شرح العقيدة الحموية - 11
عدد الزيارات 1522

كيف؟ أما الإيمان بالله فدلالة الحس عليه معلومة، دلالة الحس على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته معلومة فيمن مضى وفيمن حضر؛ أن من الناس من دعا الله فاستجاب له، أليس كذلك؟ ابدأ بأول الرسل وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء: ٧٦]، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤]، ومحمد عليه الصلاة والسلام دعا الله فاستجاب له؛ دعا على قريش وقال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» فاستجاب الله له ، ودعا بالغيث فاستجيب له ، وأمثلة ذلك لا تحصى، وهذا دليل حسي معروف.
هل هناك دليل حسي ملموس؟ اسأل نفسك: هل دعوت الله يومًا من الأيام فاستجاب لك؟ إي نعم، الحمد لله كثير، كثيرًا ما يدعو الإنسان ربه فيستجيب الله له رأي العين، إذن هل هذا دليل حسي على وجود الله؟ دليل حسي على وجوده وعلمه وقدرته ورحمته وسمعه وبصره وغير ذلك مما تدل عليه الإجابة؛ دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام.
أما دلالة العقل على وجود الله فأيضًا واضح جدًّا أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] هذه دلالة عقلية قطعية برهانية، سبر وتقسيم؛ إما أن يُخْلَقوا بدون خالق، أو أي يخلقوا أنفسهم، وكلاهما محال، بقي أن يكونوا خُلِقوا بخالق، فمن هو هذا الخالق؟
طالب: الله.
الشيخ: الخالق الله! أبوك وأمك؛ نطفة المني خرجت من أبيك، والبويضة التي تلقت هذه النطفة منين؟ من أمك، إذن مرج البحرين يلتقيان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، التقت هذه بهذه فتكوَّن الجنين، فصار أبوك وأمك هما اللذان خلقاك ولَّا لا؟ العجينة المخلطة هي اللي جابت الولد. أصحيح هذا أم لا؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة: ٥٨، ٥٩]، ويش الجواب؟ إذن الأب ما خلق مَنِيَّه، والأم ما خلقت البويضة، فالخلق من؟ الخالق الله. وأنا لا أظن عاقلًا يقول: إن أباه دخل في رحم زوجته وصار يصنع بيده الولد، هذا شيء مستحيل، فتبين الآن أن الخالق من؟ الخالق الله. هذا دليل عقلي على وجود الله، فكل الحوادث دليل على وجود الله سبحانه وتعالى؛ لأننا نعلم علم اليقين أنها لم تُوجِد نفسها ولم تُوجَد بغير مُوجِد. وعلى هذا فضرورة الدلالة العقلية تدل على هذا.
أما الشرع فالشرع أدلته أكثر من أن تحصى على وجود من؟ على وجود الله وعلى الإيمان باليوم الآخر، استمع يقول: (فإننا نشاهد من الآيات الدالة على وجود الله وكمال صفاته ما لا يمكن حصره:

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

وقبل هذا البيت
فَوَاعَجَبَا كَيْفُ يُعْصَى الْإِلَهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ

استنكار كيف أنك تعصي ربك أو تجحده؟!
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

ابدأ بنفسك، وارجع إلى علماء الأحياء لتنظر ما نفسك من عجائب الخلقة، وارجع إلى علماء النفس لتنظر ما في نفسك من عجائب الإرادات والانفعالات وغير ذلك، تجد العجب العجاب، نحن الآن نأكل الأكلة على أنها خبزة أدمت بعسل ومشت مع هذا الحلق، ما الذي تلقاها؟ تلقاها عمَّال أخصائيون، كل واحد له خصائص؛ حتى يكيف هذه المضغة لتكون صالحة لتغذية هذا الجسم، ثم هناك موزعون، موزعو بريد ولَّا برقيات؟ أشد من هذا، موزعون لا يدعون صغيرة ولا كبيرة في الجسم إلا أعطوه نصيبه من هذا الغذاء، وسبحان الله! لو أن إحدى الغُدد في جزء من البدن تعدت على أخواتها وأخذت حظًّا من الغذاء أكثر من أخواتها ماذا يكون؟ يكون هاذ العضو يتضخم ويكبر.
وقد شُوهِد أناس تكون أيديهم -نسأل الله العافية- أكبر من نصف الجسم، نعم أنا شاهدت إنسانًا قبل زمن طويل معه يده حوالي نصف جسمه؛ يعني قل: يحملها حملًا بيده الأخرى اللي يضعها على كتفه، نسأل الله العافية والسلامة.
الأصابع أحيانًا تأخذ بعض الأصابع حظًّا أكثر من الغذاء، وبعدئذ تتضخم حتى يكون الإصبع الواحد كالذراع، يعني إذن في كل شيء لله آية تدل على وحدانيته.
وقد بحث ابن القيم رحمه الله بحثًا دقيقًا في كتابه مفتاح دار السعادة في هذا الأمر، وبحث الشيخ ابن القيم رحمه الله تطور بعد ذلك إلى أكثر من هذا، فينظر الإنسان حكمة الله عز وجل وما في نفسه من الآيات الدالة على وجود خالقه سبحانه وتعالى وحكمته وقدرته وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].
حاجة بسيطة هي نطقنا الآن عبارة عن هواء يحصل من ضغط الرئتين، فيمر على مجارٍ؛ يمر على مجرى فيكون حرفًا، يمر على مجرى آخر فيكون حرفًا آخر، وهكذا في آن واحد، وفي سرعة فائقة، شوف الآن الكلمات تتعاقب الحروف بلحظة، وكل واحد من هذه الحروف له مجرى خاص يختلف عن الأول مع أن الأصل الذي أثار هذه الحروف شيء واحد.
والآيات كثيرة؛ آيات الله سبحانه وتعالى، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].
يقول:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

(فإن هذه الحوادث المنتظمة لا يمكن أن تحدث إلا بمدِّبر حكيم قادرٍ على كل شيء) لا شك.
قال: (والإيمان باليوم الآخر دلَّت عليه جميع الشرائع واقتضته حكمة الله البالغة، ولا ينكره إلا مكابِرٌ أو مجنون) الإيمان باليوم الآخر دلَّت عليه جميع الشرائع، كل الكتب السماوية أثبتت اليوم الآخر، وآمن به كل من ينتسب إلى ديانة سماوية.
أيضًا الحكمة تقتضيه، وجه ذلك أنه من السفه البالغ أن يُحْدَث هذا الخلق، وتُرْسَل إليه الرسل، وتُنَزَّل إليه الكتب، ويُباح دماء بعضهم لبعضٍ وأموال بعضهم لبعض ونساء بعضهم لبعضٍ ليُقَاتلوا على دين الله، ثم في النهاية موت بلا بعث! ما هذا؟ سفه، ويش الفائدة الآن؟!
فلولا أن هناك يومًا يُجازى في العاملون بما عملوا لكان إيجاد الخليقة عبثًا، ولا يظن ظانٌّ بالله هذا الظن إلا كافرٌ، قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًاويش بعدها؟ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧]، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الدخان: ٣٨، ٣٩] ويش بعده؟ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠]، فلما نفى عن نفسه اللعب وأنه إنما خلقهما بالحق بيَّن أن هذا له غاية إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ.
أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى [القيامة: ٣٦ - ٣٩] ويش بعده؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٤٠].
فإذن هذه الخليقة وهذه الشرائع ما جاءت إلا ليوم آخر، فلو أنها جاءت هكذا ليقتل الناس بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، ويأخذ بعضهم مال بعض، ثم النتيجة أن يموتوا جميعًا وتأكلهم الأرض؛ لكان هذا من أسفه السفه. إذن فالإيمان باليوم الآخر اقتضه الشرائع ويش بعد والحكمة والعقل.
(ولا ينكره إلا مكابِرٌ أو مجنون) من هو المكابر؟ المكابر هو الذي يعاند ولا يقبل مهما كان، والمجنون فاقد العقل، أما الإنسان العاقل فإن عقله يهديه إلى وجوب وجود اليوم الآخر، وأنه أمر لا بد منه.
ومن حكمة الله عز وجل ورحمته بنا أنه قرر هذا اليوم الآخر، قرره بعدة أدلة عقلية وحسية؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان على العمل بالطاعات وترك المعاصي، وإلا ما آمن أحد، والله الموفق.

***

طالب: (...) لأن نفور الناس عنهم معلوم ظاهر.
وأما أهل التأويل فهم المتكلمون من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم.
وحقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من نصوص الصفات لم يقصد به ظاهره، وإنما المقصود به معانٍ تُخالفه، يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه تركها للناس يستنتجونها بعقولهم، ثم يحاولون صرف ظواهر النصوص إليها، وغرضُه بذلك امتحانُ عقولهم، وكثرة الثواب بما يعانونه من محاولة صرف الكلام عن ظاهره وتنزيلِه على شواذِّ اللغة وغرائب الكلام.
وهؤلاء هم أكثر الناس اضطرابًا وتناقضًا؛ لأنهم ليس لهم قدم ثابت فيما يمكن تأويله وما لا يمكن، ولا في تعيين المعنى المراد.
ثم إن غالب ما يزعمونه من المعاني يُعْلَم من حال المتكلم وسياق كلامه أنه لم يرده في ذلك الخطاب المعين الذي أوَّلوه.
وهؤلاء كانوا يتظاهرون بنصر السنة ويتسترون بالتنزيه، ولكن الله تعالى هتك أستارهم برد شبهاتهم ودحض حججهم، فلقد تصدى شيخ الإسلام وغيره للرد عليهم أكثر من غيرهم؛ لأن الاغترار بهم أكثر من الاغترار بغيرهم؛ لما يتظاهرون به من نصر السنة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا التفصيل في مذهب أهل التخييل وبيان الرد عليهم، وأن فساد قولهم معلوم بضرورة العقل والحس والشرع، وهم لا يحتاجون في الرد عليهم إلى عناء كبير؛ لأن نفور الناس منهم أمر ظاهر معلوم؛ ولهذا كانوا أقل الطوائف عَددًا، وإن كانوا قد يكونوا أكثر الطوائف عُددًا يبتلي الله بهم العباد، لكن هم أقل الطوائف عَددًا؛ لأن النفور منهم ظاهر معلوم.
لكن (أهل التأويل فهم المتكلمون من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم) وقولنا: (وأتباعهم) يشمل من تبعهم اتباعًا كاملًا، ومن اتبعهم اتباعًا جزئيًّا؛ كالأشاعرة، فإن الأشاعرة بلا شك من أهل التأويل.
واعلم أنهم إنما سموا أنفسهم بأهل التأويل من باب التغرير بالناس والدعوة إلى مذهبهم، وإلا ففي الحقيقة أنهم هم أهل التحريف؛ لأن التأويل الذي يريدونه صرف الكلام عن ظاهره إلى المعنى المخالف للظاهر، وهذا إذا لم يكن له دليل كان تحريفًا، وهذا هو الواقع في مذهبهم؛ فإنهم ذهبوا في باب أسماء الله وصفاته مذهبًا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه.
تسمية أنفسهم أهل التأويل من باب التزيين والتلطيف والتغرير؛ لأنه من المعلوم أنه لو سموا أنفسهم أهل التحريف -ولا يمكن أن يسموا أنفسهم أهل التحريف- لنفر الناس منهم، لكن (أهل التأويل) لا شك أنها ألين وألطف ولا تُوجب النفور.
الجهمية مَن؟ أتباع..
طلبة: الجهم بن صفوان.
الشيخ: والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء، وأتباعهم من سائر الطوائف، فكل من تأوَّل في شيء من صفات الله وأسمائه فهو داخل في هذا.
(حقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من نصوص الصفات لم يُقْصَد به ظاهرها، وإنما المقصود به معانٍ تُخالفه) أي: تخالف الظاهر، (يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه تركها للناس يستنتجونها بعقولهم، ثم يحاولون صرف ظواهر النصوص إليها) هذا مذهب أهل التأويل يقولون: إن نصوص الصفات لا يراد بها ظاهرها، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ما أريد بها ظاهرها؛ الاستواء، اليد ما أريد بها ظاهرها، الوجه، وعلى هذا فقِسْ.
ما المراد بها؟ قالوا: المراد بها معانٍ تخالف الظاهر. من يعلم هذه المعاني؟ يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم. شوف انتبه، فهنا ثلاثة أمور أولًا: لم يرد بها ظاهرها، ثانيًا: أراد بها معانٍ تخالف الظاهر، ثالثًا: هذه المعاني كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها. هذا مذهبهم مركب من هذه الأمور الثلاثة، وكلها -كما مرَّ علينا- تحتاج إلى دليل، وليس عندهم دليل.
فقولهم: إنها لم يُرَدْ بها ظاهرها، نقول: هذا خلاف الظاهر، بل إن الظاهر أن الله ورسوله إذا تكلما بكلامٍ كان المراد به ظاهر الكلام، وكما أننا نحمل كلام الناس في بيعهم وشرائهم وأوقافهم ورهونهم وجميع معاملاتهم، نحمل كلامهم على أيش؟ على ظاهره، فلماذا لا نحمل كلام الله ورسوله على ظاهره في أمور غيبية لا مجال للاجتهاد فيها؟ أليس الأجدر بنا أن نستسلم لهذه النصوص ونحملها على ظاهرها؟ بلى؛ لأن هذه أمور غيبية ما للرأي فيها مجال، تكلم الله بها نفسه، وتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، فكان الواجب علينا أن نأخذها على ظاهرها، ولكن يجب أن نعلم أن ظاهرها ليس هو التمثيل؛ لأن التمثيل منفي عن الله عز وجل.
أراد بها معانٍ تخالف الظاهر، من قال: إنه أراد بها معانٍ تخالف الظاهر؟ إذ من الجائز ألا يُرَاد بها الظاهر، ولا يراد بها معان أخرى، وتكون ألفاظًا هملًا لا معنى لها. هذا جائز ولَّا غير جائز؟ جائز، إذن نطالبكم بالدليل على أن المراد بها معانٍ أخرى تخالف الظاهر، ولا دليل لهم في ذلك.
الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمها ولم يبينها للأمة، هذه أيضًا دعوى لو شعر الإنسان القائل بها ماذا يترتب عليها لنقص على عقبيه، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم المراد بهذه النصوص الذي لم يدل عليه ظاهرها ولم يبينه للناس -مع أن ما يتعلق بأسماء الله وصفاته هو أعظم ما جاءت به الرسل- ماذا تكون حال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ يكون مبلغًا؟ أبدًا غير مبلغ، يكون من أعظم الناس كتمانًا للحق؛ لأن الحق لا يُعْلَم إلا من عنده فكتمه، كتم العالم للحق أهون من كتم الرسول صلى الله عليه وسلم للحق؛ لأن العالم المعين إذا كتمه ذهبنا إلى عالم آخر وأخبرنا به، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما نعلم الحق إلا من عنده، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معاني هذه النصوص ولم يبينها للناس كان هذا أعظم الطعن في الرسول عليه الصلاة والسلام ولَّا لا؟ إذن شوف هذا المذهب الباطل -والعياذ بالله- ماذا يترتب عليه؟ كذب وتكذيب واتهام، فحينئذٍ (كذب) لأنهم يقولون: المراد بها معانٍ أخرى وهم ما يعلمونها، (تكذيب) لأنهم نفوا الظواهر، (اتهام) اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بكتم بيان الحق في هذا، والله عز وجل يقول لرسوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧]، شوف المذاهب الباطلة ويش يترتب عليها؟! فالآن هذا المذهب -مذهب أهل التأويل- ترتب عليه هذه اللوازم الباطلة التي هي من أبطل ما يقال من الباطل.
طيب نسألهم: لماذا لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته بمعانيها؟
قال: لأجل أن يمتحن عقول الناس أيهم يعلمها. هذه واحدة.
ثانيًا: لأجل أن يكثر الثواب في طلب الوصول إلى معناها؛ لأن المعنى الذي يخالف الظاهر يحتاج إلى مقدمات حتى نصل إليه؛ لأنه يحتاج إلى أدلة تدل على أن الظاهر غير مراد، ثم يحتاج إلى أدلة تدل على أن هذا الذي زُعِم أنه مراد يحتمله اللفظ، ثم أدلة إلى تعيين المعنى الخاص أن النبي صلى الله عليه وسلم على زعمهم لم يبينها من أجل أن يتعب الناس في الوصول إلى هذه المعاني بتخريجها على شواذ اللغة وطلب الأدلة الدالة عليها، فينالون بذلك الثواب؛ لأنه كلما كثر العمل من أجل الوصول للحق علمًا أو عملًا كان ذلك أكثر للثواب.
نقول لهم: هذان الغرضان غرضان باطلان؛ أما الأول: فقولكم: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينها لأجل امتحان العقول) هذا إنما يصح لو كنت تُلْغِز على أقوام حاضرين يجيبون عما ألغزت به؛ فإن كان حقًّا قبلته، وإن كان بطالًا فنَّدته، أما والأمر كذلك فهذا لا يمكن، الرسول عليه الصلاة والسلام ألغز ذات يوم على أصحابه حيث قال: «إِنَّ مِنَ الْأَشْجَارِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» ولا بيَّنها، لكنه صار الناس يذكرون أشياء من شجر البوادي ولم يصيبوا الغرض، فعلمهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وقال: «إِنَّهَا النَّخْلَةُ» ، هذا ممكن أن الشارع يختبر الناس؛ يختبر ذكاءهم في أمر يبينه لهم بعد، أما أن يجعل الأمر عائمًا ويختبر ذكاءهم إلى يوم القيامة فهذا مستحيل.
وأما قولهم: من أجل أن ينالوا كثرة الثواب، فنقول: إن محاولة كثرة الثواب في التعمية على الخلق هو عقاب في الواقع وذنب يستحق العقاب لا الثواب؛ لأن الناس سوف يتخبطون في هذه المعاني كما هو الواقع؛ تخبطوا فيها وتناقلوا فيها حتى كان بعضهم يناقض بعضًا، وحتى كان الواحد منهم يؤلف تأليفًا في معنى ثم ينقضه مرة ثانية.
فتبين -أيها الإخوة- أن هذا المذهب باطل ولَّا غير باطل؟ باطل ومن أبطل المذاهب، وسيأتينا -إن شاء الله- في الفصل التالي ما يترتب عليه من الإلزامات.
يقول المؤلف رحمه الله: (وهؤلاء هم أكثر الناس اضطرابًا وتناقضًا؛ لأنهم ليس لهم قدم ثابت فيما يمكن تأويله وما لا يمكن، ولا في تعيين المعنى المراد) صح، هؤلاء أكثر الناس اضطرابًا؛ لأنهم ما لهم قدم ثابت في الذين يمكن تأويله هو الذي لا يمكن؛ ولهذا تجد بعضهم -ولا سيما الأشاعرة- أثبتوا شيئًا من الصفات وأنكروا شيئًا؛ لأنهم يقولون: هذا يمكن تأويله وهذا لا يمكن.
وكذلك أيضًا المعتزلة اضطربوا؛ فمنهم من أنكر الصفات دون الأسماء، ومنهم من أنكر الأسماء والصفات أيضًا، فلم يكن لهم قدم ثابت فيما يمكن تأويله ولا ما يمكن.
كذلك أيضًا ليس لهم قدم ثابت في تعيين المراد، ما المراد بهذا؟ القدرة النعمة القوة وما أشبه ذلك، وهذا يدل على بطلان أقوالهم؛ لأن تناقض الأقوال من أقوى الأدلة على بطلانها.
(ثم إن غالب ما يزعمونه من المعاني يعلم من حال المتكلم وسياق كلامه أنه لم يرده في ذلك الخطاب المعين الذي أوَّلوه) يعني مثلًا قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] هم يقولون: المراد باليد هنا النعمة أو القوة، نقول لهم: لا شك أن اليد تطلق في اللغة العربية على النعمة وعلى القوة، كما في حديث غزوة الحديبية يخاطب أبا بكر يقول: لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها لكلمتك ، يعني (يد) بمعنى نعمة، وكما قال المتنبي:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ

المانوية قسم من المجوس يقولون: إن الظلمة تخلق الشر، ويقولون: تعطي العطايا في الليل، والليل ظلمة، فقوله: من يدٍ؛ أي من نعمة. ويقولون: ما لي بهذا الأمر يدان؛ أي: قوة.
نقول: لا شك أن اليد تطلق لكن هل يمكن أن يراد بها القوة في مثل قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]؟ سياق الكلام يمنع هذا منعًا باتًّا؛ إذ ما المعنى بِيَدَيَّأي: بنعمتيَّ، أو بقوتيَّ؟ هذا لا يمكن.
فالحاصل أن شيخ الإسلام يقول أيضًا: إن ما يزعمونه من المعاني يُعْلَم من حال المتكلم وسياق كلامه أنه لم يرده، وحينئذ تكون الدعوى باطلة.
(وهؤلاء كانوا يتظاهرون بنصر السنة ويتسترون بالتنزيه) يقولون: نحن الذين ننصر السُّنة؛ لأننا دفعنا المعطلة من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة من أهل التخييل وغيرهم، وأقررنا بالنصوص على وجه التنزيه لله عز وجل؛ لأننا لا (...) حقيقةً؛ لأن هذا من صفات الأجسام، ولا نقول: ينزل إلى السماء الدنيا حقيقةً؛ لأن هذا من صفات الأجسام، ولا نقول: له يدٌ ووجهٌ وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من صفات الأجسام، فنحن منزهون لله عما لا يليق به، ونحن ندافع عن عقيدتنا ونبطل أقوال المعتزلة والجهمية والفلاسفة وما أشبه ذلك.
فهم يتظاهرون بماذا؟ بنصر السنة، لكن شيخ الإسلام يقول: إنهم لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، بل ما ازداد أمرهم إلا شدة، ولم ينتفع الناس بعلومهم، وما زالوا إلى الآن يقولون: إن أهل السنة ثلاثة: السلفيون، والأشعريون، والماتريديون، وهذا في الحقيقة لا يصح؛ لأن لقب أهل السنة إنما ينطبق على من؟ على من تمسك بالسنة، والذين يخالفون الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح في منهاجهم في العقيدة هل يكونون من أهل السنة؟ لا، ما يصلح أن نسميهم من أهل السنة في هذه البدعة التي أحدثوها، وإن كانوا من أهل السنة من حيث الجملة لكن في الأسماء والصفات ليسوا من أهل السنة، بل هم مخالفون للسنة فيما ذهبوا إليه في أسماء الله وصفاته.
يقول: (ولكن الله تعالى هتك أستارهم برد شبهاتهم ودحض حججهم؛ فلقد تصدَّى شيخ الإسلام وغيره للرد عليهم أكثر من غيرهم؛ لأن الاغترار بهم أكثر من الاغترار بغيرهم؛ لما يتظاهرون به من نصر السنة) ومعلوم أن مدافعة هؤلاء أكثر إلحاحًا من مدافعة المعتزلة والجهمية والمعطلة، لماذا؟ لأنهم يتسترون على باطلهم ويتظاهرون بنصر السنة، وهذا هو الباء؛ يعني المخالف لك إذا قال: أنا على خلاف معك، هذا أمره أهون من رجل يقول: أنا على الحق، ويحاول أن يجعل نفسه من أهل الحق وهو دَعِيٌّ فيهم فإن هذا أشد ضررًا؛ ولهذا أَكْثَرَ العلماءُ رحمهم الله من الرد عليهم حتى لا يغتر الناس بهم.
طالب: كيف نقول: (...) أهل السنة في الجملة؟
الشيخ: في الجملة؛ لأن في كثير من الأشياء من العقائد كاليوم الآخر وما فيه وافقوا أهل السنة فيه، ولا يمكن أن نخرجهم من أهل السنة إخراجًا مطلقًا؛ لأنه مُشْكِل، لو أخرجت -مثلًا- النووي وابن حجر وغيرهم من الأشعرية هذا ما أحد يقرك عليه.
الطالب: لكن في (...) أليسوا -مثلًا- جبرية في مسائل أفعال العباد؟
الشيخ: لا، هم ما هم جبرية في الحقيقة لكن لهم مذهب في الحقيقة لا أصل له؛ يعني ما له حقيقة، ولا هم خالفوا أهل السنة في القدر، وخالفوا -مثلًا- في الإيمان؛ لأنهم مرجئة، وخالفوهم في بعض المسائل من اليوم الآخر، إنما نفي كونهم من أهل السنة على سبيل الإطلاق ما أستطيع أن أنفيه.
طالب: شيخ، ما يمكن يُفَرق بين القائل وبين القول؟
الشيخ: لا، إحنا..
الطالب: الأشاعرة ممكن نقول: إنهم ليسوا من أهل السنة، لكن النووي وابن حجر ما نحكم (...)؛ لأنه قد لا يكون مذهبهم هو مذهب الأشاعرة؛ يعني..
الشيخ: لا، في باب الصفات هم مذهب الأشاعرة ماشيين عليه؛ التأويل.
الطالب: (...) للأشاعرة.
الشيخ: ابن حجر في الواقع متذبذب ولا سيما في الباري؛ أحيانًا يؤيد مذهب السنة، وأحيانًا يؤيد مذهب.. لكننا بقطع النظر عن الرجلين جئت بهما مثلًا، إنما هذا المذهب من حيث هو بعضه صحيح، وبعضه ليس بصحيح، لكن في باب الصفات ليس بصحيح، حتى ما أثبتوه من الصفات لا يثبتونه على ما يثبته أهل السنة والجماعة، انظر إلى قولهم في الكلام مخالف لأهل السنة والجماعة.
الطالب: لكن المذهب (...) بصرف النظر عن تطبيقهم لمسألة الصفات، لكن أصل المنهج أنه تقديم العقل؛ يعني ما هو بيقول الإنسان (...) مسألة التطبيق في الصفات.
الشيخ: لا، لكن تقديم العقل في باب الصفات، أما في الأمور العملية فهم موافقون، ما يجعلون للعقل مجالًا فيما لا مجال له فيه، على كل حال يجب أن نزن بالقسط؛ فمن معه حق قلنا: معك حق. والباطل قلنا: معك باطل. ومن كان على غير حق قلنا: إنك ليس على حق في كل ما تقول.
(فصل: مذهب أهل التأويل في نصوص المعاد الإيمان بها على حقيقتها من غير تأويل) انتبه لهذه (...) (مذهب أهل التأويل في نصوص المعاد الإيمان بها على حقيقتها من غير تأويل) يعني: فيؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار وما أشبه ذلك، يقولون: هذا حق؛ على حقيقته، والناس سيبعثون، ويحاسبون، ويجزون، ويعاقبون أو يثابون، لا نشك في هذا. وهذا حق ولَّا باطل؟ هذا حق.
(ولما كان مذهبهم في نصوص الصفات صَرْفَها عن حقائقها إلى معانٍ مجازية تُخالف ظاهرها استطال عليهم أهل التخييل) (استطال عليهم) يعني: تطاولوا عليهم واستعلوا عليهم، وقالوا لهم: تعالوا، أنتم تقولون: إنه لا يراد بنصوص الصفات ظاهرها، وإنما يراد بها معانٍ أخرى وتنكرون علينا إذا قلنا: إنه لا يراد بنصوص المعاد ظاهرها، وإنما هي تخييل، الآن بيصير نزاع بين مَن؟ بين أهل التخييل وأهل التأويل. في ماذا؟ في باب الأسماء والصفات، يقولون لهم: تعالوا، أنتم تُؤولون في الصفات ولا تؤولون في المعاد، ونحن نؤول في البابين ونقول: كلها ليست على حقيقتها ولا يراد بها الحقيقة.
فالنزاع بينهما في باب الصفات؛ لأجل أن يلزمهم أهل التخيل بإنكار المعاد، شوف يقول: (استطال عليهم أهل التخييل فألزموهم القول بتأويل نصوص المعاد كما فعلوا في نصوص الصفات) هم قالوا: إنكم أنتم يا أهل التأويل تقرون بنصوص المعاد على حقيقتها، ما تؤولون، صح ولَّا لا؟ وهكذا كان حال أهل التأويل؟ حال أهل التأويل بالنسبة للمعاد على أنه حقٌّ على حقيقته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: لا.
الشيخ: في المعاد يا أخي، يؤمنون بالبعث وبالجزاء وبالجنة وبالنار وبالثواب وبالعقاب، يؤمنون بها.
طيب في باب الصفات لا يؤمنون بها؛ يؤولونها، قال لهم أهل التخييل: أولوا في نصوص المعاد؛ لأن العقل يستبعد هذا الشيء؛ يستبعد إذا مُزِّق الإنسان كل ممزق أن يبعث خلقًا جديدًا، هذا بعيد، بعيد أنه يكون فيه جنة ونار ما تفنى أبدًا، هذا ويش لون؟ ما يمكن، فأنتم يجب عليكم أن تؤولوا في نصوص المعاد كما أولتم في نصوص الصفات.
استمع للجواب؛ جواب أهل التأويل (فقال أهل التأويل لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بإثبات المعاد، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوته. اهـ) شوف الجواب مركب من إيجاب وسلب؛ علمنا بالاضطرار، ويش معنى بالاضطرار؟ أي أن علمنا بذلك علم ضروري يقيني، ما فيه اشتباه عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بإثبات المعاد في الكتاب وفي السنة وقامت الأدلة والبراهين على إثباته.
(وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه) ويش هي الشبهة؟ الشبهة ما قاله زعيمهم مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨] هذه الشبهة، هذه الشبهة فاسدة ولَّا غير فاسدة؟ فاسدة؛ لأنا نقول: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩]، فالشبهة الآن المانعة من القول بالحقيقة فاسدة فوجب علينا أن نقول بأنه حقيقة، كذا ولَّا لا؟ الجواب هذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ يقول: (وهذا جواب صحيح، وحجة قاطعة تتضمن الدفاع عنهم في عدم تأويلهم نصوص المعاد وإلزام أهل التخييل أن يقولوا بإثبات المعاد وإجراء نصوصه على حقائقها؛ لأنه إذا قام الدليل وانتفى المانع وجب ثبوت المدلول) والله أعلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: وينه الإلزام؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، نصوص المعاد وإلزامها التأويل،.

***

الطالب: (...) والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وبعد:
وقد احتج أهل السنة على أهل التأويل بهذه الحجة نفسها؛ ليقولوا بثبوت الصفات وإجراء نصوصها على حقيقتها، فقالوا لأهل التأويل: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بإثبات الصفات لله، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوتها. وهذا إلزام صحيح وحجة قائمة لا محيد لأهل التأويل عنها؛ فإن من منع صرف الكلام عن حقيقته في نصوص المعاد يلزمه أن يمنعه في نصوص الصفات التي هي أعظم وأكثر إثباتًا في الكتب الإلهية من إثبات المعاد، وإن لم يفعل فقد تبين تناقضه وفساد عقله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن هناك فرقًا بين أهل التخييل وأهل التأويل بالنسبة لنصوص المعاد، فما هو الفرق؟
طالب: أهل التأويل يثبتونها على..
الشيخ: على حقيقتها.
الطالب: على حقيقتها، وأهل التخييل انتقضوا على..
الشيخ: اصبر، ويش يقولون عنها؟
الطالب: يقولون: إنها ثابتة على حقيقتها، (...).
الشيخ: اصبر، أهل التخييل ويش يقولون عن نصوص المعاد؟
طالب: أهل التخييل لا يعترفون بها.
الشيخ: ويش يقولون عن نصوص المعاد؟
طالب: يقولون: إنها ليست على حقيقتها.
الشيخ: نعم، وأنها تخييلات لا حقيقة لها، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويصرفون النصوص الدالة على إثباتها، يصرفونها عن ظاهرها.
الطالب: نعم.
الشيخ: بماذا أجاب أهل التأويل لأهل التخييل؟
طالب: أجاب أهل التأويل..
الشيخ: لما ألزموهم قالوا: يلزمكم أن تقولوا بأن نصوص المعاد ليست على حقيقتها؟
طالب: أجاب أهل التأويل أن الرسول لما بعث لتبيين المعاد بأحاديث صريحة، فمعلوم بالاضطرار بالعقل والدين أنه..
الشيخ: احتج أهل السنة على أهل التأويل بهذه الحجة نفسها ليقولوا -أي أهل التأويل- بثبوت الصفات وإجراء نصوصها على حقيقتها، فقالوا لأهل التأويل: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بإثبات الصفات لله، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوتها. احفظ العبارة هذه؛ لأنها مفيدة جدًّا، واضحة ومختصرة.
(وهذا إلزام صحيح وحجة قائمة لا محيد لأهل التأويل عنها؛ فإن من منع صرف الكلام عن حقيقته في نصوص المعاد يلزمه أن يمنعه في نصوص الصفات التي هي أعظم وأكثر إثباتًا في الكتب الإلهية من إثبات المعاد) شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن نصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر بكثير من نصوص المعاد، وصدق رحمه الله؛ لأنه ما من آية في القرآن إلا وتجد فيها صفة من صفات الله، كل آية فهي كلام الله، وكل كلام الله فهو صفة من صفاته، لكن قارن بين نصوص المعاد ونصوص الصفات أيها أكثر؟
طلبة: نصوص الصفات.
الشيخ: نعم، نصوص الصفات أكثر بكثير، فإذا امتنع تأويل نصوص المعاد مع قلتها بالنسبة لنصوص الصفات فامتناع نصوص الصفات من باب أولى.
(وإن لم يفعل فقد تبين تناقضه وفساد عقله) صح، يعني إذا أجاز التأويل في الصفات ولم يجزه في المعاد فقد تناقض.
(وأما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف) حتى إن بعض الناس قال: إن هذا هو مذهب السلف التجهيل، (وحقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من نصوص الصفات ألفاظ مجهولة لا يُعْرَف معناها، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يتكلَّم بأحاديث الصفات ولا يعرف معناها) هذا مذهب من؟ أهل التجهيل؛ يعني الذين يصفون الخلق بالجهل، يجهلون الخلق، يقول مثلًا: الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدري ويش معنى آيات الصفات، لو سألته: ما معنى استوى الله على العرش؟ قال: ما أدري.
لو سألته حين قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» ، ويش معنى «يَنْزِلُ»؟ قال: والله ما أدري.
لو سألته: ما معنى قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧]؟ قال: ما أدري.
ويش معنى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]؟ ويش معنى اليدين؟ قال: ما أدري.
من اللي يقوله؟ الرسول..
طالب: أهل السنة.
الشيخ: من اللي يقول؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: كل الناس لا يعرفون معاني آيات الصفات، وإنما هي عندهم بمنزلة ألف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء.. إلى آخره.
أسألك الآن ويش معنى (أَلِف)؟
طالب: لا معنى لها.
الشيخ: ما لها معنى، هم يقولون: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] مثل ألف، باء، تاء، ثاء، ما ندري ويش معناها.
وهذا في الحقيقة إذا تأملته وجدت أنه من شر أقوال الناس؛ لأنه يقتضي أن هذه الآيات العظيمة والأحاديث الكثيرة في صفات الله كلها نزلت لهوًا ولعبًا، ما لها معنى، ويش الفائدة من.. تكلم الإنسان بكلام ما يُعْرَف ويش الفائدة من هذا؟! لو جاءنا واحد الآن غير عربي وقام يخطب خطبة فصيحة، ونعرف أنها مؤثرة بأنه ينفعل ويمد يده ويردها، ويُكَوِّش بوجهه ويفتحه، وهو يخطب بأعلى صوته لكن إحنا عرب ما نعرف لغته، استفدنا ولَّا ما استفدنا؟ ما استفدنا إلا أننا رأينا انفعاله وحركاته قلنا: هذا الرجل خطيب وفصيح، أما أن نعرف مدلول خطبته ما نعرف، هم يقولون: هذه الألفاظ العربية باللسان العربي المبين هي بلسان عربي غير مبين، ما نعرف، شيخ الإسلام يقول: هؤلاء أضر على الإسلام من جميع الطوائف؛ لأنهم هم الذين فتحوا الباب للفلاسفة والمناطقة فدخلوا، لما رأوا هؤلاء يتكلمون بالقرآن والسنة ولا يعرفون ويش معناها قال: روح، أنا اللي أوريك المعنى. إذا سألتك ويش معنى اليد؟ قلت: والله ما أدري، أقول: أنا اللي أدري، أنا اللي بخلي لكلام الله معنى، المراد باليد القوة، ومعلوم أن من أثبت معنى خير ممن لم يثبت بلا شك؛ لأن هذا ما هو علم وهذا ليس معه علم، سواء صح ما أثبت أم لم يصح، إنما المهم أنه لا يمكن أن ينزل القرآن بدون معنى أو سنة بدون معنى، فتجد هؤلاء هم أهل التجهيل، ويسمون أنفسهم تلبيسًا وتزويرًا بأهل التفويض؛ لأنه معلوم أنه إذا قال: هذا مفوض أهون من إذا قيل: هذا مُجَهِّل، إذا قيل: هذا مُجَهِّل يجهل الرسول وأصحابه ما هو مثل اللي يقول: هذا مفوض، يفوض العلم إلى الله. الحاصل أن هذا هو مذهب أهل التجهيل.
يقول: (حقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من نصوص الصفات ألفاظ مجهولة لا يُعْرَف معناها، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يتكلَّم بأحاديث الصفات ولا يعرف معناها) سبحان الله! أن نصف الرسول عليه الصلاة والسلام محمدًا بهذا الوصف؛ يتكلم بالكلام وهو لا يدري ما معناه! لا أظن أحدًا يتكلم بكلام لا يعلم معناه إلا سكران أو مجنون أو مُبَرْسَم، وكل هذه في حق الرسول منفية قطعًا، كيف يتكلم بكلام ولا يدري ويش معناه؟!
(ثم هم مع ذلك يقولون: ليس للعقل مدخل في باب الصفات) مشكل، النصوص ما تثبت الصفات، والعقول ما لها مدخل في الصفات، شوف، طيب فحينئذٍ (يلزم على قولهم ألا يكون عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة السلف في هذا الباب علوم عقلية ولا سمعية، وهذا من أبطل الأقوال) صح ولَّا لا؟ السمع معزول عند دلالته، والعقل معزول عن تدخله، إذن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الأمة ليس عندهم علوم عقلية في باب الصفات، ولا علوم سمعية، ليش؟ لأن العلم السمعي متعذر؛ حيث إنهم يقرؤون ولا يفهمون، ومن قرأ ألفاظًا بدون معنى فهو جاهل بلا شك، والعلوم العقلية أيضًا عندهم منتفية؛ لأن العقل ما له مجال في باب الصفات، على عكس من أهل التأويل، أهل التأويل يقولون: العقل له مدخل في باب الصفات؟ نعم، بل هو أصل عندهم؛ عند أهل التأويل يرجعون في إثبات الصفات ونفيها إلى العقل، (...) ما فيه عقل، ولا فيه فهم للمعنى، فالأمة معزولة عن معاني أسماء الله وصفاته بالعقل ويش بعد؟ والسمع، ما لها مدخل.
(وطريقتهم في نصوص الصفات إمرار لفظها مع تفويض معناها) يقول: لفظها اثبته، نقرأ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، نقرأ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» ونثبت هذا، لكن ويش معناه؟ ما نثبته، وحرام عليك أن تثبت أن معنى استوى: علا، أو أن معنى النزول المعنى الحقيقي؛ حرام عليك.
وحرام عليك تؤول؟ حرام عليَّ أؤول؛ لأن العقل ما له مدخل، إذن ويش يقول؟ اقرأ واسكت لا تقل شيئًا، خلِّك مثل العجوز اللي ما تدري ويش تقول، اقرأ ولا تتكلم في المعنى إطلاقًا، وكل ما قيل لك قلْ: الله أعلم.
طيب هل هذا يمكن أن يبني الإنسان عقيدته عليه؟
طالب: أبدًا.
الشيخ: على جهل، ما يدري ويش أسماء المعبود ولا صفات المعبود! هذا لا يمكن أبدًا، والحقيقة كلما تأملت هذا المذهب وجدته من أفسد المذاهب.
شوف يقول: (ومنهم من يتناقض فيقول: تُجْرَى على ظاهرها مع أن لها تأويلًا يخالفه لا يعلمه إلا الله) شوف الكلام، هو متناقض هذا؟ يقول: تُجْرَى على ظاهرها، طيب إذا كان تُجْرَى على ظاهرها خلِّها على ظاهرها، يقول: لا، لها تأويل لا يعلمه إلا الله.
ووجه التناقض فإنه إذا كان المقصود بها التأويل الذي يخالف الظاهر وهو يعلمه إلا الله فكيف يمكن إجراؤها على ظاهرها؟ شوف إذن نقول: إن الذي جاء بهذه العبارة لا يريد إلا المداهنة فقط، يقول: تُجْرَى على ظاهرها، ثم يقول: لها تأويل هو المراد لا يعلمه إلا الله، فإذا كانت تُجْرَى على ظاهرها ولها تأويل لا يعلمه إلا الله وهو المراد منها فكيف يتفق هذا وهذا؟! نقول: لا شك أن هذا تناقض.
قال: (وقد قال الشيخ رحمه الله عن طريقة هؤلاء في كتاب العقل والنقل صلى الله عليه وسلم ١٢١ ج١) ترى في الطبعة التي على هامش منهاج السنة، ما هي بالطبعة الأخيرة، يعني هذا مكتوب قبل الطبعة الأخيرة.
يقول: (فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد) العجيب أن كثيرًا من الناس الذين لا يدرون عن مذهب السلف يقولون: إن أهل السنة ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما، انتبه، أهل التأويل وأهل التفويض ، ويعنون بالتفويض تفويض المعنى الذي هو التجهيل في الواقع، إذا قلنا: إن أهل السنة لا يخرجون عن هذين القسمين معناه أن السلف ليسوا من أهل السنة، السبب لأن السلف يثبتون المعنى ولا يؤولون، فهم ليسوا مفوضة كأهل التجهيل، وليسوا مؤولة كأهل التعطيل، فهناك نقول: قسم ثالث تركتموه، وهم أهل السنة؛ وهم الذين يفيضون الكيفية ويقرون بالمعنى، وهم السلف، يقولون: نحن نعلم معنى الاستواء ولكن نجهل كيفيته، نعلم معنى اليد لكن نجهل كيفيتها، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن الاستواء، فقيل: له الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ويش معنى (الاستواء غير مجهول)؟ أي أنه معلوم المعنى في اللغة العربية، كل يعرف معنى استوى على الشيء، (والكيف غير معقول)؛ يعني: لا ندركه بعقولنا. وهل هو معلوم بالنص؟ غير معلوم، فاستوى عنده الدليلان العقلي والسمعي، فوجب التوقف فيه؛ أي في الكيف، (والإيمان به واجب، والسؤال عنه) أي: عن كيفيته (بدعة)، وما أُرَاك إلا مبتدعًا.
وهكذا نقول في بقية الصفات؛ النزول إلى السماء الدنيا غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا نقول في بقية الصفات.
يقول: (والشبهة التي احتج بها أهل التجهيل هي وقف أكثر السلف على إِلَّا اللَّهُمن قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]) هذه الآية الكريمة اختلف السلف فيها على قراءتين:
القراءة الأولى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِوهذه قراءة الوصل.
والقراءة الثانية: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُويقف ثم يقول: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ.
أي القراءتين في المصحف؟
طلبة: الأخيرة.
طلبة آخرون: الوقف.
الشيخ: لا، في المصحف.
طالب: كلاهما.
الشيخ: إي مصحفكم أنتم.
طالب: عاصم؟
الشيخ: إي نعم.
طلبة: الوقف.
طالب: ميم.
الشيخ: فيها ميم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: وينها؟ موجود؟ أما الطبعة الأخيرة طبعة الملك فهد فهي ما فيها ميم ولا شيء، الظاهر أن ما فيها شيء.
طالب: هذه فيها ميم على قراءة حفص.
الشيخ: على إِلَّا اللَّهُ؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: إشارة (قلى) (...).
طالب آخر: وهذا أيضًا إشارة إلى الوقف.
الشيخ: فيه إِلَّا اللَّهُ.
طالب: نعم.
الشيخ: (قلى) إي نعم، الوقف أولى فقط. ليش؟ لأن الوقف أو الوصل مبني على معنى التأويل؛ إن كان المراد بالتأويل التفسير -يعني تفسير المعنى وإيضاح المعنى- فالوصل أولى، وإن كان المراد بالتأويل الحقيقة التي عليها الشيء فالقطع أولى؛ لأن هذا غير معلوم لنا..