وهو قوله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
يقول المؤلف رحمه الله: (وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها)، ما قال
المؤلف: سلف الأمة وخَلَفها؛ لأن الخلف انحرفوا في باب الأسماء والصفات، لكن الأئمة
من السلف ومن الخلف كلهم على النهج الصواب في هذا الباب، ولهذا قال المؤلف:
(طريقة سلف الأمة وأئمتها)، فأئمة الأمة من السلف والخلف على النهج الصواب
في هذا الباب، وسلف الأمة مطلقًا هم الصحابة والتابعون، بل القرون المفضَّلة
الثلاثة كلهم على الصواب في هذا الباب.
علم أن طريقتهم (إثبات ما أثبته من
الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل).
التكييف: ذكر
كيفية الصفة، هذا التكييف، مثل أن يقول قائل: كيفية استواء الله على العرش كذا
وكذا، هذا لا يجوز؛ لأنك لا تحيط بذلك علمًا، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦].
التكييف ما معناه ذِكْر كيفية الصفة، وهو حرام لا يجوز؛ لأنك لا تحيط بذلك
علمًا، لا يمكن أن تحيط بذلك علمًا، وإذا كنت لا تحيط به علمًا فقد قال الله عز
وجل: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦].
(ولا تمثيل) التمثيل: ذِكْر كيفية الصفة لكن مقيَّدة
بمماثِل، مثل أن تقول: كيفية يد الله مثل يد كذا وكذا، فإذن التمثيل ذكر كيفية
ولكنها مقيَّدة بمماثل بأن تقول مثلًا: يد الله مثل يد كذا وكذا، مثل يد إنسان، مثل
يد الأسد، مثل يد كذا، المهم هذا التمثيل، وهو حرام أيضًا؛ لأن الله نفاه في قوله:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] أي: مشابهًا.
إذن
التمثيل حرام، والتكييف حرام، دليل تحريم التكييف: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] والتمثيل أنه تكذيب؛ لقوله
تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
أيهما أخصّ
التمثيل أو التكييف؟ يعني بمعنى: هل نقول: كل مُكَيِّف مُمَثِّل؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا (...) كل
مُكَيِّف مُمَثِّل يصلح ولَّا ما يصلح؟
طالب: ما
يصلح.
الشيخ: ليش ما يصلح؟ لأنك قيَّدت؛ لأن المكيِّف
يذكر كيفية (...) مثيل الْمُكَيِّف ما هو يقول: كيفية استواء الله على العرش
–مثلًا- كذا وكذا (...) استواء الإنسان على السرير.
كل مُمَثِّل
مُكَيِّف؟
طالب: نعم.
الشيخ: كل مُمَثِّل مُكَيِّف؛ لأن الْمُمَثِّل يقول: إن يد الله
مثل كذا، فمعنى ذلك أنه ذكر لها كيفية مثل هذا الْمُشَبَّه به، فعلى هذا يكون
التمثيل أخص؛ لأن ما جاز أن يُخْبَر به فهو أعم، الخبر يكون دائمًا أعم من المبتدأ،
فتقول: كل مُمَثِّل مُكَيِّف، صح ولَّا لا؟ ولا تقول: كل مُكَيِّف مُمَثِّل.
والقاعدة: أن ما صح أن يُخْبَر به فهو أعم، وما امتنع أن يُخْبَر به فهو أخص،
تقول مثلًا: الإنسان ذو روح، صحّ ولَّا لا؟ كل إنسان فهو ذو روح، صحّ ولَّا لا؟ كل
ذي روح فهو إنسان؟
طالب: (...).
الشيخ: ما يصلح، إذن أيهما أخص؟
طالب: الأول.
الشيخ: الإنسان ولَّا
ذو الروح؟
طالب: (...).
الشيخ: الإنسان أخص؛ لأنك تُخْبِر بذي الروح عن الإنسان، ولا
تخبر بالإنسان عن ذي الروح، فإذا امتنع أن تخبر بشيء عن شيء دَلَّ على أنه أخص.
فالحاصل أن نقول: كل مُمَثِّل؟ كملوا.
طلبة:
مُكَيِّف.
الشيخ: وليس كل مُكَيِّف؟
طلبة: مُمَثِّل.
الشيخ: إذن فالتمثيل
أخص؛ لأنه يصح بأن يُخْبَر بالتكييف عنه، ولا عكس، المهم (...) جميعًا، وفهمتم وجه
اجتماعهما.
(من غير تكييف ولا تمثيل)، هل يصح أن نقول: نثبت لله الصفات
من غير كيف؟ ويش تقولون، يصح أن نقول: نثبت لله الصفات من غير كيف؟
طالب: (...).
الشيخ: ويش
السبب؟
طالب: (...).
الشيخ:
صح، السبب؛ لأن صفات الله لها كيفية، الله سبحانه وتعالى استوى على عرشه على كيفية
لكن مجهولة. ولهذا قال الإمام مالك في جوابه على المبتدع: الكيف مجهول، ما قال: لا
كيفية لها، فالصفات لها كيفية لكن مجهولة لنا، ما نستطيع أن نعلمها ولا نحيط بها
علمًا.
إذن كلام المؤلف: (من غير تكييف) مضبوط ولَّا لا؟ (من غير
تكييف) يعني: ما نكيف نحن، وإن كنا نؤمن بأن لها كيفية.
قال: (ومن غير
تحريف ولا تعطيل)، التحريف يتعلق بالنصوص، والتعطيل يتعلق بالصفات، التحريف إذن
تغيير النصوص (...) الكتاب والسنة، هذا معنى التحريف: تغيير الكتاب والسنة يسمى
تحريفًا.
(...) أن التحريف يكون باللفظ تارة وبالمعنى تارة، فالذي قرأ من
المبتدعة: (وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا) هذا مُحَرِّف لفظًا ولّا لا؟ ويش
صواب الآية؟ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى [النساء: ١٦٤]،
لكنه يقول: إنه ما بيتكلم، ويقرأ: (وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى)، لأجل أن يكون
الْمُتَكَلِّمُ موسى، نقول: هذا تحريف لفظي، وتبعه تحريف المعنى، وفيه تحريف معنوي،
وهو إبقاء اللفظ بحاله وصرف معناه عن المراد به، يبقى اللفظ بحاله لكن يصرف المعنى
عن المراد به، مثل أن يقرأ قول الله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، ويقول: معنى استوى استولى، هذا لم يُحَرِّف
لفظًا، لكنه حرَّف المعنى.
فأهل السنة والجماعة اعتقادهم مُنَزَّه عن التحريف
باللفظ أو بالمعنى.
كذلك أيضًا التعطيل، قلت: إن هذا يتعلق بالصفات، التعطيل
معناه التخلية، ومنه قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج: ٤٥]، يعني: مُخَلَّاة متروكة، والمراد بالتعطيل تعطيل ما يجب لله تعالى من
الأسماء والصفات، تعطيلها يعني معناه: يخلي الله منها ولا يوصف بها، فلا يوصف
–مثلًا- بالاستواء ولا بالنزول ولا بالوجه ولا باليد، وما أشبه ذلك.
فإذن
التعطيل ويش معناه؟ لغةً: التخلية، وشرعًا: تخلية الله تعالى من أسمائه وصفاته، أهل
السنة والجماعة اعتقادهم مُنَزَّه عن التعطيل.
(وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن
نفسه)، كل ما نفاه الله عن نفسه ينفونه عنه، ما يثبتونه، فإذا نفى عن نفسه
الظلم لا يمكن أن يقولوا: إن الله ظالم، وإذا نفى عن نفسه الغفلة لا يمكن أن
يقولوا: إن الله غافل، ينفون ما نفى الله عن نفسه.
إذا نفى عن نفسه أنه ليس
كمثله شيء، لا يمكن أن يقولوا: له مثل.
(مع إثبات ما أثبته من الصفات)
يعني هذا كما قلت لكم: إن شيخ الإسلام رحمه الله (...) يكرر لتثبيت المعنى (...)،
إثبات ما أثبته مثلما سبق إثبات ما أثبته من الصفات.
طالب: (...) الصفات.
الشيخ: إي نعم
(...).
الطالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: يعني (...).
طالب: إي
نعم.
الشيخ: إي، ما يخالف؛ لأن الأسماء تتضمن الصفات،
الأسماء كل اسم فهو متضمِّن للصفة من أسماء الله، أسماء الله دائمًا تتضمن الصفات،
يعني (...) الصفات هي مجرد الصفات الخبرية، حتى ما يتضمنه الأسماء.
يقول:
(ينفون ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه
ولا في آياته).
إلحاد، كلمة (إلحاد) مصدر الفعل (ألحد)، ومعنى ألحد ولَحَدَ
أي: مال، ومنه اللحد -لحد القبر-؛ لأنه مائل عن وسطه، ولَّا ما تعرفون لحد
القبر؟
طالب: نعم.
الشيخ:
مائل إلى جانب منه، فالإلحاد معناه: الميل، ويقول المؤلف: إن الإلحاد يكون في
أمرين: في الأسماء وفي الآيات.
الإلحاد في الأسماء الميل بها عما يجب، هذا هو
الإلحاد في الأسماء، وقَسَّمُوه إلى أقسام، ولكن لا حاجة بنا إلى ذِكْر الأقسام؛
لأن هذا شيء درستموه من قبل، ولكننا نعطي الآن قاعدة عامة، ومن أراد أن يقف على هذا
فليراجع بدائع الفوائد لابن القيم في أنواع الإلحاد في الأسماء، فإنه بسط القول
فيها، وذكر أنه أربعة أنواع، ولكن -كما قلت لكم- الكتاب طويل، ونخشى أن تأتينا
مباحث أهم من هذا الموضع.
على كل حال، الإلحاد معناه: الميل بأسماء الله عما
يجب، والذي يجب في أسماء الله إثبات الاسم وإثبات الصفة اللي دل عليها، وإثبات
الأثر، وألَّا يسمى الله بغير ما سمى به نفسه، كل هذا يجب في أسماء
الله.
الإلحاد في آيات الله، أولًا: نقسم الآيات؛ لأن الآيات جمع آية، وهي لغةً:
العلامة، وشرعًا: كل ما يدل على ذات الله وأسمائه وصفاته فهو آية، الآيات إذن هذا
تعريفها.
أما هي فنوعان: آيات شرعية وآيات كونية، فالآيات الشرعية ما جاءت به
الرسل، والآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات آيات كونية تدل على وجود الخالق
وعلمه وحكمته، إلى آخره.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، يعني: إذا رأيتم هذه
السماوات والأرضين وتَنَزُّل الأمر بينهم علمتم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله
قد أحاط بكل شيء علمًا.
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت: ٣٧].
فالحاصل الآيات
تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية، فالآيات الشرعية هي ما جاءت به الرسل،
والآيات الكونية هذه المخلوقات.
الإلحاد في الآيات الشرعية، ما هي الآيات
الشرعية؟
أرجو أن تنتبهوا قبل أن نبدأ، يعني الْمُدَرِّس في الفصل بمنزلة الحاكم
في البلد، وهذا خبر، لا فخر عليكم، والحاكم في البلد يجوز أن يُعَزِّر مَن لم يقم
بالواجب بما يراه رادعًا، هذه قضيتان؛ المدرس في الفصل كالحاكم في البلد، الحاكم في
البلد يجوز أن يُعَزِّر مَن أهمل الواجب بما يُقَوِّمه، التعزير يختلف (...)
بالواجب، فما هو التعزير الذي ينبغي في (...).
طالب:
(...).
الشيخ: عدم أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: السؤال، الأخ
أنا (...) بلحظة ما تكلمت بالكلام، ولم (...)، ومعنى ذلك أنه ما حضر قلبه، معنى ذلك
أنه حاضر بالجسم ولم يحضر بالقلب، ونحن نفيدكم يا جماعة أن العلم إذا ما أَشْغَلَ
الإنسان فكرَه وعقله وبدنه فيه ما يحصل شيئًا، وأنتم الآن في مرحلة جامعية، ما أنتم
في مرحلة ثانوية ولا متوسطة ولا ابتدائية، المرحلة الجامعية مهمة، وأنا ما أريد
أنكم إذا تخرَّجتم (...) من هذا القسم في التوحيد الواحد منكم ما عارف يجاوب
(...).
يقول: الآيات كونية وشرعية، والشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية هي
مخلوقات الله، مخلوقات الله كلها تدل على الله، ويش معنى تدل عليه؟ يعني أنها
تُعْجِز البشر، هذا معنى الدلالة على الله، أنه ما يقدرون يأتون بمثلها؛ لأنهم لو
قدروا أن يأتوا بمثلها ما كان آية؛ لأن الآية العلامة الفارقة، ولَّا لا؟ والعلامة
الفارقة تختص بمن هي علامة عليه، أليس كذلك؟
إذن ما معنى (...) أنها تُعْجِز
البشر، كل المخلوقات الآن تُعْجِز البشر، يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] أمر لكل الناس استمعوا له،
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، هذا في الآيات الكونية ما يستطيعون
يخلقون أدنى شيء، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ.
في الآيات الشرعية: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨].
إذن تَبَيَّن وجه الآية أنها علامة فارقة بين
مَن يخلق ومَن لا يخلق، إذن الآيات الكونية هي المخلوقات؛ لأنها علامة على الخالق،
ولا حاجة إلى التفصيل؛ لأن الذين يقرؤون في التشريح في الأجسام الحية يمكن عندهم من
العلم بهذا أكثر مما عندنا، وكذلك الذين يقرؤون في الفَلَك وفي الأرض وغيرها، يمكن
يعرفون من هذه الآيات أكثر مما نعرف.
الآيات الشرعية ما أحد يستطيع أن يأتي بمثل
آيات الله الشرعية، الكلام من جهة النَّظْم، ومن جهة الأسلوب، ومن جهة التأثير، ومن
جهة التشريع والتنظيم للخلق الذي تقوم به المصالح، ما أحد يستطيع أن يأتي بمثله
أبدًا، فعلى هذا نقول: الآيات الكونية والشرعية فهمناها زين ولَّا لا؟ كيف الإلحاد
فيها؟
الإلحاد في الآيات الشرعية هو: أولًا: أن يكون إما بالتكذيب مثلما فعل
المشركون، حيث كَذَّبُوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ولَّا لا؟ وإما بالتحريف،
يؤمِن بها لكن يحرِّفها؛ لأن التحريف مَيْل، فهو إلحاد، كما فعل قوم موسى، وكما فعل
المبتدعة من هذه الأمة من الجهمية وغيرهم، وإما بالمخالفة والعصيان، وعلى هذا فكل
عاصٍ ملحد، خلافًا لما نفهم في لغتنا الآن أو في عرفنا أن الملحد هو الكافر المطلق،
لكن حقيقة الأمر أن الإلحاد حتى يكون بالمعاصي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥].
إذن الإلحاد في الآيات الشرعية يكون بأمور ثلاثة، وهي؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم،
ثانيًا؟
طالب: (...).
الشيخ: وثالثًا: المخالفة، المخالفة إما بترك المأمور وإما بفعل
المحظور، وعلى هذا فالفُسَّاق مُلْحِدُون؛ لأنهم مائلون عما يجب عليهم في هذه
الآيات الشرعية.
الإلحاد في الآيات الشرعية يكون بواحد من أمور ثلاثة: إما
تكذيبها، أو مخالفتها، أو تحريفها، هذا هو الإلحاد في الآيات الشرعية.
الإلحاد
في الآيات الكونية يكون بأمور أيضًا:
أولًا: إنكار أن الله هو الخالق، مثلما
يوجَد من بعض الملاحدة، يقولون: إن الطبيعة هي التي تتفاعل وتكوّن هذه الأشياء،
وليس لها خالق.
أو بإضافتها إلى غير الله بإنكار خلق الله لها، أو إضافتها إلى
غيره بإنكار خالق لها مطلقًا، أو إضافتها إلى غير الله.
أو اعتقاد أن لله تعالى
فيها شريكًا أو مُعِينًا، هذا هو الإلحاد في الآيات الكونية، يكون بكم وجه؟ بإنكار
خالق لها ومُوجِد، بإنكار أن يكون الله هو الذي خلقها وأوجدها، باعتقاد أن لله
تعالى فيها شريكًا أو مُعِينًا، بثلاثة أشياء أيضًا الإلحاد في الآيات
الكونية.
أهل السنة والجماعة أو سلف الأمة وأئمتها لا يلحدون لا في أسماء الله
ولا في آياته، فإن الله ذَمَّ الذين يُلْحِدُون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى:
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠].
الْحُسْنَى، ويش معنى الْحُسْنَى؟ البالغة في الحسن غايتها؛ لأن الحسنى مؤنث أحسن،
وأحسن اسم تفضيل، وهنا اسم التفضيل مطلق، ما قيل: أحسن من كذا، فيكون معناها أنها
بالغة في الحسن غايته، وإنما بلغت في الحسن غايته لأنها تدل على أشرف المسميات؛ وهو
الله، وتدل على أكمل المعاني؛ وهو ما تضمنته من الصفات، لذلك كانت حسنى.
عندما
نقول: (الرحمن) هذه الكلمة دَلَّت على ذات الله المسمى بها، ودَلَّت على صفة الرحمة
الواسعة العظمية، ولَّا لا؟ وعلى أنها رحمة يرحم بها؛ لأنه إذا كان له رحمة بدون أن
يرحم ما لها فائدة، فلهذا (...) أسماء الله حسنى لماذا؟ لماذا يا جماعة؟ لأنها
تَضَمَّنَت الدلالة على أشرف مسمى وأعظمه، ولأنها تضمَّنت من الصفات أعلاها
وأكملها، فهي دالة على الذات وعلى الصفات.
لكن أسماء غيره، ما هي هكذا، يمكن
أسمي واحدًا عبد الله وهو من أكبر الناس استكبارًا، ما هو بعبد لله، ولا يعرف الله،
ومع ذلك اسمه عبد الله، يمكن أسمي واحدًا محمدًا، يعني معناه أن الناس يحمدونه
حمدًا كثيرًا، مُفَعَّل، وهو ليس عنده من الصفات التي يُحْمَد عليها شيء، أليس
كذلك؟ لكن عندك في أسماء الله ممتنع هذا، أسماء الله متضمنة للصفات التي دَلَّتْ
عليها ولا بد.
الحاصل أننا قلنا في الأسماء يا جماعة لماذا؟ لأنها بلغت في
الحسن غايته، ووجه ذلك أنها دالَّة على أشرف مسمى، وعلى أكمل صفة، لذلك كانت
حسنى.
قال مُفَرِّعًا على هذا الخبر وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىقال مُفَرِّعًا عليه (...) التفريع فَادْعُوهُ بِهَادعاء مسألةٍ ولَّا دعاء عبادة؟
طالب: جميعًا.
الشيخ: جميعًا، اذكر
لي صفة دعاء المسألة بها؟
طالب: السؤال.
الشيخ: السؤال، قلنا: إن دعاء المسألة دعاء عبادة، ويش لون دعاء
المسألة في هذا؟
طالب: المسألة: يا رحمن يا رحيم اغفر
لي.
الشيخ: يا رحمن ارحمني –مثلًا- يا غفور اغفر لي،
بمعنى أن تتوسل بهذه الأسماء إلى مطلوبك هذا معنى دعائك بها، تتوسل بها إلى مطلوبك،
فعندما تسأل من الله الرزق ويش تجيب أي اسم يناسب الرزق؟ يا رزاق، عندما تسأله
المغفرة الغفور، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء الذي عَلَّمه أبا
بكر قال فيه: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ
وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
واحد بيقول:
اللهم يا شديد العقاب اغفر لي، ويش رأيكم بهذا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه ما
هو مناسب؛ لأن (يا شديد العقاب) ما تناسب (اغفر لي)، إنما اللي يناسبه: يا غفور،
ولهذا قال: فَادْعُوهُ بِهَا، لكن لما قال: فَادْعُوهُ بِهَاصار معنى ذلك أننا نختار من أسمائه ما يناسب
الْمَدْعُو به، ما نجيب شيئًا ما يتناسب.
كذلك دعاء عبادة، فَادْعُوهُ بِهَاقلتم: إنه يتضمن دعاء المسألة ودعاء
العبادة، كيف دعاء العبادة؟ قلتم: فَادْعُوهُ بِهَايتضمن دعاء المسألة بأن تجعلها وسيلة في دعائك، ودعاء العبادة ويش لون دعاء
العبادة؟ دعاء العبادة بسيط، عندما تَعْلَم أن من أسماء الله الرحمن تتعرض لرحمته
ولَّا لا؟ يعني تفعل ما يكون سببًا للرحمة، كالقيام بما أوجب عليك، أليس كذلك؟
عندما تعرف أن الله رحيم تتعرض لرحمته، ويش من أسباب الرحمة؟ طاعة الله من أسباب
رحمته، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [الأعراف: ١٥٦].
فدعاء
العبادة معناه أنك تتعبَّد لله بما تقتضيه هذه الأسماء، فإذا كنت تؤمن بأن الله
رحمن، فمعنى ذلك أنك تتعرض لرحمته بفعل طاعته، عندما تعلم أنه شديد العقاب كيف
تعبده بها؟ تتجنب ما يكون سببًا لعقابه؛ لأنك تعلم أنه شديد العقاب، عندما تعرف أنه
غفور تتعرض لأسباب المغفرة بالاستغفار، وفِعل الطاعات المكفِّرة للسيئات، وما أشبه
ذلك.
فإذن فَادْعُوهُ بِهَا، ترى هذه المعاني مهمة
جدًّا وسنناقش فيها إن شاء الله في الدرس المقبل، لا تقولوا: ما عَلَّمْتَنَا،
أقول: دعاء الله بالأسماء الحسنى يتضمن دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ دعاء المسألة
معناه أن تجعلها وسيلة لما تدعوه به، أو لما تسأله، عندما تسأله المغفرة تقول: يا
غفور اغفر لي، عندما تسأله الرزق: يا رزاق ارزقني، وهكذا.
دعاء العبادة أن
تتعبد لله بما تقتضيه هذه الأسماء؛ فالغفور يقتضي المغفرة، إذن تفعل أسباب المغفرة،
من أسباب المغفرة –مثلًا- الحج المبرور، من أسباب المغفرة أن الإنسان إذا تَطَهَّرَ
يصلي ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه، من أسباب المغفرة أن يقول دُبُرَ كل صلاة
مكتوبة: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرة، ويختمها بلا إله
إلا الله، إلى آخره، فالحاصل هذا معنى قوله: فَادْعُوهُ بِهَا.
قال تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
هذه تَضَمَّنَت
أمرًا وحُكْمًا، الأمر: ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ، الحكم: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وهذا تهديد بالغ، ولاحظ أنه قال: سَيُجْزَوْنَ، والسين ذَكَرَ أهل المعاني أنها تفيد معنيين:
التحقيق والتقريب؛ إذا قال قائل: سأفعل كذا، معناه أنه أَكَّدَ هذا الفعل وقَرَّبَه
بالسين سَيُجْزَوْنَ، إذن عقوبتهم قريبة ولَّا لا؟
قريبة، وإن لم تحصل إلا بعد الموت، حتى لو تأخرت إلى ما بعد الموت فهي قريبة، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام: ١٣٤] ما قال: إلا قريب،
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ.
فالحاصل نقول: سَيُجْزَوْنَ، هذا الحكم، وهو مفيد للتهديد البالغ، والسين
تفيد أي شيء؟ التحقيق والتقريب.
سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَأسأل الله أن يعينني وإياكم (...).
طالب: فيه حديث (...).
الشيخ: والله
ما أعرف هذا الحديث، لكن (...).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: ٤٠] الآية، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثَلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، ففي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رَدٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} رَدٌّ للإلحاد والتعطيل.والله سبحانه بعث رسله بإثباتٍ مُفَصَّلٍ ونَفْيٍ مُجْمَل، فأثْبَتُوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونَفَوْا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: ٦٥]، قال أهل اللغة: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: نظيرًا يستحق مثل اسمه، ويقال: مُسَامِيًا يساميه، وهذا معنى ما يُرْوَى عن ابن عباس: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}: مثيلًا أو شبيهًا، وقال تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: ٣، ٤]، وقال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢٢]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: ١٠٠، ١٠١].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المؤلف رحمه الله ذَكَرَ فيما سبق أن أهل السنة والجماعة لا يُلْحِدُون في أسماء الله وآياته، وقلنا: إن الإلحاد في الأسماء يتنوَّع إلى أربعة أنواع، وأَحَلْنَاكم في ذلك على كتاب بدائع الفوائد، ومعنى الإحالة هذه أن (...)؛ لأن الكتاب موجود، فلا بد أن تراجعوه.
أما الإلحاد في الآيات فذَكَرْنَا أن الآيات تنقسم إلى قسمين: آيات كونية؛ وهي المخلوقات، وآيات شرعية؛ وهي ما جاءت به الرسل من شريعة الله.
الإلحاد في (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ويش بعد؟
طالب: (...).
الشيخ: زين، يعني ما ينبغي أن تكون مخلوقة (...) خلقها أو (...).
الإلحاد في الآيات الشرعية يكون؟
طالب: (...).
الشيخ: يكون بثلاثة أمور.
طالب: تحريف، أو تكذيب، أو مخالفتها.
الشيخ: أو مخالفتها، ثلاثة: التحريف والتكذيب والمخالفة، هذا في الآيات الشرعية، أن يُكَذِّب بما أخبر الله به ورسوله، هذا (...).
وقد تقدَّم أن لله الأسماء الحسنى، وأن الله أمرنا بأن ندعوه بها، وقلنا: دعاؤه بها، أيش قلنا؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) ويقول –مثلًا-: اللهم يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، ودعاء العبادة أن يتعبَّد لله بما تقتضيه هذه الأسماء، فإذا عَلِمَ أن الله شديد العقاب مثلًا، ويش يقتضي؟ أن يتجنب (...) معصيته، وإذا عَلِمَ أنه رحيم فَعَلَ ما يحبه الله لأجل أن ينال رحمته وهكذا.
يقول المؤلف رحمه الله: (وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا})، وهذا تقدم الكلام في الإلحاد في الآيات.
({أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ})، ويش الجواب؟ من يأتي آمنا يوم القيامة خير ممن يُلْقَى في النار، إذن الذين يُلْحِدُون في آيات الله يُلْقَوْن في النار، والذين لا يُلْحِدُون يأتون يوم القيامة آمنين.
قال تعالى: ({اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ})؛ لأنه بعد هذا البيان، اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، وهذا الأمر للتهديد وليس للإباحة؛ لأن الإنسان ليس مباحًا له أن يعمل ما شاء، ولكنه بعد أن بَيَّنَ قال: اعمل ما شئت، مثلما تقول (...) الطفل: أنت إذا فعلت كذا عاقبتك بكذا، وإذا فعلت كذا من الأمور المرغوبة أعطيتك كذا، ثم تقول له بعد ذلك: اعمل ما (...)، كأنك تتوعده إذا خالف أمرك.
قال: (فطريقتهم) أيّ طريقة؟ طريقة سلف الأمة؛ لأن المؤلف يقول: (فطريقتهم) يعني: سلف الأمة وأئمتها، (تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات)، (...) (إثباتًا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل).
(إثباتًا بلا تشبيه) مثلًا نثبت أن لله وجهًا، لكنه لا يشبه أي مخلوق.
(وتنزيهًا بلا تعطيل)، يعني: يُنَزِّهُون الله تعالى عمَّا لا يليق به، لكنهم لا يُعَطِّلُون ما وصف به نفسه، خلافًا للذين يُثْبِتُون مع التشبيه وهم الْمُشَبِّهة، والذين يُنَزِّهُون مع التعطيل وهم الْمُعَطِّلَة.
مثلًا الْمُعَطِّل يقول: الله ما له يد، (...) ليش؟ قال: لأني أُنَزِّه الله عن هذه الأشياء، أهل السنة والجماعة يقولون: لا، نحن نُنَزِّه الله عن النقائص والعيوب، لكننا لا نُعَطِّل أسماء الله وصفاته، كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، ففي قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌرَدٌّ للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُرَدٌّ للإلحاد والتعطيل، واضح يا جماعة؟
إذن الآية الآن تَضَمَّنَت الرد على طائفتين من المبتدعة؛ إحداهما الْمُشَبِّهة، في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
والثانية: الْمُعَطِّلة، في قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
ثم قال المؤلف مُبَيِّنًا قاعدة مهمة جدًّا: (والله سبحانه بعث رسله بإثباتٍ مُفَصَّلٍ ونَفْيٍ مُجْمَل).
(بعث رسله)، يعني: أرسلهم، (بإثبات مُفَصَّل)، التفصيل ضد الإجمال، يعني: مُبَيَّن، (...) تَعَدِّد الصفات، (وبنفي مُجْمَل)، ويش معنى (مُجْمَل)؟ يعني: غير مُفَصَّل.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌهذا مُجْمَل ولَّا مُفَصَّل؟
طلبة: مُجْمَل.
الشيخ: متأكدون أنه مُجْمَل؟ نعم مُجْمَل، ما قال: ليس كمثله شيء في العمى، في الصمم، في العجز، في الضعف، في كذا في كذا، أَجْمَلَ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفي كل شيء، واضح؟
السَّمِيعُ الْبَصِيرُمُفَصَّل ولَّا مُجْمَل؟
طلبة: مُفَصَّل.
الشيخ: نعم؛ لأنه لو كان مجملًا لقال: وهو الكامل، لو قال: وهو الكامل، صار هذا مُجْمَلًا، لكن لَمَّا قال: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُصار مُفَصَّلًا؛ لأن السمع مُحَدَّد، التفصيل أيضًا له معنى محدد ما يتعدى غيره.
أيضًا لاحظ ما أكثر ما في القرآن من أسماء الله وصفاته ولَّا لا؟ الْمُثْبَتَة والْمُفَصَّلة، لكن عند النفي ما تجده ينفي شيئًا مُعَيَّنًا إلا ما وُصِفَ به من أعدائه فينفيه لإبطاله.
أقول مرة ثانية: في الإثبات يَصِف الله تعالى نفسه بإثبات مُفَصَّل، اقرأ آخر سورة الحشر: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] ولَّا لا؟ هذا مُفَصَّل ولَّا مُجْمَل؟
طلبة: مُفَصَّل.
الشيخ: مُفَصَّل، لكن تجد النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، مُجْمَل ما فُصِّل، إلا شيئًا وُصِفَ به من العيوب فإن الله تعالى يذكره بعينه، مثل: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون: ٩١]، هذا مُجْمَل ولَّا مُفَصَّل، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍنفى عيبًا مُعَيَّنًا، لماذا؟ لأنه وُصِفَ به من المشركين، فأراد الله تعالى إبطاله.
أما ما يَتَمَدَّح به نفسه فإنه لا يأتي مُفَصَّلًا، وإنما يأتي مُجْمَلًا، كذلك أيضًا يأتي التفصيل إذا كان المقصود به إثبات كمال صفة مدح، مثل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]. يعني: ما يخاف من الله ظلمًا ولا هضمًا، لكن هذا في مقابل الجزاء احتاج أن ينفي الظلم لكمال العدل.
يقول: (بعث رسله بإثباتٍ مُفَصَّلٍ ونفيٍ مُجْمَل)، كيف نستطيع أن نُمَثِّل للإثبات الْمُفَصَّل؟ يمكن أن نُمَثِّل لذلك بأي شيء؟ بآخر سورة الحشر؛ لأنها هي أكثر ما جَمَعَت من الأسماء، فيها أسماء كثيرة مُفَصَّلَة.
(ونفيٍ مُجْمَل) يمكن نُمَثّشل لذلك بأي شيء؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
قال: (فأثبتوا) مَن الذين أثبتوا، (أثبتوا لله الصفات)، يحتمل أن يكون المراد بذلك أن يعود على سلف الأمة وأئمتها، أو يعود على الرسل؛ لأنه قال: (بعث رسله)، يعني: أثبت الرسل لله الصفات، (على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}، قال أهل اللغة: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: نظيرًا يستحق مثل اسمه، هذا تفصيل، وقال: يقال مساميًا يساميه).
ومعنى: (مساميًا يساميه)، أي: مشابهًا يشابهه، وهذا معنى ما رُوِي (عن ابن عباس رضي الله عنهما، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}: مثيلًا أو شبيهًا)، وهذا مُجْمَل ولَّا مُفَصَّل هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا؟
طالب: مُجْمَل.
الشيخ: مُجْمَل، ما قَيَّدَه، ما قال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّافي كذا وكذا، بل أجمل.
(وقال تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: ٣، ٤])، هذا فيه مُجْمَل ومُفَصَّل، وين الْمُجْمَل؟ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، هذا مُجْمَل، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْمُفَصَّل؛ لأنه نفى عنه صفة واحدة مُحَدَّدَة معينة.
لماذا عَيَّنَ هنا؟ لأنه وُصِفَ بأن له ولدًا، أو لا؟ مَن اللي وصف له ولدًا؟ النصارى مثلًا، قالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالوا: عُزَيْرٌ ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، ولَّا لا؟
فوصفه مِن عباده مَن تَعَدَّوْا حدوده بأن له ولدًا، فقال: لَمْ يَلِدْ، لَمْ يُولَدْأتى بها لتمام المقابلة؛ لأنه قد يقول: لم يَلِد، لكن هل وُلِدَ هو؟ فلتمام المقابلة قال: وَلَمْ يُولَدْ.
وقد يكون هذا أيضًا رَدًّا على الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد انسب لنا ربك، مِنِين؟ فقال: وَلَمْ يُولَدْيعني: ليس له قبيلة ينتسب إليها سبحانه وتعالى؛ لأنه خالق.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌمُجْمَل ولَّا مُفَصَّل؟ مُجْمَل، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
(وقال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا})، جمع نِدّ، وهو الشبيه والنظير، ({وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ})، ويش معنى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ تعلمون أنه لا نِدّ له؛ لأن مَن يخالف معلومَه أقبح ممن يقول عن جهل، فأنتم كيف تجعلون لله أندادًا في العبادة تعبدونهم مع الله وأنتم تعلمون أن الله تعالى لا نِدّ له؛ لأنكم إذا سُئِلْتُم مَن خلق السماوات والأرض أيش يقولون؟ الله.
(قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ})، مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ، مِنَ النَّاسِ(من) هذه يسمونها تبعيضية، مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، شوف -والعياذ بالله- أندادًا في المحبة، ومَن أَحَبَّ شيئًا أطاعَه، أليس كذلك؟ إذن هم يُحِبُّون هذه الأنداد ويُطِيعُونَها؛ لأنهم يعبدونها، لكن يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِمن هؤلاء لله، ولَّا من هؤلاء لأندادهم؟
طلبة: لله.
الشيخ: إي نعم، مِن هؤلاء لله، أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِمن هؤلاء لله؛ لأن هؤلاء يُحِبُّون الله، لكن يحبون الأصنام أيضًا كحب الله، إذن فمحبة الله عندهم مشروطة.
الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ؛ لأن محبتهم لله ليست مشروطة، خالصة، وقيل: المعنى الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِمن هؤلاء لأندادهم؛ لأنهم يُحِبُّون الله عن رغبة ورهبة، وأولئك لا يحبون أندادهم عن رغبة ورهبة.
على كل حال هنا ذَكَرَ الله تعالى أن من الناس مَن يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبّ الله، على سبيل المدح ولَّا على سبيل الذم؟ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، تَحَدَّث عن هؤلاء مادحًا لهم أو ذامًّا لهم؟
الطلبة: ذامًّا لهم.
الشيخ: ذامًّا لهم، (وقال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ})، مَن هؤلاء الشركاء؟ ({الْجِنَّ})، ولهذا الْجِنَّتعتبر عطف بيان لـشُرَكَاءَ؛ لأنها بَيَّنَت هؤلاء الشركاء، شُرَكَاءَ الْجِنَّ.
({وَخَلَقَهُمْ}) الجملة هذه جملة حالية على تقدير (قد)، يعني: وقد خلقهم، خلق مَن؟ الجن، فإذا كان الجن مخلوقين فكيف يصح أن يكونوا شركاء للخالق.
({وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ})، ويش قلنا: وَخَلَقَهُمْ؟ جملة حالية على تقدير (قد)، يعني: وقد خلقهم، أي: خلق الجن، والمخلوق لا يصح أن يكون شريكًا للخالق.
({وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ})، خَرَقُوامعطوف على جَعَلُوا، يعني: وكذلك أيضًا خَرَقُوا لله بنين وبنات بغير علم، خَرَقُوامثل (خلقوا) بل هي أشد، المعنى: اختلقوا وقالوا كذبًا، أيهم أشد (خلق) ولَّا (خرق)؟ الأخيرة أشد، حتى على اللسان أشد، اللام خفيفة مثل الريشة، لكن (خرقوا) لا، الراء شديدة (...) اللسان يتكرَّر، إذن هي أعظم؛ لأن هذا الاختلاق -والعياذ بالله- من أعظم الاختلاقات، ولهذا قال: خَرَقُوا لَهُ، يعني: اختلقوا له بنين وبنات، اللي اختلقوا البنين مَن هم؟
طالب: المشركون.
الشيخ: لا، اليهود والنصارى حَدِّدُوا، قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠]، والذين اختلقوا بنات المشركون، قالوا: إن الملائكة بنات الله.
({بِغَيْرِ عِلْمٍ}): ما عندهم علم بهذا، بل العلم على خلاف ما اختلقوا.
قال: ({سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}) سبحانه أظن مَرَّت علينا من قبل ولَّا لا؟ وقلنا: إن (سبحان) اسم مصدر، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وإن لازمت لأيش؟ للنصب والإضافة، فهي إذن معنى (سبحانه) تنزيه الرب تعالى عما يصفونه به من الشريك، ومن اتخاذ الولد.
ثم أبطل الله تبارك وتعالى هذه الدعوى الكاذبة، قال: ({بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}) معنى بَدِيعُ: مُبْدِع، ومعنى مُبْدِع: الخالق على غير مثال سبق؛ لأن الأرض البديعة (...) ما لها شيء سابق، فمعنى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: خَلَقَهَا على غير مثال سبق، كما قال المفسرون: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيعني: خالقهما على غير مثال سبق، يعني معناه: ما سبق لهما نظير.
({أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ}) يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: يعني: كيف يصير له ولد وهو ما له صاحبة؟ والصاحبة مَن؟ هي الزوجة؛ لأن الولد لا يتكون إلا بين زوجين، أو من أنثى فقط مثلما حصل من ابن مريم، مع أنه من ابن مريم ما حصل منها إلا بعد نفخ الروح فيها.
وقوله: ({وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}) هذا دليل آخر أيضًا على امتناع أن يكون له ولد، أنه خالق كل شيء، ومن جملة ما خلق مَن زعموهم أبناء وبنات لله، فكيف يكون المخلوق ابنًا للخالق؟
ثم قال: ({وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ})، وعِلْمُه بكل شيء مع نفيه أن يكون له ولد يدل على امتناع الولد، وإلّا لوقع الخبر على خلاف المعلوم، وهذا شيء مستحيل.
المهم الشاهد من هذا أن الله تعالى ذكر هذه الأشياء وأبطلها، فليس له شريك لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في حقوقه، وليس له ابن؛ لأنه ليس كمثله شيء.
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأن العلم صفة معينة، لكن متعلَّقها متعلَّق العلم، ولَّا العلم (...)؟
طالب: من أحب شيئًا أطاعه على الإطلاق؟
الشيخ: لا، ويش لون! إذا كانت المحبة صادقة لا بد أن تطيعه، إذا كانت المحبة صادقة ليش؟ لأن المحب يريد الوصول إلى حبيبه، وإذا أمره وخالفه فهذا مما يبعده عنه، فإذا كان محبًّا صادقًا فلا بد أن يطيعه، ولهذا نحن نقول: مَن أحب الله محبة صادقة فلا بد أن يكون ممتثلًا لأمره.
(وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الفرقان: ١، ٢]).
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ، المراد بالفرقان القرآن، ووُصِفَ بذلك لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، عَلَى عَبْدِهِمَن؟ محمد صلى الله عليه وسلم، لِيَكُونَالضمير يعود على الرسول ولَّا القرآن؟
طالب: للجميع.
الشيخ: للجميع، والظاهر أنه عائد على الرسول؛ لأنه أقرب، وقد قيل: إن الضمير يعود على أقرب مذكور.
وقوله: نَذِيرًاأي: مُنْذِرًا.
وقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِصفة لـ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِكل هذا إثبات، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًاهذا نفي مُفَصَّل، لماذا؟ لأنه لإبطال مَن وَصَفَهُ به.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، هذا عامّ، يعني: لا أحد يشركه في الملك، لا في العبادة، ولا في الْخَلْق، ولا في الرزق، ولا في الإحياء، ولا في الإماتة.
طالب: الأخير نفي؟
الشيخ: الأخير، إي نعم، نفي عامّ.
(وقال تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} [الصافات: ١٤٩])، والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، أيش هذا الحكم عدل ولَّا جائر؟ ضيزى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم: ٢١، ٢٢].
({أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ} [الصافات: ١٤٩، ١٥٠]) نعم ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا.
({أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ} [الصافات: ١٥١، ١٥٢])، (ولد) فعل ماضٍ، و(الله) فاعل، أي: اتخذ ولدًا.
({وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} [الصافات: ١٥٢ - ١٥٣])، أَصْطَفَىأصلها: أَأَصْطَفَى، فالهمزة هنا للاستفهام، وهمزة الفعل سقطت لالتقاء ساكنين؛ لأن الصاد ساكنة، وهمزة الوصل ساكنة، فسقطت الهمزة، فالهمزة في قوله: أَصْطَفَىما نقول: الهمزة هذه همزة فعل، بل نقول: هذه همزة استفهام.
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ، أي: اختار البنات على البنين؟ ويش الجواب؟ لا.
({مَا لَكُمْ} [الصافات: ١٥٤]) جملة مستقلة، ولهذا ينبغي الوقوف عليها، مَا لَكُمْ، يعني: أي شيء لكم بهذا الحكم الجائز.
({كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الصافات: ١٥٤، ١٥٥])، يعني: ولو تذكَّرْتم لعلمتم أن الله سبحانه وتعالى لم يتخذ ولدًا، ولعلمتم أن مِن القسمة الضِّيزَى الجائرة أن تجعلوا لله البنات ولكم البنين.
({أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ} [الصافات: ١٥٦])، سُلْطَانٌبمعنى حجة، ومُبِينٌبمعنى: بَيِّن مُوَضِّح.
({فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الصافات: ١٥٧])، (...) فَأْتُواالأمر هذا ويش لون؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم من باب التحدي، إن كان لكم سلطان وحجة فأتوا بكتابكم، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
({وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: ١٥٨])، جَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ، ما هي الْجِنَّة؟ الجن، وقيل: المراد بالْجِنَّة هنا الملائكة، وأنهم سُمُّوا جِنًّا بالمعنى الأعم؛ لاستتارهم عن العيون، ولكن هذا القول ضعيف، وإطلاقات القرآن كلها تدل على خلاف ذلك.
ولعل أحدًا من الناس العرب أو المشركين يعتقدون أن بين الجن وبين الله تعالى نَسَبًا، يعني قرابة، ولكن الله عَقَّبَ ذلك بقوله: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، مُحْضَرُون لأي شيء؟ للحساب يوم القيامة.
({سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: ١٥٩]) تنزيهًا لله عما يصفونه به من اتخاذ الولد، والنسب الذي بينه وبين الْجِنَّة، وغير ذلك مما وصفوا الله به.
({إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} [الصافات: ١٦٠])، الاستثناء هنا يبدو أنه منقطع، يعني: لكن عباد الله المخلَصِين لم يصفوه بما وصفه به هؤلاء.
(إلى قوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]) قال المؤلف شارحًا لهذا: (فسَبَّحَ نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسَلَّمَ على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحَمِدَ نفسه؛ إذ هو سبحانه المستحِقّ للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات).
والخلاصة إنه رحمه الله أتى بهذه الآيات العديدة لإثبات ما أبطله، من الذي أبطل؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، النفي الْمُجْمَل، ويش بعد؟ والإثبات الْمُفَصَّل.
أرجو الانتباه الصفحة اللي قبل هذه فيها بيان عقيدة سلف الأمة وأئمتها، وأنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، ويثبتون ما أثبت لنفسه من الصفات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل، هذه قاعدة.
القاعدة الثانية: الرسل عليهم الصلاة والسلام جاؤوا بأي شيء بالنسبة لأسماء الله وصفاته؟ بإثبات مُفَصَّل، ونفيٍ مُجْمَل ما فيه تفصيل، إلا أني قلت لكم: إن النفي قد يُفَصَّل فيه، متى؟ إذا كان ردًّا لوصفٍ وُصِفَ به، أو قُصِدَ به المقابلة، أو بيان الكمال؛ كمال (...).
ثم قال المؤلف: (وأما الإثبات المفصَّل فإنه ذَكَرَ من أسمائه وصفاته ما أنزله في مُحْكَم آياته كقوله)، المؤلف بدأ بالإثبات ({اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} الآية بكاملها).
وتسمى هذه آية الكرسي، مَن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يُصْبِح، وهي أعظم آية في كتاب الله.
قوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُالمؤلف يقول: (الآية)، معنى ذلك أنه يريد منا أن نتلو الآية: الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌهذا مُفَصَّل ولَّا مُجْمَل؟ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌمُفَصَّل، لكنني قلت لكم: إنه قد يأتي النفي الْمُفَصَّل لبيان كمال الإثبات، هنا لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌإشارة إلى ماذا؟ إثبات كمال حياته وقيوميته، لكمال حياته لا ينام، ولكمال قيوميته على عباده لا ينام؛ لأنه سبحانه لو نام لكان معنى ذلك أنه محتاج إلى النوم، ولو نام مَن يتصرف في الخلق وهو نائم؟!
إذن فنفي السِّنَة والنوم (...) بماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، في آية الكرسي، ليه؟ قلنا لِمَ؟ -السؤال للجميع- لكمال حياته وقيوميته، فهو كامل الحياة لا يحتاج إلى نوم، وهو القيوم على عباده لا يمكن أن ينام.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِهذا إثبات للملك المختص به، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ؛ لأن تقديم الخبر ويش يدل عليه؟ (...) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِهذا عموم الملك.
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِهذه الصفة ويش فيها؟ كمال السلطان، يعني: حتى اللي بيشفعون ما يمكن يشفعون عند الله إلا بعد إذنه، أرجو الانتباه، -نضرب مثلًا بملوك الدنيا ولله المثل الأعلى- كلما كان الملك أشد احترامًا وعظمة عند الناس ما تجد أحدًا يتكلم عنده بشيء أبدًا، يعني إذا جئت للعظماء تجد لو كان المجلس مملوءًا بالناس ما يتكلمون إلا بعد الاستئذان، أستأذن أتكلم (...)، لكن اللي ما عندهم القوة الشخصية وقوة سلطان هل يستأذنهم الناس أن يتكلموا ولَّا يستأثرون بآذانهم ولا يبالون؟ هو هذا، ما يبالون بهم، ولا يستأذن منهم ولا شيء، فكلما عَظُم السلطان عَظُمَت الهيبة، وكلما عَظُمت الهيبة امتنع التصرف إلا بعد الإذن، فالله تبارك وتعالى لكمال سلطانه ما أحد يشفع، حتى الشفاعة للغير ما يشفع إلا بإذنه.
ملوك الدنيا مهما عظمت منزلتهم أقاربهم وأصدقاؤهم يستطيعون أن يشفعوا عندهم وإن لم يأذنوا، ولهذا مثلًا يأتي صديق السلطان ويقول له: نريد أن نشفع لفلان مثلًا، فعل كذا وفعل كذا، ولو ما استأذن، والله تعالى لكمال سلطانه لا أحد يشفع عنده إلا إذنه.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْفيها إثبات العلم، وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَفيها أيضًا إثبات العظمة، بحيث ما أحد يستطيع أن يحيط بشيء من علم الله إلا بما شاء، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، هذا أيضًا فيه عظيم صنعته تبارك وتعالى، وعظيم الصنعة يدل على عظم الصانع.
وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَايعني: ما يثقل الله حفظ السماوات والأرض، ليش؟ لكمال علمه وقدرته، فهو عالم قادر، ولهذا يحفظ السماوات والأرض بدون مشقة، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُإثبات العلو والعظمة.
المهم هذه الآية تضمنت على إثبات مفصل وعلى نفي مجمل أو مفصل حسب ما يقتضيه المقام.
وقال: ({قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: ١، ٢]) السورة أَحَدٌالصَّمَدُ، هذا إثبات ولا لا؟ إثبات، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْنفي، وقد سبق.
(وقوله: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: ٢]) فيه إثبات العلم وإثبات الحكمة، وما هي الحكمة؟ الحكمة يجب أن نعرف أن حكيم مشتقة من حكم وأحكم، فالحكم غير الإحكام، الإحكام إتقان الشيء ووضعه بمحله، وهي الحكمة، وأما الحكم فهو التصرف، والله تبارك وتعالى له الحكم المطلق في السماوات والأرض، الحكم الكوني والشرعي، وله الحكمة البالغة، وأظنكم درستم أقسام الحكمة في العقيدة الواسطية.
(وقال تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: ٥٤]) إثبات العلم والقدرة.
({وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]) إثبات السمع والبصر.
({وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: ٤]) إثبات العزة والحكمة.
({وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: ١٠٧]، {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: ١٤، ١٥]) (المجيد) بالرفع ولا بالجر؟
طالب: بالجر.
الشيخ: لا، بالرفع، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ.
طالب: مكسورة.
الشيخ: مكسورة؟! (...) لكن هي في القرآن بالرفع، وفيها قراءة بالجر، إذا قلنا: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُفهي صفة لِمَن؟ لله، وإذا قلنا: (الْمَجِيدِ) فهي صفة للعرش، وفيها قراءة، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦].
وقوله: ({هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: ٣])، فَسَّرَها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» .
({وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٣، ٤]).
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِويش مثال ما يلج في الأرض؟ يلج يعني: يدخل في الأرض.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما يلج في الأرض.
طالب: (...).
الشيخ: لكن يلج في الأرض.
طالب: (...).
الشيخ: إي، مثل الأموات، وجذور النبات، (...) والمياه التي تبتلعها الأرض، أو لا؟ كل هذا يَلِجُ في الأرض، وكذلك أيضًا الوحوش تَلِجُ في أطرافها، أليس كذلك؟ وفي صخورها أيضًا، هذا مما يلج في الأرض.
وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَاما يخرج من الأرض.
طالب: (...).
الشيخ: وبنو آدم.
طالب: (...).
الشيخ: بنو آدم من الأرض؟ نعم.
وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، مَا يَعْرُجُ فِيهَاولَّا ما يعرج إليها؟
طالب: (...).
الشيخ: هنا ما ينزل من السماء من المطر والوحي والأمر، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥]، وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، المعروف أن عَرَج يَعْرُج، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ [المعارج: ٤] ويش اللي بعده؟ إِلَيْهِ، المعروف أن (عَرَج) تتعدى بـ(إلى) يقال: عَرَجْت إلى كذا، وهنا قال: وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، فما هو الْمَخْرَج من هذا؟
أقول: لعلماء النحو في ذلك رأيان؛ إذا عُدِّيَ الفعل بحرفٍ لا يُعَدَّى به فقال بعض النحويين: تجعل الفعل مُضَمَّنًا لمعنى يتناسب مع الحرف.
وبعضهم يقول بالعكس: ضَمِّنِ الحرفَ حرفًا يناسب الفعل، هنا وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، على الرأي الأول يُضَمِّن (يعرج) معنى يدخل، وما يدخل فيها، لكن لما كانت السماء عالية قيل: يعرُج، وعلى الرأي الثاني تجعل (في) بمعنى (إلى)، تُحَوِّل الحرف إلى حرف يناسب الفعل.
مثال آخر: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦]، يَشْرَبُ بِهَاالعين يُشْرَب بها ولَّا يُشْرَب منها؟ يُشْرَب منها، بعض العلماء يقولون: الباء هنا بمعنى (مِن)، يَشْرَبُ بِهَاأي: منها، وبعضهم يقول: لا، الباء على معناها الحقيقي، لكن يشرب بمعنى يَرْوَى، فيُحَوِّل معنى الفعل إلى ما يناسب الحرف.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: ٢٨]، وقوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: ٥٤] الآية، وقوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: ٨]، وقوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: ٩٣]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: ١٠]، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: ٢١٠]، وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: ١١]، وقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤]، وقوله: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: ٥٢]، وقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: ٦٢]، وقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: ٨٢]، وقوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: ٢٢ - ٢٤] إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عبادَه إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فقد سبق أن الله تبارك وتعالى بعث الرسل بإثباتٍ مُفَصَّل ونَفْيٍ مُجْمَل، يعني: أن ما أثبته الله لنفسه فإنه يُفَصِّله ويذكره على التفصيل والتعيين؛ لأن ذلك أكثر إثباتًا لصفات الكمال مما لو اقتصر على الإجمال، فإذا قلنا: إن الله سميع بصير قدير عليم، إلى آخره، أبلغ مما إذا قلنا: إن الله تعالى له الكمال المطلَق، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: لأن الإنسان يُدْرِك من صفات الله تبارك وتعالى بالتفصيل ما لا يدركه بالإجمال.
أما في باب النفي فإن طريقة الرسل ما هي؟ الإجمال بالنفي، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وما أشبه ذلك، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّالَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ولا يأتي التفصيل في النفي إلَّا في نفي ما افْتُرِيَ على الله من صفةِ عيبٍ، هذا واحد، أو في بيان كمالِ صفةٍ ثبوتية، فمثلًا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، ويش معنى لُغُوبٍ؟ تعب.
قوله: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍهذا تفصيل ولَّا إجمال ؟ تفصيل، لكنه لبيان كمال الصفة الثبوتية، وهي قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا، يعني: خلقناها بقوة ولم يَمَسَّنَا تعب، فهو لبيان كمال الصفة الثبوتية، كذلك قد يكون التفصيل لنفي ما ادُّعِيَ على الله من صفةِ عيبٍ، مثل قوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْهذه صفة تفصيل ولَّا إجمال؟ تفصيل، لكن لنفي ما ادُّعِيَ على الله عز وجل من صفات النقص، وإلَّا فالإجمال أكمل؛ لأننا لو ضربنا مثلًا -ولله المثل الأعلى- إنسان وقف أمام مَلِك، وقال: أيها الملك الجليل الذي لست (...) ولا حجام، ولا شحَّاذ بالأبواب، وقام يجيب صفات العيب المفصَّلة وينفي عنه، ما رأيكم في شعور الملك بهذا الرحل، يَمْدَح ولَّا يستهزئ؟ يستهزئ فتجده يعاقبه، فصفات (...) الإتيان بها على سبيل التفصيل غير لائق في مقام التعظيم، ولهذا ما جاءت في طريقة الرسل إلا على سبيل الإجمال، إلا في الحالين اللَّذَيْنِ أشرنا إليهما، وهو أن يكون هذا الوصف (...) قد ادُّعِيَ لله عز وجل، أو هذا الوصف المنفي لبيان صفة كمال (...) بها.
ذكر المؤلف فيما سبق عدة آيات، ثم بدأ رحمه الله في الإثبات المفصَّل، فذَكَرَ منه آية الكرسي، وهي مشتملة على عدة أسماء وصفات لله عز وجل، وذكر سورة الإخلاص، وفيها صفات إثبات وصفات نفي، ولَّا كلها صفات إثبات؟ نفي وإثبات.
ثم ذكر أيضًا صفات كثيرة متعددة في الإثبات، مثل: العليم والحكيم والعزيز والغفور والرحيم والأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم.
وهذا أظن آخر ما قرأتم.
طالب: (...).
الشيخ: إي، زين.
طالب: بالنسبة للنفي (...).
الشيخ: شو به؟
طالب: المقابلة.
الشيخ: نعم، أن هذا المعنى صحيح، المقابلة هذه تأتي أيضًا، ولكن المقابلة مثلما قلنا: إنها تأتي أحيانًا لبيان صفة الكمال، أقول: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَهُوَ مَعَكُمْ، هذه صفة ثبوتية ولَّا نفي؟ إثبات المعية صفة ثبوتية، هذه المعية يجب أن نعرف أنها لا تقتضي ولا تستلزم أن يكون معنا في المكان؛ لأن بعض المبتدعة كحلولية الجهمية يقولون: إن معنى قوله: وَهُوَ مَعَكُمْأنه معنا في المكان، يعني: إذا كنت في الغرفة صار الله في الغرفة، إذا كنت في المسجد صار الله في المسجد، إذا كنت في السوق صار الله في السوق، لو كنت في مكان محل قذر -والعياذ بالله- على رأيهم صار الله في هذا المحل؛ لأنهم يرون أن المعية هي حلول الله عز وجل في المكان الذي أنت فيه، أفهمتم هذا؟ هل هذا لائق بالله؟! أبدًا، ممتنع؛ لأن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فكيف يكون الله –مثلًا- عندنا في هذه الغرفة، وعند الجماعة اللي جنبنا في غرفتهم، كم يصير الله من واحد؟! متعدِّد بتعدد الأمكنة، وهذا شيء مستحيل، وهو معنا وهو فوقنا؛ لأن مَن كان محيطًا بك عِلْمًا ورؤية وسمعًا وتدبيرًا وسلطانًا فهو معك وإن كان فوقك.
(...) هنا والله تبارك وتعالى لا يخفى عليه أمرنا، يرى ما نفعل، ويسمع ما نقول، ويُدَبِّر أمرنا، إذن هو في الحقيقة معنا وإن كان في السماء.
فإذا قال قائل: هل يُعْقَل أن يقال للشيء: إنه معك، وهو في السماء؟
قلنا: نعم، يُعْقَل هذا، وهو مستعمَل لغةً، فالعرب يقولون: ما زِلْنَا نسير وسُهَيْل معنا، أو والقمر معنا، أو والقطب معنا، وأين محلها؟ في السماء، وهذا شيء مستعمَل، بل إن الإنسان يأتيه ولدُه يبكي يقول: يا أبوي الأولاد ضربوني في السوق، ولا أنا بخارج ألعب، ما ألعب في السوق؛ لأن الأولاد يضربونني، فيقول له: اخرج أنا معك، فيخرج الابن وأبوه في البيت، وهو يشعر بأن والده معه؛ لأنه بيسمع ما يقال له، ويرى ما يُفْعَل به، مفهوم؟ فهكذا إذن معية الله عز وجل.
المؤمن بفطرته لا يتصور عندما يقرأ قول الله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، ما يمكن يتصور أن الله معه في مكانه أبدًا، في فطرته لا يتصور هذا، فأمر لا تقتضيه الفطرة ولا تقتضيه اللغة، ولا يمكن بحق الله، كيف نقول: إن هذا هو ما دَلَّ عليه كلام الله؟! وهل كلام الله يدل على شيء محال؟ لا، إذن هو معنا لكنه في السماء على عرشه، لكن معنا بالإحاطة عِلْمًا وقدرة وسلطانًا وتدبيرًا ورؤية وبصرًا، إلى آخره.
وقوله: أَيْنَ مَا كُنْتُمْهذه تعميم للمكان، يعني: في أي مكان كنتم فالله بما تعملون بصير، كل هذه إثبات، صفات ثبوتية، وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا [محمد: ٢٨] ..





