شرح العقيدة التدمرية - 9
عدد الزيارات 1433

عناصر المادة :
فصل: القاعدة الثانية: في وجوب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرف معناه أم لم يعرف

يقول المؤلف: (ينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا) يعني ما ذكر الله تعالى من صفات النفي التي وَصَفَ بها نفسَه لا يمكن أن تكون مدحًا إلا إذا تضمنت إثباتًا.
مثلًا لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] هذه ما يمكن نقول: مدح إلا تضمنت إثباتًا؛ أي صفة ثبوتية، وجه ذلك: لأن النفي المحض مجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض؛ يعني مجرد النفي ليس بشيء فهو عدم، يقول: (والعدم المحض ليس بشيء) وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء؛ يعني ما ليس بشيء فهو ليس بشيء، هذا المعنى ما ليس بشيء فليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا؛ ولأن النفي المحض يُوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال؛ فلهذا كان عامة ما وَصَفَ الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات المدح.
القاعدة هذه في النفي نقول: النفي المحض الذي لا يُراد منه إثبات كمال هذا ليس بمدح، وجه ذلك: لأن النفي المحض، ويش معناه؟ العدم نفي عدم منفي معدوم هذه الموازنة، نفي يعني عدم، ومنفي يعني معدوم.
العدم المحض: الشيء المعدوم مثلما قال المؤلف: (الشيء المعدوم ليس بشيء) أو لا؟ إذا كان ليس بشيء، فهل يمكن أن يكون مدحًا؟ لا، فتبين الآن أن النفي إذا لم يتضمن إثباتًا فلا يمكن أن يتصف الله به؛ لأن الله موصوف بصفات الكمال، فإذا لم يتضمن النفي كمالًا لا يمكن أن يتصف الله به.
الآن مثلًا يا جماعة هذا عندما أقول: هذه المروحة لا تأخذها سِنَة ولا نوم، صحيح ولَّا لا؟ إلا، صحيح، إلا إن كان واحد منكم شافها لم تنم لكن هل هذا مدح؟ لا؛ لأنها ليست بقابلة، إذن فليس لا تأخذها سِنَة ولا نوم لكمالها، ولكن لأنها غير قابلة لذلك.
عندما أقول: هذا الرجل شجاع، لا يمكن أن ينام والعدو أمامه، ويش هذا؟ هذا مدح؟! هذا لا ينام والعدو أمامه.
طالب: مدح.
الشيخ: لا، شوف هذا رجل شجاع لا يمكن أن ينام والعدو أمامه، هذا واحد.
كلمة أخرى: هذا لا ينام والعدو أمامه.
طالب: الأولى.
الشيخ: الأولى مدح، لكن الثانية نشوف ويش تضمنت؟ هل لا ينام والعدو أمامه من أجل الخوف والذعر، أو لا ينام والعدو أمامه من أجل القوة ليقضي على عدوه؟
إذن تحتمل أمرين، إذا لم تتضمن مدحًا صارت ليست مدحًا، ولَّا لا؟ ولهذا قال الله عز وجل: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ [الأنفال: ١١] في يوم بدر أَمَنَةً مِنْهُ، دليل على أنهم ليسوا خائفين، فالحاصل أن تقول: النفي المحض ليس بمدح حتى يتضمن إثبات مدح.
قال الله عن نفسه: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌلماذا؟ لكمال حياته وقيوميته؛ لأن الحياة الكاملة لا تحتاج إلى نوم، الحياة الناقصة تحتاج إلى نوم؛ لأن النوم ينقض ما سبق من تعب، ويستجد نشاطًا لما يستقبل، أليس كذلك؟
إذن فمعنى هذا أن الجسم أُرْهِق فاحتاج إلى راحة، وأنه لا يمكن أن يستمر في نشاطه فيحتاج إلى تجديد نشاطه فيدل النوم ويش هو عليه؟ يدل النوم على النقص، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون لكمال حياتهم.
كمال القيومية في عدم النوم؛ لأن القيوم هو القائم بنفسه وعلى غيره، كما قال الله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] وهو الله كمن ليس بقائم على كل نفس بما كسبت وهي الأصنام؛ ولهذا قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ.
القائم على غيره هل يمكن أن ينام مع تمام القيام على غيره؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا سيما وأن هذا الغير كل كائنًا في السماء والأرض، فما دام الغير الذي الله قائم عليه كل كائن في السماء والأرض فهذه الكائنات محتاجة إلى مراعاتها وإمدادها وإعدادها وإيجادها وإعدامها في كل لحظة، فلا يمكن أن ينام لكمال قيوميته صار الآن نفي السِّنَة والنوم تضمن إثباتًا ولَّا لا؟
طالب: تضمن.
الشيخ: ما هو الإثبات الذي تضمنه؟! كمال حياته وقيوميته.
صار القاعدة عندنا في النفي ويش القاعدة؟ أنه لا يُعتبر، ولا يصح أن يكون كمالًا إلا إذا تضمن إثباتًا، هذا الإثبات الذي يتضمنه هو كمال ضد ذلك المنفي، فإذا نفى الله عن نفسه النوم والسنة معناه استفدنا من هذا فائدتين:
الأولى: ما دل عليه اللفظ بالمطابقة وهو عدم السِّنَة والنوم.
والثانية: ما دل عليه اللفظ بالالتزام وهو كمال الحياة والقيومية.
نفى الله عن نفسِه الظلم، لماذا؟ لكمال عدله، لا لنفي الظلم المطلق، لو كان لمجرد النفي لم يكن ذلك مدحًا بل ربما يكون ذمًّا.
وأنا قلت مثلًا: لو قلنا: هذه المروحة لا تظلم، هل في ذلك مدح لها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن عدم القابلية فلا يتضمن إثباتًا، ما نقول: لا تظلم؛ لأنها عادلة.
لو قلنا في رجل ضعيف مهيب: هذا الرجل لا يظلم، هل هذا مدح؟ هذا ذم، شوف صار النفي الآن في الأول ما دل على مدح ولا ذم؛ لعدم القابلية، وهنا دل على ذم؛ لأنه استلزم إثبات صفة نقص.
ومنه يقول الشاعر:

قُبَــــــيِّلَةٌ لَا يَغْـــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

ليش؟! لكمال عدلهم ووفائهم ولَّا لعجزهم وعدم قدرتهم.
طالب: لعجزهم وعدم قدرتهم.
الشيخ: نعم، لعجزهم وعدم قدرتهم.
وكذا قول الشاعر:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْـــــلِ الظُّــــلْمِ مَغْفِرَةً وَمِــنْ إِسَــاءَةِ أَهْــلِ السُّـــوءِ إِحْــسَانَا

أولًا: (ليسوا من الشر في شيء) هذا نفي بانتسابهم للشر، لكن ما رأيكم هل هو متضمن للمدح ولَّا لا؟ بالعكس للذم، ولهذا قال:
فَلْيَتْ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانَا

قال: ليت لي بدالهم أحد ما يكون بهذا الوضع، فتبين بهذا -يا جماعة- أن ما نفى الله عن نفسه يجب أن يكون مستلزمًا بإثبات صفة كمال، هذا الكمال هو نقيض ما نفى الله عن نفسه.
طالب: كلمة المحض، معناها؟
الشيخ: المحض الخالص اللي ما يشاركه شيء.
يقول المؤلف رحمه الله: الوجه الثاني، لما قال: (لأن مجرد النفي ليس فيه مدح) أيضًا يقول: (ولأن النفي المحض يُوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال).
المعدوم والممتنع يوصف بالنفي المحض تقول: بل قال الله عز وجل: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١] هذا نفى أن يكون شيئًا، لماذا؟ لأنه معدوم هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًانفى الله أن يكون الإنسان شيئًا؛ لأنه معدوم فالنفي إذن يكون في المعدوم، والمعدوم ليس بشيء، يكون في الشيء الممتنع لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، هذا نفي، لشيء ممتنع ولَّا لشيء ممكن لكن لم يوجد؟ لشيء ممتنع، لم يكن الإنسان خالقًا نفسه، هذا نفس لشيء ممتنع (لا أثر بدون مؤثر) نفي لكن لشيء ممتنع.
إذن ما دام أن النفي المحض يوصف به الشيء المعدوم والممتنع، فإذن لا يمكن أن يكون ما نفى الله عن نفسه من الصفات مجرد نفي فقط، بل لا بد من إثبات كمال (فلهذا كان عامة ما وَصَفَ الله به نفسه من النفي مُتضمنًا لإثبات المدح) كقوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}).
الجملة هذه ويش دلت عليه من الصفات؟
دلت على نفي السِّنَة والنوم، دلالة نطق ولَّا لا؟ أقول: دلالة نطق ولَّا دلالة المفهوم؟! نطق، مطابقة ولَّا تضمن ولَّا التزام؟
طالب: تضمن.
الشيخ: أوما تعرفون أنواع الدلالات؟ المطابَقة، والتضمن، والالتزام، مثال قصير لأجل ما نقضي على الوقت، إذا قلت: هذا بيت، كلمة (بيت) تدل على مجموع البناء كله بِحُجَره وغُرَفه وفسحاته تدل عليه دلالة مطابقة؛ لأن (بيت) مطابق لما دل عليه بجميع أجزائه، دلالة هذه الكلمة على هذه الغرفة وحدها والغرفة وحدها والحجرة وحدها دلالة تَضمُّن، دلالته على أن هذا البيت لا بد له من بانٍ دلالة التزام.
عندما نقول: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌدلالتها على نفي السِّنة من باب دلالة المطابقة، ودلالتها على كمال حياته وقيوميته من باب دلالة الالتزام؛ ولهذا يقل المؤلف: (ولهذا كان متضمنًا لإثبات المدح كقوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}) إلى قوله: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}).
(فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام؛ فهو مبين لكماله أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته).
أظنه واضحًا، هذا تطبيق للقاعدة بس فقط. (وكذلك قوله: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: ٣]) لا يعزُب: لا يغيب. (فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض).
إذن لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍلكمال علمه في كل شيء.
(وكذلك قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: ٣٨]، فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه).
أظنه واضحًا أيضًا وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، أي: من تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال القدرة والقوة، المخلوق يبني مثلًا بيتًا لكن بتعبٍ ومشقة؛ ولهذا إذا عمل من طلوع الشمس إلى غروبها تجده على طول يطيح بالأرض؛ لأنه يتعب بخلاف الخالق سبحانه وتعالى فإنه لا يتعب ولا يعجز، والله أعلم.

***

الطالب: (...) الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفِ مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلِم، فكما أنه إذا عُلِم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأملت ذلك وجدتَ كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا، وكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستوِ على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مستلزمة صفة ثبوت.
ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميِّزْ لنا بين هذا الرب الذي تُثبته وبيِّن المعدوم.
وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات والناقص
.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هذه القاعدة الأولى التي ذكرها المؤلف رحمه الله، قال: (إن الله جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات)، وذكرنا القاعدة في الإثبات أن كل ما أثبت الله لنفسه فهو صفة كمال بالنسبة إليه، وإن لم يكن صفة كمال بالنسبة إلينا، وذكرنا لذلك مثلًا باسمه المتكبر فإنه صفة كمال بالنسبة له، وليس صفة كمال بالنسبة لنا، انتفاء النوم عنه صفة كمال بالنسبة له وليس صفة كمال بالنسبة للمخلوق.
انتفاء الأكل؛ صفة كمال بالنسبة له، وليس صفة كمال بالنسبة إلينا؛ لأن من لا يأكل يكون معتلًّا بمرض، ومن لا ينام يكون معتلًّا بمرض، فالخلاصة أن الله تعالى لا يثبت لنفسه إلا كل صفة كمال.
النفي وهي القاعدة الثانية: كل نفي نفى الله عن نفسه فإنه متضمن لأي شيء؟ للإثبات، كل نفي متضمن لإثبات صفة كمال وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، ويش هو متضمن له؟ لإثبات صفة كمال العدل وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍبإثبات كمال القوة، وهكذا ذكر المؤلف أمثلة من هذا وسبقت، ومنها قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ؛ أي لا تحيط به رؤية؛ لأن إدراك الشيء بمعنى الإحاطة، أدركته أحطت به، فالمعنى أن الأبصار لا تحيط به رؤية.
وكلمة لَا تُدْرِكُهُيقول: (إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفِ مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى) صح ما قال: إن الله لا يُرى، بل قال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، ونفي الأخص لا يقتضي نفي الأعم، ويش معنى الأخص لا يقتضي نفي الأعم؟ يعني أن نفي الإدراك كونك ترى الشيء ولا تدركه لا ينفي أنك تراه فقط، تراه بدون إدراك، نحن نرى الشمس لكن هل نحن ندركها؟! ما ندركها.
فنفي الأخص، هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم لا يقتضي نفي الأعم سواء كان ذلك في المحسوسات أو كان ذلك في المعنويات.
عندما تقول مثلًا: فلان لا يجيد الخط، هل معنى ذلك أنه لا يكتب؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما ننفى أنه يكتب، يمكن يكتب لكن بدون إجادة.
فلان لا يحسن التعبير، هل معناه لا يُعَبِّر؟ لا، يعني لا يجيد التعبير ولا يحسنه، فنفي الأخص معنويًّا كان أم حسيًّا لا يستلزم نفي الأعم.
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُلم يقل الله: تراه الأبصار، لو قال: لا تراه؛ صحيح، نفي للرؤية لكن لَا تُدْرِكُهُأخص من الرؤية أو لا؟ ويش وجه أنه أخص؟ لأن الشيء قد يُرى ولا يُدرك فأنت إذا نفيت الإدراك ليس معنى ذلك أنك نفيت أصل الرؤية؛ ولهذا استدل بعض العلماء بهذه الآية على إثبات رؤية الله.
هذه الآية استدل بها من ينكر أن الله يرى، واستدل بها من يقول: إن الله يُرى، وأيهم أسعد بالدلالة؟ أيهم الْمُصيب.
طالب: الذي يقول: إن الله يُرى.
الشيخ: الذي استدل بها على أن الله يُرى هو المصيب، وذلك لأن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية، ولو كان أصل الرؤية مفقودًا لقال: لا تراه الأبصار؛ لأن كونه يُعبِّر عن أصل الرؤية بالإدراك هذا إلغاز وليس بيانًا، والقرآن بيان.
إذن يقول المؤلف رحمه الله: (ولم ينفِ مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى وليس في كونه لا يُرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به).
في الحقيقة قول المؤلف: (لأن المعدوم لا يُرى) هذا قد يُعارض فيه من يُعارِض ويقول: إذا كان الموجود محجوبًا فإنه موجود لا يُرى، المؤلف يقول: (لأن المعدوم لا يُرى) لكن قد نقول: لا يُرى لا لكونه معدومًا ولكن لكونه محجوبًا.
الآن مثلًا لو أن أحدًا خلْف هذا الجدار لكنا لا نراه؛ لأنه معدوم ولَّا لأنه محجوب؟! لأنه محجوب، ولكن الجواب على هذا أن يقال: إن هذا المحجوب من شأنه أن يُرى لولا المانع؛ إذن فالذي لا يُرى مطلقًا بدون موانع هو المعدوم، وأما المحجوب فصحيح أنه لا يُرى لكن لوجود مانع كما لو كان إنسان حاضر ليس بينه وبين الرجل الأعمى إلا سنتيمتر فإن هذا الرجل الأعمى يراه ولَّا لا.
طالب: لا يراه.
الشيخ: لا يراه؛ لأنه معدوم، ولَّا لوجود المانع؟ لوجود المانع.
إذن نقول: إن الله لا يتمدح بكونه لا يرى؛ لأن الأصل فيما لا يُرى العدم، فكلام المؤلف إذن تبين أنه لا معارِض له، وأنا قلت لكم: ربما نعارض كلام المؤلف ولكن أجبنا بأن هذه المعارضة ويش هي مبنية عليه؟ على وجود مانع لا اختلال شرط فالذي لا يُرى لكون الإنسان أعمى أو لا يُرى لكونه حالَ بينه وبينه جدار أو شجرة هذا ليس معناه أنه ليس بموجود لكنه موجود وُجِد له مانع.
يقول: (وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي؛ كما أنه لا يحاط به وإن علم، فكما أنه إذا عُلِم لا يُحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئِي لا يحاط به رؤيةً، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها).
ويش هو اللي دليل على إثبات الرؤية؟! نفي الإدراك. إذن نفي الإدراك دل على أمرين؛ كمال عظمة الله؛ لأنه لعظمته لا يدرك، ولَّا لا؟ والشيء العظيم ما يمكن أن تدركه أيها الإنسان، لا تدركه، لو أن هناك جبلًا كبيرًا واسعًا أو بحرًا عميقًا واسعًا ما استطعت أن تدركه لأي شيء؟! لعظمته، وكذلك لو كان شيئًا بعيدًا رفيعًا عاليًا، أو منيرًا يحجب الرؤية أو ما أشبه ذلك، ما رأيته من أجل عظمته، فنفي الإدراك للرؤية بالنسبة لله دليل على كماله، ونفي الإدراك دليل على إثبات الرؤية، وجهه (لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدْت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه).
طالب: كمال عظمة الله.
الشيخ: الأمر الأول: كمال عظمة الله، والثاني: إثبات الرؤية.
طالب: في يوم القيامة.
الشيخ: إي، في يوم القيامة.
قال: (وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه).
وهذه سبقت قريبًا أن القاعدة فيما نفى الله عن نفسه أنه متضمن إثبات صفة كمال، كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمن لإثبات صفة كمال.
(والذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يُثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا بل ولا موجودًا، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالَم، أو لم يستوِ على العرش).
شوف الذين يصفونه بالسلوب مطلقًا كما مر، يقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا جاهل، ولا عالم، ولا حي، ولا ميت، ما يصفونه إلا بالسلب.
فيه أناس يشاركونهم في هذا لكن لا في كله مثل اللي قالوا: لا يتكلم، والذين قالوا: إنه لا يرى، واللي قالوا: ليس فوق العالم، واللي قالوا: ليس مستويًا على العرش.
هؤلاء وصفوه بأي شيء؟ بالسلوب، السلوب ترى معناه النفي، السلوب جمع (سَلْب) وهو النفي، من اللي قالوا بهذا؟ الأشعرية قالوا: إن الله يتكلم، لكن فسروا الكلام بما ليس بكلام، ويش قالوا في كلام الله؟ هو المعنى القائم بنفسه، وليس الصوت أو الحروف، فهم فسروا الكلام بما ليس بكلام.
الذين قالوا: لا يُرى، نفس الأشعرية يقولون: إن الله لا يُرى، مستحيل أن الله يُرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة. الذين قالوا: ليس فوق العالم هم أيضًا الأشعرية، يقولون: إن الله ليس فوق العالم، واللي يقول: إن الله فوق العالَم مُجَسِّم مُمَثِّل.
العُلُوُّ، يقولون: العلو الذي أثبته الله لنفسه إنما هو علو الصفات فقط وليس علو الذات.
والذين قالوا: لم يستوِ على العرش مَنْ؟ الأشعرية أيضًا يا جماعة وينكم؟ الأشعرية يقولون: إن الله لم يستوِ على العرش، ويش معنى استوى على العرش عندهم؟ استولى على العرش، وليس معناه استوى عليه.
وقد قرأتم وجه بطلان هذا التفسير. هم ينكرون أن الله فوق العالم ولم يستوِ على العرش، طيب أين الله؟ يقولون: ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا مجانب، عندكم أنتم ولا محايث؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولا محايث له.
طالب: محايث مجانب.
الشيخ: محايث معناه مجانب؛ لأن محايث معناه أنه يكون في مكان آخر.
(إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم وليست هي صفةً مستلزمةً لصفة ثبوت؛ ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم).
إذا قال: (إن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايد)، وفيه بعد باقٍ كلمتان: ولا متصل ولا منفصل، اللي قال ها الكلام هذا، وين الله؟
طالب: ليس بمؤمن.
الشيخ: ليس بمؤمن، لا هو بداخل العالم ولا خارجه، وين يكون؟ ولا متصل بالعالم ولا منفصل منه ولا مباين ولا محايث، وين هو؟ هذا معدوم؛ ولهذا قال هذا الملك المعروف: بَيِّن لنا الرب الذي تثبته الفرق بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم.
(وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال؛ بل هذه الصفات فيها تشبيه بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات والناقص).
فمثلًا نفي الكلام، قد يكون الشيء موجودًا ولا يتكلم، لكن من لا يتكلم فهو أنقص من الذي يتكلم، من ليس فوق العالم قد يكون موجودًا، ولكن من كان فوق العالم أكمل ممن ليس فوق العالم.
والمهم أنهم لا يصفون الله بهذه الصفات إلا وهي إما صفة لمعدوم لا يُوجد، أو لموجود ناقص، وكل هذا -والعياذ بالله- قصدهم به الفرار منين؟ من التشبيه، لكن وقعوا في شر مما فروا منه، والله الموفق.
(...) بسم الله الرحمن الرحيم. هذا البحث في الحقيقة ممكن أن نقول: إنه قد سبق لنا نظيره ولَّا لا؟ كما سيُعلم من شرحه ونمر عليه مرورًا يسيرًا إن شاء الله، لكن الأخ سأل: مَنْ هو محمود بن سبكتكين؟
هذا الرجل كان أميرًا على الهند وما والاها من قِبَل السلطان العباسي القادر بالله، وكانت ولادته كما عندي الآن سنة ٣٦١، ووفاته سنة ٤٢١، وقد ذكروا أنه كان فصيحًا جيدًا بليغًا، وأنه كان يحب أهل العلم ويحب أهل الحديث ويقربهم، وكان له انتصارات بالهند والسند وما والاها؛ ولهذا جعله الخليفة العباسي القادر بالله جعله سلطانًا على تلك البلاد لا أميرًا فقط، بل سلطانًا عليها؛ لأنه ذو كفاءة تامة، وهو رحمه الله من خير من تولى على تلك البلاد.
وأما الذي قال له: مَيِّزْ لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم؟ فالظاهر أنه إنما ناظَر في ذلك رجلًا يُنكر اتصاف الله تعالى بالصفات الحقيقية أو الصفات السلبية؛ يعني ناظر إنسانًا يقول: إن الله ليس فوق العالَم، ولا تحته ولا داخله ولا خارجه إلى آخره.
فصار هذا الذي ناظره، ولعله ابن فورك كما قاله بعض الناس، ابن فورك المعروف المعتزلي، فيمكن أنه ناظَرَهُ أو غيره، المهم أن المفهوم من الكلام أنه ناظر شخصًا ويش يقول في الله؟ إنه ليس فوق العالَم، ولا تحته، ولا داخله، ولا خارجه، ولا متصل، ولا مباين، إلى آخره.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فمن قال: لا هو مباين للعالَم، ولا مداخل له فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره).
يعني لو قال: إن الله ليس قائمًا بنفسه ولا بغيره، ويش معنى ذلك؟ أنه معدوم؛ لأن ما من موجود إلا وهو قائم بنفسه أو قائم بغيره، المخلوقات كلها قائمة بغيرها، قائمة بالله.
أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْيعني وهو الله، والمقابل محذوف والتقدير كمن لا يملك ذلك.
إذا قلنا: إن الله ليس قائمًا بنفسه ولا بغيره؛ المعنى أنه ليس ثمة إله.
(فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم، ولا مقارن).
صحيح هذا كلام المؤلف واقع جدًّا، أن اللي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه مثل اللي يقول: إنه ليس قديمًا ولا محدثًا، ولا قائمًا بنفسه، ولا قائمًا بغيره، وهذا بلا شك وصْف له بالعدم تمامًا.
وهذا أي الطوائف التي يشير إليها المؤلف بهذا الكلام؟ الغلاة الذين سلبوا عنه النفي والإثبات.
(ومن قال: إنه ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم، وهؤلاء الذين نفوا عنه الصفات دون الأسماء وهم الجهمية والمعتزلة).
يقول: لزمه أن يكون ميتًا ويش مقابل؟ (ليس بحي)، أصم مقابل (ولا سميع)، أعمى مقابل (ولا بصير)، أبكم مقابل (ولا متكلم).
فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لم يقبل البصر كالحائط لا يُقال له: أعمى ولا بصير.
يعني زعم هذا من باب تقابل العدم (...)، قلنا له: هذا اصطلاح اصطلحتموه وأنتم تقولون: إن الجماد لا يُوصَف بالحياة والموت والله تعالى قد وصفه بالحياة والموت أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢١] واصطلاحكم هذا لا يُغيِّر الحقائق، ولا يغير الألفاظ عن مدلولها.
(وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة).
إذن هذا الاصطلاح هل يُغيِّر الحقائق؟ لا، ولهذا يقول: الذي يُوصف بعدم الحياة والسمع والبصر يقال: هذا ليس بحي يمكن أن نقول: إنه ميت، الجدار هذا ليس بحي أليس كذلك؟ الحديد ليس بحي، يصح أن نصف ما ليس بحي بأنه ميت، قال الله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨].
أَمْوَاتًامتى هذا؟ كُنتُمْ أَمْوَاتًانُطَفًا قبل أن تُنفخ فيهم الروح، فسمى ما ليس بحيٍّ، سماه ميتًا مع أن الموت -كما هو معروف- يرد على الحياة ولَّا الحياة ترد على الموت، يرد على الحياة، ومع ذلك سمَّى الله تعالى ما لم تَرِدْه الحياة ما لم تحله الحياة ميتًا.
فيقول المؤلف: (فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام؛ يُمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة).
طالب: معنى العُجمة؟
الشيخ: العُجمة عدم الكلام.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: اصطلحوا على أن الشيء الذي ليس قابلًا للاتصاف بهذا الوصف يجوز أنه يستوي وصفه وعدمه، هذا اصطلاحهم.
قال المؤلف رحمه الله: (وأيضًا -هذا جواب ثالث- فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها).
من حيث قُدرة الله كل موجود فإنه يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها من حيث قدرة الله، قال: (فإن الله قادر على جعل الجماد حيًّا) وإن كان في العادة ليس بحي، لكن أليس الله قادرًا على أن يجعله حيًّا؟ نعم، والمثال على ذلك كما جعل عصا موسى حية ابتلعت الحبال والعصي أو لا؟ مع أنها جماد صارت حية تتحرك وتريد وتقصد فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف: ١١٧].
فيهذا تبين أن كل موجود يمكن أن يكون حيًّا بإذن الله، بالنسبة إلى قدرة الله يمكن أن يكون حيًّا، الأرض يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: ٤] ويش جعلها الله؟
طالب: حية.
الشيخ: جعلها الله ناطقة، والحصى سُمِع تسبحيه بيد النبي عليه الصلاة والسلام، وسلَّم عليه الحجر، ومع ذلك أنتم تقولون: هذا يقول: إنه لا يقبل الكلام، صحيح أنه في الأصل لا يقبل الكلام، لكن الله قادر على أن يجعله متكلمًا.
هذان جوابان؛ الجواب الأول: أن نقول: إن التفريق بين كون هذا يقبل ولا يقبل اصطلاح منكم، والاصطلاح لا يغير الحقيقة؛ بدليل أن ما زعمتموه غير ممكن ولا قابل قد جعله الله تعالى ممكنًا وقابلًا فوصف ما ليس بحي وصفه بالموت، وصف الجمادات بالموت، ووصف الإنسان قبل أن تُنفخ فيه الروح بالموت.
ثانيًا نقول: حتى الشيء الذي لا تحله الحياة فإن الله قادر على أن يجعله حيًّا، فيصح نفي الحياة عنه وإن كان لا يقبلها بحسب العادة باعتبار أن الله قادر على أن يجعله حيًّا.
وجه ثالث: قال: (وأيضًا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا مما لا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها).
يعني الشيء الذي لا يمكن أن يتصف بهذه الصفات، والشيء الذي يمكن لكن متصف بالنقائض يقول المؤلف: أيهم أعظم نقصًا؟ شيء لا يقبل الكمال ولا النقص وشيء يقبل الكمال، يقبل أن يكون كاملًا لكنه متصف بالنقص، أيهم أعظم نقصًا؟ الأول، ليش؟ لأن الأول لا يمكن أن يرد عليه كمالٌ، والثاني يُمكن أن يرد عليه كمال لكنه نقص.
أرجو الانتباه يا جماعة، ونشوف هل يمكن نناقش المؤلف في هذا الكلام ولا ما يمكن؟
المؤلف يقول: (ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا مما لا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه مما).
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنا عندي مما لا يقبل مما يقبل الظاهر.
طالب: لا يقبل.
الشيخ: الثاني الأخير.
طالب: مما لا يقبل.
الشيخ: (وأيضًا الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا مما يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها) هذا الصواب.
أقول: ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا مما يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها.
مثاله: الجماد الذي لا يُوصَف بالبصر، ولا العمى، ولا الكلام، ولا الخرس أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس؛ لأن الحي الأعمى الأخرس يقبل أن يكون كاملًا، يقبل الكمال فيكون حيًّا مبصرًا مُتكلمًا، لكن الجدار يمكن أن يكون كذلك؟ ما يمكن، فأيهما أعظم نقصًا ما لا يقبل الاتصاف بالكمال أو ما يقبله مع وجود ضده؟ ما يقبله مع وجود ضده.
المؤلف رحمه الله لاحظ أن القابل للكمال مع اتصافه بالضد أنها عيْن قابلة لأن تكون كاملة، وأما ما لا يقبل هذا ولا هذا فهو عين لا تقبل أن تكون كاملة فهي من هذا الوجه أعظم نقصًا.
لكن قد نناقشه فنقول له: إن العَمى في الحي نقْص، يعتبر نقصًا، والعمى في الجدار ليس بنقص؛ لأن الجدار لم تفته صفة كمال لكونه لا يبصر، والحي فاتته صفة كمال لكونه لا يُبصر.
فهنا لا شك أن من نظر إلى الأعمى من حيث البشر المبصرون يجد أن هذا ناقص، لكن من نظر إلى الجدار، وأنه لا يبصر لا يجده ناقصًا بالنسبة للجدران الأخرى، فكأن المؤلف لم يلتفت إلى هذا، التفت إلى أصل هذا الشيء، هل هو قابل للكمال أو غير قابل للكمال؟ فقال: إن الحي الأعمى في الأصل قابل، ويش هو قابل له؟ قابل للكمال، الحي الأعمى في الأصل قابل للكمال، الجدار في الأصل غير قابل، وإن كنا الآن نقول: إن وجود العمى بالنسبة للحي يُعتبر نقصًا، وأن فقد البصر بالنسبة للجدار ليس بنقص من حيث هو جدار، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: فعدم البصر بالنسبة للجدار لا يقال: إنه نقص في الجدار، أليس كذلك؟ لكن عدم البصر بالنسبة للإنسان نقْص، لكن يريد المؤلف المؤلف؛ يعني دخل من زاوية غير اللي يشير إليه، يقول المؤلف: إن العمى في الحي في الإنسان لا شك أنه صفة نقص لكن الإنسان من حيث هو إنسان قابل للكمال؛ لأن يكون مبصرًا، أليس كذلك؟
فقد البصر في الجدار نقص ولَّا لا؟ لا، ليس نقصًا بالنسبة للجدار أو لا؟ الجدار ما له عيون يا جماعة ويش اللي (...)؟ بالنسبة لجداركم (...)؛ ولهذا ما تقدر تقول: والله إحنا جدارنا له عيون، ما تقدر تقول هذا، إذن فلا نقص في الجدار الذي ليس له أعين، أليس كذلك؟ لكن بالنظر إلى أن أصل الجدار لا يقبل البصر، وأن أصل الإنسان الأعمى يقبل البصر، والبصر كمال يكون هنا ما يقبل الكمال أكمل مما لا يقبل الكمال.
فصار إذن ما لا يقبل الكمال والنقص أنقص مما يقبل الكمال والنقص في حال اختصاصه بالنقص.
عندما يقول المؤلف.. لكن الحقيقة قد يقول قائل: كلام المؤلف غير مُسلَّم؛ لأن العمى في الإنسان نقْص، وعدم البصر في الجدار ليس بنقْص، نقول: هذا صحيح، إذن كيف يقول المؤلف: إن الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا من الذي يقبلها واتصف بضدها؟ كيف يقول ذلك؟
نقول: نعم، يقول ذلك؛ لأن المؤلف رأى أن النقص الذي في الإنسان نقْص فيما يقبل الكمال، وما يقبل الكمال أكْمل مما لا يقبله، أكمل من الذي لا يقبله، وإذا كان ما يقبل الكمال وهو الآن ناقص أكمل مما لا يقبل الكمال تبين أن ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أنقص من الذي يقبله ولكن فقط بضدها.
يقول المؤلف رحمه الله: (فإذا قيل: إن الباري لا يمكن اتصافه بذلك كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك).
هذه المسألة -مثلما قلت قريبًا- يمكن أن يُناقِش فيها الإنسان ويقول: إن فقد البصر فيما من شأنه أن يُبصِر يُعتبر نقصًا، وإن فقد البصر فيما ليس من شأنه أن يبصر ليس بنقص.
يمكن أن يناقِش المناقِش، فيقال: لا نُسلِّم ما قاله المؤلف رحمه الله؛ لأن كل أحد يعلم أن الرجل الأعمى ناقص عن الرجل المبصِر لكنه وكل أحد يعلم أن الجدار الذي لا يُبصِر ليس فيه نقص إلا أن المؤلف لاحظ صفة الكمال، وقال: إن الرجل الأعمى صحيح أنه ناقِص لكنه يقبل الكمال، أليس كذلك؟ وأما الجدار فصحيح أنه ليس بناقص إذا فُقِد منه البصر لكنه لا يقبل الكمال، لا يقبل أن يكون مبصرًا فهو بهذه الناحية من هذا الوجه الوجه أنقص.
يقول: (مع أنه إذا جُعِل غير قابل لها كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها).
هذا صحيح، إذا قيل: إن الله ما يقبل الاتصاف بالسمع والبصر كالجدار، ويش صار مشبهًا به الآن؟ مُشبه بالجماد، ومن المعلوم أنه لو قيل لك: شَبِّه إنسانًا بشخص ناقص وشَبِّهه بالجدار؟ أيهم أعظم حزازة في نفسك؟ الجماد.
لو قيل: والله أنت يا أخي إنسان أصم ما تسمع، نعم، لا شك أنه قد يكون في نفسك، لكن لو قلت: أنت مثل اللبنة، أيهم أشد؟ في ظننا الأخير أشد؛ لأنه شبهه بشيء لا يمكن أن يقبل السمع بأي حال من الأحوال، لكن بالأول: أنت رجل ما تسمع أصم، هو يفهم أنك إذا قلت: أنت رجل أصم ما تسمع، يفهم أنك أنت تريد منه أن يكون كاملًا، وأنه يمكن أن يكمل بوجود السمع والبصر (...).
فخلاصة الكلام أن نقول: أنتم إذا قلتم: إن الله لا يقبل الاتصاف بالسمع والبصر أو الكلام والخرس أو الموت والحياة شبهتموه بأي شيء؟ بالجماد، وتشبيه الله بالجماد أعظم تنقيصًا له من أن يُشبَّه بالحي الناقص.
يقول: (كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي؟).
يعني معنى ذلك أن هذا من أعظم ما يكون بالتنقيص فكيف بمن قال ذلك على غيره؟ يعني مثلًا الآن لو قلت ذلك على غيرك، من غير الله؟ هذا يُعتبر من أعظم الجنايات أن تُشبِّه أعظم الذوات قدرًا بأحطِّها قدرًا، هذا أعظم مع أن العبارة عندي فيها قلق في الحقيقة، ما أدري هل هذا صواب في التعبير، فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي؟ يبدو لي أن العبارة ما هي بواضحة.
لكن معناها تقريبًا -والله أعلم- أن من قال ذلك على غيره؛ يعني قاله على الله يعني غير نفسه، فإنه أعظم تنقصًا مما يزعم أنه تشبيه بالحي؛ يعني معنى ذلك أن اللي يشبه الله بالجماد أعظم من اللي يشبهه بالحي؛ لأنهم يزعمون أنك إذا أثبت الصفات شبهت الله بالأحياء بالإنسان، فنقول: أنتم شبهتموه بما هو أعظم نقصًا.
(وأيضًا فنفس نفي هذه الصفات نقص) بقطع النظر عن كونها تنفي عمن يمكن اتصافه بها أو من لا يمكن.
أقول: الأخير هذا أظن هذا هو الثالث، نفس نفي الصفات هذه، نفس نفيها يعتبر نقصًا ليش؟ قال: كما أن إثباتها كمال فالحياة من حيث هي هي؛ يعني من حيث هي حياة يعني هي الثانية (...)، فالحياة من حيث هي هي -أي من حيث هي حياة مع قطع النظر عن تعيين الموصوف- بها صفة كمال أو لا؟ الحياة نفسها، كلمة حياة بقطع النظر عن كون المتصف بها فلان أو فلان أو علان هي صفة كمال، لا يستوي الأحياء ولا الأموات.
وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك، كل هذه صفات كمال بقطع النظر عن الموصوف بها أليس هكذا؟ يقول المؤلف: (وما كان صفة كمال فهو سبحانه أحق أن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه).
يقال: هذه الصفات اللي نفيتموها، هم نفوا الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، والكلام هنا مع غير الأشعرية؛ لأن الأشعرية يثبتون هذه الصفات.
نقول لهم: أنتم الآن إذا نفيتم هذه الصفات عن الخالق فقد نفيتم عنه صفة كمال؛ لأن هذه الصفات من حيث هي بقطع النظر عمن اتصف بها هي صفة كمال، فإذا قلت: ليس الله بحي، وقلت: المخلوق حي؛ معنى ذلك جعلت المخلوق أكمل من الخالق، وهذا شيء متعذر، فالوجوه إذن كم تكون؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
طالب: (...).
الشيخ: إي، وكون هذا يقبل أو لا يقبل، والثالث: أن هذه الصفات صفة كمال من حيث هي.

***

الطالب: (...) هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلًا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين المتناقضين.
فيُقال لهم: عِلْم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو عِلْم مطلق لا يستثنى منه موجود، والتحيز المذكور إن أُريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به فهذا هو الداخل في العالم; وإن أُريد به أنه منحاز عن المخلوقات -أي مباين لها- متميز عنها فهذا هو الخروج؛ فالمتحيز يُراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه، فهم غيَّروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقةَ قولهم أن هذا معنى آخر وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل; كما فعل أولئك بقولهم: ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل
.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الظاهر أن هذا الذي قال المؤلف سبق مرارًا ولَّا لا؟ في الذين يصفونه بالسلوب المتناقضة، أو بالسلوب دون إثبات أليس كذلك؟ مر علينا طائفة يسلبون عنه النقيضين ويقولون: ليس بموجود ولا معدوم.
وطائفة أخرى تسلب عنه الصفات فقط فلا تصفه بالإثبات، إنما الذي نحتاج إلى فهمه من هذه العبارات هي قوله: إن كل واحد منهم -من هاتين الطائفتين- أشد كفرًا من الأخرى من وجه.
فالطائفتان -كما تصورتم- طائفة تقول: لا نصفه لا بهذا ولا بهذا أو لا؟ يقول: ليس بموجود ولا ليس بموجود، أو ليس بموجود ولا معدوم. هذه الطائفة -كما مر علينا- فروا من أن يشبهوا الله بالموجودات أو بالمعدومات، ولكنهم وقعوا في شرٍّ من ذلك، حيث شبَّهوه بالممتنعات؛ يعني ليس يوجد شيء لا موجود، ولا معدوم، فهذا كُفْر ظاهر وتناقض ظاهر.
بقي عندنا الذين قالوا: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا يتكلم وما أشبه ذلك.
قال المؤلف: إن هؤلاء أعظم كُفرًا من أولئك من وجه؛ يعني كل واحد من هاتين الطائفتين أعظم كفرًا من الأخرى من وجه.
فلننظر الطائفة الأولى أعظم كفرًا من هذه، وهذه أعظم كفرًا من تلك، فكيف ذلك؟ كيف كانت الطائفة الأولى التي تصفه بشيء ممتنع أعظم كفرًا من هذه؟
طالب: لأنهم وصفوه بالممتنعات وهذا (...)؛ لأن بداهة العقول تعلم أن الله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: لأن قولهم -في الحقيقة- يؤدي إلى أنه ما هناك لا رب ولا شيء، وأنه يمتنع أن يوجد رب؛ إذ إن الموصوف بهذه الصفات ممتنع، يلزم من هذا أن يمتنع وجود رب.
الثانية أعظم كفرًا من وجه؟
طالب: (...) يقولون: ليس بحي ولا سميع (...).
الشيخ: يعني ينتفي عنه ذلك صفة الكمال هذه، ويش لزم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، إذا انتفت صفة الكمال هذه ويش يلزم؟
الطالب: صفة نقص.
الشيخ: يلزم منها ثبوت النقص، إذا انتفت الحياة يلزم أن يكون ميتًا، إذا انتفى السمع يلزم أن يكون أصم، البصر يلزم أن يكون أعمى، وهذا أشد كفرًا من أولئك من وجه آخر، حيث إنهم وصفوا، وقالوا على قولهم: يجب أن يكون الله متصفًا بالنقص؛ لأن ضد الحي الميت، وضد السميع الأصم، وضد البصير الأعمى.
أورد المؤلف ما كرر إيراده.
طالب: (...).
الشيخ: ها دولا أعظم؛ لأنهم وصفوه بالعيب والنقص، أثبتوا ربًّا لكن موصوفًا بالنقص والعيب، فهؤلاء أشد كفرًا من الأولين من هذا الوجه؛ من جهة إثبات الرب أقل، لكن من جهة أنهم وصفوا بالنقص أعظم، أولئك من جهة عدم الإثبات أعظم من هؤلاء؛ لأنهم أنكروا أن يكون يعني وصفوا الله بوصف لا يمكن أن يكون موجودًا.
أورد المؤلف ما سبق إيراده من أن هؤلاء يجيبون عن قولهم بأننا ننفي عنه النقيضين؛ لأنه ليس بقابل لهما، ونفي النقيضين عما ليس لقابل لهما ممكن ولَّا لا؟ نفي النقيضين عما ليس لقابل لهما ممكن أو لا؟ فيقولون: نحن نصف الله بنفي النقيضين؛ لأنه غير قابل لهما، فنقول: أنتم الآن فراركم من إثبات الصفات صار إلى شيء أشد نقصًا؛ لأنه كما مر ما يقبل الاتصاف بالكمال أكمل مما لا يقبل الاتصاف بالكمال، فأنتم الحقيقة الآن وإن زعمتم أنه غير قابل فإنه في الحقيقة وصفتم الله بما هو أنقص.
(وكذلك من ضاهى هؤلاء وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه)، وهذه مرت علينا أيضًا.
(فإذا قيل: هذا ممتنع في ضرورة العقل كما إذا قيل: ليس بقديم، ولا مُحدَث، ولا واجب، ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره، قالوا: إنما يكون هذا إذا كان قابلًا لذلك والقبول إنما يكون من المتحيِّز، فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين المتناقضين) أفهمتم الآن؟
طالب: كلمة (من ضاهى) ويش معناها؟
الشيخ: ضاهى يعني شابه، ضاهى مثل: يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة: ٣٠] يشابهون.
ثم قال: (فيقال لهم: عِلْم الخلق بامتناع الخلو عن هذين النقيضين هو علم مطلق لا يُستثنى منه موجود).
يعني أن الخلْق كلهم يعلمون بأنه يمتنع الخلو من هذين النقضين، ويش هما؟ الوجود والعدم، ممتنع أن يكون الشيء لا موجودًا ولا معدومًا، ولا حيًّا ولا ميتًا، وهكذا، فهذا العلم هل يستثنى منه شيء أن يكون قابلًا أو غير قابل؟! أبدًا لأن كل شيء فهو قابل للوجود والعدم، وقد سبق أن تقابل الوجود والعدم من باب تقابل السلب والإيجاب لا العدم (...)، فلا يمكن لأي مخلوق يدعي أنه يمكن خلو الأشياء عن هذين.
قال: (والتحيز المذكور) الآن هم يقولون: يلزم التحيز، معنى التحيز أن يكون الشيء منحازًا في حيِّز، وحيز الشيء ما أحاط به، يقول المؤلف مبينًا التفصيل لكلمة التحيز: التحيُّز المذكور إن أُرِيد به كون الأحياز الموجودة تُحيط به فهذا هو الداخل في العالم،
وإن أُريد به أنه منحازٌ عن المخلوقات; أي مُبايِن لها متميز عنها فهذا هو الخروج، فالمتحيِّز يُراد به تارةً ما هو داخل العالم وتارةً ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز؛ كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه.
المتحيز يقول المؤلف: (إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به فهذا هو الداخل في العالم) بالنسبة للمخلوقات يراد بها هذا ولَّا لا؟ يراد بها هذا؛ فالإنسان المتحيز بمعنى أن الأحياز التي تحوزه وتحيط به محيطة به.
فنحن الآن في هذه الغرفة متحيزون منحازون، ولدينا من كل جهة أسوار تُحيط بنا، إذن فنحن الآن داخل العالم.
وكل ما تحت العرش فإن العرش مُحيطٌ به فهو منحازٌ داخل العالم، وقد يراد بالمتحيز ما كان خارج العالم؛ أي المنحاز عن المخلوقات البائن منها، وهذا بالنسبة إلى الله حق ولا باطل؟ حق، فإن الله تعالى مُباين لمخلوقاته، فهم إذا قالوا: ليس بمتحيز ويش يلزم من قولهم؟ ألا يكون داخل العالم تحيط به الأحياز، ولا خارج العالم منحاز بائن عن العالم، فيلزم على قوله ألا يكون ثمة ربط؛ لأنهم الآن إذا قالوا: ليس بمتحيز على الإطلاق، هذا إذا أطلقوا ولم يقولوا: ليس بمتحيز انحيازًا تحيط به الأحياز، فإن معنى ذلك إنكار أن يكون الله داخل العالَم أو خارجه، وهذا -في الحقيقة- هو التعطيل المحض.
وقد مر عليكم في التوحيد في السنة (...) أن كلمة الحيز لا تكون مبتدأ، لا يوجد في كلام الله ولا في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أتى به أهل البدع ليوهموا الأغرار الذين لا يعرفون، يوهمونهم أن هذا باطل ليتوصلوا بذلك إلى نفي الصفات؛ ولهذا يقول المؤلف: (فإذا قيل: ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه، فهم غيَّروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل; كما فعل أولئك بقولهم: ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل).
خلاصة القاعدة هذه يا جماعة، ويش الخلاصة فيها؟ أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي.
وقلنا: القاعدة في الإثبات أن كل ما أثبته الله فهو صفة كمال، وكل ما ذكره المؤلف في أثناء هذه القاعدة فهو كالتكرار لما سبق؛ يعني ما أتى بمعنى جديد إلا أنه يغير العبارات ليوضح المعنى.
وأما النفي فقلنا: إن كل ما نفاه الله عن نفسه فهو صفة نقص لكنه يتضمن إثبات مدح هذه هي القاعدة.
فصل: القاعدة الثانية: في وجوب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرف معناه أم لم يعرف
01:14:35

(القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق; فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة متفقٌ عليه بين سلف الأمة). إلى آخره.
يقول: القاعدة الثانية: أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما أخبر به الرسول عن ربه سوء عرفنا معناه أم لم نعرفه.
لكن -يا جماعة- ما أخبر به الرسول عن ربه له وجهتان:
الوجهة الأولى: الكيفية.
والوجهة الثانية: المعنى.
أما الكيفية فلا سبيل لنا إلى العِلم بها مهما كان لا سبيل لنا إلى العلم بكيفية ما أخبر الرسول به عن ربه.
وجه الامتناع أن الشيء لا يعلم يعني طرق العلم بالشيء ثلاثة؛ إما مشاهدة هذا الشيء، أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه، وكل هذه الثلاثة بالنسبة لكيفية صفات الله موجودة ولا منتفية؟ منتفية فالله تعالى لم يُشاهده الخلق، ولا نظيرَ له سبحانه وتعالى، ولم يخبرنا الرسول عن كيفية تلك الصفات.
فإذن عِلم الكيفية بالنسبة لما أخبرنا الرسول به عن ربه ما حكمه؟ منتفٍ، لا يمكن ذلك بأي حال من الأحوال.
علم المعنى، هل هو منتفٍ ولَّا غير منتفٍ؟ غير منتفٍ، لكن قد يخفى بعض المعاني على بعض الناس، فحينئذٍ يجب التوقُّف لكن يجب الإيمان به، يجب الإيمان بأن ما وَصَف به الرسول ربه فهو حق لو لم نعرف معناه، ولكن عدم معرفة المعنى أمر نادر بالنسبة لما يعرف؛ ولهذا قال مالك -رحمه الله- في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف معروف، أنه مجهول، الكيف مجهول إلى آخره.
الآن قول المؤلف سواء عرفنا معناه أم لم نعرفه، هل هذا باعتبار الواقع، وأنه ينقسم إلى ما عُرف معناه، أو على فرض أن يوجد ذلك؟ على فرض أن يوجد ذلك، وهذا قد يُوجد لبعض الناس في بعض الصفات، أما أن نقول: إن جميع الصفات يمكن أن نجهل معناها فهذا لا يمكن؛ لأن هذا خلاف البيان الذي نزل به القرآن، فالقرآن بيان للناس ولا سيما في أعظم الأمور وهي صفات الله تبارك وتعالى.
فالمؤلف يقول فرضًا: (لأنه الصادق المصدوق) ما الفرق بين الصادق والمصدوق؟ الصادق من أخبر بالصِّدْق؛ أي بما يطابق الواقع، والمصدوق من أُخْبِر به؛ يعني بالصدق؛ يعني الذي أُخْبِر بما أيش؟
طالب: بما علم.
الشيخ: بما يوافق الواقع؛ لأن الصدق موافقة الواقع، والكذب مخالَفة الواقع، فحدَّثَنا رجل عن أمر بأنه وقع وهو لم يقع، هذا صدقنا أو كذبنا؟ كَذَبَنا، رجل أخبرنا بأمر واقع فكان كما أخبر، نقول: هذا صدقنا، فنحن مصدوقون وهو صادق، فصار الفرق بين الصادق والمصدوق الصادِق من أُخْبِر بالصدق، كذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: الصادق من أَخْبَر بالصدق، والمصدوق الصادق من أُخْبِر به.
يقول: (فما جاء في الكتاب والسُّنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها) يعني فيجب علينا أن نؤمن به؛ لأن الإجماع في هذا الباب حُجَّة.
قال: (مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة) ما يعني بهذا الباب؟ ما أخبر به الرسول عن ربه. (عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفق عليه) هذا خبر ثانٍ لـ(أن). وكان الذي يتوقع أن يكون بالنصب: يوجد منصوصًا عليه متفقًا عليه. هذا الذي يتوقع، لكن إذا كانت النسخ كلها عندكم بالرفع يمكن أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: (أنه) مع أن هذا الباب يوجد عامته يكون التقدير مع أن هذا الباب أيضًا متفق عليه بين سلف الأمة.
(وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقْبل مُطلقًا ولم يُرَدَّ جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويفسر المعنى).
الآن قسَّم المؤلف القاعدة هذه إلى قسمين: قسم جاءت به النصوص، أو اتفقت عليه الأمة أئمتها، ما حكمه؟ يجب الإيمان به علمنا معناه أم لم نعلمه.
قسم آخر تنازع الناس فيه، وهو الذي أشار إليه بقوله: وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا أو إثباتًا، تنازعوا فيه، فهل علينا أن نؤمن به ولَّا لا؟ بل يقول المؤلف: (فليس على أحد، بل ولا له) يعني ليس علينا أن نؤمن به، بل ولا لنا أن نؤمن به، فالفرق بين على واللام أظنه واضحًا، ما يجب علينا، ولا يحق لنا أن نؤمن به أيضًا ولَّا لا؟ أوما فهمتم الفرق بين على واللام؟ ليس علينا أن نؤمن به؛ لأنه ما ورد لا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أجمعت عليه الأمة.
(وليس لنا أن نؤمن به) يعني ما يحق لنا بعد نؤمن به؛ يعني ليس مباحًا لنا أن نؤمن به أيضًا حتى نستفصل.
ولهذا يقول: (بل ولا له أن يوفق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مُرادَه، فإن أراد حقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقْبَل مطلقًا، ولم يُردُّ جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويُفَسَّر المعنى). مثال ذلك: (كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك).
فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا كما إذا أُريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم.
يعني مثلًا أن تقول: هل الله سبحانه وتعالى جهة أو في جهة؟ هذه المسألة، ما موقفنا نحو هذا الشيء؟ إذا قال المبطلون مثلًا أو المبتدعون: نحن لا نؤمن بأن الله عالٍ بذاته؛ لأنه يلزم أن يكون جهة أو أن يكون في جهة، ما موقفنا نحو هذا؟ هل يجب علينا أن نؤمن بالجهة أو ننكر الجهة أو ماذا نصنع؟
نقول: الجهة في الحقيقة بالنسبة لله تشتمل على حق وباطل، فيحب أن نُفصِّل ماذا تريد بالجهة؟ إن أراد معنى يليق بالله سبحانه وتعالى ولا ينافي كماله حينئذٍ نقبل المعنى فقط، وأما اللفظ فنخليه بَرَّه، ما نثبته ولا ننفيه ليش؟! لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السُّنة نفيه ولا إثباته، لكن هم أتوا بهذا ليتوصلوا إلى نفي ما أثبت الله لنفسه من العلو، وجعلوا يقولون: جهة وما أشبه ذلك، فنقول لهم: الجهة إن أُرِيد بها شيء موجود غير الله كان مخلوقًا. (مثل إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يُراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص). إلى آخره.
إذا أُريد بالجهة ما فوق العالم، فهل يصح إثباتها من حيث المعنى لله ولَّا لا؟ نعم، يصح؛ لأن الذي فوق العالم هو الله.
إذا أُريد بالجهة شيء مخلوق غير الله فهذا لا يجوز أن نثبته لله؛ لأن الله ليس بمخلوق، موجود وليس بمخلوق.
يقول المؤلف: (ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه كما في إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك).
يعني أنك لا تجد في القرآن ولا في السنة أن الله في جهة أو أن الله جِهةٌ جهةُ العالم، ما تجد هذا لا نفيًا ولا إثباتًا، لكنك تجد إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك.
وقد عُلم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى -يعني لمن نفى الجهة-: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات؛ يعني فلا يكون جهة، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالَم مباين للمخلوقات، وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل، فصارت الجهة -يا جماعة- تقال على وجهين:
أحدهما: أن يُقال: الله جهة.
والثاني: أن يقال: الله في جهة.
وكلا الأمرين لم يرد في الكتاب والسنة لا إثباتًا ولا نفيًا، لكن مع ذلك إذا ابتُلينا بشخص يتكلم في ذلك ليتوصل به إلى نفي ما أَخبر الله به عن نفسه، فماذا نعمل؟ هل ندعه أو ننزل الميدان لنقود المعركة؟ يجب علينا أن ننزل الميدان لنقود المعركة، أما أن نقول: والله هذا ما ورد في الكتاب والسنة وبس فقد لا يكفي، يحتاج أن ننزل معه، ونقول: ماذا تريد بالجهة؟ إن أردت بالجهة ما هو مخلوق فالله تعالى لا يصح أن يطلق عليه جهة، وإن أردت بالجهة ما فوق العالم فمعلوم أن الله تعالى فوق العالم ولَّا لا؟ لكن لا بد أن تثبت أن الله جهة، أو أن الله ليس بجهة، بهذا اللفظ نحن نوافقك ولَّا لا؟ لا نوافقك، وإنما نستفسر منك ماذا تريد؟ إذا أردت شيئًا لا يليق بالله قلنا لك: ما نقبل هذا لا إثبات لفظه ولا معناه، إذا أردت به شيئًا يصح أن يكون لله وافقناك على المعنى وخالفناك في اللفظ.
الصورة الثانية: أن يقول: الله في جهة. نقول: كلمة في جهة إذا أردت أنها جهة تحيط به وتحوزه كما إذا قلت: فلان في جهة السطح أو في جهة المنارة؛ فالمعنى أن المنارة تحمله والسقف يحمله وتحيط به، إذا أردتَ بهذا الجهة، هذا المعنى باطل ولَّا حق؟ باطل بلا شك، إذن يكون باطلًا إثبات اللفظ أو المعنى.
وإذا أردت بالجهة أن الله تعالى في جهة علو لا يحيط به شيء من مخلوقات فهي حق ولَّا باطل؟ حق، ولكننا مع ذلك لا نقول: إن الله في جهة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أتى بدلًا عن (في جهة) ويش أتى بدلًا عنها بالعلو والاستواء على العرش والفوقية وما أشبه ذلك.
فنحن في مأمن عن هذا اللفظ، وأقول لكم أيضًا: كل شيء يحتمل معناه باطلًا تجدون أن الله لم يثبته لنفسه، كل شيء يتضمن حقًّا وباطلًا فإن الله سبحانه وتعالى لا يثبته لنفسه؛ لأن الله تعالى متصف بصفات الكمال، والله أعلم.