(...) مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى الوجود والممكن من (...) أنه ليس بقابل له؛
لأن حقيقة الأمر أن كون الشيء ليس قابلًا للشيء أعظم امتناعًا من أن يكون قابلًا
(...)، وترى هذا الكلام إنما هو في أي شيء؟ في الوجود والعدم، أما في الجهل والعلم
والحياة والموت والسمع والصمم؛ فهذه ليست كالوجود والعدم يا جماعة؛ لأنه يوجد أشياء
غير موصوفة بهذه الصفات؛ لأنها لا تملكها، وليس من ملكتها أن تكون سميعة أو
بصيرة.
قال المؤلف رحمه الله: (وحينئذٍ فنفيهما مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى
الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلًا وجب له).
يعني كلام المؤلف
رحمه الله: (ما جاز لواجب الوجود) واعلموا أنه ليس عندنا شيء واجب الوجود
إلا الله، إذا كان الشيء ممكنًا وهو قابل له صار واجبًا في الأصل؛ ولهذا قال
المؤلف: (وجب له) كل شيء ممكن في حق الله طبعًا من صفات الكمال يكون حينئذٍ
واجبًا له؛ فالحياة إذا قلنا: إنها ممكنة في حق الخالق، ويش تكون؟ واجبة، السمع إذا
قلنا: إنه ممكن؛ واجب.
ونحن فهمنا مما سبق أن الغلاة وشبههم يقولون: إن السمع
ممكن في حق الله ولَّا غير ممكن؟ غير ممكن؛ لأنهم بالطبع يسلبون عنه الصفات، لكن
إحنا نقول: قرر المؤلف أن هذا أمر ممكن، وإذا كان ممكنًا وهو صفة كمال كان واجبًا
له.
قال: (لعدم توقف صفاته على غيره) المعنى أن صفات الله عز وجل إذا
كان قابلًا لها وهي كمال فإنها تتعين له ليش؟ قال: (لعدم توقف صفاته على
غيره) يعني أن صفاته من لوازم ذاته بخلاف غير الخالق غير واجب الوجود فإن صفاته
تتوقف على غيره، فالإنسان حي لكن من جعل الحياة فيه؟ الله، إذن فحياته حادثة متوقفة
على مُحدِث له، لكن حياته واجب الوجود، وسمعه واجب الوجود، وبصره واجب الوجود،
تتوقف على غيره ولَّا لا؟ ما تتوقف، فإذا كان واجب الوجود لزم أن تكون صفاته كذلك
واجبة الوجود.
(فإذا جاز القبول وجب) (إذا جاز القبول) طبعًا
بالنسبة لواجب الوجود (وجب) أي: وجب القبول.
(وإذا جاز وجود القبول
وجب) كيف (إذا جاز القبول وإذا جاز وجود القبول)؟ هو بينهما فرق؟ إي
نعم، إذا جاز القبول ولكن ما وُجِد؛ لأن الشيء قد يكون قابلًا لهذه الصفة لكن لا
تُوجَد فيه، لكن بالنسبة لواجب الوجود إذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود القبول
وجب أيضًا.
(وقد بسط هذا في موضع آخر وبُيِّن وجوب اتصافه) أي الخالق، وهو واجب
الوجود (بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه).
في الحقيقة أن
كلام المؤلف هذا الأخير فيه نوع من التناقض مع ما قبله؛ ولهذا أنا رأيي أن (...)
هذه النقطة، ونمشي على النسخة اللي عندكم (...) إلى آخره؛ لأنه فيه من التناقض لما
قبله ونقتصر على قوله: (وهذا غاية التناقض والإفساد، ثم نقول: وقيل له
أيضًا).
(وقيل له أيضًا): (قيل له)، لمن؟ (لمن ينكر اتصاف
الله بالوجود والعدم، ويقول: لا موجود ولا معدوم).
(قيل له أيضًا: اتفاق
المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة
السمعيات والعقليات، وإنما نَفَتْ ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما
يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في
شيء من خصائصه).
اتفاق المسميين في الاسم لا يقتضي تماثلهما، وهذا أظن مر
علينا من قبل، وذكر المؤلف له أمثلة كثيرة؛ فالإنسان سميع والله سميع، ولكن ليس
السمع كالسمع، وهكذا، لكن الممتنع هو أن يجعل المعنى الذي للإنسان مثل المعنى الذي
لله ويكون ما يختص بهذا مثل ما يختص بهذا.
فيقول المؤلف: (وإنما نفت ما
يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه).
الحياة بالنسبة للخالق واجبة ولَّا لا؟
طلبة: واجبة.
الشيخ: وبالنسبة للمخلوق جائزة، ما هي بواجبة، حياة
المخلوق جائزة؛ ولهذا حدثت بعد العدم، وستُعدم بعد الوجود هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١].
***
الطالب: (...) وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويهٌ على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مُبطِل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس؛ ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة.وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة. فليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا، فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا، فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.
قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبًا ممتنعًا، وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا هو معنى كونه قادرًا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالمًا قادرًا، فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم إنه متناقض، فإنه إن جوز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحدًا بالعين لا بالنوع، وحينئذٍ فإن كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق يعلم بعدم وجوده، ويوجد بعد عدمه هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل العدم.
وإذا قدر هذا كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه، وكل تجسيم، وكل نقص، وكل عيب كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذٍ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير.
وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئًا فرارًا مما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرَّ منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجودًا واجبًا قديمًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلًا لخلقه فيقال له: هكذا القول في جمع الصفات وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل على قَدْرٍ تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فُهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا في بيان بُطلان القائلين بأن الله تعالى لا يُوصَف بنفي ولا بإثبات، وأن الذين قالوا هذا واعتلوا لقولهم؛ بأن نفي النفي والإثبات فيما لا يقبل أمر ممكن أو لا؟ نفي النفي والإثبات فيما لا يقبل أمر ممكن كنفي الجهل والعِلم عن الجماد والشجر وما أشبه، وأنهم أُجِيبوا على ذلك بجوابين؛ أحدهما: أن هذا الذي قالوه لا يمكن في باب الوجود والعدم؛ لأن تقابل الوجود والعدم ليس تقابل ملكة وعدم ولكنه تقابل غيب وإيجاب؛ بمعنى أنه إذا سُلب أحدهما لا بد من وجود الآخر، وإذا وُجِد أحدهما لا بد من انتفاء الآخر.
وجواب آخر: قلنا لهم: إذا قلتم: إن الله تعالى لا يقبل أن يتصف بهذه الصفات فإن هذا أعظم امتناعًا، وأشد فاسدًا، ثم إذا قيل: إنه يقبل ولكنها لم تكن فيه.
وذهب المؤلف مثلًا أو نحن بيناه بمثل أن يقال: الجدار لا يسمع، والأصم لا يسمع، وأن نفي السمع عن الأصم أهون من نفيه عن الجدار؛ لأن معنى ذلك أن الأصم يمكن أن يكون متصفًا بصفة السمع التي هي صفة كمال، وأما الجدار فلا يمكن أن يكون متصفًا بصفة السمع التي هي صفة كمال، وعلى هذا فإذا قالوا: إن الله سبحانه وتعالى ليس بقادر أن يُوصَف بذلك قلنا: هذا أشد امتناعًا وأشد تنقُّصًا لله عز وجل.
يقال أيضًا: وبين المؤلف فيما سبق؛ لأنه شرحناه، اتفاق المسميين في الاسم لا يدل على اتفاقهما فيما يختص به كل واحد، وضرب المؤلف أمثالًا كثيرة في أول هذا الكتاب.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال).
طالب: (...).
الشيخ: يقال للباطني، ويقال لغيره أيضًا: كل من نفى شيئًا يجب إثباته حتى الأشاعرة نقول لهم هذا الكلام، وحتى المعتزلي نقول هذا الكلام.
وأما ما نفيته يعني أيها المعطل، أو أيها النافي، أيًّا كان نفيه سواء كان نفيًا كليًّا، أو نفيًا جزئيًّا، وسواء كان نفيًا لما يمكن أو لما لا يمكن، يقول: (فهو ثابت بالشرع والعقل)، أما ثبوت هذه الصفات بالشرع وهذه الأسماء بالشرع فهذا أكثر من أن يحصر، وما أكثر الأدلة الدالة على ثبوت أسماء الله وصفاته.
وأما ثبوت ذلك بالعقل فقد سبق أن الأشعرية يثبتون من الصفات سبعًا بالعقل، ويوافقون أهل السنة والجماعة في ذلك.
وسبق أيضًا أن أهل السنة والجماعة يُثبتون ما نفاه الأشعرية بالعقل أيضًا، فيقولون: إن دلالة العقل على ما نفيتم، أو على بعضه على الأقل أعظم من دلالة ما ذكرتم مثل الرحمة والحكمة وما أشبه ذلك.
يقول (...): (فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال).
يعني كونك تقول: اللي يثبت أن الله استوى على العرش مُجَسِّم، اللي يثبت أن لله يدًا حقيقية مُمثِّل، هذا في الحقيقة إذا سمعه جاهل عامي ويش يظنه؟ يظنه صحيحًا، يُموِّه عليه بهذا الكلام؛ ولهذا من جملة العبارات المشهورة عندهم: إن الله مُنزَّه عن الأغراض، والأبعاد، والأعراض. اللي يسمع ها الكلام يقول: والله هذا كلام حلو طيب، مُنزَّه عن الأغراض والأبعاد والأعراض. الأبعاد يريدون بذلك اليد والوجه والعين وما أشبهها، والأغراض بالغين يريدون بذلك نفي الحكمة عن الله، والأعراض جميع الصفات، مثل النزول، والاستواء على العرش، والضحك، والغضب، والرضا، وما إلى ذلك، يقول: هذه أعراض تحدث وتزول والله تعالى مُنزَّه عن هذه الأشياء، عندما يقرأ العامي مثل هذا الكلام يقول: هذا هو الحق لكنه تمويه كما قال المؤلف: (تمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسَمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه).
طالب: الأعراض (...)؟
الشيخ: الأغراض بالغين.
طالب: الأعراض.
الشيخ: إي، والأغراض والأبعاد.
قال: (الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسَمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه) بهذا الاسم يشير إلى التمثيل والتجسيم، فهم يظنون أن كل معنى سماه الإنسان تمثيلًا أو سماه تجسيمًا فإنه يجب نفيه.
(ولو ساغ هذا لكان كل معطِّل يُسمِّي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليُكذِّب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل).
(لو ساغ هذا) أي لو جاز أن نقول: كل شيء يخالف ما نرى ما له وجود عين، لو كان كل واحد يريد أن ينفر الناس (...) قولهم: بالعيب، الآن أهل السنة والجماعة عند أهل التعطيل ويش يسمون؟ يسمون مُشبِّهة، وأهل السنة والجماعة عند أهل التشبيه يُسمَّون معطلة، يقول: أنتم عطلتم النصوص، والواجب إثبات النصوص على التشبيه مثلًا.
قال: (وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة).
(بهذه الطريقة) ما هي هذه الطريقة؟ طريقة التمويه والدجل وتشويه الحقائق. أفسدت الملاحدة على الناس عقولهم وأديانهم حتى صاروا متشككين في الدين، وفي العقيدة السليمة، وهذا لا يزال الآن موجودًا بالنسبة للملل؛ حتى الآن النصارى مثلًا يُشكِّكون على المسلمين فيما يتعلق بأحكام الإسلام، وكذلك اليهود، وكذلك الملاحدة كلهم يُشبهون بمثل هذا التمويهات والعبارات التي يظنها (...).
وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم، والقدرة، والإرادة مستلزِم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنِع.
لاحظوا أيضًا هذا طريق آخر لنفاة الصفات، الطريق الأول اللي ذكره المؤلف أنه تشبيه وتمثيل، طريق ثانٍ يقولون: إثبات العلم والقدرة والإرادة؛ يعني وغيرها من الصفات مستلزِم تعدد الصفات، أن يكون الموصوف له علم وقدرة، وإرادة، وسمع، وبصر، وحياة، وما أشبه ذلك.
وهذا تركيب ممتنع تركيب، ويش معنى تركيب؟ يعني معناه أنك الآن لما أثبت ثلاث صفات ركبت كل صفة مع الأخرى في موصوف واحد.
قالوا: وهذا يستلزم تعدد القدماء بناءً على أن تعدد الصفات يلزم منه تعدد الموصوف، فيلزم من هذا أن تتعدد الآلهة، وهذا ضد التوحيد.
يقول المؤلف: (نقول لهم: وإذا قلتم هو موجود واجب) ما هو بيصفون الله بأنه موجود؟ ويصفونه بأنه واجب الوجود.
كذلك بعضهم يصف الله بأنه عقل وعاقل ومعقول، يقولون: الله عقل؛ ولهذا يرون أن اللي يدبر الخلق هو العقل، بس عاد ما قال الإلكتروني؛ لأن الإلكتروني ما ظهر إلا أخيرًا، لكن عندهم أن اللي يدبر الخلق عقل، ويقولون أيضًا مع ذلك: هو عاقل، عقل عاقل، ومعقول بالنسبة لغيره، عقل عاقل معقول، هذا تركيب ولَّا لا؟ تركيب.
بعضهم يقول: عاشق ومعشوق، وهؤلاء غُلاة الصوفية الذين يصفون الله بالعشق، يقولون: إنه عاشق؛ يعني لأوليائه، ومعشوق منين؟ من أوليائه، ولذيذ وملتذ ولذة، هذا أيضًا عند بعض الصوفية؛ لأن كلمة العشق واللذة وما إلى ذلك هذا من غلاة الصوفية، يقولون: إن الله تعالى موصوف بهذه الصفات.
يقول شيخ الإسلام: نقول لهم: إذا قلتم هذا أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ المفهوم مما قلتم هو مفهوم مما نفيتم؟ ويش الجواب؟ بلى، الجواب أن المفهوم من هذا أنتم الآن ركبتم واجب الوجود من كونه موجودًا واجب الوجود، من كونه عقلًا وعاقلًا ومعقولًا، من كونه عاشقًا ومعشوقًا، من كونه لذيذًا وملتذًّا ولذة، هذه تركيبات، ومع ذلك أنتم مُقِرُّون بها، فالذي يفهم من هذا الذي ذكرتم هو الذي يُفهم مما ذكرنا، فإن كان ما ذكرتم حقًّا لا يلزم التركيب، فما ذكرناه كذلك، وإن كان ما ذكرناه موجبًا للتركيب وليس بحق فما ذكرتموه أيضًا موجب بالتركيب وليس بحق. فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا.
في الحقيقة هذا كلام المؤلف، ورده عليهم فيما يقولونه وما يعتقدونه، وبالنسبة للرد المعقول البسيط أن نقول: من المعلوم أن تعدد الصفات لا يستلزم التركيب، ولا يستلزم التعدد، فأنتم بأنفسكم نصف الواحد منكم بأنه حي، وبأنه عالِم، وبأنه قادر، وبأنه مبصِر، وبأنه سامع، فهل إذا قلنا للواحد منكم: بهذه الصفات يلزم أن يكون شخصًا مركبًّا من أشخاص ولَّا لا؟ عقلًا لا، عقلًا وواقعًا.
فإذن إذا كان تعدد الصفات في المخلوق لا يلزم منه تعدد الذات ولا التركيب، ويش الخالق؟ من باب أولى، وكل إنسان يعرف أننا نصف الإنسان بأنه طويل، أو قصير، أبيض، أو أسود، وبأنه قوي، أو ضعيف، وقادر، أو عاجز إلى آخره، ومع ذلك لا يلزم منه تعدد ولا تركيب.
هذا الجواب اللي ذكرناه الأخير، هذا جواب معقول وبسيط، لكن عَدَلَ المؤلف عنه لماذا؟ ليخاطبهم بما يثبتونه فيقول: أنتم الآن تُثبتون للخالق صفات متعددة ومع ذلك تسمونه توحيدًا لا تركيبًا.
(فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة، وليس هذا تركيبًا ممتنعًا قلنا لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة; وليس هو تركيبًا ممتنعًا) أليس كذلك؟ فجوابنا عليهم كجوابهم لنا.
وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالِمًا هو معنى كونه قادرًا صح ولَّا لا؟
العالم متصف بالعلم، والقادر متصف بالقدرة، وكم من إنسان قادر وهو جاهل، وكم من إنسان عالم وهو عاجز.
وأيضًا ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالِمًا قادرًا، صحيح؛ لأن كونه عالِمًا قادرًا حال زائدة على الذات ولَّا لا؟ لأننا نفرض بل (...) أن توجد ذات لا عالمة ولا قادرة.
فليس كون الشيء هو الشيء هو نفس كونه عالِمًا قادرًا؛ إذ إن كونه عالِمًا قادرًا حال أو إن شئتم قولوا: وصف زائد على مجرد الذات.
قال: (فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة) اللي يقول: إن الصفة هي عين الموصوف هذا مسفسِط؛ لأنه أنكر الحقائق. وقلت لكم فيما سبق: إن السفسطائية هم الذين ينكرون الحقائق المعلومة بالحس، حتى إن الواحد منهم ربما يُنكر نفسه، فاللي يزعم أن نفس الصفة هي الموصوف ويش نقول لهذا الرجل؟ مسفسط في العقليات التي ليس أوضح منها.
والسبب أنهم قالوا: إن تعدد الصفات يستلزم التركيب، وهو ضد التوحيد؛ لأنهم يرون أن الصفة هي عين الموصوف، فلو قلنا: عالم؛ فهذه ذات، قادر؛ هذه ذات، سميع؛ هذه ذات، بصير؛ هذه ذات، (...) إذا وصفنا الخالق بأربع صفات كم يكون من واحد؟ أربع، وهذا القول الذي قالوه لا شك أنه باطل، ولا (...)، وهو كما قال المؤلف: سفسطة، إنكار للحقائق المعلومة بالحس.
يقول: (ثم إنه متناقض، فإنه إن جوز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا). يعني هو متناقض اللي يقول: إن الصفة هي الموصوف متناقض، كيف ذلك؟ يقول: فإنه إن جوز ذلك؛ أي جوز أن تكون الصفة هي الموصوف جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا فيكون الوجود واحدًا بالعين لا بالنوع، صحيح.
يلزم إذا ادَّعى أن الصفة عين الموصوف أن يكون وجود فلان هو وجود فلان، وإذا كانت الصفة عين الموصوف صار فلان هو فلانًا، إذا جوز أن تكون الصفة عين الموصوف، ويش لزم المجوز؟ أن الصفة بالنسبة لموصوفاتها صفة واحدة مهما كانت في الموصوفين، فيكون وجود هذا الشخص هو وجود هذا الشخص بل وجود الخالق هو وجود المخلوق.
وإذا قلنا: إن الصفة هي الموصوف، وقلنا: إن وجود هذا هو وجود هذا؛ لزم أن يكون عين هذا هو عين هذا، فيكون الموجود واحدًا بالعين لا بالنوع، واحدًا بالعين لا بالنوع؛ يعني فأنا أنت، وأنت أنا، وصاحب الحمار هو الحمار، والحمار هو صاحب الحمار، يعني هذا أهل وحدة الوجود هذا مذهبهم يقولون: الخالق والمخلوق شيء واحد، والذكر والأنثى شيء واحد، والحيوان البهيم والإنسان شيء واحد، لاحظوا العقول يعني تتفاوت خلال (...).
المهم أننا نقول لهذا الرجل: قد يُجَوَّز أن تكون الصفة هي عين الموصوف. نقول: إذا جوزت هذا لزم أن تجعل وجود هذا الشيء هو وجود هذا الشيء، وإذا جعلت وجود هذا الشيء هو وجود هذا الشيء فأنت تقول: إن الصفة عين الموصوف، ويش يلزم؟ أن يكون عين هذا الشيء هو عين الشيء الآخر، فيكون الموجود واحدًا بالعين لا بالنوع، وأظنكم تعرفون الفرق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع؛ الواحد بالنوع، مثلًا الآدمي نوع من المخلوقات، يصح أن نقول: واحد بالنوع ولَّا ما يصح؟ يصح، بالنسبة للأنواع الأخرى هو واحد، نوع واحد آدمي، وذاك نوع ثانٍ بعير، ذاك نوع ثالث بقرة، ذاك نوع رابع (...) وهكذا.
لكن الواحد بالعين أن تكون المخلوقات كلها واحد بالعين لا يمكن هذا، إلا على رأي من؟ على رأي وحدة الوجود؛ ولهذا يقول المؤلف: (وحينئذٍ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق يُعدم بعدم وجوده، ويوجد بعد عدمه).
إذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، الممكن عندهم المخلوق، والواجب الخالق، إذا قلنا: إن الوجود شيء واحد، وأنه يلزم من اتحاد الوجود، اتحاد الموجود في عينه ولا في نوعه، اتحاده في عينه ويش لزم يقول: (فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق يعدم بعد وجوده).
طالب: (...).
الشيخ: ما هي موجودة (...) (كان وجود كل مخلوق يعدم بعد وجوده) هذا الظاهر، ويوجد بعد عدمه بدليل ما بعده كان وجود كل مخلوق يعدم بعد وجوده.
طالب: بعد وجوده (...).
الشيخ: إي، كل مخلوق يُعدم بعد وجوده، ولعل هذا (...).
طالب: (...).
الشيخ: لا، عندنا يُعدم بعدم وجوده، كل مخلوق يُعدم بعد وجوده، ويوجد -أي وجوده- بعد عدمه، هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل العدم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الآن مستقيمة العبارة الثانية، ويوجد بعد عدمه مستقيمة، الآن وصلنا إلى أن الوجود واحد بالنسبة لمن للمكن والواجب، إذا كان الوجود واحدًا بالنسبة للمكن والواجب صار وجود الإنسان بعد عدمه ثابتًا؛ لأن الواجب (...) لا يعدم، وكان وجود الإنسان قبل أن يوجد ثابتًا ما دمنا نقول: إن الوجود شيء واحد؛ لزم أن يكون الإنسان معدومًا موجودًا قبل موته، وموجودًا بعد أن يموت؛ لأننا نقول: إن صفة الوجود والموجود شيء واحد بالعين لا بالنوع، وعليه فوجود الله هو وجود المخلوق، ووجود المخلوق هو وجود الله فيلزم من ذلك أن يكون المخلوق موجودًا وهو معدوم وهذا لا شك ممتنع.
قال المؤلف: وإذا قُدِّر هذا كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب.
وهذا واضح إذا قُدِّر هذا صار الواجب اللي هو الله واجب الوجود موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم؛ لأنك جعلت وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلت الخالق هو المخلوق، وهذا تشبيه ولَّا لا؟ أعظم تشبيه، وأعظم تجسيم، وأعظم نقص أيضًا؛ لأنه -والعياذ بالله- يجعلون الخالق هو نفس الكلاب، والحمير، والخنازير، والذئاب، والسباع وغيرها، وهذا لا شك أنه من أعظم ما يكون لتنقص الخالق.
والغريب أن هؤلاء يريدون أن يفروا منين؟ من التشبيه، ويقعون فيما هو أقبح وأعظم منه.
قال: (كما يُصرِّح بذلك أهل وحدة الوجود الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذٍ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير).
والصحيح أنه مهما حاولوا فأقوالهم باطلة، فخلاصة هذه الفقرة أنها تعود إلى أي شيء؟ إلى إبطال القول بأن تعدد الصفات يلزم منه تعدد الموصوف والتركيب، وهذا مخالف للتوحيد.
أجابهم المؤلف رحمه الله بجوابين:
الجواب الأول: أنكم أنتم تقولون بتعدد الصفات، فتقولون: إنه واجب الوجود، وتقولون: إنه عاقل وعقل ومعقول، وتقولون: إنه عاشق ومعشوق، وإنه لذيذ ولذة وملتذ، فهذه كلها صفات، ومع ذلك تزعمون أنه توحيد، وتقولون: إننا نحن أهل السنة والجماعة، إذا قلنا بتعدد الصفات لسنا موحدين وأنتم موحدون؛ فإذن يلزمكم فيما نفيتم نظير ما يلزمكم فيما أثبتم؛ فإما أن تثبتوا الجميع، وإما أن تنفوا الجميع.
ثانيًا: أنا نقول: إذا قلتم: إن الصفة هي عين الموصوف، وإنه يلزم من تعدد الصفة تعدد الموصوف، فقولكم: هذا قول مخالف لجميع العقلاء، كلٌّ يعرف أن الصفة ليست عين الموصوف ولَّا لا؟ كل يعرف أن (...) ليست للعالمين، ولَّا لا؟ بل كل إنسان يعرف أن العالم ليس هو الذات؛ لأن العالم وصف زائد على الذات، وأنتم إذا قلتم ذلك لزم أن تجعلوا وجود فلان هو وجود فلان.
ثم ننتقل إذا كانت الصفة هي الموصوف لزم أن يكون فلان هو فلان، وحينئذٍ (...) فيكون المخلوق هو عين الخالق، وبهذا نصل إلى القول بوحدة الوجود، ونصل أيضًا إلى أن نصف الله بكل تشبيه وتجسيم ونقص وعيب. هذا جواب الذين يقولون: إنه يلزم من تعدد الصفات التركيب وعدم التوحيد.
قال: (وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئًا فرارًا مما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجودًا واجبًا قديمًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلًا لخلقه).
قوله: (في آخر الأمر من أن يثبت) هل هذا هو الواقع؟ يعني أنهم يثبتون هذا بعد أن يناظروا؟ لا لكنه لا بد أن يثبت من حيث الحجة القائمة عليه، أما أن ينقاد لهذه الحجة فهذا أمر دونه خرط القتاد، ما يمكن؛ لأنهم ما زالوا على باطلهم، فقول المؤلف رحمه الله: فلا بد في آخر الأمر ويش هو باعتبار؟ باعتبار إقامة الحجة عليهم لا بد أن يرجع، ويُثبت موجودًا متصفًا بصفات تميزه من غيره لكن حقيقة أن ذلك لم يكن، وما زالت هذه الأقوال موجودة الآن، وما زال لها متمسكون بها.
فيقال له: هكذا القول في جمع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فُهِم الخطاب.
يقول المؤلف: كل ما يثبت من الأسماء والصفات فلا بد من قدْر مشترك تتواطأ فيه المسميات؛ يعني مثلًا السمع، السمع لله سمع وللإنسان سمع، ولَّا لا؟ لا بد من قدر مشترك بين سمع الخالق وسمع المخلوق، ويش هو المشترك؟ هو إدراك المسموع، لكن إدراك هل المسموع بالنسبة للخالق كإدراك المسموع بالنسبة للمخلوق؟ لا، إذن فلا بد أن يكون هناك تمييز.
يقول المؤلف: (لولا ذلك لما فُهِم الخطاب) يعني لولا أن هناك قدْرًا مشتركًا بين الصفات تتواطأ فيه ولكن تختص كل صفة بما تتميز به لولا هذا ما فُهِم الخطاب.
أرأيتم لو قُدِّر أن لله سمعًا ولكنه ليس فيه إدراك شيء مسموع، هل يمكن نفهمه؟ ما يمكن. في الجنة نخل، ورمان، وفاكهة، وما إلى ذلك، وثياب، هل هذا النخل والرمان والفاكهة فيه قدر مشترك بينه وبين ما في الدنيا؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن فيه قدر مشترك، لولا القدر المشترك اللي بين هذا وهذا ما فهمناها أبدًا، فما ندري ويش الرمان، ولا ندري ويش النخل، لكن حقائق ذاك لا تُشبه حقائق ما في الدنيا، لا تشبه حقائقه؛ لأن الله يقول: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧].
طالب: (...)؟
الشيخ: لا (...) بالمعنى الأعم، لا، بالمعنى الأعم حتى الآية ربما يقول: (...) قد تكون ما هي بهذا الشكل كما نجد الآن رمانًا وبرتقالًا مختلفًا، كل المسمى واحد، لكن يختلف، إنما معنى القدر المشترك المعنى الأعم، الآن قضية هذا اللي يقول: الإنسان حيوان ناطق، الحيوانية المطلقة المعنى الأعم يشترك فيها الإنسان والجمل ولَّا لا؟ والذئب والشاة، المعنى الأعم في الحيوان لكن حيوانية الإنسان ليست كحيوانية البعير مثلًا، والفرق المميز عند المناطقة هو أنه ناطق، وإلا كله حيوان، لكن الصحيح أنه وإن اتفق في القدْر المشترك، لكن حيوانية الإنسان ليست في نوعه كحيوانية البهائم، وليس الفرق فقط هو بالنطق كما يقول المناطقة، بل نقول: إن الفصل بنفس النوعية، حيوانية الإنسان ليست كحيوانية غيرِه، وحيوانية من خَلَقَه الله بيده يعني باعتبار أصله لا يمكن أن تكون مثل حيوانية المخلوقة بالكلمة.
قال: (ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال).
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، بالمعنى الأعم مشترك في المعنى الأعم، وهي الحياة، لكن تختلف حياة الخالق عن حياة المخلوق، وكذلك القُدْرة والسمع، والبصر، والحياة، والوجه، والعين، وغيرها، كلها اشتركت في أصل المعنى لكن تختلف وتتميز.
طالب: (...) الطرد؟
الشيخ: الطرد معناه أنهم يجعلون الباب واحدًا في كل شيء، هذا الطرد (...) شيء أبدًا، يجعلون عين الخالق هي عين المخلوق؛ يعني مثلًا ولهذا ابن القيم قال في النونية:
| يَا أُمَّةً مَعْبُودُهَا مَوْطُوؤُهَا | تَبًّا لِذِي الْعُقُولِ وَالْأَذْهَانِ |
ويش معنى معبودها موطوؤها؟ يعني هم يرون أن زوجة الإنسان هي ربه؛ لأنهم يرون أن كل شيء هو الله، الباب الله، والمروحة الله، والسقف الله، وكل شيء هو الله، ونفسي هو الله أيضًا؛ ولهذا يقول ابن عربي الخبيث: ما في الجبة إلا الله، هو في جبته، يقول: ما في الجبة إلا الله، ليش؟ لأنه يرى أن الوجود شيء واحد، (...).
طالب: أهل الاتحاد.
الشيخ: أهل الاتحاد، اتحاد الوجود، (...) كانا في الأول شيئين، ثم صارا شيئًا واحدًا؛ ولهذا أهل الاتحاد يُكفِّرون أهل الوحدة، وأهل الوحدة يكفرون أهل الاتحاد، ونحن نكفر الجميع.
***
طالب: القول في الصفات كالقول في الذات.
أن يقول: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات.
فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له؛ فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟
وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم.
وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفى شيئًا بالعقل، إذن أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طُولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا؛ ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه: إما التفويض; وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. بعد ما سبق من إجابات المؤلف على كل الأقسام الثلاثة، وهم الذين يُثبتون بعض الصفات وينكرون بعضًا، ويثبتون جميع الأسماء، فهؤلاء من؟ اللي يثبتون جميع الأسماء وبعض الصفات دون بعض؟ الأشاعرة، وكذلك أيضًا أجاب عن الذين يثبتون الأسماء دون الصفات وهم المعتزلة، وأجاب عن الذين ينكرون الأسماء والصفات ويصفونه بالنقيضين، وهؤلاء هم الغلاة من الفلاسفة وغيرهم.
أجاب عن هؤلاء الطوائف كلها بإجابات لا يمكن التخلص منها لهؤلاء، وكل هذا تابع للأصل الأول وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض.
قال: (وهذا يتبين بالأصل الثاني)، (وهذا) يعني ما ذُكِر.
طالب: (...).
الشيخ: (وهذا يتبين بالأصل الثاني، وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات فإن الله ليس كمثله شيء).
(وهذا) المشار إليه، الأصل الأول، وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، يتبين أيضًا ويتضح بشيء آخر وهو أن القول في الصفات كالقول في الذات، كيف القول في الصفات كالقول في الذات؟ يعني معناه أننا نقول في الصفات كما يقول هؤلاء في الذات.
فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، نُسلِّم هذا ولَّا لا؟ ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لا أحد يُشابه الله في شيء من ذلك، والأمر في هذا ظاهر، من يستطيع أن يخلق شمسًا أو قمرًا أو نجمًا أو ذبابًا أو بعوضة؟ لا أحد يستطيع، هذه من أفعال الله، لا أحد يستطيعها.
من يستطيع أن يقول للشيء: كن فيكون؟ لا أحد يستطيع، إذن هذه من صفات الله، وذات الله تعالى أعظم من أن نحيط بها، فليس كمثله شيء.
(فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل الصفات) واضح حقيقة نعم.
نقول لهذا المنكر للصفات: أتثبت لله ذاتًا؟ سيقول: نعم ولَّا لا؟ ما يمكن يقول: لا؛ لأنه لو قال: لا؛ لكفر وصرح بكفره، نفى الخالق. وسيُثبت لله ذاتًا، نقول له: هل هذه الذات التي أثبتها لله تشبه ذوات المخلوقين؟ سيقول: لا، ليش؟ لأنه إنما فر من إثبات الصفات خوفًا من التشبيه والتمثيل فسيقول: لا تشبه ذات المخلوقين.
نقول له: القول في الصفات كالقول في الذات؛ إذن فلله صفات لا تشبه صفات المخلوقين، ولهذا يقول: (فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات).
بقينا في شيء آخر، أثبتنا صفة لكن هل نثبت كيفية الصفة؟ لا أيضًا، ما نثبت تكييفًا لهذه الصفة؛ ولهذا قال: فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ الآن اللي يقول: كيف استوى؟ مُثبِت للاستواء لكن يسأل عن أي شيء؟ عن الكيفية، كيف استوى؟ فإننا نقول له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهم: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة.
طالب: من هو ربيعة؟
الشيخ: ربيعة شيخ مالك، ربيعة بن عبد الرحمن.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هو شيخه.
ونقول: (الاستواء معلوم)، كيف معلوم من أي شيء؟ من حيث المعنى معلوم، استوى في اللغة العربية تأتي بمعنى علا وارتفع، وبمعنى استقر، قال الله تبارك وتعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا [المؤمنون: ٢٨] اسْتَوَيْتَبمعنى علوت واستقررت، وقال تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ [الزخرف: ١٣] ويش معنى تستون عليها؟ تعلو وتستقر عليها، وقال تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [الفاتحة: ٤٤] يعني استقرت عليه. طيب إذن؟
طالب: تأتي بمعنى (...).
الشيخ: لا، صعد وارتفع وعلا معناهم واحد؛ ولهذا حذفنا صعد وارتفع، هي فُسِّرت عند السلف بأربعة معانٍ؛ ارتفع، وصعد، وعلا، واستقر، لكن صعد، وارتفع، وعلا؛ معناهم واحد، فنكتفي بالعلو الذي هو معنى علا، فنقول: معنى استوى؛ علا واستقر.
إذن الاستواء معلوم من أي وجهة معلوم؟ من حيث المعنى؛ لأن معناه العلو والاستقرار، كلما رأيت استوى في اللغة العربية مُعدَّاة بـ(على) فإنما معناها العلو والاستقرار، ولا تأتي بغير هذا المعنى.
وقلنا له: (الكيف مجهول)، ما هو بالكيف معدوم، الكيف مجهول؛ يعني له كيفية لكنها مجهولة لنا، ما ندري كيف استوى. وفي اللفظ المشهور: (الكيف غير معقول). وهو أبلغ من مجهول لكن كأن المؤلف نقله بالمعنى، أو أن هذا المروي عن ربيعة، أما مالك فالمروي عنه: (غير معقول)، يعني أنه لا يمكن أن يعقل ويدركه العقل كما أن الشرع لم يأتِ به أيضًا.
(الإيمان به واجب) ليش واجب الإيمان به؟ لأنه جاء في كتاب الله، وأجمعت عليه الأمة فوجب الإيمان به.
(والسؤال عن الكيفية بدعة)، لماذا؟ (لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه).
هذا التعليل من المؤلف فيه نظر الحقيقة، السؤال عنه بدعة، ما نقول: لأنه لا يمكن التوصل إليه، ولا يمكن يعلمه البشر؛ لأن هذا التعليل يقتضي أن يكون الجواب: والسؤال عنه تكلُّف ومحاولة للمحال؛ لأنه ما يمكن يعلمه البشر لكن يقول: السؤال عنه بدعة؛ لأنه لم يسأل عنه الصحابة والسلف الصالح.
هل سأل الصحابة هذا السؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا، إذن لو كان هذا من الدين لكان يُسأل عنه، أو يُبيَّن في كتاب الله وسنة رسوله، فلما لم يرد بيانه لا في الكتاب ولا في السنة، ولا سُئل عنه عُلِم من ذلك أنه بدعة؛ فالسؤال عنه بدعة؛ لأنه لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن السؤال عنه أيضًا تكلُّف، لماذا؟ لأنه لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإحاطة به؛ إذن فعندنا أمران؛ السؤال عنه بدعة، ما نعلله بأن الله لا يمكن الإحاطة؛ لأن هذا ما يقتضي أن يكون بدعة، لو أسألك الآن عن شيء ما يمكن أن تحيط به، ما يقال: هذا بدعة، لكن لو أسألك عن شيء من العبادة ما سألت عنه الصحابة قلنا: إن هذا بدعة.
على كل حال الآن صار (الاستواء معلوم)، معلوم أيش؟ المعنى (والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)؛ يعني عن كيفيته بدعة، كما قال السلف رحمهم الله.
(وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله)
هذا أيضًا جواب من وجه آخر، إذا قال لك: كيف نزول الله إلى السماء الدنيا؟ في الأول أتى بكلام مالك أن الكيف مجهول، هنا أتى بإلزام الخصم، نقول له: كيف هو بذاته؟ ويش يقول؟ يقول: ما أعلم كيفيته نقول له: إذا كنت لا تعلم كيفيته فكذلك أيضًا لا تعلم كيف نزوله، ولهذا قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع وتابع له، صحيح هذا ولَّا لا؟
طالب: إذا قال (...)؟
الشيخ: إذا قال هذا النافي الذي ينفي الصفات بحجة التشبيه، نقول له: العلم بالصفة ويش يستلزم؟ العلم الموصوف؛ لأنك إذا علمت الصفة وهي صفة لشخص مثلًا يستلزم أن تعلم بالموصوف؛ لأن الموصوف عبارة عن عين متصفة بصفات، فإذا علمت هذه الصفات؛ لزم من ذلك أن تعلم العين المتصفة بها، أو الذات المتصفة بها، فما دامت الذات لا يمكن العلم بها فكذلك الصفات لا يمكن العلم بها؛ لأننا لو فرضنا علمنا بصفات الله أو بكيفية الصفات لزم من ذلك أن نعلم هذا الموصوف.
يقول: (فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟).
صحيح هذا ظلم، واحد يطالب، يقول: لازم أتعلم كيف ينزل؟ كيف استوى؟ كيف يتكلم؟ كيف يفعل؟ وهو بنفسه لو سألناه عن كيفية ذاته ويش يقول؟ يقول: لا أعلم (...) فكيف تطالبنا نحن بالعلم بكيفية (...)؟ لو علمنا كيفية صفاته لزم من ذلك أن نعلم كيفية ذاته وهذا شيء عندكم مستحيل.
يقول: وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تُقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجِبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو مُتَّصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم، وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات.
أظن واضح ها الكلام أن نقول: القول في الصفات كالقول في الذات، فما دام هذا النافي للصفات يثبت الله ذاتًا حقيقة ويقول: إن هذه الذات لا تشبه ذوات المخلوقين، نقول: نسألك: هل تثبت لله صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أننا لا نعلم ذاته كيفيتها يعني فإننا لا نعلم كيفية صفاته؛ لأننا لو علمنا كيفية صفاته لزم أن نعلم كيفيه ذاته؛ لأن الصفة تابعة للموصوف.
يقول: (وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات)
سبق أن قلنا: إن السمعيات هي الكتاب والسنة. والعقليات هي ما يحكم به العقل، الأمور النظريات، هذه العقليات، فهو لازم لهم في النظريات، ولازم لهم أيضًا في تأويل السمعيات، حيث قالوا مثلًا المراد باليد القدرة، نقول: ما يلزمكم في اليد يلزمكم في القدرة. هم يقولون: اليد الحقيقية ما يمكن؛ لأن الله يقتضي التشبيه، نقول أيضًا: والقدرة الحقيقية تقتضي التشبيه؛ لأن الإنسان له قدرة، له قوة، له نِعمة: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٣٧] فإذن إذا أَوَّلتم لزمكم فيما أوَّلتم نظير ما يلزمكم فيما نفيم من الحقيقة.
كذلك أيضًا في العقليات مر علينا أنهم إذا أثبتوا الإرادة ويش هو طريقة إثبات الإرادة بالعقل؟ التخصيص إذا قالوا: إن تخصيص هذا الشيء بما يختص به دليل على الإرادة نقول لهم: وما من النعم واندفاع النقم دليل على الرحمة التي أنتم تنكرونها.
هو لازم لهم في العقليات، ومثال اللازم لهم العقليات ما سبق، كذلك أيضًا في تأويل السمعيات، أنا أضرب لكم الآن مثلًا في العقليات، قالوا: إن العقل في الإرادة دل على الثبوت، بأي طريق؟ بالتخصيص؛ يعني كون الله يخصص هذا حارًّا، وهذا باردًا، وهذا مضيئًا، وهذا مظلمًا، إلى آخره، هذا دليل على الإرادة، أن له إرادة تجعل هذا على هذا الوضع، وهذا على هذا الوضع. واضح ولَّا لا؟ وسبق.
قلنا: نحن أيضًا نثبت الرحمة بطريق العقل، كيف ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: إثبات الرحمة بطريق العقل؛ نفع العباد، والإحسان إليهم، ودفع الضرر عنهم يدل على رحمته أدل من دلالة التخصيص على الإرادة.
يلزمهم أيضًا في السمعيات كيف؟ في تأويل السمعيات يقول المؤلف، تأويل السمعيات، يقولون: المراد باليد القوة، ليش ما تثبت لله يدًا حقيقية؟ قال: لو تشبه يدًا حقيقية شبهته بمن؟ بالمخلوق. يقول: يلزمك هذا في تأويلك أيضًا. ويش هو تأويله؟ اليد بالقوة مثلًا أو بالقدرة، يقول: أيضًا المخلوق له قوة، وله قدرة، يقول الله تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم: ٥٤]. وقال شعيب: يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود: ٥٢] فللإنسان أيضًا قوة، فيلزمك فيما قلت نظير ما يلزمك فيما نفيت.
كذلك اللي ينكر الصفات كلها يلزمه أيضًا في إثبات الذات ما يلزمه في إثبات الصفات، فإما أن ينفي الذات كما نفى الصفات، وإما أن يقر بالصفات كما أقر بالذات.
وترى هذا، يعني لا تظنون هذا بس مجادلة كلامية أو عقلية، هي في الحقيقة عقيدة؛ يعني يجب علينا أن نؤمن عقيدةً مطمئنين إليها بإثبات الذات لله، وإثبات جميع ما ثبت له من الصفات على أنه حقيقة، وهذا لا يمنع منه شيء أبدًا حتى في الأشياء التي سيأتينا إن شاء الله من بعض الناس ظن أنها تأويل فهي ليست بتأويل، كالذين يُأولون: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» . وما أشبه ذلك.
نقول: يجب علينا أن نثبت هذا الشيء على الحقيقة، وأن الله يأتي هرولة، ولكن هل نحن نعرف هرولة الله؟ ما نعرفها، فأنت لما نسفت هذه الطريق استرحت من جميع التأويلات إلا شيئًا ينكره الواقع مثلما ورد في الحجر -كما سيقول المؤلف- أن من استلمه فكأنما صافح الله.
هذا معلوم أنه ليس المقصود بهذا أن الحجر هو يد الله، لا يمكن هذا، ويش السبب؟ الحجر من الأرض مخلوق مصنوع موضوع في مكانه، ما يمكن يكون هذا، وهذا شيء معلوم؛ لأن الحس يمنعه، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا في كلام المؤلف.
أقول: (فإن من أثبت شيئًا، ونفى شيئًا بالعقل، إذن أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طُولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا؛ ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه: إما التفويض; وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم).
قانون بمعنى قاعدة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا إعادة (...) الكلام، أنا أعدت الفعل (...)؛ ولهذا لا يوجد، أنا قلت لكم: لا يوجد قانون عشان تعرفون أن (قانون) هذه نائب فاعل (يُوجَد)، وإعادة العامل للبعد بينه وبين المعمول هذه واردة في القرآن: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُواويش بعده؟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ [آل عمران: ١٨٨]، المعنى لا تحسبنهم بمفازة، لكن أُعيد العامل ويش من أجله؟ لبعده؛ لأنه ربما (...) ما تدري ويش متعلق هذا الشيء؟
على كل حال أنا أعدتها، لا بأس. طيب هذا كونكم تلاحظون عليَّ هذه الملاحظة هي مقبولة، لكننا أعدنا هذا ويش من أجله؟ لأجل أن تعرف أن كلمة (قانون مستقيم) هي نائب فاعل (لا يوجد) ومعنى (قانون مستقيم) القانون معناه القاعدة التي يُرجع إليها، ومنه القوانين الوضعية اللي يسمونها الناس قوانين هي قواعد يرجعون إليها في الأحكام؛ فالحاصل أن المراد أن الذين ينفون بعض الصفات ويثبتون بعضًا ليس لهم قانون مستقيم؛ يعني قاعدة مستقيمة.
فإذا قيل لهم: لِمَ تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي وكذا تناقضهم في الإثبات; فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب; كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط، ولو فسر ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب فإنه يلزمه في نظير ما فر منه فإن الفعل لا بد أن يقوم أولًا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ويسخطه ويبغضه المثيبُ المعاقِبُ.
أظن هذا واضح؟ ما هو بواضح؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب هو نفس اللي قلنا لكم قبل قليل هو نفس الشيء، هم إذا قالوا مثلًا: لا نثبت المحبة ولا البغض، وإنما نفسر ذلك بالإرادة؛ بإرادة الثواب أو العقاب كذا ولَّا لا؟ يقول: يلزمكم في الإرادة نظير ما يلزمكم في إثبات الحب والبغض، فأنتم إذا قلتم: إن إثبات الحب والبغض لله يقتضي المماثلة؛ لأن الحب والبغض من صفات المخلوقين. قيل لهم: والإرادة من صفات المخلوقين فيلزم بإثبات الإرادة؟ ويش يلزمهم؟ إثبات المشابه؛ لأنهم إذا قالوا: إن إثبات المحبة المؤلف الآن بينقضهم في الإثبات، يقول لهم: إذا زعمتم أن إثبات المحبة يقتضي المماثلة، فكذلك إثبات الإرادة يقتضي المماثلة، وأنتم مثبتون للإرادة فيلزم على رأيكم إثبات؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يا أخي، (...) ما بأكلمكم بالنفي الآن، يلزم على رأيكم إثبات التمثيل، أفهمتم الآن؟ لأننا نبغي نلزمهم بما نفوا، أبغي ألزمهم بما أقروا به، الكلام في الإثبات الآن، أنا بألزمهم بالمفسدة فيما أثبتوه لكن على رأيك أنت شوف الآن نبغي نتكلم ما هو لإثبات المحبة، نحن الآن ما نتكلم لإثبات المحبة، نتكلم في إلزامهم فيما أقروا به، ويش يلزمهم فيما أقروا به؟ نظير ما يلزمهم فيما نفوه.
نقول لهم: الآن أنتم تقولون: إن الله ما هو بيحب، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يسخط، لماذا؟ قال: لأن إثبات هذا يستلزم التشبيه، كيف ذلك؟ قال: لأن اللي يحب ويرضى ويسخط ويغضب هو المخلوق. نقول لهم: هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأننا نقول: محبة الخالق تليق به، وكذلك غضبه يليق به كما مر علينا، لكن يلزم على كلامهم أيضًا أن تجعلوا لله مثيلًا، كيف؟ لأنكم قلتم: إن الله يريد، ولَّا لا؟ نقول لكم: والإنسان أيضًا يريد كما قال الله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧] مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، فيلزم على قولكم إثبات التمثيل كما زعمتم، أليس كذلك؟
إذا انفكوا عن هذا، قالوا: إذن نُفسِّر المحبة والبغض بما ينتج عن ذلك من الثواب والعقاب، والثواب والعقاب مفعول لله. يعني يفسرون المحبة بالمفعول، ما هو بالإرادة، انتقلوا يعني، انتقلوا من الإرادة وقالوا: دعوا الإرادة، نخليها نفسرها بالمفعولات لا بإرادتها، وقالوا: المراد بالمحبة الثواب، ما هو بإرادة الثواب، والمراد بالبغض العقاب، الثواب والعقاب مفعول ولا صفة للفاعل؟
طلبة: مفعول.
الشيخ: إي نعم، مفعول ما فيها شك؛ لأن الثواب إنسان عمل عندي عملًا بعشرة ريالات، وأعطيته عشرة ريالات، هذا الثواب، هذا الثواب هو من صفتي ولَّا لا؟ لا، ما هو من صفتي أنا، الإثابة من صفتي لكن نفس الثواب معفول لي، وليس من فعلي، دراهم أعطيتها إياه وراح، لو كان هذا من صفتي لكان معناه (...)، هذا الثواب شيء بائن منفصل، فيقولون: نحن نفسر المحبة بالثواب، والغضب بالعقاب، لماذا؟ لأجل أن ينفكوا عما ألزمناهم به؛ لأن قلنا لهم: الآن أنتم إذا فسرتم بالإرادة وقعتم في التشبيه؟ قالوا: لا، ننتقل عن هذا التفسير، ونفسره بأي شيء؟ بالثواب والعقاب، وأظنكم قرأتم في الجلالين في قوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قال: يثيبهم، فسر المحبة بأي شيء؟ بالثواب فرارًا من أنه لو قال: يريد ثوابهم لألزم بالإرادة أن يكون ممثلًا. (...) أخلي المحبة ثوابًا، والثواب مفعول بائن ليس من صفة المثِيب.
المؤلف رد عليهم ذلك، يقول: (ولو فُسِّر ذلك بمفعولاته، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب؛ فإنه يلزمه ولو فَسَّر) فسَّر مَنْ؟ المؤول (فسر ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه) في ذلك ويش لون؟ أي في ذلك التفسير، ويش هو التفسير؟ تفسير هذه الصفات بالمفعولات.
(يلزمه نظير ما فر منه فإن الفعل لا بد أن يقوم أولًا بالفاعل) صح ولَّا لا؟ الفعل الثواب ما يكون ثواب حتى تكون إثابة، إذن اتصاف الفاعل بالمفعول سابق على وجود المفعول، فمتى أقروا بأن لله ثوابًا وعقابًا لزم أن يقروا بأنه مثيب ومعاقب، وأنه موصوف بصفة الإثابة وبصفة العقوبة؛ ولهذا قال: (والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقِب). شوف المثيب، فهذه صفة، المعاقب كذلك.
(...) مثال المحبة عند أهل السنة والجماعة ما هي؟ صفة حقيقة على معناها الحقيقي، ولَّا لا؟ لكنها تليق بالله. أهل التأويل أوَّلوها إلى وجهين: مرة يقولون: المراد بالمحبة إرادة الثواب، ومرة يقولون: المراد بالمحبة نفس الثواب.
الذين فسروا المحبة بإرادة الثواب يلزمهم في الإرادة مثلما يلزمهم في المحبة، إن قالوا: إن المحبة تقتضي التمثيل قلنا لهم: والإرادة تقتضي التمثيل.
الذين فسروها بالثواب ما هو بالإرادة، إرادة الثواب، بالثواب نفسه لماذا؟ تخلصًا من إلزامهم في الإرادة ما يلزمهم في المحبة. قالوا: ما دام أنكم تلزموننا في الإرادة إذا أثبتنا إرادة أن نكون ممثلين إذن نترك هذا، ونفسره بأي شيء؟ بالثواب، والثواب مفعول؛ يعني شيء بائن عن الفاعل، ليس صفة له، ولَّا لا؟ وواضح لكن أن المفعول بائن عن الفاعل؟ عندما أبني بيتًا، بنيته وخلصته ورحت، هذا البيت ويش يسمى؟ يُسمى مبنيًّا، أليس كذلك؟
أقول: هذا البيت الآن يسمى مبنيًّا، مبني يعني مفعول، هل هو بائن من الباني ولَّا لا؟ بائن منه، الثواب الذي يُثيبه الله تعالى من يحب بائن من الله ولا غير بائن؟ بائن، الآن إذا فسروا المحبة بالثواب صحيح أنه من حيث الظاهر انفصلت عن الله ولَّا لا؟ ولا هي من صفاته؛ لأن المفعول شيء بائن عن الله، لكننا نقول لهم: هل يمكن مفعول بدون فعل أو لا؟ ما يمكن يوجد مفعول بدون فعل؛ إذن فاتصاف الفاعل بإحداث المفعول لازم على وجود المفعول متى وُجِد المفعول فلا بد له من فاعل ولا بد للفاعل من فعل، وحينئذٍ يكونون أثبتوا لله صفة الفعل ولَّا لا؟
حينئذٍ يكونون أثبتوا لله صفة الفعل، فنقول: أنتم الآن أثبتم لله صفة فعل، فهل تقولون: إن هذا الفعل مثل فعل المخلوقين؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، نقول: يلزمكم أن تقولوا، ما دام أنكم تقولون: ما يمكن يوجد فعل، ما يمكن يوجد صفة للمخلوق تُثبَت لله إلا وهي مشابهة؛ إذن يجب عليكم أن يكون الله تعالى مشابهًا للمخلوق حيث أثبتم له فعلًا، فصار الآن مهما راحوا إلى أي جهة فإن التمثيل يلحقهم ويلزمهم، ولا يمكن أن يتخلصوا منه إلا بالرجوع إلى الحق؛ وهو إثبات الصفات الواردة على وجه الحقيقة من غير تمثيل.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هي صفة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، بس هي صفة فعلية مثلما نقول: إن الله تعالى (...) المحيي المميت.
فصار الذين ينفون بعض الصفات بحجة أن إثباتها يستلزم التشبيه، ويش يلزمهم؟ يلزمهم فيما أثبتوه؛ لأن الآن نتكلم في باب الإثبات، يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما يلزمهم فيما نفوه، كذا ولَّا لا؟
المحبة قالوا: المراد بها إرادة الثواب، قلنا لهم: يلزمكم التمثيل إذا فسرتموها بالإرادة أو لا؟ لماذا؟ لأن للمخلوق إرادة وأنتم ما فررتم من وصفه بالمحبة إلا (...) المخلوق له محبة، تقولون: إن إثبات المحبة يقتضي التمثيل، يقول: إثبات الإرادة يستلزم التمثيل على رأيكم. عَدَلوا عن هذا وقالوا: نفسر المحبة بالثواب، والثواب شيء منفصل ولَّا لا؟ الثواب شيء منفصل عن المثيب فهو أمر بائن منه، فلا تلزموننا الآن بالتمثيل؛ لأننا فسرناه بالثواب وهو منفصل عنه. ماذا نقول لهم؟
نقول: طيب الثواب مفعول ولَّا لا؟ الثواب مفعول يعني الله هو المثيب له فهو مفعول، والمفعول لا بد له من فاعل، والفاعل يقوم به الفعل، فلا يمكن يوجد مفعول إلا وقد قام الفعل بالفاعل قبل وجود المفعول ولَّا لا؟
فإذن يلزمكم الآن التمثيل حيث أثبتم أن لله فعلًا فإن للمخلوق أيضًا فعلًا كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١١، ١٢] فأنتم الآن وقعتم في التمثيل، إذن ويش يسوون الآن؟ لهم مفر ولَّا لا؟ ما لهم مفر مهما راحوا جميع الموؤلين المحرفين لدلالة الكتاب والسنة في صفات الله وأسمائه مهما فروا فإنهم واقعون في نظير ما فروا منه، ما يمكن يتخلصون أبدًا إلا إذا أثبتوا الحقيقة.
يقول: (فهم إن أثبتوا الفعل على مِثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثَّلوا وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات) إن قالوا: إن الفعل مثل فعل المخلوق يلزمهم أن يقولوا بهذا، ويش يصير هذا؟
طلبة: تمثيل.
الشيخ: طيب وإن قالوا: لا، الفعل على غير الوجه المعروف عند العبد؟ نقول: كذلك أيضًا الصفات. يقول: وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات، والله أعلم.





