بالسكون، إلا إذا وجد ما يُوجب النصب فيُنْصَب؛ لأنه منقوص فتقول: قرأت الباب
الحاديَ والعشرين، وأما إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا فإنه بالسكون؛ يعني غير
مبني.
(في أن كل
واحد من فريقي التعطيل والتمثيل قد جمع بين التعطيل والتمثيل) يعني: مثلًا
المعطل هو الذي نفى شيئًا من أسماء الله وصفاته سواء كليًّا أو جزئيًّا، نسمي هذا
معطلًا.
وقد مر علينا أن من المعطلة من ينكر الأسماء والصفات، ومنهم من ينكر
الصفات دون الأسماء، ومنهم من ينكر بعض الصفات ويقر بالأسماء وبعض الصفات، ثلاثة
أقسام، وفيه أيضًا معطلة أبلغ من هذا غلاة ينكرون الأسماء والصفات جميعًا، وفيهم
غلاة أشد يقولون: إن الله لا يوصف بإثبات ولا نفي، فينكرون الإثبات والنفي، لكن
المشهور من ينكر الأسماء والصفات، ومن ينكر الصفات دون الأسماء، ومن ينكر بعض
الصفات.
المعطل من نفى شيئًا من أسماء الله أو صفاته؛ كالجهمية والمعتزلة
والأشعرية ونحوهم.
الجهمية أتباع من؟ الجهم بن صفوان، والمعتزلة أتباع واصل بن
عطاء وعمرو بن عبيد.
والأشعرية الذين ينتسبون -ما نقول: أتباع أبي الحسن- الذين
ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، وليسوا من أتباعه في الواقع؛ لأن أبا الحسن الأشعري
رحمه الله صرح في آخر كتبه أنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأنه مثبت لصفات الله
عز وجل، وأنكر على المعتزلة والمعطلة، وهذا رجوع منه عن مذهبه الذي كان عليه؛ لأنه
كان أربعين سنة على مذهب المعتزلة أربعين سنة من عمره، وهو على مذهب المعتزلة يناضل
عنه ويدافع ويقرره ويثبته.
ثم كان له فترة انتقال من هذا المذهب إلى مذهب وسط
بين مذهب أهل السنة والجماعة وبين مذهب المعطلة، ثم استقر أمره على مذهب أهل السنة
والجماعة، فله رحمه الله ثلاث مراحل.
أتباعه الذين يدعون أنهم أتباعه كانوا على
مذهبه الوسط، أخذوا بالمذهب المتوسط وصاروا يقولون: هذا مذهب الأشعري ونحن عليه،
ولكنهم في الواقع منتسبون لا متبعون.
(ونحوهم) مثل الماتريدية وغيرهم؛
يعني العلماء كثير في هذا الباب اختلافهم، حتى الذين ينتسبون إلى الإمام أحمد رحمه
الله منهم أشاعرة ومنهم أناس متذبذبون بين الأشاعرة وبين مذهب السلف، لكن -الحمد
لله- مذهب السلف بين واضح، أقول: هذا المعطل.
(الممثل من أثبت الصفات لله
ممثلًا له بخلقه، كمتقدمي الرافضة) الرافضة الذين يدعون أنهم شيعة علي بن أبي
طالب وآل البيت، هؤلاء مذهبهم معروف، وهم أقسام وفرق؛ منهم من بلغ الكفر، ومنهم دون
ذلك، فهؤلاء الرافضة كان متقدموهم يقولون بالتمثيل ويقولون: إن الله سبحانه وتعالى
عما يقولون علوًّا كبيرًا، إن الله تعالى على صورة شابٍّ أمرد، وإنه ينزل إلى الأرض
ويفعل ويفعل، لكن بعد ذلك رأوا أن هذا كلام لا يعقل، فصاروا على مذهب أهل التعطيل؛
على مذهب المعتزلة، أما متقدموهم فكانوا يمثلون، لكن فيهم من يمثل الله بخلقه؛
لأنهم غلوا في الإثبات وقالوا: لله يد ونحن لا نعقل يدًا إلا ما نشاهد، لله وجه
ونحن لا نعقل وجهًا إلا ما نشاهد، وهكذا. وسيأتي الرد عليهم -إن شاء الله- فيما
بعد.
نقول: (حقيقة الأمر أن كل معطل ممثل وكل ممثل معطل) سبحان الله! كل
معطل ممثل، المعطل لماذا عطل؟ فرارًا من التمثيل، كيف تقول: إنك أنت معطل ممثل؟ ما
يمكن أنه يكون معطلًا ممثلًا وهو ما عطَّل إلا فرارًا من التمثيل.
طيب الممثل
نقول: إنه معطل، كيف تقولون: إنه معطل وهو يثبت الصفات الآن؟ يقول: أشهد بالله أن
لله وجهًا ويدًا وعينًا وقدمًا، أشهد بذلك لكنها مثل ما للمخلوقين، كيف تقول: إنك
معطل؟ نشوف الآن.
المهم أن هذا في أول الوهلة تقول: هذا تناقض، كيف يكون المعطل
ممثلًا؟ وكيف يكون الممثل معطلًا؟ استمع للتقرير:
(أما المعطل فتعطيله
ظاهر) أو لا؟ المعطل تعطيله ظاهر؛ لأنه ينكر يقول: ما لله وجه، ولا يد ولا سمع
ولا بصر ولا علم ولا شيء من الصفات لكن تمثيله، (وأما تمثيله فوجهه أنه إنما
عطل؛ لأنه اعتقد أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فأخذ ينفي الصفات فرارًا من ذلك،
فمثَّل أولًا، وعطَّل ثانيًا) صح ولَّا لا؟ قلنا للمعطل: لماذا أنكرت أن يكون
لله يد؟ قال: لأنني لو أثبت لله يدًا لمثلته بخلقه، الآن بنى تعطيله على أيش؟ على
تمثيل، (فمثَّل أولًا وعطَّل ثانيًا). هذا من وجه.
من وجه آخر -ما ذكرناه
لكنه واضح- إذا عطل الله من صفاته فقد مثَّله بماذا؟ بما هو ناقص، إذا قال: ليس لله
يد، مثَّله بمن لا يد له، إذا قال: ما لله وجه، مثَّله بمن لا وجه له،
وهكذا.
فهو لو قال: أقف موقفًا سلبيًّا لا أثبت ولا أنفي لكان الأمر أهون، لكن
هو ينفي فإذن يكون قد مثل الله عز وجل بمن لا يتصف بهذه الصفات، فيكون تمثيله في
الواقع من وجهين:
من فهمه أن الإثبات يستلزم التمثيل، فنفى.
ومن كونه إذا نفى
هذه الصفات فقد مثل الله بماذا؟ بمن لا يتصف بهذه الصفات.
فصح أن نقول للمعطل:
إنك ممثل.
(وأما الممثل فتمثيله ظاهر، وأما تعطيله فمن وجوه ثلاثة:
أحدها:
أنه عطَّل نفس النص الذي أثبت به الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه؛ فإن النص
دالٌّ على إثبات صفة تليق بالله، لا على مشابهة الله بخلقه) وهذا تعطيل نقول
للمثل: أنت إذا قلت: إن قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] يدل على أن لله تعالى يدين مثل أيدي المخلوق، هل عطل
النص أو قال بمدلول النص؟ عطَّل النص. لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين أن النصوص
الواردة في إثبات الصفات لله عز وجل إنما تدل على صفات تليق به ولا تماثل صفات
المخلوقين، فإذا جعلها دالة على صفات تماثل صفات المخلوقين فقد عطلها عن مدلولها،
ومن قال: إن النصوص الواردة في الصفات تدل على التمثيل فقد كفر؛ لأنه كذب قول الله
تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، فحينئذٍ نقول: أنت عطلت النص عن مدلوله؛ لأننا
نعلم علم اليقين أن النص لا يدل على إثبات المثيل لله عز وجل. طيب هذا
واحد.
(ثانيًا: أنه إذا مثَّل الله بخلقه فقد عطَّل كل نصٍّ يدل على نفي
مشابهته لخلقه، مثل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]) وهذا واضح أيضًا إذا مثَّل الله بخلقه
فقد عطَّل جميع النصوص الدالة على نفي المماثلة، كيف ذلك؟ لأن إقرار النصوص الدالة
على نفي المماثلة أن تقرها على أنها نافية، لماذا؟ للماثلة، فإذا قلت: إن الله
مماثل لخلقه عطلت هذا النص، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌوأنت تقول: بل مثله شيء، وحينئذ تكون معطلًا لكل نص دل على نفي المماثلة لله،
مثاله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: ٢٢]، وما أشبه ذلك، فأنت الآن عطلت كل نص يدل
على نفي المماثلة لله عز وجل.
(ثالثًا: أنه إذا مثَّل الله بخلقه فقد عطَّله
عن كماله الواجب؛ حيث شبَّه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص من جميع
الوجوه).
أقول: إذا مثَّل الله بخلقه فقد عطَّله عن ماذا؟ عن كماله الواجب؛
لأنه مثَّل الكامل بالناقص، فيكون في ذلك تعطيل لكمال الكامل، ومعلوم أن تمثيل
الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل المقارنة بين الكامل والناقص لغير الإلزام يجعله
ناقصًا.
قال الشاعر:
| أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ | إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا |
لو أنك جئت تفتخر بسيفك تقول: والله عندي سيف حاد عظيم بتَّار أمضى من عصى فلان اللي أكبر من الذراع، ويش يصير هذا؟ هذا عيب بالسيف ولَّا لا؟ ما فيه شك؛ لأنك إذا قلت الكلام هذا تصورت أن هذا السيف ما يقطع الحبل؛ لأنه ما دام أنه أمضى من العصا، العصا اضرب به الحبل ما يقطع، فإذن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
أقول: إن مدلول البيت أن المقارنة بين الكامل والناقص يجعل الكامل ناقصًا، فكيف إذا سُوِّي بينهما؟
وقولنا: إن المقارنة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصًا إذا لم يكن على سبيل الإلزام، فإن كان على سبيل الإلزام فإنه لا يجعله ناقصًا، قال الله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩] هل نقول: إن الله لما قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَيدل على أن الله مماثل لهذه الأصنام؟ لا، لكن هذا من باب الإلزام؛ إلزام الخصم، يقال: أنت الآن تقر أن الله خير، فكيف تجعلها شريكًا مع الله عز وجل؟!
طيب لو قال الممثل: إن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بأن له يدًا ووجهًا ونحن لا نعقل يدًا ووجهًا إلا ما كان مثل أيدينا ووجوهنا؟
قلنا: ألست تقرأ قول الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور: ٤٥] تقرأ هذا ولا لا؟ يقول: نعم، أقرأ هذا، طيب وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِأنت تمشي على رجلين، ويش اللي غيرك يمشي على رجلين بعد؟ الدجاجة تمشي على رجلين، هل رجلك أنت كرجل الدجاجة؟ لا، فهذان رجلان مختلفان في القرآن، فكذلك أيضًا إذا قال الله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّلا يمكن أن نقول: إن يدي الله مثل يديك، فيد الدجاجة تليق بها، ويد الإنسان تليق به، ويد الخالق تليق به، ويد المخلوق تليق به، فلا يلزم من التشابه في الاسم أن تتشابه الحقائق.
أظنه واضح الآن، هذا الباب مهم جدًّا أن نقول للمثلين: أنتم معطلون، وأن نقول للمعطلين: أنتم ممثلون، إي نعم.
(الباب الثاني والعشرون: في تحذير السلف عن علم الكلام: علم الكلام هو ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها وأعرضوا بها عما جاء الكتاب والسنة).
هذا التعريف، علم الكلام هو عبارة عن إثبات العقائد بالطرق الكلامية المبنية على الجدل الذي يسمونه عقلًَا، انتبهوا، عبارة عن إثبات العقائد بالطرق الكلامية؛ ولذلك سميناه علم الكلام؛ لكثرة كلامهم؛ يعني معناه علماء الكلام تجد الواحد يكتب له صفحتين ثلاث صفحات علشان مسألة واحدة، فكلهم هذر وهذيان؛ ولهذا نسميه بعلم الكلام، فهو إثبات العقائد بالطرق الكلامية المبنية على الجدل الذي يسمونه عقلًا. هذا علم الكلام.
ولم يحدث علم الكلام إلا بعد انقراض الصحابة لما دخل هؤلاء الذين أرغم بعضهم على الدخول في الإسلام حاولوا أن يفسدوا العقائد وأتوا بهذه الطرق المبنية على الجدل والخصومة والنزاع والتشويش، حتى إن بعضهم يقول: لا تصح عقيدة الإنسان حتى يتقدمها شك، فيشك أولًا ثم يحاول أن يزيل ذلك الشك، ولكن -أعوذ بالله- من يأمن نفسه إذا شك أن يرجع إلى اليقين؟ أخشى أنه إذا شك رجع إلى الكفر، وعلى كل حال فكلامهم باطل من أصله.
(وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله؛ لما يفضي إليه من الشبهات والشكوك، حتى قال الإمام أحمد: لا يفلح صاحب كلام أبدًا) أعوذ بالله، صاحب الكلام ما يفلح؛ لأننا إذا رجعنا إلى أحوال المتكلمين وجدنا أنه في حيرة وشك وقلق، وأن الإنسان منهم يموت وهو شاك في دينه، قال بعض السلف: أكثر الناس شكًّا عند الموت أهل الكلام، وكان بعضهم يقول عند موته: أنا أموت على دين العجائز؛ دين العجز. ليش؟ لأن دين العجائز مبني على الفطرة والتسليم للنصوص، العجوز ما تعرف تجادل ولا تعرف تبني عقيدتها على الجدل، تقرأ الكتاب والسنة وتأخذ بهما، فهم يتمنون أن يعودوا إلى دين العجائز، ولكنه لا يحصل لهم؛ لما في قلوبهم من الفتنة.
وقال بعضهم أيضًا: من طلب علم الكلام تزندق؛ أي صار زنديقًا، ويكفي مثل هذه العبارات تحذيرًا عنه.
(وقال الشافعي: حُكمي في أهل الكلام أن يُضْرَبوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام) رحمه الله، مستحقون لهذا الأمر؛ لأنهم أفسدوا العقائد بهذا الكلام الذي أتوا به، وهم يزعمون أنهم حققوا العقائد ولكنهم خرقوا العقائد في الواقع.
(يُضْرَبوا بالجريد والنعال) كما ضرب شارب الخمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، زيادة على ذلك (يطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام) لماذا؟ تعزيرًا وتحذيرًا؛ تعزيرًا لهم، وتحذيرًا لغيرهم؛ لأنهم ارتكبوا أمرًا محرمًا. ليش ما أخذوا عقيدتهم من الكتاب والسنة؟
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وهم مستحقون لما قاله الإمام الشافعي من وجه؛ ليتوبوا إلى الله، ويرتدع غيرهم عن اتباع مذهبهم. ولكن إذا نظرنا إليهم من وجه آخر -وقد استولت عليهم الحيرة واستحوذ عليهم الشيطان- فإننا نرحمهم ونرقُّ لهم) لكن كلام الشيخ أطول من هذا يقول: (فإن هؤلاء أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، وأوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: ٢٦]) هذا كلام الشيخ في الفتوى الحموية في الأصل، وليتني نقلته لكنه فاتني؛ لأن فيه فائدة عظيمة أن هؤلاء الجماعة عندهم ذكاء ولكن ما عندهم زكاء، ما زكيت نفوسهم والعياذ بالله، عندهم فهم ولكن ما عندهم علم؛ لأنهم هم أقل الناس معرفة بالكتاب والسنة، حتى هم بأنفسهم مقرون على أنهم لا يعرفون شيئًا من ذلك.
(أوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) فنحن إذا نظرنا إليهم من جهة الشرع ماذا نصنع بهم؟ نؤدبهم كما قال الشافعي، وإذا نظرنا إليهم بعين القدر رحمناهم ورققنا عليهم، ولكن إذا اجتمع عندنا نظران: نظر الشرع، ونظر القدر؛ نغلب جانب الشرع. ولهذا لو جيء إلينا بشيخ كبير مريض ما يشتغل إلا بيده اليمنى وهو سارقٌ؛ إن نظرنا إليه بعين الشرع قلنا: اقطعوا يده، وإن نظرنا إليه بعين القدر وإذا هو شيخ كبير وعاجز ولا يعمل إلا بيده اليمنى وليس لأهله كافل يكفلهم فإننا نتركه، نرق نقول: والله هذا مسكين إذا قطعنا يده ما يبقى كافل لا له ولا للأهل، لكن الله عز وجل يقول: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢]، فالدين مقدم على القدر.
يقول: (فلنا فيهم نظران:
نظر من جهة الشرع نؤدبهم ونمنعهم به من نشر مذهبهم.
ونظر من جهة القدر نرحمهم، ونسأل الله لهم العافية، ونحمد الله الذي عافانا من حالهم.
وأكثر من يخاف عليهم الضلال هم الذين دخلوا في علم الكلام ولم يصلوا إلى غايته).
هكذا قال شيخ الإسلام: أكثر من يخاف عليه الضلال الذين دخلوا في علم الكلام ولم يصلوا إلى غايته. لماذا؟ استمع يقول: (ووجه ذلك أن من لم يدخل فيه فهو في عافية منه) أحسن نكتب (منه)؛ لأنها ما هي موجودة عندي.
(فهو في عافية منه. ومن وصل إلى غايته فقد تبين له فساده ورجع إلى الكتاب والسنة، كما جرى لبعض كبارهم، فيبقى الخطر على من خرج عن الصراط المستقيم ولم يتبين له حقيقة الأمر).
هل عندنا شاهد يدل على أن من بلغ الغاية منه فقد رجع إلى الحق؟ نعم، عندنا من كلام رؤسائهم؛ مثل الرازي والغزالي، وغيرهم كثير أقروا على أنفسهم بالجهل والضلال والحيرة، ومن أحسن ما رأيت كلام الرازي في ذلك؛ حيث قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، وأقرأ في النفي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. فإن هذا واضح جدًّا بأن هذه الطرق التي سلكوها والمناهج لا تغني شيئًا.
وقال آخر:
| لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا | وَصَرَّفْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْعَوَالِمِ |
| فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًــــــا كَفَّ حَــــــــائِرٍ | عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَـــــــادِمِ |
(...) كلهم حيارى مضطربين، نسأل الله العافية.
(وقد نقل المؤلف رحمه الله في هذه الفتوى كثيرًا من كلام من تكلم في هذا الباب من المتكلمين، وقال: وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام) هذا صحيح ولَّا لا؟ يعني الإنسان يستغني بالكتاب والسنة وكلام السلف الصالح عن كل كلام من كلام المتأخرين، لكن المؤلف بين سبب وجه نقله (ولكن كثيرًا من الناس قد صار منتسبًا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنًا للظن بهم دون غيرهم، ومتوهمًا أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم) شوف الآن هذا واقع، بعض الناس ينتسب إلى طائفة معينة ويحسن الظن بها ويرى أنها حققت في هذا الباب ما لم يحققه غيرها، حتى إن بعض الناس تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ثم يقول لك: ويش يقول الشيخ الفلاني؟ هذا خطأ.
ولما سئل الإمام الشافعي رحمه الله عن مسألة فقال: قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قال له السائل: ما تقول أنت؟ غضب؛ قال: أتراني في كنيسة؟! أتراني في بيعة؟! أتراني كذا وكذا؟! أقول لك: رسول الله ثم تقول: ما تقول أنت؟! فوبَّخه على ذلك؛ لأن هذا هو المؤمن، المؤمن هو الذي لا يقول: ماذا قال فلان؟ يقول: ماذا قال الله ورسوله؟ هذا المؤمن وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦].
نعم الإنسان القاصر صحيح أنه إذا رأى عالمًا من أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم يحترم هذا القول، ولا يجزم بمخالفته حتى يتبين له أنه على خطأ؛ ولهذا كثيرًا ما نطالع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن القيم وغيرهم من المحققين ونستضيء بآرائهم ونهتدي بها، لكن إذا علمنا أنها مخالفة للكتاب والسنة فإننا لا نقدمها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول: (ثم قال: وليس كل من ذكرنا قوله من المتكلمين وغيرهم نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيره، ولكن الحق يُقْبَل من كل من تكلَّم به) المؤلف رحمه الله نقل عن المتكلمين؛ عن أكابرهم وعمن هم محترمون عند أتباعهم في كتاب الفتوى الحموية نقل شيئًا كثيرًا؛ يعني بعضهم ينقل عنه الصفحات ما هي صفحة واحدة، وبعضهم ينقل عنه كلامًا قليلًا، المهم أن فيه أثناء الكلام الذي ينقله ما نعلم علم اليقين أن شيخ الإسلام لا يراه؛ ولهذا هو قال عن نفسه: ليس من ذكرنا قوله من المتكلمين وغيرهم نقول بجميع ما يقول في هذا وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به، حتى ولو كان كافرًا؟ لو كان كافرًا، إي نعم، إذا جاء الإنسان بالحق فاقبله، لا لأنه جاء به فلان ولكن لأنه الحق، كما أن من جاء بالباطل نرده ولو كان من قاله من أهل الحق؛ لأن الواجب أن نتبع الحق حيثما كان، ويُعرف الحق الرجال أو الرجال بالحق؟ نعم، يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق الرجال، لكن لا شك أن من كان مأمونًا فإن قوله له قيمته؛ ولهذا قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، فأمر بالتبين في خبر الفاسق؛ لأنه ليس أهلا لأن يقبل قوله، ولكن العدل أمر بقبول قوله.
(فبين رحمه الله أن الغرض من نقله بيان الحق من أي إنسان وإقامة الحجة على هؤلاء من كلام أئمتهم. والله أعلم) وهذا موجود الآن، الآن إذا قلت مثلًا لواحد: هذا مذهب.. إذا أتيت بحكم مسألة من المسائل واستنكرها؛ من يقول هذا؟ قلت: هذا مذهب الإمام أحمد، يصير كأنه مصبوب على رأسه ماء بارد، خلاص يطمئن ويستأنس ويستقر، وهو بالأول مستنكره، أو تيجي واحد مقلد الشافعي تقول له مثلًا: هذا القول، ثم يستنكره ويستغربه؛ كيف هذا يكون؟ تقول: والله هذا مذهب الشافعي، هذا ما قاله النووي في المجموع وما أشبه ذلك، (...) ويسكت، مع أنه كان بالأول بينكر عليك أشد الإنكار. وهذا موجود في كل وقت، وحتى الآن يعني أن الإنسان ينبغي له إذا أمكنه إقناع الغير ولو بنقل كلام من ليس قوله حجة فلا بأس.
(...) الاستقامة في باب الإيمان بالله واليوم الآخر، نحن ذكرنا كثيرًا أن الله عز وجل يقرن بين الإيمان واليوم الآخر؛ لأن الإيمان به أصل كل الإيمان، والإيمان باليوم الآخر هو السبب الذي يحدو الإنسان إلى العمل؛ لأن العامل إذا لم يعتقد بأن هناك مبعثًا يجازى الناس فيه بأعمالهم فإنه يعمل أو لا؟ فإنه لن يعمل، إذا لم يعتقد ذلك ويؤمن به فإنه لن يعمل، لو كان الإنسان لا يرى إلا أنها الحياة الدنيا يحيا قوم ويموت آخرون ما عمل أبدًا للآخرة، ولأطلق نفسه الحرية التامة للشيطان والهوى؛ فلهذا يقرن الله دائمًا بين الإيمان به -الذي هو أصل كل الإيمان- والإيمان باليوم الآخر الذي هو السبب الوحيد للعمل.
الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام، بل إلى أربعة أقسام؛ قسم على الحق، وقسم أهل تخييل، وقسم أهل تجهيل، وقسم أهل تأويل. أربعة أقسام.
أما القسم الأول فإليك بيانه يقول: (طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الصراط المستقيم علمًا وعملًا) (علمًا) هذا يعود إلى الأمور العلمية العقدية، (وعملًا) يعود إلى الأمور العملية الجوارحية التي تتعلق بالجوارح، فهم على الصراط المستقيم في العلم والعمل، (يعرف ذلك من تتبعها بعلم وعدل) انتبه لها الكلمتين؛ النظر إلى الناس إذا لم يكن بعلم وعدل صار سببًا للجور والظلم، إذا نظرت إلى غيرك فانظر إليه بعلم وعدل؛ لأجل أن تعطيه ما يليق به من الحكم؛ لأنك إن نظرت بجهل فإنك قد تحكم بالشيء وهو لا يستحقه، وإن نظرت إليه بجور فإنك قد تحكم عليه بالشيء الذي ترى أنه بريء منه؛ لأنك جائر، حتى لو وُجِد قرائن تدل على ما حكمت به وهو من الأمور التي تخفى فإنه لا يجوز لك الحكم عليه؛ ألم تروا إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك بالسيف، فوقف المشرك وقال: لا إله إلا الله، فظن أسامة أنه قال ذلك تعوذًا من القتل فقتله، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قال: نعم يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، ما هو حقيقة ولا هو من قلبه، فقال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» فما زال يكررها حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت من قبل . انتبه إذن الحكم على الناس يحتاج إلى أيش؟ إلى علم وعدل؛ فمن قال بجهل ظلم، ومن قال بجور ظلم.
وكثيرًا ما نظن في الإنسان ظنًّا فإذا الأمر بخلافه، لو وجدت رجلًا معه امرأة يمشي في السوق ويكلمها ويحادثها، قلت: والله هذا الرجل هذا (...)، هذا يكلم النساء في الأسواق ويمشي معهن، ما فيه خير، وحكمت عليه بأنه رجل ساقط سافل؛ لأنه يمشي مع امرأة في السوق ويكلمها. ماذا نقول في هذا الكلام؛ في هذا الحكم؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأنه مبني على أيش؟ على الجهل، هل علمت أنها أجنبية منه؟ لا، إذن كيف تحكم؟
لو أنك رأيت إنسانًا تعرف أن الذي تمشي معه امرأة من محارمه، فذهبت إلى الوالي قلت: تعال شوف هذا الرجل (...) معه امرأة أجنبية منه، عليك به، ابطش به، ويش يكون هذا؛ جورًا ولَّا جهلًا؟
طالب: جور وظلم.
الشيخ: نعم، جور وظلم، هذا خلاف العدل؛ ولهذا استمع لهذا الكلام: لا بد أن تنظر إلى الناس حين الحكم عليهم بماذا؟ بالعلم والعدل، أما أن تحكم بجهل فهذا خطأ، أما أن تحكم بجور فهذا خطأ.
وكثير من الناس تجده يتكلم بجهل، وربما يتكلم بجور في الحكم على الناس، وهذا حرام؛ قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨].
من نظر إلى طريق النبي عليه الصلاة والسلام بعلم وعدل فإنه يحكم بأنها على الصراط المستقيم، وأنهم قد حققوا الإيمان بالله واليوم الآخر، وأقروا بأن ذلك حقٌّ على حقيقته، وهم في عملهم مخلصون لله، متَّبِعون لشرعه؛ فلا شرك، ولا ابتداع، ولا تحريف، ولا تكذيب.
هذه طريق النبي عليه الصلاة والسلام، بل من نظر إلى هذه الطريقة بالعلم والعدل علم أنها أفضل طريقة وأنها الطريق الوحيد إلى سعادة الدنيا والآخرة.
(وأما المنحرفون عن طريقتهم في ذلك فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل) انتبه لهذا الباب؛ لأنه مهم جدًّا، المنحرفون عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر طوائف ثلاث؛ أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل.
أهل التخييل سموا بذلك؛ لأنهم يقولون: إن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر كله أمثال وتخييلات لا حقيقة لها، ما لها حقيقة، فليس هناك ربٌّ، ولا بعث، ولا جنة، ولا نار، لكن الرسل جاؤوا بذلك على سبيل ضرب الأمثال، وعلى سبيل التخييلات، حتى يتخيل الناس أن هناك ربًّا ويومًا آخر وجزاءً وعقابًا؛ ولهذا سموا بهذا الاسم، سموا أهل التخييل؛ لأنهم يقولون به.
من هؤلاء؟ يقول: (فأما أهل التخييل فهم الفلاسفة والباطنية ومن سلك سبيلهم من المتكلمين وغيرهم).
الفلاسفة هؤلاء هم الذين يدعون أنهم الحكماء العقلاء، ويرون أن العلوم التي سوى علومهم ليست بشيء، حتى علوم الأنبياء عندهم ليست بشيء، يقولون: هذه علوم عجائز، ولا تصلح لأهل العقل، وطبعًا هم ينكرون الخالق وينكرون اليوم الآخر؛ لأنهم ماديون دهريون؛ لا يؤمنون بشيء والعياذ بالله، ومع ذلك عندهم من الكبرياء والغطرسة ما يجعلهم يرون الناس كأمثال الذر ولا يأبهون بهم، فهم فلاسفة.
(والباطنية) الباطنية هم الذين يقولون: إن الدين له ظهرٌ وبطنٌ أو ظاهر وباطن، فالظاهر لأهل الظاهر، والباطن لأهل الباطن، من هم أهل الظاهر؟ أهل الظاهر هم السذج الذين يلعب الناس في عقولهم يقولون: فيه جنة، وفيه نار، وفيه صلاة، صوم، حج، وما أشبه ذلك، ويمشون، هذا للعوام.
والباطن هو الذي عليه أئمتهم، وسيأتي -إن شاء الله- بيان مذهبهم وطريقتهم في العمل.
هؤلاء يقولون: (إن ما جاءت به الأنبياء مما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر أمثال وتخييلات لا حقيقة لها في الواقع) أعوذ بالله، يعني الواقع عندهم أنه لا رب، ولا بعث، ولا جزاء، وإنما هي أرحام تدفع وأراض تبلع فقط، ولا فيه شيء.
(وإنما المقصود بها انتفاع العامة وجمهور الناس؛ لأن الناس إذا قيل لهم: إن لكم ربًّا عظيمًا قادرًا رحيمًا قاهرًا، وأمامكم يومًا عظيمًا تبعثون فيه، وتُجازون بأعمالكم ونحو ذلك؛ استقاموا على الطريقة المطلوبة منهم، وإن كان هذا لا حقيقة له على زعم هؤلاء) يقولون: إن هذا ما له حقيق، طيب ليش الرسل تأتي وتقول للناس: إن لكم ربًّا، وإن هناك جنة، وهناك نارًا؟ قالوا: نعم، قالوا: هذا لأجل أن يسير الناس على ما وجَّهوهم إليه؛ لأنه إذا قيل للناس: إن لكن ربًّا رحيمًا قادرًا عظيمًا شديد العقاب وما أشبه ذلك، ولكن افعلوا كذا وافعلوا كذا، واتركوا كذا واتركوا كذا، وإلا فسيعاقبكم هذا الرب، ينصاعون ولَّا لا؟ نعم ينصاعون لهذه الأوامر ويطيعون، لكن إذا لم يقل لهم ذلك كلٌّ ركب رأسه ولا همه أحدٌ.
إذن فعلى هؤلاء يكون ذكر الله عز وجل وذكر اليوم الآخر ما هو إلا تخويف وترويع فقط، مثلما تقول للصبي: اسكت ولا بيجيك البعبع، ولَّا ترى بينزل عليك من السماء صفيحة حامية، العامة يقولون: مقرصة حامية، مقرصة اللي يصنع بها القرص، هل صحيح هذا؟
طالب: لا.
الشيخ: لكن قلنا له ذلك من أجل يتروى ويسكت، هذا هو الأمر عند هؤلاء الفلاسفة والباطنية ومن تابعهم، ولا ما فيه رب، ولا جزاء، ولا بعث، نسأل الله العافية والسلامة.
ثم هل ما قالوه هو ما استقر في فطرهم؟
الجواب: لا؛ لأنه لا يمكن لأحد أن ينكر الخالق، قد ينكر الجزاء ولكن إنكار الخالق لا يمكن أبدًا؛ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن الحادث بدون محدث أبدًا. لكن هذا كلامهم.
(ثم إن هؤلاء على قسمين: غلاة، وغير غلاة.
فأما الغلاة) الغلاة الموغلون في مذهبهم (فيزعمون أن الأنبياء لا يعلمون حقائق هذه الأمور، وأن من المتفلسفة الإلهية ومن يزعمونهم أولياء من يعلم هذه الحقائق) (...) المتفلسفة الإلهية؛ هناك فلاسفة طبائعيون، ما يتكلمون في الإلهيات، يتكلمون في الطبيعة وأحوالها ونتائجها، وأما مسألة الإلهيات والعبادات ما يبحثون فيها.
وفيه فلاسفة في الإلهيات يتكلمون في الله عز وجل -على زعمهم- ويجعلونه على ما يريدون.
الغلاة يقولون: إن الأنبياء لا يعلمون الحقيقة، سمعوا وحيًا أوحي إليهم وقيل لهم: اصنعوا كذا، وأمروا الناس.
(...) (أن من الفلاسفة من هو أعلم بالله واليوم الآخر من النبيين الذين هم أعلم الناس في ذلك.
وأما غير الغلاة فيزعمون أن الأنبياء يعلمون حقائق هذه الأمور ولكنهم ذكروا للناس أمورًا تخييلية لا تطابق الحق؛ لتقوم مصلحة الناس) إلى آخره.
هؤلاء الطائفة الثانية من الفلاسفة يقولون: إن الرسل يعلمون ما هناك ربٌّ ولا بعثٌ لكن رأوا أن المصلحة لا تقوم إلا بهذا؛ أي بأن يقولوا: إن هناك ربًّا وبعثًا، لأجل أيش؟ لمصلحة الخلق، علشان يوافقونهم على ما يقولون.
وهؤلاء يزعمون أن الأنبياء عباقرة أذكياء عقلاء وليس لهم صلة بالله؛ لأنه ما فيه إله عندهم، لكن هذا النبي عندهم رجل من العباقرة الأذكياء اصطنع بنفسه أمورًا يرى أنها مصلحة كالقوانين الوضعية، فدعا الناس إليها وحذرهم من مخالفتها بهذا الرب وهذا البعث وليس هناك بعث ولا جزاء.
يقول: (فالطائفة الأولى حكمت على الرسل بالجهل) أو لا؟ الطائفة الأولى الذين يقولون: إن الرسل لا يعلمون الحقائق على ما هي عليه، هؤلاء قالوا: إن الرسل جهال، فدعوا إلى الجهل ودعوا بجهل.
(والثانية حكمت عليهم بالخيانة والكذب) لأن الرسل -على زعمهم- يعلمون أنه ليس ربٌّ ولا جزاء ولكن قالوا للناس: إن لكم ربًّا وجزاء وهم يكذبون عليهم، فحكموا عليهم بالكذب والخيانة.
أيهما أشد؟ هن كلهن شينات، لكن أيهما أعظم قدحًا في الرسل؟
طالب: الأول.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: إن قلت: الأول لأنه كيف يدعونني إلى أمر يجهلونه؟ وإن قلت: الثاني؛ وهو أنهم كذبوا على الناس وخانوهم، الطائفة الثانية يقولون: إن الرسل يعلمون الحقائق على ما هي عليه، وإنه ما فيه ربٌّ ولا جزاء، لكن كذبوا على الناس من أجل المصلحة، إذن هم كذبوا وخانوا؛ كذبوا على الناس وقالوا: إن لكم ربًّا، وخانوهم حيث لم يعلموهم بالحقيقة، أما الأولون فإنهم جهلوا النبي.
فباعتبار حال النبي وضعفه وعجزه الطائفة الأولى أشد، وباعتبار خيانة النبي وكذبه فالثانية أشد.
قال: (هذا هو قول أهل التخييل فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر.
أما في الأعمال فمنهم من يجعلها حقائق يُؤْمَر بها كل أحد، ومنهم من يجعلها تخييلات ورموزًا يُؤْمَر بها العامة دون الخاصة) قالوا: العمل الآن، إحنا فهمنا الاعتقاد عندكم أنه ما فيه ربٌّ ولا جزاء، لكن في العمل تؤمنون بالصلاة؟ انقسموا؛ بعضهم قال: نعم، نؤمن بالصلاة والزكاة والصيام والحج ونقول: إن هذه الأعمال مصلحة للعامة وللخاصة، وكل يُؤْمَر بها، فنقول للعامة: صلوا، ونقول للخاصة: صلوا، ونقول للعامة: زكوا، ونقول للخاصة: زكوا، ونقول للعامة: صوموا، ونقول للخاصة: صوموا، ونقول للعامة: حجوا، ونقول للخاصة: حجوا؛ لأن هذه أعمال تؤثر على الإنسان انطباعًا خاصًّا يكون منقادًا للفضائل، فنأمر بها كل أحد.
ومنهم من يقول: لا، حتى الأعمال لا حقيقة لها وإنما يُؤْمَر بها العامة دون الخاصة، فعندهم أن الرسل من العوام ولَّا من الخواص؟ من العوام؛ لأنهم هم اللي يصلون ويزكون ويصومون ويحجون، كل العالم اللي يتعبد لله عندهم من العوام الذين لا يعرفون الحقائق ولا يعرفون الأمور، وأما الخواص فإنهم لا يُؤْمَرون بهذه الصلوات ولا بالصيام ولا بالزكاة ولا بغيرها ما يؤمر؛ لأنه وصل إلى مرحلة تسقط التكليف؛ لأن الله يقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]، وهؤلاء وصلوا إلى درجة اليقين فانتهت العبادة في حقهم؛ لأن (حتى) وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، أنت لو سافرت إلى بلد فإن سفرك ينتهي بوصولك إليها، وحينئذ تضع العصا وتنيخ الناقة ولا تعمل أي عمل من أعمال السفر، هكذا يقول هؤلاء -والعياذ بالله-: إن الإنسان إذا بلغ الغاية سقطت عنه الوسيلة، وهذه العبادات وسائل توصلك إلى اليقين، ثم بعد ذلك لا تعمل.
طيب ويش عبادات الخاصة؟ استمع إليها يقول: (فيؤولون الصلاة بمعرفة أسرارهم، والصيام بكتمانها، والحج بالسفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك) يقولون: الصيام الذي يؤمر به العامة أن يمسكوا عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، واللي يؤمر به الخاصة أن يكتموا أسرارهم؛ أسرار الفرقة والطائفة.
طيب الصلاة صلة بين العبد وبين الله ذات ركوع وسجود، هذه صلاة من؟ العوام، صلاتهم هم أن تعرف أسرارهم؛ ولهذا هؤلاء الفرقة الباطنية وأشباههم موجودون الآن، ما يأذنون لكل واحد يدخل معهم حتى يتمرن، ولهم مراتب عشر ينقلون الإنسان من مرتبة إلى مرتبة، ولا يمكن أن يخبر بالمرتبة الثانية حتى يتقن المرتبة الأولى، كلها مبنية على أسرار عظيمة أشد من أسرار الحرب، ليش؟ لأنه لو اطلع الناس على أسرارهم هذه لقتلوهم قتلًا، ما أبقوا لهم على الأرض ديارًا، لكن يتسترون فيقولون: إن الصلاة ليست الصلة بين الإنسان وبين الله؛ لأنه ما فيه إله، الصلاة أن يكون بينك وبين أوليائهم صلة بحيث يخبرونك بأسرارهم، طيب تبغي تصوم؟ نعم، كيف أصوم؟ قال: اكتم هذا السر؛ لأن الصيام في اللغة الإمساك، والصيام عندنا هو الإمساك عن إظهار الأسرار، امسكْ، لا (...)، فيكون الصيام هذا بالليل والنهار ولا بالنهار فقط؟ بالليل والنهار إلى أن يموت؛ لأنه لازم يكتم الأسرار، ولَّا ما صام.
الحج، قال: الحج ليس أن تسافر إلى بيت الله؛ لأنه ما فيه إله حتى يكون له بيت، الحج أن تسافر إلى الولي فلان، وين هو فيه؟ في كربلاء، في قُم، في المكان الفلاني، في المكان الفلاني، هذا هو الحج، (...) بحج يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فاذهب إلى الولي الفلاني، واخضع بين يديه، واسجد له، وامش إليه راكعًا، هذا هو الحج. أما أن تذهب إلى مكة لتقصد بيت الله فهذا ليس بحج.
يقول: (وهؤلاء هم الملاحدة من الإسماعيلية والباطنية ونحوهم) وهم موجودون الآن ولَّا لا؟ موجودون الآن، الإسماعيلية موجودون، والباطنية موجودون، والنصيرية وغيرهم، كل هؤلاء على هذا الطريق والعياذ بالله.
ولهذا تجد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم على هؤلاء ردًّا مفحمًا شديدًا، وسيأتي -إن شاء الله- بيان بطلان مذهبهم.
إنما هذه هي الفرقة الأولى وتسمى أهل التخييل؛ لأنهم يرون أن الله سبحانه وتعالى أن الإيمان به تخييلات فقط ما هو حقيقة.
طالب: الإسماعيلية؟
الشيخ: إذا أردت أن تبحث عن هؤلاء فارجع إلى الملل والنحل للشهرستاني؛ لأنه هو أحسن ما رأيت في جمعها.
***
طالب: (...) هذا هو قول أهل التخييل فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر.أما في الأعمال فمنهم من يجعلها حقائق يُؤْمَر بها كل أحد، ومنهم من يجعلها تخييلات ورموزًا يُؤْمَر بها العامة دون الخاصة، فيؤولون الصلاة بمعرفة أسرارهم، والصيام بكتمانها، والحج بالسفر إلى شيوخهم ونحو ذلك. وهؤلاء الملاحدة..
الشيخ: (هم).
الطالب: ما عندي.
الشيخ: ما عندك (هم)؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، عندنا (هم)، إي نعم.
الطالب: (...) الشرائع، واقتضته حكمة الله البالغة، ولا ينكره إلا مكابر أو مجنون.
وأهل التخييل لا يحتاجون في الرد عليهم إلى شيء كثير؛ لأن نفور الناس عنهم معلوم ظاهر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كم أقسام المنحرفين عن الصراط المستقيم فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر؟
طالب: أهل التخييل والتجهيل والتأويل.
الشيخ: أهل التخييل وأهل التأويل وأهل التجهيل.
(...) مقصودة ومرادة وتطلب من كل إنسان؛ لما فيها من ترويض النفس والتحمل والصبر والمصلحة وما أشبه ذلك.
وقسم آخر قالوا: إن هذه العبادات لا حقيقة لها، وليست مقصودة لذاتها، وإنما تقصد لغاية، إذا بلغها الإنسان سقطت عنه، وعلى هذا فيؤمر بها العامة دون الخاصة، أما الخاصة الذين بلغوا الذروة فإنهم لا يؤمرون بها ولا تُطْلب منهم؛ ولهذا هم من حيث الأعمال إباحيون، يقولون: لا تصلِّ، لا تزكِّ، لا تَصُمْ، لا تحج، لا تتزوج، ازنِ بمن شئت والعياذ بالله؛ لأنهم يقولون: كل هذه التقييدات إنما يؤمر بها من؟ العوام الذين لا يصلحون إلا بها، أما الخواص الذين بلغوا الغاية فإنهم لا يؤمرون؛ لأن الله يقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، واليقين هو الجزم.
طالب: الموت.
الشيخ: لا، ما هو الموت عندهم، هو الجزم بلا شك ولا تردد، فإذا وصلت إلى هذه الغاية خلاص لا تعبد ربك، كما نقول للرجل: استأجر السيارة إلى مكة، وهو يريد مكة، إذا وصل إلى مكة يبقي السيارة ولَّا يدعها؟ يدعها، هذه طريقتهم في باب العبادات، فصاروا -والعياذ بالله- في الاعتقادات والأمور العلمية متفقين على إنكارها، لكنهم اختلفوا هل الرسل يعلمونها أم لا؟
أما في العبادات فهم مختلفون؛ فمنهم من قال: إنها مرادة ومصلحة للخلق عامتهم وخاصتهم، ومنهم من قال: إنها ليست مرادة وإنما يؤمر بها العامة ليصلوا إلى درجة اليقين، فإذا وصلوا إلى درجة اليقين سقطت عنهم؛ ولهذا لا نأمر الخاصة بذلك.
يقول: (وهؤلاء هم الملاحدة من الإسماعيلية والباطنية ونحوهم) وهم -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- أكفر من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بالله وباليوم الآخر وإن كان هذا الإيمان لا ينفعهم؛ لأنهم كافرون بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الإسماعيلية والباطنية ومن أشبههم هؤلاء ملحدون غاية الإلحاد.
هم يقول: (وفساد قول هؤلاء معلوم بضرورة الحس والعقل والشرع) ويش معنى (بضرورة الحس)؟ الضرورة ما يضطر الإنسان إلى التصديق به (...).





