو المعتزلة قال: وكلَّم اللهَ موسى تكليمًا، فقال له رجل من أهل السنة: ما تقول في قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣]؟ فبُهِتَ الذي حرَّف. يقدر يُحَرِّف الآن؟
طالب: ما يقدر.
الشيخ: كَلَّمَهُ رَبُّهُالضمير هنا ضمير نصب، ما يمكن يقبل غير النصب، وَكَلَّمَهُأي: كلَّم موسى، ما قال: وكلَّم ربَّه، هو ما يستطيع الآن يحذف الضمير، ولا يستطيع أن يغيره عن معناه؛ إذ إن هذا الضمير ضمير نصب ما يمكن أن يقبل أن يكون ضمير رفع، فبُهِتَ؛ والله هذه ما أقدر أقول فيها شيئًا. هذا تغيير لفظي معنوي؛ كلَّم اللهَ موسى تكليمًا.
(وأما وتحريف لفظي لا يتغير معه المعنى؛ كفتح الدال من قوله تعالى: {الْحَمْدَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ})، والصواب بالرفع الْحَمْدُ.
قال المؤلف: (وهذا في الغالب لا يقع إلا من جاهل؛ إذ ليس فيه غرض مقصود لفاعله غالبًا) الغالب أن التحريف اللفظي ما يقع إلا من جاهل، السبب ما فيه غرض في الغالب، التحريف اللفظي اللي يغير المعنى نعم يقع، لكن الذي لا يغير المعنى الغالب أن ما فيه قصد، اللهم إلا رجل يريد أن يلبس على المسلمين ويجعلهم يشكون في القرآن، فيشكله ويعربه على خلاف الصواب؛ لأجل إذا قرؤوا (...) قالوا: ويش لون المصحف هذا كذا والمصحف الثاني كذا؟ هذا ربما يكون؛ يعني: يكون له تلبيس عام على المسلمين بتحريف القرآن.
(أما القسم الثالث وتحريف معنوي؛ وهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل؛ كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله إلى القوة والنعمة، ونحو ذلك) وهذا كثير، التحريف المعنوي هو أكثر ما وُجِد في المنتسبين إلى القبلة؛ يعني: إلى الإسلام، فمثلًا الأشاعرة حرَّفوا، المعتزلة حرَّفوا، الجهمية حرَّفوا، المرجئة حرَّفوا، كذلك الوعيدية حرَّفوا، الحرورية حرَّفوا.. وهكذا، كل الطوائف المبتدعة قد حرَّفوا تحريفًا معنويًّا؛ لأن اللفظ لا يمكنهم أن يحرفوه؛ لأنهم منتسبون للإسلام، والمسلم ما يمكن يحرف كلام الله.
المعنى حيث إنه يعود إلى الفهم وإلى الأذهان استطاعوا أن يحرَّفوه، يقول: إن الله تعالى يقول: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] المراد باليدين النعمة، ويقول: بَلْ يَدَاهُأي: نعمتاه. كيف نعمتاه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] وأنت قلت: ثنتين؟ قال: نعم المراد الجنس؛ نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، ولَّا يفسرها بالقوة بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِالمراد باليد القوة. يتخلص ولَّا ما يتخلص؟ هذا ما يتخلص؛ لأن قوة الله واحدة، ما يمكن يقول: لله قوتان، ولذلك بطل هذا التحريف.
، فالمراد باليد اليد الحقيقية التي بها سبحانه وتعالى يأخذ ويقبض وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٦٧]، وبها يطوي وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤].
والحاصل أن أهل السنة والجماعة (...) دلالة اليدين على معناهما الظاهر اللائق بالله عز وجل، وهؤلاء المحرفة حرَّفوها، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] معناه عند أهل السنة: علا عليه واستقر علوًّا يليق بجلاله سبحانه وتعالى، هؤلاء يقولون: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِبمعنى: استولى، فحرَّفوها تحريفًا معنويًّا.
ثم لا يستطيعون أن يغيروا اللفظ يقولون: استولى على العرش، بنو إسرائيل استطاعوا أن يحرفوا لفظًا ومعنى، وقيل لهم: قولوا: حطة، فقالوا: حنطة، وقد قارن ابن القيم رحمه الله في النونية بين لام الأشعرية والمعتزلة في اسْتَوَىوبين نون اليهود في (حطة)، قال: نون اليهود.. والله نسيت.. المهم أنه يقول: لام الجهمية في اسْتَوَىكنون اليهود في (حطة).
فالحاصل أن هذا تحريف معنوي، وهو كثير، وأهل السنة والجماعة يتبرؤون من كل تحريف.
طالب: شيخ، لو قال لنا قائل: إن (...) فتعيين أحدها (...)؟
الشيخ: جواب بسيط نقول: كل الألفاظ المشتركة التي لها معان متعددة يعين المعنى الواحد السياق، فلا يمكن أن تكون (استوى على كذا) بمعنى (...)، ما يمكن تكون هكذا، ولا يمكن أن تكون بمعنى (قصد) إن عُدَّت بـ(على)، كما أنك لو قلت: عندي عين منقودة، ولي عين جارية، ولي عين قوية النظر، كلمة (عين) في كل موضع (...) المعنى، ما يمكن يراد بعين الأولى عين الثانية، ولا بعين الثانية عين الثالثة، بل اللفظ المشترك يُعَيِّن معناه السياق.
طالب: نقول: السياق عيَّن المراد، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] (...).
الشيخ: نعم، ويش (...)؟
الطالب: فدلَّ على أن المقصود باليدين النعمة.
الشيخ: ما يمكن؛ لأنهم هم يقولون: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، قال الله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ، والإنفاق إنما هو باليد.
الطالب: (...) النعم؟
الشيخ: لا، الإنفاق يكون باليد، الأصل في الإعطاء والإنفاق والدفع أن يكون باليد، فقوله: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُأي: بهاتين اليدين، هذا واضح. ثم إننا لو فسرناها بالنعمة النعمة ما هي بواحدة، وإذا فسرناها بالجنس نقول: ينفق كيف يشاء، وإنفاقه لا يزال مستمرًّا وكثيرًا بطل أن نقول: إنها نعمة واحدة.
طالب: (...) يمكن الإنسان يتخلص؟
الشيخ: يتخلص ما يمكن، كل إنسان يريد يتخلص بما لا يمكنه من سياق النفي (...) مكابر. ثم نقول له: ماذا تقول في قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]؟ نعدل إلى ما عدل إليه إبراهيم، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨]، ماذا تقول بالآية هذه؟ ما يستطيع يتخلص.
الطالب: بقوتيَّ.
الشيخ: بقوتيَّ ما يمكن، الله له قوتان؟
الطالب: تُطْلَق عليه من باب التعظيم.
الشيخ: التعظيم ما يمكن يكون بالتثنية الدالة على الحصر، التعظيم يكون بالجمع صحيح؛ مثل تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، أما أن يكون بالعدد المحصور باثنتين فهذا ما يمكن أن يكون؛ لأن التثنية تدل على الحصر، على العدد المحصور بهذه السِّمة ولا غير، ما يمكن هذا، التعظيم صحيح يكون بالجمع؛ لأنه دالٌّ على العظمة، أما شيء محصور باثنتين أو باثنين ما يمكن يدل على العظمة، إنما يدل على هذا العدد المعيَّن لا غير.
طالب: العدول (...)؟
الشيخ: (...) سبحان الله! لكن إذا أُرِيد الحق (...) الحجة؛ لأن الدليل اللي فيه مجادلة بدل من أن نجادل نذهب إلى شيء ما يستطيع أن يجادل فيه، وهذا لا شك أنه لإفحام الخصم وليس هذا انهزامًا، انهزامًا لو لم يكن دليل أوضح (...) هذا صحيح، لكن فيه دليل أوضح تلقمه الحجة، ويكون دليلًا لك على تعيين ما قلت؛ لأنه إذا عجز عن الدفاع في هذا الدليل الثاني فإنه يؤيد ما قلته في الدليل الأول، إي نعم.
ترى هذه المسائل الإخوان لا يثيرونها لأنهم في شكٍّ، الذين أوردوا هذا الإيراد لا تظنوا أنهم في شك من هذا أو أنهم يذهبون مذهب المعطلة، لكن يريدون استخراج الأشياء؛ لأن الإنسان قد يقابل بشخص (...).
(إنكار ما يجب أو إنكار بعضه، فهو إذن نوعان: تعطيل كلي؛ كتعطيل الجهمية الذين أنكروا الصفات، وغلاتهم ينكرون الأسماء أيضًا) الجهمية أنكروا الصفات وقالوا: ما لله صفات أبدًا، وبعضهم أنكر الأسماء وقال: ما لله أسماء، سبحان الله! الله يقول: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] ويش هذا؟ قالوا: السَّمِيعُالخالق للسمع في غيره، والْبَصِيرُالخالق للبصر في غيره، وما أشبه ذلك من التحريفات الباطلة. ومعلوم أن هذا خلاف ظاهر اللفظ، والقرآن نزل باللغة العربية، ولا يفهم أحد من أهل العربية في مثل وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُإلا أن المراد المتصف بالسمع والبصر وأن ذلك من أسمائه.
هم ينكرون الأسماء؛ غلاتهم، وعامتهم ينكرون الصفات ويقرون بالأسماء. لماذا؟ لأنهم يقولون: لو أثبتنا لله أسماء لزم التمثيل؛ لأنك تقول: الله هو السميع والإنسان سميع، وتقول: الله هو الحي والإنسان يوصف بأنه الحي؛ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الروم: ١٩]، فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ٢]، وما أشبه ذلك، فأنت إذا أثبت هذه الأسماء لله لزم من ذلك التماثل.
فيقال: هذا غير صحيح؛ لأنه كما تقدم في الدرس الماضي الاشتراك في مطلق الأصل لا يعني المماثلة في الحقيقة، أو لا؟ ولهذا يقال لهذا الرجل: حيوان، ويقال للبقر: حيوان، وليس الحيوان كالحيوان، أو لا؟ ويقال للنبات: حي، وللإنسان: حي، وليست الحياة كالحياة، ولا الحي كالحي.
طالب: شيخ، لماذا اختلف الخاصة والعامة في الأسماء والصفات هؤلاء ينكرون الصفات وهؤلاء..؟
الشيخ: لا، معنى عامتهم ما هم بالعامة اللي لا يفهمون، عامتهم؛ يعني أكثرهم.
(وتعطيل جزئي؛ كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض الصفات دون بعض) الأشعرية ينكرون أكثر الصفات ويقرون ببعض، والذي يقرون به سبع صفات فقط؛ وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام.
حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَالْكَلَامُ لَهُ إِرَادَةٌ وَكَذَاكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَالْكَلَامُ لَهُ ........................

هذه أربع.
....................... إِرَادَةٌ وَكَذَاكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ

هذه سبع صفات يقرون بها، والباقي ينكرونه، ما يقرون بالعزة، ولا بالحكمة، ولا بالقوة، ما يقرون إلا بهذه الصفات السبع فقط، والباقي ينكرونه؛ يعطلونه.
أما إقرارهم بهذه الصفات ليس كإقرار أهل السنة والجماعة. وأضرب لكم مثلًا في الكلام؛ الكلام عند أهل السنة والجماعة -كلام الله عز وجل- يكون بالحرف والصوت، فهو كلام الله حرفًا وصوتًا، تكلم بهذه الحروف التي هي في كتاب الله، وهم يقولون: لا، الكلام هو المعنى القائم بالنفس، والحروف والأصوات مخلوقة؛ تعبيرًا عما في نفس الله من الكلام، يقولون: كلام الله ما هو بهذه الحروف اللي نحن نقرأ، ولا الصوت الذي سمعه جبريل، ولا الصوت الذي سمعه موسى عليه الصلاة والسلام، ولا الصوت الذي سمعه محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج، الكلام معنى قائم بالنفس، وأما الصوت الذي سمعه موسى وسمعه محمد ويسمعه جبريل فهو شيء مخلوق، خلقه الله عز وجل في الهواء أو في الشجرة، مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى [القصص: ٣٠]، أما أنه هو الصوت الذي كان الله تكلم به فلا.
أهل السنة والجماعة يقولون: لا، إن كلام الله بصوت وحرف؛ كما ثبت في الحديث الصحيح: «فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ» ، بيَّن الرسول أنه بصوت، وكذلك أيضًا قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]، والنداء هو الدعاء بصوت مرتفع.
حقيقة الأمر أن الأشاعرة في مسألة الكلام كالمعتزلة سواء، بل شرٌّ من المعتزلة من بعض الوجوه؛ المعتزلة يقولون: إن الكلام اللي في المصحف هذا، يقولون: هذا كلام الله حقيقةً ولكنه مخلوق؛ يخلق الله أصواتًا وحروفًا ويقول: إنها كلامه على سبيل التشريك والتعظيم، وليس صفة من صفاته، وأولئك يقولون: إن هذا القرآن اللي في المصحف ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، وكلام الله تعالى هو المعنى القائم بالنفس، فأولئك يقولون -أعني: المعتزلة والجهمية-: هذا اللي في المصحف كلام الله لكنه مخلوق، وهؤلاء يقولون: إنه ليس كلام الله وهو مخلوق، وإنما كلام الله الذي هو صفته هو ما في نفسه من المعاني.
وحقيقة الأمر أنهم لم يثبتوا كلامًا؛ لأن ما يكون في النفس لا يسمى كلامًا أبدًا، أنت الآن لو أردت أن تقوم بخطبة من الخطب، وقدَّرت في نفسك كلامًا، رتبته مثلًا بعناصره وماذا تقول، هل تُسَمى متكلمًا؟ لا، ما تكون متكلمًا حتى يخرج منك الصوت، ولهذا لما أراد الله تعالى القول في النفس قيده فقال: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨]، فقيَّد ذلك بالنفس.
قال: (وأول من عُرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم).
الجعد بن درهم هذا هو أول من عُرِف بالتعطيل من هذه الأمة، كيف ذلك؟
الجعد بن درهم أول ما تفوه به من التعطيل كلمتان؛ قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، هذا أول ما تكلم به، فلما كان يوم عيد الأضحى خرج به خالد بن عبد الله القسري رحمه الله مُوَثَّقًا، وطلب منه الرجوع عن رأيه، فأبى أن يرجع، فخطب الناس خالد بن عبد الله القسري؛ لأنه هو الوالي على الجهة وقال لهم: أيها الناس، ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل من المنبر فضحَّى به، ذبحه، البقرة عن سبع، والبدنة عن سبع، وهذا عن مئات الآلاف، ولهذا قال ابن القيم:
شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ لِلَّهِ دَرُّكَ مِــــــنْ أَخِي قُــــــــرْبَانِ

فأثنى عليه قال:
............................ لِلَّهِ دَرُّكَ مِـــــنْ أَخِي قُـــــــرْبَانِ

وهكذا ينبغي للمفسدين في الأرض ألا يُتَأَنَّى بهم، إذا أصروا على ما هم عليه فلا أريح من القتل لهم ولغيرهم.
أما لهم فلأنهم يسلمون من بقية شر أنفسهم؛ لأنهم إذا بقوا ازدادوا إثمًا، قال الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: ١٧٨]، فنحن إذا قتلنا هذا المجرم المفسد في الأرض أحسنا إليه غاية الإحسان؛ حتى لا يزداد إثمًا.
وثانيًا أريح لغيرهم من شرِّهم؛ لأن الناس يسلمون من بقية شرهم الذي بثوه، ثم إن الناس ينتهون عما هم عليه وينزجرون؛ لأن كثيرًا من الناس الإيمان في قلوبهم ضعيف، ما يردعهم إلا الردع السلطاني.
فهذا الذي فعل خالد بن عبد الله القسري بالجعد بن درهم، هذا من خير ما يكون.
الجعد بن درهم أخذها عنه الجهم بن صفوان، وكان الجهم بن صفوان أخبث منه وأقوى منطقًا، فنشر هذه البدعة، وجعل لها عللًا وجعل لها شبهات حتى انتشرت من الجهم بن صفوان، ولهذا يسمى المذهب مذهب الجهمية لا الجعدية، وإلا فالأصل إنه من الجعد بن درهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه قد قيل: إن الجعد بن درهم من أرض حرَّان في الشام، وإن فيها أناسًا من الصابئة والفلاسفة والكلدانيين الذين يعبدون النجوم وغيرهم، وإنه قد تأثر بمذاهبهم، ثم إنه يقول: إنه قد اتصل بطالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون إذن هذه المقالة مستمدة من اليهود ومن المجوس والمشركين والفلاسفة والصابئين، فهي -والعياذ بالله- خبثٌ مجمَّعٌ، حتى انتهت إلى ما انتهت إليه من المحن العظيمة لأهل الإسلام، واللي منكم قرأ التاريخ يعرف اللي جرى للإمام أحمد رحمه الله وللعلماء في وقته من البلايا التي حصلت لهم بسبب هذه البدع الخبيثة، نسأل الله السلامة.
طالب: الترحم على خالد بن عبد الله القسري (...) أنه ناصبي؟
الشيخ: ناصبي؟
الطالب: (...).
الشيخ: والله ما ندري، يمكن يقال، أو يشكر على هذا الفعل، ويذم على الفعل الآخر، لا مانع أن الإنسان إذا كان فيه سببان أحدهما يقتضي الذم أن يُذَمَّ من هذا الوجه، ويُحْمَد من وجه آخر، ما دام على الإسلام.
طالب: (...) سير أعلام النبلاء أنه بنى كنيسة (...)؟
الشيخ: ما أدري والله صحيح هذا، هو يقال هكذا لكن ما أظنه.
طالب: شيخ، القصة هذه أنه ضحى بالجعد ذكر المحققون في الحديث أنها ضعيفة..
الشيخ: (...) لا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن التحريف ينقسم إلى قمسين: لفظي ومعنوي، فالمعنوي أن يبقى اللفظ على ما هو عليه ولكن يُغَيَّر المعنى، واللفظي أن يُغَيَّر اللفظ، ثم قد يتغير به المعنى، وقد لا يتغير.
مثال التحريف المعنوي؟
طالب: قوله تعالى (...).
الشيخ: «إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» ، فقال: كَلَّمَ اللَّهُ [النساء: ١٦٤] أي: جرَّحه بمخالب الحكمة، شوف أعوذ بالله!
طيب التحريف اللفظي الذي يتغير به المعنى؟
طالب: الذي يتغير به المعنى؟
الشيخ: نعم.
(...) إن هذه على حدِّ قول العرب: خرق الثوبُ المسمارَ، معلوم أن المخروق الثوب ومع ذلك رُفِعَ، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] الْمَخْشِيُّ هو الله عز وجل ومع ذلك رُفِعَ، هم يقولون: إنه إذا كان الفاعل والمفعول معلومًا بالعقل جاز تغيير اللفظ من أجل ذلك. وهذه القاعدة فاسدة ما فيه شك، ولا الإنسان يقول: خلق اللهَ السماواتُ، وكل شيء يُعْلَم بالعقل نغير لفظه، هذا ما يمكن يقال.
وبعضهم يقول: إنه على حدِّ قول الشاعر:
أَهَابُكِ إِجْلَالًا وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ عَلَيَّ وَلَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا

ويش المعنى؟ إن الله يخشى العلماء على سبيل الإجلال لا على سبيل الهيبة والخوف؛ لأن الشاعر يقول لمن يخاطب:
أَهَابُكِ إِجْلَالًا وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ عَلَيَّ وَلَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا

على كل حال قراءة شاذة والحمد لله، ما يُقْرَأ بها، ولا يجوز القراءة بها.
ذكرنا أن التعطيل ينقسم إلى قسمين: تعطيل كلي وتعطيل جزئي.
التعطيل الكلي سبيل من؟
طالب: التعطيل الكلي سبيل الجهمية والمعتزلة.
الشيخ: (...) الخلق الصفة الثامنة يقرون بها خلافًا للأشاعرة.
طالب: يقولون: الموجودون الآن الأشاعرة يقرون خمس عشرة.
الشيخ: إي، يقرون على أنها أحوال، يقول: عليم، ذو علم، وكونه عالمًا، إذا أنك زدتها صار سبع في اثنين بأربعة عشر.
طيب التكييف؟ ويش التكييف؟
(...) (التمثيل إثبات مثيل للشيء، والتشبيه إثبات مشابه له) التمثيل إثبات مثيل للشيء؛ بأن تقول: هذا مثل هذا، والتشبيه إثبات مشابه له؛ بأن تقول: هذا شبه هذا.
وهل هما بمعنى واحد؟ الجواب: التمثيل يقتضي المماثلة وهي المساواة من كل وجه، إذا قلت: هذا مثل هذا؛ يعني: مثله من كل وجه، والمشابهة التشبيه يقتضي المشابهة وهي المساواة في أكثر الصفات، إذا قلت: يشبه هذا، هل معناه أنه مماثل من كل وجه؟ لا، بل في أكثر الصفات، ولهذا قالت ملكة سبأ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [النمل: ٤٢]، ولم تقل: مثله، ولا هو، كَأَنَّهُ هُوَ. فالحاصل أن التشبيه المساواة في أكثر الصفات، ولا تقتضي المماثلة من كل وجه.
(وقد يُطْلَق أحدهما على الآخر) يعني دائمًا تجد في كلام أهل العلم: من غير تمثيل، وأحيانًا يقولون: من غير تشبيه.
(والفرق بينهما وبين التكييف من وجهين:
أحدهما: أن التكييف أن يُحْكَى كيفية الشيء، سواء كانت مطلقة أم مقيدةً بشبيهٍ، وأما التمثيل والتشبيه فيدلان على كيفية مقيدةٍ بالمماثل والمشابه.
ومن هذا الوجه يكون التكييف أعم؛ لأن كل ممثِّل مكيِّفٌ، ولا عكس
) فهمتم الفرق الآن؟ التكييف يحكي كيفية الشيء، سواء مقيدة بالمماثل أو غير مقيدة.
فإذا قال قائل: أنا اشتريت سيارة، كيفيتها كذا وكذا وكذا، وجاب لنا كيفيات ما شوفناها، ويش نسمي هذا؟ نسمي هذا تكييفًا؛ لأنه كيَّف السيارة الآن، بيَّن لنا كيفيتها لكن ما ذكر لنا نظيرًا لها.
إذا قال: اشتريت سيارة مثل هذه، ويش يصير؟ هذا ممثلٌ، وفي نفس الوقت هو أيضًا مكيِّفٌ؛ لأنه لما قال: مثل هذه عرفنا كيفيتها. إذن كل ممثلٍ مكيِّفٌ، وليس كل مكيفٍ ممثلًا.
فالذي يقول: إن يد الله مثل يد المخلوق، هذا ممثلٌ، واللي يقول: يد الله كيفيتها كذا وكذا وكذا ويذكر كيفية ما لها نظير، يسمى مكيفًا، والذي يقول: استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على السرير، ممثل، والذي يقول: استواء الله على عرشه كيفيته كذا وكذا ويذكر كيفية معينة، هذا مكيفٌ.
(ثانيهما: أن التكييف يختص بالصفات) الكيفية تعود للصفة فقط، ما تعود للذات.
(أما التمثيل فيكون في القَدْر والصفة والذات، ومن هذا الوجه يكون التمثيلُ أعم؛ لتعلقه بالذات والصفات والقَدْر) تقول: هذا مثل هذا في ذاته، أو ما يصلح؟ يصلح، كلاهما حجر، كلاهما إنسان، وما أشبه ذلك.
وتقول في القدْر: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] في القدْر أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن هذه سبع وهذه سبع؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولَّا في الكيفية؟
طلبة: لا.
الشيخ: ولَّا في الذات؟
طلبة: لا.
الشيخ: في القدْر، نعم.
وتكون أيضًا في الصفة، الصفة إذا قلت: هذا مثل هذا؛ يعني في صفته.
فصارت الكيفية الآن تتعلق بالصفات، والمثلية تتعلق بالذات والصفات والقدْر.
(ثم التشبيه الذي ضلَّ به من ضل من الناس على نوعين:
أحدهما: تشبيه المخلوق بالخالق.
والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق
) تشبيه المخلوق بالخالق هذا يسلكه الغلاة في البشر أو في المخلوقات، فالذين عبدوا اللات والعُزَّى ومَنَاة وهُبَل شبَّهوا المخلوق بالخالق، والذين قالوا: إن الله مثل الناس في كذا وكذا وكذا شبهوا الخالق بالمخلوق.
(فأما تشبيه المخلوق بالخالق فمعناه: إثبات شيء للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال والحقوق والصفات) انتبه للتعريف تشبيه المخلوق بالخالق إثبات شيء للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال أو الحقوق أو الصفات.
(فالأول: كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقًا) فيه من زعم أن مع الله خالقًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مَن؟
طالب: النصارى.
الشيخ: إي، النصارى زعموا أن مع الله خالقًا؟ فيه الغلاة من الباطنية يزعمون أن أولياءهم يدبرون الكون، ويسمون الولي إذا وصل إلى درجة معينة القطب، ويقولون: إنه الذي تدور عليه الحوادث، فيجعلونه خالقًا مع الله.
وفيه أيضًا الثانوية من المجوس لكنهم ما يجعلون الخالق هو الرحمن عز وجل، يقولون: إن للحوادث خالقين؛ الظلمة تخلق الشر، والنور يخلق الخير، هؤلاء أيضًا نقول: جعلوا المخلوق خالقًا؛ جعلوا الظلمة والنور وهي مخلوقة، جعلوها خالقة، أشد ممن جعلوا مع الله خالقًا.
(والثاني: كفعل المشركين بأصنامهم) ويش هو الثاني؟ الحقوق، جعلوا لله مماثلًا في الحقوق، (حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع الله) أو لا؟ المشركون إذا سألتهم: من خلق السماوات والأرض يقولون: الله، ما يقولون: اللات ولا العُزَّى ولا مناة، وإنما يقولون: الخالق هو الله لكن يقولون: هذه نعبدها، تستحق أن تُعْبَد. طيب ها دولا جعلوا لله مماثلًا في ماذا؟ في الحقوق.
(والثالث: كفعل الغلاة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره؛ مثل قول المتنبي يمدح عبد الله بن يحيى البحتري:
فَكُنْ كَمَا شِئْتَ يَا مَنْ لَا شَبِيهَ لَهُ وَكَيْفَ شِئْــــتَ فَمَا خَلْـــقٌ يُدَانِيـــــكَا)

هذا ضلال ولَّا لا؟
طلبة: ضلال.
الشيخ: ضلال، يا من لا شبيه له، هو ما أحد ما له شبيه إلا الله؟
طالب: لا.
الشيخ: ما أحد. لكن لو قال قائل دفاعًا عن المتنبي: إنه يريد يا من لا شبيه له من الخلق. نقول: وهذا أيضًا كذب؛ فإن هذا الرجل لا يساوي النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء ولا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليًّا، أو لا؟ وقوله: (ما خلق يدانيكا) كذب أيضًا.
وله نظراء؛ كقول بعضهم يمدح رجلًا من الملوك:
مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الْأَقْدَارُ فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

هذا أيضًا شرك.
مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الْأَقْدَارُ فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

أعوذ بالله!
وقول البوصيري في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام:
يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ
فَإِنَّ مِــنْ جُــودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا وَمِنْ عُــلُومِكَ عِــلْمَ اللُّــوحِ وَالْقَــلَمِ

هذا شرك ولَّا لا؟ شرك؛ شبَّه النبي عليه الصلاة والسلام بالرب عز وجل، بل جعل الرب ما له أثر في الخلق؛ لأنه يقول: من جودك الدنيا وضرتها، ويش بقي لله؟ ما بقي لله شيء والعياذ بالله، ما أبقى شيئًا لله.
........................... وَمِنْ عُــلُومِكَ عِلْمَ اللُّـــوحِ وَالْقَلَمِ

من علومك -ما هو بكل علومك بعد- علم اللوح والقلم، وهذا أيضًا لا يكون إلا لله رب العالمين، والنبي عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يقول: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام: ٥٠]، كيف يقول: من علومه علم اللوح والقلم؟! ومع ذلك تعتبر هذه القصيدة عند بعض المعاصرين والسابقين أيضًا من غُرَر القصائد وأطولها وأعظمها، يترنمون بها فيما يبتدعونه من الأعياد؛ كعيد الميلاد مثلًا، ويرون أن هذا من أعظم ما يكون حبًّا للرسول عليه الصلاة والسلام، وفي الحقيقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاهد من جاهد من المشركين إلا بمثل هذه الأقوال، بل إن المشركين ما وصلوا إلى هذا (...)، المشركون ما يدَّعون أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم الغيب، ولا يدَّعون أن الدنيا والآخرة من جوده أبدًا، ومع ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام قاتلهم واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم.
طالب: شيخ، كلام المتنبي هذا يقال: إنه شرك، يمكن المبالغة في (...) ولَّا كذا؟
الشيخ: لكن هل يصح أن نقول لشخص: إنه لا شبيه لك؟
الطالب: يعني مبالغة لا بأس.
طالب آخر: يعني في زمنه.
الشيخ: ولا في زمنه، قال: (فما خلق) نكرة في سياق النفي، لا تعتذرون عنه، هو من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، الذين في كل وادٍ يهيمون، لا شك، إنما نحن ليس لنا إلا الظاهر، قد يكون هذا الرجل يقول هذا الكلام وهو يعتقده لكن ما علينا (...)، ما لنا إلا الظاهر، نحن لا نحكم إلا بما سمعنا، أما شيء وراء ما ندرك في قلبه ما ندري عنه، ولو كنا نقول لكل إنسان يظهر كلمة الكفر: لعله أراد كذا، المشركون يقولون: ما نعبدهم لأنهم يستحقون العبادة كما يستحقها الله، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] نجعلهم وسيلة إلى الله، ولَّا نعرف أن هم ما يستحقون العبادة.
طالب: لكن ما يوصفه بالكمال، يوصفه يعني بأنه (...) يقول: ما خلق يدانيك؟
الشيخ: لكن يقول: لا شبيه له، (لا) نافية للجنس، وقد قرأتها في الآجرومية وعرفت أنها تنفي كل جنس، (لا شبيه له) لا من الخالق ولا من المخلوق، حتى الخالق ما يصل إلى درجة هذا الرجل، إذا أخذنا بعموم اللفظ، لكن حتى نقول: لو أراد لا شبيه له من الخلق فهو كاذب، لا يصل إلى درجة الشرك، لو قال: (لا شبيه له من الخلق) ما يصل إلى درجة الشرك.
الطالب: خلق يدانيك..؟
الشيخ: ما يصل إلى درجة الشرك لكنه كذب في هذا، هو في هذا كاذب، حتى لو أراد لا شبيه له من الخلق نقول: إنك كاذب، هو ما هو بصحيح.
مع أن (فما خلق يدانيكا) معناه: ما يقربون منك الخلق، ولا نعلم أحدًا لا يقرب منه الخلق إلا الله عز وجل، هو الذي لا يقرب في صفاته.
(وأما تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه أن يثبت لله تعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص مثلما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يديِ اللهِ مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم، ونحو ذلك).
هذا تشبيه أيش؟ الخالق بالمخلوق، وهذا لا تستقر قدم أحدٍ عليه أبدًا؛ أنه يجعل الخالق مثل المخلوق أبدًا، لكن ذهب إليه بعض الغلاة في قديم الزمان، ذهبوا إليه.
وأول من عُرِف به هشام بن الحكم أحد أئمة الرافضة، هو أول من تكلم بالتشبيه ودعا إليه، أما متأخرو الرافضة فذهبوا إلى مذهب المعتزلة وهو إنكار الصفات، على العكس من هذا.
فتبين الآن أن التشبيه الذي حصل به الضلال يتنوع إلى نوعين: أحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق. والثاني: تشبيه المخلوق بالخالق.
فتشبيه المخلوق بالخالق أن يثبت للمخلوق من الخصائص ما لا يكون إلا لله، والثاني أن يثبت لله من الصفات ما يكون من خصائص المخلوقين، وكلاهما ضلال.
طالب: كلاهما درجة واحدة؟
الشيخ: لا، ما كلاهما درجة واحدة. أيهما (...) عندك؟
طالب: تشبيه الخالق بالمخلوق.
الشيخ: (...) انتقصت الكامل أيضًا، فكلاهما ضلال.
ثم قال المؤلف: (الإلحاد، الإلحاد في اللغة: الميل) ألحد بمعنى مال، (وفي الاصطلاح: الميل عما يجب اعتقاده أو عمله).
(الإلحاد في اللغة: الميل) قالوا: ومنه في الأمور الحسية اللحد؛ لأنه يحفر في جانب القبر، غير متوسط، ولَّا لا؟ ويسمى المتوسط، ويش يسمى؟ شقًّا.
قال: (وفي الاصطلاح: الميل عما يجب اعتقاده أو عمله) هذا في الاصطلاح، فالفاسق يعتبر مُلحدًا، والساجد للصنم يعتبر مُلحدًا، والمعتقد في الله ما لا يجوز يعتبر مُلحدًا، ولهذا قلنا: (عما يجب اعتقاده) وهذا يتعلق بتصديق القلوب، (أو عمله) يتعلق بأعمال الجوارح وأعمال القلوب.
(وهو قسمان: أحدهما: في أسماء الله. والثاني: في آيات الله) والدليل على هذا التقسيم قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، فذكر الله تعالى الإلحاد في الأسماء، أما في الآيات فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت: ٤٠]، فبهاتين الآيتين تبين أن الإلحاد يكون في أسماء الله، ويكون كذلك في آياته.
(فالإلحاد في أسمائه هو العدول عن الحق الواجب فيها) لأنه ميل عما يجب، يعدل عن الحق الواجب في هذه الأسماء.
(وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه من الصفات، كما فعل المعطلة
) هذا النوع هو أعلاه -والعياذ بالله- وأخبثه، (أن ينكر شيئًا منها) من الأسماء؛ مثل أن ينكر العزيز، الحكيم، القدير، وما أشبهها.
وقد وُجِد هذا؛ فإن غلاة الجهمية ينكرون الأسماء يقولون: إن الله ما هو بعليم ولا سميع ولا بصير ولا عزيز ولا حكيم.. إلى آخره. كيف أثبت هذا لنفسه؟ قالوا: إن معناه السميع: خالق السمع في غيره، الحكيم: خالق الحكمة في غيره، فسمى الله به نفسه من باب الإضافات لا من باب الحقائق.
أو ينكر ما دلت عليه من الصفات، وقد علمنا أن أسماء الله إن كانت متعدية دلت على الذات والصفة والأثر؛ فيثبت الاسم، ويثبت ما تضمنه من الصفة، ويثبت الحكم المترتب على ذلك الذي يُسَمَّى الأثر.
فالسميع مثلًا تثبت أن السميع من أسماء الله، أو لا؟ تثبت الصفة وهي السمع، تثبت الحكم المترتب على ذلك وهو أنه يسمع، لا بد من هذه الأمور الثلاثة.
فإذا قال الإنسان: أنا أثبت أن الله سميع لكن لا أثبت له سمعًا، نسمي هذا إلحادًا.
وإن قال: أثبت أنه سميع وأن له سمعًا لكن لا أثبت الحكم أنه يسمع، ماذا نقول؟ نقول: هذا إلحاد أيضًا، فلا بد أن تثبت الاسم والصفة والحكم، أو بعضهم يقول: الأثر.
إذا كان الاسم غير متعدٍّ فلا بد من أمرين: إثبات الاسم وإثبات الصفة. مثل: الحي؛ الحي غير متعدٍّ، ما يتعلق بغيره، يتعلق به نفسه سبحانه وتعالى، فنقول: الحي نثبت (الحي) على أنه اسم من أسماء الله، ونثبت الحياة صفة من صفاته دلَّ عليها اسم الحي.
الذي يقول: أنا أثبت أن الله حي وأن من أسمائه الحي لكن لا أثبت الحياة له، نقول: هذا مُلحد.
فصار النوع الأول (أن ينكر شيئًا منها) أي: من الأسماء، (أو مما دلت عليه من الصفات، كما فعل المعطلة).
(الثاني: أن يجعلها دالة على تشبيه الله بخلقه، كما فعل المشبهة) وهذا واضح، المشبهة قالوا: إن من أسماء الله السميع، ومن أوصافنا نحن أيضًا السميع، كما قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ٢]، قالوا: فإذا كان الله سميع والإنسان سميع فإنه يدل على أنهما متماثلان، فيستدلون بالأسماء على التشبيه.
نقول: أي إنسان يؤمن بأسماء الله على أنها دالة على التشبيه فهو ملحدٌ؛ لأن أسماء الله إنما دلت على معانٍ تليق بالله سبحانه وتعالى.
(الثالث: أن يسمي الله بما لم يُسَمِّ به نفسه؛ لأن أسماء الله توقيفية) فإذا أثبت لله اسمًا لم يُسَمِّ به نفسه صار ملحدًا، ما أتى بها على الوجه الواجب.
مثاله (تسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة إياه عِلَّةً فاعلةً) النصارى يسمون الله الأب، منين جابوا الأب؟ ما عندهم دليل، إذن فهم ملحدون؛ حيث خرجوا عما يجب في أسماء الله وصفاته، وأسماء الله توقيفية، ليس لك أن تثبت اسمًا من أسماء الله إلا بنص، العقل لا مدخل له في هذا الباب.
كذلك الفلاسفة ما يقرون بالله عز وجل ولكن يقرون بأن هذا الكون له محدثٌ، ويسمونها العلة الفاعلة؛ يعني الموجبة، هؤلاء يسمون الله بماذا؟ بما لم يُسَمِّ به نفسه، ولايليق به أيضًا سبحانه وتعالى؛ أن يكون عِلَّةً أو أبًا.
(الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام؛ كاشتقاق (اللات) من الإله، و(العزَّى) من العزيز) المشركون ذكر الله لهم ثلاثة أسماء من أصنامهم: اللات، والعُزَّى، ومَنَاة.
(اللات) قيل: إن أصلها اللاتُّ بتشديد التاء، وإنه كان رجلًا يَلِتُّ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وعلى هذا التفسير تدخل معنا ولَّا ما تدخل؟ ما تدخل.
وقيل: إن (اللات) من الإله، بدل ما يقول: الله قال: بنسميه اللات، تغيير بسيط بس، ما قالوا: الله، غيروا تغييرًا بسيطًا وقالوا: اللات، منين؟ من الإله الذي صار إلى الله.
(العُزَّى) أخذوها من العزيز، وأخذوا (مَنَاة) من المنَّان، فاشتقوا من أسماء الله أسماء لأصنامهم ليضفوا عليها شيئًا من العظمة، وأن بينها بين الخالق مناسبة؛ فهذا مأخوذ من (الله)، وهذا مأخوذ من (العزيز)، وهذا مأخوذ من (المنان). هذا إلحاد
قال: (وأما الإلحاد في آياته فيكون في الآيات الشرعية، وهي ما جاءت به الرسل من الأحكام والأخبار، ويكون في الآيات الكونية، وهي ما خلقه الله ويخلقه في السماوات والأرض).
آيات الله تعالى نوعان: كونية وشرعية، فالكونية هذه المخلوقات في السماوات والأرض، والشرعية ما جاءت به الرسل من الأحكام والأخبار.
فالإلحاد في القسم الأول؛ الأخبار والأحكام (فأما الإلحاد في الآيات الشرعية فهو تحريفها، أو تكذيب أخبارها، أو عصيان أحكامها) ثلاثة أمور، التحريف في الآيات الشرعية يكون بواحد من أمور ثلاثة؛ الأول: التحريف، اللفظي ولَّا المعنوي؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: نعم كلاهما؛ لأن تحريفها ميلٌ عما يجب فيها.
(أو تكذيب أخبارها) بأن يقول: هذا ما هو صحيح، أو الشك فيها.
(أو عصيان أحكامها) فالمعصية إلحاد؛ لأن الإنسان خرج بها عما يجب أن يكون عليه من طاعة الله عز وجل.
(وأما الإلحاد في الآيات الكونية فهو نسبتها إلى غير الله، أو اعتقاد شريك أو مُعِين له فيها) (نسبتها إلى غير الله) ويش معناه؟ أنه يقول: اللي خلق السماوات والأرض ما هو الله، اللي خلق الخير ما هو الله، اللي خلق الشر ما هو الله. نقول: هذا مُلْحِد ولَّا لا؟ مُلْحد.
كذلك لو نسب لله شريكًا فيها وقال: اللي خلق السماوات هو الله وجبريل. نقول: هذا أيضًا إلحاد.
(أو معين) بأن قال: نعم، الذي خلق هذه المخلوقات هو الله لكن له من يساعده.
(...) ويش القسمين؟ الإلحاد في الأسماء والإلحاد في الآيات، كلاهما حرام، والدليل قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، فهدَّد هؤلاء بقوله: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَوالتهديد لا يكون إلا على محرَّم، وقال تعالى في الإلحاد في الآيات: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت: ٤٠] هذا يدل على توعدهم بماذا؟ توعدهم بالنار، أن الله توعدهم بالنار، وأنهم لا يأتون آمنين يوم القيامة، اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ومنه ما يكون كفرًا؛ يعني: منه ما يصل إلى حدِّ الكفر حسب الأدلة الشرعية.
فالذي يعتقد أن لله تعالى شريكًا في الخلق، أو أن أحدًا انفرد بالخلق، أو أن لله مُعِينًا فيه؛ فهذا كافر لا شك فيه. والإلحاد في الآيات بعض المعاصي هذا لايكون كفرًا.
المهم أن المسألة تحتاج إلى تفصيل، ويُرْجَع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من الكفر أو الفسوق.

***

الباب الرابع: في بيان صحة مذهب السلف وبطلان القول بتفضيل مذهب الخلف في العلم والحكمة على مذهب السلف
01:31:37

ثم قال: (الباب الرابع: في بيان صحة مذهب السلف).
اعلم أن كلمة (السلف) تعني السلف زمنًا والسلف معتقدًا؛ فإن أريد بالسلف معتقدًا صحَّ أن نقول لمن هم موجودون الآن على مذهب السلف، نقول: إن هؤلاء سلفٌ، وإذا قلنا: إن السلف هم السابقون زمنًا فإنه يختص بالقرون الثلاثة المفضلة: الصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين.
وكل الأمرين قد استعمله أهل العلم؛ فتارة يريدون بالسلف من كان على طريقة السلف وإن كان متأخرًا زمنًا، وتارة يريدون بالسلف القرون الثلاثة المفضلة، ولهذا تجده مثلًا يقول.. إذا قال: وهذا ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها، ماذا يريدون بالسلف هنا؟ القرون الثلاثة المفضلة، ولهذا قال: وأئمتها، فأخرجهم عن السلف، وهذا يعني السلف زمنًا.
وتارة يقولون: هذا مذهب السلف وهذا مذهب الخَلَف ويريدون به السلف معتقدًا لا زمانًا.
وهنا ما المراد (صحة مذهب السلف)؟ معتقدًا.
(وبطلان القول بتفضيل مذهب الخلف في العلم والحكمة على مذهب السلف) وهل أحد قال بذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أن مذهب الخلف أفضل في العلم والحكمة؟ نعم، قالوه..