شرح العقيدة الحموية - 12
عدد الزيارات 3118

عناصر المادة :
الباب الرابع والعشرون: في انقسام أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها
الباب الخامس والعشرون: في ألقاب السوء التي وضعها المبتدعة على أهل السنة

(وهي مبنية على مقدمتين:
الأولى: أن آيات الصفات من المتشابه)
وين المتشابه؟ المتشابه الذي قال الله فيه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، قالوا: وآيات الصفات من المتشابه.
(الثانية: أن المراد بالتأويل المذكور في الآية صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر، فتكون النتيجة أن لآيات الصفات معنًى يخالف ظاهرها لا يعلمه إلا الله) إذن مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُأي: معناه المخالف للظاهر، إِلَّا اللَّهُ، وحينئذٍ يكون آيات الصفات ليست على ظاهرها، بل لها تأويل يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله.
(وتكون النتيجة آيات الصفات لا يعلم معناها) لماذا؟ لأنه لا يراد بها ظاهرها بل المراد المعنى المخالف للظاهر، هذا المعنى المخالف للظاهر معلوم ولَّا غير معلوم؟ غير معلوم لا يعلمه إلا الله، هذا تقرير استدلالهم بهذه الآية الكريمة.
(ونحن نرد عليهم من وجوه:
الأول: أن نسألهم ماذا يريدون بالتشابه الذي أطلقوه على آيات الصفات؟)
لأجل أن ننظر حتى نرد عليهم بعد أن يتقرر مذهبهم، (أيريدون بذلك اشتباه المعنى وخفاءه، أم يريدون اشتباه الحقيقة وخفاءها؟) نقول: أنتم الآن تقولون: إن آيات الصفات من المتشابه، فماذا تعنون بالمتشابه؟ هل تريدون اشتباه الحقيقة وأننا يشتبه علينا أن نعرف حقيقة هذه الأسماء والصفات، (أو تريدون بالاشتباه اشتباه المعنى) يعني أن المعنى مشتبه علينا ما ندري ما المراد؟ وأظننا نعرف الفرق بين المعنى وبين الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، فنحن نعرف معنى اليد ومعنى الاستواء لكن هل نحن عرفنا حقيقة يد الله وكيفيتها؟ أبدًا، فيجب أن نعرف الفرق بين المعنى وبين الحقيقة.
فنسأل هؤلاء: ماذا تريدون بالتشابه هل تريدون اشتباه المعنى وخفاءه أم تريدون اشتباه الحقيقة وخفاءها؟ (فإن أرادوا المعنى الأول، وهو مرادهم) هم يريدون المتشابه ما يعرف معناه، فليست آيات الصفات منه؛ لأنها ظاهرة المعنى؛ لقول مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول.
قولنا: (إن أرادوا المعنى الأول، وهو مرادهم) كيف نعلِّق بالأول ثم نثبت في الثاني؟ لأجل التفصيل، فإنهم هم إذا قالوا: نحن نريد المعنى الأول؛ وهي أن آيات الصفات وأحاديثها مشتبهة المعنى هذا هو مرادهم.
(وإن أرادوا المعنى الثاني فآيات الصفات منه؛ لأنه لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله تعالى. وبهذا عُرِف أنه لا يصح إطلاق التشابه على آيات الصفات، بل لا بد من التفصيل السابق) ما هو التفصيل السابق؟ أنه إن أريد بذلك اشتباه المعنى وخفاؤه فآيات الصفات واضحة المعنى ليست منه، وإن أريد بذلك اشتباه الحقيقة التي يكون عليها الأمر فهذا حق، وهي من المتشابه. وما الذي يريده هؤلاء؟ يريد هؤلاء المعنى الأول.
(الثاني أن قولهم: إن التأويل المذكور في الآية هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر غير صحيح) لأنهم يقولون: آيات الصفات لها معنى يخالف ظاهرها، فلا نُجْرِيها على ظاهرها. لماذا؟ لأن الله قال: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]؛ أي: ما يعلم المعنى المخالف للظاهر إلا الله عز وجل، إذن فنحن الآن لا نُجْرِيها على ظاهرها؛ لأن لها معنى يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله.
(فإن هذا المعنى للتأويل اصطلاح حادِثٌ لم يعرفه العرب والصحابة الذين نزل القرآن بلغتهم، وإنما المعروف عندهم أن التأويل يراد به معنيان:
إما التفسير، ويكون التأويل على هذا معلومًا لأولي العلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله . وعليه يُحْمَل وقفُ كثيرٍ من السلف)
لا أكثرهم، (على قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِمن الآية السابقة) أظن أنه إذا كان التأويل بمعنى التفسير فهذا معلوم لمن؟ لأهل العلم؛ بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِمعطوفة على اللَّهُوموصولة به، فالراسخون في العلم يعلمون التأويل بناء على أن المراد بالتأويل المعنى.
(وأما حقيقة الشيء ومآله، وعلى هذا يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر غير معلوم لنا؛ لأن ذلك هو الحقيقة والكيفية التي هو عليها، وهو مجهول لنا) صح، إذا أردنا بالتأويل الحقيقة والمآل الذي عليه الشيء فإن هذا غير معلوم لنا؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه، نعم نعرف المعنى، أما أن نعرف كيف ذلك وما حقيقته فهذا لا يمكن.
وعلى هذا يقول: (يحمل وقف جمهور السلف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُمن الآية السابقة) وبهذا تبين أن للسلف في هذه الآية وقفين:
الوقف الأول على إِلَّا اللَّهُ، فماذا يكون معنى التأويل عندهم؟ الحقيقة، إذا وقفنا على إِلَّا اللَّهُصار المراد بالتأويل الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
وأما إذا وصلنا -وهو قول لبعض السلف- وقلنا: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِصار المراد به التفسير، وهو معلوم لأهل العلم؛ لأن قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِإذا جعلناها معطوفة على اللَّهُصاروا من الذين يعلمون تأويله وهو التفسير، كما قال ابن عباس عن نفسه رضي الله عنه.
(الوجه الثالث) منين؟ من الرد على أهل التفويض، (أن الله أنزل القرآن للتدبُّر) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، (وحثَّنا على تدبره كله، ولم يستثنِ آيات الصفات، والحثُّ على تدبره يقتضي أنه يمكن الوصول إلى معناه، وإلا لم يكن للحث على تدبره معنى؛ لأن الحث على شيء لا يمكن الوصول إليه لغو من القول، ينزه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عنه، وهذا -أعني الحث على تدبره كله من غير استثناء- يدل على أن لآيات الصفات معنًى يمكن الوصول إليه بالتدبر، وأقرب الناس إلى فهم ذلك المعنى هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولأنهم أسرع الناس إلى امتثال الحث على التدبر خصوصًا فيما هو أهم مقاصد الدين) نقول لهؤلاء الذين يقولون: إننا لا نعلم معاني آيات الصفات، نرد عليهم فنقول: إن الله أمرنا بتدبر القرآن، صح؟ أين هو؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، اللام هنا للتعليل، وكذلك قال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] وهذا لا شك أنه إنكار عليهم؛ حيث لم يتدبروه ولم يعرفوا معناه، فإذا كان الله تعالى حثنا على التدبر وأمرنا به فهل يمكن الوصول إلى المعنى؟ لولا أنه يمكن الوصول إلى المعنى لكان الأمر بالتدبر لغوًا لا فائدة منه.
طيب هل استثنى الله آيات الصفات وقال: لا تدبرها؛ فإنكم لن تصلوا إلى معناها؟
الجواب: لا، بل آيات الصفات هي أول وأولى ما يدخل في ذلك؛ لأنه ليس من المعقول أن تعرف معنى الوضوء والركوع والسجود والصيام والزكاة والحج، ثم يقال: إن أعظم من ذلك -وهي أسماء الله وصفاته- لا يمكن أن تدبرها، أنا لو لم أتدبر معنى السميع ومعنى الاستواء على العرش ومعنى الوجه الموصوف بالجلال والإكرام، لو لم أتدبر ذلك ما ازددت إيمانًا، أظن هذا ظاهرًا.
يقول: (وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا) هذا الصواب، عندكم (قال)؟
طالب: نعم.
الشيخ: (قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا ، فكيف يجوز مع هذا أن يكونوا جاهلين بمعاني نصوص الصفات التي هي أهم شيء في الدين؟!) بل نقول: مع كونها أهم شيء في الدين هي أكثر ما يكون في القرآن، لا تكاد تجد آية في القرآن إلا وفيها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم إذا قرؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل إذا كانوا كذلك فإنه يشمل آيات الصفات بلا شك، ومن ادعى أنهم لا يعلمون آيات الصفات فليأت بالدليل الذي يمنع هذا العموم.
(الرابع: أن قولهم يستلزم أن يكون الله تعالى قد أنزل في كتابه المبين ألفاظًا جوفاء لا يَبِين بها الحق، وإنما هي بمنزلة الحروف الهجائية والأبجدية، وهذا ينافي حكمة الله التي أنزل الله الكتاب، وأرسل الرسول من أجلها) صح، على رأيهم يستلزم أن هذه الحروف والكلمات والجمل المتعلقة بأسماء الله وصفاته ألفاظ جوفاء، ما لها معنى؛ يعني يقولون: ما لها معنى؛ يعني أننا لا نصل إليه، فهي بمنزلة الحروف الهجائية: ألف، باء، تاء، ثاء.. إلى آخره، والأبجدية هي نفس الحروف الهجائية لكنها رتبت على ترتيب آخر، الأبجدية: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ. شوف يركبون كلمات لو ما لها معنى علشان بس ربط الحروف، إلا أن هذه الحروف لا تخرج عن الحروف الهجائية.
على كل حال هم يرون أن نصوص الصفات من القرآن والسنة بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُعْلَم لها معنى، وهذا من أكبر القدح والطعن في الله عز وجل وفي كتابه وفي رسوله؛ حيث يتكلمون بكلمات ليس لها معنى.
فأنتم الآن تبين لكم أن مذهب أهل التجهيل باطل من وجوه أربعة.
(تنبيه: عُلِم مما سبق أن معاني التأويل ثلاثة: الأول - التفسير وهو إيضاح المعنى وبيانه، وهذا اصطلاح جمهور المفسرين، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ، وهذا معلوم عند العلماء في آيات الصفات وغيرها) من الذي أنكره في آيات الصفات؟ أهل التجهيل، قالوا: إن هذا غير معلوم، فهم يقولون: نحن نعرف معنى الركوع والسجود والقيام والقعود والصيام والحج نعلم معناها، لكن ما يتعلق بالعقيدة -على زعمهم- لا يُعْلَم معناه.
(الثاني: الحقيقة التي يؤول الشيء إليها، وهذا هو المعروف من معنى التأويل في الكتاب والسنة، كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣]، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]) آية ثانية، (فتأويل آيات الصفات بهذا المعنى هو الكُنْهُ والحقيقة التي هي عليها، وهذا لا يعلمه إلا الله) لأنه لو قال لك قائل: كيف استوى على العرش؟ ويش تقول؟ أقول: ما هو معلوم، لكن ما معنى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ؟ أقول: إنه معلوم.
(الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يُخالف الظاهر) يعني: قد يطلق التأويل على صرف اللفظ عن الظاهر إلى المعنى الذي يخالفه، فما حكم ذلك؟
يقول: (وهذان نوعان: صحيح وفاسد؛
فالصحيح: ما دلَّ الدليل عليه، مثل تأويل قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] إلى أن المعنى إذا أردت أن تقرأ)
لا إذا خلصت من القراءة.
(والفاسد: ما لا دليل عليه؛ كتأويل استواء الله على عرشه باستيلائه، ويده) أي: تأويل يده (بقوته ونعمته، ونحو ذلك) هذا التأويل جائز ولَّا غير جائز؟ هذا غير جائز، والله أعلم.
طالب: شيخ، الأولى أن نعبِّر ونقول: في الحقيقة أو الكيفية؟
الشيخ: لا، الحقيقة أحسن؛ لأن الكيفية من الحقيقة.
الطالب: يستشكل بالقول: الحقيقة بنفس المعنى؟
الشيخ: لا، (...)؛ لأن المعنى شيء والحقيقة شيء آخر، وإنما قلنا: الحقيقة؛ لأجل يشمل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر من ثواب الجنة ونعيمها وما فيها من النعيم؛ فإن هذا النعيم ما نعلم حقيقته ولا كنهه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، حتى حقيقته مثلًا، طعمه ما ندركه، صحيح نعرف معنى السمع من حيث هو على سبيل العموم؛ وهو إدراك المسموع، لكن لا نعلم حقيقة سمع الله على ما هو عليه، والحقيقة منها الكيفية، الكيفية جزء من الحقيقة، إي نعم.
طالب: في تعريفنا الأسماء والصفات.. ما نزيد نضيف إليه نقول: من غير تفويض؟
الشيخ: لا؛ لأن إحنا إذا قلنا: الإيمان بها من غير تحريف ولا تعطيل، التفويض تعطيل، التفويض بلا شك نوع من التعطيل، ولا نقول ذلك؛ لأن التفويض إن أردت به تفويض المعنى خطأ، إن أردت تفويض الحقيقة والكيفية فهذا صواب؛ ولهذا العلماء لم يقولوا: من غير تفويض؛ لأنه فيه احتمال.

***

(فصل: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:
تفسير تعرفه العرب من كلامها
)
يعني: تفسير يُرْجَع فيه إلى اللغة العربية، (تفسير لا يُعذر أحد بجهالته) يعني أنه يحتاج إلى معرفة، ولا بد أن يعرف، (تفسير يعلمه العلماء) ولا يلزم كل واحد أن يعرفه، (وتفسير لا يعلمه إلا الله، فمن ادَّعى علمه فهو كاذب )، انتبه للأربعة الأوجه:
الوجه الأول: ما تعرفه العرب من كلامها.
الثاني: ما لا يُعذر أحد بجهالته؛ يعني: يجب على كل واحد أن يعرفه.
والثالث: ما يعلمه العلماء؛ يعني: دون غيرهم فلا يلزم كل واحد أن يعرفه، لكن العلماء يجب عليهم أن يعرفوه؛ لأنه فرض كفاية.
والرابع: ما لا يعلمه إلا الله.
(فالتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو تفسير مفردات اللغة؛ كمعرفة معنى القرء، والنمارق، والكهف، ونحوها) عندما نبحث عن معنى (القرء) نرجع إلى أي شيء؟ إلى اللغة، فهل تطلق القرء على الحيض أو على الطهر؟ ننظر. عندما نرجع إلى تفسير (النمارق)، ما هي (النمارق)؟ الوسائد، هذا نرجع فيه إلى أي شيء؟ إلى اللغة، فمثلًا نرجع إلى القاموس إلى لسان العرب أو غيرهما مما أُلِّف في معنى الكلمات. (الكهف) عندما نُسْأَل عن معناه نرجع إلى اللغة؛ إلى المعاجم اللغوية، مثل القاموس وغيره، والكهف ما هو؟ الغار الذي في الجبل.
(والتفسير الذي لا يُعذر أحد بجهالته هو تفسير الآيات المكلَّف بها اعتقادًا أو عملًا) كل ما كُلِّفنا به اعتقادًا أو عملًا فإنه لا عذر لنا في جهله، يجب علينا أن نعرفه.
مثل (معرفة الله بأسمائه وصفاته) هذا كُلِّفْنا به عملًا ولَّا اعتقادًا؟ اعتقادًا.
كذلك (معرفة اليوم الآخر) وما فيه، هذا اعتقادًا.
(الطهارة) عملًا، (الصلاة) عملًا، (الزكاة) عملًا، الصوم عملًا، الحج عملًا، فكل ما يجب على المكلَّف اعتقاده أو عمله فإنه لا يُعْذَر بجهالته؛ لأنه يجب عليه أن يتعلم حتى يبني عقيدته على أسس سليمة وكذلك أفعاله.
(التفسير الذي يعلمه العلماء هو ما يخفى على غيرهم مما يمكن الوصول إلى معرفته؛ كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك) هذا لا يعلمه إلا أهل العلم، (معرفة أسباب النزول) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١] ويش سببها؟ الظهار الذي وقع من أوس بن الصامت على زوجته. وكذلك أيضًا قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧] إلى آخره، سبب نزول الآية أن أحد الصحابة رضي الله عنهم أتى إلى أهله في ليالي الصيام وجامعها بعد أن صلى العشاء الآخرة، وكانوا إذا نام الرجل قبل العشاء أو صلى العشاء فإنه يجب عليه الإمساك إلى اليوم الثاني، فأنزل الله تعالى هذه الآية، المهم أن أسباب النزول لا يجب على كل أحد أن يعرفها؛ لأنه يمكن أن يعرف المعنى بدونها، وإن كان سبب النزول لا شك أنه يقوِّي على معرفة المعنى.
طيب الناسخ والمنسوخ هل يجب على كل واحد أن يعرف ذلك؟ لا، إذا عرف الحكم الشرعي كفى، لكن الناسخ من المنسوخ هذا لا يعرفه إلا أهل العلم.
العام والخاص مثله، والمحكم والمتشابه ونحو ذلك، هذا لا يعلمه إلا العلماء.
(وأما التفسير الذي لا يعلمه إلا الله فهو،: حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فإن هذه الأشياء نفهم معناها لكن لا ندرك حقيقة ما هي عليه في الواقع) مثال ذلك أننا نفهم معنى استواء الله على عرشه، ما معناه؟ العلو والاستقرار، ولكن هل نفهم كيفية ذلك؟ لا، فكيفية الصفة من صفات الله غير معلومة.
لو أن أحدًا ادَّعى أنه يعلم كيفية استواء الله على العرش لقلنا: هو كاذب، ولا يمكن.
لو ادَّعى أحد أنه يعرف كيفية يد الله سبحانه وتعالى قلنا: كاذب؛ ولهذا نقول: فمن ادعى علمه فهو كاذب.
طيب الفاكهة والعسل والماء واللبن وغيرها مما أخبر الله به في الجنة هل نحن نعرف المعنى؟ المعنى نعرفه؛ نعرف معنى اللبن والعسل والماء والخمر والفاكهة ونحو ذلك، لكن هل نحن ندرك حقائق هذه الأشياء؟ لا.
لو ادعى إنسان قال: إني أدرك العسل الذي في الجنة، وأن كيفيته كذا، وطعمه كذا، وما أشبه ذلك، قلنا: هذا كاذب؛ لأن حقائق هذه الأشياء غير معلومة؛ لقوله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ولهذا يقول: (فإننا نفهم معنى الفاكهة والعسل والماء واللبن وغيرها مما أخبر الله أنه في الجنة، ولكن لا ندرك حقيقته في الواقع، كما قال تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]) فإذا كان لا تعلم الكيفية من ادعى علمها فهو كاذب.
(قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء ) ويش معنى الكلام؟ يعني: أن الفاكهة موجودة في الدنيا وموجودة في الآخرة، الاسم واحد لكن الحقيقة مختلفة، النخل والرمان موجود في الدنيا وموجود في الآخرة، لكن يتفقان في الاسم فقط، أما في الحقيقة التي هو عليها فإنهما لا يتفقان، هذا معنى قوله: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء.
(وبهذا تبين أن في القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله؛ كحقائق أسمائه وصفاته وما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وأما معاني هذه الأشياء فإنها معلومة لنا، وإلا لَمَا كان للخطاب بها فائدة) أتينا بهذا الكلام عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ ليتبين أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن أسماء الله وصفاته معلومة لنا من وجه، مجهولة لنا من وجه؛ فمن جهة المعنى معلومة، ومن جهة الحقائق والكيفية مجهولة. وكذلك نقول في أمور الغيب الأخرى مثلما أخبر الله به عن الجنة من النعيم أو عن النار من الجحيم: المعنى معلوم لنا لكن الحقيقة مجهولة. وهذا يمكن أن يكون؛ بمعنى يمكن أن يكون الشيء معلومًا من وجه ومجهولًا من وجه آخر.

***

الباب الرابع والعشرون: في انقسام أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها
00:31:12

ثم قال المؤلف: (الباب الرابع والعشرون: في انقسام أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها) أولًا نسأل: من هم أهل القبلة؟ استمع إلى المعنى قال: (المراد بأهل القبلة من يصلي إلى القبلة، وهم كل من ينتسب إلى الإسلام) هذا معنى أهل القبلة عند أهل السنة، إذا قالوا: أهل القبلة فهم كل من يصلي إلى القبلة، ولا يصلي إلى القبلة إلا من ينتسب إلى الإسلام، الجهمية من أهل القبلة؟ إي نعم، يصلون إلى القبلة، والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، هؤلاء كلهم من أهل القبلة؛ لأنهم يصلون إليها وينتسبون إلى الإسلام. أما هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟ هذا شيء آخر، المهم أن هؤلاء يقولون: إنهم مسلمون ويصلون إلى القبلة.
(انقسم أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها إلى ست طوائف:
طائفتان قالوا: تُجرى على ظاهرها.
وطائفتان قالوا: تُجرى على خلاف ظاهرها.
وطائفتان واقفتان)
فالأقسام إذن ستة.
(فالطائفتان الذين قالوا: تجرى على ظاهرها، هم أولًا طائفة المشبهة الذين جعلوها من جنس صفات المخلوقين. ومذهبهم باطل، أنكره عليهم السلف) هؤلاء قالوا: تجرى على ظاهرها، لكن جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، قالوا: نؤمن بأن الله يجيء، وأن له رحمة، وأن له وجهًا، وأن له يدًا، لكن كل هذا مشابه للمخلوقين من ذلك، فيد الله تعالى كيد الإنسان، ووجهه، وهكذا.
ونحن إذا سمينا هذا ظاهرًا فإنما نسميه من باب التنزل، وإلا فليس ظاهر كلام الله ورسوله في صفاته ليس ظاهره التشبيه، لكن تنزلًا معهم.
ثانيًا: (طائفة السلف الذين أجروها على ظاهرها اللائق بالله تعالى) فمثلًا يقولون: جَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] على ظاهرها؛ هو جاء، لكنه جاء مجيئًا يليق بجلاله.
«يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ» ، يقول: نعم، هو يضحك لكنه ضحك يليق بجلاله، فالفرق إذن بينه وبين المشبهة أن المشبهة يجعلونها دالة على التشبيه، فيقولون: يجيء على كيفية كذا وكذا، يضحك على كيفية كذا وكذا، وليسوا ينزهون الله تعالى عن المماثلة؛ فلذلك كانوا ضالين في هذه الناحية.
قال: (والفرق بين هاتين الطائفتين أن الأولى تقول بالتشبيه، والثانية تنكره) وإلا فكل منهما يجريها على الظاهر.
(فإن قال المشبه في علم الله ونزوله ويده -مثلًا-: أنا لا أعقل من العلم والنزول واليد إلا مثل ما يكون للمخلوق من ذلك) المشبه الآن يقول: أنا لا أعقل من اليد إلا مثل أيدي المخلوقين، لا أعقل من الاستواء إلا مثل استواء المخلوقين؛ لأن هذا هو المعروف في اللغة العربية.
(فالجواب من وجوه:
الأول: أن العقل والسمع قد دلَّ كل منهما على مباينة الخالق للمخلوق في جميع صفاته، فصفات الخالق تليق به، وصفات المخلوق تليق به)
فإذا دلَّ السمع والعقل على مباينة الخالق للمخلوق فإن الصفات التي تثبت للخالق يجب أن تكون مباينة للصفات التي تكون للمخلوق؛ لأن صفة كل شيء تناسبه.
(فمن أدلة السمع على مباينة الخالق للمخلوق قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]) وهذا واضح؛ أن المماثلة منتفية في حق الله، والكاف في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِاختلف فيها العلماء؛ لأننا لو أخذنا بظاهر لَيْسَ كَمِثْلِهِلكان ظاهره أن الله أثبت لنفسه مثيلًا وليس لهذا المثيل مثيل، والأمر ليس كذلك؛ فإن الله تعالى ليس له مثيل إطلاقًا، قالوا: فالكاف هنا زائدة، والتقدير: ليس مثله شيء. وقيل: إن الزائد (مثل)، والتقدير: ليس كهو شيء. وقيل: إنه ليس هناك زيادة؛ لا في الكاف ولا في (مثل)، ولكنه نفى مماثلة المثل من باب المبالغة، وإذا انتفى مَثَلُ الْمِثْل انتفى الأصل؛ لأنه لو كان الأصل موجودًا لكان للمثل مِثْلٌ. وقيل: إن مثل هنا بمعنى صفة؛ يعني: ليس كصفته شيء.
ولكن الأقرب -والله أعلم- أن المِثْل على ما هو عليه وأن الكاف زيدت للمبالغة؛ يعني كأنه نفى المثل مرتين؛ مرة بصيغة الكاف، ومرة بصيغة (مثل)، وهذا هو الأقرب.
الحاصل أن في هذا ردًّا على المشبهة ولَّا لا؟ لأنه يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
قال: (ومن أدلة العقل أن يقال: كيف يكون الخالق الكامل من جميع الوجوه -الذي الكمال من لوازم ذاته، وهو معطي الكمال- مشابهًا للمخلوق الناقص، الذي النقص من لوازم ذاته، وهو مفتقر إلى من يكمله؟!) صحيح هذا؟ يقال: أنت أيها المشبه، هل تعتقد أن الخالق أكمل من المخلوق؟ فسيقول: نعم، أعتقد ذلك. إذا كنت تعتقد أن الخالق أكمل من المخلوق فكيف يمكن أن تكون صفاته مثل صفات المخلوق؟ يجب أن تكون صفاته أكمل؛ لأنك أنت بنفسك تقول: إن الخالق أكمل من المخلوق، وهذا في الحقيقة رد عليك؛ فإنه إذا كان أكمل لزم ألا تكون صفاته مماثلة لصفات المخلوق.
(الثاني: أن يُقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه ذات المخلوقين؟ فسيقول: بلى، فيقال له: فلتعقل إذن أن لله صفاتٍ لا تُشْبِه صفات المخلوقين؛ فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرَّق بينهما فقد تناقض) الآن نخاصم المشبه نقول: هل تعتقد أن لله ذاتًا لا تشبه الذوات؟ فسيقول: نعم، أعتقد ذلك. فنقول: إذا كنت تعتقد أن له ذاتًا لا تشبه الذوات فلتعتقد أن له صفات لا تشبه الصفات. لماذا؟ لأن صفة كل موصف تليق به، فالجمل مثلًا قوي، وقوته أقوى من الإنسان، والذرة قوية، وقوتها دون قوة الإنسان، هي قوية في القوة التي تليق بها، لكن هل تشبه قوة الإنسان؟ لا تشبه. ليش؟ لأن قوة كل شيء تناسبه، فكذلك قوة الخالق لا يمكن أن تكون مماثلة لقوة المخلوق، ونقول في بقية الصفات كذلك.
(الثالث: أن يُقال له: نحن نشاهد من صفات المخلوقات صفاتٍ اتفقت في أسمائها وتباينت في كيفيتها) صح، نشاهد من صفات المخلوقات صفات اتفقت في أسمائها لكنها تباينت في كيفيتها.
(فليست يد الإنسان كيد الحيوان الآخر) ولا وجه الإنسان كوجه الحيوان الآخر، فالمخلوقات تتفق في الصفة وتختلف في الكيفية، (فإذا جاز اختلاف الكيفية في صفات المخلوقات مع اتحادها في الاسم فاختلاف ذلك بين صفات الخالق والمخلوق من باب أولى بل التباين بين صفات الخالق والمخلوق واجب كما تقدم) وبهذا يندحر المشبِّه فقد أجبنا عنه ورددنا عليه بثلاثة أوجه.
ننتقل الآن إلى الطائفتين الذين قالوا: (تُجْرَى على خلاف ظاهرها، وأنكروا أن يكون لله صفات ثبوتية، أو أنكروا بعض الصفات، أو أثبتوا الأحوال دون الصفات) انتبه.
الذين قالوا: تُجْرَى على خلاف ظاهرها وأنكروا أن يكون لله صفات ثبوتية قالوا: ما يمكن أن يكون لله صفات ثبوتية، بل صفاته كلها سلبية، قالوا: ما نقول: إن لله سمعًا لكن نقول: إنه ليس بأصم، ما نقول: لله علم، لكن نقول: ليس بجاهل، ما نقول: لله قدرة، لكن نقول: ليس بعاجز. ليش؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا الصفات الثبوتية شبهناه بالموجودات، وهذا تمثيل، والتمثيل حرام.
نقول لهم: والصفات السلبية -النفي- عدم، فإذا نفيتم شبهتموه بماذا؟ بالمعدومات. ولهذا لجأ بعضهم إلى الالتزام بهذا، وقال: ننفي عنه الإثبات والنفي؛ فلا نقول: سميع ولا: ليس بسميع، ما نقول لا هذا ولا هذا، ولا موجود ولا ليس بموجود. وطبعًا هذا خلاف العقل ومتناقض.
المهم أن منهم من ينكر الصفات الثبوتية؛ ولهذا إذا أرادوا الله أن يصفوا الله بأعظم الصفات عندهم قالوا: إن الله ليس بميت، ولا جاهل، ولا عاجز، ولا ضعيف، ولا أصم، ولا أعمى، ومن هذا فقِسْ.
فيأتون بالصفات السلبية، ومعلوم أن الصفات الثبوتية أكمل؛ ولهذا إذا جئت إلى ملِك قلت: ما شاء الله، تبارك الله، أنت لست بزبَّال، ولا كسَّاح، ولا جزار، ولا بنَّاء، ولا ميكانيكي، ولا كنَّاس.. إلى آخره، ويش يقول لك هذا؟ يعطيك جائزة ولَّا لا؟ نعم، يعطيه جائزة لكن سجن وصفع على الوجه، لكن لو تأتي له تقول: ما شاء الله، أنت ملك، قوي، قدير، ذكي، عاقل، وما أشبه ذلك، تحظى بجائزته ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن هذه الأخيرة صفات ثبوتية، والأولى صفات سلبية؛ صفات نفي. العجيب أن هؤلاء يرون أن كمال الله أن يوصف بالصفات السلبية والعياذ بالله. هذا قول.
(أنكروا بعض الصفات) مثل مَن الطوائف؟ مثل الأشاعرة أنكروا بعض الصفات وأثبتوا بعضًا.
(أثبتوا الأحوال دون الصفات).
طالب: المعتزلة.
الشيخ: المعتزلة، وكذلك الأشاعرة أيضًا، ويش معنى الأحوال؟ قالوا مثلًا: إن الله سميع ليس المعنى أن له سمعًا، لكن هو ذو سمع؛ يعني حاله أن يكون سميعًا، لكن تبغي تثبت أن له سمعًا؟ لا، فقل: هو ذو سمع، وليس المعنى أنه متصف بسمع، فيكون الله عليم وكونه عليمًا هذه هي الحال، أما أن له علمًا فلا، ولا شك أم هذا تناقض؛ لأنه ما من إنسان نقول: كونه عالمًا إلا وهو متصف بالعلم.
هم طائفتان (أهل التأويل من الجهمية وغيرهم الذين أوَّلُوا نصوص الصفات إلى معانٍ عينوها، كتأويلهم اليد بالنعمة، والاستواء بالاستيلاء، ونحو ذلك) هل هؤلاء أجروها على ظاهرها؟ قالوا: المراد باليد القوة أو النعمة، وبالاستواء الاستيلاء أجروها على ظاهرها أو لا؟ أجروها على خلاف ظاهرها، لكن جعلوا لها معنى مؤولًا.
الثانية (أهل التجهيل المفوضة الذين قالوا) لا نجريها على ظاهرها ولكن نقول: (الله أعلم بما أراد) تقول له: تعالَ، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] تُجْرِيها على ظاهرها؟ يقول: لا، ما أجريها، طيب ويش معناها؟ قال: الله أعلم.
أهل التأويل خير منهم ولَّا لا؟ أهل التأويل خير منهم؛ لأنهم أثبتوا لها معنى وإن كانوا أشد منهم عدوانًا؛ لأنهم تجرؤوا وأثبتوا ما لا علم لهم به، لكن هم من حيث النظر أحسن من هؤلاء.
تجد المفوض تقول: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧] ويش المراد بـ وَجْهُ رَبِّكَ؟ قال: لا يراد به ظاهره. إذن ويش المراد؟ قال: الله أعلم، أنا أفوض فأقول: الله أعلم.
وأنت إذا تأملت وجدت أن قولهم متناقض، ما دمت تقول: الله أعلم، أليس من الممكن أن الله أراد الظاهر؟ نقول: بلى، فإذا كان ممكنًا أن الله أراد الظاهر ليش تجزم بالنفي وتقول: لا يراد الظاهر؟ إي نعم.
استمع إلى مذهبهم (يقولون: الله أعلم بما أراد بنصوص الصفات، لكننا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية له تعالى) يعني مثلًا جَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] تسألهم: ويش معنى جَاءَ رَبُّكَ؟ قالوا: الله أعلم بما أراد، لكننا نعلم أنه لم يرد المجيء الحقيقي، تناقض ولَّا لا؟ طيب إذا كنت تقول: الله أعلم، ليش تقول: نعلم أنه لم يُرِدْ؟ أليس من الجائز أن يكون أراد المعنى الحقيقي الظاهر؟ بلى، ومع ذلك يقول: لا، ما أراد أنه يجيء، ما أراد أنه استوى، ما أراد أن له سمعًا وبصرًا وما أشبه ذلك، نعلم هذا ثم نقول: الله أعلم بما أراد.
كلٌّ يعلم أن هذا تناقض، ولهذا قلنا: (وهذا القول متناقض؛ فإن قولهم: نعلم أنه لم يُرِد إثبات صفة خارجية له يناقض التفويض؛ لأن حقيقة التفويض ألَّا يحكم المفوِّض بنفي ولا إثبات، وهذا ظاهر) إذن كلتا الطائفتين ضالتان ولَّا لا؟ لأنهما قالا على الله بلا علم، ولأنهما نفيا ما هو ظاهر من كلام الله وكلام رسوله.
(والفرق بين هاتين الطائفتين أن الأولى أثبتوا لنصوص الصفات معنًى لكنه خلاف ظاهرها، وأما الثانية فيفوضون ذلك إلى الله من غير إثبات معنى، مع قولهم: إنه لا يراد من تلك النصوص إثبات صفة لله عز وجل) هذا الفرق بين الطائفتين، ولا شك أن الطائفة التي تثبت لها معنًى خيرٌ في العقل والنظر ممن لا تثبت، ولا شك أن التي تثبت معنى يخالف الظاهر أشد جراءة من الذين توقفوا، فكل واحدة من الطائفتين خير من الأخرى من وجه.
أما الرد على الطائفتين جميعًا فقد سبق الرد على أهل التجهيل، وسبق الرد على أهل التأويل، سبق في نفس الكتاب هذا، فليرجع إلى ذلك.
والرد الإجمالي على الطائفتين أن نقول: لا يمكن أن الله تعالى يتكلم بكلام لا يريد من العباد إثبات معناه على ظاهره أبدًا، بل لا يتكلم سبحانه بكلام إلا وهو يريد أن يأخذ الناس بظاهره.
(وأما الطائفتان الذين توقفوا فهم:
أولًا: طائفة جَوَّزُوا أن يكون المراد بنصوص الصفات إثبات صفة تليق بالله، وألَّا يكون المراد ذلك.
والطائفة الثانية أعرضوا بقلوبهم وألسنتهم عن هذا كله، ولم يزيدوا على قراءة القرآن والحديث).

فهاتان الطائفتان واقفتان، ما الفرق بينهما؟ الفرق أن الطائفة الأولى تقول: إنه يمكن أو يجوز أن يكون المراد إثبات صفة، ويجوز ألَّا يكون المراد إثبات صفة، فهم يحكمون بتجويز الأمرين.
أما الثانية فيقولون: لا نتعرض للمعنى إطلاقًا، نقرأ القرآن والحديث ونمسك بقلوبنا وألسنتنا عن التعرض لما يدل عليه القرآن والسنة.
الفرق بينهما ظاهر الآن؛ الطائفة الأولى تقول: إننا متوقفون؛ لأننا نرى أنه يجوز أن يكون المراد إثبات صفات، ويجوز أم يكون المراد عدم ذلك، الله أعلم.
الثانية تقول: أعرض عن هذا كله، لا تتكلم، لا تقول: يجوز ولا ما يجوز، ولا تثبت ولا تنفِ.
يقول: (والفرق بين هذه الطائفة والتي قبلها أن الأولى تحكم بتجويز الأمرين: الإثبات وعدمه، وأما الثانية فلا تحكم بشيء أبدًا) تجده يقرأ القرآن تقول: تعال، ويش معنى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، يقول؟ ما يتكلم، يقول: أعرض عن هذا، لا تتكلم بشيء.
الطائفة الأولى تقول: هل أراد الله اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]؛ أي: علا واستقر أو أراد استولى عليه؟ يقول: يجوز هذا وهذا. أو لم يرد شيئًا؟ يقول: نعم، يجوز، يمكن هذا وهذا، وهذا لا شك أنه حكم، هذا حكم على الشيء بأنه يجوز أن يكون المراد به كذا أو كذا أو كذا أو كذا.. إلى آخره.
أما الثانية فإذا سألته: تعالَ، ويش معنى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ؟ قال: أنا معرض عن هذا، لا أحكم بشيء أبدًا، ولا أتكلم بهذا إطلاقًا.
وكلتا الطائفتين ضالتان؛ لأننا كوننا نجوز هذا وهذا وهذا في أشياء لا تليق بالله هذا حرام، فما لا يليق بالله لا يمكن أن يجوز.
والثانية كونه يعرض عن هذا كله مخالف لقوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، ووقوع فيما أنكر الله؛ حيث قال عز وجل: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] وهذا الاستفهام للإنكار، فالله أمرنا بالتدبر؛ لنثبت المعنى الذي دل عليه اللفظ.
وبهذا عرفنا أن خير الأقسام وأوجب الأقسام بالاتباع هم الذين قالوا: تُجْرَى على ظاهرها اللائق بالله سبحانه وتعالى.
فعندما تقرأ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىتثبت أنه علا على العرش، لكن لا يجوز أن يدور في ذهنك أنه كاستوائنا على السرير، لا يجوز هذا إطلاقًا. ليش؟ لتباين ما بين الخالق والمخلوق.
كذلك عندما تقرأ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] لا يمكن أبدًا أن تتصور أن هاتين اليدين كأيدينا أبدًا، ولا يحل لك أن (...) هذا بهذا؛ لأن الله ليس كمثله شيء، حتى لو قال لك الذهن: إن يديِ الله عز وجل كيديِ الإنسان يجب، أن تطرد هذا عن ذهنك، وألا تفكر فيه، إذ من الجائز أن تكون يد الله عز وجل ليست كيد الإنسان، تكون كيد شيء آخر غير الإنسان، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: طيب إذا كان الأمر هكذا فالواجب أن نتوقف عن تقدير التمثيل وتخيله، فنقول: لله تعالى يدٌ حقيقية يأخذ بها ويقبض ولكنها لا تشبه أيدي المخلوقين.
ويجب علينا -أيها الإخوة- أن نبعد عن مخيلتنا تصور كل شيء من صفات الله، سواء كانت فعلية أو خبرية؛ لأننا لا نحيط به سبحانه وتعالى..
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، المفوضة غير، ها دولا يتوقفون، والمفوضة يقولون: إن الله أراد معنى معينًا لكننا ما نعلمه.
الطالب: ما يمكن نجعل الأخيرين والقسم الثالث من اللي قبلهم، كل هؤلاء الثلاث مفوضة لكن يختلفون..؟
الشيخ: القسم الثاني يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية قسمهم هذا التقسيم، وجعل المفوضة ممن يجرونها على خلاف الظاهر؛ لأنهم يجزمون بما قالوا، أما دولا فهم دراويش ما يعرفون شيئًا أبدًا، الطائفة الأولى تقول: كل شيء يمكن، والطائفة الثانية تقول: لا تتكلم بشيء، اقرأ القرآن والحديث، وخليك مثل الصبي الذي يقرأ ولا يدري ما يقول.
طالب: (وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم).
الشيخ: (الطائفة الأولى الذين جوزوا أن يكون المراد بنصوص الصفات)..
الطالب: (إثبات صفة تليق بالله، وألَّا يكون المراد ذلك، وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم).
الشيخ: إي، عندنا هذه موجودة.
الطالب: ما قرأتها.
الشيخ: بس أنا ما قرأته.

***

الباب الخامس والعشرون: في ألقاب السوء التي وضعها المبتدعة على أهل السنة
01:00:27

ثم قال المؤلف: (الباب الخامس والعشرون في ألقاب السوء التي وضعها المبتدعة على أهل السنة) اللقب عند العلماء كل ما أشعر بمدحٍ أو ذمٍّ، فإذا قالوا: عليٌّ زين العابدين، (زين العابدين) هذا لقب مدح، سعيد كُرْز، هذا ذم.
أهل السنة والجماعة -والحمد لله- كل ألقابهم ألقاب مدحٍ، لو لم يكن من ذلك إلا أنهم يسمون أهل السنة والجماعة، فلا بدعة عندهم ولا تفرق، بل كل أمرهم مبني على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى الاجتماع عليها، فهم الذين أخذوا بأكبر نصيب من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ» .
يقول المؤلف: (من حكمة الله تعالى أن جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين يصدون عن الحق بما استطاعوا من قول وفعل بأنواع المكائد والشبهات والدعاوى الباطلة؛ ليتبين بذلك الحق ويتضح، ويعلو على الباطل) كيف هذا؟ يعني ما وجهه جعل الله تعالى لكل نبي عدوًّا من المجرمين، يلقبونه بألقاب السوء، ويعيبون دينه وشرعه، ويقولون: فيه كذا وكذا وكذا. لماذا؟ لأجل أن يتبين الحق؛ لأن الحق لو لم يجد مصادمًا ما تبين، أخذه الناس هكذا ساذجًا ولا يدرون هل هو حق أو غير حق، فإذا عُورِض تبينت محاسنه.
مثلًا دين الجاهلية مبني على الشرك بالله، فجاء الإسلام يدعو إلى التوحيد، وُجِد أناس يقاومون هذه الدعوة وينكرون التوحيد، فإذا وُجِد هؤلاء المقاومون تبين أن التوحيد خير من الشرك؛ لأن مقاومة هؤلاء إذا عرضت على العاقل تبين فسادها.
كذلك من أجل أن يعلو الحق على الباطل؛ لأنه إذا كان هناك خصمان وتبين الحق مع أحدهما صار العلو لمن؟ لمن كان معه الحق، فيعلو على الباطل.
كذلك أيضًا فيه فائدة أخرى وهي امتحان المعتنقين للشريعة؛ هل يصبرون على هذه الألقاب والأذية ويبقون على ما هم عليه من الحق، أو يرجعون وينكصون على أعقابهم، كما وُجِد لبعض الناس الذين ذُمُّوا وعيبوا بعد إسلامهم رجعوا عن الإسلام والعياذ بالله، وهذا أبو طالب يقول:
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا

فهذا أيضًا من الحكمة في أن الله تعالى جعل للأنبياء وأتباعهم أعداء..