الباب العشرون: في طريقة النُّفَاة فيما يجب إثباته
لأن المخلوق له نعمة وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧].
فإذا قلتم: إنها نعمة قلنا: للمخلوق نعمة، فقد شبهتم الخالق
بالمخلوق على زعمكم، وارتكبتم زيادةً على ذلك تحريفَ النصوص.
وهذا شامل، كل شيء
يتأولونه على غير تأويله فإنه يَلزمهم فيما أثبتوه نظيرُ ما يلزمهم فيما نَفَوْه،
مع زيادة التحريف.
(الثاني: بيان تناقض أقوالهم واضطرابها).
(...) لكن
اللي عندنا ما يخل بالمقصود إن شاء الله.
الباب العشرون: في طريقة النُّفَاة فيما يجب إثباته
00:01:03
(اتفق النُّفَاة على أن يُثبتوا لله تعالى من الصفات ما اقتضت عقولهم إثباته) يعني يقولون: كل ما يدخل العقل إثباته من الصفات فهو ثابت لله، نثبته ولا ننكره.
(وأن ينفوا عنه ما اقتضت عقولُهم نفيه) أي: ينفوا عنه يعني عن الله ما اقتضت عقولهم نفيه (...) وجب نفيه عن الله (سواء وافق الكتاب والسنة أم خالَفهما) فجعلوا أنفسهم حاكمين على الله سبحانه وتعالى بما يجب له وما يمتنع عليه، فإذا قيل لهم عن صفة من الصفات: هذه في الكتاب والسنة قالوا: لكن العقل لا يثبتها، فيجب إنكارُها. وإذا أثبتوا لله صفة وهي ما هي موجودة في الكتاب والسنة قالوا: العقل يثبتها فيجب إثباتها لله، ولهذا سموا الله بأسماء ما هي موجودة في القرآن والسنة، فسموا الله بالقديم، وهو غير موجود في الكتاب والسنة، سموه بالعلة وهو غير موجود بالكتاب والسنة، سموه بالعقل الفعَّال وهو غير موجود في الكتاب والسنة؛ لأنهم يرون أن المدار على العقل.
ولا ريب أن هذه القاعدة متداعية وباطلة؛ إذ إن مقياس العقول يختلف؛ فقد يكون أنا أرى أن العقل يثبت هذا وأنت ترى أن العقل ينكر هذا، ولذلك تجدهم هم بأنفسهم مضطربين؛ تارة يقررون بأن هذه الصفة واجبة لله، وتارة يقررون بأن هذه الصفة ممتنِعة عن الله.
ولهذا أنكر الإمام مالك ذلك، وقال: ليت شعري بأي شيء يُوزَن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل أخذنا بقوله وتركنا الكتاب والسنة!
وصدق؛ لأننا لو رجعنا إلى هذه العقول، وهي عقول متداعية ليس لها أصل ولا أساس، حصل التناقض فيما بيننا، بل حصل التناقض في كلام الإنسان الواحد؛ إذ إن الإنسان لا شك أنه ليس على تفكير واحد دائمًا، يختلف التفكير بين حين وآخر، أحيانًا يكون الإنسان صافي الذهن، ليس هناك مؤثرات خارجية تؤثر عليه، فيفتح الله عليه من الحق ما لا يفتحه عليه إذا كان مشغولًا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . فإذا كان كذلك فمعنى هذا أن ما يجب لله ويمتنع ويجوز راجع إلى عقول متداعية متناقضة متنافرة.
على كل حال سيأتي إن شاء الله بطلان قولهم وما يلزم عليه، لكن الآن نعرف القاعدة عندهم، القاعدة: ما اقتضى العقل ثبوته وجب إثباته لله، وما اقتضى العقل نفيه وجب نفيه عن الله، ولا ننظر للكتاب والسنة، حتى لو جاء في الكتاب والسنة ما يخالف ذلك فاسمع إلى طريقتهم فيه..
(ثم اختلفوا فيما لا يقتضي العقل إثباته، أو نفيه، فأكثرهم نفوه) وبعضهم توقف فيه، لكن لا يثبته؛ لأن القاعدة الأساسية عندهم أن ما اقتضى العقل نفيه نفوه، وما اقتضى إثباته أثبتوه، إذا جاءت صفة في القرآن أو في السنة والعقل ما يقتضي إثباتها ولا نفيها فماذا نصنع؟ اختلفوا، أكثرهم قال: يجب إنكارها، لماذا؟ لأن العقل لا يثبتها، ما هو لأن العقل نفاها، لأن العقل لا يثبتها، وإذا لم يثبتها العقل فإنه يجب إنكارها. وبعضهم قال: ما دام العقل لم يثبتها ولم ينفها فالواجب التوقف، فنقول: لا نثبتها ولا ننفيها، هذه القاعدة.
يقول: (وأكثرهم نفوه وخرَّجوا ما جاء منه على المجاز، وبعضهم توقف فيه وفوض علمه إلى الله مع نفي دلالته على شيء من الصفات) صار انقسموا فيما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه، انقسموا إلى قسمين: قسم -وهم الأكثر- نفوه، وتعليلهم أن العقل لا يقتضي إثباته، وحينئذ يكون لا دليل عليه. طيب ما جاء في الكتاب والسنة من إثباته يخرِّجونه على المجاز، يقولون: هذا مجاز عن كذا.
طالب: مثل ماذا؟
الشيخ: مثلًا استوى على العرش يقولون: هذا مجاز عن الاستيلاء. اليد مجاز عن القدرة أو النعمة. وعلى هذا فقس.
ومعلوم أن الأشاعرة يثبتون من الصفات سبعًا، يقولون: إن العقل دل عليها، وينكرون الباقي، يقولون: لأن العقل لم يدل عليها أو لأن العقل ينفيها. والصفات السبع التي يثبتونها أنشدناكم بيتًا فيما سبق في إثباتها، ما هو؟
طالب:
| له الحياةُ والكلامُ والبَصَرْ | سَمْــــعٌ إرادةٌ وعِلْــــمٌ واقْتَــــدَرْ |
الشيخ:
| له الحياةُ والكلامُ والبَصَرْ | سَمْــعٌ إرادةٌ وعِلْــــمٌ واقْتَــــدَرْ |
القُدرة.
يقولون: لأن العقل دل عليها. كيف دلالة العقل عليها؟ الحوادث دلت على القدرة، أو لا؟ أو على العلم؟ الحوادث دلت على العلم ولَّا على القدرة؟
يقولون: الحوادث دلت على القدرة، والإحكام دل على العلم، والتخصيص دل على الإرادة، طيب ويش معنى التخصيص دل على الإرادة؟ يعني كون هذه سماء، وهذه أرض، وهذا نجم، وهذا شمس، وهذا قمر، وهذا إنسان، وهذا جمل، ويش يدل عليه؟ على الإرادة. عندنا العلم وإرادة وقدرة، يقولون: هذه الثلاث لا تقوم إلا بحي، فتثبت صفة الحياة، والحي إما أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا، أو أصم أعمى أخرس، والثاني ممتنع، فلزم أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا، أفهمتم معنى تقريرها بالعقل عندهم؟
طالب: نعم.
الشيخ: من يستطيع أن يعيدها علينا؟
(...) أن يكون مجازًا، طيب بماذا نرد عليهم بالطريق العقلي؟ نرد عليهم بالطريق العقلي من وجهين:
الوجه الأول: أن نقول: هب أن العقل لا يدل على ما نفيتم من الصفات، فإن السمع دل عليها، فيجب إثباتها؛ لأن انتفاء الدليل المعيَّن لا يلزم منه انتفاء المدلول؛ لأن الشيء قد يكون له أدلة متعددة، فانتفاء دليل واحد عنه لا يعني أنه انتفى.
الوجه الثاني أن نقول: إنه يمكن إثبات ما نفيتم بطريقة العقل على الوجه الذي ذكرتم فيما أثبتموه، فأنتم ذكرتم أن التخصيص يدل على الإرادة، ونحن نقول: إن إثابة الطائعين تدل على المحبة، والانتقام من المجرمين يدل على البغض والكراهة، والإنعام المتواتر على الأمم يدل على الرحمة، وأيما أدل على الصفة؟ الإنعام المتواتر على العباد من نزول المطر ونبات الأرض وزوال النقم، أيما أبلغ: دلالة هذه الأشياء على الرحمة، أو دلالة التخصيص على الإرادة؟
طالب: الأول.
الشيخ: الأول أبلغ وأبين وأظهر؛ لأن الأول حتى العامي اللي في السوق لو تقول له: المطر هذا من آثار أيش؟ ويش يقول لك؟ من آثار رحمة الله، ودليل على أيش؟ قال: على رحمة الله بعباده، لكن لو تيجي للعامي تقول: تعال، السماء والأرض والنجم والشمس، ويش يدل عليه؟ يقول لك: على القدرة؛ لأن ما حدا يقدر يصنع مثله، لكن هل يدري أنها دليل على الإرادة ولَّا ما يدري؟ أبدًا ما يدري.
فالحاصل أننا نرد على هؤلاء بمثل ذلك، والمقام ما هو مقام.. لكن على سبيل التمثيل.
أما المعتزِلة والجَهْمِيَّة، المقتصِدون من الجهمية بعد، يقولون: إن الله تعالى لا يمكن أن يوصَف بصفة ثبوتية أبدًا؛ لأنك إن أثبت له صفة ثبوتية شبهتَه بالموجودات، فنقول لهم: وإذا وصفتموه بالصفات العدمية شبهتموه بماذا؟ بالمعدومات.
فتكايَسَ بعضُهم وقال: أنا أنفي عنه الأمرين، لا أُثبِت ولا أَنفي، فلا أقول: إن الله موجود ولا معدوم، ولا سميع ولا أصم، ولا أبكم ولا متكلم، ولا أعمى ولا بصير.
ويش يصير هذا؟
نقول: الآن شبهته بالممتنعات، يمتنع أن يكون الشيء لا موجود ولا معدوم، فالشيء إما موجود ولَّا معدوم، يمتنع أن يكون الشيء لا سميعًا ولا بصيرًا.
قال: أما قولك: لا سميعًا ولا بصيرًا فليس بممتنِع، يوجد شيء لا سميع ولا بصير، وهو ما لا يقبل السمع والبصر، مثل الجدار، والله عندي جدار ما هو بسميع ولا بصير، يصلح ولا لا؟ يصلح؛ لأن نفي النقيضين عما ليس بقابل لهما ممكِن.
نقول له: أولًا: إن قولك: إن هذا لا يقبل أو يقبل هذا اصطلاح فقط عندك أنت، وإلا فإن الله تعالى قال في الأصنام: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢١]، ومعلوم أن الصنم جماد، عندك لا يقبل الحياة ولا الموت، ووصفهم الله تعالى بأنهم أموات غير أحياء بعد، فهذا قولك: قابل وغير قابل هذا اصطلاح اصطلحته أنت، وليس هو الواقع الموافق لما تقتضيه اللغة العربية.
وإذا سلمنا جدلًا لك وقلنا: إنه يمكن أن يكون الشيء لا سميعًا ولا أصم إذا كان غير قابل للاتصاف بهما، ولكن ما قولك في الوجود والعدم؟ أنت تقول: إني ما أصف الله بالوجود ولا بالعدم، والوجود والعدم متقابلان تقابل السلب والإيجاب، لا تقابل الملكة والعدم، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا بد من وجود أحدهما عقلًا، فلا يمكن أن تصف الشيء بأنه لا موجود ولا معدوم أبدًا، بل لا بد أن يكون إما موجودًا وإما معدومًا، كما لو قلت: هذا الشيء ليس ساكنًا ولا متحركًا، يمكن هذا ولا لا؟ ما يمكن، فالمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يمكن رفع أحدهما أبدًا، صحيح المتقابلان تقابل العدم والملكة يمكن أن يُنفيا جميعًا، كما لو قلنا في الجدار: إنه لا سميع ولا أصم.
الحاصل أن النفاة في الحقيقة أمرهم عجيب، والغريب أنهم يسمون أنفسهم بالفلاسفة والعقلاء والحكماء، يسمون أهل السنة والجماعة أو السلف يسمونهم الحشوية والنوابت والغثاء والسطحيين وما أشبه ذلك، ما عندهم العمق اللي عند هؤلاء. ومعلوم أن الإنسان اللي يبغي يدعي لنفسه مرتقًى صعبًا ويدعي لغيره نزولًا، كل إنسان يفعل هذا، لكن الكلام على الحقائق.
نرجع إلى موضوع الدرس: الآن هؤلاء الجماعة اتفقوا على مسألتين؛ كل النفاة: على أن ما أثبته العقل وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، (ثم اختلفوا فيما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه، فأكثرهم نفاه)، وماذا يخرِّج ما جاء في الكتاب والسنة؟ يخرجه على المجاز، (وبعضهم توقف فيه وفوض علمه إلى الله) قال: واللهِ اللهُ أعلم، لكن شوف التناقض (مع نفي دلالته على شيء من الصفات) يقول: أنا أقول: الله أعلم، لكنه لا يدل على صفة من الصفات. ويش تقولون في هذا الكلام؟
هذا تناقض، كيف تفوض العلم إلى الله ثم تقول: لا يدل على شيء؟! إذن ما فوضت، بل حكمت بماذا؟ بأنه لا يدل، بالنفي، وهذا أيضًا من التناقض عند هؤلاء الطائفة الواقفة، عندها هذا التناقض الذي أشار إليه المؤلف. والله أعلم.
***
..أن ما أثبته العقل أثبتوه، بقطع النظر عن كونه موجودًا في الكتاب والسنة، وما نفاه نفوه، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أم لا، وما لم يقتضِ العقل إثباته ولا نفيه فأكثرهم نفاه، وبعضهم توقف فيه، وقال: لا أثبته لأن العقل لا يثبته، ولا أنفيه لأن العقل لا ينفيه. وتقدم أن هذه الطريقة طريقة فاسدة، وأننا لو أخذنا بها لكانت صفات الله سبحانه وتعالى موكولة إلى من؟ إلى عقول البشر، وعقولُ البشر لا شك أنها مختلفة اختلافًا كثيرًا، حتى إن الواحد من هؤلاء المتكلِّمين يثبت في بعض كتبه ما كان ينفيه في الكتب الأخرى، ويثبت لله ما كان يقول فيما سبق: إنه مستحيل عليه، ويحيل على الله ما كان يقول من قبل: إنه واجب له، فهذه الطريقة باطلة.يقول شيخ الإسلام: إن هؤلاء في طريقتهم، يقول: إنهم (وهم يزعمون أنهم وَفقوا بهذه الطريقة بين الأدلة العقلية والنقلية، ولكنهم كذبوا في ذلك؛ لأن الأدلة العقلية والنقلية متفقة على إثبات صفات الكمال لله تعالى، وكل ما جاء) هذه مهمة القاعدة الأخيرة (وكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله، فإنه لا يخالف العقل، وإن كان العقل يعجز عن إدراك التفصيل في ذلك) كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله فإنه لا يخالف العقل، لكن هل العقل يثبت ذلك؟ قد يعجز عن إدراكه، فإدراك التفصيل في صفات الله تعجز عنها العقول.
ولهذا لو سألك سائل: هل العقل يدرك أو يثبت استواء الله على العرش؟
فالجواب: لا، لولا السمع ما علمنا بذلك، لكن العقل يدرك أن الله تعالى عالٍ على خلقه؛ لأن العلو من صفات الكمال، والعقل يدرك أن الله تعالى متصف بصفات الكمال.
لو قال لك قائل: هل العقل يثبت أن لله قوة؟ تقول: نعم؛ لأن هذا من الكمال، فهو يدرك أن لله تعالى قوة لا تشبهها قوة. هل يدرك أن لله وجهًا؟ لا، لولا الشرع ما علمنا بذلك، ولهذا لا نثبت أن لله أذنًا؛ وذلك لأن الشرع لم يرد به، والعقل لا يمكن أن يثبت لله عز وجل من الصفات ما لم يثبته الله لنفسه.
فالحاصل أن العقل لا يخالف ما جاء به الشرع من صفات الله، وإن كان بعض التفاصيل لا يدركها، لكن إذا جاء به الشرع قبلها العقل ولَّا لا؟ يقبلها.
يقول: (وقد شابه هؤلاء النفاة في طريقتهم طريقة من قال الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}) ويش حالهم؟ ({يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: ٦٠]) الاستفهام هنا للتعجب، يعني: ألا تتعجب من حال هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك ومع ذلك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِهؤلاء الذين يقولون: نحن نؤمن بالله، ونؤمن بما أنزل الله من الكتب السابقة، لكنهم يقولون: نريد أن نتحاكم إلى غير شرع الله. والطاغوت هنا: كل ما خالف شرع الله فهو طاغوت؛ لأنه من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، ومجاوزة الحد: أن تتحاكم إلى غير شريعة الله، وموافقة الحد: أنت تتحاكم إلى شريعة الله، فتعجَّبْ من هؤلاء الَّذِينَ يَزْعُمُونَوكلمة (يزعمون) تدل على أنهم غير صادقين؛ لأن الزعم دعوى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِوهو كل ما خالف شريعة الله، ومع ذلك قد أُمروا أن يكفروا به، ما سُكت عن هذا، ما قيل: آمنوا بالله ورسوله وسُكت، بل قال: آمنوا بالله واكفروا بالطاغوت.
ولهذا قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة: ٢٥٦] ومع هذا يقولون: إننا نحن نؤمن.
قال الله تعالى: ({وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: ٦٠]) والشيطان قد نفذ إرادته فيهم؛ لأنه أمرهم فائتمروا.
قال الله تعالى: ({وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: ٦١]) إذا قيل لهم يعني قال لهم الناس: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ودعوا الحكم بالطاغوت، أو التحاكم إليه، رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَوهنا إظهار في موضع الإضمار؛ إذ مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون، لكن قال: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَليحكم على هؤلاء بماذا؟ بالنفاق، وليتبين أن هذا وصف كل منافق وإن لم يكن من هؤلاء المعينين، فكل منافق في قرارة نفسه لا يريد أن يتحاكم إلى الله ورسوله، وإن كان يقول: إنه مؤمن بالله ورسوله، وإنما يريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت.
رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًايصدون هذه لازم ولا متعدٍّ؟
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، ما الدليل؟
طالب: تعديته بحرف الجر.
الشيخ: لا، يمكن يصدون عن سبيل الله، هذا متعدٍّ.
لأن المصدر (صدودًا) إنما هو للفعل اللازم، صد يصد صدودًا كقعد يقعد قعودًا، ولو كان الماضي: يصدون عنك يعني يصدون الناس عنك لقال: يصدون عنك صدًّا، كيردون ردًّا، فكلمة (صدود) تدل على أن المراد بقوله: يصدون أي بأنفسهم هم، إذا قيل: تعالوا أعرضوا وصدوا ولم يُقبلِوا، خلاف المؤمنين، المؤمنون إذا ذُكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعميانًا، بل يأتون إليها مقبِلين بآذان سامعة وأعين باصرة.
يقول: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًاأتى بـ(صدود) لفائدتين:
أولًا: تأكيد الصد، يعني صدودًا حقيقيًّا، مثل: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] فالمصدر مؤكِّد.
الفائدة الثانية: إفادة أن هذا الصدود صدود عظيم؛ لتنكيره، يعني يصدون عنك صدودًا بالغًا، لا يُرجى فيه إقبال بعدُ.
({فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [النساء: ٦٢]) وذلك بأن يُعثَر على نفاقهم، فإذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وعُثِر على نفاقهم يقول الله عز وجل: ({ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: ٦٢]) إذا عُثر عليهم جاؤوا (...) والله ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق، إحسان بأيش؟ إحسان لأجل ألا نُقتَل، وتوفيقًا لأجل يمشون مع الكفار ويمشون مع المسلمين، نُوفِّق بين الرأيين، نجمع، وهذا –والعياذ بالله- من النفاق، من أعظم المداهنة، أنهم يقولون: نبغي نوفق بين هؤلاء وهؤلاء، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم.
نشوف المطابقة في المشابهة بين هؤلاء النفاة وبين هؤلاء المنافقين، (وجه المشابهة من وجوه: أولًا: أن كل واحد من الفريقين) والمراد بالفريقين من؟ النفاة والمنافقون، النفاة الذين نفوا ما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، والمنافقون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كل منهم (يزعم أنه مؤمن بما أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم لا يقبلون كل ما جاء به). وجه واضح؟
هؤلاء النفاة يقولون: آمنا بالله، وآمنا بكتاب الله، وآمنا برسول الله، وآمنا بسنة رسول الله، ومع ذلك إذا جاءهم شيء من آيات الصفات يقبلونها ولَّا ما يقبلون؟ ما يقبلون. قال: استوى على العرش، قال: ما يستوي على العرش، كيف استوى على العرش! أجعل الله جسمًا، مثل الإنسان يروح يجلس على الكرسي، هذا شيء حرام عليك، أنت مجسم، أنت كافر. هكذا يقولون صراحة، أي إنسان يثبت حقيقة أن الله استوى على العرش يقول: أنت مجسم وأنت كافر؛ لأنك اعتقدت أن الله جسم، هل هذا قبِل ما جاء بالقرآن؟ أبدًا والله ما قبِل؛ الله عز وجل أضاف الاستواء إلى نفسه المقدسة: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف تقول أنت: ما استوى؟ قال: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] قال: ما نقبل أن الله له يدان، أعوذ بالله، الله له يدان! هذا حرام، تجسيم وكفر وضلال.
طيب أيش تقول باليدين؟ قال: أقول باليدين القدرتين: لِما خلقتُ بقدرتيَّ. ويش (...) الله؟ قال: لما خلقت ما تقبل قدرتين؟ قلنا: ما نقبل، قال: لما خلقت بنعمتيَّ، واليد تُطلَق بمعنى النعمة، ويش النعمتان؟ الله ما له إلا نعمتان! وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، كيف ما له إلا نعمتان! وما هما النعمتان اللي خلق الله فيهما آدم؟
وهكذا ما جاء في الصفات؛ ينزل إلى السماء الدنيا (...) رأسه، أعوذ بالله، ينزل الله إلى السماء الدنيا! هذا الكفر بعينه.
ويش اللي ينزل؟ قال: اللي ينزل أمرُه، ينزل أمره إلى السماء الدنيا.
طيب بس والأمر ما يصل إلى الأرض؟ والله يقول: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥].
قال: ما تقبل الأمر؟ ما نقبل الأمر، تنزل الرحمة، تنزل رحمته إلى السماء الدنيا.
طيب ورحمة الأرض ما تنزل؟ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: ٥٠]، وما فائدة أن فيه رحمة تنزل إلى السماء الدنيا ولا تصلنا؟
قال: ما تقبل؟ قلنا: ما نقبل، قال: ينزل ملك من ملائكته.
طيب الملائكة ما تصل إلى الأرض؟ والرسول يخبِر بأنه يتعاقب فينا ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، قال: ما نقبل أن الله ينزل بنفسه. طيب وهل الملائكة يمكن تقول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ» ، يمكن تقول هذا؟ لأن اللي ينزل يقول: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي» ، هل يمكن تقول الملائكة: من يدعوني؟ لو تقول الملائكة: من يدعوني فأستجيب له كفرت ولَّا لا؛ لأنها ادعت لنفسها الربوبية. الرحمة؛ يمكن تقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أجيبوا.
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، لكن مع ذلك يقول: نحن نؤمن بما جاء عن الله ورسوله، ثم يأتون بمثل هذه الأمور العظيمة التي تنبني العقيدة عليها، ثم ينكرونها إما متأولين إذا لم يستطيعوا رد النص وإما مكذبين للنص، فهم يشبهون هؤلاء المنافقين.
الوجه (الثاني: أن هؤلاء النفاة إذا دعوا إلى ما جاء به الكتاب والسنة من إثبات صفات الكمال لله تعالى أعرضوا وامتنعوا) تعال أَثبِت ما أثبته لنفسه، أثبت اليد، أثبت الوجه، أثبت العين، أثبت الساق، أثبت القدَم، قال: ما نُثبِت، يُعرِض وينسلُّ وينخنس، ثم يقول: دع الكلام في هذا تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة: ١٣٤] لا تثر هذا الكلام بين الناس، هادولا راحوا، اسكت بس (...) اجعل التبن على النار، ما (...) النار (...) التبن ويش تعمل بالتبن؟ تأكله حتى تخرج وتهلك الناس. هؤلاء يعرضون، إذا قيل: تعالوا اتفضلوا، أثبتوا لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال أعرضوا. إذا كان الذي يريد أن يجادلهم يعرفون أن عنده من العلم ما يفحمه، تسللوا لواذًا وراحوا وصاروا يقاطعون الكلام ويأتون بغيره، وإن علموا أن الذي يريد أن يجادلهم ليس عنده علم أو ما عنده شجاعة؛ إما أنه ما بيده السيف، ولَّا أنه بيده السيف لكنه ما يستطيع يضرب به، قاموا يزعقون عليه ويصرخون، أعوذ بالله، اسمعوا لهذا الرجل المجسِّم الممثِّل الفاعل، هذا المسكين يتبحرث ما يستطيع يتكلم، أما أن يقبلوا الحق فهذا بعيد منهم.
هؤلاء المنافقون إذا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: ٦١]، بل أعظم من ذلك -والعياذ بالله في المنافقين، نسأل الله العافية- عدم قبولهم للحق إذا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون: ٥] قالوا: نحن في غنى عن استغفار هذا الرجل ولا حاجة بنا إليه، نسأل الله العافية.
(الثالث: أن هؤلاء النفاة لهم طواغيت يقلدونهم) ترى هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، لا تقول: (...) تقول: إنهم طواغيت، علماؤهم اللي يقلدونهم تسميهم طواغيت، يقول شيخ الإسلام رحمه الله وجزاه خيرًا: (لهم طواغيت يقلدونهم ويقدمونهم على ما جاءت به الرسلُ، ويريدون أن يكون التحاكم عند النزاع إليهم، لا إلى الكتاب والسنة، كما أن..) إلى آخره، تيجي لما تقول له مثلًا: تعال مثلًا إلى ما قال الله وقال رسوله يقول لك: والله قال فلان وقال فلان من علمائهم الذين يتبعونهم، قال ابن عربي، قال ابن التلمساني، قال ابن سينا، قال فلان، قال فلان من هؤلاء الطواغيت، ما يقبلون ما جاء به الرسول؛ لأنهم كيف يتوصلون إلى رد ما جاء به الرسول، ما يقولون: ما نقبل محمدًا صلى الله عليه وسلم لأنه منافق، يقول: هل أنت أعلم أم فلان؟ إن قلت: أنا أعلم قال: كذبت، فلان أعلم منك، فلان البحر الذي لا ساحل له، وأنت ويش أنت حتى تعترض على فلان. ثم يقول: هذا القول هو الصواب؛ لأنك أنت ما عندك علم، وإن كان عندك علم ما عندك فهم، وهؤلاء هم العلماء الفطاحل، فالقول قولهم.
يقول: هؤلاء المنافقون أيضًا (كما أن أولئك المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أُمروا أن يكفروا به).
الوجه (الرابع: أن هؤلاء النفاة زعموا أنهم أرادوا بطريقتهم هذه عملًا حسنًا، وتوفيقًا بين العقل والسمع، كما أن أولئك المنافقين يحلفون أنهم ما أرادوا إلا إحسانًا وتوفيقًا) هذه أيضًا مشابهة واضحة، المتكلمون من المعتزلة والجهمية والأشاعرة ونحوهم يقولون: نحن سلكنا هذه الطريقة للجمع بين العقل والسمع، فنحن نقول: في يدَي الله، المراد بهما النعمة، ليش؟ قال: لأن العقل ينكر أن يكون له يدان حسيتان حقيقيتان، ينكر هذا، والسمع قد جاء بهذا فيما ظاهره أنهما يدان حقيقيتان حسيتان، فيجب أن نوفق بين العقل وبين السمع، ونقول: المراد باليدين النعمتان، هؤلاء الذين قالوا: المراد كذا هل آمنوا بالسمع؟ أبدًا، كيف يقولون: نحن نوفق بين السمع والعقل؟ إذا أردتم أن توفقوا بين السمع والعقل فاقبلوا ما جاء به السمع حتى تكونوا عقلاء؛ لأن العاقل هو الذي يقول فيما لا يمكنه إدراكه بما جاء به الكتاب والسنة على ظاهره، ما فيه قياس ولا فيه تأويل ولا شيء، أمور غيبية ما يمكن للعقل إدراكها يجب أن تقبلها على ما جاءت به، هذه ما هي من الأمور الاجتهادية التي للرأي فيها مجال، هذه أمور غيبية يُقتصر فيها على ما جاء به الشرع.
يقول المؤلف.. لا هذا مني أنا: (وكل مبطل يتستر في باطله، ويتظاهر بالحق فإنه يأتي بالدعاوى الباطلة التي يروج بها باطله) كل إنسان يتستر ويتظاهر بأنه محق فإنه يأتي بالدعاوي الباطلة، مثل أن يقول: هذا قول المحققين، هذا ما أجمع عليه الناس، هذا ما دل عليه العقل، هذا ما يقتضيه الكمال، وما أشبه ذلك.
ولهذا لما ذكر المبتدعة أن هذا هو إجماع أهل الحق نُقل إلى الإمام أحمد هذا، قال: وما يدريه، من ادعى الإجماع فهو كذب، وما يدريه لعلهم اختلفوا. وبيَّن رحمه الله أن مثل هذه الدعاوي كلها يقولها مَن كان على باطل، يقول: هذا قول المحققين، هذا هو الصواب، هذا هو الحق، إلى آخره.
وكل يستطيع أن يدعي هذه الدعوى ولَّا لا؟ كل يستطيع، وإذا قيل لهم –المنافقون-: لا تفسدوا في الأرض، ويش يقولون؟ إنما نحن مصلحون، سبحان الله! كل إنسان يدعي أنه على إصلاح، حتى الشيوعية الملحِدة الكافرة ويش تدعي أنها بسلوكها هذا المسلك؟ تدعي الإصلاح، وأن هذا هو الإصلاح في الأرض، وأن طريقة ماركس ولِينين هي الإصلاح، أما ما جاءت به الرسل فهذا خُرافة وليس فيه إصلاح، وما هو إلا عقول بالية أكل عليها الدهر وشرب ونفدت.
فالحاصل أن هذه الوجوه الأربعة التي اشترك فيها أولئك القوم الذين حكى الله عنهم مع هؤلاء النفاة، وأما طريقة أهل السنة والجماعة -والحمد لله- فإنها سليمة تتمشى على ما جاء به الكتاب والسنة. والله أعلم.
***
يقول: (يلزم على طريقة النفاة لوازم باطلة) ونحن لا بد أن نعرف ما معنى اللازم، معنى اللازم الشيء الذي يترتب على الشيء لزومًا لا محيد عنه، هذا اللازم، الشيء الذي يترتب على الشيء لزومًا لا محيد عنه، يعني (...) يلزم من كذا: كذا وكذا، واللازم قد يلتزمه الملزَم ويقول: نعم، أنا أقول بذلك (...) في قوله، وقد لا يلتزمه ويقول: إن هذا ليس بلازم، ثم يذكر العلة، يقول: ليس بلازم لأنه كذا وكذا، وقد يكون اللازم لم يطرأ على بال الملزَم إطلاقًا، بأن يقول الإنسان قولًا ولا يتصور ماذا يترتب على هذا القول من اللوازم، ولو أنه تصور ذلك أو نُبه له لكان بين أمرين؛ إما أن يجيب وإما أن يلتزم باللازم، وإما أن يرجع عن قوله، ثلاثة أمور: إما أن يجيب ويبقى على قوله، أو يلتزم باللازم ويبقى على قوله، أو يرجع عن قوله، وهذا كثير، كثير من الأقوال يقولها أهل العلم، ثم إذا رأوا أنه يترتب على هذا القول لوازم باطلة سلكوا أحد المسالك الثلاثة: إما أن يلتزموا بهذا اللازم ويقولون: غير باطل، أو يجيبوا عنه ويقولون: هذا غير لازم، أو يعترفوا بأنه لازم باطل فيرجعون عن قولهم؛ لأن القول إذا ترتب عليه أمر باطل كان دليلًا على أنه باطل.ولهذا نقول: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟
نقول: أما إذا كان القول من كلام الله وكلام رسوله، فلازم قولهما قول، وذلك لأن قول الله ورسوله صادر عن علم وحق، أليس كذلك، فالله تعالى عندما يقول قولًا يعلم ماذا يترتب عليه، وماذا يلزم منه، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون لازم قولهما (...) فليس بقول للملزَم، ليس قولًا له، ولا يمكن أن يُنسب إليه، وذلك -كما قلت لكم- لأنه إذا قيل بهذا اللازم فإنه يَحتمل من هذا الملزَم أن يقبله ويلتزم به. وحينئذ يكون قولًا له ولَّا لا؟ يكون قولًا له.
ويَحتمل أن يجيب عنه ويبين أنه ليس بلازم لقوله، وحينئذ لا يكون قولًا له، ولا يُلزَم به، إذا صح أنه لا يلزم.
والثالث: أن يتبين له أنه لازم لقوله وأنه باطل، وحينئذ يرجع عن قوله.
ولذلك نقول: إن لازم القول بالنسبة لغير الله ورسوله ليس بقول؛ لما علمتم.
نشوف اللوازم الباطلة الآن التي تلزم على أقوال هؤلاء النفاة، لكنهم ما يلتزمون به، لكن نحن نرى أنها لازمة وإن لم يلتزموا بها:
(أولًا) يلزم على قولهم (أنّ الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه) كيف ذلك؟ لأنهم يرون أن ظواهر النصوص تدل على التمثيل، وتمثيل الله بخلقه كفر، فيقولون مثلًا: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] ظاهره أنه استوى استواءً حقيقيًّا، أي: علا عليه كما يعلو السلطان على عرش مملكته، قالوا: وهذا تمثيل وكفر، مع أن هذا هو ظاهر القرآن؛ أن الله استوى على العرش استواء حقيقيًّا، أي: علا عليه علوًّا يليق بجلاله، هم يقولون: إن هذا الظاهر كفر؛ لأنه على زعمهم تجسيم، والتجسيم تمثيل، والتمثيل كفر، أعرفتم الآن.
فعلى هذا نقول: (الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه؛ لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تشبيه وكفر).
(تمثيل) عندكم؟ بناء على ما سبق أن الأولى أن نقول: (تمثيل)، لكن هم يقولون: (تشبيه).
إذن هذا اللازم ماذا تقولون به؟ باطل ولَّا غير باطل؟ باطل معلوم، أن يقول قائل: إن القرآن والسنة يدعوان إلى الكفر، هذا من أبطل الباطل، لكنه على قولهم لازم له. يقولون مثلًا: إثبات اليد الحقيقية التي بها يخلق ويأخذ ويقبض؛ إثبات اليد الحقيقية هذه تمثيل، والتمثيل كفر، نقول: إذن القرآن والسنة فيهما كفر، يدلان على الكفر، ولا أحد يتجاسر وهو يدعي الإسلام يتجاسر ويقول: إن القرآن يدعو إلى الكفر.
(الثاني: أن الكتاب والسنة لم يُبيِّنا الحق؛ لأن الحق عند هؤلاء هو نفي الصفات، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على نفي صفات الكمال عن الله تعالى لا نصًّا ولا ظاهرًا) هم يقولون مثلًا: إن الحق أن الله ليس له رحمة، الحق أن الله لا يغضب، الحق أن الله لا يرضى، الحق أن الله لا يسخر، هل في القرآن والسنة أن الله لا رحمة له؟ أو بالعكس؟ نقول: أنتم الآن تعتقدون أن نفي الرحمة عن الله هو الحق، ونفي الغضب عنه هو الحق، ونفي الرضا عنه هو الحق، ونفي السخط عنه هو الحق، ونفي اليد الحقيقية عنه هو الحق، هذا اللي هم يعتقدون، هل في القرآن والسنة أن الله سبحانه وتعالى لا يرحم؟ يعني نفى عن نفسه الرحمة؟ ولا الغضب، ولا السخط، ولا الكراهة، ولا البغض، بل إن الكتاب والسنة دلا على إثبات ذلك، فنقول: هذا الذي زعمتم أنه الحق -وهو نفي الصفات- أرونا في كتاب الله ما يدل على ذلك.
الوجه الثالث قال: (وغاية المتحذلق) إذا طالبناهم أرونا في كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على نفي الصفات قالوا: أهلًا وسهلًا، الباب مفتوح، الفراش مبسوط، والقهوة (...) وإن شئتم أتينا بالغداء، عندنا لكم دليل من القرآن والسنة على النفي، تفضل: (غاية المتحذلق من هؤلاء) المتحذلق: يعني الذي يدعي الحذق. والحذق: قوة الذكاء والفهم، والمتحذلق بزيادة اللام هو الذي ينسب نفسه للحذق وليس كذلك، (غاية المتحذلق من هؤلاء أن يستنتج ذلك)، عندي الحاشية: أي ما يدعيه من نفي الصفات (من مثل قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: ٦٥]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: ٤]، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]، {لَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: ٢٢]، وما أشبه ذلك مما فيه النفي).
يقول: هذا الدليل على النفي، فكِّر في الموضوع أنت، هل فيه دليل؟ هل قال الله: إنه لا يرضى، لا يغضب، لم يستو على العرش، لا ينزل إلى السماء الدنيا، وما أشبه ذلك؟ لا، قال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، أي: هل تعلم له أحدًا يساميه ويشابهه، لم يكن له كفوًا أحد، لا أحد يكافئه في قوته ولا في سمعه ولا في بصره ولا في غير ذلك من صفاته، هذا معنى الآية الذي لا يحتمل سواه.
(ومن المعلوم) تعليقًا على هذا الاستدلال (ومن المعلوم لكل عاقل أن المقصود من أمثال هذه النصوص إثبات كمال الله تعالى) ويش المقصود؟ إثبات الكمال (وأنه سبحانه وتعالى لكماله لا شبيه له في صفاته)، يعني لا مثيل له في صفاته، (ولا يمكن)، إذا قلنا: لم يكن له كفوًا أحد، ويش المعنى؟ يعني ليس له صفة؟ بالعكس؛ المعنى: لا يماثله أحد في صفاته؛ إذ نفي المماثلة عن الشيء دليل على وجود أصل الشيء، ولو لم يكن أصل الشي موجودًا لكان نفي المماثلة لغوًا من القول لا فائدة منه، فهذه الآيات وأشباهها على عكس ما قال هؤلاء؛ تدل على إثبات الصفات لكن تدل على الكمال، الذي لا يساويه فيه أحد.
ولهذا لما قال القائل: (ليسَ كمِثلِ الفَتَى زُهَيْر) ويش يفهم المخاطَب؟ أن زهيرًا أصم أعمى أبكم بخيل جبان زمِن مشلول، ولَّا بالعكس؟ بالعكس، لا أحد يفهم من مثل هذا التعبير أنه ما فيه صفة، ما يفهم من هذا التعبير إلا أنه لكمال صفاته ليس له مثيل، ولَّا لا؟ زهير هذا رجل يُمدَح ممدوح يقول: ليس كمثل الفتى زهير أحد، يعني ما مثله أحد، ما مثله أحد بأيش؟ بأنه لا صفة له؟ أقول: بأنه لا صفة له ولَّا بأنه كامل الصفات؟
طالب: فيه صفات الكمال.
الشيخ: إي نعم، هكذا ليس كمثله شيء في كمال صفاته.
(ولا يمكن أن يُراد بها بيان انتفاء الصفات عنه؛ إذ لا ريب أن من دل الناس على انتفاء الصفات عن الله تعالى بمثل هذا الكلام فهو إما مُلغِز في كلامه، أو مدلِّس، أو عاجز عن البيان) لو أراد أحد أن يدل الناس على أن الله لا صفة له بمثل هذه العبارة لكان إما ملغزًا.. تعرفون اللغز، ويش هو اللغز؟
الإلغاز أن يأتي الإنسان بأمر على خلاف الواقع في ظاهره، ولكنه عند التأمل يكون حقًّا، رجل قال: نهق حمار فبطلت صلاتي. ويش جاب الحمار للصلاة؟ رجل قال: لما نهق الحمار بطلت صلاتي. هذا لغز.
طالب: هذا قد انتقض وضوءه.
الشيخ: كيف انتقض وضوءه؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: يريد رجال.
الشيخ: لا.
طالب: هو يصلي متيممًا (...).
الشيخ: نعم، يقول: واحد راح يجيب الماء على حمار، الحمار لما أقبل على الرجل وهو يصلي، أحيانًا الحمار إذا رأى الرجل ولا سيما إذا صار يجيب له العلف ينهق، لما نهق الحمار والتفت والقِرَب مملوءة عليه تبطل صلاته؛ لأن إذا وُجد الماء ولو في أثناء الصلاة بطلت الصلاة.
والألغاز كثيرة، فيه كتاب اسمه كتاب الطراز في حل الألغاز موجود عندنا في المكتبة مخطوطًا، على أبواب الفقه، يجيب في الطهارة مثلًا يجيب كل الألغاز اللي في الطهارة، في الصلاة، في الصيام، في الجنائز، وما أشبه ذلك. هذه الألغاز.
طالب: يتعب أهل الظاهر.
الشيخ: إي نعم.
طالب: اللغز هو التورية.
الشيخ: لا التورية ما أراد الإعجاز، الإلغاز غالبًا يريد الإعجاز، إعجاز الخصم، والتورية: يريد ألا يبين له الأمر.
طيب فيه أيضًا مدلس، ويش معنى المدلس: المدلس: الغاش، الذي يأتي بالكلام وهو لا يريده، إنما يريد معنى آخر، لكن يغش الناس ويضرهم، والثالث عاجز عن البيان، ما يقدر يبين؛ لأنه عاجز، معه عِي، كل هذه الأوصاف الثلاثة: الإلغاز والتدليس والعجز عن البيان (كل هذه الأمور ممتنعة في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن كلامهما قد تضمن كمال البيان والإرادة، فليس المقصود به إرادة ضلال الخلق والتعمية عليهم، وليس فيه نقص في البيان والفصاحة)، بل الأمر بالعكس، الله تعالى يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، ويقول: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، فهذا ما أراد الله تعالى في كلامه لعباده، أراد أن يبين لهم الحق حتى لا يضلوا.
فإذا قلنا: إن الله تعالى أراد بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] أنه لا صفة له، هل هذا بيان! هذا عكس البيان.
(الثالث: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان كانوا قائلين بالباطل وكاتمين للحق، أو جاهلين به) كانوا قائلين بالباطل، ليش؟ لأنهم يقولون بإثبات الصفات الذي يدعي هؤلاء أنه باطل، وكانوا كاتمين للحق لأنهم لم يبينوا نفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه حق. أو جاهلين به يعني ما يدرون عن الحق، فصاروا يتكلمون بالباطل ولا يبينون الحق لأنهم جاهلون.
أنت إن وصفتهم بالجهل أو بالكتمان فكلاهما قدح عظيم في الصحابة والتابعين لهم بإحسان، إذا قلت: إنهم ما يدرون عن الحق، لم يتكلموا بالنفي لأنهم ما يدرون أن هذا هو الحق، أو تكلموا بالإثبات لأنهم ما يدرون أن هذا هو الباطل، فهذا كله عيب لهم.
يقول: (فإنه قد تواتر النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله، الذي زعم هؤلاء أنه باطل، ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه الحق، وهذا اللازم ممتنع على خير القرون وأفضل الأمة) فإذا امتنع عليهم جهل الحق، وامتنع عليهم القول بالباطل وكتمان الحق؛ دلَّ هذا على أن ما قالوه هو الحق، وهو إثبات الصفات.
(رابعًا: أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله لزِم أن يكون متصفًا بصفات النقص) هذا صحيح، الله عز وجل موجود حقيقةً، فإذا انتفت عنه صفات الكمال لزِم أن يكون متصفًا بالنقص، فإذا قلنا: لا رحمة له، ولا كلام له، وقلنا على رأي النفاة المحض: لا سمع له ولا بصر له ولا حياة له؛ لأن المعتزلة يقولون: الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وما أشبه ذلك. ويش يلزم أن يكون؟ متصفًا بالنقص. إذا قلت: ليس بسميع لزم أن يكون أصم، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].
فأنت إذا نفيت صفات الكمال عن الله لزم أن يكون متصفًا بالنقص؛ لأن كل موجود بالخارج فلا بد له من صفةٍ، كيف كل موجود بالخارج؟ يعني في أوربا؟
عندنا التقدير الذهني والوجود العيني، التقدير الذهني قد يقدر الإنسان ذاتًا ليس لها صفات، يعني ربما تتصور أنه يوجد ذات ما لها صفات، كما أنك ربما تتصور أن هناك مخلوقًا له مئة رجل، وله ألف وجه، وفي كل وجه ألف عين، وفي كل عين ألف سواد، وهكذا، يمكن تتصور هذا ولا ما تتصور؟ في التصور يمكن التصور ولَّا لا؟ ويمكن تتصور ما هو أعظم من ذلك، التصور هذا لا يدل على وجود، لكن كل موجود في الخارج، يعني: قائم بعينه فلا بد له من صفة، ولو لم يكن من صفاته إلا أنه موجود لكفى.
(كل موجود في الخارج فلا بد له من صفة، فإذا انتفت عنه صفات الكمال لزم أن يكون متصفًا بصفات النقص. وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاة ويقعون في شر مما فروا منه).
هذه اللوازم لا شك أنها لازمة على قول أهل الباطل، وأنهم لا محيد لهم عنها، وبهذا نعرف أن القول الحق هو إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفى الله عن نفسه. والله أعلم.
***
.. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.(فصل
فيما يعتمد عليه النفاة من الشبهات)
أنا عندي (النفاة) بتاء مربوطة و(الشبهات) تاء مطلقة، صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: ليش؟
لأن التاء في (النفاة) ليست تاء جمع، ولكنها تاء التأنيث؛ إذ إن (نفاة) ليست جمع مؤنث سالمًا، لكنها جمع (نافٍ)، كـ(غازٍ وغزاة، وقاضٍ وقضاة) لكن (شبهات) جمع مؤنث؛ إذ إنها جمع (شبهة)، فالتاء في (نفاة) للتأنيث، وتاء التأنيث مربوطة، بخلاف تاء الجمع، فإن تاء الجمع –جمع المؤنث- مفتوحة.
وقوله: (من الشبهات) هذا باعتبار حقيقتها، أما باعتبارها عند هؤلاء النفاة فهي عندهم دلائل وحجج، لكنها حقيقة شبهات وليست بيِّنات. وكل إنسان يدعي قولًا فإنه يدعي عليه دليلًا؛ لأن قولًا بلال دليل مرفوض من أصله، ولكن يُنظَر هل هذا الدليل حقيقي صحيح، أو ليس بصحيح. هذا هو مَحك النظر والميزان في الأشياء هل تُقبَل أو تُرفَض.
والمراد بالنفاة هنا نفاة صفات الله عز وجل، سواء كانوا من النفاة المطلَقين الذين ينكرون كل صفة، أو من النفاة المقيِّدين الذين ينكرون بعض الصفات ويُثبِتون بعضها، هؤلاء يقول: (يعتمد نُفاة الصفات على شُبُهات باطلة) هذه الشبهات التي يعتمدون عليها إما دلائل نقلية وإما دلائل عقلية، يحسبونها عقلية أو يدعونها عقلية، فالدلائل النقلية تجدهم يستدلون بآيات مجمَلة ويدعون الآيات المبيِّنة الموضِّحة، يتبعون ما تشابه منه ويدَعون المحكَم، فمثلا يقول: نحن لا نثبت أي صفة لله؛ لأن أي صفة تثبتها لله فإنها مناقضة لقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] ولقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ولقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]؛ ادعاءً منهم أن إثبات الصفة يستلزم التشبيه أو التمثيل، فيقول مثلًا: إذا أثبت لله سمعًا أثبت له مثيلًا، إذا أثبت له رضًا أثبت له مثيلًا، وهذا خلاف دلالة القرآن؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌوما أشبه ذلك.
وقد سبق الجواب على هذه الشبهة وبيان أنها باطلة، وأن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل؛ لأنا نقول: له سمع ليس كمثل سمعنا، بصر لا مثل بصرنا، وهكذا، كما أننا نشاهد المخلوقات بعضها لا يماثل بعضًا مع اتفاقها في الحدوث، كلها حادثة، واتفاقها في تلك الصفة، فسمع الإنسان ليس كسمع الحيوان الآخر، وبصره كذلك. الطائر يرى الحبة وهو في جو السماء وهي في الأرض، وأنت لا تراها. وهكذا بقيَّة الصفات التي للمخلوقات كلها لا يَلزم من اشتراكها في الاسم أن تكون متماثِلةً في الحقيقة.
وسبق لنا أيضًا أنَّا إذا نفينا عنه الصفات شبهناه بماذا؟ بالمعدومات. وسبق لنا أن بعضهم كابَرَ وقال: لا أُثبِت ولا أَنفي، فقلنا: إن هذا تشبيه بالممتنِعات؛ لأن الشيء إما ثابت وإما منتفٍ. فالمهم الآن انتهينا من الكلام على شُبُهاتهم النقلية، وهي الدلائل السمعية.
بقِينا في الشبهات التي يدعونها عقلية وليست بالعقليات ولكنها الوهميات، فمثلا يقولون .. (غالب ما يعتمدون عليه ما يأتي:
١ - دعوى كاذبة) يعني يدَّعون دعوى ولكنها ليست بصواب، باطلة، (مثل أن يدعي الإجماع على قوله) فيقول: أجمع أهل الحق على كذا وكذا، أجمع أهل الحق ويدع السلف ومن تبعهم على الجانب الأيسر. طيب اللي يسمع كلمة (أجمع أهل الحق على كذا) ويش يقول؟ يقول: خلاف الإجماع كفر، إذن لا يجوز أن نخالف هذا الإجماع، ما دام (أجمع) و(أهل الحق)، وفي الحقيقة أن أهل الحق أجمعوا على خلاف ذلك، لكن هو يدعي هذا الشيء؛ إما أن يصادف قلبًا خاليًا من العلوم فتشتبه عليه هذه العبارة ويأخذ بها، أو يصادف قلبًا واعيًا عالمًا يعرف الباطل.
(أو يقول: هذا هو التحقيق، أو هذا قول المحققين) طيب اللي يقرأ الكتاب وهو ما يعرف المنهج المقابل ويش يظن؟ يقول: خلاص ما دام هذا التحقيق من هذا المؤلف فيقبل، أو (قول المحققين) أيضًا فيقبل.
فإن قلت: هذه العبارة أيضًا يوجد مثلها في كلام السلف، ويقولون: هذا التحقيق، وهذا هو الحق، وهذا أجمع عليه الصحابة وما أشبه ذلك، فهم يقولون: أنتم أيضًا ادعيتم مثل ما ادعينا، فماذا نصنع؟
نقول: بيننا وبينكم كتاب الله وسُنة رسوله، فتفضلوا، وإلا حقيقةً أن دعوانا عليكم كدعواكم علينا، ولكن نقول: المرجع في هذا إلى كلام الله وكلام رسوله، ولننظر أينا أحق بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
(أو يقول عن قول خصمه: إنه خلاف الإجماع) فيقول مثلًا عن مذهب السلف: إن هذا خلاف إجماع أهل التحقيق، أو أهل الحق، أو خلاف إجماع العقلاء، وما أشبه ذلك، فالدعوى الأُولى لإثبات قوله، والدعوى الثانية لنفي قول غيره ورده، ومع ذلك فهي دعاوى كاذبة لا أساس لها من الصحة.
(٢ - شبهة مركَّبة من قياس فاسد، مثل قولهم: إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه؛ لأن الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة) شوف الشبهة هذه مركبة من قياس فاسد، كيف قياس فاسد؟ لأنهم يقولون: إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه، هذه دعوى معلَّلة بماذا؟ لأن الصفات أعراض، والعرَض لا يقوم إلا بجسم، طيب والأجسام متماثلة، كل النتائج والمقدمات هذه باطلة، فقولهم: الصفات أعراض هذا غير صحيح، قد تكون الصفات أعراضًا وقد تكون لازمة؛ لأن الأعراض جمع عرَض، وهو الذي يعرِض ويَزول، كالمرض والشبع والعطش وما أشبهها، فهل الصفات كلها أعراض؟ أبدًا، ما هي كلها أعراض.
ثم قولهم: العرض لا يقوم إلا بجسم غير صحيح؛ لأن العرض يكون للجسم ولغير الجسم، فنحن نقول: ها اليوم يوم طويل، والحر حر شديد، وما أشبه ذلك، وهل هذه أجسام؟ لا، اليوم زمن والحر حالة للجو ليست أجسامًا، ومع ذلك وُصفت بالعرَض.
وقولهم: الأجسام متماثلة أيضًا غير صحيح، (...) ظاهر؛ فإن نجد الأجسام غير متماثلة، وهم يقرون بذلك أيضًا، لا يمكن أن يقولوا: إن جسم البعير كجسم الذرة، ولا إن جسم الزبدة كجسم الحديدة مثلًا، الحديدة ألين من الزبدة! أو بالعكس؟ بالعكس.
المهم أن قولهم: إن الأجسام متماثلة ليس بصحيح، فصارت هذه الشبهة، لكن إذا قرأها القارئ ربما تشتبه عليه، ولو قلنا: إن هذا تعليل صحيح وقياس صحيح، ولكنه عند التأمل يتبين أنه ليس بصواب، وهذا موجود في كتب.. الآن قد تقولون: كيف يقولون ها الكلام هذا، كيف يقدمون على هذا الكلام الذي يعرف بطلانه كل شخص. نقول: هذا موجود في كتبهم، وهو إما ملتبس عليهم أو هم ملبسون على غيرهم، الله أعلم.
قال: (٣ - تمسك بألفاظ مشتركة بين معانٍ يصحّ نسبتها إلى الله تعالى ومعانٍ لا يصح نسبتها إليه) يأتون بألفاظ مشتركة تدل على معنى يصح لله وعلى معنى لا يصح له، فينفون ذلك، وما دام الإنسان يعقل بأن هناك معنى في هذا اللفظ يجب نفيه عن الله، فإذا جعلوا الأمر مبنيًّا على نفي هذا المعنى قبلوه.
مثال ذلك الجسم، يقولون: إن الله تعالى ليس له جسم، ويريدون بذلك أن ينكروا علو الله بذاته، ونزوله بذاته، ويده، ووجهه، وعينه، وقدمه، وساقه، وما أشبه ذلك، يقولون: كل هذه تدل على أن الله جسم، والله تعالى منزه عن الجسمية. عندما يأتيك هذا الكلام لأول وهلة تقول: هؤلاء هم الذين نزهوا الله تعالى عن النقص، قالوا: ليس بجسم، ولكن الحقيقة أنهم هم الذين جعلوا الله لا شيء، وإنما جعلوه معنى معقولًا يُدرَك بالخيال فقط، ونحن نقول لهم كما سبق: إن عنيتم بالجسم الجسم المركب الذي يفتقر بعضه إلى بعض في التركيب والقيام، فهذا منتفٍ عن الله، ولم يثبتوا لله تعالى جسمًا بهذا المعنى، وإن أردتم بالجسم القائم بنفسه، المتصف بما يستحقه من الصفات، الذي له أفعال تحت مشيئته وإرادته، فهو يأخذ ويرضى ويغضب ويضحك ويستوي ويجيء وينزل، إن أردتم بالجسم هذا المعنى فهو حق، ومع هذا لا نطلق لفظ الجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ما نقول: إن لله جسمًا، ولا نقول: إنه ليس له جسم، هذا باعتبار اللفظ، أما باعتبار المعنى فيجب أن نستفصل؛ إذا أردنا بالجسم المعنى الأول فهذا ممتنع على الله، وإن أردنا بالجسم المعنى الثاني أنه ذات مقدسة تقوم بها الأفعال، وله يد ووجه وعين وما أشبه ذلك، فهو حق، بل واجب، يجب علينا أن نعتقد ذلك، ولكن يجب علينا أن نحذر من تخيل هذه الذات، يجب علينا أن نحذر؛ لأنك مهما تخيلت فإنك لن تدرك هذا، إذا كان الله تعالى لا يدرَك بالقوى الحسية فكيف يُدرَك بالقوى المعنوية العقلية، قال الله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣]، وقال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠].
فإياك أن تتخيل أن الله سبحانه وتعالى على جسم معين تقدره؛ لأن هذا يؤدي بك إلى مفاوز تعجز عن الخلاص منها، ولكن أنت تؤمن بأن الله عز وجل له ذات مقدسة عظيمة، أما أن تتصور لها كيفية معينة فهذا لا يجوز.
كذلك الحيز، هل نقول: إن الله تعالى له حيز أو لا؟ هم يقولون: إنك إذا أثبت أن الله فوق عرشه بذاته لزم من ذلك التحيز، والتحيز ممنوع؛ لأنه يقتضي أن يكون الله محصورًا، والله تعالى واسع عليم، فيجب أن تنكِر علوه بذاته؛ لئلا تقع في هذه الشبهة.
وسبق لنا أن قلنا: إن الحيز إن أُريد به أن الله تحوزه المخلوقات وتحيط به، فهذا باطل، كيف يمكن هذا وقد وسع كرسيه السماوات والأرض، والكرسي هو موضع القدمين. وإن أريد بالحيز أنه منحاز عن الخلائق، بائن منها، فهذا حق وصحيح، ومع هذا لا نطلق هذا اللفظ لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة إثباته لله ولا نفيه عنه، فعلينا أن نتأدب وألا نتقدم بين يدي الله ورسوله، لكن مع هذا لا يمكن أن نتخذ من نفي هذا الاسم نفي ما وصف الله به نفسه من الأفعال والصفات.
طيب نحن لا نقول بالحيز، ولَّا نقول بعدم الحيز؟
طلبة: نستفصل.
الشيخ: لا، شوف العبارتين، هل نحن نقول بعدم الحيز أو لا نقول بالحيز؟
طالب: الأخير.
الشيخ: لا نقول بالحيز على سبيل الإطلاق؛ لأننا لو قلنا بعدم الحيز لكنا قد نفيناه، ففرق بين أن يقول الإنسان بالنفي وبين أن ينفي القول. انتبهوا لهذه النقطة، نفي القول ليس قولًا بالنفي، فأنا لا أقول: إنه حيز، بخلاف إذا ما قلت: أقول: إنه ليس بحيز.
إذن لو سئلت: هل أنت تقول بنفي الحيز أو لا تقول بالحيز؟ لا أقول بالحيز؛ لأنه فرق بين نفي القول وبين القول بالنفي.
طيب يقول كذلك أيضًا: (الجهة) يقولون: إن الله تعالى ليس في جهة، والذين قالوا: إن الله ليس في جهة انقسموا إلى قسمين: قسم قالوا: إن الله تعالى في كل جهة، وفي كل مكان، وهذا يقول به قدماء الجهمية وكل من يقول بالحلول من المعتزلة وغيرهم، يقولون: إن الله في كل مكان، وحينئذ تنتفي الجهة ولَّا لا؟ تنتفي الجهة؛ لأنه إن قلت: أمام أخطأت، إن قلت: فوق أخطأت، إن قلت: تحت أخطأت، إن قلت: يمين أخطأت، إن قلت: شمال أخطأت، بل هو في كل شيء، لا تقيد.
أو يقولون –الذين ينكرون الجهة- يقولون: إن الله تعالى ليس في جهة إطلاقًا، فليس فوق العالم، ولا تحته، ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف.
إذن يصح أن نقول بأنه معدوم؛ لأنه إذا كان موجودًا فلا بد أن يكون في إحدى هذه الجهات، فإذا قلت: ليس في هذه الجهات فمعناه العدم، ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صفوا العدم ما وجدنا أدق من هذا الوصف، العدم: من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا يمين ولا شمال، ولا فوق ولا تحت، ولا خلف ولا أمام، هذا العدم.
فإذن الذين ينكرون الجهة صاروا ينقسمون إلى:
طالب: (...)
الشيخ: ينفون كل جهة.
وقد سبق لنا أيضًا بطلان هذا القول الثاني والأول.
فماذا نقول نحن في الجهة؟ لو قال لك قائل: هل تقول: إن الله في جهة؟
إن قلت: نعم أخطأت، وإن قلت: لا أخطأت، وإن فصلت أصبت.
فإذا قلت: في جهة، أي أنه سبحانه وتعالى فوق السماوات، وما حوله عدم لا يحيط به شيء، كل الخليقة تحته، والفوق جهة عدمية لا يحوطه شيء من أي المخلوقات، فهذا صحيح؛ لأن الله تعالى فوق كل شيء، لا يحاذيه شيء أبدًا.
وإن أردت بالجهة جهة تحيط به، فهذا باطل؛ لأن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
وإن أردت جهة سفل فهو أيضًا باطل؛ لأن الله تعالى فوق، والدليل على ذلك؛ على ثبوت الجهة فوق، لكنه جهة عدمية، بمعنى أنه لا يحيط بالله شيء في مكانه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية، قال لها: «أَيْنَ اللهُ؟». و(أين) يُستفهم بها عن المكان، قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» .
والغريب أن المنكِرين لهذا منهم من يرد الحديث، وردُّ الحديث عندهم سهل إذا لم تكن متواترة، ومنهم من يقول: إن الاستفهام هنا عن الذات، يعني أين الله؟: ويش هو؟ ويش الله؟
وهل يُعقل أن تكون (أين) في مثل هذا السياق للذات؟ للاستفهام عن الذات؟ أبدًا، الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق باللغة العربية وسألها بلفظ (أين)، ولو كان أراد الاستفهام عن الذات لقال: من الله، ولم يقل: أين الله.
يقول المؤلف: (فهذه الألفاظ المجملة يتوصلون بإطلاق نفيها عن الله إلى نفي صفاته عنه) عندما تقول: أنا أومن بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا، قال: إذن آمنت بأن الله جسم، فيُلزِمك بهذا، فماذا تجيبه؟
أقول: أولًا: إن أردت بالجسم الجسم المركب المفتقِر بعضه إلى بعض كافتقار الرأس إلى الجسد، وافتقار الجسد إلى الرأس وإلى القلب وإلى اليد وما أشبه ذلك، إن أردت هذا المعنى بالجسم فهذا باطل ولا ألتزمه ولا يَلزمني أيضًا، وإن أردت بالجسم الذات القائمة بنفسها، المتصفة بما يليق بها فهو حق وأنا ألتزم به، وليس في هذا شيء.
وكذلك لو قال: إذا قلت: ينزل معناه أنه في جهة فأقول كما قلنا: الجهة إذا أردت بها كذا فهي حق، وإذا أردت بها كذا فهي باطل ولا تلزم.
(ثم هم يصوغون هذه الشّبهات بعبارات مزخرفة طويلة غريبة يحسبها الجاهل بها حقًّا بما كُسيته من زخارف القول، فإذا حَقق الأمر تبين له أنها شبهات باطلة، كما قيل:
| حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا | حَــــقًّا وَكُـــــلٌّ كَــــــاسِرٌ مَكْــــسُورُ) |
الزجاج هل يقوم بالحجر والحديد؟ أبدًا، بل ولا يقوم بعضه لبعض، كل كاسر ومكسور، لو ضربت الزجاجة بأخرى انكسرت، أيهما اللي كسر الثاني، كل واحد كاسر ومكسور، هذه حجج أهل الباطل، تظن أنها حق ولكنها باطلة، تتهافت أمام الحق، وكل واحد منها يكسر الأخرى، لو رجعت إلى كتبهم لوجدت التناقض العظيم بينها، حتى إن الواحد منهم يُبطِل ما قاله من قبل، لكنه يبطله بحجة باطلة؛ لأنه لا يبطله بالحق، فهي كلها باطلة.
(والرد على هؤلاء من وجوه:
الأول: نقض شبهاتهم وحججهم، وأنه يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فيما نفوه).
وهذا مهم جدًّا، نقض الشبهات والحجج، مثال ذلك، نأخذ مثالًا لهذا: إذا قالوا: المراد باليد القوة دون الحقيقة؛ لأننا لو أثبتنا لله يدًا حقيقية لزم أن يكون مماثلًا للمخلوق؛ حيث إن للمخلوق يدًا، عرفتم؟
نقول لهم بكل بساطة: وللمخلوق قوة، أو لا؟
فإذا أثبتم أن لله قوة لزم على قاعدتكم أن يكون مماثلًا للمخلوق؛ لأن القوة عندكم مماثلة كما أن الأيدي عندكم متماثلة، فيلزمكم إذن فيما أثبتموه نظير ما يلزمكم فيما نفيتموه، بل شر منه؛ لأنه يلزمكم على هذا الوقوع فيما فررتم منه، وزيادة تحريف النص.
وأما الذين قالوا بظاهره، فهم على تسليم أن ذلك تشبيه لم يقعوا إلا في التشبيه فقط، أما أنتم فوقعتم في التشبيه وفي تحريف النصوص.





