شرح العقيدة التدمرية - 3
عدد الزيارات 2231

عناصر المادة :
فصل: في الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم في أسماء الله وصفاته

مثال ذلك: الحركة والسكون، هذان نقيضان لا يجتمعان؛ بمعنى لا يمكن أن يكون الشيء متحركًا ساكنًا؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك.
لا يمكن أن يجتمعا، ولا يمكن أن يرتفعا، ما يمكن يرتفعان أيضًا، ليش؟ لأن الشيء إما ساكن أو متحرك، ولَّا لا؟ فيه شيء ثالث لا يكون ساكنًا ولا متحركًا؟ ما فيه شيء، إذن لا يرتفعان، لا بد يوجد واحد منهما.
كذلك أيضًا الوجود والعدم نقيضان ولَّا لا؟
طالب: نقيضان.
الشيخ: ليش؟ لأنهما لا يجتمعان، لا يمكن أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، صح ولَّا لا؟
(ولا يرتفعان) ويش معنى يرتفعان؟ يعني لا يمكن أن يكون لا موجودًا ولا معدومًا، لا بد يكون إما موجودًا وإما معدومًا.
كذلك مثلًا الحياة والموت بالنسبة للإنسان، حياة وموت نقيضان ولَّا لا؟
طلبة: نقيضان.
الشيخ: لا يمكن يجتمعان؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن يجتمعان، ما يمكن يصير الإنسان حيًّا ميتًا في آنٍ واحد، لا يمكن؟
طالب: لا، ما يمكن.
الشيخ: لأن الإنسان إما حي وإما ميت.
إذن النقيضان ويش هو تعريفهما؟ لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ بمعنى لا يمكن يرتفعان جميعًا، ولا يجتمعان جميعًا.
فيه تناقض يسمى تناقض الضدين، ضدان، هذا ضد هذا، كذا ولَّا لا؟ الأول ويش النسبة؟
طالب: نقيضان.
الشيخ: نقيضان، هذان ضدان، تناقض الضد، الضدان لا يجتمعان، معلوم أن الشيء وضده ما يمكن يجتمعان، لا يجتمعان ويرتفعان أو لا؟ يعني يمكن يرتفعان كلاهما يمكن يرتفعان، ولكن كلاهما يجتمعان لا، فالضدان لا يجتمعان ولكن يمكن أن يرتفعا. ترى أنتم مسؤولون عن هذا اللي أشرحه، لكن يمكن يرتفعان، مثال ذلك: السواد والبياض ضدان ولَّا لا؟
طالب: ضدان.
الشيخ: ضدان، زين، ما يمكن يكون النقطة سوداء بيضاء في آنٍ واحد، ولَّا لا؟ لكن يرتفعان؛ بمعنى أنه يمكن يصير الشيء لا أسود ولا أبيض، ويش يكون؟ أحمر مثلًا، إذن فالضدان لا يجتمعان ويرتفعان، ومعنى يرتفعان يمكن أن يرتفعا، ومعنى لا يجتمعان يعني لا يمكن أن يجتمعا،
فإذن يجب أن تفرق عندما تقول: السواد ضد البياض أو نقيض البياض.
طلبة: ضد.
الشيخ: ضد البياض لو تقول: نقيض البياض صار ذلك خطأً، لو تقول: الوجود ضد العدم.
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، ويش تقول؟ نقيض العدم؛ لأنه ما يمكن يرتفعان.
فيه نسبة ثالثة تسمى نسبة الخلاف؛ بمعنى أن يقال للشيء والآخر: هذان خلافان، فالخلافان متغايران، يمكن أن يجتمعا وأن يرتفعا، الخلافان متغايران في الحقيقة لكن يجتمعان ويرتفعان، ومع ذلك يسميان خلافين، فالخلافان ما يجتمعان ويرتفعان لكنهما مختلفان في الحقيقة. فاهمون ذا ولَّا يحتاج إلى تمثيل؟
طلبة: يحتاج إلى تمثيل.
الشيخ: يحتاج إلى تمثيل، الخلافان مفهوم، متغايران يجتمعان ويرتفعان؛ بمعنى يمكن اجتماعهما ويمكن ارتفاعهما، مثال ذلك: البياض والحركة، فالبياض غير الحركة ولَّا هي الحركة؟
طلبة: غير.
الشيخ: البياض لون، لون الشيء أبيض، والحركة حركة فعل؛ فالحركة غير البياض فهي مخالفة له، لكنهما يجتمعان ولَّا لا؟ يمكن أن يكون الشيء أبيض متحركًا أليس كذلك؟ ويرتفعان ولَّا لا؟ يرتفعان، يمكن ارتفاعهما، يكون الشيء ساكنًا أسود، فهو لا أبيض، ولا متحرك، إذن فالخلافان متغايران لكنهما يجتمعان ويرتفعان.
النسبة الرابعة: المثلية، المثلان متفقان، مثل إنسان بشر نسبة الإنسان للبشرية ويش هي؟ المثلية، كل إنسان فهو بشر، وكل بشر فهو إنسان، النسبة بين المثلين هذه تُسمَّى مماثلة، يعني يسمونهما المثلين، فصارت النسبة إلى أربع، وأهم شيء عندنا أن نعرف النقيضين والضدين؛ لأن بعض الناس يُعبِّر بالنقيضين عن الضد، وبالضد عن النقيضين، هذا أهم شيء، ولا عاد الخلافان والمثلان واضح معناهما.
طالب: (...) لا يجتمعان ولا يرتفعان (...) الإنسان بشلل (...)؟
الشيخ: لا (...) هذا يعتبر حيًّا لأن..
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا تعطل إحساسه فقط، ما مات؛ لأنه لو مات لكان يتغير وينتن ويفسد، إذا صار هذا فقد (...) حي.
المؤلف يقول: (فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين) هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟
طلبة: غير ممكن.
الشيخ: سلب النقيضين ويش معنى سلب النقيضين؟ يعني نفيهما؛ يعني نفي النقيضين، ونفي النقيضين غير ممكن؛ لأن النقيضين لا يرتفعان فنفيهما غير ممكن.
(فيقولون لا موجود ولا معدوم) الله لا هو موجود، ولا هو معدوم، ويش هذا؟ هذا سلب للنقيضين؛ لأن الوجود والعدم النسبة بينهما نقيضان.
(ولا حي ولا ميت) ويش يصير، هل يمكن هذا؟ أن يكون موجودًا لا حيًّا ولا ميتًا؟ لا يمكن.
(ولا عالم ولا جاهل) يقولون: الله غير عالم ولا هو بجاهل، ويش يصير هذا؟ يمكن؟ لا يمكن؛ لأن كل ذي إدراك لا بد أن يكون إما عالِمًا وإما جاهلًا.
العلة شوف تعليلهم الخيبث أو شبهتهم الباطلة (لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبَّهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين) شوف -والعياذ بالله- الشبهة الباطلة، يقولون: إن أثبت لله صفة ثبوتية شبهته بالموجدات، وإن وصفته بصفة عدمية سلبية شبهته بالمعدوم، إذن لا تصفه لا بهذه ولا بهذه. فنقول لهم: أنتم الآن شبهتموه بالممتنعات؛ لأن المعدوم يجوز وجوده، والموجود يجوز عدمه، أما أنتم الآن فشبهتموه بالممتنعات؛ لأن هذا لا يمكن يصير أبدًا، إذا أردت أن تنفي الله فقل: لا موجود ولا معدوم، حقيقة أنه لم تثبت شيئًا.
يقول المؤلف رحمه الله.. فهمنا الآن يا جماعة الغلاة ما مذهب الغلاة ممن حاد عن سبيل الرشد؟ مذهبهم أنهم يسلبون عن الله النقيضين، يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل. ليش؟ حجتهم أو بالأصح شبهتهم، يقولون: إن أثبتم الصفة شبهتموه بالموجودات، وإن نفيتموها شبهتموه بالمعدومات.
قال المؤلف: (فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول) صحيح بداهة العقول (...) يعني المعنى أنه بمجرد ما يتصور الإنسان هذا الكلام يجد أنه باطل.
(وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به الرسول) فوقعوا في شر مما فروا منه فإهم شبهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين وجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات، صحيح.
طالب: (...).
الشيخ: (...) أولًا، هذا ما يحتاج إلى تأمل.
الآن نقول لهؤلاء: أنتم وقعتم في شر مما فررتم منه ولَّا لا؟ لأنكم تقولون: إن قلتم: إن الله حي شبهتموه بالموجدات، وإن قلتم: ميت، شبهتموه بالمعدومات، صح ولَّا لا؟ إن قلتم: موجود شبهتموه بالموجدات، وإن قلتم: معدوم شبهتموه بالمعدومات، إذن ماذا نقول؟
يقولون: قولوا: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا بصير ولا أعمى، ولا سميع ولا أصم، ولا فاعل ولا متعطل، يعني كل هذه ينفونها عن الله.
نقول لهم: الآن شبهتموه بأي شيء؟ بالشيء الممتنع، وتشبيه الشيء بممتنع يجعله ممتنعًا، فأنتم الآن وقعتم في شر مما فررتم منه.
وأيضًا سلبتم النقيضين، وسلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما ممتنع، فاهمون الكلام هذا؟ سلْب النقيضين يعني رفعهما كجمع النقيضين يعني اجتماعهما، فكما أنه لا يمكن أن يكون الشيء متحركًا ساكنًا في آنٍ واحد؛ لأن هذا جمع بين النقيضين كذلك لا يمكن أن يكون لا متحركًا ولا ساكنًا؛ لأن هذا سلب للنقيضين. وقد علمتم -يا جماعة- أن النقيضين نسبتهما لا يجتمعان، ولا يرتفعان، فاجتماعهما ممتنع، وارتفاعهما أيضًا ممتنع.
قال المؤلف رحمه الله: (وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من مُوجِد واجب بذاته، غني عما سواه، قديم أزلي، لا يجوز عليه الحدوث، ولا العدم، فوصفوه بما يمتنع وجوده، فضلًا عن الوجوب أو الوجود، أو القدم).
(علم بالاضطرار) ويش معنى (علم بالاضطرار)؟ العلم يقولون: إنه نوعان: عِلم نظري، وعلم اضطراري.
فإذا كان العلم يتوقف..
طالب: (...).
الشيخ: (وحرَّفوا ما أنزل الله) قرأت هذا لكن هذا ما يحتاج إلى شرح؛ لأنه بيِّن.
يقول: (علم بالاضطرار). العلم ينقسم إلى قسمين: علم ضروري، وعلم نظري، فإذا كان العلم يحتاج إلى نظر واستدلال سُمِّي علمًا نظريًّا، وإن كان لا يحتاج إلى نظر واستدلال سمي علمًا ضروريًّا أو اضطراريًّا.
مثلًا إذا قال لك قائل: هل الوتر واجب أو سنة؟
علمنا بأنه واجب أو سنة علم نظري؛ لأنه يحتاج إلى تتبع الأدلة والنظر فيها، ولا يعرفه إلا أهل العلم لكن علمنا بأن الوجود أو الموجود لا بد له من مُوجِد ضروري ولَّا لا؟
طلبة: ضروري.
الشيخ: كل واحد يفهم.
قيل لأعرابي بدوي: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير. صحيح هذا ولَّا لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟
هذا الرجل استدل بشيء يُعلم ببداهة العقول، هذه السماوات، والأرضين، والبحار، والأشجار، والأنهار، وهذا النظام البديع، وهذا التآلف بين أجزائه مع اختلافها ويش يدل عليه؟ يدل على أن له منظمًا ومُوجدًا، أليس كذلك؟ إذن هذا معلوم بالضرورة، أنه لا بد له من مُوجد واجب بذاته، ويش معنى الواجب بذاته؟ الواجب هنا غير الواجب في الفقه، الواجب في الفقه هو الذي يلزم فعله، والواجب هنا هو الذي لا يمكن عدمه؛ فمعنى (واجب بذاته) يعني لا يمكن عدمه، فالرب سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون معدومًا فهو أزلي أبدي.
قال المؤلف: (غني عما سواه) صحيح ولَّا لا؟ لأنه لو احتاج إلى غيره لم يكن قائمًا بالخلق على وجه الكمال.
(قديم أزلي) كلمة قديم هنا من الأمر الذي يُستغرب على المؤلف؛ لأن المؤلف نفسه مما يُنكر هذا الوصف لكنه قال ذلك؛ لأنه يتكلم مع مَنْ؟ مع فلاسفة يصفون الله بالقديم، يعني ما يعرفون الله إلا بالقديم فهو يتكلم معهم بلغتهم، وإلا فمن المعلوم أن كلمة (قديم) ليست من أسماء الله ولا من صفات الله، ولهذا أردفها بقوله: (أزلي)، ويش معنى الأزلي؟ الذي لم يزل موجودًا، يقابل الأزلي الأبدي، الأزلي: هو الذي لا يزل موجودًا، فالأبدي الدوام بالنسبة للمستقبل، والأزلي الدوام بالنسبة للماضي، ومن أجل هذا المؤلف أردف القديم بالأزلي ويش معنى الأزلي؟ الذي لا بداية له، لم يزل موجودًا، وإنما أردفها بالأزلي؛ لأن القديم في اللغة العربية ما تقدم غيره وإن لم يكن أزليًا، وانظر إلى قول الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩].
ويش معنى العرجون القديم؟ يعني السابق على غيره، وإن كان ليس أزليًّا فعرجون النخل هل هو بأزلي؟
طالب: لا.
الشيخ: (...) مثلًا، هذه السنة صار عرجونًا.
فالحاصل أن نقول: إن القديم الأزلي ليس من أسماء الله ولا من صفاته، ما ورد ذلك في أسماء الله ولا في صفاته، لكن المؤلف تكلم بها؛ لأنه يخاطب من؟ يخاطب الفلاسفة الذين يصفونه بهذه الصفة.
والمؤلف خرج عن الأمر الذي يُتوهم من كلمة (قديم) خرج عن ذلك بقوله: (أزلي) حتى لا يظن أن القديم الذي تقدم غيره وإن كان حادثًا بل القديم هنا الأزلي الذي لا أول لوجوده، وقد ذكر الله بدلًا عن هاتين الكلمتين كلمة واحدة أفضل منهما وأقوم وهي قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُوهُوَ الْأَوَّلُتعطي معنى غير الأسبقية، والمعنى الذي تعطيه هو أن كل شيء يؤول إليه فهو أول سابق على غيره، وهو أول تؤول الأشياء إليه وترجع.
لهذا نقول: إن هاتين الكلمتين لو تركهما المؤلف لكان أحسن لكن عذر المؤلف أنه يتكلم بلسان قوم ألفوا هاتين الكلمتين، ولا بأس أن يخاطب الناس باصطلاحهم إذا تبين الحق وأُزيل الوهم، وهنا المؤلف أزال هذا الوهم بقوله: (أزلي).
(لا يجوز عليه الحدوث) كلمة (لا يجوز عليه الحدوث) تأكيد لقوله: (واجب بذاته) (ولا يجوز عليه العدم) أيضًا، لا يجوز عليه العدم؛ لأنه الواجب، ما لا يمكن (...)، لو كان يجوز عليه العدم لكان واجبًا ولا ممكنًا؟ لكان ممكنًا.
وبهذه المناسبة أود أن أبين لكم أن كلام الأصوليين، أو الذين يتكلمون في هذا الباب يتكلمون بلسان المناطقة أحيانًا، فيفسرون الواجب بأنه ما لا يمكن عدمه، والمستحيل ما لا يمكن حدوثه، والجائز ما يكون جائز الوجود والعدم، ما هو بالجائز اللي إن شاء فعله المكلف وإن شاء لم يفعله كما هو في الفقه.
قال المؤلف: (فوصفوه بما يمتنع وجوده)، ويش هو اللي يمتنع وجوده (...)؟ الغلاة وصفوه بما يمتنع وجوده.
طالب: سلب النقيضين.
الشيخ: إي، سلب النقيضين، وصفوه بسلب النقيضين عنه، حيث قالوا: لا موجود ولا معدوم، لا حي ولا ميت، لا عالم ولا جاهل، (...) الصفات كلها هذه لكن المؤلف جاب أمثلة فقط؛ لأن الوجود أعم من الحياة والموت ولَّا لا؟ الوجود أعم من الحياة والموت (...)، تنطبق للشيء الموجود، وليس حيًّا ولا ميتًا مثل اللي ما يوصف بالحياة ولا الممات مثل الأحجار وشبهها، وقد يوصف بالحياة والموت ولكن ليس له روح مثل: الأشجار، وقد يوصف بالحياة والموت وله روح مثل بني آدم والحيوان (...).
يمكن يقولون أيضًا: لا سميع ولا أصم، لا بصير ولا أعمى ولَّا لا؟ لا فاعل ولا غير فاعل، يمكن يقولون هذا أيضًا، لكن كل هذه الأوصاف اللي يقول: إنه يمتنع وجوده.
(فضلًا عن الوجوب) شوف الله واجب الوجود أليس كذلك؟ لأنه يمتنع عدمه أزلًا وأبدًا، هم قالوا: لا موجود ولا معدوم، فنفوا عنه أن يكون واجب الوجود أو لا؟ نفوا أن يكون واجب الوجود بل زعموا أنه متصف بما يمتنع ببداهة العقول.
(فضلًا عن الوجوب أو الوجود) كيف أو الوجود؟ لأنهم ما يصفون الله بأنه موجود.
(أو القدم) لأنهم لا يصفون الله تعالى بأنه أول أو قديم، فسلبوا عنه النقيضين.
الذين حادوا وزاغوا عن سبيل الرسل وأتباعهم ينقسمون إلى ثلاثة فرق: هذه الفرقة الأولى وهم الغلاة الذين يسلبون عنه النقيضين ما هما؟ الوجود والعدم، الحياة والموت، العلم والجهل، السمع والصمم، وهكذا..
ما هي حجتهم؟ يقولون: إن أثبتنا له الصفة شبهناه بالموجدات، وإن نفينا عنه الصفة شبهناه بالمعدومات، إذن فلا نثبت ولا ننفي، نقول: لا موجود ولا غير موجود، لا معدوم ولا غير معدوم، ترى كلامي هذا مثل الأول ما يصح؛ لأن لا موجود ولا غير موجود، هو لا موجود ولا معدوم؛ لأن غير الموجود هو المعدوم، لكن اختلاف التعبير فالحاصل أنه يصير لا سميع ولا غير سميع، لا فاعل ولا غير فاعل، لا متكلم ولا غير متكلم.
(...) نقول لهم: إنكم لما فررتم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات وقعتم في تشبيهه بأي شيء؟ بالممتنعات اللي ما يمكن لأي عقل ببداهة العقول يعلم أن هذا أمر غير ممكن، وقد عُلم -كما قال المؤلف- بالاضطرار أن الموجود أو الوجود لا بد له من مُوجِد.
فنقول لهم: هل أنتم أيها الفلاسفة موجودون أم معدومون؟!
فسيقولون: موجودون أو معدومون؟
طلبة: موجودون.
الشيخ: موجودون، نقول: من الذي أوجدكم؟ يقولون: أوجدنا من ليس بموجود ولا غير موجود، هذا ممكن ذا ولَّا لا؟ غير ممكن (...)، يعني بالضرورة الرد عليهم ببداهة العقل وضرورة العلم.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد عُلم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات.
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا عِلْم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمْع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. ذكر المؤلف أن الذين حادوا وزاغوا عن طريق الرسل وأتباعهم ثلاثة أقسام، فالقسم الأول؟
طالب: سلبوا النقيضين.
الشيخ: سلبوا عنه النقيضين، فقالوا؟
طالب: لا حي ولا ميت، (...)، ولا عالم ولا جاهل.
الشيخ: ولا جاهل، لماذا سلبوا النقيضين؟ ليش قالوا: لا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل، ولا حي ولا ميت، ولا سميع ولا أصم؟
طالب: لئلا يشبهوه بمخلوق (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: إن أثبتنا له ذلك شبهناه بالموجودات، وإن نفينا ذلك شبهناه بالمعدومات.
الشيخ: شبهناه بالمعدومات أحسنت. يقولون: إن أثبتنا شبهناه بالموجود، وإن نفينا شبهناه بالمعدوم، إذن لا نثبت ولا ننفي.
هذه الشبهة هل يَرِد عليهم شبهة على طريقتهم شبهة مثلها أو لا يرد؟
أقول: هذه الشبهة اللي يحتجون بها هل يمكن أن نرد عليهم بها، ونقول: يلزمكم في طريقتكم هذه مثلما يلزمكم في الإثبات والنفي أو لا يمكن؟
طالب: (...) لا يمكن (...).
الشيخ: طيب إذن نقول: إذا كنتم تقولون: إن أثبتنا شبهناه بالموجود، وإن نفينا شبهناه بالمعدوم، أنتم الآن شبهتموه بأي شيء؟ بالشيء الممتنع اللي ما يمكن أبدًا وجوده ولا عدمه أيضًا، لا عدمه ولا وجوده، أنتم الآن شبهتموه بالذي يمتنع غاية الامتناع، ويش السبب أن هذا ممتنع غاية الامتناع؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) والنقيضان (...).
طالب: ممتنع.
الشيخ: ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، فكذلك نفي النقيضين ممتنع.
هنا وجه ثانٍ للرد عليهم، ذكره المؤلف، وجه آخر؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، فيه وجه ثانٍ (...) لا بأس لكن المؤلف ذكر وجهًا آخر.
طالب: أن هذا الوجود لا بد له من موجد.
الشيخ: زين، هذا الوجود لا بد له من موجد.
طالب: هذا الموجد هو الله.
الشيخ: والموجد هذا هو الله، فإذن يكون موجودًا ولَّا غير موجود؟
طالب: موجود.
الشيخ: يكون موجودًا، زين.
إذن نرد عليهم بوجهين يا جماعة، حطوا بالكم لهذه، لكن المؤلف مثلما قلت: كلامه ما هو بيعني نقطًا معينة مركبة؛ يعني أحيانًا طالب العلم يشكل عليه فيها لكن يرد عليهم كما قلت: إن قولكم: إن الله ليس موجودًا ولا معدومًا، ولا عالمًا ولا جاهلًا، ولا حيًّا ولا ميتًا، هذا ممتنع غاية الامتناع، كيف ذلك؟ لأنه سلْب للنقيضين، وسلْب النقيضين ممتنع كاجتماع النقيضين، هذا واحد.
ثانيًا: نقول: ألستم تقرون بوجودكم، وبوجود الشمس، والقمر، والنجوم، والأرض، والسماء؟ فسيقولون: بلى، نقر بذلك.
نقول: هذا الوجود لا بد له من مُوجِد، رب قديم، يتصرف فيه كما يشاء وهو الله، فلزم من هذا أن يكون الله موجودًا، وأن يُوصَف بالوجود.
يقول المؤلف: (قاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم) قارب من؟ قارب هؤلاء الغلاة الذين أنكروا أن يكون الله موجودًا أو معدومًا.
(قاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات، دون صفات الإثبات) يعني قالوا: إن الله تعالى موصوف بالسلب، وصفاته إما سلبية أو إضافية، وأما أن تكون ثبوتية وجودية فلا.
أقول: هؤلاء قالوا: إن الله تعالى موصوف بالسلوب والإضافات، السلوب جمع (سلْب)، وهو النفي، يعني إنما يُوصف بالنفي فقط، وإذا وجدت صفة مثبتة لله فهي على سبيل الإضافة لا على سبيل الإثبات والوجود.
فمثلًا يقولون: ما تصف بأن الله له سمع، ولكن قل: إن الله ليس بأصم، ما تقول: إن الله له سمع، فإن أثبت أن له سمعًا وجعلتها صفة ثبوتية فهي إضافية، ومعنى سمعه خلق السمع في غيره، فجعلوا مثلًا إذا قلت: سمع الله؛ يعني السمع الذي خلقه الله في غيره، في الإنسان له سمع في الحيوان وما أشبه ذلك.
فهم إذن يقولون: ليس لله صفة ثبوتية أبدًا، صفاته إما سلبية، ويش معنى سلبية؟ يعني منفية، وإما إضافية بمعنى أن إثباتها له بالإضافة إلى غيره.
يعني ما يمكن يوصف الله عندهم بأنه سميع، أي ذو سمْع في نفسه، ما يمكن هذا، لكن إذا أردت أن تصف الله بالسميع فقل: معناه ليس أصم، أردت أنك تثبت أنه سميع بمعنى ثبوت السمع له، لا تقل: إن السمع له، ولكن قل: إن السمع خلقُه خلَقَه في غيره، فإضافة السمع إلى الله إضافة مخلوق إلى خالق لا إضافة صفة إلى موصوفها.
يقول: (دون صفات الإثبات) فلا يثبتون لله صفة (وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق). (جعلوه) أي جعلوا الله (هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق) ويش معنى بشرط الإطلاق؟ يعني ليس مقيدًا بصفة، لكنهم يخالفون الأولين، الأولون يقولون: ليس مقيدًا بصفة لا ثبوتية ولا سلبية، وهؤلاء يقولون: ليس مقيدًا بصفة ثبوتية، هذا هو الفرق بين الطائفتين، هؤلاء طبعًا أهون من أولئك؛ لأن أولئك يسلبون عنه، يقولون: لا هو موجود ولا معدوم، ولا سميع ولا أصم، ولا عالم ولا جاهل، ولا حي ولا ميت.
ولكن هؤلاء لا، يقولون: ليس معدومًا، صحيح، ليس بأصم، ليس بجاهل، الصفات السلبية يقرون بها.
الصفات الثبوتية إذا أقروا بها ويش يجعلونها؟ مضافة يعني باعتبار المخلوق لا باعتبار أنها صفته، فيقولون: السمع إذا أثبتناه لله فالمعنى أنه خالق السمع في غيره، أما صفة ثبوتية له فهذا لا يمكن. إذن معناه تقول: الله موجود لكنه وجود مطلق، ويش معنى مطلق؟ يعني غير مقيد بصفة ثبوتية، بصفة سلبية ممكن ولَّا لا؟ ممكن.
وقد علم ردًّا عليهم (وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات) (قد عُلِم بصريح العقل) نسمع دائمًا كلمة صحيح النقل وصريح العقل، ويش معنى صحيح النقل؟ يعني النقل الصحيح الثابت، وصريح العقل يعني العقل الصريح، والصريح معناه الخالص من الشبهات والشهوات، العقل الصريح اللي ما فيه شبهة، ما عنده شبهة، عنده علم، ولا عنده إرادة سيئة، العقل الصريح هو العقل الخالي من الشبهات ومن الشهوات، وترى المراد بالعقل ذهن الإنسان؛ لأن ذهن الإنسان أحيانًا يعتريه شبهات ما يتبين له الحق، وأحيانًا يعتريه شهوات لا يريد الحق، يشتهي غير الحق.
فالعقل الصريح إذن هو السالم من الشبهات والشهوات؛ بمعنى أنه عالم، يعني عقل مبني على عِلْم وعلى إرادة حسنة.
يقول: (عُلم بطريق العقل) يعني بالعقل الصريح اللي ما خالطته الشبهات ولا الشهوات (أن هذا لا يكون إلا في الذهن) (هذا) الإشارة إلى الوجود المطلق بشرط الإطلاق؛ يعني كون الإنسان يتصور شيئًا موجودًا ما له صفة يمكن يتصور موجودًا (...)، لكن هل هذا باعتبار الموجود والحقيقة؟ أسألكم الآن سؤالًا مباشرًا، هل يمكن أن يوجد شيء مطلق من الصفة ما له صفة أبدًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن أبدًا، إذا وُجِد إما أن يكون طويلًا أو قصيرًا، أو ملونًا أو غير ملون، أو لينًا أو يابسًا، المهم لا بد أن يكون له صفة، أما أن تقول: يوجد شيء ما له صفة، هذا ما يمكن، لكن قد تتخيل في ذهنك أن شيئًا يوجد ولا صفة له، يمكن تتخيل مثل اللي (...) أنه يوجد شيء ما له صفة، ولكن ما يفرضه الذهن هل يمكن أن يكون كل ما يفرضه الذهن يوجد في الخارج ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، أنت ربما تفرض أنه يوجد إنسان له مئة رأس وهو واحد، أليس كذلك؟ أليس يمكن أن تفرض في ذهنك رجلًا ما له إلا رجل واحدة وله خمسون يدًا، وله (...)؟ ما يمكن هذا؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: لكن هل هو موجود في الخارج؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بموجود، يمكنك أنك تفرض أن إنسانًا يمشي على رأسه من القصيم إلى مكة، ما يمكن تفرض هذا؟
طالب: يمكن.
الشيخ: لكن هل يوجد؟
طالب: لا.
الشيخ: يمكن تفرض أن نملة تقتلع جبلًا من مكانه وتمشيه، يمكن ولَّا لا؟
طالب: يمكن.
الشيخ: قد تفرض هذا، ويكون أيضًا الرباط اللي بينها وبينه شعرات من أهداب العين، كل هذا يمكن فرضه لكن هل يوجد هذا في الخارج؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن ما يفرضه الذهن لا يلزم أن يكون موجودًا في الخارج.
فهؤلاء إذا كانت أذهانهم تصور لهم أن الرب سبحانه وتعالى ليس له صفة ثبوتية وإنما هو وجود مطلق بدون صفات، إذا كانت أذهانهم تفرض هذا فإننا نقول (...)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٨].
فيها صفتان ثبوتيتان ما هما؟ مَا أَسْخَطَ اللَّهَالسخط، وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُالرضا، فلله تعالى سخط ورضا، يليقان به، يليقان بالله عز وجل.
أقرأتم أنتم قبل هذا المثال أو قبل هذه المرحلة، قرأتم أن أهل التعطيل ينكرون أن الله يغضب، يقولون: ما يغضب، ويفسرون الغضب بأي شيء؟ بالانتقام أو بإرادته، ما يفسرون الغضب بصفة في نفس الله تقتضي الانتقام، لا، يقولون: الغضب هو الانتقام، وهذا خطأ، ليش؟ قال: لأن الغضب عبارة عن غليان دم القلب، يغلي دم القلب؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ» . فيقولون: إن الغضب غليان القلب؛ ولهذا تحمر العيون، وتنتفش الشعور.
نقول: هذا الغضب اللي أنتم فسرتموه غضب مَنْ؟ غضب المخلوق، أما غضب الله سبحانه وتعالى فإنه يليق به كسائر صفاته.
فيها إثبات السخط وإثبات الرضا.
وقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤].
فَسَوْفَهذه جواب لشرط في أول الآية وهي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ.
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُفيها إثبات صفة المحبة لله عز وجل.
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَويش معنى أذلة عليهم؟ يعني لا يستكبرون على المؤمنين، ولا يغضبون عليهم وإنما أذلة، أما على الكافرين فهم أَعِزَّةٍأقوياء أشداء مثلما وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩].
وقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: ٨].
في هذا أيضًا إثبات صفة الرضا لله عز وجل وقوله: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُويش معنى خشي؟ أي خافه مخافة صادرة عن علم؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨].
وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء: ٩٣].
هذا فيه وعيد (...) جهنم الخلود فيها، الغضب، اللعنة، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًاآخر الآية، خمس عقوبات لمن يقتل مؤمنًا متعمدًا، والشاهد من هذه الآية في هذا المقام قوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُفاللعنة من فعله، والغضب من (...)، فهو سبحانه وتعالى يغضب ويلعن، ويش معنى اللعنة؟ الطرد والإبعاد عن رحمة الله، أما الغضب فهو صفة (...) الله عز وجل تليق به، ليس كغضب المخلوقين.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ [غافر: ١٠] متى هذا النداء؟ يوم القيامة. لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْاللام هذه للابتداء، وتفيد التوكيد.
ويش معنى المقت؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب المقت معناه البغض أو أشد البغض لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُمَقْتُمضاف، واللَّهِمضاف إليه، وهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، أو من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؟ أنتم تتصورون المعنى زين؟ هل المصدر هنا مضاف إلى الفاعل ولَّا إلى المفعول؟
طالب: إلى الفاعل.
الشيخ: طيب نشوف، إلى الفاعل يصير المعنى لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون..
إذا كان مضافًا إلى مفعول يصير لمقتكم اللهَ -يعني بغضكم لله- حين تدعون إلى الإيمان فتكفرون أشد من مقتكم أنفسكم، المعنى الآن إذا قلنا: إنه مضاف إلى الفاعل صار لمقت الله إياكم؛ يعني بغض الله لكم أكبر من بغضكم أنفسكم، إذا كان مضافًا إلى مفعول يعني لبغضكم اللهَ، أنتم تبغضون الله أكبر من بغضكم أنفسكم.
متى هم أبغضوا أنفسهم؟ يوم القيامة إذا رأوا العذاب حينئذٍ لاموا أنفسهم على ما قدموا من الكفر، ينادَون توبيخًا، يقال: إن مقت الله إياكم حين دُعيتم إلى الإيمان فكفرتم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، والشاهد من هذه الآية في هذا المقام قوله: لَمَقْتُ اللَّهِ. وظاهر كلام ابن تيمية رحمة الله تعالى حينما استشهد بها على إثبات صفة الله أنها مضافة إلى الفاعل يعني يريد أن يثبت أن الله تعالى يمقت، يعني يبغض أشد البغض.
وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: ٢١٠]
هَلْاستفهام لكن بمعنى النفي ويَنْظُرُونَبمعنى ينتظرون، يعني ما ينتظر هؤلاء إلا هذا اليوم الذي يأتي به الله سبحانه وتعالى في ظلل من الغمام وهو يوم القيامة.
يأْتِيَهُمُ اللَّهُالفاعل فاعل يأتي من؟ الله، فإذن الآتي من؟ الله يأْتِيَهُمُ اللَّهُ، هذه صفة ثبوتية ولا سلبية؟ السلبية يعني النفي، هذه صفة ثبوتية، أثبت الله لنفسه الإتيان، ومر عليكم وأنتم تقرؤون في التوحيد في الثانوية أن أهل البدع يقولون: إن الله لا يأتي، ويش اللي يأتي؟ يأتيهم أمر الله، ولا شك أن هذا تحريف؛ لأنه إخراج للكلام عن ظاهره، فالله تعالى يقول: يأْتِيَهُمُ اللَّهُكيف نقول يأتيهم أمر الله؟ كناية هذه يأْتِيَهُمُ اللَّهُفيها إثبات للإتيان.
فِي ظُلَلٍجمع ظلة. مِنَ الْغَمَامِوهذا الغمام ورد في الحديث أنه غمام أبيض عظيم يملأ الأجواء كلها، وكما قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: ٢٥، ٢٦].
وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١].
ثُمَّيعني بعد خلق الأرض استوى إلى السماء، بمعنى قصد إلى السماء على وجه التمام والتنفيذ.
وقوله: وَهِيَ دُخَانٌجملة حالية، ويش معنى دُخَانٌ؟ أي مثل الدخان.
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِإثبات لقوله: فَقَالَ لَهَاإثبات القول، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ويش قال؟ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًاومعنى ائْتِيَاأي انقادا لأمره فـقَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
الشاهد في هذه الآية المؤلف أتى بها لإثبات أن الله يقول: وأهل السنة والجماعة كما مر عليكم يثبتون أن الله تعالى يتكلم ويقول بقول مسموع، بحروف ولَّا لا؟ بحروف لكن الصوت الذي يتكلم الله به لا يشبه أصوات المخلوقين أبدًا، ولا يمكن أن يشبه أصوات المخلوقين؛ لأن الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًاكَلَّمَفعل ماضٍ، واللَّهُفاعل، وتَكْلِيمًامصدر مؤكِّد، قال العلماء -علماء اللغة-: والتأكيد ينفي احتمال المجاز، يعني معناه إذا كانت الكلمة تحتمل المجاز، ثم أُكِّدت دل هذا على أنها ليست بمجاز، هنا: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًاتكليمًا مصدر مؤكِّد، مثلما إذا قلت: ضربته ضربًا، وكتبته كتابةً، وأخذته أخذًا، يعني معنى ذلك أن الكلام هنا حقيقة، أن الله كلم موسى كلامًا بحروف وأصوات؟ نعم، كلام حقيقي بحرف وصوت، سمعه موسى عليه الصلاة والسلام.
لاحظوا أن الذين ينكرون أن الله يتكلم من الجهمية وغيرهم ويش يفسرون الآية؟ يقولون: كَلَّمَ اللَّهُ.
طالب: كلم اللهَ.
الشيخ: لا، غير اللي بيحرفون لفظه، يبقون على لفظه يقولون: كلم اللهُ موسى، يقولون- ومنهم الزمخشري في تفسيره-: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىأي جرَّحه بمخالب الحكمة، ويش نتصور الله سبحانه وتعالى حين نقول: جرحه؟ يتصور على وجه لا يليق به، شوف الآن فروا من شيء يظنونه باطلًا إلى شيء أثقل منه، ويش معنى جرَّحه بمخالب الحكمة؟ ما لها معنى، يقولون: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح ومنه ما جاء في الحديث: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» .
لكن يقال: الكلم بمعنى الجرح صحيح لكن التكليم ليس بمعنى الجرح، وحتى ولو كان بمعنى الجرح فمنها ممتنع ممتنع أن الله (...).
فيه ناس حرفوا الآية لفظًا ويش قالوا فيها؟ (وكلَّم اللَّهَ موسى) علشان يكون المكلم موسى ولكنهم لو استطاعوا أن يحرفوا الكلمة هذه ما استطاعوا أن يحرفوا قول الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [لأعراف: ١٤٣] كَلَّمَهُ رَبُّهُ. يستطيعون يحرفون هذه؟ لا.
وقوله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢].
نَادَيْنَاهُنَجِيًّاالنداء هو ما كان بصوت عالٍ، والمناجاة ما كان بصوت أقل، واستدل المؤلف بهذا على أن الله تكلم بكلام مسموع إما مناداة وإما مناجاة وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا.
وقال: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْالفاعل الله، فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: ٦٢] وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، يتحداهم يقول: وين الشركاء؟ وين الأصنام اللي تعبدونهم مع الله؟ هل تنفعكم؟ لا، إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩].
وقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، هذا أيضًا فيه إثبات أن الله يقول بحرف: أَنْ يَقُولَ لَهُأين مقول القول؟ كُنْهذه حروف من الكاف والنون فَيَكُونُ.
وقال: وقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: ٢٣ - ٢٤].
لو أن المؤلف جاء بالآية التي قبل هذه ليكمل الآيات الثلاث.
طالب: (...).
الشيخ: عندكم؟
طالب: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر: ٢٢].
الشيخ: إي ما هي بعندي هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
طالب: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
الشيخ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِإي نعم، شوف هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
أولًا: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفيها إثبات الألوهية.
وعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِالعلم وعمومه.
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُإثبات الرحمة.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُإثبات الملك.
الْقُدُّوسُإثبات القدوسية، وهي الطهارة والتنزه عن كل قذر.
السَّلَامُبمعنى السلامة منين؟ من كل عيب ونقص.
الْمُؤْمِنُمعناها المصدق بمن؟ بكل ما هو حق؛ ولذلك هو تعالى يصدق برسالة رسله، ويصدق بكل ما وعد به من ثواب وعقاب.
الْمُهَيْمِنُمعنى الهيمنة معناها الحاكم الذي لا أحد يشاركه في حكمه.
الْعَزِيزُالغالب.
الْجَبَّارُمن الجبروت وهي القوة.
الْمُتَكَبِّرُمن التكبُّر، وهو الترفع والتعالي؛ ولهذا قال: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَتنزيهًا له عن هذه الأسماء التي أشركوا بها معه.
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُالْخَالِقُمعناه الموجِد للأشياء.
الْبَارِئُالذي خلقها على صفة معينة.
الْمُصَوِّرُلذات الصور على ما يريد سبحانه وتعالى.
لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىواللام هنا قدمت للاختصاص؛ أي ليس أحد له أسماء حسنى كاملة إلا الله.
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُإثبات العزة والحكمة. كل هذه الصفحة التي قرأناها كلها تتضمن أي شيء؟ الإثبات بالتفصيل.
قال المؤلف: (إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم)
أما قوله: (إلى أمثال هذه الآيات) فالذي أمامنا آيات لكن قوله: (والأحاديث) هنا (...) حديث؟ لا، ولهذا إما أنه سهو من المؤلف، أو يريد الأحاديث المتصورة في الذهن وإلا الحقيقة، ما مر علينا أحاديث لكن الأحاديث المتصوَّرة في الذهن، الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أسماء الله وصفاته.
يقول رحمه الله: (في أسماء الرب تعالى وصفاته فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل) صحيح ما قاله المؤلف في الآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من إثبات هذه الصفات ما هدى الله به عباده المؤمنين إلى سواء السبيل.
(فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) إذن طريقة الرسل يا جماعة وأنا يحسن لي أن تأخذوا عناوين لهذه الأشياء؛ لأن كلام الشيخ مرسل هكذا.
عناوين يمكن نأخذ عنوان الصفحة هذه والتي قبلها فنقول: طريقة الرسل وأتباعهم في صفات الله.
طالب: (...).
الشيخ: لا، من قوله: والله سبحانه وتعالى بعث رسله.
القاعدة هي أن طريقة الرسل التي بعثهم الله بها هي التفصيل في الإثبات، والإجمال في النفي ويش استثنينا؟ قلنا: إلا، ويش إلا؟ إلا ما كان ردًّا لصفة وُصِف بها من صفات العيب فإنه يقولها على وجه التفصيل، أو كان لبيان كمال صفة ثبوتية، أو قيل على سبيل المقابلة كما مر في الدرس الماضي، وهذه المقابلة في الحقيقة قد نستغني بقولنا: إنه ما قيل لإثبات صفة كمال (...)
أما بالأول الصفحة اللي قبل فهي أقسام الكلام إلى خبر وإنشاء، وأما الكلام في باب التوحيد والصفات من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في الشرع والقدر من باب الإنشاء الدائر بين التصديق والتكذيب والمحبة والكراهة.
طالب: القاعدة الأولى؟
الشيخ: إي، هي القاعدة الأولى.
فهمنا الآن طريقة السلف في باب أسماء الله وصفاته، ويش طريقتهم؟ التفصيل في الإثبات، ونُمثِّل لهذا بالآيات التي ذكرها المؤلف، والثاني: الإجمال في النفي مثل: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وما أشبه ذلك.
فصل: في الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم في أسماء الله وصفاته
01:11:13

قال المؤلف: (وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل فى هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان) إلى آخره.
لما ذكر المؤلف طريقة الرسل وأتباعهم عليهم الصلاة والسلام من التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي ذكر (من زاغ وحاد عن سبيلهم)، وزاغ وحاد معناهما متقارب، مترادف تقريبًا.
(عن سبيلهم) عن طريقهم.
(من الكفار والمشركين) الكافر أعم من المشرك؛ لأن المشرك كفره خاص باتخاذ الند لله عز وجل.
(والذين أوتوا الكتاب) من هم الذين أوتوا الكتاب؟ اليهود والنصارى.
(ومن دخل فى هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة) الصابئة يعني الصائبين، والصائبون قيل: إنهم المجوس الذين يعبدون النار، وقيل: إن الصابئين من لا دين له، كل من لا دين فهو صابئ.
(والمتفلسفة) يقال: فلاسفة، ويقال: متفلسفة، وأصل الفلسفة في اللغة اليونانية محبة الحكمة، فالفيلسوف عندهم محب الحكمة أو الحكيم، والفلاسفة عندهم الحكماء، يعني الحكماء في اللغة العربية، فالمتفلسف معناه المنتسب إلى الفلاسفة الذي ينحى منحاهم، وإن لم يكن منهم في كل ما يقولون؛ لأن الفلاسفة غالبهم كفار لكن فيه ناس ممن ينتسبون للإسلام تفلسفوا ويش معنى تفلسفوا يعني أخذوا من طرق الفلاسفة، أخذوا منهم، لكن ليسوا فلاسفة على الإطلاق، وأصل الفيلسوف معناه محب الحكمة أو الحكيم، هذا في اللغة اليونانية، ثم عُرِّبت ودخلت اللغة العربية.
وأما (الجهمية) فهم أتباع جهم بن صفوان، وجهم بن صفوان تلميذ للجعد بن درهم، والجعد بن درهم هو مؤسس طريقة الجهمية؛ لأنه -الجعد بن درهم- والعياذ بالله أول من قال بالتعطيل، وقال بالتعطيل كلمتين فقط، قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، فنفى المحبة ونفى الكلام، والمحبة والكلام في الحقيقة هما الشرع؛ لأن شرع الله (...) بوحيه، ووحيه كلامه، فإذا أبطل الكلام أبطل الشرْع، ومحبة الله تبارك وتعالى أيضًا ناتجة، أو ثمرة عبادته، فكل من تعبد لله على طريقة رسله فهو محبوب إلى الله.
الجعد بن درهم تعرفون أنه قتل من الذي قتله؟ خالد بن عبد الله القسري، قتله قتلة في الحقيقة ممتازة، يقولون: إنه خرج به مقيدًا في أغلاله إلى مصلى العيد، وكانت عادة الناس من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أن إمام المسجد يخرج بأضحيته إلى المصلى فيذبح أضحيته هناك، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى لأجل أن يكون تفريق اللحم على المساكين أمرًا ميسورًا.
فهذا الرجل خالد بن عبد الله القسري خرج بالجعد بن درهم مقيدًا في أغلاله وخطب الناس وقال: أما بعد، أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ لأنه قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه، فكانت أضحية مقبولة ومشكورة لكنها غير مأكولة ولَّا لا؟ غير مأكولة، إنما هي مقبولة ومشكورة، ولهذا يقول ابن القيم في النونية:
وَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدٌ الـ قَسْرِيُّ يَـــــــــوْمَ ذَبَائِــــــحِ الْقُــرْبَانِ
إِذْ قَـــالَ إِبْرَاهِيـــــــــمُ لَيْـــــسَ خَلِيـــــلَهُ كَلَّا وَلَا مُوسَى الْكَلِيمُ الدَّانِي
شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ لِلَّهِ دَرُّكَ مِـــــنْ أَخِـــي قُـــــــــــــــرْبَانِ

وصحيح أن التضحية بمثل هذا هي عند الله وعند عباده أحب من أن يضحي بملء الأرض من المواشي؛ لأنها قطع للبدع، لكن مع الأسف أنه تتلمذ على يد هذا الرجل الخيبث الجهم بن صفوان، وهو الذي نشر هذا المذهب، لما نشره بين الناس صار ينسب إليه، فيقال: الجهمية، وكان الأصل أن يقال: الجعدية، لكن نظرًا إلى أن ذاك لم يستقم له الأمر ما نسب إليه انتشر على يد هذا نسأل الله السلامة.

***

(...) التفصيل في الإثبات، ووجه الإجمال في النفي، وساق المؤلف الآيات الكثيرة الدالة على ذلك تفصيلًا في الإثبات وإجمالًا في النفي.
ثم قال: (من زاغ وحاد عن سبيلهم من هؤلاء الأصناف الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة، والباطنية ونحوهم)
وتقدم الكلام على بعض هؤلاء الطوائف، وانتهينا إلى القرامطة والباطنية.
(والقرامطة والباطنية) هؤلاء بنوا طريقتهم على أن النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لها ظواهر ولها بواطن، فالظواهر يُخاطَب بها عامة الناس، والبواطن يُخاطَب بها الخاصة من الناس، فجعلوا للشرع ظهرًا وبطنًا؛ ولهذا سموا باطنية، وقالوا: في مسألة الأصول: إن هذه النصوص الدالة على وجود الجنة والنار والرب وما غير ذلك، كلها لا حقيقة لها في الواقع، ولكن خُوطِب بها العامة لإقامة أحوالهم، وكذلك بالنسبة للصلوات، والصيام، والزكاة، وما إليها، قالوا: هذه أيضًا إنما هي تشريعات لمن؟ للعامة فقط، وهذه ظواهر النصوص لكن الخواص منا ليس لهم هذه الظواهر، وإنما لهم بواطن النصوص، وهي أن كل هذا شيء لا حقيقة له حتى إن الصلاة يقولون: إنها ليست هي الصلاة الشرعية المعروفة ذات الركوع والسجود، لكن الصلاة معرفة أسرار مشائخنا، والصيام هو عبارة عن كتمان أسرارهم؛ لأن الصيام الإمساك فمعناه أن تمسك عن بيان أسرارهم التي هم عليها، والحج ليس قصد مكة، ولكنه قصد مشائخهم وأوليائهم؛ ولهذا سموا قرامطة نسبة إلى رجل يقال له: حمدان قرمط، وقيل لهم: باطنية نسبة إلى مذهبهم، وهم يسمون بغير هذه الأسماء لكنهم هذا مدار على أن للنصوص ظواهر وبواطن، فالظواهر يُخاطب بها مَنْ؟ يخاطب بها العامة، وتبقى على ظواهرها، والبواطن إنما يُخاطَب بها الخاصة ولا يعلمها إلا الخاصة فقط.
هؤلاء المنحرفون يقول: (فإنهم على ضد ذلك) (ضد ذلك) المشار إليه ما هو؟ طريقة أهل السنة وأتباعهم.
(يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل) السلب بمعنى النفي، هذا معنى السلب، فمعنى (بالصفات السلبية) أي بصفات النفي (على وجه التفصيل) يقولون مثلًا: لا هو كذا، ولا هو كذا، ولا هو كذا، ولا هو كذا، يُفصِّلون، هم يقولون: إن الله ليس بجوهر، ولا عَرَض، ولا جسم، ولا متصف بالحوادث، ولا يفعل، ولا ينزل، ولا يستوي على العرش إلى آخره.
(ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان) يعني هم لا يُثبتون الإله سبحانه وتعالى إلا أنه وجود مطلق، المراد بالوجود المطلق هنا الذي لا يتصف بصفات، وجود مطلق يعني لا صفات له غير مقيد بصفة، المراد بالوجود المطلق هنا الذي ليس مقيدًا بصفة، لا بسمع، ولا بصر، ولا علم، ولا حكمة، ولا عزة، ولا شيء، وجود مطلق.
المؤلف يقول: (لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجوده في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان). والوجود الذهني غير الوجود العيني، الوجود الذهني معناه أن يفرض الذهن شيئًا ولكنه لا يمكن أن يوجد في الخارج.
ذهن الإنسان قد يفرض أن شيئًا موجودًا ولا له صفات، ولَّا لا؟ يعني قد تتخيل أن فيه شيئًا موجودًا ما له سمع ولا بصر، ولا قوة ولا قُدرة ولا عزة ولا حكمة يمكن نفرض هذا، لكن هل يمكن أن يوجد شيء لا صفة له؟ أبدًا، ليش؟ لأن أقل ما يقال: إن فيه صفة الوجود، ما دام موجودًا معناه أن صفة الوجود ثابتة فيه، ففرض أمر لا صفة له ثبوتية هذا يقول المؤلف: (يمتنع تحققه في الأعيان) فالفرق بين الوجود العيني والوجود الذهبي أن الوجود الذهني ما يقدره الذهن وإن كان يمتنع وجوده، وأما الوجود العيني فهو ما وُجد بالفعل. هذا الفرق.
قال: (فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات).
هم يصفونه مثلما قال المؤلف بالمممتنِعات وبالمعدومات وبالجمادات، ثم يعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات، مثال ذلك مثلًا إذا قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يُوصف بأنه موجود ولا معدوم؛ يعني ما يمكن تقول: الله موجود ولا معدوم، ويش معنى ذلك؟ ممتنع ولَّا لا؟ ممتنع غاية الامتناع؛ لأن كل شيء فإنه إما موجود وإما معدوم، وإذا قالوا: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا متصل بالعالم ولا منفصلًا عنه، ويش يصير هذا، ممتنع ولَّا لا؟ هم يصفونه بهذه الأوصاف كما سيذكره المؤلف قريبًا إن شاء الله.
إذن يصفونه بالممتنعات وبالمعدومات؛ لأن كل ممتنع فهو معدوم، كذلك يصفونه بالجمادات، إذا قالوا: إن الله ليس له حياة، ولا علم، ولا سمع، ولا بصر، ولا يفعل، ولا ينزل، ولا يأتي، ولا يغضب، ولا يرضى، إلى آخره ويش يصير هذا؟ شبَّهوه بأي شيء؟ شبهوه بالجماد الذي هو عبارة عن تمثال فقط؛ ولهذا قال المؤلف: (إن قولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل)؛ لأنهم إذا وصفوه بهذه الأوصاف السلبية مثلوه بأشياء لا يمكن قبولها كالجمادات والممتنعات.
(يُعطِّلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات)؛ لأنهم إذا عطلوا كل صفة، يا جماعة، فيه ناس يعطلون وصف الله بأي صفة، ويش يستلزم هنا؟ نفي الذات؛ لأنه مستحيل أن يوجِد ذات بدون صفة، فإذا نفوا كل صفة عن الله فإن قولهم هذا يستلزم نفي الذات، فوجود ذات بدون صفة لا يمكن أن يتحقق في الأعيان، نعم، ربما تفرضه الأذهان ولكن ليس كل ما تفرضه الأذهان يكون واقعًا في الأعيان، أليس كذلك؟ فلاحظوا أن (...) المستحيل ولكنه لا يمكن أن يقع في الأعيان، أليس ذهنك يمكن أن يفرض أن تنقسم أنت ألف واحد؟
ربما يفرض أنك تنقسم ألف واحد، ذلك (...) نائم في فراشك واحد (...) ألف واحد (...) يمكن يفرض مثل هذا لكن هل له وجود؟ ما له وجود، فالفرض الذهني غير الوجود العيني، فهم يفرضون أشياء ما يمكن توجد في الأعيان، فإذا قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يوصف بصفات ثبوتية أبدًا، أي صفة فيها إثبات فالله تعالى ممتنع عليها إطلاقًا ويش معنى هذا؟ معناه نفي الذات، إذا قالوا: ما يمكن تقول: إن الله حي، ولا موجود، ولا معدوم، ولا متصف بصفات الكمال معنى ذلك أنه معدوم؛ ولهذا يقول المؤلف: (إنهم يعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات).
الآن المؤلف بدأ بالفِرَق، بدأ بالأشد (...) هؤلاء الآن، حطوا رقمًا، فغلاتهم هذا رقم واحد، بعدين (وقاربهم طائفة)، ثم (وقاربهم طائفة أخرى) ثلاثة.
(فغلاتهم) خلوها رقم واحد، ويش عندك؟
طالب: إذن ما يقبلون (...).
الشيخ: لا، طبعًا (...) قلنا: إنهم يقولون: إن الشرع له ظاهر وباطن.
طالب: (...)؟
الشيخ: أبدًا، هم ما يعملون، هم لا يصلون، ولا يصومون، ولا يزكون، ولا شيء أبدًا، وحتى إنهم يستحلون نكاح المحارم ويقولون في أشعارهم وخطبهم: كيف تحرم المرأة على أبيها الذي رباها وتحل للأجنبي الذي لا يعرفها؟ وما أشبه ذلك من المنكرات.
وأنا أقول: موجود الآن في أفريقيا من يقول كذلك، إي، موجود الآن في أفريقيا طوائف مشايخهم يبيحون للإنسان أن يتزوج ما شاء حتى إني سمعت أن بعض المشايخ عندهم يتزوج خمسين امرأة، ويبيح له أيضًا أن يتزوج أخته إذا رغبها، يعني هذا شيء موجود.
استمعوا الآن إلى هؤلاء الطوائف الذين أجملهم المؤلف قال: (فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين) غلاتهم، غلاة مَنْ؟ غلاة هؤلاء الطوائف من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة، والباطنية، وغيرهم.
(غلاتهم يسلبون عنه) يسلبون بمعنى ينفون (عنه) عن الله، (النقيضين) ويجب هنا أن نحدثكم عن النسبة بين الأشياء، تنقسم إلى أقسام:
أولًا: نسبة التناقص؛ بمعنى أن يكون الشيئان نقيضين، معنى النقيضين هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ بمعنى مُحال اجتماعهما، ومُحال ارتفاعهما، هذان النقيضان، لا يجتمعان، ولا يرتفعان، مثال ذلك: الحركة والسكون، هذان نقيضان، لا يجتمعان بمعنى لا يمكن أن يكون الشيء متحركًا ساكنًا أو لا؟ لأنه إذا كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك..