المحافظة على اللفظ أولى، ولهذا ما قال: أثبت الله لنفسه معيةً لخلقه، بل قال:
أثبت الله لنفسه أنه مع خلقه، كما جاء في القرآن والسنة.
فمن أدلة الكتاب قوله
تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، أَيْنَ مَاهذه ظرف مكان؛ يعني: في أي مكانٍ كنتم،
وقُرِنَت بـ(ما) أَيْنَ مَامن أجل إفادة العموم؛ في أي
مكان، إذ من الممكن أن يعبِّر فيقول: أين كنتم لكنه قال: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، كما في قوله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: ٧٨].
يقول عز وجل: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، (هو) الضمير يعود على
مَن؟ يعود على الله، مَعَكُمْهذا الخبر، فأخبر الله عن
نفسه أنه مع خلقه، وحينئذٍ كيف نفهم هذه الآية؟ هل نفهم هذه المعية كمعية الإنسان
لأخيه، بمعنى أنتم الآن معي وأنا معكم ونحن في مكانٍ واحد؟ لا، ما نفهمها. لماذا؟
لسببين:
أولًا: أن في الكتاب والسنة ما يمنع ذلك؛ وهو ما أثبته الله لنفسه بأنه
فوق عرشه، فمن كان فوق عرشه لا يمكن أن يكون في الأرض.
ثانيًا: أن معية الخالق
للمخلوق ليست كمعية المخلوق للمخلوق، فكما أن بقية صفات الله عز وجل تكون على الوجه
اللائق به فهذه الصفة كبقية الصفات كلها من بابٍ واحدٍ؛ ما أضافه الله لنفسه فهو
على ما يليق به سبحانه وتعالى.
ثالثًا: أن نقول: حتى بالنسبة للمخلوق مع المخلوق
لا تستلزم المعية المشاركة في المكان أبدًا. هل تستلزم المشاركة في المكان؟ لا، هذا
الضابط يوجه الجندي يقول: اذهبوا إلى المكان الفلاني وأنا معكم وهو جالس في غرفة
القيادة، أليس كذلك؟ ويقال مثلًا: المؤمن مع إخوته المؤمنين وإن كانوا متباعدين في
الأقطار، حتى الصبي كما مثَّل بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: الصبي يبكي فيقول
له أبوه: روح المكان الفلاني أنا معك، وهو معه ولَّا في البيت؟
طالب: في البيت.
الشيخ: في البيت،
فإذا تبيَّن هذا فإن المعية هنا معية حقيقية ولا تستلزم المشاركة في المكان، لا
يمكن.
واعلم أن قول الإنسان: (لا تستلزم) في هذا وفي غيره ليست كقوله: لا تقتضي،
أو لا؟ الفرق بينهما أن الاستلزام معناه أن هذا لازمٌ، وأنَّ (لا تقتضي) معناه أنه
ما يمكن أن يكون ذلك، ففرقٌ بين (لا يستلزم) وبين (لا يقتضي)؛ لأنك إذا قلت: لا
يقتضي هذا ممنوع، لو قلت لك مثلًا: المعية لا تقتضي المشاركة في المكان،
صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا،
خطأ، إذا قلت: المعية، ما هي معية الله؛ يعني قصدي أنا أي معية، المعية لا تقتضي
المشاركة في المكان، ما تقول؟
طالب: صح.
الشيخ: خطأ؛ لأنها قد تقتضيه، لكن لو قلت: المعية لا تستلزم
المشاركة في المكان؟
طالب: صح.
الشيخ: صح، لا تستلزمه لكن قد تقتضيه، فهذا فرقٌ يجب أن نعرفه
بين الاقتضاء وبين الاستلزام.
وقال: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١٩]، الفرق بين هذه والتي قبلها أن التي قبلها
أعم وهذه أخص، قال: مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، هذه المعية
ليست كالأولى؛ الأولى المراد بها معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان، لكن هذه
معيةٌ تزيد على مقتضى المعية السابقة؛ هذه تقتضي مع الإحاطة النصر
والتأييد.
وأما الدليل الثالث إِنَّنِي مَعَكُمَا [طه: ٤٦]، هذه أخص من التي قبلها، المؤلف بدأ بها على الترتيب، إِنَّنِي مَعَكُمَاالخطاب لمن؟
طلبة: لموسى وهارون.
الشيخ: لموسى
وهارون، فهذه أخص من كونه مع المؤمنين؛ لأنها قُيِّدت بمن؟ بشخصٍ يستحق أن يكون
الله معه، وهذه المعية كالمعية التي للمؤمنين تقتضي مع الإحاطة النصر والتأييد،
ولهذا لما قال موسى عليه الصلاة والسلام عن فرعون: نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه: ٤٥]، قال الله تعالى: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
ولما قال أبو بكر للنبي عليه الصلاة والسلام: لو نظر أحدهم
إلى قدمه لأبصرنا، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا» ،
هذه معية أخص من المعية الأولى؛ لأنها قُيِّدت بأشخاص.
قال: (ومن أدلة السنة
قوله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ
تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» )، هذا
الحديث ضعيف من حيث السند لكنه حسَّنه بعض أهل العلم وقال: إنه حديثٌ حسن.
«أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ
حَيْثُمَا كُنْتَ» لأنك إذا علمت ذلك وأيقنته سوف تكون مراقبًا لله عز وجل،
إذا علمت أنك إن كنت في السطح فالله سبحانه وتعالى معك لكن ليس في السطح، إذا كنت
في الحجرة فالله معك لكن ليس في الحجرة هو على عرشه فوق سماواته، فأنت ستراقب الله
عز وجل؛ لأن ضد ذلك أن تغفل فلا تشعر بأن الله يراقبك، وإذا لم تشعر أن الله يراقبك
فإنك سوف تنتهك المحرمات وتتهاون بالواجبات، لكن إذا علمت هذا العلم أوجب لك كمال
المراقبة لله سبحانه وتعالى، ولهذا سئل النبي صلى الله عليه
وسلم عن الإحسان، سأله جبريل، قال: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ
تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
طيب وإذا عبدته
وكأني أراه هل هو يراني؟ إي نعم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن درجتين
للمراقبة: الدرجة الأولى أن تعبد الله كأنك تراه. والدرجة الثانية أن تعبد الله
كأنه يراك، فالدرجة الأولى درجة طلبٍ وشوقٍ؛ كأنك تراه فتريد الوصول إليه، والدرجة
الثانية درجة خوفٍ وهربٍ؛ إن لم تكن تراه فإنه يراك.
قال: (وقوله صلى الله
عليه وسلم لصاحبه أبي بكر وهما في الغار: «لَا تَحْزَنْ؛
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا») كلمة (لا تحزن) هنا هل هي على ظاهرها، والمعروف أن
الحزن هو الندم على ما مضى، والخوف هو لما يتوقع، فالحزن فيما مضى، والخوف لما
يتوقع، هنا هل المراد بالحزن ظاهره؛ يعني: لا تحزن لما مضى، أو المراد به
الخوف؟
طلبة: الخوف.
الشيخ:
نعم، قال بعض أهل العلم: المراد به الخوف، كما قلتم أنتم، يعني: لا تخف علينا؛ لأن
الله معنا.
ويمكن أن يُرَاد بالحزن ظاهره، والمعنى: لا تحزن على ما جرى؛ فإنه لا
خوف علينا، لأن الإنسان قد يحزن على ما حصل ويتمنى أن لم يحصل، هذا لا شك أنه موافق
لظاهر اللفظ لكنه بعيدٌ من حال أبي بكر رضي الله عنه؛ أن يكون أبو بكر نادم على ما
وقع منهما هذا بعيد، والأقرب أن الحزن هنا بمعنى الخوف؛ يعني: لا تحمل همًّا
للمستقبل؛ لأن الله معنا.
ومن المعلوم أن أبا بكر لم يفهم حين قال له النبي عليه
الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» لم يفهم أن
الله في نفس الغار، أبدًا، ولا يمكن لمن عرف عظمة الله سبحانه وتعالى أن يتوهم بأن
الله تعالى مع الخلق في أمكنتهم، بل هو سبحانه وتعالى فوق عرشه، لكنه مع ذلك هو
معهم لكونه سبحانه وتعالى عالمًا بهم، محيطًا بهم سمعًا وبصرًا وقدرةً وتدبيرًا
وغير ذلك.
قال: (وقد أجمع على ذلك سلف الأمة وأئمتها) أجمعوا على أن
الله مع خلقه على حسب ما وردت به الأدلة، (سلف الأمة) مَن سلفها؟
مُقَدَّموها، والغالب أنه يُطْلَق على القرون الثلاثة المفضلة، وهم (...) التابعون
ثم تابعوهم، هؤلاء هم القرون المفضلة وهم السلف.
وأما قوله: (وأئمتها)،
الأئمة بعد السلف؟ نعم، قد يكون متقدمين منهم، وقد يكون متأخرين، فيه أئمة جاؤوا
بعد زمن القرون الثلاثة.
لكن أئمة الإسلام ما اختلفوا في ثبوت المعية لله عز وجل
لكن على الوجه اللائق به تبارك وتعالى. وهل الأئمة يمكن أن يكونوا في كل
مكان؟
طالب: لا.
الشيخ: ما
يمكن أن يكونوا في كل مكان؟
الطالب: نعم
(...).
الشيخ: إي، ما يخالف لكن في أي مكان يمكن، ولَّا
نقول: الأئمة لازم في المدينة وفي مكة؟
طلبة: لا، في كل
مكان.
الشيخ: طيب وفي كل زمان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وفي كل زمان، نعم
يمكن، يمكن أن يَمُن الله عز وجل على شخص في آخر الدنيا فيكون إمامًا في
العلم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الطائفة غير الإمامة، والمراد بـ(الإمام) ليس كما
يقوله أهل البدع أنه الإمام المعصوم؛ لأنه لا أحد معصوم إلا النبي عليه الصلاة
والسلام، بل إمام الأئمة عندهم علي بن أبي طالب ليس بمعصوم، وقد أخطأ في عدة أمور
لكنه لا شك أنه مأجور على خطأه رضي الله عنه؛ لأنه من الأئمة الذين يجتهدون فقد
يصيبون الحق، وقد لا يصيبونه.
لكن مرادنا بالأئمة الأئمة الذين وهبهم الله تعالى
علمًا وعبادة بحيث كانوا قدوة للناس في علمهم وفي عبادتهم، والله عز وجل يقول:
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤].
فالمهم أن
أئمة الأمة غير سلف الأمة، ولكنهم يَنصُّون على سلف الأمة في باب العقائد؛ لأن
اختلاف الناس في العقائد إنما حصل بعد القرون المفضلة، وإن كان من البدع ما نبغ في
عهد الصحابة، لكنها ما ظهرت وانتشرت إلا بعد القرون الثلاثة.
قال: (والمعية
في اللغة مطلق المقارنة والمصاحبة) هذا معناه في اللغة، الشيء مع الشيء؛ يعني
معناه مقارن له في أمر من الأمور، مصاحب له في أمر من الأمور.
(لكن مقتضاها
ولازمها يختلف باختلاف الإضافات وقرائن السياق والأحوال) وهذا الذي قاله المؤلف
هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو ما تقتضيه
اللغة.
(فتارة تقتضي اختلاطًا؛ كما يقال: جعلت الماء مع اللبن) أنت إذا
جعلت الماء مع اللبن يختلط ولَّا يبقى اللبن فوق والماء تحت، أو الماء فوق واللبن
تحت؟ لا، يختلط، هذا إذن معية اقتضت اختلاطًا.
(وتارة تقتضي تهديدًا
وإنذارًا؛ كما يقول المؤدِّب للجاني: اذهب فأنا معك) اذهب فأنا معك ويش الغرض
من هذا؟
طلبة: تهديد.
الشيخ: التهديد، واحد -مثلًا- لو اتمسك له الشخص قاطع طريق في
البر، قال: ليش تقطع الطريق على المسلمين؟ قال: أبدًا، ما قطعت، قال: لا، قطعت
الطريق لكن روح أنا معك، ويش يكون هذا؟ حال هذا الرجل مذعورًا ولَّا
مطمئنًا؟
طلبة: مذعور.
الشيخ: هو قال أنا معك؛ يعني أنا معك بقطع الطريق معك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن هذا تهديد،
مثلما يقول له بعبارة ثانية: روح وأنا وراك، يعني معناه إذا فعلت شيئًا فأنا سوف
أُنَكِّل بك.
وهل من ذلك قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]؟ يمكن أن نقول: هذا تهديد من
الله عز وجل بألَّا يُبَيِّت أحدٌ شيئًا لا يرضاه الله سبحانه وتعالى.
قال:
(وتارة تقتضي نصرًا وتأييدًا؛ كمن يقول لمن يستغيث به: أنا معك، أنا معك)
صح؟ إي نعم، حتى الصبيان الآن إذا تَزَعَّلوا بعضهم مع بعض يجيء الصبي للثاني
ويقول: تعال، أنت معي ولَّا مع فلان؟ نعم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل معناه تروح معي
إلى البيت وتنام معي بالفراش وكل شيء؟ لا، لكن المراد بذلك النصر والتأييد، ولهذا
تجد كل واحد منهم يسوي دعاية لنفسه أيهم أكثر أتباعًا، إي نعم.
يقول: (إلى
غير ذلك من اللوازم والمقتضيات المختلفة باختلاف الإضافة والقرائن والأحوال، ومثل
هذا اللفظ الذي يتفق في أصل معناه ويختلف مقتضاه وحكمه باختلاف الإضافات والقرائن
يسميه بعض الناس: مُشَكِّكًا؛ لتشكيك المستمع هل هو من قبيل المشترك أو من قبيل
المتواطئ؟) كذا؟ عندنا الآن الألفاظ..
طالب: فيه
سقط.
الشيخ: ويش السقط؟
الطالب: (هل هو من قبيل المشترك الذي اتحد
لفظه)..
الشيخ: إي، ما يهم (...) عشان
التقسيم.
فيه مثلًا مشترك ومتواطئ، إذا اتفق اللفظ ومعناه فإنه متواطئ، وإذا
تعدد المعنى واتحد اللفظ فإنه مشترك؛ لاشتراك المعنيين في لفظٍ واحد، وأما ما اتفق
لفظه ومعناه فسمي متواطئًا لتواطئ اللفظ والمعنى، ما يزيد أحدهما على الآخر، طيب
نشوف الآن.
يقول: (هل هو من قبيل المشترك الذي اتحد لفظه واختلف معناه؟)
مثاله المشترك؟
طالب: العين.
الشيخ: كالعين مثلًا، كلمة (عين) لفظ، لكن معناه مشترك بين معانٍ
متعددة؛ العين يراد بها عين الإنسان التي يبصر بها، ويراد بها العين النابعة من
الأرض وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢]،
ويراد بها؟
طالب: الذهب.
الشيخ: يراد بها الذهب، ولهذا يقال: عينٌ مورودة وعينٌ
منقودة.
طيب تقول مثلًا: واحد صاحب أعيان، فيقول المخاطب: هل هي أعيانٌ منقودة
أو أعيانٌ مورودة؟ يعني هل عنده ذهب ولَّا عنده بساتين؟
طيب إذن العين لفظٌ
مشترك بين معانٍ متعددة، هذه الألفاظ مثل المعية التي لها معانٍ مختلفة باختلاف
الأحوال هل نقول: إنها من باب المشترك؟ ونقول مثلًا: المعية تقتضي نصرًا وتأييدًا،
وتقتضي تهديدًا، وتقتضي إحاطة، ثلاثة معانٍ للفظٍ واحدٍ، هل هي على هذا التقدير من
باب المشترك؟
طالب: لا.
الشيخ: شوف المؤلف يقول: إن بعض العلماء يسميها مُشَكِّكًا، ما
نقول: مشترك ولا نقول: متواطئ، ويش نسميه؟ مُشَكِّكًا. وعلى هذا فتكون الألفاظ:
متواطئة، مشتركة، مُشَكِّكة.
يقول: (هل هي من قبيل المشترك الذي اتحد لفظه
واختلف معناه نظرًا لاختلاف مقتضاه وحكمه؟ أو من قبيل المتواطئ الذي اتحد لفظه
ومعناه نظرًا لأصل المعنى؟) فالمعية إذا نظرنا إلى أن أصل معناها أيش؟ ويش أصل
معناها؟
طالب: المصاحبة والمقارنة.
الشيخ: المصاحبة والمقارنة، هذا الأصل، لكن تختلف بحسب الإضافات،
إذا نظرنا إلى الأصل قلنا: إنها من قبيل من قبيل المتواطئ؛ لأن كل هذه المعاني تتفق
في أصلٍ واحد، فهي إذن من قبيل المتواطئ. وإذا نظرنا إلى أن معانيها تختلف بحسب
القرائن والإضافات قلنا: إنها من باب المشترك؛ لأن معنى قوله تعالى: وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨] ليس كمعنى قوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١٩]، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فرق عظيم بين
المعيَّتَين، فيرى بعض العلماء أن هذه لما كانت مُشَككة هل تكون من الألفاظ
المشتركة أو من الألفاظ المتواطئة سموها مشتركة.
طالب:
(...).
الشيخ: المُشَكِّكة، لا، الذين يتكلمون في
البلاغة وما يتعلق بها، ولهذا قال المؤلف شيخ الإسلام: (والتحقيق أنه نوع من
المتواطئ) يعني هذا النوع من الألفاظ يقول شيخ الإسلام: (التحقيق أنه نوع من
المتواطئ)، وإنما قال ذلك رحمه الله لفائدة عظيمة؛ لأننا إذا جعلناه من المشترك
احتجنا إلى دليلٍ في تعيين أحد المعنيين، ثم يقع الإنسان في حرج، لكن إذا قلنا:
متواطئ لم نخرج عن أصل المعنى.
ولهذا يقول: (التحقيق أنه نوع من المتواطئ؛
لأن واضع اللغة وضع هذا اللفظ بإزاء القدر المشترك) صح، فكلمة (مع) أصل وضعها
في اللغة؟ وُضِعَت بإزاء المعنى المشترك الجامع لكل ما يقتضيه، هذا الأصل، فواضع
اللغة عندما قال: (مع) يقصد المصاحبة والمقارنة لكنه يعرف أنها تختلف بحسب
الإضافات، فأصل الوضع أنه متواطئ.
ولكن مع هذا يقول: (لما كانت نوعًا خاصًّا
من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ) ويش هو اللفظ الذي خُصِّصت به؟ الْمُشَكك،
شيخ الإسلام يقول: لا مانع من أن نقول بدل ما نقول: إن الألفاظ متواطئة ومشتركة
فقط، لا مانع من أن نقول: إن هذه مُشَكِّكة؛ لأنها نوعٌ خاصٌّ من المتواطئ.
ولا
شك أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أنه هو الحق؛ لأن الألفاظ المشتركة لا تجد معنىً
جامعًا بين معانيها. العين الباصرة، العين المنقودة، العين المورودة، هل بينها أصلٌ
جامع يجمع؟ أبدًا، ما فيها إلا اللفظ، لكن ما هناك رابطة بين العين اللي تبصر
والعين اللي تنبع وبين العين التي تُنْقَد، لكن (مع) مهما دُرْت في معانيها تجد
فيها أصلًا جامعًا وهو المقارنة والمصاحبة، وإن كانت هذه المقارنة والمصاحبة تختلف
بحسب القرائن والسياق.
وعلى هذا فنقول: إن الصواب أن (المعية) هذا اللفظ بقطع
النظر عن كونه معية الله من الألفاظ أيش؟
طالب:
المتواطئة.
الشيخ: المتواطئة، لكن لما كانت نوعًا
خاصًّا من المتواطئ فلا حرج أن نسميها مُشَكِّكًا؛ نظرًا إلى أن السامع أو إلى أن
المتأمل في معناها يحتار هل هي من الألفاظ المشتركة أو من الألفاظ
المتواطئة؟
طالب: مثال على المشككة؟
الشيخ: هي نفس هذه، كلمة (المعية) اللي هي محل البحث هذا المثال،
الآن عندما نقول: الماء مع اللبن، ونقول: الأمير مع جنده، بينهم فرق ولَّا لا؟
الأمير مع جنده معلوم ما خالطهم، هو بائن منهم، وقد لا يكون ولا في مكانهم أيضًا،
لكن الماء مع اللبن مقتضٍ لماذا؟
طالب:
الاختلاط.
الشيخ: للاختلاط، هل تقول الآن: إن (مع) من
باب المشترك لأنها دلت على معنى يباين المعنى الآخر؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب هل تقول: إنها
من المتواطئ؟ المتواطئ مثلًا كلمة الإنسان هذه متواطئة؛ لأنها تشمل كل إنسان مع
الآخر على حدٍ سواء، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: زين، إذا كان كذلك فإننا نقول: هل تجعل المعية من باب
المشترك؟
طالب: لا.
الشيخ:
هل تجعلها من باب المتواطئ؟
الطالب: أيضًا لا.
الشيخ: ما تجعلها من باب المتواطئ؛ لأن حقيقة الأمر أن معانيها
ما اتفقت، لكن شيخ الإسلام يقول: الصواب أنها من المتواطئ؛ لأنها اشتركت في أصل
المعنى، وهو؟
طالب: المصاحبة.
الشيخ: المقارنة والمصاحبة، لكنها اختلفت بحسب الإضافات، هذا
الاختلاف بحسب الإضافات لا يعني الاختلاف في أصل المعنى، انتبه.
لكن يقول شيخ
الإسلام رحمه الله: لما كانت معانيها تختلف بحسب السياقات وقرائن الأحوال فلا مانع
من أن نُحْدِث لها اسمًا جديدًا وهو الْمُشَكِّك. فما هو الدليل على ذلك من
القرآن؟
(...) لفظ المعية المضافة إلى الله مستعمل في حقيقته لا في مجازه، ما
دمنا نقول: إن المعية في أصل المعنى للمقارنة والمصاحبة لكنها تختلف بحسب الإضافات،
فإنها إذا أضيفت إلى الله تكون حقيقةً ولا مجازًا؟
طلبة: حقيقة.
الشيخ: تكون حقيقة،
لكنها ليست كالمضافة إلى الإنسان، أو كإضافة معية اللبن للماء، وما أشبه
ذلك.
ولهذا يقول: (مستعمل في حقيقته لا في مجازه، غير أن معية الله تعالى
لخلقه معية تليق به، فليست كمعية المخلوق للمخلوق بل هي أعلى وأكمل) كما أنا
نقول: إن سائر الصفات بالنسبة لله حقيقةٌ وإن كانت تماثل أو تشارك المخلوق في
اللفظ، فقدرة الله حقٌّ وقدرة المخلوق حقٌّ، لكن تختلف القدرتان بحسب إضافتهما،
كذلك بالنسبة للمعية نقول: معية الله حقٌّ ومعية المخلوق حقٌّ، لكنهما تختلفان بحسب
الإضافة.
نحن -مثلًا- عندما نقول: إن القمر معنا وهو في السماء، ليس كما إذا
قلنا: إن الله معنا وهو في السماء، بينهما فرق عظيم.
(ولا يلحقها -كما
قال المؤلف- من اللوازم والخصائص ما يلحق معية المخلوق للمخلوق).
مثلًا
إذا قال الأب لابنه: اذهب اشترِ لنا حاجة من السوق، وقال: أخاف يعتدون عليَّ
الصبيان، قال: أبدًا، أنا معك، روح أنا معك، هذه معية تقتضي النصر والتأييد، وربما
تقتضي أيضًا المراقبة؛ قد يتبعه -مثلًا- وهو لا يشعر به، يشوفه لا حدا يقضي
عليه.
طالب: أو مع النافذة.
الشيخ: أو مع النافذة، لكن هل إن مراقبة الإنسان هذا لابنه ونصره
إياه وتأييده إياه كمراقبة الله عز وجل لخلقه؟
طلبة:
لا.
الشيخ: أبدًا؛ لأن الله عز وجل لا يفوته شيءٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥]، لكن هذا الإنسان الذي قال لابنه: أنا معك ربما
يفوته، وربما أيضًا لا ينصره؛ ربما يُعتدى عليه قبل أن يصل إلى نصرته، أليس كذلك؟
لكن الله عز وجل ليس كذلك.
فتبيَّن بهذا أنه لا يلزم من قولنا: إن المعية حقيقة
كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتبه، لا يلزم من ذلك أن تكون مماثلة، لماذا؟
لمعية المخلوق للمخلوق، كسائر الصفات، كما نقول: لله السمع وللإنسان سمع لكن يختلف،
وللإنسان قدرةٌ ولله قدرةٌ لكن تختلف.
وقد ذكر رحمه الله -ابن تيمية- أمثلةً
كثيرة في أول التدمرية، فيه أشياء اتفقت في الاسم لكن اختلفت في الحقيقة،
فقال: إن الله سمَّى الإنسان سميعًا وبصيرًا وسمَّى نفسه سميعًا بصيرًا وليس السميع
كالسميع ولا البصير كالبصير، وأثبت للإنسان علمًا وأثبت لله علمًا وليس العلم
كالعلم، قال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة: ٢٥٥]، رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]، وقال في علم الإنسان: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، ففرق بين هذا وهذا. وعلى هذا فقِسْ.
طالب: إذا كان
كون المعية في إطلاقها لله حقيقة، يعني قلنا: باعتبار ما تضاف إليه، فما دام فيه
فرق باعتبار ما تضاف إليه، ما يُطلق على هذا المعنى؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما وجه إطلاق
معنى حقيقةً عليها مع أنها لا نعتبرها إلا باعتبار ما تضاف إليه؟
الشيخ: لكنها حقيقةٌ فيما أُضِيفت له، فإذا قلت: الماء مع اللبن
فهو حقيقة معه، وإذا قلت: هذا الإنسان مع الإنسان بالنصر والتأييد فهو حقيقةٌ
معه.
الطالب: باعتبار ما تضاف الفرق واضح بين
الاثنين.
الشيخ: إي، الفرق واضح؛ لأنها أُضِيفت إلى هذا
وأُضِيفت إلى هذا، فالتفريق هنا بحسب الإضافات؛ يعني: بحسب ما أُضِيفت إليه، كما أن
الفرق بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق ظاهر جدًّا بحسب ما أُضِيفت إليه، ولَّا
فالقدرة من حيث هي قدرة هي فعل الشيء بدون عجز لكنها تختلف بحسب الإضافة.
طالب: إذا قلت: هي معية حقيقية وبس أو نفصل فيها؟
الشيخ: كيف معية حقيقية؟ نقول: نعم، هي معية حقيقية، وأنها
مستعملة في معناها الحقيقي لا في المعنى المجازي.
الطالب: باعتبار ما تضاف إليه.
الشيخ: باعتبار ما تضاف إليه، كما أنها إذا أُضِيفت إلى بعض
المخلوقات تكون حقيقةً فيما أضيفت إليه في هذه الناحية، وحقيقةً فيما أضيفت إليه في
الناحية الأخرى.
طالب: هذا المشترك اللفظي
(...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الأخير.
الشيخ:
وهو؟
الطالب: (...) المعية؛ يعني باعتبار ما تضاف
إليه.
الشيخ: معلوم ضروري، هو ما قلنا الآن: إنها حقيقة
لكنها تليق به، وإنما صار شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذا وصرَّح بأنها حقيقة حتى لا
ينفتح علينا بابٌ يحتج به مَن؟ الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة قالوا: إنكم تنكرون علينا
المجاز، وتقولون كل ما أضافه الله إلى نفسه فهو حقيقة، ليش إنكم تقولون في المعية:
إنها مجاز؟
فأهل السنة والجماعة أجابوهم عن ذلك بأحد وجهين:
منهم من قال:
إنها مجاز لكن دلَّ الدليل عليه، ونحن لم نُنكر عليكم التأويل مطلقًا، إنما أنكرنا
عليكم التأويل الذي لا دليل عليه.
ومنهم من قال: لا، ما نسلم أنها مجاز، بل
نقول: هي حقيقة ولكنها تليق بالله عز وجل، ولا يمتنع أن يكون الشيء مع الشيء وهو
بعيدٌ عنه.
وضرب شيخ الإسلام لهذا مثلًا، قال: إنهم يقولون: مازلنا نسير والنجم
معنا، ومازلنا نسير والقمر معنا، ومع ذلك فهو بعيد عنا؛ في السماء، ويطلق عليه أنه
معنا حقيقة في اللغة العربية.
وهذه يعني مسار شيخ الإسلام رحمه الله على هذا
المسار لا شك أنه يوصد الباب أمام الذين يحتجون علينا في مسألة التأويل، لكن إذا
اضطررنا إلى أن نسلم بأنه تأويل فإننا نقول: لنا دليل، وإذا دلَّ الدليل على
التأويل فعلى العين والرأس، كما أننا نتفق معكم في قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]، لو أخذنا بظاهر اللفظ لكان المعنى بعد القراءة،
لكن المعنى -بلا شك- قبل القراءة كما تُفسِّره السنة، وحينئذٍ إذا دلَّ دليلٌ على
التأويل فإنه يكون هو المعنى المراد؛ لأن الذي فسَّر هذا اللفظ بهذا المعنى الذي هو
التأويل مَنْ هو؟ صاحبه الذي تكلَّم به.
ولهذا لما أراد الله التأويل سبحانه
وتعالى في قوله: «عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي»
أو «اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَمَرِضْتُ فَلَمْ
تَعُدْنِي»، لما أراد الله خلاف ظاهره ويش قال؟ بيَّن ذلك، قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ
تُطْعِمْهُ، وَمَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟» .
فالحاصل أن التأويل
إذا دلَّ عليه الدليل هذا واجب أن نقول به، ويكون هذا تفسيرًا للكلام ممن تكلَّم
به. فأنا لو قلت مثلًا: أكرم زيدًا، وفيه مثلًا أربعة زيود، وقلت: أريد هذا، ما
يمكن يحتمل أنه يُراد زيد الثاني والثالث والرابع، ما يمكن يُراد، فإذا فسَّر
المتكلم كلامه بمراده فهذا في الحقيقة لا يُنْكَر وليس بتأويل.
فنحن نجيب كل من
احتج علينا بمثل هذه النصوص، نجيبه بأحد أمرين: إما بمنعه أن يكون ذلك تأويلًا وأن
يُحْمَل اللفظ على الحقيقة التي تليق بالله عز وجل، وإما إذا دلَّ الدليل على
التأويل نقول: لا مانع منه، ولهذا التأويل لا يُقبل مطلقًا ولا يُرَد مطلقًا؛ منه
مقبولٌ ومنه مردودٌ، وتفسير اللفظ بخلاف ظاهره بمقتضى دلالة الشرع على ذلك لا يُعَد
جنايةً على النصوص، بل هو موافق للنصوص ولا بد منه، والله أعلم.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: أقسام معية الله لخلقه.تنقسم معية الله لخلقه إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق من مؤمن وكافر، وبَرٍّ وفاجر، في العلم والقدرة والتدبير والسلطان وغير ذلك من معاني الربوبية، وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال المراقبة لله عز وجل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ».
ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٤]، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: ٧].
وأما الخاصة فهي التي تقتضي النصر والتأييد لمن أضيفت له، وهي مختصة بمن يستحق ذلك من الرسل وأتباعهم، وهذه المعية تُوجِب لمن آمن بها كمال الثبات والقوة، ومن أمثلتها قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ١٩]، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: ١٢٨]، {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: ٤٦]، وقوله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: ٤٠].
فإن قيل: هل المعية من صفات الله الذاتية أو من صفاته الفعلية؟
فالجواب: أن المعية العامة من الصفات الذاتية؛ لأن مقتضياتها ثابتةٌ لله تعالى أزلًا وأبدًا، وأما المعية الخاصة فهي من الصفاتِ الفعلية؛ لأن مقتضياتها تابعة لأسبابها، تُوجَد بوجودها وتنتفي بانتفائها.
الشيخ: ويش اللي قبل ذلك؟ (فقد اتضح أن لفظ المعية المضاف إلى الله مستعمل في حقيقته لا في مجازه) إي نعم، لفظ المعية المضاف إلى الله مستعمل في حقيقته لا في مجازه، كما هو القول في سائر صفات الله عز وجل؛ أنها مستعملة في حقيقتها لا في مجازها، فإن معية الله عز وجل وإن كانت تتفق مع معية المخلوق في أصل المعنى -وهو المصاحبة والمقارنة- لكنها تختلف عنها في أنها معيةٌ تليق بالله عز وجل، كما نقول في السمع والبصر والقدرة والقوة، فالله تعالى موصوفٌ بهذه الصفات، تتفق مع صفات المخلوقين في أصل أيش؟
طالب: المعنى.
الشيخ: في أصل المعنى، لكن تختلف بحسب الإضافات؛ فإن سمع الله عز وجل لا يشبه سمع المخلوقين ولا بصرهم ولا قوتهم، ولهذا لما حكى الله عن عاد أنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] لم ينكر الله عز وجل أن يكون لهم قوة، بل أثبت لهم قوة إلا أنه قال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، فمثلًا أنا إذا قلت: أنا معك، لشخص من الناس، فإن هذا ربما يكون المعنى: أني معك في مكانك، أو أني معك في النصر والتأييد، كما يقول الصبيان بعضهم لبعض إذا تزاعل طائفة مع أخرى، يقول أحد الصبيان لطرفٍ ثالث: أنت مع دولا ولَّا معي؟ ويش المراد؟
طلبة: النصرة والتأييد.
الشيخ: بالنصر والتأييد والتثبيت، ولكن إذا قلنا: إن الله مع خلقه، هل معناه أنه في مكانهم؟ لا، لا يمكن هذا؛ لأننا نقول: إن المعية تختلف بحسب الإضافات والقرائن، فلا يمكن أن تتساوى جميع أفرادها في معانيها.
وعلى هذا فإذا قلنا: إن معية الله لخلقه مستعمل في حقيقته لا في مجازه فإننا نسد على أولئك الذين يحتجون علينا لبدعتهم في التأويل؛ لأن الأشاعرة وغيرهم من المعتزلة يقولون: أنتم تجعلون المعية مجازًا في حق الله عز وجل، ثم تنكرون علينا أن نجعل اليد مجازًا، والعين مجازًا، والوجه مجازًا، وهذا ظلم منكم أن تبيحوا لأنفسكم ما تحرمونه علينا.
فنقول لهم: نحن لا نقول بذلك، بل نقول: إن المعية حقيقة في معناها بالإضافة إلى الله عز وجل، لكنها سالمةٌ مما لا يليق بالله، كأن يقول قائل: إن الله معنا في مكاننا، فإن هذا لم يقل به إلا الحلوليَّة من الجهمية وغيرهم، ونحن لا نقول به.
فإن قال قائل: كيف تقول: إن الله معنا حقيقةً ولا تقول: إنه في الأرض؟ وهل يتصور أن يكون معنا حقيقةً وهو في السماء ونحن في الأرض؟
فالجواب: نعم يتصور، وسيأتي -إن شاء الله- ذلك في بيان الجمع بين علو الله تعالى ومعيته.
وانظر الآن يعني قدرة الله عز وجل ما هي تقاس بقدرات الخلق، نحن -مثلًا- جماعة نصلي كلٌ منا يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، ونقولها بكلمة واحدة وفمٍ واحد، ولَّا ربما أنت في أول الفاتحة وأنا في آخرها والثالث في وسطها، أليس كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: ومع هذا فكل واحد منا يناجيه الله عز وجل، أنت تقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فيقول الله: حمدني عبدي، والثاني يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، فيقول الله له: مجدني عبدي، والثالث يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] في آنٍ واحد، والله يقول: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
فالله عز وجل لا يمكن أن يكون مثل المخلوق، بل هو لا يُدْرَك؛ لا في الذهن، ولا في العقل، ولا في الحس؛ يعني لا يُحَاط به، وأما الإيمان بوجوده فهذا معروف أنه أمرٌ فطري عقلي شرعي.
(إذا تبين هذا فإن لفظ المعية المضافة إلى الله مستعمل في حقيقته لا في مجازه (...) المخلوق للمخلوق بل هي أعلى وأكمل، ولا يلحقها من اللوازم والخصائص ما يلحق معية المخلوق للمخلوق) إي نعم، وإذا قلنا بذلك رددنا الباب في وجوه هؤلاء الذين يحتجون علينا.
(هذا وقد فسَّر بعض السَّلف معية الله لخلقه بعلمه بهم، وهذا تفسير للمعية ببعض لوازمها) يعني: أن بعض سلف الأمة -ولا سيما بعد أن ظهر قول الجهمية في أن المراد بالمعية المصاحبة في المكان- صاروا يفسرون المعية بالعلم، فيكون وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء: ١٠٨] أي: وهو عالمٌ بهم، لا يفسرونها بالمعية الحقيقية وإنما يفسرونها بالعلم.
وهذا هو الذي أوجب لبعض المتأخرين في عصرنا هذا -وأظنه قد سبقه من سبق أيضًا- بأن يقول: كيف تحتجون علينا بتأويلنا وأنتم تؤولون؟
فنقول: (وهذا تفسير للمعية ببعض لوازمها، وغرضهم بذلك الرد على حلولية الجهمية الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، واستدلوا بنصوص المعية، فبيَّن هؤلاء السلف أنه لا يراد من المعية كون الله معنا بذاته فإن هذا محال عقلًا وشرعًا؛ لأنه ينافي ما وجب من علوه، ويقتضي أن تُحيط به مخلوقاته وهو أمر محال).
ولا شك أن هذا معنى باطل، وأن الذي يعتقده في ربه كافر؛ لأنه إذا اعتقد أن الله في كل مكان لزم من ذلك إما تعدد ذات الله، وإما تجزؤها، ولَّا لا؟ نقول: إذا زعمت أن الله بذاته في كل مكان لزم من ذلك إما أن الله متعدد، وإما أن الله متجزئ؛ جزء منه هنا، وجزء منه هناك، وهذا محال.
هذا مع مخالفة هذا القول لما توافرت عليه الأدلة النقلية والعقلية والفطرية من أن الله تعالى فوق عرشه، عالٍ على جميع خلقه.
طالب: ما الفرق بين اللازم وما يقتضيه (...)؟
الشيخ: إي نعم، اللازم وما يقتضيه، اللازم معناه هو الذي لا بد أن يكون، والذي يقتضيه معناه أنه قد يكون شيء آخر؛ يعني قد يقتضيه وقد لا يقتضيه، قصدي، فمعناه إذا قلنا: هذا يقتضي كذا حتمًا صار لازمًا، وإذا كان يقتضي ذلك ولم نرد بذلك اللازم، فإن ما لم يكن لازمًا فإنه يجوز أن يُرَاد به ولكن لا يتعين.
(أقسام معية الله لخلقه.
تنقسم معية الله لخلقه إلى قسمين: عامة، وخاصة.
فالعامة هي التي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق؛ من مؤمن وكافر، وبَرٍّ وفاجر، في العلم والقدرة والتدبير والسلطان وغير ذلك من معاني الربوبية).
هذه عامة شاملة لجميع الخلق، كالربوبية تكون عامة شاملة لجميع الخلق، وهذه المعية العامة إنما تُذكر على سبيل العموم، فيقال: إن الله مع خلقه، وهو معهم، وما أشبه ذلك، ولا يمكن أن تُذكر على سبيل الخصوص فيقال: إن الله مع الكافر، لكن نقول: إن الله مع الخلق، فيشمل المؤمن والكافر.
وأما أن نقول: إن الله مع الكافرين، فإذا قلنا: اتقِ الله، الكافرون ما يكون الله معهم، قال: أنا أردت بذلك المعنى العام، نقول: ما يصلح هذا، المعنى العام اجعل اللفظة عامةً، واجعل الإضافة عامةً، فقل: إن الله مع الخلق، مع الناس، وما أشبه هذا؛ حتى لا تجعل المعية مضافة إلى الكافرين على وجهٍ يُوهِم أنه معهم بالنصر والتأييد.
(وهذه المعية تُوجب لمن آمن بها كمال المراقبة لله عز وجل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»).
هذه المعية إذا آمن الإنسان بها فإنها تُوجب له كمال المراقبة، مثال ذلك: لنفرض أن رجلًا في بيته ما عنده أحد من الخلق همَّ بمعصية، إذا علم أن الله معه؛ يعني مطلع عليه لا يفوته شيء من أمره، هل يفعل أو لا يفعل؟ لا يفعل، ولا يمكن أن يفعل؛ لأنه يخاف الله ويستحيي من الله عز وجل، الله تعالى أحق أن يُستحيا منه، ولهذا قال بعض الناس -يُقرِّب المسألة-: ما ظنك لو كان أقرب الناس إليك عندك وأنت تريد المعصية، هل تفعلها؟ ويش الجواب؟ ما تفعلها، فإذا كان هذا حياؤك من الخلق فليكن حياؤك من الخالق أعظم، وأعظم، ولهذا امتدح الله عز وجل الذين يخشون ربهم، شو به؟ بالغيب؛ لأن الذين يخشون ربهم بالغيب هم الذين خشوا الله عز وجل خشيةً حقيقيةً لا يشوبها أي شبهة.
طالب: وبذلك ولَّا ولذلك؟ عندي (ولذلك).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ»).
الشيخ: إي، (ولذلك) نعم.
(ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٤]، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: ٧]). الآية الأولى في سورة الحديد، ويش أولها؟
طالب: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.
الشيخ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [المجادلة: ٧]، لا، هذه اللي في المجادلة، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤]، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَهُوَ الَّذِي خَلَقَهو نفسه ولَّا غيره؟
الطلبة: هو نفسه.
الشيخ: هو نفسه، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: كل ضمير يعود إلى الله فالمراد به هو نفسه، ولا حاجة إلى أن نقول: بذاته، لكن احتاج السلف أن يقولوا: بذاته في بعض المسائل من أجل الرد على أهل التعطيل.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِاسْتَوَىالضمير يعود على من؟
طلبة: الله.
الشيخ: الله، استوى الله، بعض العلماء قالوا: استوى على العرش بذاته، كلمة (بذاته) من باب التأكيد فقط، وقصدهم بذلك الرد على مَن؟ على من فسَّر الاستواء بالاستيلاء، ولا معلوم أن الله إذا أضاف الفعل إلى نفسه فالمراد هو نفسه.
يَعْلَمُمن؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ، من هو؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ.
ولكن هذه النقطة الأخيرة يجب أن تعلم أن الناس اختلفوا فيها؛ فمنهم من فسرها بأنه معنا بذاته في أمكنتنا، وهؤلاء مَن؟
الطلبة: الجهمية.
الشيخ: الجهمية، الحلولية من الجهمية، ولَّا الجهمية بعضهم ينكر وجود الله بالكلية في الحقيقة؛ لأنه يقول: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا متصل ولا منفصل، فيصفون الله تعالى بما يقتضي أن يكون معدومًا.
طالب: ممتنع.
الشيخ: بل ممتنعًا.
ومن العلماء من فسَّرها بالعلم، فقال: وَهُوَ مَعَكُمْأي: علمه معكم. وهذا ورد عن كثير من السلف لأجل الرد على من؟ على ما شاع عند الناس في ذلك الوقت من أقوال هؤلاء الجهمية الذين فسَّروا كلام الله عز وجل بما لا يراد به، بل بما هو ممتنع.
ومنهم من قال: إنها على حقيقتها لكنها معية تليق بالله عز وجل، ويمتنع غاية الامتناع أن يكون المراد بها أنه معنا في الأرض، هذا شيء مستحيل، وقال: إنه يمكن أن يكون الشيء معك حقيقةً وهو فوقك، وضربوا لذلك مثلًا بما تقوله العرب: مازلنا نسير والقمر معنا، مازلنا نسير والْجَدْي معنا، الْجَدْي أحد النجوم المشهورة المعروفة، فإنهم يقولون ذلك، ويرون أن هذه المعية حقيقة وإن كان هذا الشيء ليس في الأرض، فإذا كان هذا ممكنًا في المخلوق فما بالك بالخالق؟ وهذا لا شك أنه هو المعنى الموافق لظاهر الآية، ما دمنا أثبتنا معية حقيقيةً تليق بالله عز وجل ولا يلحقها شيء من اللوازم الباطلة.
وقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌختام الآية بما يقتضي العلم أيضًا.
طالب: الجهمية الحلولية الذين يقولون: إن الله معنا بذاته ماذا نرد عليهم؟
الشيخ: نرد عليهم بالنصوص الكثيرة الدالة على أن الله فوق عرشه، ونرد عليهم أيضًا بدلالة العقل، نقول: ما قال إنسان: يا الله يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، ما يمكن يروح يمينًا ولا يسارًا. ونرد عليهم أيضًا بإجماع السلف؛ فإن السلف مجمعون على أن الله تعالى مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه.
والحقيقة أن هذا القول لا يمكن أن يستقيم عليه عاقل أبدًا؛ لأنه كيف أن نقول: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا؟ ما معنى هذا؟ معناه أن هذه الأمكنة تحيط بالله، ولَّا معناه أن هذه الأمكنة في جوف الله؟! نسأل الله العافية، ولَّا ويش معناها؟ فكلامهم غير معقول، لكنهم كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، والله عز وجل حكيم، جعل في نصوص الكتاب والسنة أشياء فيها نوع من الاشتباه امتحانًا وابتلاءً للخلق؛ حتى يُعلم من يريد الحق ممن يريد الشبهة والتشكيك، وهذا من الابتلاء؛ لأنه لو لم يكن هناك آيات متشابهات وكان الأمر كله واضحًا ما عُرِف الصادقُ في طلبه والمؤمنُ مِن غير الصادقِ والمؤمنِ.
طالب: شيخ، ما هو تفسير ابن عباس وغيره من الصحابة لهذه الآية وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، هل ورد فيها قول لهم؟
الشيخ: ورد في تفسير ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: هو معهم بعلمه ، إما بهذا اللفظ أو قريب منه، مع أن الشوكاني رحمه الله يقول: إنه لم يرد عن الصحابة تفسير المعية بالعلم أبدًا، ونفى ذلك، لكن الظاهر أن نفيه ليس بصحيح؛ أنه ما اطلع على هذا.
إنما بقية الصحابة غير ابن العباس وابن مسعود ما رأيت أحدًا منهم قال بهذا؛ لأن المعنى عندهم واضح، يقرؤون القرآن على ظاهره وينزهون الله عما لا يليق به.
ثم إن تفسيرهم المعية بالعلم ليس معناه أنه مقصور على العلم، ولهذا حتى علماء المسلمين من الخلف يقولون: بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته، ما هو فقط العلم.
قال: مَا يَكُونُ مِنْ.. الآية الثانية مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة: ٧]، مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍهل هذه مضافة إلى ثَلَاثَةٍ؟ نَجْوَىمضافة إلى ثَلَاثَةٍ، ولَّا ثَلَاثَةٍبدل من نَجْوَى؟
فيها رأيان للنحويين؛ منهم من قال: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍأي: من مناجاة ثلاثة. ومنهم من يقول: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىيعني: من جماعةِ النجوى، ثَلَاثَةٍفتكون بدلًا من نَجْوَى، وعلى كل حال فالمعنى لا يختلف.
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، والنجوى هي مخاطبة الغير بكلامٍ خفي، قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢].
هؤلاء الثلاثة الذين يتناجون يكون الله تعالى رابعهم، ومعنى (رابعهم) ليس معناها أنه في مكانهم رابعًا لهم، بل هو سبحانه وتعالى في مكانه فوق سماواته على عرشه، لكنه لكمال إحاطته كأنه معهم لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة: ٧]، أَدْنَى مِنْ ذَلِكَما هو؟
طالب: الثلاثة.
الشيخ: أدنى من الثلاثة، وأدنى من الخمسة، أو لا؟
طلبة: نعم.
طالب: من الثلاثة.
الشيخ: أدنى من الثلاثة طيب، وأدنى من الخمسة؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: وأدنى من الخمسة، أربعة ويكون الله خامسهم.
وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ، أكثر منين؟
طالب: من الستة.
الشيخ: من الخمسة؛ لأنه اللي ذكره الله عز وجل منتهاه خمسة، وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْيعني: ولا أكثر من الخمسة إلا هو معهم.
أَيْنَ مَا كَانُوافي أي مكان، وفي أي عدد، فإن الله عز وجل محيط بهم غاية الإحاطة، وكما قلت -وكما هو موجود في فطركم أيضًا-: لا يمكن أن نتصور بأن الله عز وجل في الأرض؛ لأن هذا مما لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وإنما المعنى أنه مع خلقه وهو عالٍ عليهم؛ لكمال صفاته سبحانه وتعالى وإحاطته.
قال: (وأما الخاصة فهي التي تقتضي النصر والتأييد لمن أُضِيفَت له، وهي مختصة بمن يستحق ذلك من الرسل وأتباعهم).
هذه الخاصة تقتضي النصر ولكن ليست هي النصر، لكن تقتضي النصر والتأييد والحفظ والكلاءة لمن أُضِيفت له.
وهي -أي الخاصة- قد تُضَاف إلى أشخاص معينين، وقد تُضَاف إلى معينين بأوصافهم. نشوف الأمثلة اللي معنا.
يقول: (هذه المعية توجب لمن آمن بها كمال الثبات والقوة، ومن أمثلتها قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ١٩]).
طلبة: خاصة.
الشيخ: معينين بصفاتهم ولَّا بأشخاصهم؟
طلبة: بصفاتهم.
الشيخ: بصفاتهم نعم، وثانيًا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨] كذلك بصفاتهم، إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
طلبة: بأشخاصهم.
الشيخ: بأشخاصهم، وهذا قالها الله عز وجل لموسى حين قال: رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه: ٤٥] يعني: فرعون، قال: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ [طه: ٤٦] ما يقول وما تقولون له، وَأَرَىما يفعل بكما، فلا تخافا.
وكذلك قوله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]، هذه؟
طالب: أشخاص.
الشيخ: إي نعم، لكن معينة بالصفات ولَّا بالشخص؟
طلبة: بالشخص.
الشيخ: بالشخص، وهذه قالها النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر وكانا في الغار -في غار ثورٍ- قد اختفيا عن طلب قريش، وبقيا في الغار ثلاثة أيام، فلما وقفوا على الغار قال أبو بكر للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا؛ يعني فأنا أخاف، قال: «لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، لما قال هذا فإن أبا بكر سوف يطمئن ويثبت ويعرف أنهم لن يدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صاحبه، وهذا هو الواقع.
وأما ما اشتهر عند بعض الناس من أن العنكبوت وضعت نسيجًا من العش على الغار فهذا لا صحة له، وكذلك ما ذكروه من أن حمامة وقعت أيضًا على باب الغار؛ علشان إذا شافوا الحمامة قالوا: لو فيه رجال ما وقعت الحمامة عليه، فهذا أيضًا لا أصل له.
ولهذا يتساءل الناس كثيرًا عن قتل العنكبوت: هل يجوز ولَّا ما يجوز؟ إذا قلت لهم: يجوز، قالوا: كيف يجوز؟ ما تخاف الله؟! إن هذه حمت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وضعت عليه العش، وجزاؤها أننا نقتلها؟ وهل هذا إلا كما قال الشاعر:
| جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغَيْلَانِ عَنْ كِبَرٍ | وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ |
ولكن نقول: هذا ليس بصحيح، ولهذا قتل العناكب لا بأس به، بل ورد في حديث أن الرسول أمر بقتلها لكنه ضعيف ، لا بأس به إذا آذت؛ لأنها في بعض الأحيان تؤذي، لا سيما في المكاتب تجيء في مكتبة تعشش على الكتب، إلا إن كان نقول: إنها إذا عششت على الكتب نعطيها هدية؛ لأن هذه تقول: لا تغفلوا عنها.
طالب: لتحميها كما حمت الرسول.
الشيخ: تحميها، أو تقول: لا بد أنك تلاحظني بالمطالعة!
(...) (في الجمع بين نصوص علو الله بذاته ومعيته).
وهذا الباب ونحوه من الأبواب المهمة لطالب العلم، سواء كان ذلك في العلوم العملية الحُكمية، أو في العلوم العلمية الاعتقادية؛ لأن بعض النصوص فيها اشتباه، حيث يُظن التعارض بين نصوص الكتاب والسنة وليس الأمر كذلك، والذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون ما تشابه منه، ويضربون كتاب الله بعضه ببعض، ويقولون: هذا يناقض هذا، وهذا يكذِّب هذا، وما أشبه ذلك، أو يلجؤون إلى القول بأحد النصين وإلغاء الآخر.
ولكن أهل الإيمان والعلم يسلكون مسلكًا آخر؛ وهو أنه لا تعارض في كلام الله عز وجل، ولا تعارض بين كلام الله وبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صحَّت عنه؛ لأن الكل من عند الله، والله عز وجل يقول الحق، لا يقول الباطل أبدًا، والتناقض إبطال أحد النصين بالآخر، فيقتضي أن يكون أحدهما باطلًا، والله سبحانه وتعالى كل قولِه حقٌّ وصدقٌ لا يتناقض.
يقول المؤلف: (قبل أن نذكر الجمع بينهما نحب أن نقدِّم قاعدة نافعة أشار إليها المؤلف رحمه الله في كتابه العقل والنقل).
اعلم أن العلماء رحمهم الله يعبِّرون دائمًا بضمير الجمع وإن كان المتكلم واحدًا، لا يعنون بذلك أنهم يعظِّمون أنفسهم، ولكنهم يعنون بذلك أننا نحن مجموعة هذه الطائفة مثلًا أو ما أشبه ذلك نقول كذا وكذا.
وقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في الحمارية: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي . ولم يزل العلماء رحمهم الله من الأئمة وأتباعهم يعبِّرون بمثل هذا التعبير يقولون: نحن نقول كذا، ونبدأ بكذا، وننهي قولنا بكذا، وما أشبه ذلك، ولا يُعَدُّ هذا من باب التعاظم أو من باب التعالي والتكبر، فلكل مقامٍ مقالٌ.
يقول: نشير إلى قاعدة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله المؤلف في كتابه العقل والنقل، العقل والنقل هذا عبارة اختصار لاسم الكتاب، وإلا فاسمه درء تعارض العقل والنقل، أو اسم آخر له: بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، والكتاب هذا أثنى عليه ابن القيم رحمه الله ثناءً عظيمًا، حتى قال:
| وَلَهُ كِتَابُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي | مَــا فِي الْوُجُـــــــــودِ لَهُ نَــــظِـــــــــيرٌ ثَانِ |
ومراده ما في الوجود له نظيرٌ ثانٍ في محاجة أولئك المتكلمين والفلاسفة ونحوهم، وإلا فلا شك أن في الوجود ما هو أفضل منه بكثير، لكنه يعني في هذا الباب.
طالب: في الفتاوى ولَّا مستقل؟
الشيخ: لا، مستقل، الكتاب كبير، الآن أظنه بلغ -والله ما أدري- أحد عشر مجلدًا.
طالب: أحد عشر.
الشيخ: أحد عشر مجلدًا كبيرًا.
القاعدة اللي ذكرها: أنه إذا قيل بالتعارض بين دليلين فإما أن يكونا قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا. ما هو القطعي والظني؟
القطعي: هو الذي يقطع العقل بثبوته، ولا يكون في العقل احتمالٌ من ألف احتمال أن يكون ذلك ليس بصحيح، أو أن يكون ذلك مرتفعًا، هذا القطعي، كقطع الإنسان -مثلًا- بمشاهدة الشمس وهي مشرقة، هذا قطع ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وأما الظني فهو الذي يترجح عند الإنسان وليس بالأمر المقطوع به؛ إذ من المحتمل أن يكون الأمر خلافه، كما لو تدلت الشمس للغروب وكان فيه قطع من السحاب، فغلب على الظن أنها غربت، قد تكون لم تغرب لكن الذي يغلب على ظنك أنها قد غربت، نقول: هذا ظن.
(فالأدلة إما أن يكونا قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعيًّا والثاني ظنيًّا، فهذه ثلاثة أقسام:
الأول: القطعيَّان؛ وهما ما يقطع العقل بثبوت مدلولهما) ما يقطع العقل قطعًا لا احتمال فيه بثبوت مدلولهما، فالتعارض بينهما محال، إذن لا تعارض بين الدليلين القطعيين، هذا شيء مستحيل.
وجه الاستحالة: (لأن القول بجواز تعارضهما يستلزم واحدًا من أمرين وكلاهما محال؛ يستلزم إما وجوب ارتفاع أحدهما، وهو محال)، كيف محال؟ لأننا نقول: إنهما قطعيان، فإذا كان تعارضهما يستلزم ارتفاع أحدهما معناه أنه يستلزم ارتفاع أمر قطعي، وهذا شيء مستحيل، (وهو محال؛ لأن القطعي واجب الثبوت).
الأمر الثاني الذي يستلزمه (وإما ثبوت كل منهما مع التعارض وهو محال)؛ مثل أن يكون أحدهما دالًّا على أن هذا أبيض والثاني دال على أنه أسود، هل يمكن أن يجتمعا على ذلك؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: لماذا؟ لأنه جمع بين النقيضين. وعلى هذا فالتعارض بين دليلين قطعيين أمرٌ مستحيلٌ.
(فإن ظُنَّ التعارض بينهما) يعني: قد يرد على الذهن أنهما متعارضان وهما قطعيان، فماذا نصنع؟ (إن ظُنَّ التعارض بينهما فإما ألَّا يكونا قطعيين)، وإذا لم يكونا قطعيين فالتعارض بينهما؟
طالب: قائم.
الشيخ: قائم، فيقول: أنا ظننت أنهما قطعيان وهما في الحقيقة غير قطعيين، هذا أمر ممكن أن يكون.
(وإما ألَّا يكون بينهما تعارض)، ولكن أنا ظننت التعارض، والواقع أن لا تعارض، (بحيث يُحمل أحدهما على وجه والثاني على وجه آخر) وإذا صحَّ أن يُحمل أحدهما على وجه والثاني على آخر فهل هناك تعارض؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، طيب.
يقول: (ولا يرد على ذلك ما يثبت نسخه من نصوص الكتاب والسنة القطعية؛ لأن الدليل المنسوخ غير قائم، فلا معارض للناسخ) (...) نصوص قطعية موجودة ومتعارضة لكن أحدها منسوخ؛ مثل قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [الأنفال: ٦٥]، هذا نص قطعي ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: قطعي، مُحَدَّدٌ بعدد، جاءت الآية التي بعدها: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦]، قطعي هذا في دلالته ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: قطعي في دلالته، ومناقض للأول ولَّا غير مناقض؟
طلبة: مناقض.
الشيخ: مناقض، إذن كيف نعمل؟ نقول: لأن الثاني ناسخ؛ لأن الله قال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦]، فتبين الآن أن الثاني ناسخ للأول، حينئذٍ يكون الثاني قائمًا وليس له؟
طالب: معارض.
الشيخ: ليس له معارض؛ لأن النص المنسوخ قد نُسِخ حكمه وأُلغي، فحينئذٍ لا يكون للناسخ معارض، فلا يقع التعارض.
فالقاعدة إذن سليمة؛ كل قطعيين فإنه لا يمكن التعارض بينهما، لماذا؟ لأن القول بجواز التعارض يستلزم إما ارتفاع أحدهما، وإما اجتماعهما، وكلاهما محال؛ أما ارتفاع أحدهما فمحال لأنه قطعي، وأما اجتماعهما فمحال لأنه جمع بين النقيضين، ولا يَرِد على هذا النسخ لِمَا علمت.
لكن لو فُرِضَ أن الإنسان أبى إلا أن يكون بينهما تعارض وهما قطعيان ولم يتوصل إلى جمع فإننا نقول: هذا إصرار خاطئ، والواجب عليك إذا لم تعلم الجمع وأنك ما زلت مصرًّا على التعارض أن تقول: آمنت بالله ورسوله، وألَّا تعتقد بهذا التعارض.
(الثاني: أن يكونا ظنيين؛ إما من حيث الدلالة، وإما من حيث الثبوت) كيف الفرق بين الدلالة والثبوت؟ لأن النص قد يكون ثابتًا لكن دلالته غير واضحة؛ غير قطعية، وقد تكون دلالته قطعية لكنه غير ثابت، يكون مثلًا جاء من طرق ضعيفة، فهذا غير ثابت الدلالة؟ لا، غير ثابت بنفسه، فإذا وُجِد تعارض بين دليلين ظنيين نقول: إنه حينئذٍ يُطْلب الترجيح بينهما ثم يُقَدَّم الراجح.
(الثالث: أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا)، فأيهما يقدم؟
طلبة: القطعي.
الشيخ: القطعي، قال: (فيقدم القطعي باتفاق العقلاء؛ لأن اليقين لا يُدفع بالظن)، هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله، وهو كلامٌ واضح.
(إذا تبين هذا فنقول: لا ريب أن النصوص قد جاءت بإثبات علو الله بذاته فوق خلقه)، مثل؟
طالب: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].
الشيخ: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٤]، وأمثال هذا كثير لا يُحْصَى.
ولكن نحن قلنا: علوه بذاته، منين جاءتنا (ذاته)؟ لأن الله إذا أراد الشيء لنفسه فالمراد إليه ذاته، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الحديد: ٤]، من هو؟ هو ذاته، ما حاجة يقول: هو الذي خلق بذاته السماوات والأرض، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة: ٢٢]، من الذي أنزل؟ الله ذاته، ما حاجة يقول: أنزل بذاته، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥]، من؟ الله ذاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما حاجة يقول: وهو العلي بذاته؛ لأن هذا شيء أي واحد يعرف اللغة العربية يعرف أن المراد إلى الشيء يراد به ذات الشيء، فإذا لم يُرَد به ذات الشيء لا بد أن تدل قرينة.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الحديد: ٤]، مَن؟
طلبة: الله.
الشيخ: الله، خلقَ اللهُ، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] اللهُ ذاتُه، ولهذا لما أنكر بعض الناس على بعض العلماء قولهم: استوى على العرش بذاته، وقال: هذا لا يجوز أن تقول: استوى على العرش بذاته؛ لأن هذا زيادة في النص، قال له: أنا ما زدت، وغاية ما هنالك أنني بينت وأوضحت لأدفع قول من يقول: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِأي: استولى عليه، فلا يكون استوى عليه بذاته ولكن استوى عليه بقدرته، فأنا أريد أن أَرُدَّ هذا القول الباطل، ولهذا قال: (أنه علو بذاته فوق خلقه وأنه معهم).
وأيضًا نحتاج في مسألة العلو أن نقول: بذاته لأن من الناس من يقول: إنه عالٍ بصفاته لا بذاته، ونحن نقول: إنه عال بذاته وبصفاته.
طالب: شيخ، إذا قال: عالٍ بصفاته، وصفاته من ذاته، فتقييدنا بالذات ليس له حاجة؟
الشيخ: لا، هو ما له حاجة أصلًا، لكن إذا بُلِيَنا بمن يحرِّف ويخرجها عن حقيقتها لا بد أن نبين الحقيقة، والعلي بصفاته لا يستلزم أن يكون عليًّا بذاته، فقد يكون الملِك هنا والجنود في السقف، فهو بذاته ليس بعالٍ، لكن بصفاته فوق الذين فوقه في السطح.
نقول: (فوق خلقه وأنه معهم) جاءت النصوص أنه معهم في عدة آيات كثيرة، لا سيما المعية الخاصة فإنها جاءت كثيرة في القرآن.
يقول: (وكل منهما قطعيُّ الثبوت والدلالة) فإنه قطعي الثبوت؛ لأنه في القرآن، والقرآن متواتر، ولا أشد من تواتر القرآن.
يقول: (والدلالة) الدلالة؛ لأنها صريحة فيه، فنصوص العلو صريحة فيه، وكذلك نصوص المعية صريحة في المعية، ما تحتمل أي احتمال.
(وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: ٤])، هذه الأيام الستة هل هي أيامنا هذه، أم هي لحظات، أم هي سنين عديدة لا تُعْلَم؟ على أقوال ثلاثة، والصحيح أنها أيامنا هذه، فهي بمقدارها، وأولها الأحد، وآخرها الجمعة.
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، واستوى بمعنى: علا واستقر علوًّا واستقرارًا يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وقد مرَّ علينا في أول البحث أن كلمة (استوى) ترد في اللغة على أربعة أوجه: مطلقة، ومقيدة بـ(إلى)، وبـ(على)، وبالواو.
قال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد: ٤]، مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِأي: ما يدخل، من أيش؟
طالب: الحيوان.
الشيخ: نعم الحيوان في جحورها والدواب والنبات، وما أشبهها.
وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَامن ذلك، الداخل منها يخرج، وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ.
طالب: المطر.
الشيخ: من المطر والرحمة والملائكة والعذاب وغيرها.
وَمَا يَعْرُجُ فِيهَامن الأعمال والملائكة، وهنا قال: يَعْرُجُ فِيهَاولم يقل: إليها؛ لأن المراد يعرج ويدخل فيها، فالعروج هنا ضُمِّن معنى الدخول.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤] يعني: علوه عز وجل فوق العرش لا يمنع أن يكون معنا، فهو معنا أينما كنا، (أين) هذه ظرف مكان؛ يعني: في أي مكان كنتم فالله معكم.
ولكن كيف نفهم هذه المعية؟
فهمها أهل الحلول -والعياذ بالله- على أنه معنا مختلطًا بنا، وقالوا: إذا كنا في المسجد فهو في المسجد، إذا كنا في السوق: في السوق، في البيت: في البيت، في الأماكن الطاهرة: في أماكن طاهرة، في أماكن قذرة: في أماكن قذرة، فجعلوا الله عز وجل -والعياذ بالله- جعلوه (...) متفرقًا، ولا ريب أن هذا القول باطل تنكره العقول لأول وهلة، وهو يستلزم إما أن يكون الله متعددًا أو متجزئًا، وكلاهما باطل، ولا أحد عاقل لم تَجْتَلْه الشياطين يمكِن أن يقبل ذلك. والغريب أن هؤلاء الذين يقولون بذلك لو أن أحدهم سأل ربه لقال: يا ربِّ، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا رب، ولَّا لا؟ ولَّا يا رب..





