.. في أن الله تعالى جعل للأنبياء وأتباعهم أعداء يقدحون فيهم وفيما هم
عليه.
قال المؤلف: (وقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم من هذا شيئًا كثيرًا)
وهو واضح للجميع، (كما قال تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا [آل عمران: ١٨٦]،
فقد وضع أولئك الظالمون المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ألقاب التشنيع
والسخرية، مثل: ساحر، ومجنون، وكاهن، وكذَّاب) (مِثْل) هذا ما هو للحصر، لكن
وضعوا ألقابًا كثيرة تدل على استهجان الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى القدح فيه،
بينما كانوا قبل النبوة يسمونه الصادق الأمين، لكن لما جاء بما يضاد ما هم عليه
وضعوا له ألقاب السوء.
قال: (ولما كان أهل العلم والإيمان هم ورثة النبي صلى
الله عليه وسلم لقوا من أهل الكلام والبدع مثلما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من أولئك المشركين، فكانت كل طائفة من هذه الطوائف تُلَقِّب أهل السنة بما
برَّأهم الله منه من ألقاب التشنيع والسخرية؛ إما لجهلهم بالحق، حيث ظنوا صحة ما هم
عليه وبطلان ما عليه أهل السنة، وإما لسوء القصد، حيث أرادوا بذلك التنفير عن أهل
السنة والتعصب لآرائهم مع علمهم بفسادها) أهل البدع لقَّبوا أهل السنة والجماعة
بألقاب السوء، كل طائفة تُلَقِّبهم بما يناسب ضدَّ ما هم عليه؛ أي: ما هذه الطائفة
عليه.
الحامل على ذلك ما هو؟ إما الجهل بالحق وظنهم أن ما هم عليه هو الحق وأن
ما سواه باطل، فيقدحون فيه.
وهذا موجود مع الأسف في عصرنا الآن، تجد بعض الناس
يعمل عملًا، حتى وإن كان من غير العقيدة، يرى أنه الحق، فإذا خالفه شخص فيه ذهب
يقدح فيه ويسخر به، ويقول: فلان يقول كذا، فلان يقول كذا..
وإما أن يكون الحامل
لهم على هذه الألقاب يقول: (سوء القصد) حيث أرادوا بذلك إبطال الحق وإثبات
الباطل.
فزعماء المبتدعة الغالب عليهم أن الذي حملهم على ذلك سوء القصد؛ لأن
الجهل بالحق -وهم أئمة كبار دعاة- بعيد من هؤلاء، لكن عوامهم.. العوام نعم هم الذين
قد يجهلون.
فالحاصل أن الذين اتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يسلموا من
أهل الشر وأهل البدع، بل جعل أهلُ البدع يلقبونهم بألقاب السوء تنفيرًا للناس عما
هم عليه؛ إما لجهلهم بالحق وظنهم أن ما هم عليه هو الحق وأن هؤلاء مخالفون له، وإما
لسوء القصد وإرادة العدوان.
(...) في ألقاب السوء التي يلقب بها أهلُ البدع أهلَ
السنة، وقد صدق أن هذه سنة الله عز وجل في خلقه، وأنه كما أن للرسل قومًا مجرمين
يصفونهم بألقاب العيب فلأتباع الرسل قوم مجرمون يلقبونهم بأوصاف العيب.
من
ذلك (الجهمية ومن تبعهم من المعطلة، يسمون أهل السنة مشبِّهة) كل المعطلة
سواء من الجهمية أو المعتزلة أو الأشعرية أو غيرهم، كل معطِّل يقول لأهل السنة:
إنهم مشبِّهة. ليش؟ (زعمًا منهم أن إثبات الصفات يستلزم
التشبيه).
ويسمونهم أيضًا مجسِّمة كذلك زعمًا منهم أن إثبات الصفات يستلزم
التجسيم. هذا لقب سوء ولَّا لا؟ لا شك أنه لقب سوء، إذا قلت للعامي: تعالَ، لا تأخذ
من هذا الرجل، تراه مشبِّهًا لله، لا تأخذ منه فإنه مجسِّم، العامي سوف يُنْكِر
ويقاطعه ولا يلتفت إليه، وهذا أمر موجود؛ لأن كل صاحب بدعة يريد أن تنتصر بدعتُه
والعياذ بالله.
(والروافض سمَّوا أهل السنة نواصب) والناصبي هو الذي يبغض
آل البيت وينصب العداوة لهم، الروافض يقولون لأهل السنة: أنتم نواصب. ويقول
الشاعر:
| إِنْ كَانَ نَصْبًا حُبُّ صَحْبِ مُحَمَّدٍ | فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّي نَاصِبِي |
إن كان حُبُّ صحب الرسول عليه الصلاة والسلام نصبًا فليشهد الثقلان أني ناصبي؛ يعني أني أحب أصحاب الرسول ولَّا لا؟ نعم. الروافض يقولون: إن أهل السنة نواصب. لماذا؟ لأنهم يوالون أبا بكر وعمر، ويحبون أبا بكر وعمر.
(كما كانوا يوالون آل النبي صلى الله عليه وسلم) وأهل السنة والجماعة يقولون: نحن نوالي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا، ونرى أن لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين حقين: حق القرابة، وحق الإيمان.
أما حق القرابة فإنه لا يشاركهم فيه من ليس بقريب، وأما حق الإيمان فيشاركهم فيه كل من كان مؤمنًا، ومن كان منهم أقوى إيمانًا وأكثر عملًا فهو أحق بالولاء منهم من هذه الناحية؛ يعني مثلًا يقولون: أبو بكر وعمر عندنا أعلم من علي بن أبي طالب وغيره من آل النبي عليه الصلاة والسلام من حيث الإيمان والعمل الصالح، أما من حيث القرابة فإنه لا، ليس لأبي بكر وعمر من القرابة مثلما لعلي بن أبي طالب وآل النبي.
فهم يقولون: نحن نزن بالقسطاس المستقيم، ونعطي كل ذي حقٍّ حقه، فآل الرسول المؤمنين واللهِ لهم علينا حق القرابة وحق الإيمان، ونرى أن قرابتهم لها من المزية والفضل ما لا يشاركهم فيها من ليس بقريب.
لكن مع ذلك ما نتبرأ من غيرهم من الصحابة. هم يقولون: لا، أبدًا، إن لم تتبرأ من أبي بكر وعمر وبقية الصحابة فأنت ناصبٌ العداوةَ لآل البيت.
ولهذا عندهم هذه القاعدة المنكرَة الكاذبة، يقولون: لا ولاء إلا ببراء؛ يعني: لا ولاية لآل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر. أعوذ بالله! صحيح هذا؟! والله هذه أكذب قاعدة على وجه الأرض، نحن نتولى أبا بكر وعمر ونتولى عليًّا وحمزة والعباس وغيرهم من آل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولَّا لا؟
لو قالوا: لا ولاء لله ورسوله إلا بالبراءة من عدو الله ورسوله لكان ذلك صوابًا. هذاك غير صحيح؟
طالب: أصح.
الشيخ: لا، ما هو أصح؛ لأن ذاك ما فيه صحة أبدًا، لكان ذلك صحيحًا، كما قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِمع أصنامكم؟
طالب: وَحْدَهُ.
الشيخ: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤]، هذا صحيح، لا يمكن ولاء لله ورسوله إلا ببراءة من أعداء الله ورسوله، أما لا يمكن ولاية لآل البيت إلا ببراءة من أبي بكر وعمر فكذبوا -واللهِ- أعظم كذبة.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يتولى أبا بكر وعمر؟ نعم، وهما أحب إليه من جميع الصحابة بلا شك عنده، حتى كان رضي الله عنه يعلن على منبر الكوفة يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ، هو نفسه يقول هذا.
وكذب من ادَّعى ولاية علي بن أبي طالب وهو لا يقر بفضل أبي بكر وعمر، بل إن من يدَّعي ولاية علي بن أبي طالب وهو لا يقر بفضل أبي بكر وعمر قد رمى علي بن أبي طالب بالمجاهرة بالمنكَر؛ لأنه يخطب على منبر الكوفة يقول هذا الكلام الذي يقول هؤلاء: إنه كلام كذب وساقط.
إذن ما هو اللقب السيء الذي لقَّبه الرافضة لأهل السنة؟ نواصب.
وهم أيضًا يسمونهم مجسِّمة ومشبِّهة؛ لأنهم -أي الروافض- ينكرون الصفات.
قال: (والقدرية النفاة قالوا: أهل السنة مُجْبِرَة) (القدرية النفاة) احترازًا منين؟ من القدرية المثبتة؛ لأن فيه قدرية مثبتة وقدرية نفاة، القدرية المثبتة الذين يَغْلُون في إثبات القدر، والقدرية النفاة الذين يقولون: إن أفعال العبد لا علاقة لله تعالى بها.
نحن نتكلم عمن؟ القدرية النفاة للقدر قالوا: أهل السنة مُجْبِرَة؛ يعني يقولون بالجبر؛ لأن إثبات القدر جبرٌ عند هؤلاء النفاة. طيب ويش يكون المجبرة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، يقولون: مُجْبِرة المجبرة، أهل السنة مجبرة، والمجبرة الحقيقيون مجبرة المجبرة.
(والمرجئة المانعون من الاستثناء في الإيمان يسمون أهل السنة شُكَّاكًا) فيه مرجئة يقولون: لا تستثنِ في الإيمان، لا تقل: أنا مؤمن إن شاء الله، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذه المسألة.
هؤلاء مرجئة يقولون: إذا قلت: أنا مؤمن إن شاء الله، فأنت شاكٌّ، وأهل السنة والجماعة يجوِّزُون الاستثناء في الإيمان، كما قال السفاريني:
| وَنَحْنُ فِي إِيمَانِنَا نَسْتَثْنِي | مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَاسْتَمِعْ وَاسْتَبنِ |
فيقولون: أنتم ما دمتم تجوزون الاستثناء في الإيمان فأنتم شُكَاكٌّ، أنا مؤمن إن شاء الله، طيب ما تقول: أنا مؤمن وتسكت، إذا قلت: إن شاء الله يعني أنك شاك في إيمانك، فأنتم شكاكون. ليش؟ قال: لأن الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو إقرار قلب، والاستثناء شك فيه عند هؤلاء المرجئة.
اسمع لأهل الكلام والمنطق يُسمون أهل السنة حَشَوِيَّة ونَوَابِت وغُثَاء، ثلاثة أوصاف، (حشوية من الحشو، وهو ما لا خير فيه) أو من الحشو؛ وهم أطراف الناس.
إذا سمعت في كلام أهل المنطق والكلام: هذا حشوي، أو هذا رأي الحشوية، يعنون بذلك من؟ أهل السنة والجماعة، مساكين أهل السنة والجماعة هدف لكل ضال.
يقول: (يسمونهم نوابت) نوابت! يعني أيش؟ النوابت (هي بذور الزرع التي تنبت معه ولا خير فيها)، منكم أحد فلاح؟ معروفة؟
طالب: معروفة.
الشيخ: إي، معروفة، صح.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) نوابت ما فيها خير وتضر بالزرع، ولذلك الآن الزراع إذا حصدوا الزرع أوقدوا في الأرض، أوقدوا فيها نيرانًا علشان تقتل هذه النوابت.
هم يقولون: أنتم يا أهل السنة والجماعة أنتم نوابت، ما فيكم خير، ناس ما تعرفون المنطق، ولا تعرفون الطرق الكلامية والمناظرات والمجادلات، فنقول لهم: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به، هذه الجدليات والمناظرات ما زادتكم إلا شكًّا، واسمعوا إلى قول رؤسائكم، وقد سبق لنا كلام الرازي وغيره ممن هم فطاحل أهل الكلام، وكيف وصلوا إلى الشك والتردد.
طيب (يسمونهم أيضًا غُثَاء؛ وهو ما تحمله الأودية من الأوساخ) تعرفون الغثاء؟ غثاء كغثاء السيل.
(لأن هؤلاء المناطقة زعموا أن من لم يحط علمًا بالمنطق فليس على يقين من أمره) ولهذا يسمون المنطق عندهم الميزان، الميزان الذي توزن به الأشياء، ويقولون: لا يمكن أن تصل إلى اليقين في المطالب الإلهية حتى تقرأ علم المنطق.
هذه فرية ولَّا صدق؟ فريةٌ فاريةٌ والعياذ بالله؛ لأنه يقول -على كلامكم-: الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن لم يدرس المنطق كلهم لم يصلوا إلى اليقين في المطالب الإلهية، وهل هذا معقول؟ هم -واللهِ- أعظم منكم يقينًا وأقوى إيمانًا، لكن مع ذلك يقول: لا يمكن أن تصل إلى اليقين إلا إذا درست علم المنطق وبقيت تأخذ بالجدل والمناظرات التي ليس فيها إلا تطويل الوقت، ثم الشك والحيرة في الأخير.
يقول رحمه الله: (فليس على يقين من أمره، بل هو من الرعاع الذين لا خير فيهم).
قال: (والحق أن هذا العلم الذي فخروا به لا يغني من الحق شيئًا) وهذا حقيقة، بل أنا أقول: إنه لا يزيد اليقين إلا شكًّا، تجد الإنسان اللي على فطرته وعلى سلامة معتقده الأمر عنده واضح بدون تردد، لكن هؤلاء المناطقة والمتكلمون عندهم من الشك والحيرة والترديد ما يوجب أن ينتهي أمرهم إلى لا شيء، ومع ذلك يقولون: نحن أصحاب الميزان، ونحن أصحاب العقول، ونحن الذين لا يمكن أن نَزِلَّ، بل كل ما عندنا فهو يقين.
ولكن ليس كذلك كما قال الشيخ رحمه الله في كتابه الرد على المنطقيين، شيخ الإسلام رأيت له كتابين: أحدهما الرد على المنطقيين، وهو كتاب واسع. والثاني نقض المنطق، كتاب صغير أصغر منه لكنه مركز وأفيد لطالب العلم من كتاب الرد على المنطقيين؛ لأن كتاب الرد على المنطقيين واسع بعض السعة، لكن هذا نقض المنطق كتاب مختصر مرتب مذكور فيه الأدلة التي تبطل علم (...).
ويش فائدة هذا؟ أبدًا، هذه تضيع الوقت، ما دام الذكي لا يحتاج إليه والبليد لا ينتفع به، إن اشتغل به ذكي ضاع وقته؛ لأنه ما هو محتاج له، وإن اشتغل به بليد ضاع وقته؛ لأنه لن ينتفع به. إذن فهو ضياع وقت.
والعلماء رحمهم الله اختلفوا في جواز تعلم المنطق؛ فمنهم من حرَّمه، ومنهم من قال: إنه مستحب، بل ومنهم من أوجبه.
| فَالنَّوَوِي وَابْنُ الصَّلَاحِ حَرَّمَا | وَقَالَ قَوْمٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَا |
وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدعه.
ولكن القول الصحيح عند بعض العلماء أنه جائز للإنسان الصافي القريحة السالم المعتقد.
وعندي أنه لا يجوز. ليش؟ لأنه ما دام ضياع وقت ولا ينتفع به فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ، نعم إن احتاج الإنسان إليه، شوف إن احتاج الإنسان إليه بأن كان يريد أن يرد على قوم لا يعرفون الرد إلا عن طريق المنطق فحينئذ يتعين عليه أن يتعلمه، فيكون تعلمه ابتداء لا يجوز، تعلمه عند الضرورة للرد على أهله وغيرهم يكون جائزًا ولا بأس به، بل قد يكون واجبًا، ولهذا نجد لشيخ الإسلام رحمه الله مع أنه لا يتكلم عن المنطق هذا الكلام، نجد أنه يحاد أهل المنطق بمنطقهم وبلسانهم حتى يبين لهم الحق.
***
ثم قال المؤلف: (الباب السادس والعشرون في الإسلام والإيمان).
وهذا الباب من أكثر ما خاض الناس فيه، وهل الإسلام الإيمان والإيمان الإسلام، أو أن بينهما فرقًا؟ وهذا الباب يبين فيه هذا الحكم.
(الإسلام لغةً الانقياد، وشرعًا استسلام العبد لله ظاهرًا وباطنًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فيشمل الدين كله) الإسلام في اللغة الانقياد، مثل قوله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة: ١١٢]، ومثل قوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣]، أَسْلَمَايعني: انقادا واستسلما.
لكنه في الشرع: استسلام العبد لله ظاهرًا وباطنًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه. (ظاهرًا) مثل الأقوال وأفعال الجوارح، (باطنًا) كأقوال القلوب وأعمال القلوب، فالاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا هذا هو الإسلام.
وعلى هذا (فيشمل الدين كله قال الله تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]، وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلَامُ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]).
ما المراد بالإسلام في هذه الآيات الثلاث؟ كل الدين، وهو الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
(الإيمان لغةً: التصديق. قال الله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧]) أي: بمصدِّق.
(وفي الشرع: إقرار القلب المستلزم للقول والعمل) إقرار القلب هذا باطني ولَّا ظاهري؟ باطني، (مستلزم للقول والعمل) الظاهر والباطن.
أما إيمان لا يستلزمه فليس بإيمان شرعًا، فالذي يؤمن بالله وأنه خالق السماوات والأرض، ورازق، ومحيي ومميت، لكنه -أي إيمانه- لم يستلزم القول والعمل فهذا ليس بمؤمن شرعًا.
وما أكثر ما نسمع من العامة وأشباههم يتكلمون عن محلد طاغية يقولون: واللهِ رجلٌ مؤمنٌ، يقر بالله، يقر بأن السماء والأرض مخلوقة لخالق عظيم، فيصفه بأنه مؤمن وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ غير صحيح، شرعًا ليس بصحيح.
قال: (فهو اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ؛ اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب والجوارح) اعتقاد القلب مبني على ستة أشياء بينها الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، هذا إقرار القلب.
قول القلب؛ يعني: حركة القلب، والإيمان تعرفون أنه إقرار وطمأنينة بالشيء لكن عمل القلب هو أن يتحرك القلب لشيء ما؛ مثل: المحبة، والكراهة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والمراقبة، وما أشبه ذلك. هذا نسميه أيش؟ نسميه عمل القلب؛ لأن المحبة مثلًا إذا أحببت شيئًا مِلْت إليه، الكراهة إذا كرهت شيئًا نفرت عنه.. وهكذا.
فأعمال القلوب غير أقوال القلوب، والفرق بينهما أن القول إقرار وركون إلى شيء، وهو الاعتقاد، والعمل لا بد فيه من حركة واتجاه وفعل ما لكنه فعل قلبي لا يبين.
وأما عمل الجوارح فهو إما قول وإما فعل، القول مثل أيش؟
طالب: الذكر.
الشيخ: كالذكر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودراسة العلم، وما أشبهها.
والفعل ما يكون بالجوارح الأربع الأعضاء. مثل؟
طالب: الصلاة.
الشيخ: ما هي الصلاة (...)، مثل: الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، والصدقة، والصيام، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، وما أشبهها. هذا نسميه عمل الجوارح، كل هذا داخل في الإيمان، لكن نقول: هذا بالمعنى العام.
(والدليل على دخول هذه الأشياء كلها في الإيمان قوله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، وقوله: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» . فالإيمان بالله وملائكته... إلخ؛ اعتقاد القلب. وقول لا إله إلا الله؛ قول اللسان. وإماطة الأذى عن الطريق؛ عمل الجوارح. والحياء؛ عمل القلب) طيب الصلاة إيمان؟ نعم، بالمعنى العام إيمانٌ لا شك، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]، قال العلماء: صلاتكم إلى بيت المقدس.
***
طالب: (...) والمرسلين، وبعد..قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبذلك عُرِف أن الإيمان يشمل الدين كله، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين الإسلام، وهذا حينما ينفرد أحدهما عن الآخر، أما إذا اقترن أحدهما بالآخر فإن الإسلام يُفَسَّر بالاستسلام الظاهر الذي هو قول اللسان وعمل الجوارح، ويصدر من المؤمن كامل الإيمان وضعيف الإيمان، قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، ومن المنافق لكن يُسمَّى مسلمًا ظاهرًا، ولكنه كافر باطنًا.
ويُفَسَّر الإيمان بالاستسلام الباطن الذي هو إقرار القلب وعمله، ولا يصدر إلا من المؤمن حقًّا، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].
وبهذا المعنى يكون الإيمان أعلى، فكل مؤمن مسلم، ولا عكس.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(...) أحدهما عن الآخر، أما إذا اقترن أحدهما بالآخر فإن الإسلام يُفَسَّر بالاستسلام الظاهر الذي هو قول اللسان وعمل الجوارح، ويُفَسَّر الإيمان بالاستسلام الباطن الذي هو إقرار القلب وعمله.
إذا اقترنا افترقا، إذا اقترنا صار الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، الدليل استمع إلى حديث عمر في سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان، ماذا قال له في الإسلام؟ «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، وهذا عمل ظاهر، عمل جوارح، وقال له في الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، وهذا إيمان باطن، هذا من إقرار القلب. فإذا اجتمعا افترقا، وإن افترقا اجتمعا.
طيب الإسلام بهذا المعنى يصدر من المؤمن حقًّا ومن ضعيف الإيمان، بل ومن المنافق، استمع إلى قول الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]، الأعراب: سُكَّان البادية، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: آمنا، فقال الله لنبيه: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوايعني: ما آمنتم، وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَافإذا قلتم: آمنا صدقتم، وإذا قلتم: آمنا كذبتم. كيف؟ قال: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ(لَمَّا) هنا نافية؛ يعني: لم يدخل الإيمان في قلوبكم، لكن لاحظوا أن (لَمَّا) النافية تفيد قرب ثبوت منفيها، فهنا لَمَّا يَدْخُلِلكنه قريبًا ما يدخل، قال تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨] يعني: لم يذوقوه ولكن سيذوقونه قريبًا.
أظن أن الآية واضحة للتفريق بين الإيمان والإسلام؛ لأن الله قال: لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، ثم نفى أن يكون الإيمان دخل قلوبهم.
فإن قلت: هذا ينتقض عليك بقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، فهنا قال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَثم قال: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وهذا يدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد؟
فالجواب أن هذا لا ينقض عليَّ، بل هذا يشهد لما أقول؛ لأن الله عز وجل يقول: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَوهذا حق ما نجا إلا المؤمنون وما خرج إلا المؤمنون، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَما قال: ما وجدنا فيها غير مؤمنين أو غير مسلمين، قال: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ومعلوم أن زوجة لوط كانت في بيته وكانت ظاهرًا مستسلمة، فهي من المسلمين، ومن معها من المؤمنين مسلمون ولَّا لا؟ نعم مسلمون مؤمنون، أما هي فمسلمة غير مؤمنة، وهذا واضح أن هناك فرقًا بين الإيمان والإسلام، إي نعم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويُفَسَّر الإيمان) يعني: عند اجتماعهما، (بالاستسلام الباطن الذي هو إقرار القلب وعمله، ولا يصدر إلا من المؤمن حقًّاكما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤])، شوف هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّايعني: كاملو الإيمان على وجه الحقيقة.
كم الأوصاف اللي ذكر في الآية؟
طالب: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
الشيخ: نعم هذا واحد.
الطالب: (...).
الشيخ: إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ.
الطالب: زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
الشيخ: نعم. الثالث؟
الطالب: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
الشيخ: الرابع؟
الطالب: يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ.
الشيخ: والخامس؟
الطالب: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
الشيخ: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وهذا أعم من إيتاء الزكاة.
طيب هذه الأوصاف الخمسة إذا اجتمعت في الإنسان صار مؤمنًا حقًّا، فإن تخلَّف بعضها نقص الإيمان، فتِّش؛ هل يوجل قلبك إذا ذُكِر الله؛ أي: ذُكِرَت عقوبته للمجرمين؟ هل يخاف قلبك؟ فتِّش ولَّا تؤمن دائمًا بالوعيد في النار في الكتاب والسنة والقلب ما يتحرك، جامد، إذا كان القلب جامدًا في هذه الحال فاعلم أنك ضعيف الإيمان جدًّا.
عمر رضي الله عنه لما قرأ قول الله تعالى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور: ٧] في سورة الطور مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور: ٨] مرض وصار الناس يعودونه من أجل هذه الآية .
والعجيب أننا إحنا نقرؤها في صلاة الفجر ولَّا غير صلاة الفجر ويتحرك القلب؟ إلا من رحم، لكن الحقيقة الواقع أننا في غفلة من قسوة قلوبنا.
طالب: (...).
الشيخ: أحيانًا وأحيانًا، صحيح، لكن ما رأينا أحدًا قرأها ومرض وجعل الناس يعودونه، على قوة عمر رضي الله عنه في دين الله لكن خوفه من الله أوجب له أن يصل إلى هذه الحال.
إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًاإيمانًا بالله عز وجل وبشرعه، وزادتهم قبولًا له، وزادتهم عملًا به؛ لأنها آيات الله عز وجل.
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَلا يعتمدون إلا على الله، فيثبتون في مقام تزل فيه الأقدام؛ لأنهم معتمدون على الله، ولا يخشون في الله لومة لائم؛ لأنهم معتمدون على ربهم.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَيعني: يأتون بها على وجه مستقيم.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَيعني: ينفقون مما أعطاهم الله عز وجل، وأول ما يدخل فيه الزكاة.
قال: (وبهذا المعنى يكون الإيمان أعلى، فكل مؤمن مسلم، ولا عكس) ويش معنى (ولا عكس)؟ أي: ليس كل مسلم مؤمنًا، صح.
ثم قال: (فصل: في زيادة الإيمان ونقصانه.
من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة).
أظن لا يخفى عليكم أن الأعمال تدخل في الإيمان، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب. فإذا زادت الأعمال زاد الإيمان بلا شك، وإذا نقصت نقص.
(من أدلة الكتاب قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤])، وقال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: ١٢٤].
(ومن أدلة السنة قوله صلى الله عليه وسلم في النساء: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، الإنسان يرغب -مثلًا- في الفرس، يرغب في السيارة، يرغب في البعير، يرغب في البيت، لكن لا تستولي تلك الرغبة على مشاعره وعلى عقله وفطرته، لكن يرغب في امرأة فتستولي على مشاعره وعقله حتى يتصرف في سبيل الوصول إلى هذه المرأة تصرفًا لو تصرفه غيرُه لأنكر عليه، وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، تجد هذا -والعياذ بالله- تروق في نفسه امرأة فيتتبعها في الأسواق ويحرص على أن يسمع كلامها وما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه نقص في العقل ونقص في الدين، فالرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ» (لب) بمعنى: عقل، «الرَّجُلِ» ما هو أي رجل، الرجل الحازم اللي عنده من الحزم والعقل ما يمنعه من التصرف السيء، ومع ذلك يذهب عقله في جانب النساء.
والشاهد من هذا الحديث قوله: «مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ» الشاهد في (دين) ولَّا في (عقل)؟ دين، النساء رضي الله عنهن قالوا: يا رسول الله، ويش نقصان العقل؟ ويش نقصان الدين؟ قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلَيْسَتْ شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ؟» أو قال: «شَهَادَةُ الرَّجُلِ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ؟» قلن: بلى. قال: «هَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» قلن: بلى. قال: «هَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ». لأن عملها الآن صار أقل من عمل الرجال، فهذا نقص دين.
أسأل: هل قام أولئك النسوة يصرخن في وجه النبي عليه الصلاة والسلام: ظلمتَ وجُرْتَ، النساء شقائق الرجال، ليش تصفهم بنقص العقل والدين؟ أو قلن: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا؟ هذا اللي حصل.
لكن أئمة الكفر وأتباع أئمة الكفر الآن وقبل الآن يقولون: إن هذا أمر منكَر، ولا نوافق، ولا نُسَلِّم أن المرأة ناقصة عقل ودين، بل يقولون: الدين ما هو عندنا بشيء، ولتكن ناقصة لدين ما يهم، لكن عقل ما نسمح أبدًا تقول: إنها ناقصة عقل، أختك من أمك وأبيك ناقصة عقل؟! شقائق الرجال وبنات آدم ما تخاف الله؟! تقول: ناقصات عقل، يجب أن تكون مساوية للرجل في كل الأعمال، حتى في أمور السياسة والتدبير والحرب وغير ذلك، مع أنها وإن كانت في الحرب لو يغمز لها واحد جميل، قالت: يا ناس شوفوا، هذا الرأي عند هذا الرجل، خلاص، هذا رجل موفق وحكيم، ما قال فهو الحق، وإن كان هي عندها نوع من العقل سكتت لكن وافقته في مجلس آخر، قالت برأيه.
فمثل هذه المرأة اللي عندها هذه العاطفة، وهذا أمر لا يُنْكر، ما يمكن أحد ينكره، كيف نقول: إنها مثل الرجل الحازم العاقل الثابت الراسخ؟!
أشد من ذلك الآن عندما يلقون الكلمات أو الخطابات يقولون: سيداتي وسادتي، بعضهم يقولون لي في أبواب الحمامات: حمام للسيدات، جنبه: حمام للرجال. قولوا: للسادة ما دمتم قلتم: للسيدات. العدل قولوا: للسادة، ولا ما دام قلتم: للرجال قولوا: للنساء. لكن كل هذا من التقليد الأعمى للغرب، سواء قالوه عن جهل أو قالوه لأنهم معجبون بما عندهم من الثقافة البائدة، التي الآن كما أخبرنا الثقات، الآن يتمنون أن يتخلصوا مما هم فيه لكنهم عاجزون، فبدأ رفات العظام البالية من الثقافات، بدأ بعض المسلمين الآن يلتهمونها بقطع النظر عما فيها من الديدان والخبث والأنجاس، وهذا أمر دفاعه على كاهل الشباب المسلم المثقف ثقافة دينية متلقاة من كتاب ربهم وسنة نبيهم.
ولا حرج علينا أن نقول كلمة الحق بدون عنف، فنعرض الحق ونبينه، ونحن -والحمد لله- واثقون من صحة ما نقول بأن المرأة ناقصة عقل ودين.
ومن أجل هذا الاعتقاد المبني على كتاب الله وسنة رسوله، من أجل ذلك كنا نرحمها أكثر مما يرحمها أولئك، وكنا نحميها أكثر مما يحميها أولئك، وكنا ننزلها في المنزلة اللائقة بها من الرأفة والرفق واللين أكثر مما ينزلها أولئك، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ» ؛ يعني: النساء، فشبههن بالقارورة اللي تنكسر مع الحركة والرجِّ.
ونحن نشهد الله عز وجل وملائكته ومن سمع كلامنا هذا أننا نقول ونرى أنه يلزم أن يقول كل مؤمن بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: إنهن ناقصات عقل ودين، وأن من السفه والخطأ والخطر والخطل أن يُوكَل إليهن تدبير المسلمين العام، أما تدبير المنازل والبيوت فهذا إليهن؛ لأن المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.
يقول: (ففي الآية إثبات زيادة الإيمان، وفي الحديث إثبات نقص الدين، وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس؛ لأن الزيادة والنقص متلازمان، لا يُعْقَل أحدهما بدون الآخر) كل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه دالٌّ على نقصه؛ لأنه إذا قلنا: الإيمان يزيد، هل تُعقَل زيادة بدون نقص؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن كلمة (يزيد) معناها هناك نقص، وكل نص يدل على النقصان فهو دال على الزيادة؛ لأنه نقص معناه أن فوقه شيئًا.
فعلى هذا نقول: إن القرآن دلَّ على نقص الإيمان؛ لأن فيه التصريح بزيادته، والسنة دلت على زيادته؛ لأن فيها التصريح بنقصه.
وأما من توقَّف في إطلاق النقص في الإيمان لأنه لم يُذْكَر في القرآن فإن هذا توقف في غير محله؛ لأنه ما دام ثبت الزيادة فيلزم منها النقص.
طالب: شيخ، ألا يقتضي (...)؟
الشيخ: أبدًا.
الطالب: يعني نقول: يزيد ولكن (...)؟
الشيخ: طيب إذا قلنا: (يزيد) هذا الزائد مقابله ناقص، ما يمكن زيادة إلا بنقص.
الطالب: لكن نضرب بشخص واحد.
الشيخ: لأنه حتى لشخص واحد وحتى لأشخاص، الآن -مثلًا- لو صليت أربع ركعات وصليت ستًّا، لما صليت ستًّا زاد، فهو باعتبار الصلاة الأولى زائد، والعمل الأول بالنسبة للثاني ناقص، ما فيه إشكال.
قال: (وقد ثبت لفظ الزيادة والنقص منه عن الصحابة، ولم يُعْرَف عنهم مخالف فيه، وجمهور السلف على ذلك، قال ابن عبد البر: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص جماعةُ أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار. وذكر عن مالك روايتين في إطلاق النقص إحداهما: التوقف. والثانية: موافقة الجماعة).
التوقف يعني يقول: لا أقول: إنه ينقص ولكن أقول: إنه يزيد، أو التوقف أنه يقول: أقول: لا ينقص. أين التوقف؟ عندنا عبارتان الآن؛ لا أقول: إنه ينقص، أقول: إنه لا ينقص، بينهما فرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا قال: أقول: إنه لا ينقص فهذا صرَّح بالنفي، ولَّا لا؟ صرَّح بنفي النقصان. إذا قال: لا أقول: إنه لا ينقص فمعناه نفى القول؛ أي أني أتوقف ولست أقول بنفي النقصان.
قال: (وخالف في هذا الأصل) ويش هو الأصل؟ الزيادة والنقص، (طائفتان: إحداهما المرجئة الخالصة الذين يقولون: إن الإيمان إقرار القلب، وزعموا أن إقرار القلب لا يتفاوت، فالفاسق والعدل عندهم سواء في الإيمان).
المرجئة تقدم الكلام عليهم، وأن هذا اللفظ مأخوذ من الرجاء أو من الإرجاء؛ من الرجاء لأنه يُرَجُّون الفاسق فيقولون: أنت ما عليك عقوبة، أو من الإرجاء لأنهم أرجؤوا الأعمال عن الإيمان وأخَّروها عنه، فلا يدخلونها فيه.
يقولون هؤلاء: إن الإيمان إقرار القلب، والمراد المرجئة الخالصة، وهم الجهمية، الإيمان إقرار القلب، ويدَّعون أن الإقرار لا يزيد، فهذا مبني على أمرين؛ أن الإيمان الإقرار، وأنه لا يزيد، ويأتي -إن شاء الله- الرد عليهم.
(الثانية: الوعيدية من المعتزلة والخوارج) الوعيدية ضد المرجئة؛ لأن المرجئة يعملون بنصوص الرجاء ويعرضون عن نصوص الوعيد، والوعيدية بالعكس؛ يأخذون بنصوص الوعيد ويدعون نصوص الرجاء.
وهم أي الوعيدية (الذين أخرجوا أهل الكبائر من الإيمان) هذا مذهبهم يقولون: صاحب الكبيرة ليس بمؤمن؛ من قتل نفسًا خرج من الإسلام، من زنى خرج من الإسلام، من شرب الخمر خرج من الإسلام، من أكل الربا خرج من الإسلام.. إلى آخره.
كل كبيرة إذا فعلها الإنسان كان خارجًا من الإيمان، لكن يختلفون؛ فالمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين، والخوارج يقولون: إنه كافر، وهذل ليس لنا فيه تعلق، المهم أنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان.
(وقالوا: إن الإيمان إما أن يُوجَد كله، وإما أن يُعْدَم كله، ومنعوا من تفاضله) نعم قالوا: إن الإيمان إما أن يُوجَد كله، وإلا يُعْدَم كله.
وهم يرون أن الكبيرة إذا فعلها الإنسان خرج من الإيمان؛ لأنه لا يمك يكون فيه إيمان وكفر، إما إيمان وإما كفر.
ويقول: (وكل من هاتين الطائفتين محجوجٌ بالسمع والعقل) (محجوجٌ) يعني؟ أي مغلوبٌ ومردودٌ عليه حجته، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» أي: غلبه في الحُجَّة.
(أما السمع فقد تقدَّم في النصوص ما دلَّ على إثبات زيادة الإيمان ونقصه) فنقول للمرجئة: أنتم تقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والله عز وجل يقول: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١].
وكذلك نقول للخوارج والمعتزلة: أنتم تقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص والله تعالى قد أثبت الزيادة لهم.
(وأما العقل فنقول للمرجئة: قولكم: إن الإيمان هو إقرار القلب، وإقرار القلب لا يتفاوت) ويش النتيجة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، عندنا مقدمتان الآن؛ الإيمان إقرار القلب، وإقرار القلب لا يتفاوت، النتيجة الإيمان لا يزيد ولا ينقص، هذه النتيجة.
نقول: (أما المقدمة الأولى) وهي قولكم: إن الإيمان إقرار القلب، (فتخصيصكم الإيمان بإقرار القلب مخالف لما دلَّ عليه الكتاب والسنة من دخول القول والعمل في الإيمان) وهذا مرَّ علينا ولَّا لا؟ نعم، مرَّ علينا أن الأعمال الصالحة من الإيمان، فإذا قلتم: إن الإيمان هو إقرار القلب خالفتم النص.
(وأما المقدمة الثانية فقولكم: إن إقرار القلب لا يتفاوت مخالف للحس والواقع)كيف ذلك؟ قال: (فإن من المعلوم لكل أحد أن إقرار القلب إنما يتبع العلم، ولا ريب أن العلم يتفاوت بتفاوت طرقه؛ فإن خبر الواحد لا يفيد ما يفيده خبر الاثنين.. وهكذا).
الآن إقرار القلب بالشيء وتصديقه به واطمئنانه به ويش يتبع؟ العلم، والعلم يتفاوت بحسب طرقه، فمثلًا إذا جاءك شخص ثقة وقال: إن فلانًا قدم من السفر، تؤمن بهذا ولَّا لا؟ تؤمن؛ لأنه ثقة، فإذا جاء آخر وقال مثل هذا القول تزداد ثقتك ولَّا لا؟ ولَّا كله واحد؟ تزداد، وإذا قال ثالث هذا القول ازددت أيضًا، حتى تصل إلى درجة اليقين.
إذن الإقرار القلبي يتفاوت ولَّا ما يتفاوت؟ يتفاوت. وهذا كل أحد يشهد به.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، فتبين بهذا أن القلب تتفاوت طمأنينته بحسب ما حصل له من العلم.
يقول: (فإن خبر الواحد لا يفيد ما يفيده خبر الاثنين.. وهكذا. وما أدركه الإنسان بالخبر لا يساوي في العلم ما أدركه بالمشاهدة) ما تدركه بالخبر ليس كالذي تدركه بالمشاهدة، ولهذا قال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىمع أنه يؤمن، لكن إذا شاهد فليس إدراكه لما شاهده كإدراكه لما أُخبِر عنه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» ، فبينهما فرق.
يقول: (فاليقين درجات متفاوتة، وتفاوت الناس في اليقين أمر معلوم، بل الإنسان الواحد يجد من نفسه أنه يكون في أوقات وحالات أقوى منه يقينًا في أوقات وحالات أخرى) وقد جاء ذلك في حديث حنظلة الذي رواه مسلم: أنهم إذا كانوا عند النبي عليه الصلاة والسلام يحدثهم يكونون كأنهم يرون الجنة والنار رأي العين، فإذا ذهبوا وعافسوا النساء واشتغلوا بالأولاد نسوا أو غفلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَاعَةً» ..





