الباب الثالث عشر: في نزول الله إلى السماء الدنيا
الباب الرابع عشر: في إثبات الوجه لله تعالى
الباب الخامس عشر: في يدي الله عز وجل
الباب السادس عشر: في عيني الله تعالى
الباب السابع عشر: في الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين
الباب السابع عشر: في الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين
فإنما يضاف إلى مَن وقع منه أو قام به، أو لا؟ هذا هو الأصل، فإذا قلت: قام
فلانٌ، فالأصل أن القائم؟
طلبة: فلان.
الشيخ: فلان الذي وقع منه القيام، وإذا قلت: مات فلان،
فالأصل؟
طالب: فلان.
الشيخ:
أنه هو الذي مات، ولهذا شوف قلنا: يضاف إلى مَن وقع منه، مثل (قام)، أو قام به مثل
(مات)، فإنه لا يقال: وقع منه الموت، ولكن يقال: قام به واتصف بالموت، هذا هو الأصل
في اللغة العربية، فإذا صُرِف إلى غيره كان ذلك تحريفًا يخالف الأصل.
الباب الثالث عشر: في نزول الله إلى السماء الدنيا
00:01:01
(الثاني: أن تفسيره بذلك يقتضي أن يكون في الكلام شيء محذوف، والأصل)؟
طالب: عدم الحذف.
الشيخ: (عدم الحذف).
ينزل ربنا، قلت: ينزل أَمْر ربنا، إذن معناه أن في الكلام شيئًا محذوفًا، والأصل عدم الحذف.
(الثالث: أن نزول أمره ورحمته أو رحمته لا يختص بهذا الجزء من الليل، بل أمره ورحمته ينزلان كل وقت)، أليس هكذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، فإن نزول الأمر ونزول الرحمة لا يختص بهذا الجزء من الليل، بل هو ينزل كل لحظة، كل لحظة وأَمْر الله عز وجل نازل، وكل لحظة ورحمته سبحانه وتعالى نازلة.
(فإن قيل: المراد نزول أمر خاصّ ورحمة خاصة، وهذا لا يلزم أن يكون كل وقت)، نعم، لو قال قائل: المراد بنزول أمره أي أمر خاصّ غير الأمر العام اللي ينزل كل وقت، أو المراد بالرحمة رحمة خاصة في هذا الجزء من الزمن، لا الرحمة العامة التي تنزل كل وقت.
(فالجواب: أنه لو فُرِض صحة هذا التقدير والتأويل فإن الحديث يدل على أن منتهى نزول هذا الشيء السماء الدنيا).
طلبة: هو السماء الدنيا.
الشيخ: هو السماء الدنيا، أو لا؟ يعني لو قلنا: إنها رحمة خاصة، تنزل رحمته إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، وقلنا: إنها رحمة خاصة، أو أنه أمر خاص.
فهنا نقول: (أيّ فائدة لنا في نزول رحمة إلى السماء الدنيا حتى يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عنها؟!).
ويش الفائدة إذا كان ما هي تصل إلى الأرض وننتفع منها؟ فأي فائدة لنا حتى يخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبطل بذلك أن يكون المراد بالنزول نزول الأمر.
طالب: أو الرحمة.
الشيخ: أو الرحمة.
(الوجه الرابع: أن الحديث دلَّ على أن الذي ينزل يقول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» ، ولا يمكن أن يقول ذلك أحد سوى الله)، هل يمكن أن الأمر يقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: أو الرحمة تقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟! أو الْمَلَك يقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟!
وبهذا يتبين بطلان هذا التحريف، وأن الصواب أن الذي ينزل هو الله تبارك وتعالى حقيقة.
ولكن هاهنا مسائل:
المسألة الأولى: هل يخلو العرش من الله عز وجل عند نزوله إلى السماء الدنيا أو لا يخلو؟
من العلماء مَن قال: إنه لا ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، وأنه كما قال الإمام مالك في السؤال عن كيفية الاستواء قال: السؤال عنه بدعة، فالسؤال: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو، هذا من البدع؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، مع أننا نعلم أنه إما أن يكون ورود هذا على القلب حقًّا أو باطلًا، فإن كان باطلًا فلا ينبغي إيراده، وإن كان حقًّا فإننا نعلم أنه لو كان مما ينبغي أن يتكلم فيه الإنسان لكان الصحابة رضي الله عنهم أولى الناس بأن يتكلموا به، ولهذا نقول: إن الأولى الكفّ عن هذا السؤال، لا تقل: يخلو أو ما يخلو، قل كما سمعت: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، وما عليك أن يخلو عرشه منه أو لا يخلو.
وقال بعض أهل العلم: إن العرش يخلو منه، وهذا خطأ؛ لأن القول بأن العرش يخلو منه قولٌ بلا علم، فإن الأصل أنه مُسْتَوٍ على عرشه، فلا يمكن أن ننفي عنه هذه الصفة إلا بدليل، وليس هناك دليل.
ثم إنك إذا قلت: يخلو منه العرش، فإنه يُوهِم أن تكون الأمكنة تحصر الله عز وجل، فيكون على العرش ثم ينزل إلى السماء فيكون على السماء، وهذا شيء مستحيل.
القول الثالث في المسألة: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش؛ لأن النصوص أثبتت نزوله، وأثبتت أنه مُسْتَوٍ على العرش، فنُثْبِت أنه مُسْتَوٍ على العرش وأنه ينزل، ولا تناقض في ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إننا نقول: ينزل ولا يخلو منه العرش.
ولكن عندي أن الأولى هو الكفّ عن إيراد هذا السؤال مطلقًا، ونقول: لأن الصحابة ما سألوا عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان هذا من الأمور التي يجب علينا أن نعتقدها إثباتًا أو نفيًا لَبَيَّنها الله ورسوله.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الثاني (...) استوى على العرش بالصفات الذاتية، فالصفات الفعلية (...).
الشيخ: نعم، هو من الصفات الفعلية، لكن مَن الذي يقول: إنه سبحانه وتعالى لما نزل إلى السماء الدنيا ترك الاستواء على العرش.
طالب: ما ورد فيه نص.
الشيخ: إي، ما نجزم به، هذا هو، ولهذا قلت: إن أقرب الأقوال الثلاثة هو الإمساك عن هذا الشيء، إيراد السؤال والجواب عنه.
طالب: قد يسأل سائل يا شيخ يقول: إذا كان النزول حقيقيًّا إذا كان الله ينزل بذاته.
الشيخ: نعم.
الطالب: فهل السماوات والملائكة تكون فوق ولَّا تحت، فوق الله ولّا تحت.
الشيخ: هذا أيضًا من الأشياء التي يجب أن نعلم أن الله فوق كل شيء، حتى لو نزل إلى السماء الدنيا فإن الله تعالى فوق كل شيء، ولا يمكن أن يقاس بخلقه، نقول: ينزل وهو فوق كل شيء، ولذلك بعض العلماء لما خاف من هذه الشبهة قال: إن الله تعالى يرفع السماء الدنيا، يخليها فوق السماء السابعة من أجل؟
طالب: أن يكون فوق.
الشيخ: ألَّا يكون فوقه شيء من السماوات، ولكن هذا خطأ، إذا رفع السماء الدنيا ويش صارت؟
طلبة: صارت عُلْيَا.
الشيخ: صارت عُلْيَا ما هي دُنْيَا، فالصواب أن نُعْرِض عن هذا كله بقلوبنا وألسنتنا، وأن يَسَعَنَا ما وسع الصحابة رضي الله عنهم، ونُؤْمِن بأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كما أخبر عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا نتجاوز ذلك، والحمد لله ما كُلِّفنا بهذا؛ لأن لو كان هذا مما نُكَلَّف به لكان الله تعالى يبينه بيانًا شافيًا؛ لأنه يتعلق بالعقيدة، ولا بد أن تكون العقيدة واضحة مبنية على أمر واضح.
قال: (فصل.. في الجمع بين نصوص عُلُوّ الله تعالى بذاته ونزوله إلى السماء الدنيا.
أولًا: عُلُوّ الله بذاته من صفاته الذاتية التي لا يمكن أن ينفك عنها، وهو لا يُنافي ما جاءت به النصوص من نزوله إلى السماء الدنيا).
فالعلو صفة ذاتية، ويش معنى ذاتية؟ أي أن الله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهو أمرٌ سمعيٌّ عقليٌّ فطري كما سبق.
فإذا ورد ما ظاهره ينافي ذلك فإننا نجمع بينهما فنقول في مسألة النزول:
(الأول: أن النصوص جمعت بينهما، والنصوص لا تأتي بالمحال كما تقدم.
الثاني: أن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فليس نزوله كنزول المخلوقين حتى يقال: إنه ينافي عُلُوَّه ويناقضه).
وبهذا نَسْلَم من كل هذه الإيرادات، إذا قلنا: إن الله ليس كمثله شيء، وإن الله أخبرنا بأنه ينزل، وأخبرنا بأنه فوق كل شيء، فنثبت أنه فوق كل شيء وأنه ينزل، ونقول: إن هذا أمر أثبته الله لنفسه، ولا يثبت الله لنفسه شيئًا محالًا أبدًا، ونَسْلَم من كل الإيرادات التي يُورِدُها أهل الشُّبَه علينا.
مما أُورِد على حديث النزول أن ثُلُث الليل الآخر يدور على الكرة الأرضية، أليس كذلك؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: ينتقل باللحظة من هذا المكان إلى هذا المكان، فهل يستلزم أن الله تعالى يكون نازلًا دائمًا؟
نقول كما قلنا قبل قليل: مَن كان عندهم ثلث الليل فالنزول لله ثابت في حقهم، ومَن طلع عندهم الفجر فالنزول الإلهي قد انتهى في حقهم، وإن كان موجودًا عند آخرين؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما يُقَاس بالخلق، فقد يكون بالنسبة لهذه المنطقة من الأرض نازلًا إلى السماء الدنيا؛ لأنها ثلث الليل الآخر، وبالنسبة للمنطقة الأخرى غير نازل؛ لأنها ليست في الثلث الآخر من الليل.
وكل الأمر ينبني على التسليم التامّ بما جاء في النصوص، فأنت إذا سَلَّمت تسليمًا تامًّا وآمنت إيمانًا كاملًا لن تَرِد عليك هذه الشبهات، والله أعلم.
طالب: الصحابة (...).
الباب الرابع عشر: في إثبات الوجه لله تعالى
00:13:01
الشيخ: (الباب الرابع عشر: في إثبات الوجه لله تعالى).
إثبات الوجه لله تعالى هو ما يقول به أهل السنة والجماعة: (أن لله وجهًا حقيقيًّا يليق به موصوفًا بالجلال والإكرام).
مَن هم أهل السنة والجماعة؟ هم الذين اجتمعوا على السنة، وأخذوا بها، ولم يتفرَّقُوا بها، وقد ادَّعى بعض المتأخِّرين أن أهل السنة والجماعة ينطبق على ثلاث طوائف: الأثرية والأشعرية والماتريدية، وزعموا أن الأشعرية والماتريدية من أهل السنة والجماعة، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن الوصف لا ينطبق عليهم؛ إذ إنهم أهل السنة، وأين السنة من الأشاعرة؟ وأين السنة من الماتريدية؟ ويقولون: أهل الجماعة، والآن أنتم معترفون بأن هؤلاء ثلاث فِرَق، والجماعة لا تكون إلَّا؟
طالب: فرقة واحدة.
الشيخ: فرقة واحدة، وعلى هذا فإن هذا الوصف لا يصدق إلا على الأثرية فقط، ولهذا السَّفَّارِيني رحمه الله قال في الدُّرَّة لما ذَكَرَ افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة قال:
| وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ جَزْمًا يُعْتَبَرْ | فِي فِرْقَةٍ إِلَّا عَلَى أَهْـــــــلِ الْأَثَرْ |
إلَّا على أهل الأثر: الأثريين؛ لأن الأثريين فرقة واحدة آخذة بالسنة مجتمعة عليها.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما الفرق بين الماتريدية والأشعرية؟
الشيخ: يقولون الفرق بينهما أن الماتريدية يزيدون صفة ثامنة وهي الْخَلْق.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم؟ يثبتون الخلق بخلاف الأشاعرة.
الطالب: (...).
الشيخ: الظاهر (...)؛ لأن ترى كلامها هذا في الصفات، لكن قد يختلفون عنهم في أسماء الإيمان والدين، في القدر، قد يختلفون، مثل ما أن الجهمية والمعتزلة يتفقون في باب الصفات، ويختلفون في باب أسماء الإيمان والدين، وفي باب القدر.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: الماتريدية بعضهم يقول: إنهم أقرب الناس إلى أهل السنة والجماعة.
الشيخ: إي، نظرًا إلى أنهم يزيدون الصفة هذه.
يقول: (وقد دلَّ على ثبوته لله الكتاب والسنة)، على ثبوت الوجه لله دل عليه الكتاب والسنة.
(فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: ٢٧])، يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، هذا بعد قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
قال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان أن يصل بين الآيتين فيقول: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، لأجل أن يتبين بذلك الفرق بين الخالق والمخلوق؛ لأنك لو قلت: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍوسكتّ لم يكن هناك ارتباط بين الأولى والثانية، فإذا قلت: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَتَبَيَّنَ بذلك كمال الخالق وتميُّزه عن المخلوق.
قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِذو: صفة لـ(رب) ولَّا لـ(وجه)؟
طلبة: لـ(وجه).
الشيخ: لـ(وجه)، ذو الجلال والإكرام، ولهذا جاءت بالرفع، لكن تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ [الرحمن: ٧٨]، ذِيصفة لـ(رب) وليست لـ(اسم)؛ لأن الذي يوصف بالجلال والإكرام هو الله أو وجه الله.
وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَذهب بعض أهل الجهل والسَّفَه أن الله يفنى إلا وجهه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، ولكن هذا من الخطأ العظيم؛ لأن الله تعالى لا يتمدَّح أو لا يمدح نفسه بأنه يهلك إلا وجهه، ليس هناك مدح، إذا كان الإنسان تأكله الأرض إلا عَجْب الذَّنَب، صار وجه الله مثل أيش؟ مثل عَجْب الذَّنَب، وهذا لا أحد يقول به والعياذ بالله.
ولكن عبَّر بالوجه عن الذات، عَبَّر بالوجه عن الذات؛ لأن الوجه هو الموصوف بالجلال والإكرام، والوجه هو أشرف ما يكون في الإنسان، فلهذا عَبَّرَ الله عن نفسه بالوجه، فقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
وقال بعض العلماء في قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ: إلا ما أُرِيد به وجهه، واستدل لذلك بقوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣]، قال: فكل شيء لا يُرَاد به وجه الله فإنه هالك تالِف، والآية قد نقول: إنها تشمل المعنيين.
وأما قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] فقد اختلف السلف فيها على قولين: منهم مَن يقول: إن المراد بالوجه هنا الجهة، وجعل قرينة ذلك قوله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فهاتان جهتان، فأينما تولوا جهة المشرق أو جهة المغرب فثَمَّ جهة الله عز وجل، يعني فهي الجهة التي أُمِرْتُم بها.
وقيل: المراد بوجه الله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِوجهه الحقيقي، وأن الإنسان أينما تَوَلَّى إلى مشرق أو مغرب فإن الله تعالى قِبَلَ وجهه، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول نهى عليه الصلاة والسلام مَن يصلي أن يبصق قِبَلَ وجهه وقال: «إِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ» ، وهذا القول أرجح، والقول الأول صحيح؛ فإن الإنسان إذا اشتبهت عليه قبلة وصلَّى إلى أي جهة فثمة الجهة التي أُمِر أن يتوجه إليها.
طالب: (...) هذا قاسوا الله على المخلوق، ونحن الحين نحن لا نعلم ما ورد (...) صفات الله من الوجه، فنكون بذلك تكلمنا على الله بغير علم.
الشيخ: لا؛ لأنه معروف هذه أساليب لغة عربية، والقرآن نزل باللغة العربية، فعندما نقول -مثلًا-: ويبقى رِجْل ربك، مثلًا، فلا شك أن تعليق البقاء بهذا الشيء أو بهذه الصفة الخاصة تدل على أنها أكمل من غيرها، يعني تعليق هذا البقاء الذي هو صفة كمال بهذا الشيء المعيَّن من صفات الله يدل على أنه أكمل من غيره، يعني حتى من غير باب القياس، ولكن يقال: إنه ليس المراد بلا شك أن الله عز وجل يفنى ويبقى وجهه فقط، أو يهلك ويبقى وجهه فقط؛ لأن اللغة العربية واسعة تعبِّر عن مثل هذا.
طالب: (...) دل عليه الدليل.
الشيخ: أيهن؟
الطالب: في هذه الآية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
الشيخ: والله أنا عندي ما فيها تأويل؛ لأن حتى الآن ابتغاء وجه ربهم وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] وما أشبه ذلك، دائمًا يُعبَّر بالوجه عن الذات، حتى في مقتضى اللغة العربية، فهم ما يريدون الوجه فقط، بل يريدون الذات كلها، فالظاهر أن هذا ليس من باب التأويل، بل إن هذا هو مقتضى هذا الأسلوب في اللغة العربية.
طالب: فيكون هذا هو، يعني الراجح إنه (...).
الشيخ: بالوجه عنها، أو المراد الوجه فقط والباقي يهلك، هذا ما أحد يقول به من أهل العلم إلا فرقة ضالة.
قال: (ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المأثور: «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» ).
«أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ»، هذا فيه دليل على أن الإنسان يرى الله عز وجل، وأن ألذ شيءٍ عليه النظر إلى وجه الله، ففي قوله تعالى عن الجنة: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] يقول: لا لذة للعين أكمل من لذة النظر إلى وجه الله عز وجل، ولهذا سأل النبي عليه الصلاة والسلام ربه لذة النظر إلى وجهه.
وفي سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لذة النظر إلى وجه الله دليل على أن ذلك ممكن، وأن رؤية الله ممكنة، خلافًا لِمَن؟ لأهل التحريف من الأشعرية وغيرهم الذين يقولون: إن الله تعالى لا يُرَى بالعين وإنما يُرى بالقلب، أو يُرى ثوابُه، أما ذات الله عز وجل فعندهم أنه لا يُرَى، ولكنهم -نسأل الله العافية- حَرَمُوا أنفسهم هذه اللذة العظيمة التي هي أعلى نعيم الجنة، حَرَمُوا أنفسهم إياها مع دلالة الكتاب والسنة على ثبوتها.
(فوجه الله تعالى من صفاته الذاتية).
طالب: الشوق إلى لقاء الله تعالى.
الشيخ: نعم «الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ»، معروف الشوق إلى لقاء الله، يعني معناه: محبة الوصول إلى الله عز وجل.
طالب: (...) الإنسان يحب الموت.
الشيخ: لا، ليس معناه أنه يحب الموت، معناه أنه يحب لقاء الله، ولهذا لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، قالت عائشة: يا رسول الله، كلنا يكره الموت، قال: «لَيْسَ بِذَاكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا احْتُضِرَ بُشِّرَ بِالْجَنَّةِ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ» ، وَأَمَّا الكافر فبالعكس.
طالب: قول الشاعر (...).
الشيخ: (تحريف معناه إلى الثواب)، هل أحدٌ قال بذلك؟ نعم، أهل التعطيل قالوا: إن المراد بوجه الله ثواب الله، كل مَن عليها فَانٍ ويبقى ثواب ربك ذي الجلال والإكرام، نقول: هذا لا يصح.
(أولًا: أنه خلافُ ظاهرِ النص، وكل معنى يكون خلاف ظاهر النص فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك).
فكل أحدٍ صَرَفَ النص عن ظاهره فإننا نقول له: هاتِ الدليل، وإلا فالأصل أن دلالة النصوص على ظاهر النصوص، فإن جاء بدليل وإلا وجب أن نجعل النص دالاًّ على ما يقتضيه ظاهره.
ولكن المشكل الآن أن بعضهم يقول: إن ظاهر النص هذا مستحيل على الله، هذا المشكِل، ولذلك يُلَبِّسون، يقولون: الاستواء على العرش ظاهره أن الله استوى عليه، يعني عَلَا عليه واستقر، لكن هذا محال؛ لأنه لو كان كذلك لزم أن يكون الله محتاجًا إلى العرش.
فنقول لهم: هذا ليس بلازم، هذا الاستواء إنما يلزم في استواء.. أو هذا المعنى إنما يلزم في استواء المخلوق، هو الذي إذا استوى على شيء وخرَّ الشيء سقط، أما الخالق فلا.
فهؤلاء الذين يقولون: إننا لو أثبتنا لله وجهًا لزم أن يكون له جزءٌ، ولهذا يقولون: سبحان مَن تنزَّه عن الأغراض، ويش بعد؟
طلبة: والأبعاض.
الشيخ: والأبعاض، ويش بعد؟ والأعراض، سبحان مَن تَنَزَّه عن الأبعاض والأغراض والأعراض، والكلمة زينة دي، اللي يسمع يقول: ما شاء الله ها دول مُلْهَمُون، ويش يريدون بهذا؟
سبحان مَن تنزه عن الأبعاض، يقولون: ما له يد، ولا له وجه، ولا له عين، ولا له قدم؛ لأن هذه أبعاض، والله مُنَزَّه عن الأبعاض.
عن الأغراض: عن الْحِكْمَة؛ لأن الله تعالى يفعل الشيء لا لحكمة، هكذا يفعله ارتجالًا؛ لأنه لو فعله لحكمة لكان محتاجًا إلى هذا الغرض الذي يريده، وهو مُنَزَّهٌ عن الأغراض، والثالث؟
طلبة: عن الأعراض.
الشيخ: عن الأعراض، الأعراض: الصفات الفعلية، يقول: لأنها عَرَض يأتي ويزول، وهو مُنَزَّه عن النزول إلى السماء الدنيا، مُنَزَّه عن الاستواء على العرش، مُنَزَّه عن الضحك، مُنَزَّهٌ عن الإتيان يوم القيامة، وما أشبه ذلك، لماذا؟ قال: لأن هذه أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بأجسام، والأجسام متماثلة، وقد سبق لنا بيان بطلان هذا الدليل، إي نعم.
(ثانيًا: أن هذا الوجه ورد في النصوص مضافًا إلى الله -وجهُ الله- والمضاف إلى الله إما أن يكون شيئًا قائمًا بنفسه، وإما أن يكون غير قائم بنفسه).
الذي أضافه الله إلى نفسه لا يخلو إما أن يكون قائمًا بنفسه، أو غير قائم؛ إن كان قائمًا بنفسه فهو مخلوق، وإن كان غير قائم بنفسه فهو من صفات الله وليس بمخلوق، ولهذا قال:
(فإن كان قائمًا بنفسه فهو مخلوق وليس من صفاته، مثاله: بيت الله، ناقة الله)، وين بيت الله؟
طلبة: (...).
الشيخ: وَطَهِّرْ؟
الطلبة: بَيْتِيَ.
الشيخ: بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج: ٢٦].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ» ..
طلبة: «مِنْ بُيُوتِ اللهِ».
الشيخ: «مِنْ بُيُوتِ اللهِ».
(فإذا كان قائمًا بنفسه فهو من صفات الله، كبيت الله وناقة الله)، وين ناقة الله؟
طلبة: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ.
الشيخ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣].
البيت هل هو شيء مستقل قائم بنفسه؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذن يكون مخلوقًا، الناقة كذلك شيء قائم بنفسه فيكون مخلوقًا، واضح؟ وغيره مساجد الله، «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» ، المساجد أشياء قائمة بنفسها فلا تكون مخلوقة، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، مِنْهُ، السماوات والأرض الذي فيها أعيان قائمة بنفسها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قوله: مِنْهُليس المعنى أنها جزء من الله، وإنما إضافتها إلى الله إضافة خَلْق، أو تشريف، أو تكريم.
وإنما أُضيف إليه إما للتشريف، وإما من باب إضافة المملوك والمخلوق إلى مالكه وخالقه.
طالب: تسمية القرآن بكتاب الله خطأ؟
الشيخ: لا.
الطالب: الكتاب.
الشيخ: بمعنى المكتوب.
الطالب: ما (...) يعني قائم بذاته.
الشيخ: لا، ما هو قائم بذاته، لأن المكتوب هو قول الله عز وجل، هو الآن صحيح بعد أن وُضِع في هذه الأوراق والأوراق مخلوقة، والمداد مخلوق، وعمل الكاتب مخلوق، لكن المكتوب غير مخلوق.
يقول: (وإن كان غير قائم بنفسه فهو من صفات الله وليس بمخلوق، مثال ذلك: عِلْم الله)، قال الله تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥]، هذا مخلوق ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: غير مخلوق، وقال تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ [النساء: ١٦٦].
طلبة: بِعِلْمِهِ.
الشيخ: بِعِلْمِهِ.
كذلك (قدرة الله)، وردت قدرة الله مضافة إلى الله؟
طالب: صفة.
الشيخ: إي، هل وردت مضافة إلى الله؟
طالب: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ [الأنعام: ٩١]
الشيخ: لا، حق قدره، ويش تقولون؟
طالب: شيخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدَرُ اللهِ» .
الشيخ: قَدَرُ الله أو قَدَّرَ الله، هذا التقدير، القدرة.
طالب: أعوذ بعزة الله وقدرته.
الشيخ: أعيذك بعزة الله، أو أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، طيب عزَّته؟
هذا الذي قال الأخ.
طالب: قوله: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٨٠].
الشيخ: (...) أوضح، كلامه؟
طالب: حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦].
الشيخ: حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، ويده؟
طلبة: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠].
الشيخ: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وبَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وعينه؟ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، ونحو ذلك.
(والوجه بلا ريب من هذا النوع)، فإن وجه الله عز وجل صفة من صفاته غير بائنٍ منه، والوجه لا يقوم بنفسه، الوجه إنما يقوم بما هو وجهٌ له، فلا يقوم بنفسه.
يقول: (فإضافته إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف)، ما تقولون في قوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩]؟
طالب: تشريف.
الشيخ: إي، لكن هل هو عين قائمة بنفسها؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الروح عين قائمة بنفسها، تُقبَض وتُكفَّن وتُعذَّب، فهي عين قائمة بنفسها فتكون مخلوقة.
(ثالثًا: أن الثواب مخلوق بائن عن الله عز وجل، والوجه صفة من صفات الله تعالى غير مخلوق ولا بائن، فكيف يفسَّر هذا بهذا؟!).
يعني: إذا قلت بأن قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، إذا قلت بأن المراد ثوابه، الثواب مخلوق، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: وبائن عن الله ولَّا من صفاته؟
طلبة: بائن عنه.
الشيخ: بائن عنه؛ لأن الله تعالى يخلق هذا الثواب، فكيف يفسَّر هذا بهذا؟!
طالب: لو أراد بالثواب يقال: ويبقى ثواب ربك.
الشيخ: نعم (...) ذلك الوجه، أنا عندي: (إن ذلك الوجه).
طلبة: نعم.
الشيخ: الصواب (أنَّ).
طالب: حتى ذلك الوجه.
الشيخ: حتى ذلك أن.
طالب: إنّ ولّا؟
الشيخ: أنّ بفتح الهمزة.
طالب: عندنا بالكسرة
الشيخ: إي، الصواب فتحها.
(رابعًا: أن ذلك الوجه وصف في النصوص بالجلال والإكرام)، وهل يوصَف الثواب بالجلال والإكرام؟ لا، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ، ولم يقل: ذي الجلال، فدَلَّ هذا على أن الصفة تابعة للوجه، والثواب لا يمكن أن يوصَف بأنه ذو الجلال والإكرام؛ لأن الثواب هو يكرم أحدًا، وهذا يقول: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
وُصِفَ هذا الوجه (بأن له نورًا يُسْتَعَاذ به)، منين نأخذها؟ نعم.
طالب: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ».
الشيخ: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
(وبأن له سُبُحات تحرق ما انتهى إليه بصره مِن خَلْقِه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ، فهل يمكن أن يقال: سُبُحَات الثواب؟ لا يمكن.
(وكل هذه الأوصاف تمنع أن يكون المراد به الثواب، والله أعلم).
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: مَن يثبت الوجه على حقيقته. (...)
***
الشيخ: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.سبق لنا أن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الوجه لله، وأنه قد دَلَّ على ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما هو الدليل من كتاب الله؟
طالب: قال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ.
الشيخ: أي: بل وجهه مبسوط؟
الطالب: عندك الوجه؟
الشيخ: إي، بنتكلم عن الوجه في الماضي.
الطالب: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
الشيخ: نعم، ومِن السنة؟
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَسْأَلُكَ»..
الشيخ: «لَذَّةَ النَّظَرِ».
الطالب: «لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ».
الشيخ: «وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» نعم.
وأجمع السلف على أن لله تعالى وجهًا، فما هذا الوجه الذي أجمع السلف عليه؟ (...)
(في يَدَيِ الله عز وجل..
الباب الخامس عشر: في يدي الله عز وجل
00:38:54
مذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى يدين اثنتين)، (يدين) بالنصب؛ لأنها اسم، اسم (أنّ) مؤخَّر.
(مبسوطتين بالعطاء والنعم)، والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، بَلْ يَدَاهُثنتين، ولو كان له أكثر من ثنتين لقال: بل أيديه مبسوطة؛ لأن المقام مقام تَمَدُّح بكثرة العطاء، وكلَّما كثرت آلة العطاء كان العطاء أكثر، فلما ذكر الله اليدين اثنتين فقط دَلَّ على أنه ليس له أكثر من اثنتين، وسيأتينا إن شاء الله تعالى أن الله قال: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١] فأثبت الجمع، وسيأتي إن شاء الله الجواب عنه.
قال: (وهما من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به)، ما هي الصفات الذاتية؟ هي التي لم يَزَل ولا يزال مُتَّصِفًا بها، لكننا سبق أن قلنا: إن الصفات الذاتية إما معنوية وإما خبرية؛ المعنوية مثل: السمع والبصر والعلم والقدرة، والخبرية مثل: الوجه، واليد، والعين، والقدم، والساق، والساعد، وما أشبهها، هذه من الصفات؟
طلبة: الخبرية.
الشيخ: الذاتية الخبرية، وقوله: (الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به)، قولنا: (حقيقة) خلافًا لمن قال: مجازًا، فإنه حقيقة ثابتة لله عز وجل، له يدان اثنتان حقيقيتان.
وهل يلزم من إثبات ذلك حقيقةً أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يلزم، حقيقة لا يلزم؛ لأننا نقول لمن ألزمنا بذلك وقال: إذا أثبتم لله يدًا حقيقية لزمكم أن يكون مماثلًا للمخلوق، نقول له وبكل بساطة، وخلافًا لمن ينعس، نقول له بكل بساطة أيش؟ هل تثبت لله ذاتًا؟ سيقول؟
طلبة: نعم.
الشيخ: سيقول: نعم.
هل لزم من إثباتك الذات أن تكون ذاته مماثلة للمخلوقين؟ لا، إذا كنت تقول هكذا فلماذا لا تثبت صفات لا تشبه صفات المخلوقين؟ لأن القول في الصفات فَرْعٌ عن القول في الذات، وهذا جواب بسيط وجواب مُقْحِم مقنع لا خلاص منه، هذا واحد.
ثانيًا: نقول: لا يلزم من تساوي الشيئين في الاسم أن يتساويَا في الحقيقة، أليس كذلك؟ سيقول: بلى، إن قال: لا، يلزم من تساويهما في الاسم تساويهما في الحقيقة، نقول: بسم الله الرحمن الرحيم، هل لك عين؟
طالب: نعم.
الشيخ: سيقول: نعم لي عين، هل للجمل عين؟ سيقول: نعم له عين، هل عينك كعين الجمل؟ ويش بيقول؟
طلبة: لا.
الشيخ: ولّا بيقول (...)، سيقول: لا، نقول: هل لك يد؟ سيقول؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هل للهِرّ يد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: سيقول: نعم، هل يدك كيد الْهِرّ؟ نعم ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: سيقول: لا، ولَّا كان اتشعبط بالدار ويرقع بدون أبواب، ولَّا لا؟ إذن نقول: هذا الرجل نرد عليه من وجهين:
الوجه الأول: أنك تثبت لله ذاتًا وتؤمن بأنها لا تشبه ذوات المخلوقين، والكلام على الصفات كالكلام عن الذات.
ثانيًا: أنك أنت الآن تعترف بأن الشيئين إذا تساوَيا في الاسم لا يلزم أن يتساويَا؟
طلبة: في الحقيقة.
الشيخ: في الحقيقة، أليس كذلك؟ إذن ما المانع من أن تقول: إن لله يدًا حقيقية لا تشبه أيدي المخلوقين؟ ويش المانع؟
وأقول: الأصح أيضًا ألَّا نعبر بـ(تشبه)، الأصح أن نقول: لا تُمَاثِل أيدي المخلوقين؛ لأن هذا هو التعبير القرآني لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، عرفت؟
ولأن المشابهة من بعض الوجوه لا بد أن تكون فيما اتفقَا في الحقيقة، لا بد أن يكون هناك تشابه من بعض الوجوه، فالسمع لله والسمع للإنسان فيه نوع من التشابه ولَّا لا؟ في إدراك المسموع يتشابهان، لكن في الحقيقة ما يتشابهان، في الحقيقة والقدر ما يتشابهان بلا شك.
لكننا نقول: التعبير بعدم المماثلة هو الأولى؛ لأنه التعبير القرآني، ولأنه مُنْتَفٍ قطعًا بكل حال.
إذن نقول للأخ، أو لهذا الْمُحَرِّف، نقول: ليش ما تثبت أن لله يدًا حقيقية لا تماثل أيدي المخلوقين، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل في ذلك من عيب أن نقول: لله يدٌ عظيمة جليلة مبسوطة بالعطاء والنعم، السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا، هل في ذلك نقص؟ أسألكم بالله: فيه نقص؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما فيه نقص، إذا لم يكن فيه نقص لماذا ننكر ما أثبته الله لنفسه ونقول: نحن أعلم بك منك يا ربنا، ترى حقيقة الأمر أن الذين ينكرون ما وصف الله به نفسه ترى لسان حالهم يقول: نحن أعلم بك منك يا ربنا، ولَّا لا؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ، يقول: لا إحنا اللي نعرف الثناء عليك، أنت تقول: لك يد، ولكن ما لك يد، المراد بيدك ها النعم اللي إحنا نأكلها ونشربها ونلبسها، هذا المراد بيدك، نسأل الله السلامة.
يقول: (فمِن أدلة الكتاب قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: ٧٥])، يخاطب الله مَن؟ يخاطب إبليس، يقول: أي شيء منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، وما خلقه الله بيده الكريمة فهو له زيادة الشرف والفضل، وقال: بِيَدَيَّأي: بيديَّ الثِّنْتَيْن.
هم يقولون: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّيعني: بنعمَتَيَّ أو بقُدْرَتَيَّ، سبحان الله! الله ما له إلا قدرتين؟! وينها القدرتين لله، القدرة قدرة عظيمة ما لها نهاية، ولا لله قدرتان، له قدرة واحدة لكن لا نهاية لها، وتعدُّد المقدور لا يلزم (...) عليه، ولَّا لا؟ ما هو قال لك: خلق الشيطان بقدرته، لو كان إن المراد باليد القدرة لقال: أو أنا يا رب خلقتني بقدرتك، لكنه احتج بحجة ثانية باطلة قاسَ في مقابلة النص، ويش قال؟ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]، فإذن القياس يقتضي أن المخلوق من النار اللي يطبخ عليها الطعام، وتُطْهَى عليها القهوة، وما أشبه ذلك، أحسن من طين يلوِّث الثياب، فيقول: أنا خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍفأنا؟
طلبة: خيرٌ منه.
الشيخ: خيرٌ منه، وأحق بالسجود منه، ولكن ابن القيم رحمه الله ذَكَرَ الفرق بين الطين والنار من عدة أوجه، وأن الطين خير من النار، فضلًا هذا عن مادة الخلق التي احتج بها إبليس، ولكن هناك شيء ما يمكن لإبليس أن يحتج به، وهو أن الله خلق آدم بيده، وهذه مزية لم تكن لأحد من المخلوقين، كل المخلوقين خُلِقُوا بماذا؟ بالكَلِم؛ كن.
طالب: فيكون.
الشيخ: فيكون، أما آدم فخلقه الله عز وجل بيده حتى سَوَّاه ونفخ فيه من روحه.
كلمة خَلَقْتُ بِيَدَيَّصريحٌ في أن المراد أن الشيء الذي خُلِق به هو اليد، ولم يَقُل: خَلَقَتْ يداي، حتى نقول: إن اليد يراد بها الذات، كما في قوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]؛ لأنه هنا أضاف الخلق إلى نفسه، ثم جعل المخلوق به يديه، فقال: أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.
وليست هذه الآية كقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]؛ لأن مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًامثل قوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، فالمعنى: مما خَلَقْنَا، لكن هذه خَلَقْتُ، أضاف الخلق إليه ثم قال: بِيَدَيَّ.
(ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَدُ اللهِ مَلْأَى»)، الله أكبر، «يَدُ اللهِ مَلْأَى»، معنى (ملأى) يعني: ممتلئة، («لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ»)، مثل ما أنّ علمه عز وجل لا يغيضه شيء كذلك عطاؤه لا يغيضه شيء.
يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ» .
الله أكبر، كيف لو المحيط الأطلسي غُمِس فيه مخيط، تبقى السفن طافحة على الأرض؛ لأن المخيط شرب البحر كله، ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ويش ينقص البحر؟
طلبة: لا شيء.
الشيخ: لا شيء، وهذا من باب المبالغة في النفي، يعني أنه لا ينقص ذلك مما عندي شيئًا أبدًا، إن كان المخيط إذا غُمِسَ بالبحر ينقصه فهذا ينقصني، ومعلوم أن الجواب بداهة عند كل أحد؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا ينقصه.
إذن («يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ»)، ثم ضرب لنا مثلًا الرسولُ صلى الله عليه وسلم قال: («سَحَّاءُ»)، السَّحَّاء كثيرة العطاء التي لا تُمسك، خلافًا لقول اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، قاتلهم الله، وقول بعضهم: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١].
(«سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»)، إي والله الليل والنهار، الليل والناس نائمون فيه من مخلوقات الله ما لا يتعيش إلا في الليل، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مَن الذي ينفق عليه؟
الطالب: الله.
الشيخ: الله عز وجل، وما أكثر الذي لا يعيش إلا في الليل، ولا يدرك نفقته إلا في الليل، ثم أنت نائم هنا، وفي القارة الأخرى الناس يعيشون، فيَدُ الله سَحَّاء الليل والنهار.
ثم قال: («أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»)، أَحْصُوه لي، شوي ولا كثير؟
طلبة: كثير.
الشيخ: ما يحصيه إلا اللي أعطاه سبحانه وتعالى، («أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»)، وهذا أمر لا يحصيه إلا الرب عز وجل.
(«فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ» )، يعني هذا الذي أنفقه ما نقص شيئًا مما في يمينه، «لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ»، فإذن في هذا الحديث إثبات اليدين لله عز وجل.
طالب: تغيض يعني ينقص.
الشيخ: إي نعم، كما قال تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ [الرعد: ٨]، وقال تعالى: وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود: ٤٤]، فهو لم ينقص ما في يمينه كل هذا الذي أنفقه منذ خلق السماوات والأرض، ومما قال الرسول إلى يوم القيامة ينقص؟ ما ينفقه الله عز وجل من قول الرسول إلى يوم القيامة؟
طالب: لا يغيض.
الشيخ: لا يغيض، يعني قال بالأول: لا يغيضها نفقة إلى يوم القيامة، والله أعلم.
ثم قال: (وقد أجمع أهل السنة على أنهما يدان حقيقيتان لا تُشْبِهَان أيدي المخلوقين)، الصواب: لا تُمَاثِلان، عندكم كذا؟
طالب: يا شيخ، التشابه يعني يكون فيه جزء. (...)
الشيخ: (أنه –أي: تفسير اليدين بالنعمة والقوة- معنى تأباه اللغة في مثل السياق الذي جاءت به مضافةً إلى الله تعالى)، انتبه للقيود.
(معنى تأباه اللغة)، أيّ لغة؟
الطلبة: اللغة العربية.
الشيخ: العربية؛ لأنها التي نزل بها القرآن كما قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
فاللغة العربية تأبى أن يكون المراد باليد النعمة والقوة لا مطلقًا ولكن في مثل السياق الذي جاءت به مضافةً إلى الله، (فإن الله تعالى قال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ})، يقول لإبليس: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، اللغة تأبى أن يكون المراد باليدين هنا النعمة أو القوة، لماذا؟ قال: (ولا يصح أن يكون المعنى: لما خلقت بنِعْمَتَيَّ أو قُوَّتَيَّ)؛ لأن نعمة الله لا تُعَدّ ولا تُحْصَى، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، هنا نعمتان فقط، وقوة الله هل هي متعددة ولَّا واحدة؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، كيف يقول: بقوتين؟! إذن لا يصح أن يكون المراد باليد في هذا السياق بالذات أن يكون المراد بها النعمة أو القوة.
وقد مَرَّ علينا مرارًا كثيرة بأن تعيين المعنى للفظ يكون بحسب السياق، فقد يكون هذا اللفظ محتملًا لمعنى في سياق لكن لا يحتمله في سياق آخر.
(ثالثًا: أنه ورد أنه)، عندي: إنه، (أنه ورد إضافة اليد إلى الله سبحانه وتعالى بصيغة التثنية)، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، ولم يَرِد في الكتاب والسنة ولا في موضع واحد إضافة النعمة والقوة إلى الله بصيغة التثنية، وهذا يدل على أن بينهما فرقًا، فإذا كان بينهما فرق فكيف يَصِحّ أو (فكيف يُفَسَّر هذا بهذا؟!) وهو واضح أيضًا، ولكنه يختلف عن الوجه الذي قبله.
قال: (رابعًا: أنه لو كان المراد بهما القوة لصح أن يُقال: إن الله خلق إبليس بيده، ونحو ذلك)، أو لا؟
لو كان المراد باليدين القوة لقلنا: إن إبليس مخلوق بيد الله، يعني؟
طلبة: بقوته.
الشيخ: بقوة الله، ولصح أن نقول: إن الْجَمَل مخلوق بيد الله، ولصحَّ أن نقول: إن الخنزير مخلوق بيد الله، وهكذا، وهذا أمرٌ لا أحد يُقِرُّه، ما خلق الله شيئًا بيده إلا آدم، وورد في بعض الآثار أنه سبحانه وتعالى كتب التوراة بيده، وأنه غَرَسَ جنة عدنٍ بيده.
يقول: (وهذا ممتنع، ولو كان جائزًا لاحتج به إبليس على ربه حين قال له: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ})، ويش يقول إبليس؟
طالب: وأنا خلقتني بيدك.
الشيخ: وأنا يا ربي خلقتني بيدك، فلا فرق بيني وبينه، أو فلا فضل له عليَّ.
(خامسًا: أن اليد التي أضافها الله إلى نفسه تصرَّفت تصرفًا يمنع أن يكون المراد بها النعمة)، مين اللي عنده ها الطبعة الأخيرة ١٤٠٤، عندك؟
طالب: وردت على وجوه.
الشيخ: إي، شوف إن خَالفناه في شيء عَلِّمْنا، إحنا عدَّلنا فيها.
(أن اليد التي أضافها الله إلى نفسه وردت..).
طالب: (على وجوه تمنع أن يكون المراد بها النعمة).
الشيخ: إي نعم، (وردت على وجوه تمنع أن يكون المراد بها النعمة أو القوة)، هذا التعديل رأيناه أنسب؛ لأن اليد التي أضافها لنفسه تصرَّفت تصرُّفًا، هذا وإن كان له معنى يعني محتمِل، (تصرَّفت) يعني معناه: وردت مُصَرَّفة، لكنها فيها إيهام، إن تصرفت يعني هي نفسها تصرَّفت، وهي ما تصرَّفت، فالصواب أن نقول: (وردت على وجوه تمنع أن يكون المراد بها النعمة أو القوة، فجاءت بلفظ اليد والكف)، أو لا؟ جاءت بلفظ اليد؟
طالب: نعم.
الشيخ: وين أنت؟
طالب: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.
الشيخ: نعم، قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، كذلك أيضًا جاءت بلفظ الكف: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضِينُ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِنَا .
كذلك أيضًا (جاء إثبات الأصابع لله تعالى).
طالب: قلوب العباد.
الشيخ: «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» .
وكذلك جاء (القبض والْهَزّ)، القبض والهز يكون باليد، مثل قوله: («وَيَقْبِضُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ، وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» ).
كل هذا يدل على أن المراد باليد اليد الحقيقية، عندك تخريج الحديث؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي، مَن رواه؟
الطالب: هناك له في مختصر الصواعق ولم يَعْزُه، وقد رواه مسلم بلفظ: «يَقْبِضُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» ، وورد ذِكْر الْهَزِّ في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قبله.
الشيخ: قال: (وهذه التصرفات)، والصواب: وهذه؟
طالب: الوجوه.
الشيخ: (وهذه الوجوه تمنع أن يكون المراد بهما النعمة أو القوة).
فيه في الواقع وجهان يُرَدّ بهما في كل مسألة فيها تأويل أشرنا إليهما في كتاب شرح لُمْعَة الاعتقاد، كتاب مختصر، وهو أن كل تأويل نرده بأنه مخالف لظاهر اللفظ ولإجماع السلف، هذا في كل تأويل؛ في اليدين، في العينين، في الساق، في القَدَم، في كل شيء.
أيّ إنسان يحرِّف هذه الأشياء فإننا نرد عليه أول ما نرد بأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، ثم عاد يكون هناك وجوه خاصة في بعض الصفات المحرَّفة يُرَدّ بها أيضًا.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا قيل: إن السلف ما تحدَّثوا فيه مطلقًا (...) سبحانه وتعالى، وقال: لم يتحدثوا به، كُفُّوا كما كَفُّوا، نترك الأحاديث.
الشيخ: إي نعم، فالجواب على هذا أن السلف لم يتحدثوا بها؛ لأنه ما وقع في زمنهم ما يُوجِب الكلام فيها، فأبقوها على مقتضى دلالة اللغة العربية؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، ولهذا ما تجد عن الصحابة رضي الله عنهم خوضًا كما تجده في كلام التابعين ومَن بعدهم؛ لأن الشيء إذا لم يُثَرْ، ويش يبقى؟
طلبة: يبقى على ما يجب عليه.
الشيخ: يبقى على ما هو عليه، ولذلك ما تجد لهم كلامًا يصل إلى حد العُمْق الذي كان عند المتأخرين.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: الذين ينفون اليد لله ما نقول لهم: إن المشركين والنصارى قالوا: يد الله مغلولة، كيف تصير نعمة؟
الشيخ: اليهود.
الطالب: اليهود.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف تقول: نفسر (...)، هم الكفار أقرُّوا مُذْنِبون.
الشيخ: إي نعم، اليهود أقرُّوا وهؤلاء؟
الطالب: نَفَوْا.
الشيخ: أنكروا، فصار اليهود في هذا الباب؟
الطالب: خيرًا منهم.
الشيخ: خيرًا من هذا.
طالب: شيخ، أيضًا نعمة الله مغلولة.
الشيخ: ما تستقيم، ولا قوة الله مغلولة.
فالحاصل أن –نسأل الله العافية- هؤلاء المحرِّفُون تعدَّوْا طَوْرًا، يعني حتى إن بعضهم قال –بعض السلف- قال: إني لأتحدَّث عن قول اليهود والنصارى ولا أتحدث عن قول الجهمية؛ لأن قول الجهمية أعظم وأخبث.
الباب السادس عشر: في عيني الله تعالى
01:06:04
(الباب السادس عشر: في عَيْنَيِ الله عز وجل.
قال: مذهب أهل السنة والجماعة أن لله)، عندي: إن، (أن لله عينين اثنتين ينظر بهما حقيقةً على الوجه اللائق به).
(مذهب أهل السنة والجماعة أن لله عينين اثنتين)، وقوله: (ينظر بهما حقيقة)، هذا إنما أُخِذَ من المعنى؛ لأن النظر إنما يكون بماذا؟
طلبة: بالعينين.
الشيخ: بالعين، وإلا ما جاءت في القرآن أو في السنة أن لله عينين ينظر بهما بهذا اللفظ، لكنه مأخوذ من المعنى، ولذلك عبَّرَ ابن خزيمة في كتاب التوحيد بمثل هذا التعبير، قال: إن لله عينين حقيقيتين ينظر بهما.
قال: (على الوجه اللائق)، احترازًا من أن تكون هاتان العينان مشابهتين..
طالب: مماثلتين.
الشيخ: أحسنت، مماثلتين لأعين المخلوقين، بل هو على الوجه اللائق به تبارك وتعالى، أعيُن المخلوقين مختلفة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: في ماذا؟
طالب: في الحجم والكِبَر.
الشيخ: في الكِبَر والصِّغَر واللون.
طلبة: والقوة.
الشيخ: والقوة.
طالب: والضعف.
الشيخ: والقوة والضعف، وكذلك أيضًا في نفس الشَّقّ، الشَّقّ كل العيون، مثل العيون عَرْض مثل عين الإنسان؟
طالب: الجن بالطول تقريبًا.
الشيخ: تقريبًا، وليست حقيقة.
الطالب: لا، تحقيقًا كل ما يقولون.
الشيخ: الأخ حقَّق لنا أن عيون الجن (...) بالطول لا بالعرض، وهذا يحتاج إلى إثبات، إي نعم إلى إثبات، فإن ادَّعَى أنه قد شاهدهم قلنا: فيك نظر الآن، وإن قال: لم أشاهدهم فإننا؟
طالب: في كلامه نظر.
الشيخ: ففيه كلامه نظر.
طالب: مَن شاهدهم قال.
الشيخ: أبدًا، ما أظن، على كل حال ما ننفي عنهم، لكن فيه غير الجن.
طالب: فيه ناس يا شيخ يقولون: شاهدناهم.
طالب آخر: فيه ناس يقولون: (...) صحيح ولَّا لا؟
الشيخ: مَن هؤلاء الناس؟
الطالب: العاديون يقولون.
الشيخ: حدثني عامِّيٌّ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يُقبل هذا الحديث؟
على كل حال أعين المخلوقين مختلفة، فإذا جاز الاختلاف بين أعين المخلوقين مع اتفاقهم في كونهم مخلوقين فالاختلاف بين عَيْن الخالق وعين المخلوق من باب أولى، ولا شك في هذا.
(وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة)، هما: الضمير يعود على العينين.
(فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا})، تجري أي: تسير، والضمير يعود على السفينة التي صنعها نوح عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى لما دعا نوح ربَّه قال: ربي أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠]، قال تعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر: ١١ - ١٤]، ما معنى تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا؟
قال بعض المحرِّفِين: إن هذا يدل على أنه لا بد أن في القرآن مجازًا، لا بد أن يكون في القرآن مجاز؛ لأننا نعلم علم اليقين أن هذه السفينة لم تكن في عين الله، ولا ملاصِقَة لعين الله، فالباء ليست للظرفية، وليست للملاصقة، إذن فلا بد من مجاز.
ولكننا نرد عليهم بأن هذا الأسلوب العربي (تجري بعيني) معناه أنه يلاحظها عز وجل بعينه، ويراها بعينه، ويكلؤها ويحفظها، وهذا أسلوب عربي، حتى –مثلًا- الإنسان يقول: والله أنت بعيني، مِن غَلَاك عندي أنت بعيني، مثلًا يروح حاضن الفراش والوسادة في عينه ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن معناه أنني من شدة –مثلًا- محبتي لك ألاحظك بعيني ولا تغيب عنها.
والحاصل أن قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَالا أحد يدَّعِي أبدًا، لا أحد يعرف اللغة العربية يدَّعِي أن ظاهر اللفظ أن السفينة في عين الله أو عليها، هذا شيء لا يمكن أحد يدَّعِيه.
إذن المعنى: تجري مصحوبة بنظرنا لها بأعيننا، هذا معنى الآية، ولا تحتمل غير هذا.
ولكن يبقى أن نقول: أنت أتيت بها للاستدلال على أن لله عينين مع أن (أعين)؟
طالب: جمع.
الشيخ: جمع، والجواب على ذلك -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- أن نقول: إن الجمع في اللغة العربية من العلماء مَن يرى أن أقله اثنان، كما في قوله: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم: ٤]، ومعلوم أنهما ثِنْتَان وليس لهما إلا قلبان، فـ(قلوب) هنا جمع، ومع ذلك يراد بها الاثنان، فـتَجْرِي بِأَعْيُنِنَاأي: بعينين لنا، واضح؟ هذا وجه.
والوجه الثاني: أن نقول: إن أقل الجمع ثلاثة، ولا يمكن أن يكون أقل الجمع اثنين إلا بدليل؛ بدليل شرعي أو حسي، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاالدليل على أنهما اثنان الحسي والواقع، الجماعة صاروا جماعة أقلّها اثنان بدليل؟
طالب: شرعي.
الشيخ: شرعي، أما إذا لم يوجد دليل فالأصل أن الجمع أقلُّه ثلاثة، وهذا هو المشهور.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) بِأَعْيُنِنَايعني: برعايتنا أو بحفظنا.
الشيخ: لا، لا بد أن نفسرها باللفظ، بظاهر اللفظ.
الطالب: الشيخ عبد الرحمن السعدي يا شيخ فسَّرها بأنها..
الشيخ: ولو فَسَّرَها، إلا إنسان بيقول: برعايتنا بأعيننا؛ لأنه لو لم يأتِ بأعيننا صار تأويلًا؛ لأن الرعاية لا يلزم منها العين، فإذا قال إنسان: تجري –مثلًا- بمرأى منا، نقول: الرؤية بماذا تكون؟
طلبة: بالعين.
الشيخ: بالعين، فإما أن يُفسَّر مرأى منا أي: بأعيننا، نراها بأعيننا، أو أحسن وأوضح أن يقول: بمرأى منا بأعيننا، يؤكد؛ لأن المسألة خطيرة.
قال: (ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» )، هذا قاله وهو صلى الله عليه وسلم يتحدث عن الدجال، الدجال الذي يأتي قرب قيام الساعة، قبل نزول عيسى ولَّا بعده؟
الطلبة: قبله.
الشيخ: وقبل يأجوج ولَّا بعده؟
طلبة: قبله.
الشيخ: قبل يأجوج، نعم، هذا الدجال يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان أو أصفهان، انتبه، الآن أصفهان وين تقع الآن؟
طلبة: في إيران.
الشيخ: في إيران، سيكون في إيران يهود، اللي بيأتي بهم من يهود أصفهان؟ من يهود أصفهان، اليهود أكثر من سبعين ألفًا، «يَتْبَعُهُ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» ، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، والحديث في صحيح مسلم.
هذا الدجال يأتي بفتنة عظيمة جدًّا، فتنة من أكبر ما يكون، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ فِتْنَةٍ بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ أَكْبَرَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ؛ لأنه يأتي إلى القوم يدعوهم، يقول: أنا ربكم فاعبدوني، ويُعَيُّون عليه، إذا عَيُّوا عليه أصبحوا وأرضهم مُمْحِلَة، أمس عُشْب ترعاه الإبل والبقر والغنم، والآن يابسة هامدة، ثم يأتي إلى القوم يدعوهم، يقول: أنا ربكم فاعبدون، فيعبدونه، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتُنْبِت، فيُصْبِحُون مُخْصِبِين، هذه فتنة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فتنة كبيرة، لا سيما للأعراب اللي ما همّهم إلا الرعي والمواشي، فتنة من أكبر الفتن، لكنها لِمَنْ عصمه الله ليست بفتنة؛ لأن له علامات ظاهرة، منها هذه العلامة السيئة؛ أنه أعور.
فإن قال قائل: كيف الرسول صلى الله عليه وسلم يجعل الفارق بين الرب والدَّجَّال أنه أعور، مع أن العقل يعرف الفرق بينهما، هذا مخلوق، وهذا في الأرض، والرب عز وجل في السماء، فلماذا لم يذكر الأدلة العقلية؟
نقول: لأنه في مقام الفتنة تغيب دلالة العقل، ولا يبقى عند الإنسان محل للتفكير، ولهذا مِن أحسن ما يكون العقل الثابت عند حلول الشبهات، فهذه الدلالة العقلية لا شك أنها ثابتة على أن هذا الدجال ليس برب، لكن الدلالة العقلية مع قوة المهاجِم من هذه الفتنة قد ..
طالب: تختفي.
الشيخ: قد تختفي ولا يذكرها الإنسان، لكن العَوَر خَفِيّ ولَّا ظاهر؟
الطلبة: ظاهر.
الشيخ: ظاهر ما به شك، إنه أعور، بمجرد ما أشوف هذا الخبيث –وأرجو الله أن يعصمني وإياكم من فتنته- بمجرد ما أراه أعرف أنه الدجال، ما حاجة أُعْمِل فكري، والفتنة اللي عندي الآن وقوة الهجوم هجوم الشر من عنده هذا كله يزول بهذه العلامة الظاهرة، «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» .
ادَّعَى بعض الناس أن هذا الحديث لا يدل على صفة العين، وقال: إن المراد بالعَوَر هنا العيب، يعني: إنه مَعِيب، وإن الله ليس بمعيب.
لكن هذا القول باطل؛ لأن كل أحدٍ يعرف أن معنى (أعور) في اللغة العربية يعني ما فيه إلا عين واحدة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا» ، لو كان العَوَر بمعنى العيب لكان في الحديث؟
طالب: تكرار.
الشيخ: تكرار، فالعَوَر غير العيب، ثم إن في ألفاظ الحديث الذي رواه ابن عمر وغيره: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى»، العين، أعور العين، واضح الآن؟ قال: «كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ».
طلبة: «طَافِيَةٌ».
الشيخ: «طَافِيَةٌ» ، وهذا واضح أن المراد بالعور هنا فساد إحدى العينين.
يقول: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ» ، الشاهد قوله: «يَنْظُرُ»، والنظر يكون بالعين، وهذا طرف من حديث قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»، قال: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلِينَ»، أي: واقعين في شدة، «قَنِطِينَ» أي: آيِسينَ من فرجها، «فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»؛ لأن مَن عرف الله عز وجل ما ييأس ولا يقنط من رحمته تبارك وتعالى، كما قال إبراهيم: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]، التائهون الذين لا يعرفون قدر الله عز وجل، وإلا فإن مَن عرف قدر الله لا يمكن أن يقنط.
ثم قال: دليل ثالث: («حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» )، «حِجَابُهُ النُّورُ»، وهو جَلَّ وعلا نور، هو ذاته نور، وحجابه النور، فالحجاب نور على نور، هذا النور العظيم لو كشفه الله عز وجل «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، سبحات يعني: بهاء الوجه ونوره وعظمته، تحرق «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ»، الشاهد قوله: «بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، طيب وما لم ينتهِ إليه بصره؟
طلبة: (...).
الشيخ: عجيب، نقول: بصره ينتهي..
طالب: إلى كل شيء.
الشيخ: إلى كل شيء، وعلى هذا فالمعنى: لأحرقت سبحات وجهه كل شيء، ولكن مِن رحمته جل وعلا ومن حكمته أن احتجب عن خلقه بهذه الْحُجُب النورانية، حُجُب عظيمة، ولهذا لما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» يعني: فيه نور عظيم ما أستطيع أني أراه، وقال: «رَأَيْتُ نُورًا» .
وقد اختلف أهل العلم في معنى الحديث هذا؛ فمنهم مَن قال: «رَأَيْتُ نُورًا» يعني: رأيت الله؛ لأن الله نور، ومنهم من قال: «رَأَيْتُ نُورًا» يعني: رأيت النور الذي احتجب به الله عز وجل، وهذا أقرب؛ لأنه سُئِلَ: هل رأيت ربك؟ فلو كان قد رآه لقال؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم رأيته، أما أن يقول: «رَأَيْتُ نُورًا» فهذا فيه إخفاء، وفيه إلغاز في الجواب، والمعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أجاب بشيء يجيبه بجواب واضح.
طالب: شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: إعراب «نُورًا».
الشيخ: «رَأَيْتُ نُورًا»: «رَأَيْتُ» فعل وفاعل، و«نُورًا» مفعول به.
الطالب: قال: رأيتُه يعني؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قالوا: ماذا رأيت؟ قال: نُورًا أَنَّى أَرَاهُ.
الشيخ: لا، هذه الرواية الثانية، قال: «نُورٌ»، يعني: بيني وبينه نور.
قال: (فهما عينان حقيقيتان لا تشبهان أعين المخلوق)، والصواب؟
طلبة: لا تماثلان.
الشيخ: (لا تماثلان أعين المخلوقين، ولا يصح تحريف معناهما إلى العلم والرؤية؛ لوجوه، منها:
أولًا: أنه صَرْف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل).
انتبه، (صرْفٌ للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل)، أفادنا المؤلف من قوله: (بلا دليل) أنه يجوز صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه بدليل.
وإذا وُجِد دليل يُعَيِّن المجاز فهل نقول: إنه مجاز صُرِف عن ظاهره بدليل؟ أو نقول: إن هذا الدليل جعل ما يخالف الظاهر هو الحقيقة؟ هذا هو الصحيح.
ومعلوم أن (...) هذا الكتاب قبل أن يتبين لي صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجماعة من أهل العلم أنه لا مجاز في اللغة العربية، لا سيما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
طالب: شيخ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا. (...)
الشيخ: وأنهما عينان حقيقيتان تليقان بالله عز وجل، ولا تماثلان أعين المخلوقين كسائر الصفات، وذكرنا الأدلة من القرآن والسنة؛ فمن القرآن قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ رَبَّكُمْ».
طلبة: «لَيْسَ بِأَعْوَرَ».
الشيخ: «لَيْسَ بِأَعْوَرَ» ، وتقدم أنه لا يصح تحريف معناهما إلى العلم والرؤية كما قاله بعض الْمُحَرِّفين؛ لأن ذلك صَرْف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل، ولأن في النصوص ما يمنع ذلك، مثل قوله: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ»، وقوله: «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ، وقوله: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأن لله عينين.
لكن لو قال قائل –مثلًا-: هل تقول بأن هذه العين كأعين الخلق فيها بياض وسواد وعروق وكذا وكذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: الجواب: لا، لا يجوز أن نقول ذلك؛ لأن الله ليس كمثله شيء، بل نؤمن بعين، ونؤمن بأنها تليق به، ولا يمكن أن نُمَثِّلَها بأعين المخلوقين.
وهل يمكن أن نُكَيِّفَها؟ ولا يمكن أن نكيفها؛ لما سبق في أول الكتاب من أن التكييف قول على الله بغير علم.
الباب السابع عشر: في الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين
01:26:36
ثم قال: (الباب السابع عشر: في الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين).
عندما أقرأ (صفتا اليدين والعينين) هل أقول: صفتا اليدين ولَّا صفة اليدين.
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير، أحذف الألف؛ لأن ابن مالك يقول:
| إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ | وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَــــــــذْفَهُ اسْتَـــــحَقْ |
ولهذا عندما نقرأ قول الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل: ١٥] هل نقرأ كذا؟ لا، نقول: وقال الحمد لله، نحذف الألف، ومنه البيت الذي أُلغز به:
| لَقَدْ طَافَ عَبْدَ اللهِ بِالْبَيْتِ سَبْعَةً | وَحَجَّ مِنَى النَّاسُ الْكِرَامُ الْأَفَاضِلُ |
والأخ يبين لنا وجه البيت (...) حط ها البيت هذا لغز، تعال أبغي أقرأ عليك البيت، شوف رد عليه إن كان له حل.
| لَقَدْ طَافَ عَبْدَ اللهِ بِالْبَيْتِ سَبْعَةً | وَحَجَّ مِنَى النَّاسُ الْكِرَامُ الْأَفَاضِلُ |
قال: أنت ما تعرف النحو، كل هذا غلط، لكني أقول: كل هذا صحيح، وأُفَسِّر له الكلام.
الباب السابع عشر: في الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين
01:28:33
إذن صفتا اليدين والعينين، خلصنا من الكلام على البيت ما هو موضوع البحث.
صفتا اليدين والعينين وردت على ثلاثة أوجه: الإفراد، والتثنية، والجمع.
فمن أمثلة الإفراد قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١]، بِيَدِهِهذا مفرد، وقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي، تُصْنَعَبمعنى: تُرَبَّى، والخطاب لمن؟ لموسى، وصناعة كل شيء بحسبها؛ فصناعة الإنسان يعني تربيته، وقوله: عَلَى عَيْنِيهل منكم أحد يفهم تُصْنَع على عيني بمعنى: أنك توضع عليها؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ما أحد يفهم ذلك، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى؛ أما من حيث المعنى فلأننا نعلم أن موسى صلى الله عليه وسلم تربَّى في الأرض ما هو على عين الله، وأما من حيث اللفظ فإن مثل هذا التعبير (تُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) يعني: أنني أراك بعيني وأراقبك وألاحظك، هذا هو معناها الذي لا تقبل غيره.
ولكن الشاهد من هذه الآية جئنا بها للاستشهاد على أيش؟
طالب: الإفراد.
الشيخ: على الإفراد، عَلَى عَيْنِي.
ومن أمثلة الجمع قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا، يَرَوْا: يعلموا ولَّا يشاهدوا؟
طالب: يعلموا.
الشيخ: يعلموا؛ لأن العلم أعم من المشاهدة، فأنا أعلم سواء عن السماع أو عن طريق المشاهدة، أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا، أَيْدِينَاجمع، أَنْعَامًا: وهي الإبل وغيرها من الأنعام، فهنا قال: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاجمع، أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ.
وقوله في العين: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَايعني: سفينة نوح تجري ونحن نراها بأعيننا ونكلؤها ونحفظها.
ومن أمثلة التثنية قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِيداه اثنتان، فيه مثال آخر؟ لِمَا خَلَقْتُ.
الطلبة: بِيَدَيَّ.
الشيخ: بِيَدَيَّ، لكنها أظنها سبقت في أول الكلام ولهذا ما كررناها، سبقت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، لم يكررها، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، والضمير يعود لله عز جل.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَامَ الْعَبْدُ فِي الصَّلَاةِ قَامَ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ» ، هنا تَثْنِيَة.
يقول: (هكذا هو في مختصر الصواعق، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَعْزُه)، ولهذا لعلكم تحررون الحديث؛ لأنّا دورنا ما وجدناه إلا في مختصر الصواعق لابن القيم، ولكنه ما عزاه، ما قال: رواه فلان أو فلان حتى نعرف.
قال: (ولم تَرِد صفة العينين في القرآن بصورة التثنية، وإنما وردت بالجمع والإفراد فقط).
هذه هي الوجوه التي وردت عليها صفتَا اليدين والعينين، والجمع بين هذه الوجوه أن يقال..، واعلم قبل أن نذكر الجمع أنه لا يوجد تناقض بين الكتاب والسنة، لا بين الكتاب بعضه مع بعض، ولا بين السنة بعضها مع بعض، ولا بين القرآن والسنة؛ لأن الكل من عند الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يوجَد تناقض، فإن رأيت شيئًا ظاهره التعارض والتناقض وَجَبَ عليك أن تُعِيدَ النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين لك وجه الجمع، فإن لم يتبين لك فما موقفك؟ موقفك أن تَكِلَ ذلك إلى الله، وأن تقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧].
لكني أقول لكم: إنه لا يوجد شيء من القرآن والسنة ظاهره التعارض إلا وُجِدَ له وجهُ جمعٍ، أو وُجِدَ له مخرج من هذا التعارض، لكن الناس يختلفون في تخريج هذا الذي ظاهره التعارض.
الجمع بين هذه الوجوه أن يقال: إن الإفراد لا ينافي التثنية ولا الجمع، كيف الإفراد لا ينافي التثنية ولا الجمع؟ لأن المفرد المضاف يعم، فيتناول كل ما ثبت لله من يد أو عين، واحدة كانت أو أكثر، صح؟
المفرد المضاف ما يدل على أن المقصود به واحد فقط، بمعنى ما يستلزم، والدليل قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، فهنا قال: نِعْمَةَ اللهِثم قال: لَا تُحْصُوهَا، إذن فنعمة مفرد لكن يراد بها؟
طلبة: الجمع.
الشيخ: الجمع والكثرة، فمثلًا عين الله ويد الله (...) مفردة تشمل كل ما ثبت لله من يد أو عين، إذن لا منافاة الآن بين المفرد وبين المثنى والجمع.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: أيش يقول؟
الطالب: يقول: (...).
الشيخ: لأن المفرد المضاف ..





