سبق القول في بيان طريقة السلف، وذكر الدليل على وجوب الأخذ بها، أما هنا فإننا
نريد أن نبرهن على أن مذهب السلف هو المذهب الصحيح، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن
مذهب السلف دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه الكتاب والسنة فهو الصحيح لا شك،
وما لم يدل عليه الكتاب والسنة فإنه ليس بصحيح.
فإذا قال قائل: كلٌّ يدَّعي
وصلًا لليلى؛ السلف يقولون: نحن على الكتاب والسنة، والخلف أيضًا يقولون: نحن على
الكتاب والسنة، ولهذا يدَّعون لأنفسهم أنهم من أهل السنة، فكلٌّ يدعي وصلًا لليلى،
فما هو الحكم؟
قال المؤلف: (فإن من تتبع طريقتهم بعلم وعدْل) كلمتان
عظيمتان من تتبعها بعلم وعدل احترازًا ممن تتبعها بجهل، الجاهل لا يُقبل حُكمه؛
لأنه ليس بعالم حتى يُقبل حكمه في الناس. (وعدل) لأن بعض الناس عنده علم
ويدري أن مذهب السلف هو الصحيح لكن عنده جور وظلم، ما يُقر به، ما يقر بالحق، لا
يمكن لمن أراد أن يحكم إلا أن يكون عنده علم، ويش بعد؟ وعدل، فأما مع عدم العلم
فكيف يحكم؟! ومع عدم العدل لا يؤمن في حكمه، قد يحكم بالباطل لكونه ليس بعدل.
لكن من تتبع طريقة السلف بعلم وقارنها بالكتاب والسنة، وبعدل بحيث ما يكون عنده
هوى أو جور، يقول: من تتبعها بذلك وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة
وتفصيلًا، جملة وتفصيلًا ولا بد، يعني لا بد من ذلك، لا بد من أن تكون مطابقة
للكتاب والسنة جملة وتفصيلًا، لماذا؟ لأن الله تعالى أنزل الكتاب ليدبَّر الناس
آياته، ويعملون بها إن كانت أحكامًا، ويصدِّقون بها إن كانت أخبارًا، الجملة هذه
صحيحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
ويش الدليل على صحتها؟ قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، هذا التدبر، وبالتدبر
يكون العلم. وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩] هذا العمل به إن كان أحكامًا، والتصديق به إن كان أخبارًا، هذا هو الذي نزل من
أجله القرآن، إذن فالقرآن له معانٍ؟
طالب: لا.
الشيخ: ويمكن الوصول إليها ولَّا ما يمكن؟ يمكن الوصول إليه،
وإلا لما كان فائدة من التدبر.
يقول: (ولا ريب أن أقرب الناس إلى فهمها
وتصديقها والعمل بها هم السلف)، حق هذا ولَّا لا؟
طالب: حق.
الشيخ: يعني هل الأولى؟ هل
أقرب الناس إلى فهمها وتصديقها والعمل بها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن
مسعود، وابن عباس، ومعاذ بن جبل وأشباههم، أو الأقرب ابن أبي دؤاد وأمثالهم ممن
جاؤوا بعد ذلك؟ أيهما أقرب؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأقرب الأول، بل نقول:
| أَلَمْ تَرَ أَنَّ الــسَّيْــفَ يَنْقُــــصُ قَـــــدْرُهُ | إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْـفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا |
ولا ريب أن السلف، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم أقرب إلى فهمها، وإلى تصديقها والعمل بها، ولا أحد يعارض في ذلك إلا مكابر.
يقول: لماذا هم أقرب؟ لأنها جاءت بلغتهم، صح؟
طالب: صح.
الشيخ: والثاني في عصرهم، يعرفون الأسباب والملابسات والأحوال التي تُعين على الفهم، وفيه أيضًا (...) أمر لو زدناه لكان أحسن؛ ولأنهم أقوى الناس إيمانًا بلا شك ولَّا لا؟
فهم جاءت بلغتهم قبل أن تتغير اللغات، وجاءت في عصرهم يعلمون الأحوال والملابسات التي تُوجِب فهم الآيات، والثالث عندهم من الإيمان والانقياد التام ما ليس.
طلبة: عند غيرهم.
الشيخ: عند غيرهم، فلذلك لا شك أن مذهبهم يكون هو الصواب، فلا جرم أن يكونوا أعلم الناس بها فقهًا، وأقومهم عملًا، وأظن هذا مُسلَّم، وهذا الدليل دليلٌ شرعي حسي على أن السلف هم أعلم الناس بماذا؟ بأسماء الله وصفاته، وأقواهم إيمانًا بها.
أما الوجه الثاني فهو عقلي، الثاني: أن يقال: إما أن يقال: إن الحق في هذا الباب -أي في باب الأسماء والصفات- إما أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله الخلف أو لا؟
نقول: الآن عندنا مذهبان: مذهب الخلف، وهو التأويل والتحريف، ومذهب السلف، وهو الإيمان بها على ظاهرها؛ فعندنا الآن طريقتان: الحق إما أن يكون فيما قاله السلف، وإما أن يكون فيما قاله الخلف، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، أنا ما أحب أن تقولوا: بلى على طول؛ لأنه قد يقول قائل منكم: أو فيما لم يقُلْه هؤلاء ولا هؤلاء؛ لأن القسمة العقلية ما تقتضي انحصار الحق في هذا وهذا فقط، قد يكون في قول ثالث غير قول السلف وغير قول الخلف، ربما يقول هذا قائل.
لكن الجواب عليه أن نقول: ليس هناك قول ثالث، الواقع أنه ما فيه قول ثالث، وأن المفارقة الآن بين طريقة السلف والخلف فقط؛ يعني بالإجماع أن ما هناك طريق ثالث لا سلفي ولا خلفي، والكلام إحنا بنتكلم مع الذين قدَّروا طريقة الخلف وقالوا: إنها أعلم وأحكم.
فنقول لهما الآن: الحق إما أن يكون فيما قال السلف أو فيما قال الخلف.
لو قال قائل: أو في قول ثالث غير القولين، ويش نقول؟
طلبة: نقول: هاته.
الشيخ: نقول: هاته، ما فيه قول ثالث؛ لأن الواقع أن المسألة منحصرة؛ إما في مذهب السلف، وإما في مذهب الخلف.
طالب: ما يمكن أن يكون فيه قول ثالث.
الشيخ: إي، ما يمكن، ما كان.
طالب: ولا يمكن؛ لأن إحنا إذا ذكرنا الثالث يكون من الخلف.
الشيخ: لا، نعم، لكن قد يكون مثلًا موقف السلف التأويل، ويجي واحد يقول: لا أؤول، ولا آخذ بالظاهر، الحين يقول: هذا ما أحد وجد بهذا، كلهم إما أن يقولوا بهذا أو بهذا، ما فيه إلا مذهب سلف أو مذهب خلف على كل حال.
الثاني باطل، ويش هو الثاني؟
طلبة: الخلف.
الشيخ: أن يكون الحق فيما قاله الخلف لا فيما قاله السلف، لماذا يكون باطلًا؟ لأنه يلزم عليه أن يكون الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار قد تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة بالحق الذي يجب اعتقاده لا تصريحًا ولا ظاهرًا.
صح، مذهب السلف دل عليه الكتاب والسنة، إذا قلنا: إن الحق فيما قاله الخلف لزم أن يكون القرآن والسنة وكلام السلف كلها ما تكلمت بالحق الذي يجب اعتقاده، إذا قلنا: إن الحق الذي يجب اعتقاده ما كان عليه الخلف وهو ما هو موجود لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام الصحابة ويش يلزم؟ يلزم أنهم ما تكلموا بالحق لا القرآن، ولا السنة، ولا الصحابة.
وإذا كانوا لم يتكلموا بالحق، وقد تكلموا بالباطل؛ لأنه ماذا بعد الحق إلا الضلال؟ إذا لم يتكلموا بالحق فقد تكلموا بالباطل، فيكون القرآن والسنة وكلام الصحابة مملوءًا بالباطل خاليًا من الحق، هل أحد يمكن أن تستقر له قدم على هذا اللازم؟ فيقول: نعم، أنا ألتزم أن القرآن والسنة وكلام الصحابة كله مملوء بالباطل خالٍ من الحق، أحد يستقر على هذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما أحد يستقر، ولذلك لو أن أحدًا استقر قوله على هذا لكان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين، وترك الناس بلا كتاب، ولا سُنَّة خير لهم وأقوم، وهذا ظاهر البطلان، أنتم فاهمون الصورة هذه زين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول لمن قال: إن مذهب الخلف أعلم وأحكم، تعالَ، هذا مذهب السلف، وهذا مذهب الخلف، الحق لا يخرج عنهما، إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله الخلف، إحنا بنتنزل معه، إن قلت: إنه فيما قاله الخلف ويش يلزم على قولك؟
أن يكون الكتاب والسنة، وكلام الصحابة، وأئمة الأمة كله باطل؛ لأنك ترى أن الحق فيما سواهم، وأنهم لم يتكلموا مرة واحدة بالحق الذي يجب اعتقاده، أليس كذلك؟ إذن فما قيمة الكتاب والسنة الآن؟
طالب: لا قيمة.
الشيخ: ما هو لا قيمة لهم.
طالب: ضرر.
الشيخ: قيمتهما ضرر على الأمة؛ لأنه حصل بهما إثبات الباطل والخلو من الحق، فأصبح وجود الكتاب والسنة ضررًا في أصل الدين الذي هو توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته، كذا؟ وأن ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أحسن ما دام أنهم كلهم يثبتون الباطل، ولا يقولون بالحق، فكون (...) منها أسلم، ولا أظن مؤمنًا بالله واليوم الآخر يستقر قدمه على هذا الأمر أبدًا، نعم، لو أن أحدًا قال بهذا اللازم لأعلن على نفسه بالكفر، وهذا أمرٌ واضح.
يقول العلماء: بُطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، وإذا تبين لنا أن هذا اللازم باطلٌ علمنا يقينًا أن الملزوم وهو كون مذهب الخلف أعلم وأحكم باطل بكل حال.
طيب هذان وجهان: الوجه الأول: دليل حسي شرعي، والوجه الثاني: دليلٌ عقليٌ نظري، ما أحد يقدر يتخلص منه أبدًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: أنا لا أنكر الماء ولا النار، أنا أقول: الماء حق، والنار حق، لكن أبغي أجمع بينهما، ويش رأيك؟
طالب: الرأي الراجح..
الشيخ: ما يمكن، كيف تجمع بين قولين، أحدهما يقول: إذا قلت: إن لله يدًا حقيقية فأنت كافر، هذا التأويل يقولون اللي ينسب لله يدًا حقيقية كافر؛ لأنه مُجسِّم، مُمثِّل، مُكذِّب لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] (...).
هذا لا يمكن أن يكون إلا كما قال بعضهم: ينبغي أن نوفَّق بين الشيوعية والمذهب الاقتصادي الإسلامي، وذهب يَقْرِن بينهما، حتى إني أنا رأيت كلام البعض منهم -والعياذ بالله- يقول: إن طريقة الإسلام الاقتصادية هي طريقة الماركسية الشيوعية، لا فرْق بينهما، ويروح يحلل ويعلل بعلل علة عليه، فلا يمكن يا أخي أبدًا أن يجتمع حق وباطل إطلاقًا، بل إن الحق عدو للباطل بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ [الأنبياء: ١٨] فيُقَبِّله.
طلبة: فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: ١٨].
الشيخ: يُقَبِّلُ وسامه ولَّا لا؟
الطلبة: فَيَدْمَغُهُ.
الشيخ: فَيَدْمَغُهُ، ضرب على الدماغ، وبعدين إلى دماغه يتلوَّى وربما يُشْفَى؟ لا فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء: ١٨]، وليس بعد ميت، زاهق على طول وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].
إذن لا يمكن أن يجتمع حق وباطل يا جماعة، لا يلبس عليكم، لا يمكن أبدًا أن يجتمع حق وباطل، الحق حق والباطل باطل، وكلاهما ضدان عدوان، كل منهما يحب أن يقضي على الآخر ولكن الغلبة مع مَنْ؟
طلبة: الحق.
الشيخ: مع الحق، يقذف به من هو على كل شيء قدير، القوي المتين جل وعلا، يقذف بالحق على الباطل قذفًا فإذا هو؟
طلبة: زاهق.
الشيخ: فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء: ١٨] ما أحسن من الضرب على الدماغ. فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌإذا الفجائية ما يبغي ولا لحظة حتى يزهق ويذهب، فإذن ما يمكن، لا تفكر، هؤلاء الذين يقولون مثل هذا القول يريدون أن نداهنهم وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، أو على الأقل يعني يريدون منا أحد أمرين: إما أن نوافقهم، أو نداهنهم، وكلاهما لا يمكن، ما يمكن أبدًا أن نداهن في الحق.
الواجب على المؤمن أن يقول الحق، ويقول لمن خالفه: أنتم مخطئون، مهما كنت، ادخل في الحق وعلى العين والرأس وأنت أخونا وصاحبنا، ومع ذلك أيضًا فإن بدعتك إذا لم تخرجك من الإيمان فأنت أخونا، لكن نقول: أنت أخٌ خالفت الحق في هذا الأمر.
طالب: شيخ، عبارتهم في البداية إنه مذهب السلف مثلًا، ولكن هم ما هم مسلمين؟
الشيخ: خلينا نسمعها، هناك كتاب الآن.
(هذا وقد قال بعض الأغبياء) كلمة جيدة (بعض الأغبياء) وترى هذا التعبير من تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية، الكتاب هذا مختصر أو ملخص للفتوى، (بعض الأغبياء) والغبي ويش هو الغبي؟
طلبة: (...).
الشيخ: اللي ما يعرف غبي، فهو فعيل إما بمعنى مفعول مُغبًّى عنه الأمر، وإما بمعنى أنه غابٍ خافٍ عن الأمور، ما يعرف الأمور.
(قال بعض الأغبياء: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم) شوف الفارق، إذا قرأت قلت: والله هذه عبارة محكمة جيدة (طريقة السلف أسلم) الحمد لله على السلامة، لكن تيجي (طريقة الخلف أعلم وأحكم) مشكلة؛ معناها أن طريقة السلف فيها جهلٌ وسفه، جهلٌ ضد العلم، وسفهٌ ضد الحكمة.
ويش منشأ هذا القول؟ يعني لا بد أن هذا القول له منشؤه، ما السبب الذي حملهم على أن يقولوا هذه الكلمة الجائرة الكاذبة؟ منشؤه أمران:
أحدهما: (اعتقاد قائله أن الله ليس له -ترى فيه جملة معترضة خلها- في نفس الأمر صفة حقيقية دلت عليها هذه النصوص).
طالب: ما هي عندي.
الشيخ: ويش اللي عندك؟
الطالب: (اعتقاد قائله -بسبب ما عنده من الشبهات الفاسدة- أن الله تعالى ليس له في نفس الأمر).
الشيخ: إي، أنا قلت لكم: اتركوا الجملة المعترضة بنعود عليها.
السبب أن قائل هذا القول يعتقد أن الله ما له صفة حقيقية دلت عليها النصوص، يعتقد أن الله ما له يد حقيقية، أن الله لم يستوِ حقيقةً على العرش، أن الله ليس له وجه حقيقي، أن الله ليس له عين حقيقية، وما أشبه ذلك، هو يعتقد هذا، السبب أنه يعتقد هذا، نقول: بسبب ما عنده من الشبهات الفاسدة، أظن واضح إن شاء الله الأمر؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا الذي قال: إن طريقة الخلف أعلم وأحكم، ليش قال ها الكلام؟ قال: لأني أعتقد أن الله ليس له صفة حقيقية دلت عليها النصوص، أعتقد أن الله لم يستوِ حقيقة على العرش، أعتقد أن الله ليس له يدٌ حقيقية، أعتقد أن الله ليس له عين حقيقية، أعتقد أن الله ليس له وجه حقيقي، وهكذا، ويعتقد هذا الاعتقاد، هذا الاعتقاد صحيح ولَّا باطل؟
الطلبة: باطل.
الشيخ: باطل، لماذا اعتقد هذا الاعتقاد؟ لأنه عنده شبهة فاسدة، يقول: إني إذا أثبت هذه الأمور كنت مُجسِّمًا ممثِّلًا، إذن فأنفي هذه الأمور؛ لأن التجسيم والتمثيل باطل، واللازم الباطل يدل على بطلان الملزوم، فلا أقر بذلك، عرفتم الآن السبب الأول؟
طالب: نعم.
الشيخ: المنشأ الثاني: اعتقاده أن طريقة السلف هي الإيمان بمجرد ألفاظ نصوص الصفات من غير إثبات معنى لها.
ترى هذا اللي يفهمه كثير من أهل التأويل يفهمون أن مذهب السلف الإيمان بمجرد الألفاظ بدون إثبات معنى، يقول: إن مذهب السلف يقول: أنا أومن بأن لله يدًا، ويش معنى اليد؟ ما أقول شيئًا، أقرأ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] وبس، وأومن بأن الله استوى على العرش، ويش معنى استوى؟ ما أعرف ما أدري ويش معنى استوى، يظنون هذا مذهب السلف، هل هذا صحيح؟
طلبة: لا.
الشيخ: لو كان هذا مذهب السلف لوافقناهم على أن مذهب الخلف أعلم وأحكم؛ لأن مذهب الخلف يقول: أنا أدري ويش معنى اليد، معناها النعمة والقوة، وأدري ويش معنى استوى على العرش، معناها استولى عليه، وأدري ويش معنى وجه ربك، أي ثوابه، وهكذا، واللي يدري عن المعنى أو اللي ما يدري عن المعنى أيهما أعلم؟
طلبة: اللي يدري.
الشيخ: اللي يدري أعلم وأحكم؛ أعلم؛ لأنه أثبت المعنى، وأحكم؛ لأنه رأى أنه ما يمكن أن الله يخاطبنا بألفاظ ما لها معنى، المخاطبة بألفاظ ما لها معنى ويش يُعتبر سفه ولَّا حكمة؟
طلبة: سفه.
الشيخ: سفه، فلهذا يقول: مذهب الخلف أعلم وأحكم، شوف هذا الاعتقاد الباطل لمذهب السلف، ما هو هذا مذهب السلف، واحد قام يخاطب عند الناس، ثم صعد المنبر فقال: ألف، با، تا، ثا، جيم، حاء، خاء، دال، ذال، راء، زاي، والسلام عليكم، ويش نقول في ها الخطبة دي؟ مؤثرة!!
طيب هذه ما لها معنى، هم يقولون: إن الكلام في أسماء الله وصفاته عند أهل السنة عند السلف مثل هذا -مثل ألف با تا ثا- ما لها معنى، لا يمكن أن يتكلم السلف في معناها إطلاقًا، هذا رأيهم في السلف، فإذا كانوا لا يعتقدون لله صفة حقيقية حتى يؤمنوا بها هم، ولا يعتقدون أن السلف يُثبتون معنى، ويش بقيت طريقة الخلف؟ أعلم وأحكم؛ لأنهم أثبتوا معاني ولم يثبتوا الحقائق التي يقول عنها هؤلاء إنها باطلة، ولهذا عندنا الآن.
طلبة: (...).
الشيخ: نشوف الآن، بيجي كلام المؤلف، يقول: إنه أسلم؛ لأنك إذا سألت إنسانًا عن شيء ما يدري عنه؟ قال: ما أدري، يسلم ولَّا ما يسلم؟ يسلم، هم يقولون: ما يدرون ويش معنى آيات الصفات، فإذا قال: والله (...) سلموا، ولكنه سنبين أن هذا خطأ.
طالب: شيخ، إذا قالوا: إنكم اتهمتمونا بمعنى لم نرده؛ لأن قولنا: أسلم يجمع بين العلم والحكمة.
الشيخ: بيجينا الآن. يقول فيبقى الأمر -بناءً على هذين المنشأين- وأظن أنكم -إن شاء الله- فهمتوهم زين، صار منشأ القول بتفضيل طريقة الخلف على طريقة السلف في العلم والحكمة، ويش منشؤه؟ أمران:
الأمر الأول: أن الخلف يعتقدون أن الله ليس له صفة حقيقية.
والأمر الثاني: يعتقدون -أي الخلف- أن السلف لا يُثبتون معاني لنصوص الصفات، وإنما يؤمنون بمجرد اللفظ فقط، أما معنى مؤول أو على وجه الحقيقة ما يعتقدونه.
يبقى الأمر دائرًا بين أن نؤمن بألفاظ جوفاء لا معنى لها -وهذه طريقة السلف على زعمه- وبين أن نثبت للنصوص معاني تخالف ظاهرها الدال على إثبات الصفات لله، وهذه هي طريقة الخلف، ولا ريب أن إثبات معاني النصوص أبلغ في العلم والحكمة من إثبات ألفاظ جوفاء ليس لها معنى، ومن ثم فَضَّلَ هذا الغبي طريقة الخلف في العلم والحكمة على طريقة السلف.
يكفينا على الصفحة هذه، وأرجو أنكم تضبطونها تمامًا، وأن تحرصوا على هذه الأمور؛ لأننا في زمن نخشى على أنفسنا من كثرة أهل التأويل فيما بيننا الآن، أهل التأويل فيما بيننا الآن كثروا وصاروا يُلبِّسون، وصاروا يؤلِّفون بما يسمونه بالثقافة الإسلامية، فإذا أتوا على مسألة الصفات قرروا تقريرًا تامًّا مذهب أهل التأويل.
في مدارسنا الآن بعض المعاهد التابعة لجامعة الإمام تقرر هذا المتن، والطالب اللي ما قرأ مذهب السلف قراءة جيدة من قبل ماذا يقول؟ يلتبس عليه الأمر، فيقف إما حيران ما يدري إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء، أو يقول: ما علينا منكم لا أنتم ولا مجادلاتكم، ما إحنا (...) نبغي نقرأ قرآن (...)، أو أن يقر بما قاله هؤلاء وقرروه من التأويل الذي هو في الحقيقة تحريف.
ولهذا أنا أحب منكم -طلبة العلم- أن تحرصوا على هذا الأمر وتولوه عناية، ولا تقولوا: هذا أمر انقضى، صحيح أننا في هذه البلاد قبل عشرات السنوات عندنا هذا الأمر لا يوجد، ولا نسمع به، ولا نعرفه إلا في بطون الكتب، أما الآن فأصبحنا نعرفه في بطون فصول المدارس؛ فلذلك يجب علينا أن نعتني بهذا الأمر حتى ندركه وندرك مآخذ أولئك الذين حرَّفوا نصوص كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام عن معانيها اللائقة بالله، والله الموفق.
(...) تدل على غباوته وهي: طريقة السلف أسْلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وأن منشأ هذا القول أمران:
الأمر الأول: اعتقاده أنه ليس لله صفة تدل عليها النصوص، ثم اعتقاده أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ بدون إثبات معنى لها.
لما اعتقد هذا أن الله ليس له صفة حقيقية دلَّت عليها النصوص، وأن مذهب السلف مجرد الإيمان بالألفاظ، رأى أن طريقة الخلف أعلم وأحكم، وإحنا مثَّلنا لكم بمثال: قلنا: مثل اليد أثبتها الله لنفسه وهو يعتقد هذا الغبي أن الله ليس له يدٌ حقيقية، وأن مذهب السلف الإيمان باللفظ بدون إثبات معنى، بس يقرؤون: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، ولا يدرون ويش معناها، الخلف يقولون: إننا نقول: معنى اليدين القدرة، الآن أثبتوا للنصوص معنى، ولم يثبتوا يدًا حقيقية؛ لأنهم يعتقدون أن ذلك مستحيل على الله لاستلزامه التشبيه عندهم.
ولا شك أن من أثبت للنصوص معنى ولو كان مؤوَّلًا خيرٌ ممن لم يثبت معنى، فإنك إذا قلت لشخصٍ ما: ما معنى ذلك؟ فقال: كذا وكذا للقرينة، وقلت لشخص آخر: ما معناه؟ قال: ما أدري، أيهما أعلم؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول أعلم وأحكم، أعلم؛ لأنه أثبت معنى، وأحكم لأنه قال: إنه ما يمكن أن تأتي هذه الألفاظ من الرب عز وجل بدون معنى أبدًا.
ولكننا نقول: إن قول هذا الغبي يتضمن حقًّا وباطلًا؛ أما الحق فقوله: إن طريقة السلف أصلح، نحن نوافقه على هذا، ونقول: صدقت وبرِرْت أن طريقة السلف أسلم، لكن قولك: إن طريقة الخلف أعلم وأحكم كذبت في هذا، فليست طريقة الخلف أعلم وأحكم، توافقوني على هذا ولَّا لا؟
توافقون أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف ليست أعلم ولا أحكم، أما كونها ليست أسلم فهو قد أقر به، هو نفسه يقول: يقول ما هي بأسلم، الأسلم طريقة السلف، لكن ادعى أن طريقة الخلف أعلم وأحكم، ونحن نقول: هذه الدعوى باطلة ولا نصدقك بها، واضح يا جماعة؟ طيب ماذا يعني البطلان؟
إذا قال قائل: أنتم ادعيتم أن قول هذا الرجل إن طريقة الخلف أعلم وأحكم، ادعيتم أنها باطلة، أعطونا دليلًا على البطلان وإلا فهي حق ليست باطلة.
الدليل: أولًا: أنه يُناقِض قوله: إن طريقة السلف أسلم، ويش اللي يناقض قوله؟ إن طريقة الخلف أعلم وأحكم تناقض إن طريقة السلف أسلم تناقضه، ومعلوم أن الكلام المتناقض باطل، ما وجه المناقضة؟
قال: فإن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم، متى أقررتَ بأن طريقة السلف أسلم فإن هذا مضمونه أنها أعلم وأحكم، ويش وجه ذلك؟ قال: إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب، وهذا صحيح، ما يمكن أحد يسلم إلا بعلم وبحكمة أيضًا، بعلم بأسباب السلامة، وبحكمة باتباع سلوكها.
لو أن رجلًا سقط في ماءٍ يُغرقه هل يسلم منه ولَّا ما يسلم؟ ما يسلم إلا بأمرين: أن يكون عنده علمٌ بالسباحة، والثاني: أن يتصرف بمقتضى هذا العلم، أليس كذلك؟
هذا عندنا ثلاثة رجال: رجل سقط في ماء يُغرقه ولكنه غير متعلم، وقام يخبط ويلبط لعله ينجو ولكن غرق، ليش؟
طالب: لأنه جاهل.
الشيخ: لأنه جاهل، ما عنده علم بالأسباب أسباب السلامة، والثاني سقط في ماء يغرقه وهو متعلم لكنه ما استعمل علمه، ركب على الماء ولا تحرك أبدًا، ويش مآله؟
طلبة: يغرق.
الشيخ: يغرق، مآله أن يغرق.
والرجل الثالث سقط في ماء يغرقه وهو متعلم فتحرك حسب علمه، ينجو ولَّا لا؟ ينجو ويسلم حتى سلم ونجا، إذن لا يمكن أن يوجد سلامة إلا بعلم وحكمة؛ علم بأسباب السلامة، وحكمة بسلوك تلك الأسباب، فما دمت قلت: إن طريقة السلف أسلم فإن هذا مضمونه إقرارك بأنها أعلم وأحكم؛ إذ لا سلامة إلا بعلم وحكمة، جيد هذا ولَّا لا؟
ترى هذا الكلام الذي قاله شيخ الإسلام هذا موجود في بطون الكتب، حتى مثلًا عند النووي رحمه الله، وعند كثير من العلماء الذين يتكلمون على مذهب الأشاعرة يقولون هذه العبارة، يقولون: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
ثانيًا: أن اعتقاده أنه ليس لله صفة حقيقية دلت عليها هذه النصوص اعتقاد باطل، ما هو قلنا: إحنا تو منشؤه منشأ قوله أيش؟ ويش منشأ قول هذا القائل؟
في الدرس الماضي اعتقاده أنه ليس لله صفة دلت عليها هذه النصوص، وهو يقول: ليس لله استواء حقيقي، ولا يد حقيقية، ولا عين حقيقية، ولا وجه حقيقي، وهكذا، فنقول: هذا الاعتقاد باطل، لماذا؟
لأنه مبني على شبهات فاسدة -وسيأتي إن شاء الله بيانه في الباب العشرين- من جملة ما يقولون، يقولون: إن هذه الصفات لو ثبتت حقيقة للزم أن يكون الله مشابهًا للخلق، والتشبيه ممتنع، فتكون هذه الصفات ممتنِعة؛ ولهذا أنكروا اليد، قالوا: لو كان لله يد لكانت جارحة، ولكان جسمًا، ولكان مشابهًا للمخلوق، وكل هذا باطل كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.
ولأن الله تعالى قد ثبت له صفات الكمال عقلًا وفطرةً وشرعًا، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: الله عز وجل ثبتت له صفات الكمال بالعقل والفطرة والشرع، ثلاثة أدلة، كل واحد من جنس.
(فأما دلالة العقل على ثبوت صفات الكمال لله، فوجهه أن يُقال: إن كل موجود في الخارج فلا بد أن يكون له صفة: إما صفة كمال، وإما صفة نقص).
أولًا: (كل موجود في الخارج)، كلمة (في الخارج) هذه احترازًا من الموجود في الذهن؛ لأن الأذهان تفرض أشياء ما يمكن وجودها في العيان، فقولنا: (في الخارج) احترازًا مما يوجد في الذهن، أنت الآن في ذهنك ربما تقدر أشياء مستحيلة في الخارج، قد تُقدِّر أن جمرة تلتهب في وسط ماءٍ في ذهنك، ما يفرض الذهن هذا؟
طالب: يفرض.
الشيخ: يفرض هذا، يفرض أن جمرة تلتهب في وسط ماء ولَّا لا؟ الذهن يفرض أن امرأة تحمل بولد يكون في جوف رأسها ولا ما يفرض؟ يفرض، لكن هل له وجود في الخارج؟ ما له وجود في الخارج، الذهن يفرض وجود المتناقضين جميعًا ولكن لا وجود له في الخارج، فلهذا انتبه لكلمة إذا مر عليكم في كلام ابن تيمية أو غيره كلمة (في الخارج) احترازًا من الذهن، فإن الأذهان تفرض ما لا يكون في الأعيان، وهذا أمر مشاهَد.
هل يمكن أن تفرض شيئًا موجودًا ما له صفة ولَّا ما يمكن؟ فرضًا في ذهنك؟
في ذهنك يمكن، يمكن تتصور أنه وُجد شيء لكن ما له صفة لا هو طويل، ولا قصير، ولا أبيض، ولا أسود، ولا غليظ، ولا خفيف، ولا شيء، يمكن تفرض هذا، لكنه في الخارج ما يمكن، كل موجود في الخارج لا بد أن يكون له صفة.
طالب: (...)؟
الشيخ: يفرض كل شيء، الذهن يفرض كل شيء، الآن مثلًا نجيب المثال الأول اللي مثلنا به وهو واضح، لو وضعت جمرة في ماء ويش تكون؟ تطفأ؟ ذهنك ما يفرض أنه يوجد جمرة تتلهب في ماءٍ ولا تطفأ، الآن أنت ما يمكن يفرض ذهنك أن فيه سيارة رجت على الهواء؟
طالب: سيارة.
الشيخ: سيارة، سيارة اللي معك الآن، شغلتها (...) على طول تمشي على الهواء؟
طالب: (...).
الشيخ: المهم تفرض هذا ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: فرضًا فرضًا يعني، أنت ما تتخيل، أنتم الآن ما تتخيلون أن فيه الآن ألف سيارة فوقنا.
طالب: نستطيع.
الشيخ: يمكن، لكن في الخارج ما فوقنا شيء إلا سقف المسجد، يتصور الإنسان أنه يوجد واحد يمشي على رأسه من هذا إلى مكة تخيُّل ولَّا لا؟ لا، أنت ذلك فهمت أن الواقع شيء والفرض شيء آخر.
طالب: (...).
الشيخ: لا يمكنه، يمكن أن يتخيل.
قال الله عز وجل: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] هل تتخيل ذلك ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يمكن، كيف (...) عن شيء ما؟
طالب: (...).
الشيخ: بيان؛ لأنه ممتنع.
الشيخ: لكن فرضًا يمكن ولَّا ما يمكن؟ فرضًا لكن على سبيل الفرض ممكن، لو كان ذلك لفسدتا، فتبين الآن لو صورنا شيئًا محال أنه يوجد في الخارج، لكن الذهن قد يتصور أن هناك إلهين، ذِهنًا لكن واقعًا ما يمكن، فيجب أن نعرف أن الذهن يفرض أشياء لا يمكن أن توجد في الخارج، ولو معناه أنه ما يفرض إلا الواقع، لا، يفرض شيئًا ما يمكن يوجد أبدًا.
طالب: الأمي يتخيل نفسه أنه عالم وقد يكون أميًّا (...) فيتخيل أو يتخيل أنه طيار.
الشيخ: المهم أن هذا شيء.
الطالب: خيالات واسعة.
الشيخ: المهم أن التخيل، أنك تتخيل شيئًا موجودًا ما له صفة، يمكن أن تتخيل هذا، لكن هل يوجد شيء أمامك في الخارج ما له صفة؟ كل شيء موجود لا بد له من صفة، لو لم يكن من صفته إلا أنه موجود لكان كافيًا.
فنقول الآن: هل الخالق موجود ولَّا غير موجود؟ نقول للذين ينكرون الصفات: أولًا نسألكم: هل الرب موجود ولَّا لا؟ فسيقولون: موجود، لو أنكروا وجود الرب كفروا، نقول: إذا كان موجودًا فكل موجود فلا بد أن يكون متصفًا بصفة، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقدرون يقولون: لا؟ ما يقدرون؛ لأنهم لو قالوا: لا، قلنا: أول ما يدمغ رؤوسكم صفة الوجود، وأنتم الآن تقولون: إنه موجود، فمعنى موجود؛ متصف بصفة الوجود، فلا بد لكل موجود من صفة، أليس كذلك؟
قد يكون جسمًا وقد يكون غير جسم، صح ولَّا لا؟ السواد والبياض والطول والقِصر موجود، وهو جسم ولَّا غير جسم؟ غير جسم، وقد يكون جسمًا ثخينًا أو جسمًا رقيقًا، صح ولَّا لا؟ حديد جسم ثخين، الزبد؟
طالب: رقيق.
الشيخ: رقيق، فإذن كل موجود لا بد له من صفة، فإذا كان كذلك يقول: (فلا بد أن يكون له صفة، إما صفة كمال، وإما صفة نقص) الرب موجود فلا بد له من إيه؟ من صفة، إما صفة كمال وإما صفة نقص، والثاني ما هو؟ صفة النقص، باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة، نعم، الثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة وهو الله عز وجل، والرب من أسماء الله ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الرب من أسماء الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبّ» . وهو في صحيح مسلم: «عَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ». فإذن نقول: النقص بالنسبة إلى الله ممتنع، لا يمكن؛ ولذلك استدل الله تعالى على بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بصفات النقص والعجز بكونها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر ولا تخلق، ولا تنصر، أليس كذلك؟ لكونها عاجزة ناقصة الصفات صارت غير مستحِقة للعبادة، فإذا بطل الثاني، ويش هو الثاني؟
طلبة: النقص.
الشيخ: النقص، تعين الأول، وهو ثبوت صفات الكمال لله، أظن هذا دليل عقلي -يا إخواني- واضح، صار دلالة العقل على ثبوت صفات الكمال لله واضحة، نقول: مثل هذه نأتي بصفة الكلام، هم ينكرون أن الله يتكلم، نقول لهم: هل صفة الكلام كمال ولا نقص؟
طلبة: كمال.
الشيخ: كمال لا شك فيه، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم سواء كان بأصل الخِلقة، أو بسبب عاهة أصابته، فإن من يتكلم أفضل ممن لا يتكلم وأكمل؛ ولهذا كان الإنسان إنسانًا والبهيمة بهيمة ما تتكلم، أمْرها مبهم، تأتي إلى الشاة مثلًا تقضي ما تدري هي تبغي ماء، ولا تبغي طعامًا، ولا محترة، ولا بردانة، ولا فيها ألم في بطنها، ولَّا في رأسها، أليس كذلك؟ لكن تأتي للإنسان إذا جاع يقول: أعطني طعامًا، يُبَيِّن، إذا عطش يقول: أعطني ماءً، إذا أوجعوا بطنه يقول: بطني يوجع، وهكذا.
فالحاصل أننا نقول: إذا كان الرب عز وجل موجودًا بإقراركم فإما أن يكون متصفًا بصفات الكمال، وإما أن يكون متصفًا بصفات النقص، والثاني؟
طلبة: مستحيل باطل.
الشيخ: الثاني باطل، فلزم أن يكون متصفًا بماذا؟ بصفات الكمال، وكل ما أثبته الله عز وجل لنفسه فهو صفة كمال، ويش الدليل؟ قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] الْمَثَلُقال العلماء الوصف، الْأَعْلَىالأكمل.
ثانيًا: نقول: ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهَدة أن للمخلوق صفات كمال، أو ما للمخلوق صفات كمال؟ له صفات كمال، له عِلْم، وقُدرة، وسَمع، وبصر، وحياة، وقوة، وعزة، وحكمة إلى آخره، أليس كذلك؟ كل هذا للمخلوق وهي صفة كمال، ومن الذي أعطاه هذا الكمال؟
طلبة: الله.
الشيخ: الله، فمُعطي الكمال أولى بالكمال، مُعْطِي الكمال أوْلى بالكمال، هل يمكن أن يكون الناقص يعطي غيره شيئًا كاملًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن؟ أبدًا نعم، العاجز قال: والله أنا عاجز أبغي أعطي غيري قدرة، شو تقولون؟
طلبة: أعطِ نفسك.
الشيخ: يمكن؟ ما يمكن، ما عندك قدرة حتى تعطي غيرك القدرة، الإنسان الفقير قال: أنا بأعطي غيري مالًا يشري به بيتًا علشان يكتفي به عن الأجرة، ويكمل بهذا، يمكن؟ ما يمكن، ما يمكن أبدًا.
فالناقص على اسمه ناقص، لا يمكن أن يكون كاملًا بتكميل غيره، فمعطي الكمال إذن؟
طلبة: أولى.
الشيخ: معطي الكمال أولى بالكمال، فمن أعطى السمع يمكن أن يكون أصم؟ أبدًا، من أعطى المال يمكن أن يكون فقيرًا؟ لا يمكن، من أعطى غيرَه قُدرة وقوة لا يمكن أن يكون عاجزًا؛ لأنه بمجرد إيصاله الخير إلى هذا الإنسان يدل على كماله، فتبين الآن أن صفات..
طلبة: (...)؟
الشيخ: نعم، كل موجود لا بد له من صفة، إما صفة كمال، وإما صفة نقص، وهذا يسميه العلماء في المجادلة والمناظرة، يسمونه الصبر والتقسيم، بمعنى أنك تردد الشيء بين أمرين لا ثالث لهما مثلًا، وتلزم الخصم بأن يقول به بأحدهما، الصبر والتقسيم يقول: الآن لا يخلو، كل موجود لا بد له من صفة، وأنتم تقرون بأن الله موجود، لا بد له من صفات، إما صفة كمال وإما صفة نقص، وصفة النقص ممتنعة عليه، فتعين أن يثبت له صفة الكمال.
الثاني: طريق الأولى؛ أن نقول: هذه المخلوقات هي خلْق الله عز وجل، وفيها كمال ولَّا لا؟
طالب: فيها.
الشيخ: فيها كمال، ومُعطِي الكمال أولى بالكمال؛ إذ إنه من المعقول، أو من المعلوم بالعقل أن الناقص لا يُكمل غيره، فما من أحد كمَّل غيره إلا وهو أكمل منه، وهذا دليل واضح، لو لم يكن من كماله إلا إعطاء الكمال لغيره لكان ذلك كافيًا في ثبوت الكمال له.
طالب: هل (...) أو ينكرون ها الصفات؟
الشيخ: لا، هم قسمان: منهم من ينكر جميع الصفات، مثل الجهمية، يُنكرون جميع الصفات، ومنهم من يُنكر بعض الصفات بل أكثر الصفات، ويثبتون صفات معينة فقط؛ فالأشاعرة مثلًا ما يثبتون من صفات الله إلا سبعًا فقط، والباقي كله؛ يعني ما لا حصر من صفات الله عز وجل، ومع ذلك ينكرونها، جميع الصفات القدرية، كل الصفات القدرية، وكل الصفات الفعلية الاختيارية كلها ينكرونها.
طالب: بالنسبة للجهمية، هل ينكرون الصفات (...) الواردة في القرآن؟
الشيخ: ينكرون كل الصفات حتى السمع والبصر والكلام ينكرونها.
الطالب: بس هذه واردة، كيف يا شيخ ما ينكرونها؟
الشيخ: ينكرونها، نعم.
الطالب: لكن قد يقولون: إحنا ما ننكر الصفات كلها، (...).
الشيخ: هم يقولون: ننكر هذه الصفات الموجودة، هذه الصفات الموجودة ينكرونها.
الطالب: وغيرها؟
الشيخ: ويش غيرها؟ إذا كانوا ينكرون الموجود فاللي ما أثبت من باب أولى، إحنا أيضًا، أهل السنة والجماعة ما يثبتون شيئًا لم يثبته الله لنفسه. معروف..
يقول: (وأما دلالة الفطرة على ثبوت صفات الكمال لله)، دلالة الفطرة (فلأن النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، كل قلْب سليم وفِطرة سليمة فإنها مفطورة على محبة الله وعلى تعظيمه وعلى عبادته) قال الله عز وجل: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن كل شيء يتعبد لله؟ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج: ١٨]، فالنفوس، الفطرة السليمة مجبولة على محبة الله وعلى تعظيمه وعلى عبادته؛ ولهذا ثبت في الحديث القدسي أن الله يقول: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِيَ حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ» ، فخُبث النفس والفطرة طارئ ولَّا أصلي؟
طلبة: طارئ.
الشيخ: طارئ، إذن الفِطَر السليمة مجبولة على أن تحب خالقها، وعلى أن تُعظِّمه، وعلى أن تعبده، كل مولود يُولد على الفطرة، ولكن هل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟ الجواب.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الجواب لا، لا يمكن أن تحب، وأن تُعظِّم، وأن تعبد إلا من عرفت بأنه متصف بصفات الكمال من أجل أن تعبده بها؛ ولذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]، وقال لقومه: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ [الأنبياء: ٦٦].
فإذن ما يمكن أن تعبد النفوس إلا من عرفت أنه متصف بالصفات التي يستحق بها أن يُعبد، وهذا أمر ظاهر، عندما تقول: يا رب، اغفر لي، فأنت مؤمن بالربوبية، ومؤمن بأنه يغفر، ومؤمن بأنه يعلم، ومؤمن بأنه يسمع دعاءك، ومؤمن بأنه قادر على أن يجيب مطلوبك، أليس كذلك؟ لولا هذا ما دعوت الله، إذن فالنفوس مجبولة على هذا الشيء، انظر إلى النفوس إذا خلت من الشوائب، حتى نفوس الكفر إذا ضلَّ عنهم ما كانوا يفترون من يدعون في الشدائد؟
طلبة: الله.
الشيخ: يدعون الله مخلصين له الدين؛ لأن جميع الشوائب تتمزق في هذا الحال، فترجع الفطرة إلى أصلها وهو دعاء الله عز وجل وحده لا شريك له، ومعلوم أنهم لا يدعون الله في حال الضراء إلا وهم يعلمون أنه قادر على كشفها وعلى إزالتها، وإلا لعُدَّ ذلك عبثًا منهم، فتبين بهذا أن الفطرة تدل على أن الله تعالى متصفٌ بماذا؟ بصفات الكمال اللائقة به.
(وأما دلالة الشرع على ثبوت صفات الكمال لله فأكثر من أن تحصر مثل قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)} [الحشر: ٢٢ - ٢٤]).
فإن قلت: هذه أسماء وأنت تريد أن تُثبت الصفات فما الجواب؟
كل اسمٍ فهو متضمن لصفة ولا عكس؛ يعني ليس كل صفة متضمنة لاسم، لكن كل اسم فإنه متضمِّن لصفة؛ ولهذا سبق لنا في التقرير أن الأسماء لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة إن كانت متعدية، وبأمرين إن كانت لازمة، ما هي الأمور الثلاثة؟ كل اسم ما يتم الإيمان به إلا بإثبات ثلاثة أشياء.
طالب: على أن يدل ذلك الاسم على مثل متعدٍّ.
الشيخ: نعم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صح إذا كان متعديًا، أما إذا لم يكن متعديًا فإثبات الاسم والصفة فقط نعم، وقال تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: ٢٧]، المثل الأعلى ما هو؟ الوصف الأكمل.
وقال تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُإلى قوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥] هذه آية الكرسي، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ» أيش؟
طلبة: أصمًّا.
الشيخ: غلط، أصمًّا غلط.
طالب: أصمَّ.
الشيخ: «أَصَمَّ» بدون ألف، «أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» . فهنا أثبت الصفات لله عز وجل، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
فتبين الآن -يا إخواني- أن اعتقاد هذا الرجل الذي يقول: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، أن اعتقاده أنه ليس لله صفة اعتقاد باطل، ما الذي دل على بطلانه؟ العقل.
طلبة: والفطرة والشرع.
الشيخ: والفطرة.
طلبة: والشرع.
الشيخ: والشرع، والله أعلم.
***
(...) وعلى آله وأصحابه أجمعين.تقدم لنا أن قول الغبي: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم قولٌ باطل من وجوه: الأول: أنه متناقض، وجه التناقض أنه متى حكم بأنها أسلم لزم أن تكون أعلم وأحكم؛ لأنه ما فيه سلامة إلا بالعلم والحكمة.
ثانيًا: أنه إنما قال هذا القول بناءً على أن الله ليس له صفة تدل عليها هذه النصوص، وهذا باطل ولَّا صحيح؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل؛ لأن الله تعالى قد ثبتت له نصوص الكمال بالعقل والفطرة، ويش بعد؟ والشرع، وسيأتي إن شاء الله في بقية النصوص.
ما هو الدليل العقلي على ثبوت صفات الكمال لله؟
طالب: الدليل العقلي؟
الشيخ: إي نعم.
(...) بمجرد الإيمان بألفاظ النصوص بغير إثبات معناها اعتقاد باطل، ويعتقد أن السلف يؤمنون بألفاظ النصوص ولا يدرون ويش معناها، ولهذا يقولون: إن مذهب السلف هو التفويض، ونحن نقول لهم: هذا كذبٌ على السلف؛ فإنكم إن أردتم أن السلف يُفوِّضون الكيفية فهو صحيح، وإن أردتم أنهم يفوضون المعنى فهو كذب على السلف؛ فالسلف أعلم الناس بنصوص الصفات، ولا أحدَ أعلم من السلف بنصوص الصفات أبدًا؛ لأنهم يفهمون منها أكثر ممن يفهم من بعدهم، وأيضًا أبلغهم في إثبات معانيها اللائقة بالله، فهم يفهمون المعنى ويثبتونه؛ ولهذا سيأتينا -إن شاء الله- منهم عبارات، العبارة المشهورة عن أئمتهم يقولون: أَمِرُّوها كما جاءت إلى كيف، وهذا يدل على أنهم يُثبتون المعنى، لو كانوا يريدون اللفظ لقالوا: أَمِرُّوا لفظها ولا تعتقدوا معناها، أو قالوا: لا يعلم المعنى، ومالك رحمه الله يقول: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. فهم يعلمون المعاني، وهل تعتقد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقرأ قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ولا يدري ويش معنى استوى؟! أبدًا.
وهل تُقدر أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] ولا يدري ويش معنى بِيَدَيَّ؟ لا يمكن هذا أبدًا، وكذلك الخلفاء الراشدون، وكذلك الصحابة والتابعون وأئمة الأمة بعدهم، كلهم لا بد أن يكونوا عالمين بمعاني آيات الصفات.
إذا كنا نقول: لا يمكن أن يقرؤوا قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة: ٦] وهم لا يعلمون المعنى، فإننا نقول: إذا كان هذا ممتنعًا فامتناع ألا يعلموا معنى قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىمن باب أولى، وهذا أمر يقيني أنهم يعلمون معنى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْأو ما يعلمون؟
طلبة: يعلمون.
الشيخ: يعلمون، وقد طبقوها فعلًا، فهم يتوضؤون على حسب ما تدل عليه هذه الآية الكريمة، إذا كانوا يعلمون الآيات الدالة على الأحكام العملية فكيف لا يؤمنون بالآيات الدالة على العقائد القدرية العلمية؟! هذا شيء مستحيل.
إذن السلف يعرفون معاني آيات الصفات وأحاديثها، ويؤمنون بها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويثبتُونها، لكنهم يتبرؤون من شيئين وهما: التمثيل والتكييف.
(الوجه الرابع: أن السلف هم ورثة الأنبياء والمرسلين، فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية وحقائق الإيمان) مسلَّم ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: السلف وعلى رأسهم الصحابة من أين تلقوا علمهم في باب أسماء الله وصفاته؟
طلبة: من الكتاب والسنة.
الشيخ: من الكتاب والسنة، من رسول الله عليه الصلاة والسلام، من الكتاب والسنة، أما أولئك الخلف فقد تلقوا ما عندهم، شوف السلف هم ما تلقوا علومهم، والخلف هم ما تلقوا ما عندهم؛ لأن اللي عندهم علوم هي جهل واضح، هي جهل ليست علومًا حقيقية بخلاف السلف، تلقوا ما عندهم منين؟ من المجوس، والمشركين، وضُلَّال اليهود واليونان، ونعلم هذا مما سيأتي إن شاء الله تعالى في بيان مقالة (...) أهل التعطيل.
مقالة أهل التعطيل مُستمدَّة من هذه الأصناف، وبئس الأصناف؛ المجوس، والمشركين، وضلال اليهود، واليونان؛ لأن -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- أكثر ما دخل على هذه الأمة التعطيل من كتب اليونان التي عرَّضها المأمون؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: لا أظن أن الله تعالى يعطي للمأمون عما أدخله على الأمة من فساد العقيدة؛ لأن البلاء كل البلاء فيما عرَّضه من كتب اليونان، حتى إنه قيل: إنه يُؤتَى إليه بالكتاب ويزنه ذهبًا، يزن ذهبًا في كفة ذهب وفي كفة هذا الكتاب، ويعطي صاحبه هذا الذهب، حرصًا على تعريب كتب اليونان، ولكنها ضرت الأمة، ضرت الأمة ضررًا عظيمًا، وتعرفون أن المحنة التي وقعت بالإمام أحمد على يد مَنْ؟
طلبة: المأمون.
الشيخ: على يد المأمون، وحصل في هذا شر كثير، المهم أنه سيأتي إن شاء الله تعالى أن (...) من هذه الطرق ينابيع فساد: المجوس، المشركون، ضلال اليهود، ضلال اليونان.
طالب: إلام تذهب، يعني النصارى ولَّا..؟
الشيخ: لا، مذهبهم أكثرهم عباد النجوم، والكواكب، فكيف؟
طالب: (...)، يعني الرجل الذي قال: لا أظن..
الشيخ: لا، إن حلف قال: والله (...)، لكن هذا قال: لا أظن، فرق بين الاثنين بين ما أظن؛ لأنه جرم عظيم المأمون، والإنسان اللي يقول: ما أظن.
طالب: (...)؟
الشيخ: مهما كان حتى لو نيته هو غيَّر العقيدة، وصار يدعو الناس إلى خلق القرآن، واللي ما يقول بهذا يحبسه ولا يقتله، هذه مشكلة مين يقول (...)؟
طالب: أبلغ.
الشيخ: طيب، يقول: (فكيف يكون ورثة المجوس، والمشركين، واليهود، واليونان، وأفراخهم)، هذا تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية، هو رحمه الله قوي في هذا على هؤلاء المعطلة.
(أفراخهم) الفرخ ضعيف، ومنين يأخذ طعامه وشرابه؟ من أمه، يعني هؤلاء ناس هم ما عندهم القوة اللي يعتدون بأنفسهم فيها، وإنما صاروا مثل الفرخ، تنكت أمه الحب وتناديه ويجي يأكل، ولهذا عبر عنهم شيخ الإسلام عن أهل التعطيل بأنهم أفراخ هؤلاء، كيف يكونون أعلم وأحكم في أسماء الله وصفاته من ورثة الأنبياء والمرسلين؟!
هذا ممكن ولَّا لا؟ يمكن أن يكون هؤلاء ورثة المجوس واليهود واليونان والمشركين أعلم بالله وأسمائه وصفاته، ما هو أعلم بالدنيا، يمكن بالدنيا أعلم، لكن بأسماء الله وصفاته أعلم من ورثة الأنبياء والمرسلين؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن هذا أبدًا، لو أنك قلت: إن هذا الرجل اللي يبيع الخضرة، جلاب يبيع الخضرة، ويبيع الحبحب، ويبيع (...)، ويبيع جابات وما أشبه ذلك، لو قلت: هذا أعلم من صناع القنابل (...)، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ أحد يصدقه؟
طالب: لا.
الشيخ: من هم أصحاب الشأن في أسماء الله وصفاته؟ الأنبياء والمرسلون وتلامذتهم، كيف يكون هؤلاء أعلم بالله وأسمائه وصفاته ممن أكبر عنايتهم التعرف والمعرفة بأسماء الله وصفاته وهم الأنبياء والمرسلون؟
(الوجه الخامس -وهذا من أشدها الوجه الخامس-: أن هؤلاء الخلف الذين فضل هذا الغبي طريقتهم في العلم والحكمة على طريقة السلف كانوا حيارى مضطربين). بالله هل الحيران المضطرب اللي ما يدري وين هو هل عنده علم؟
طالب: لا.
طلبة: لو عنده علم ما تحير.
الشيخ: لو عنده علم ما تحير ولا اضطرب، وصار يقول اليوم قولًا، وباكر يقول قولًا، اليوم يقول: هذا العقل يوجب كذا، وبكرة يقول: العقل يحرم كذا ويمنعه، هذا اضطراب، وكونه يبقى حيران -نسأل الله العافية والسلامة- يمكن يقول: هذا أعلم من رجل مُوقِن يؤمن بالله وأسمائه وصفاته حق الإيمان ولَّا ما يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: هذا مستحيل، نقول: الحمد لله الآن، نحن وإياك نزن بالقسطاس المستقيم، شوف حال السلف الصالح، هو عندهم حيرة، عندهم افتراض بأسماء الله وصفاته ولَّا الطريقة واحدة؟ طريقة واحدة مبنية على الإيمان واليقين، وهؤلاء طريقتهم حيرة وشك، حتى إنه دعاؤهم يقول: أكثر الناس شكًّا عند الموت أهل الكلام والعياذ بالله، يلحقهم شك وحيرة وقلق؛ لأنه ما دخل الإيمان في قلوبهم، وإذا لم يدخل الإيمان إلى القلب فإنه يكون صاحبه في أحوج ما يكون إليه وذلك عند الموت، أسأل الله أن يحسن لكم الخاتمة.
يقول: (إن هؤلاء الخلف الذين فضل هذا الغبي طريقتهم بالعلم والحكمة على طريقة السلف كانوا حيارى مضطربين، بسبب) شوف السبب في حيرتهم، (بسبب إعراضهم عما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى)، هذا سبب، ما ذهبوا يأخذون أسماء الله وصفاته مما بُعث به الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين أخذوها؟ التمسوها يقول: (والتماسهم علم معرفة الله ممن لا يعرفه)، والنبي صلى الله عليه وسلم يعرف الله بأسمائه وصفاته، وخلفاؤه وأئمة أمته كذلك، خذ معرفة الله بأسمائه وصفاته من كتاب الله وسنة رسوله، لا تأخذها مما قال فلان وقال فلان من هؤلاء الذين لا يعرفون الله بإقرارهم على أنفسهم، أعتقد أن الرجل لو جاء إلى شخصٍ أعمى لم يخرج من البلد وقال: دُلَّني على طريق مكة، يكون صوابًا؟
طالب: لا.
الشيخ: رجل جاء إلى رجل أعمى، ما خرج عن البلد قال له: جزاك الله خيرًا، ممكن تدلني على طريق مكة يصلح هذا ولَّا لا؟
طالب: يضيع ويَّاه!
الشيخ: ما يصلح، لكن لو جاء إلى رجل بصير بالطرق عارف متردد، وقال له: طريق مكة، اخرج من هذا البلد، وإذا وصلت إلى كذا فامضِ يمينًا أو شمالًا، وهكذا حتى بيَّن له كأنما يشاهده، أيهما أحق بأن تطلب طريق مكة منه؟
طلبة: الثاني لا شك.
الشيخ: الأخير بلا شك، هذا يقول: يعرفه، (يريدون معرفة الله ممن لا يعرفه بإقراره على نفسه وشهادة الأمة عليه حتى قال الرازي، وهو من رؤسائهم) من رؤساء أهل الكلام، الرازي معروف الفخر الرازي يسمونه فخر الدين الرازي، هذا من أئمة المتكلمين، يقول: (مبينًا ما ينتهي إليه أمرهم: نهاية إقدام العقول عقال) وإذا قال: نهاية العقال؟
طالب: ربطه.
الشيخ: ربطك خلاص ما تتحرك يمينًا ولا شمالًا، هذه نهاية إقدام العقول، الإنسان اللي يريد أن يعرف الله بعقله ينتهي به الأمر إلى أن يقف حيران، ما دام رؤيتنا للسماء: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٣، ٤] وهو مما يُعلم بالحس ما يمكن إدراكه كيف على الرب عز وجل؟ هل يمكن إدراك الله بقياس العقول؟ لا يمكن، يقول: (وأكثر سعي العالمين ضلال)، أكثر سعي العالمين اللي على طريقه أكثر سعيهم ضلال، (وأرواحنا في وحشة من جسومنا) ما ظنك برجل روحه تتوحش من جسمه؟ توحش من غيره ولَّا ما توحش؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، (وغاية دنيانا أذى ووبال) أعوذ بالله، (ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا)، الحصيلة جيدة، ما وصلوا إلى يقين، كل بحث طول عمرهم كل البحث قال فلان وقال فلان ثانٍ، وقال فلان، ونقد فلان وهكذا، جدل ولُجَّة ودُوَّامة، ما تصل إلى يقين، ما أسهل طريق الكتاب والسنة.
الرسول عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة أنهم يجدون في نفوسهم أشياء لا يستطيعون الكلام بها، أمره إذا أحس بذلك ماذا يصنع؟ قال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» . ما قال: راح اضرب المقدمات والنتائج وشوف ويش النتيجة، لا، قال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ». هكذا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، كلمة بسيطة يمكن دوله يكتبون عليها مجلدات، ما يصلون ولا إلى نصف بيانها ووضوحها.
فهؤلاء كلهم كل كلامهم قيل وقال، وإذا رأيت مداخل كتبهم تبين لك أنهم مساكين ليسوا على شيء.
طالب: هذا راجع إلى (...)؟
الشيخ: اسمع كلامه وآخره.
يقول: (لقد تأملت) الرازي (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا).
شوف هو رجل من أهل علم الكلام والفلسفة يقول: (تأملت الطرق الكلامية) كلها (والمناهج الفلسفية) وهي بمعنى الطرق لكنه تعبير اختلاف لفظ، (فما رأيتها تشفي عليلًا) يعني من مرضه، (ولا تروي غليلًا) من عطشه، ويش فائدتها؟
طلبة: ما فيه.
الشيخ: لا فائدة منها، ما دام لا تشفي الأمراض، ولا تروي من العطش فلا فائدة منها، شوف الآن انتقل، (ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]) فأثبت الاستواء على العرش. ({إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: ١٠]) فأُثبت العلو، (وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]) فأنفي المماثلة. ({وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: ١١٠]) فأنفي التكييف، وهذا الطريق السليم، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، إذن أين هذا العرش؟
طالب: فوق.
الشيخ: فوق، فوق كل شيء، وإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُدليل على علوه سبحانه وتعالى. أُثبت أن الله مستوٍ على عرشه، عليٌّ بذاته على خلْقه، هل هذا الاستواء معلوم الكيفية؟ لا، ويش الدليل؟
طلبة: وَلا يُحِيطُونَ.
الشيخ: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، هل هو مماثل لاستوائنا على السرير والبهيمة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. شوف يعني أربع كلمات تثبت لك هذه العقيدة التي ذهب هؤلاء الناس إلى إثباتها ونفيها مرة، والتوقف فيها مرة أخرى، لكن هذه طريقة سليمة، وهكذا يجب في جميع الصفات، ولا تستوحش يا أخي مما وصف الله به نفسه، لا تقول: هذا يستوي من كذا، هذا يقتضي كذا، ما دام الله أثبته لنفسه والكلام بيِّن وواضح، لا تستوحش منه أبدًا.
ولهذا لما أضاف الله إلى نفسه ما لا يليق به بيَّنه في الحديث القدسي أن الله يقول للعبد يوم القيامة: «يَا عَبْدِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي».
كل هذه هل تليق بالله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تليق؛ ولهذا بينها الله عز وجل في نفس الحديث فقال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجْدَتَ ذَلِكَ عِنْدِي، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلْم تَسْقِهِ؟ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ». ما قال: وجدت ذلك عندي قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» . وفرق بين هذا واللي قبله.
المهم لما كان هذا الحديث ظاهره لا يليق بالله، هل تركه الله مغفلًا؟ لا، بل بيَّنه، إذن نأخذ من هذا أن كل نص ورد في إثبات الله، ولم يكن له تأويل من عند الله أو من عند رسوله فهو على ظاهره، على ما يليق بالله، لا نُكيِّف ولا نُمثِّل.
طالب: قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، يعني ويش معناها؟
الشيخ: معناها أن الله سبحانه وتعالى عند المكدرة في قلوبهم، عند الضعفاء، فهذا المريض لما كان ضعيفًا كان الله سبحانه وتعالى عنده يعني باللطف والرحمة والمغفرة أو ما أشبه ذلك، إيه معلوم، يعني ما يمكن أن يكون الله بذاته عند هذا الرجل وهو في السماء، ولا شيء من المخلوقات يحيط به سبحانه وتعالى.
طلبة: (...).
الشيخ: نقول: لو ظن بأنهما هل تعتقد أن الله عز وجل -وهو أعظم من كل شيء- يمكن أن يكون في هذه الحجرة؟
طالب: لا يجوز (...).
الشيخ: (...) على طريقتنا نقول: إنه عنده لكنه لا يلزم أن يكون في الحجرة بل يجب أنه ليس في الحجرة.
طالب: الله في كل مكان ولَّا علمه اللي موجود في كل مكان؟
الشيخ: لا، الله في السماء، ليس في كل مكان، ولا يمكن أن يكون في كل مكان، لكنه يعلم ما في كل مكان، يعلم ما في كل مكان.
طالب: (...) لوجدتني عنده؟
الشيخ: يعني لوجدتني عنده وهو في السماء، المعنى أن الله عز وجل يكون عنده رحمة بهؤلاء المرضى أكثر من غيرهم، وكل من كان أشد في افتقاره إلى الله كان الله إليه أقرب.
نعم، يقول: انتهى كلامه. (فكيف تكون طريقة هؤلاء الحيارى؟) (ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي)، شوف الرجل الآن قال: اللي جرب مثل تجربتي يعرف مثل معرفتي، ويش يعرف؟ أن هؤلاء ليس عندهم شيء، لم يستفيدوا إلا قيل وقالوا، ما استفادوا شيئًا، إذا كان هذه شهادة من هذا الرجل الذي يُعتبر إمامًا في الكلام والفلسفة تبين أنها لا خيارَ فيها، ولهذا قال شيخ الإسلام عن علم المنطق: إنني أعلم أن علم المنطق لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد؛ لأنه صعبٌ على البليد، والذكي ليس بحاجة إليه.
طالب: هل هذا الشخص كافر؟
الشيخ: إي، ظاهر هذا أنه كافر.
الطالب: لكن (...).
الشيخ: والله أنا ما قرأت له لكن الظاهر أن فيه اعتباريات كثيرة.
الطالب: (...).
الشيخ: فكيف تكون طريقة هؤلاء (...).
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، هذا الآن بيَّن أنه ما استفاد إلا القول والقيل.
الطالب: (...) بمجرد ها البيان هذا الإعجاب بطريقة أهل السنة فقط.
الشيخ: لا، ما هو بإعجاب، لأن هذا يدل عنه اعتقاد.
الطالب: وقال: (...).
الشيخ: هذا معناه، قال: (أقرأ في كذا) أراجع أقرب الطرق (ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي).
الطالب: طيب يعتبر هذا (...)؟
الشيخ: قال: (فكيف تكون طريقة هؤلاء الحيارى الذين أقروا على أنفسهم بالضلال والحيرة أعلم وأحكم من طريقة السلف، الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدُّجَى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، والذين أدركوا من حقائق الإيمان والعلوم ما لو جُمِع إليه ما حَصَلَ لغيرهم لاستحيا من يطلب المقارنة، فكيف بالحكم بتفضيل غيرهم عليهم؟! وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم).
(...) الآن خمسة كلها تدل على بطلان هذه الكلمة، مع أن هذه الكلمة موجودة ومتداولة بين الناس، ولا سيما عند الأشاعرة، يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكن كما رأيتم الآن أنه قولٌ باطل متناقض، وأن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، والله المستعان.
الباب الذي قبل هذا مهم جدًّا؛ ولهذا تجب العناية به، وهو قول بعض المتأخرين، بعض الأغبياء ما هو المتأخرين: إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، لا بد من العناية به وبيان بطلانه حتى لا يلتبس علينا الأمر؛ لأني قلت لكم: إن بعض الناس من العلماء المحققين المشهود لهم بالخير يقولون: هذا الكلام كالنووي وغيره، يقولون: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف.
طلبة: أعلم وأحكم.
الشيخ: أعلم وأحكم، أما هذا الباب فهو فيه مسألة يعني فيه مسألة بسيطة (...)، يقول بعض المتأخرين: إن مذهب السلف في الصفات إمرار النصوص على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد.
ويش قصده؟ قصده ما سيأتي في الباب الذي يليه إنه ما هناك فرق بيِّن في مذهب السلف ومذهب الخلف؛ لأنهم كلهم يعتقدون أن ظاهرها غير مراد، لكن السلف يُثبتون على رأيهم وأولئك يُعيِّنون، نحن نقول: إن هذا من باب التلبيس والتضليل، فأنت إذا قلت: مذهب السلف إمرار النصوص على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فيه شيء من التناقض الواضح؛ لأنك إذا قلت: إمرارها على ما جاءت به وجب أن تعتقد أن ظاهرها مراد، يجب وإلا ما أمررتها على ما جاءت به، ولكن مع ذلك نحن نتنزل مع الناس؛ لأنهم قد يفهمون من مذهب السلف شيئًا غير ما نفهمه نحن فنحتاج إلى أن نُفصِّل فنقول: هذا القول على إطلاقه فيه نظر، وعندكم أنتم هذا النقل؟
طالب: لا.
الشيخ: على إطلاقه غير صحيح، هذا النقل؛ لأن قوله: مذهب السلف ينقل عن غيره، يقول: هذا هو الذي يريدون، فنقول: هذا النقل غير صحيح، وهذا القول أيضًا على إطلاقه فيه نظر، المعنى متقارب، ليش؟ قال: فإن لفظ ظاهر مجمَل يحتاج إلى تفصيل، وأكثر ما يأتي البلاء من الإجمال الذي ما فيه تفصيل، فيؤخذ على إجماله، ثم يبدأ كل إنسان يفصله على ما يريد، لكن بالتفصيل يزول الإشكال.
فإن أُريد بالظاهر، ويش الظاهر؟
طالب: المراد.
الشيخ: الذي قال: إن ظاهرها غير مراد، نقول: ماذا تريد بالظاهر؟ (إن أُريد بالظاهر ما يظهر من النصوص من الصفات التي تليق بالله من غير تشبيه فهذا مرادٌ قطعًا، ومن قال: إنه غير مراد فهو ضال إن اعتقده في نفسه، وكاذب أو مخطئ إن نسبه إلى السلف).
طالب: (...) يا شيخ.
الشيخ: عندكم.
الطالب: غير مراد وضال وإن نقل عن السلف غير مراد ما اختلف عليه غير (...)
الشيخ: إي، (...) المعنى واحد.
طلبة: (...).
الشيخ: طيب نقول: اللي يقول: إن السلف يقولون: ظاهرها غير مراد، ما تريد بالظاهر؟ هل تريد بالظاهر المعنى اللائق بالله بدون تشبيه؟ إن قال: نعم، أريد هذا، قلنا له: هذا مراد، وقولك: إن السلف يكون غير مراد كذب، إن نقلته عنهم، وخطأ إن اعتقدته في نفسك وضلال، فإن السلف لا يقولون بهذا القول، لا يقولون: إن ظاهرها اللائق بالله بدون تشبيه إنه غير مراد، بل يقولون: إنه مراد.
ونضرب لذلك مثلًا: إذا قال قائل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ويش ظاهر الآية؟ أنه عَلا على العرش واستوى عليه استواءً خاصًّا وهو العلو والاستقرار.
فإذا قال قائل: هذا الظاهر يقول السلف: إنه غير مراد، ماذا نقول له؟
نقول: كذب، ما قال السلف هذا، وأنت إن اعتقدت إن هذا مذهب السلف فأنت مخطئ؛ ولهذا قال: (فهو ضال إن اعتقده في نفسه، وكاذب إن نقله عن السلف أو مخطئ).
فإذا قال: أنا أريد بالظاهر (استوى على العرش) يعني كاستوائنا نحن على السرير، هذا هو الظاهر، نقول: الظاهر هذا غير مراد ولَّا ما نقول؟
نقول: هذا غير مراد لا شك، لكننا نمنع أن يكون هذا هو الظاهر، ما يمكن يكون هذا هو الظاهر؛ لأن الظاهر من جميع ما وصف الله به نفسه، الظاهر منه أنها صفاتٌ تليق به بدون تشبيه، وترى هذه الجملة يحصل فيها اشتباه عند الطلبة ما يفهمونها جيدًا، نعيد للمرة الثانية.
نقول: إذا قال قائل: إن السلف يعتقدون أن ظاهر النصوص غير مراد، نقول: هذا على إطلاقه فيه نظر ويحتاج إلى تفصيل، ما هو التفصيل؟ أن نقول له: ماذا تريد بالظاهر الذي زعمت أن السلف يقولون: غير مراد؟ إن أردت بالظاهر المعنى اللائق بالله بدون تشبيه، إن أردت هذا المعنى فهو مراد، السلف يريدون هذا، يريدون أن معنى الآيات والأحاديث الدالة على الصفات أن معناها على حسب ما يليق بالله بدون تشبيه على ظاهرها، وأنت إن نقلت هذا عن السلف فإنك كاذب أو مخطئ، وإن اعتقدته في نفسك وقلت: إن هذا الظاهر غير مراد في نفسك فأنت ضال.
قال: وإن أُرِيد بالظاهر ما قد يظهر لبعض الناس من أن ظاهرها تشبيه الله بخلقه، فهذا غير مراد قطعًا، لو قال: ظاهر قوله تعالى: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أنه كاستواء الإنسان على السرير، هذا ظاهر الآية وهو غير مراد، نقول: صدقت في شيء وكذبت في شيء، ويش اللي صدق فيه؟
طلبة: أنه غير مراد.
الشيخ: أنه غير مراد، وكذب في أنه ظاهر النص، هذا ما يمكن يكون ظاهر النص؛ ولهذا قلنا: وإن أراد بالظاهر ما قد يظهر لبعض الناس من أن ظاهرها تشبيه الله بخلقه فهذا غير مُرادٍ قطعًا وليس هو ظاهر النصوص؛ لأن مشابهة الله لخلقه أمر مستحيل، ولا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة أمرًا مستحيلًا، ومن ظن أن هذا هو ظاهرها فإنه يبين له أن ظنه خطأ، وأن ظاهرها بل صريحها إثبات صفات تليق بالله وتختص به، وبهذا التفصيل نكون قد أعطينا النصوص حقها لفظًا ومعنى.
لو قال قائل: قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] ظاهره إثبات يدٍ حقيقية تليق بالله وهو غير مراد، صح ولَّا لا؟
طلبة: ليس بصحيح.
الشيخ: نقول: هذا ليس بصحيح، ليس هذا هو ظاهر النص، ويش ظاهر النص؟
طلبة: (...).
الشيخ: أنا قلت: إذا قال: إن ظاهر قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّإثبات يد حقيقية تُشبه يد المخلوقين، نقول: هذا ليس بظاهره، فإن قلت: إن هذا غير مراد قلنا: صدقت ولَّا كذبت؟
طلبة: صدقت.
الشيخ: صدقت، أما إذا قال: ظاهرها إثبات يدين حقيقيتين تليقان به، وهذا غير مراد.
نقول: صدقت في شيء، وكذبت في شيء، أما قولك: إن ظاهرها إثبات يدين حقيقيتين تليق بالله فهذا صحيح، وأما قولك: غير مراد، فهذا كذب، السلف ما قالوا: غير مراد، بل إنهم يقولون: هذا مراد ونثبته لله عز وجل.
بقينا ماذا يريد منه هو باليدين؟ يرى أن المراد بها في عِلْم الله القوة، والنعمة، والقُدْرة، وما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: اقرأ علينا من عندكم.
***
الطالب: يقول: يحتمل أن يراد به ما يظهر من هذه النصوص من المعاني اللائقة بالله تعالى بغير تشبيه، وهذا مراد قطعًا، ومن اعتقد أنه غير مراد فهو ضال، ومن نقل عن السلف أنه غير مراد فقد كذب عليهم أو أخطأ في فهم مذهبهم؛ لأن لا يمكن أن يقول أحد منهم: إن قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١] لا يراد به السمع والبصر الحقيقيان اللائقان بالله من غير تشبيه، أو إن قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: ٦٤] لا يراد به اليدان الحقيقيتان واللائقتان بالله من غير تشبيه، أو إن قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: ١٦] لا يراد به أن الله بذاته في السماء من غير تشبيه.الشيخ: هذا زدنا فيه الأمثلة، هذه أمثلة (...).
الطالب: وأيهما الأخير؟
الشيخ: هذا الأخير.
(الباب السادس: في لبس الحق بالباطل من بعض المتأخرين، قال بعض المتأخرين: إنه لا فرق بين مذهب السلف ومذهب المؤولين في نصوص الصفات).
نعم، وهذا القول كقول من يقول: إنه لا فرق بين الجمرة والثلجة، وبينهما فرق، الثلجة باردة والجمرة حارة، هؤلاء يقولون: لا فرق بين مذهب السلف ومذهب المؤولين، فمذهب السلف كمذهب المعتزلة وكمذهب الأشاعرة وغيرهم من أهل التأويل، لماذا؟
قال: فإن الكل اتفقوا على أن الآيات والأحاديث لا تدل على صفات الله، أعوذ بالله! هذا من أكثر ما يثبتون يقول: الكل، من يعني بالكل؟ السلف وأهل التأويل، اتفقوا على أن الآيات والأحاديث لا تدل على صفات الله؛ فقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ما تدل على صفة الاستواء، وقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] ما تدل على صفة اليدين، وقوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٦] ما تدل على صفة العلو، ولكن المتأولون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إليه وعيَّنوا المراد، وأما السلف فأمسكوا عن التعيين لجواز أن يكون المراد غيره، هذا يتكلم على (...)، يقول: اتفقوا على أنه لا يراد بها..





