شرح العقيدة التدمرية - 12
عدد الزيارات 1611

عناصر المادة :
القاعدة الخامسة: في علمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه

باطل لا يليق بالله، ولا يجوز أن يتوهم متوهِّم ذلك، ومن توهمه فهو ضال خاطئ، وهو التصور، هذا ما هو؟ أن نجعل (في) للظرفية، وأن السماء مُحيطة بالله وهو داخلها، هذا شيء ممتنع، ولا يجوز، ولم يرد الله تعالى بقوله: أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٧] هذا المعنى، ما أراده أبدًا.
التصور الثاني: أن نجعل السماء بمعنى العلو، وتكون (في) للظرفية على ما هي عليه، وفِي السَّمَاءِأي: في جهة العلو، وهذا المعنى صحيح، وله شواهد تدل على أن السماء يُراد بها العلو منها قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]، وقد عُلِمَ أن الماء الطهور لا ينزل من السماء نفسها، وإنما ينزل من السحاب المسخَّر بين السماء والأرض.
نقول: السماء يُراد بها العلو، مثل قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًاأي من العلو.
التصور الثالث: أن نجعل (في) بمعنى (على)، ونقول: مَنْ فِي السَّمَاءِيعني من على السماء، والله تبارك وتعالى على السماء، ولا يلزم أن تكون محيطة به، ولكننا نحتاج إلى مثال استُعملت فيه (في) بمعنى على، والجواب فيه مثال، مثل: إذا قلت: فلان في السطح؛ يعني عليه، فلان في الجبل؛ يعني عليه، ومن القرآن أحسن: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١]، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] يعني على الأرض، سِيرُوا فِي الْأَرْضِ(في) بمعنى (على).

القاعدة الخامسة: في علمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه
00:02:27

نأخذ القاعدة الخامسة الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله: (القاعدة الخامسة: أننا نعلم بما أخبرنا به من وجه دون وجه) إلى آخره.
هذه القاعدة مهمة، وذلك أن ما أخبرنا الله به عن صفاته نعلمه من وجه دون وجه، ونحن نضرب مثلًا لذلك: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، نحن نعلم معنى (خَلَقَ)، وأن الخلق هو الإيجاد والإبداع والاختراع وما أشبه ذلك، لكن هل نعلم كيف خلق هذه؟ لا مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الكهف: ٥١].
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، نحن نعلم معنى اسْتَوَى، وأنه علا واستقر، لكن هل نعلم كيف استوى؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن نحن نعلم ما أخبرنا الله به من وجه دون وجه، فمن وجه المعنى نعلمه، ومن وجه الحقيقة والكيفية لا نعلمه، وبهذا يزول الإشكال الذي يرد هل آيات الصفات من المتشابِه أو من المحكَم؟
الجواب على هذا السؤال: أن نقول: إن أردت المعنى فهي من المحكَم، وإن أردت الكيفية والحقيقة فهي من المتشابه، فهي من حيث المعنى معروف كما قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم. ومن حيث الكيفية مجهولة.
إذن كل صفات الله عز وجل إذا قال لك قائل: هل هي من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله؟ فإنك تجيبه بقولك: إن أردتَ بذلك معناها فهي من المحكَم الواضح، وإن أردت بذلك الكيفية والحقيقة فإنها من المتشابه؛ لأننا لا نعلم ذلك.
المؤلف يقول: (أنا نعلم بما أخبرنا به من وجه دون وجه)، ما هو الوجه الذي نعلمها به؟ المعنى. (دون وجه) الحقيقة والكيفية.
ثم عاد المؤلف، فرَّع وأطال على هذه القاعدة فيما سنقرؤه إن شاء الله.
طالب: (...).
الشيخ: لا، كل المغيبات، الأسماء والصفات، والجنة أيضًا وما فيها من النعيم، والنار وما فيها من الجحيم، كل هذا نعلمه من وجه دون وجه إلا الأمور اللي ما شاهدناها فإننا نعلمها من وجه دون وجه.
وجه أننا نعلمه، وأن علمنا يمكن أن يبلغه، الدليل: فإن الله تعالى قال: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: ٨٢]، هذا الدليل أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، والاستفهام هنا للتوبيخ؛ توبيخ من لم يتدبر القرآن، وكون من لم يتدبر القرآن موبخًا يدل على أن القرآن يمكن الوصول إلى معناه، إذا لو لم يمكن الوصول إلى معناه ما كان التوبيخ على تَرْك التدبر حالًّا محلَّه؛ يعني ليس واقعًا في محله؛ يعني كيف يُوبَّخ الإنسان على عدم تدبر ما لا يمكنه فهمه؟ هل يمكن هذا ولَّا لا؟ هل يمكن أن يُوبَّخ الإنسان على عدم تدبر ما لا يمكنه فهمه؟
طالب: لا.
الشيخ: الجواب: لا يمكن. إذن فالقرآن يمكن الوصول إلى معرفة معناه؛ ولذلك وبَّخ الله من لم يتدبروا القرآن. إذن ما هو الدليل على أننا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه؟ الدليل: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ. وجه الدلالة: توبيخ الله هؤلاء الذين لا يتدبرون القرآن، هذا وجه الدلالة، وهذا يدل على أنه يمكن الوصول إلى معناه وإلا لما كان لتوبيخه محل.
وقال: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] المراد بـالْقَوْلَما قيل لهم، وهو القرآن، وقال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِهذا الشاهد. وبعد التدبر ومعرفة المعنى يتذكر أولو الألباب وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩].
لو كنا لا نعرف معنى القرآن هل يمكن أن نتذكر؟
طلبة: لا.
الشيخ: أبدًا. لو يجيء أفصح الناس في اللغة الأعجمية ويقف أمامنا، ويخطب خطابًا فصيحًا ونحن لا نعرف لغته هل يؤثر فينا؟ ما يؤثر. إذن القرآن لولا أنه يمكن الوصول إلى معناه ما قال: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِوَلِيَتَذَكَّرَ؛ إذ لا تذكر إلا بعد معرفة المعنى.
وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]، فأمر بتدبر القرآن كله، وين الأمر؟ فأمر بتدبر القرآن.
طالب: (...).
الشيخ: ما فيه الأمر اللي هو صيغة الأمر، الآيات اللي معنا ما فيها الأمر الذي هو بصيغة الأمر، لكن فيها ما يدل على الأمر وهو التوبيخ والإنكار على من لم يتدبر، فمن لازم ذلك أنه يُؤمَر الإنسان بتدبره.
بِتدبُّر الكتاب كله كل الكتاب، أو إلا آيات الصفات؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف أو إلا آيات الصفات؟ كل القرآن أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ. ما قال: إلا آيات الصفات أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] ما قال: إلا آيات الصفات أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن هو شامل للقرآن كله، ومنه آيات الصفات، وحينئذٍ نعرف أنه يمكن الوصول إلى معاني آيات الصفات.
عاد المؤلف بعد ذلك قال: (وقد قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]) هذه الآية تدل على أننا نعلم ما في القرآن من وجه دون وجه، لكن بينت أن القرآن ينقسم إلى قسمين: مُحْكَم ومُتشابه؛ فالمحكم ما علمنا معناه وحقيقته مثل: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢] هذا محكم؛ لأننا نعرف معنى إقامة الصلاة، ونعرف الصلاة ونقيمها ولَّا لا؟ آتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣] محكم ولَّا لا؟ محكم، لكن صفات الله سبحانه وتعالى هذا مُحكَم ولا متشابه؟ من حيث المعنى محكم؛ لأنه واضح، ومن حيث الحقيقة متشابه؛ ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧] إِلَّا اللَّهُقف، وتُعْرِب (الله) فاعلًا، وتَأْوِيلَهُمفعولًا.
وتُعرب وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؛ الرَّاسِخُونَمبتدأ، ويَقُولُونَالجملة خبر المبتدأ يعني وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هي بحال، استئنافية، الواو للاستئناف، والرَّاسِخُونَمبتدأ، وجملة يَقُولُونَخبره.
وقوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ؛ يعني ما يتعظ إلا أصحاب العقول.
وجمهور وسلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُهذا الوقف لازم ولَّا جائز؟ لازم؛ لأنه لو وَصَلْت لاختلف المعنى المقصود، فيجب الوقف لزومًا على قوله: إِلَّا اللَّهُعلى رأى جمهور سلف الأمة وخلفها.
وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجاهلته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب .
نعم، قسمه على أربعة أوجه: (تفسير تعرفه العرب من كلامها)، مثل أي شيء يا أخ؟
طالب: مثل معنى اسْتَوَىإما علا أو استقر.
الشيخ: هذا معناه لغةً تعرفه العرب من كلامها، ومثل معرفة الكأس والنمارق والسُّرُر والأكواب وما أشبه ذلك، كل هذا نرجع فيه إلى أي شيء؟ إلى اللغة العربية.
و(تفسير لا يعذر أحد بجهالته)؛ يعني ما يُعرف لكن لا بد أن يُعْلَم؛ وذلك مثل الأمور التي تلزم العبد، مثل: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وما أشبه ذلك، هذا ما كل واحد يعرفه لكن لا يعذر أحد بجهله، يجب أن يتعلمه الإنسان.
(وتفسير تعلمه العلماء) ويش مثل؟
طالب: الناسخ والمنسوخ.
الشيخ: إي، مثل الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والآيات اللي ظاهرها التعارض تحتاج إلى جمع، وما أشبه ذلك، هذا ما كل واحد يعلمه، ولكن يعلمه العلماء.
(تفسير لا يعلمه إلا الله) مثل حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، هذا ما يعلمه إلا الله، ما أحد يقدر يقول: أنا أعرف حقيقة يد الله، أعرف حقيقة الجنة، أعرف حقيقة النار، ما أحد يعرف، ولو ادَّعَى العلم فهو كاذب.
(وقد رُوِيَ عن مجاهد وطائفة: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله. وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، ولا منافاة بين القولين عند التحقيق).
فيه رأي آخر يرون أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وهؤلاء هم الأقل؛ لأنه ما دام يقول: جمهور سلف الأمة وخلفها على الوقف على إِلَّا اللَّهُ، ويش يصير الراسخون في العلم يعلمون تأويله ولَّا لا؟ لا يعلمون، إذا قلنا: قف على إِلَّا اللَّهُفمعنى ذلك أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله.
لكن روي عن مجاهد وطائفة من أهل العلم حتى عن ابن عباس نفسه أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله . هو نفسه يقول هذا: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وما رُوِي عن مجاهد بأنه عَرَضَ المصحف من فاتحته إلى خاتمته على ابن عباس يقفه عند كل آية ويسأله، يدل على أن الراسخين في العلم أيضًا يعلمون التأويل.
وعلى هذا الرأي لا يلزم الوقف على إِلَّا اللَّهُبل تصل وتقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
ونعربها الآن على هذا الوجه، فنقول: (الواو) حرف عطف، وَالرَّاسِخُونَمعطوفة على اللَّهُفتكون فاعلًا، فالراسخون إذن يعلمون تأويله، ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وتكون جملة يَقُولُونَحالًا من الراسخين في العلم؛ يعني أنهم يعلمون بقلوبهم، هذا المعنى، ويقولون بألسنتهم: آمنَّا به كل من عند ربنا.
وبسبب إيمانهم أمكنهم الوصول إلى معرفة هذا المتشابه، لاحظوا؛ لأن اللي ما يؤمن إذا عرضت عليه الآيات المتشابهات يزداد نفورًا، والمؤمن اللي يعرف أنه من عند الله، وأنه لا يمكن أن يتناقض يتمعن فيتدبر فيزداد إيمانًا؛ ولهذا قال: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.
هل بين القولين خلاف وتعارض؟ ويش نقول؟ قول من يقول: إن المتشابه لا يعلمه إلا الله ما يعلم تأويله إلا الله. وقول من يقول: إن المتشابه يعلم تأويله اللهُ والراسخون في العلم. هل بينهما تعارض؟ يقول المؤلف: (لا منافاة بين القولين عند التحقيق)، القولان اللي يقول: إن المتشابه ما يعلم تأويله إلا الله، وهو الذي عليه جمهور سلف الأمة وخلفها، والقول الثاني الذي يقول: إن الراسخين في العلم يعلمون التأويل أيضًا، يعني ما هو بس الله يعلم، الله والراسخون في العلم.
الآن المؤلف تكلم على الآية: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، فيه قول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِفيها رأيان:
الرأي الأول يقول: قف على قوله: إِلَّا اللَّهُ، فلا يكون الراسخون في العلم عالمين بتأويله، ما يعلم تأويله إلا الله بس، ووظيفة الراسخين في العلم أنهم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا.
الرأي الثاني: لا تقف على إِلَّا اللَّهُ، بل صِل الكلام وقل: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِالراسخون في العلم كذلك، الراسخون في العلم يعلمون تأويله، فهمت الفرق الآن ولَّا لا؟ فهمت أن فيه رأيًا يقول: إن المتشابه ما يعلم تأويله إلا الله، ورأي يقول: المتشابه ما يعلم تأويله إلا الله، ويش بعد؟ والراسخون في العلم، واضح الفرق بين القولين الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المؤلف يقول: لا منافاة بينهما عند التحقيق.
طالب: (...) الإعراب.
الشيخ: يختلف الإعراب، معلوم؛ لأنك لو وقفت: إِلَّا اللَّهُصارت الرَّاسِخُونَمبتدأ، و(الواو) للاستئناف، وجملة يَقُولُونَخبر، وإذا وصلت صارت (الواو) حرف عطف والرَّاسِخُونَمعطوفة على الله، والمعطوف على المرفوع مرفوع، فهي فاعل، وجملة يَقُولُونَفي محل نصب على الحال.
أرجو الانتباه يا جماعة، لا تقولون ما فهمنا، فصار عندنا في الآية رأيان.
(لا منافاة بينهما)، فإن وجه الجمع بين الأمرين (فإن لفظ (التأويل) قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معانٍ: أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله أن التأويل هو صرْف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح; لدليل يقترن به). يعني معناه أنك تؤول الكلام إلى كلام.
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] ويش ظاهر اللفظ؟ إِذَا قَرَأْتَأي: قرأت. مع أن المراد (إذا ابتدأت).
صرف إِذَا قَرَأْتَإلى معنى إذا ابتدأت يعتبر تأويلًا؛ لأننا صرفنا الكلام عن ظاهره عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليل يقترن به وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يستعيذ إذا انتهى من القراءة، ولكنه يستعيذ إذا ابتدأ القراءة. ويش نسمي هذا التفسير على هذا الاصطلاح؟ نسميه تأويلًا.
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] ويش هذا؟ تأويل ولَّا لا؟
طلبة: تأويل.
الشيخ: لأنه صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح. لكن عاد هل هناك دليل؟ كلمة (دليل) -يا جماعة- ليست من تمام التعريف، ولكنها من تمام صحة التأويل، يعني عاد التأويل يكون صحيحًا إذا كان له دليل، ولا يكون صحيحًا إذا لم يكن له دليل.
فمثلًا اللي يقول: اسْتَوَىبمعنى (استولى)، هم يزعمون أن لهم دليلًا على ذلك، وهو أن العقل يحيل أن يكون الله تعالى مستويًا؛ أي مرتفعًا وعالٍ على العرش. طيب هذا الدليل عقلي، وإحنا نرى أن هذا دليل ولَّا غير دليل؟ غير دليل؛ ولهذا قلنا: إن هذا التأويل تأويل فاسد.
المهم يا جماعة الآن؛ المعنى الأول للتأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، وهل نحتاج إلى كلمة (لدليل يقترن به)؟ لا، ما نحتاج، إنما نحتاج إليها إذا كنا نريد التأويل الصحيح.
أما مجرد صرف اللفظ سواء بدليل أو بغير دليل يسمى تأويلًا لكن إن كان لدليل فهو تأويل صحيح إذا كان هذا الدليل صحيحًا، وإذا لم يكن لدليل فليس صحيحًا، إذن التأويل غير مقبول.
طالب: (...).
الشيخ: المهم تعريف التأويل، صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، بس هذا تعريفه.
(ثم إن كان لدليل فهو صحيح، وإن لم يكن لدليل فهو فاسد، وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها) يعني أنه يكون في تأويل آيات الصفات، وصرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح.
وهل ذلك محمود أو مذموم أو حق أو باطل؟
نقول: أما إذا دل عليه الدليل فهو محمود وحق ولَّا باطل؟ حق، وإذا لم يدل عليه الدليل فليس محمودًا، وليس بحق فهو باطل، والله أعلم.
(...) وقال المؤلف: (إننا نعلم ما أخبرنا الله به عن نفسه من وجه دون وجه)، فما هو الوجه الذي نعلمه؟ هو المعنى. والوجه الذي لا نعلمه؟
طالب: هو الحقيقة والكيفية.
الشيخ: الحقيقة والكيفية، أحسنت، مَثِّل بمثال؟
طالب: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].
الشيخ: العلو والاستقرار.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ما نعلم حقيقته وكيفيته؛ لأن الله أخبرنا به، ولم يُخبِرنا بكيفيته فنحن نعلمه من وجه دون وجه. اختلف السلف في الوقوف في سورة آل عمران على إِلَّا اللَّهُأو الوصل.
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت.
طالب: (...).
الشيخ: إعرابها على الوقف: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ.
طالب: (...).
الشيخ: إي، تَأْوِيلَهُمفعول. واللَّهُ؟
طالب: واللَّهُفاعل.
الشيخ: فاعل طيب وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؟
طالب: وَالرَّاسِخُونَحال.
الشيخ: (...).
طالب: (...).
طالب آخر: الواو للاستئناف.
الشيخ: (الواو) للاستئناف.
طالب: ووَالرَّاسِخُونَمبتدأ.
الشيخ: نعم، أحسنت وخبره؟
الطالب: يَقُولُونَ.
الشيخ: يقولون طيب، هذا على قراءة الوقف، (الواو) للاستئناف، ووَالرَّاسِخُونَمبتدأ. وخبره: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وعلى قراءة الوصل، إعرابها على قراءة الوصل؟
طالب: على قراءة الوصل (...).
الشيخ: نعم، اللَّهُفاعل. ووَالرَّاسِخُونَمعطوف عليه، والمعطوف على الفاعل مرفوع. وجملة يَقُولُونَعلى هذه القراءة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، جملة: يَقُولُونَويش محلها من الإعراب؛ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ؟
طالب: حال.
الشيخ: حال، الجملة حالية؛ يعني وما يعلم تأويله إلا الله ويعلمه الراسخون في العلم حال كونهم يقولون: آمنا به.
هل بين الطريقين منافاة ولَّا لا؟
طالب: لا، ليس بينهما (...).
الشيخ: عند التحقيق، ليس بينهما منافاة، كيف ذلك؟
طالب: (...) كلمة التأويل لها ثلاثة معانٍ؛ الأول: صرْف اللفظ من المدلول الراجح إلى المدلول..
الشيخ: المعنى.
طالب: إلى المعنى المرجوح.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) هذا المعنى أو هذا القسم (...).
الطالب: (...) التأويل؛ لأنه إذا اقترن بدليل فهو تأويل صحيح.
الشيخ: (...) فهو صحيح.
طالب: وإذا لم يقترن بالدليل الصحيح (...).
الشيخ: اصبر، هذا التأويل يقول المؤلف: إنه في الواقع لا منافاة بين القولين؛ لأنه بين طريقة أكثر السلف والخلف الذين يقفون على إِلَّا اللَّهُ، وطريقة من يصلون فيقولون: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِلا منافاة بينهما، وذلك بالرجوع إلى معنى التأويل، والتأويل له ثلاثة اصطلاحات، أولًا: اصطلاح كثير من المتأخرين كما قال المؤلف، وهو صرْف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.
مثال ذلك: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]، المعنى الراجح: إِذَا قَرَأْتَأي أتممت القراءة؛ لأنه لا يصدق الإنسان أنه قرأ إلا إذا قرأ، والمعنى المرجوح (إذا أردت أن تقرأ).
فهنا هل الآية تُحمل على المعنى الراجح ويقال: إِذَا قَرَأْتَأي: إذا أتممت القراءة فاستعذ، أو على المعنى المرجوح: إِذَا قَرَأْتَأي: أردتَ أن تقرأ؟ تُحمل على المعنى المرجوح، فإذا قلنا: إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَأي: إذا أردتَ قراءته سمَّينا هذا تأويلًا؛ لأننا أخرجنا الآية عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، ولكن هذا التأويل صحيح؛ لأنه دلت عليه السُّنَّة، وهو عمل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ.
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] هذا مثال آخر. عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىالمعنى الراجح ما هو؟ علا واستقر، والمعنى المرجوح اسْتَوَىأي استولى، الخلف من الأشاعرة وغيرهم يقولون: اسْتَوَىبمعنى (استولى)، ونسمي هذا التفسير تأويلًا؛ لأنهم أخرجوه عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح. ويش دليلكم؟ يقولون: دليلنا أنه ما يمكن أن الله سبحانه وتعالى يستوي على العرش، ما يمكن؛ لأن هذا يقتضي أن يكون جسمًا إلى آخر ما يقولون، فهم الآن تفسيرهم اسْتَوَىبمعنى (استولى)، يسمونه تأويلًا، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: نحمل اللفظ على المعنى الراجح، وهو أنه بمعنى (علا واستقر)؛ لأن التأويل الذي ذكرتم ليس عليه دليل، وحمله على المعنى الراجح لا يمنع منه مانع، فيجب أن يُحمل على المعنى الراجح، أرجو الانتباه، الآن عندكم مثالان، كلاهما تأويل لكن فيه تأويل صحيح للدليل الصحيح عليه، وفيه تأويل ليس بصحيح، أرجو تربطوا المثالين دول، ما هو المثال الأول؟ إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَنؤوله (إذا أردت قراءة القرآن)، لنا دليل ولَّا لا؟ الدليل من السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ إذا أراد أن يقرأ لا إذا قرأ.
استوى على العرش، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] اسْتَوَىلها معنيان؛ معنى راجح، وهو (علا واستقر)، ومعنى مرجوح (استولى على العرش)، كذا ولَّا لا؟ أهل التأويل سلكوا التأويل في هذا وقالوا: معنى اسْتَوَى(استولى)، فصرفوا اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؛ لدليل عندهم هم يعتقدونه صحيحًا، ولكننا نحن لا نعتقده صحيحًا؛ ولهذا نقول: إن هذا التأويل باطل؛ لأنه لا دليل يدل على فساد المعنى الراجح، المعنى الراجح اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِيعني (علا عليه)، ما فيه شيء يمنع وأنتم تقولون: اسْتَوَىبمعنى (استولى)، ما عندكم دليل؛ فلهذا نقول: هذا تأويل فاسد ولَّا غير فاسد؟ هذا تأويل فاسد، إذن تفسير اسْتَوَىبمعنى (استولى)، تأويل تفسير إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَبمعنى (إذا أردت قراءته) هو تأويل أيضًا، لكن الأول اسْتَوَىأي (استولى) فاسد؛ لأنه لا دليل عليه، والثاني صحيح؛ لأن عليه دليلًا.
هذا الاصطلاح اللي يقول المؤلف: (اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله أن التأويل) أيش؟
طالب: ويش معنى استولى (...)؟
الشيخ: استولى يعني استولى عليه من الاستيلاء، مثل استيلاء إنسان على مال.
يقول المؤلف رحمه الله: (وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وترك تأويلها، وهل ذلك محمود أو مذموم أو حق أو باطل؟).
نقول: هذا محمود وحق متى؟ إذا دل عليه دليل صحيح، مثل: إِذَا قَرَأْتَأي أردت أن تقرأ، وهو مذموم وباطل إذا لم يدل عليه دليل صحيح، مثل: اسْتَوَىبمعنى (استولى).
(الثاني من معاني التأويل: أن التأويل بمعنى التفسير، فيقال: تأويل قوله تعالى كذا؛ أي تفسيره، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير، واختلف علماء التأويل).
يعني الآن نقول: المعنى الثاني للتأويل أي التفسير، تأويل كذا أي تفسيره. يقول المؤلف: (إن هذا هو اصطلاح المفسرين للقرآن) اللي يفسرون القرآن ولا سيما الذين يفسرونه بالأثر مثل ابن جرير وأمثاله، دعونا من الذين يفسرونه بالنظر مثل الزمخشري وغيره، هؤلاء قد يعنون بالتأويل المعنى الأول، لكن مثل ابن جرير الذين تفسيرهم تفسير أثري، هؤلاء إذا قالوا: التأويل، أو تأويل قوله تعالى؛ يريدون بذلك التفسير، فإذن هذا معنى آخر للتأويل.
ويقول المؤلف: (ومجاهد إمام المفسرين) قصده إمام المفسرين في زمنه وإلا فقبله من هو أعلم منه كابن عباس مثلًا لكن إمام المفسرين من التابعين.
قال: (قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به)، يعني معناه أنه يكفيك عن غيره، وهذا ثناء بالغ قال: (وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره).
طالب: (...).
الشيخ: وين؟
طالب: الشافعي، وأحمد، والبخاري، وغيرهم.
الشيخ: (يعتمد الشافعي، وأحمد، والبخاري، وغيرهم).
طالب: وغيرهما.
الشيخ: لا، عندك غيرهما ولا غيرهم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو (...) (الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم).
إذا قلنا: التأويل أي التفسير -أرجو الانتباه يا جماعة- فهنا يكون الصواب في الآية الوَصْل أو الوقف؟ إذا قلنا: التأويل بمعنى التفسير؟
طالب: الوصل.
الشيخ: الوصل ولَّا الوقف؟ الوصل، لماذا؟ لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير المتشابه.
فإذا قلنا بالمعنى هذا الثاني؛ أن التأويل -أي التفسير- بمعنى التفسير، فلا شك أن قراءة الوصل أصح؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير المتشابه، ولهذا رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله . ويش معنى تأويله؟ أي: تفسيره.
وهو الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» . أي التفسير (...)، فصارت الآية إذا حملنا التأويل في قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُإذا حملناه على التفسير كان الوصل أوْلى من الفصل؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون التفسير.
الثَّالِث يقول: (من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما قال الله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] أي: ما ينظرون، أي ينتظرون إلا تأويله يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار، ونحو ذلك كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا). الثاني: (هو تفسير الكلام وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يفهم معناه أو تُعرف عِلَّته أو دليله، وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن -عندي يعني، والظاهر تعني- قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ٣]، وقول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر والكلام خبر وأمر).
هذا المعنى الثالث يا جماعة للتأويل أنه الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
إذا كان الكلام خبرًا عن شيء فما تأويله؟ وقوع الْمُخبَر به إذا كان الكلام خبرًا عن شيء فتأويله وقوع المخبَر به، وإذا كان الكلام أمرًا فتأويله فِعْل المأمور به.
يوسف عليه الصلاة والسلام رأى في المنام أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين، هذه الرؤيا خبر في الواقع؛ لأن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. فكأنه لما رأى هؤلاء يسجدون له كأنه أُخْبِر بأن هؤلاء يسجدون له. كأنه أوحي إليه بأن هؤلاء يسجدون له بعد مدة ودخولهم مصر خروا له سُجَّدًا، ويش قال؟ قال: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُويش معنى تأويلها؟ إي، وقوع ما أُخْبِر به.
وكذلك يقول الله عز وجل في المكذبين بيوم القيامة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] ويش معنى تَأْوِيلَهُ؟ أي: وقوع ما أخبر به يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ، فهذا التأويل الذي بمعنى الحقيقة، نقول: التأويل الذي بمعنى الحقيقة إن كان خبرًا فتأويله وقوع المخبَر به، وإن كان أمرًا فتأويله فِعْل المأمور به؛ ولهذا قالت عائشة في فِعل الرسول عليه الصلاة والسلام حينما كان يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» . قالت: إنه يتأوَّل القرآن، ويش معنى يتأوله؟ أي: يفعل ما أُمِر به؛ لأن مآل الكلام إذا كان أمرًا ويش مآله؟ أن يُفعل هذا الأمر، ومآل الكلام إذا كان خبرًا أن يقع الْمُخبَر به.
(على هذا المعنى) أي على معنى أن التأويل بمعنى العاقبة والحقيقة، حقيقة المخْبَر به وحقيقة المأمور به، على هذا المعنى يكون الوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُأرجح من الوصل؛ لأن حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر من اللي يعلمها؟
طلبة: الله.
الشيخ: وهل يعلمها الراسخون في العلم؟ لا، فتبين الآن أن التأويل بأقسامه الثلاثة ما هو الذي يتناسب والآية؟ يتناسب والآية المعنيان الأخيران الثاني والثالث، أما المعنى الأول فلا يتناسب مع الآية، ولم يرد الله تعالى بقوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُلم يُرِد المعنى المرجوح، وإنما أراد سبحانه وتعالى إما حقيقة الأمر الذي أَخْبَر به، وإما تفسير هذا المعنى تفسير الخبر.
وعليه فإذا أُرِيد بالتأويل التفسير فإن الراسخين في العلم يعلمونه، ويكون الوصل أوْلَى، وإذا أريد بالتأويل الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وهو وقوع ما أخبر به والتزام ما أمر به فإن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الراسخون في العلم، فعلى هذا تكون قراءة الوقف أولى. حينئذٍ لا منافاة بين القولين، تبين الآن ألَّا منافاة بين القولين، فما وجهه يا أخ؟ ويش وجه أنه لا منافاة بين القولين؟
طالب: لا منافاة بين القولين (...) أريد به التأويل التفسير (...)، وإذا أريد به حقيقة الشيء فهو (...).
الشيخ: فهذا فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر.
الطالب: (...).
الشيخ: لا يعلمه إلا الله فيكون الوقْف لازمًا.
المؤلف يقول: (لا منافاة بين القولين)، لماذا لم يكن بينهما منافاة؟ لأن كل واحد محمول على جهة أخرى، والتنافي يا جماعة إنما يكون فيما إذا اتفق المتنافيان في جهة واحدة، أما إذا كان لكل واحد جهة فلا منافاة، ولا تصادم بينهما، وعلى هذا فأرجو أن تكونوا فهمتم الآن أنه لا منافاة بين الوصل والوقف، لماذا لا منافاة؟ لأن للوصل معنى وللوقف معنى آخر، ما هو معنى الوصل؟ أن التأويل بمعنى التفسير، فإننا إذا قلنا: وما يعلم تفسيره إلا الله؛ فإننا نعلم أن الراسخين في العلم يعلمون تفسيره؛ ولهذا فُسِّر القرآن من أوله إلى آخره مثلما قال مجاهد: إنه يسأل ابن عباس آية آية، وإذا قلنا: إن التأويل هو العاقبة والحقيقة التي يؤول إليها الأمر فإنما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر ويش هو؟ لا يعلمه إلا الله.
اسْتَوَىبمعنى (استولى)، كيفية استواء الله على عرشه كذا وكذا (...)، اسْتَوَىبمعنى (علا واستقر)، اسْتَوَىبمعنى (على كيفية كذا وكذا)، أيهم اللي من التأويل بمعنى التفسير؟ وأيهم من التأويل بمعنى الحقيقة؟
إذا قلت: اسْتَوَىبمعنى (علا واستقر) فهذا التفسير، ويعلمه العلماء ولَّا ما يعلمونه؟ يعلمونه، إذا قلت: استوى على كيفية كذا وكذا؛ فهذا من التأويل بمعنى الحقيقة ولا يعلمه إلا الله، فتبين الآن أن للتأويل معنيين؛ إما التفسير وإما حقيقة المؤول، فعلى الأول يكون الوصل؛ لأن الراسخين في العِلْم يعلمون، وعلى الثاني يكون القطع؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.
فصار التأويل يا جماعة يطلق على ثلاثة اصطلاحات الأول.
طالب: (...).
الشيخ: عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، وهل يمكن أن تتنزل الآية: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُعلى هذا الاصطلاح؟ لا، لأن هذا اصطلاح المتأخرين، ما يُعْرف هذا في كلام الله ورسوله أبدًا، المعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، والمعنى الثالث: التأويل بمعنى الحقيقة التي عليها المؤوَّل، وهذان المعنيان هما اللذان يمكن أن تتنزل عليهما الآية ولَّا لا؟ فإذا اخترت التأويل في الآية بمعنى التفسير فتقف ولَّا تصل؟ تصل، وإن فسرت التأويل بمعنى الحقيقة التي هي عليها أصبح الكلام، فإن الوقف أوْلَى، ويكون هذا مما لا يعلمه إلا الله.
طالب: أولى يا شيخ ولَّا يجب؟
الشيخ: أولى أو يجب، لكننا نقول: أولى؛ لأنه قد يصل الإنسان مثلًا قراءة وهو يريد التفسير.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما يجوز، الأول ما يجوز، المؤلف ما يريده، ولهذا ما عدا ذلك، ترى هذا اصطلاح للمتأخرين، ثم قال: الثاني والثالث؛ لأنه ما أراد هذا الأول.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بالثاني، هذا الثالث، الثاني يعني المعنى الثاني للتأويل، والثالث يعني المعنى الثالث للتأويل، وترْك المعنى الأول؛ لأنه لا يراد بالآية، ترك المعنى الأول اللي هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؛ لأنه ما يُراد بالآية الثاني اللي سبق؛ إي، ما هو بالثاني اللي ضمن الثالث.
ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: (الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة، كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء; لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به، ونهى عنه لعلمهم بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة).
المؤلف يقول: إن التأويل بمعنى التفسير، والتأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها، نجيء مثلًا إلى تفسير كلام الرسول عليه الصلاة والسلام في الأمور الشرعية، إذا تعارض عندنا التفسير اللغوي والشرعي، فأيهما أعلم الفقهاء الذين يتكلمون على المقاصد الشرعية ولَّا أهل اللغة الذين يتكلمون على المعاني اللغوية؟ نقول: الفقهاء مثلما قال أبو عبيد، الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة؛ لأن الفقهاء هم أهل الشرع الذين تمرنوا على فقهه ومعرفته، فيعرفون مراده بكلامه؛ لأنهم تعودوا عليه مثلما أن الأطباء والنحويين، الأطباء يعرفون من كلام بقراط ما لا يعرفه أهل اللغة؛ لأن عندهم اصطلاحات طبية ما يعرفها أهل اللغة، سيبويه يعرف أتباعه من كلامه ما لا يعرفه غيرهم، لماذا؟ لأنهم تمرنوا على كلام، وأنتم الآن الإنسان إذا قرأ كتب عالم من العلماء وتردد فيها يمكن لو يقرأ عبارة ما نُسبت إليه عرف أنها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما نُسِبت إليه وهي من كلامه، يعرفها أنها من كلامه، يعني مثلًا (تدرس) في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم (...) ورقة في السوق، وتقرأ وإذا عبارتها مثل عبارة الرجل تقول: هذا من كلام ابن تيمية؛ لأنك عرفت منهجه وأسلوبه وكلامه، وكذلك كل إنسان يتكرر قراءتك لكلامه لا شك أنك ستعرف من كلامه ما لا يعرفه غيرك.
الآن إذا جاء إنسان وقرأ في الفقه وتمرَّن فيه، وإنسان تو بيبتدئ فيه، أيهم أعرف بكلام الفقهاء؟ الأول أعرف؛ لأنه مُتمرِّن، وهذا شيء معلوم.
ثم قال المؤلف: (ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر) معلوم، تأويل الأمر والنهي ويش هو تأويل الأمر؟ فعله، فعل المأمور به، فلا بد أن تعرفه؛ لأنه لا بد أن تطبق الأمر، والنهي كذلك لا بد أن تتجنبه، لكن الخبر هل نحن مُلزَمون بمعرفة الحقيقة؟ ما هو بمعرفة المعنى، بمعرفة الحقيقة، لا، ولا يمكنننا ذلك أيضًا في الأمور المستقبلة؛ لأن (...).
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا أمر الله أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢] تأويل أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، يعني أولًا تفهم معنى (أقيم)، وهذا التأويل بمعنى التفسير، ثم تقيم الصلاة، وهذا التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فلا بد أنك تعرف معنى أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، ولا بد أن تطبق تقيم الصلاة.
الزنا لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢]، لا بد أن تعرف ما هو الزنا، ولا بد أن تبتعد عن الزنا، لكن يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] هل يلزم عليك أنك تعرف حقيقة يد الله؟ لا، تعرف معناه وكفى، ولا يمكنك أن تصل إلى معرفة الحقيقة فيه.
قال: (إذا عُرِف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد).
أظن هذا واضح.
(ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بِمُحكمِه، ونؤمن بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسِه، وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة يُشبِه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وخمرًا ونحو ذلك، وهذا يُشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته، فأسماء الله تعالى وصفاته أوْلى، وإن كان بينها -أي بين أسماء الله وصفاته- وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابُه لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته).
طلبة: (...).
الشيخ: (أن) امسحوها.
(والإخبار عن الغائب لا يُفهم إن لم يُعبَّر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويُعلَم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد; مع العلم بالفارق الْمُميِّز).
المؤلف يقول: لا بد أن يخبر الله تعالى عما في الجنة من النعيم. ولكن بماذا يخبر؟ يُخبر بألفاظ تكون مماثلة لما نشاهده في الدنيا، الآن مثلًا في الجنة فاكهة ونخل ورمان، الحقيقة مختلفة لكن هي غائبة عنا، ولا نشاهدها؟ غائبة، هل يمكن أن نعرف هذا إلا بأن يُعبَّر بها عما نعلمه؟ ما يمكن، إلا إذا عُبِّر بها بعبارة نعلمها، إذا لم يُعبَّر بعبارة نعلمها ما نعرف ما في الغائب.
هذا معنى كلام المؤلف، وكأنه يقول: إن ما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عما في الجنة من النعيم وما في والنار من العذاب لا بد أن يُعَبَّر به بألفاظ معلومة لنا نعرف معانيها؛ لأنه لو لم يُعَبَّر بها كذلك ما عرفنا عنها شيئًا؛ إذ الغائب لا يمكن معرفته إلا بالتعبير عنه بما للشاهد.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: هل في الحديث (...)؟
الشيخ: إي، في الحديث أشياء متشابهة؛ لأنها مثلما في القرآن، كل الأحاديث اللي في الصفات مثل القرآن في الصفات.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).

***

الشيخ: (...) محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فقد تقدم لنا القاعدة الخامسة، فما هي؟
طالب: (...).
الشيخ: نعلم أن ما أخبرنا به.
طالب: (...).
الشيخ: أن نعلم بما أخبرنا به من وجه دون وجه. ما هو الوجه الذي نعلمه؟
طالب: معنى ما أخبرنا به، أما الكيفية والحقيقة فلا.
الشيخ: فلا نعلمها، أحسنت.
في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِوجهان للسلف.
طالب: وجه الوَقْف على اللَّهُووجه الوصل.
الشيخ: طيب، الوقف على اللَّهُويش يكون معنى التأويل؟
طالب: يكون معنى التأويل (...).
الشيخ: لا، ويش معنى التأويل على الوقف؟
طالب: يكون بمعنى (...).
الشيخ: نعم، أحسنت، وعلى الوصل؟
الطالب: الوصل؟
الشيخ: ويش يكون معنى التأويل؟
الطالب: يعني يكون التفسير (...).
الشيخ: ماذا يكون معنى التأويل على قراءة الوصل؟
طالب: يكون التأويل بمعنى التفسير.
الشيخ: بمعنى التفسير، ويكون الراسخون في العلم.
طالب: يعلمون تفسيره.
الشيخ: زين، على هذا يمكن الجمع بين الوجهين ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن، وذلك أن نحمل؟
طالب: أن نحمل التأويل على التفسير والحقيقة (...) معرفة حقائق أخبرنا الله بها.
الشيخ: يعني نحمل الوقف على أن معنى التأويل؟
طالب: الحقيقية وما يؤول إليها.
الشيخ: الحقيقية، وما يؤول إليها، ونحمل الوصل على أن التأويل بمعنى التفسير.
ما هو تأويل الخبر إذا قلنا: إن التأويل هو الحقيقة التي يكون عليها الكلام؟
طالب: هي الحقيقة التي (...) إليها الكلام.
الشيخ: يقول: (...) ويش يصير معناه؟ تأويل الخبر؟
الطالب: هي التي (...) العلماء اختلفوا (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: تمام، تأويل الخبر إذا قلنا: إن الخبر هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام يصير تأويل الخبر هو وقوع الْمُخبَر به، مثاله من القرآن؟
طالب: مثلما أخبر به عن نفسه من معانٍ.
الشيخ: لكن مثاله، نريد آية فيها معنى التأويل وقوع المخبر به؟
طالب: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ [الأعراف: ٥٣].
الشيخ: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ.
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أحسنت، تَأْوِيلُهُيعني وقوع ما أخبر به.
طالب: وقوع ما أخبر به.
الشيخ: طيب بارك الله فيك.
وماذا يكون تأويل الأمر إذا كان التأويل بمعنى الحقيقة؟ ويش يكون تأويل الأمر؟
طالب: تأويل الأمر هو فعله.
الشيخ: فعل المأمور به.
إذا قلت: أَقِيمُوا الصَّلَاةَأي: افعلوها مستقيمة، ما معنى هذا التأويل يا أخ؟
طالب: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.
الشيخ: إي، افعلوها مستقيمة، ويش معنى هذا التأويل؟ الآن أنا أوَّلت الآية، ويش معنى أولتها؟
طالب: (...).
الشيخ: خطأ. قلت: أَقِيمُوا الصَّلَاةَأي: افعلوها مستقيمة، معنى هذا التأويل؟
طالب: تأويل (...).
الشيخ: ويش معناه؟
طالب: هو تفسير.
الشيخ: يعني التفسير، الآن فسرت معنى أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.
قلت: أَقِيمُوا الصَّلَاةَفذهبت فتوضأت فصليت، ما معنى هذا التأويل؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا اللي بمعنى الحقيقة ولَّا بمعنى التفسير؟
طالب: بمعنى الحقيقة.
الشيخ: بمعنى الحقيقة ليش؟ لأنني فعلت حقيقة المأمور به.
أخذنا الآن معنيين من معاني التأويل، طيب فيها معنى ثالث، المعنى الثالث للتأويل؟
طالب: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.
الشيخ: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، هذا الاصطلاح اصطلاح في القرآن والسنة ولا أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: اصطلاح كثير من.
طالب: من (...).
الشيخ: اصطلاح.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما ضبطت.
طالب: اصطلاح كثير من الفقهاء (...).
الشيخ: كثير من المهتمين بالفقه وأصوله، المتأخرين.
هل يمكن أن يُخرَّج التأويل الذي في الآية: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُعلى هذا المعنى ولَّا ما يمكن؟
طالب: صرف اللفظ عن المعنى..
الشيخ: إي، يمكن ولَّا ما يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: ولا (...) يمكن، ولَّا ما يمكن؟
طالب: (...).
الشيخ: يمكن.
طالب: نعم.
الشيخ: صار إذن الآية تحتمل معاني التأويل الثلاث، الآية تحتمل التفسير والحقيقة، وصرف اللفظ عن المعنى الراجح، كذا؟ ويش لون (...) يا جماعة؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، زين.
طالب: الحقيقة والتفسير.
الشيخ: الحقيقة والتفسير فقط، أما صرْف اللفظ عن المعنى الراجح ما يمكن يكون في الآية؛ لأنه اصطلاح كثير من المتأخرين، هذا ما حدث هذا المعنى إلا في المتأخرين، ولا يمكن يُحمل كلام الله سبحانه وتعالى على شيء ما بعد فهم الناس معناه.
طالب: إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ [الأعراف: ٢٠٤].
الشيخ: إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُهذا يكون تفسيرًا؛ لأنه ما دام فيه دليل صحيح يكون تفسيرًا هذا، الآن نحن نفسر الآية؛ لأن معنا دليلًا صحيحًا على التأويل، فتفسير الآية قد يكون موافقًا لظاهرها وهو المعنى الراجح، وقد يكون مخالفًا لظاهرها، المهم أن هذا هو المعنى الذي دلت عليه الآية، فلا فرق بين أن يكون موافقًا للظاهر أو مخالفًا للظاهر.
لو قلتم: إن التأويل بدل عن صرف المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، صرْف اللفظ عن ظاهرِه إلى معنى يُخالِف الظاهر، يصلح ولَّا لا؟ يصلح.
طالب: إي نعم.
الشيخ: حطوا بالكم لهذه عشان إذا أردتم أن تتحكموا بالألفاظ فلا حرج، يعني أن تقولوا: بدل صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، كما يمكن أن تقولوا: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر؛ لأن ظاهر اللفظ هو المعنى الراجح في الواقع؛ ولهذا كثير من الناس يفسر هذا التأويل بقوله: صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر.
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية بمعنى هذا الكلام، فأنتم لكم الحرية في أن تقولوا: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف ظاهره، أو أن تقولوا: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
يقول: (إذا عُرِف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات) صحيح، تأويل ما أخبر الله به عن نفسه بمعنى الحقيقة هو نفس ذات الله سبحانه وتعالى وما لها من الأسماء والصفات.
(وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد) هذا على المعنى، أي المعاني؟
طالب: الأول.
الشيخ: على معنى أن التأويل هو الحقيقة.
(ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بِمُحكمِه ونؤمن بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة يُشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وخمرًا ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله) يعني في الحقيقة، ولا هو في حقيقته أيضًا، الرمان اللي في الدنيا ليس الرمان اللي في الآخرة مثلًا، واللحم اللي في الدنيا ليس اللحم اللي في الآخرة، ولا هو أيضًا مثله، لكن يوافقوه في أي شيء؟ في الاسم والمعنى، أما في الحقيقة فلا.
طالب: (...).
الشيخ: أجابوا على أن هذا الذي يذكر عن صفات الله تعالى وأسمائه بحديث: نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه. فمُحكمه نعمل به، والمتشابه نكل علمه إلى الله.
يقول: (وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته، فأسماء الله وصفاته أولى، وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته، والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد) مع العلم بالفارق المميز (وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فنحن إذا أخبرنا الله تعالى بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسرنا ذلك).
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف (...) ومعناه مفهوم ولَّا لا؟
طالب: (...) وفهمنا ما أريد منه فهمه.
الشيخ: ما أريد منا فهمه.
طالب: ما عندنا (منا) (منه).
الشيخ: لا، (منه).
(وأما نفس الحقيقة المخبَر عنها مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله)
أظن كل هذا يا جماعة اعلموا أنه مكرر، وأن المعنى قد بيناه حقيقة هذه المغيبات غير معلومة لنا ومعناها معلوم.
(ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
وهذا مر علينا قبل.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...)، والسؤال عنه، السؤال عن الكيفية؟
الشيخ: معروف؛ لأنه قيل له: كيف استوى؟ هو سئل عن الكيفية: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، (فعنه) يعني السؤال عنه كهذا السؤال الذي ورد من هذا السائل، وهو إنما سأل عن الكيفية، أما السؤال عن معناه جائز ولَّا لا؟ السؤال عن معنى الاستواء.
طلبة: جائز.
الشيخ: السؤال عن معنى الاستواء جائز لكن عن الكيفية لا يجوز وهو بِدْعة.
طيب نشوف الكلمات هذه، (الاستواء معلوم) ويش معناه؟ العلو والاستقرار، (الكيف مجهول) ما ندري كيف استوى الله على العرش، (والإيمان به واجب) (به) أي بالاستواء، والتعليل؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه فيجب علينا تصديقه. (والسؤال عنه بدعة) عن الكيفية بدعة، لماذا؟ لأنه لم يسأل عنه الصحابة والسلف، والسؤال عنه بدعة، أو أن المعنى أن السؤال عنه من شأن أهل البدع، وأن الذين يسألون عن هذه الأشياء هم أهل البدع لأجل أن يتوصلوا بالتوقف عن الكيفية إلى نفيها؛ يعني يريدون أن يُحرجوا أهل السنة فيسألونهم عن الكيفيات، فيحتمل أن المعنى السؤال عنه بدعة؛ لأنه لم يسأل عنه الصحابة، أو أن المعنى (السؤال عنه بدعة) أنه من شأن أهل البدع، وأنهم الذين يتساءلون لإحراج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات.
يقول: (وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله -يعني قبل مالك-: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان).
شوف الكلام اللي يتعلق بالصفة اتفق عليه مالك وشيخه وهو (الاستواء معلوم والكيف مجهول) (من الله البيان) واضح أن الله بيَّن إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، أوجب الله على نفسه أن يُبَيِّن للناس إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، وقال تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٩]. (وعلى الرسول البلاغ) فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [المائدة: ٦٧] ويش علينا نحن؟ وظيفتنا الإيمان؛ لأنه لا عذر لنا بعد ذلك. (فبين أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهول) ولَّا (مجهولة)؟
طالب: (وأن كيفية ذلك مجهولة).
الشيخ: (وأن كيفية ذلك مجهولة) إي نعم، الصواب (مجهولة)؛ لأن المبتدأ إذا كان مؤنثًا يكون الخبر مؤنثًا.
(ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون عِلْم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ، وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» ).
ومعنى «اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» أنك لم تخبر به أحدًا.
(وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره).
شوف الأسماء التي استأثر الله بها ليست معلومة لنا، لا بألفاظها ولا بمعانيها، والأسماء التي بينها الله لنا معلومة لنا بألفاظها ومعانيها دون حقائقها.
(والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات).
هذه نقطة مهمة، ولا مرت علينا من قبل، أسماء الله سبحانه وتعالى اتفقت واختلفت، اتفقت في دلالتها على شيء واحد وهو؟ ما هو؟ اتفقت في دلالتها على شيء واحد، واختلفت؟
طالب: اتفقت في أن الله سبحانه وتعالى هو الواحد.
الشيخ: لا، اتفقت على أي شيء؟ في الدلالة على ذات الله؛ فالغفور هو الله، والرحيم هو الله، والسميع؟
طلبة: هو الله.
الشيخ: والبصير؟
طلبة: هو الله.
الشيخ: والعليم والقدير هو الله، إذن فهي في الدلالة على المسمى بها متفقة، وفي الدلالة على معانيها وأن لكل واحد منها معنى يختص به مختلفة؛ فالغفور غير الرحيم، والسميع غير البصير والعزيز، غير الحكيم، أليس كذلك؟
إذن يقول المؤلف: (فهي متفقة متواطئة من حيث الذات)، ويش هي ذاته؟ ذات الله. أي أنها تدل على ذات واحدة.
لكن يقول: (متباينة من جهة الصفات) أو لا؟ فالصفة المفهومة من العزيز غير الصفة المفهومة من الحكيم مثلًا.
فإذا قال لك قائل: هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟ وترى متردافة، ومتواطئة، ومتفقة معناها واحد. إذا قال لك قائل: هل أسماء الله مترادفة أم متباينة؟ ويش الجواب؟
أما من حيث دلالتها على الذات فهي مترادفة، كلها تدل على ذات واحدة، وأما من حيث دلالتها على المعنى فهي متباينة؛ لأن لكل اسم منها معنى يختص به.
(وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب).
النبي عليه الصلاة والسلام له أسماء متعددة، هذه الأسماء في دلالتها على ذات واحدة متفقة مترادفة، وباعتبار دلالة كل واحد منها على معناه تكون متباينة.
وكذلك أسماء القرآن.
طالب: (...).
الشيخ: محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب، (محمد) اسم مفعول، مُحمَّد من التحميد؛ يعني أنه يحمد لكثرة خصاله الحميدة، (أحمد) اسم تفضيل منين؟ من (حمد)، فهو أحمد يعني أكثر الناس حمدًا لله، أحمد الناس لربه، ويجوز أن يكون (أحمد) من باب إضافة الصفة على أنها اسم مفعول، يعني أكثر من يُحمد من الناس، (الماحي) الذي محا الله به الكفر والشرك، (الحاشر) الذي يُحشر الناس على قدميه، و(العاقب) الذي يعقب الأنبياء قبله؛ لأنه خاتمهم.
(وكذلك أسماء القرآن، مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، والتنزيل، والشفاء، وغير ذلك).
كل هذه أسماء للقرآن؛ القرآن، والفرقان، والهدى، في دلالتها على القرآن مترادفة، وباعتبار أن الفرقان له معنى والقرآن له معنى، والهدى له معنى، والنور له معنى؛ تكون متباينة.
وكذلك أيضًا غير القرآن وغير أسماء الله تعالى ورسوله وكتابه الآن عندنا السيف كم له من اسم؟ كثيرة؛ الصارم، والمهند، والسيف، والبتار، وما أشبه ذلك، هذه الأسماء باعتبار دلالتها على السيف مترادفة متفقة، وباعتبار أن لكل واحد منها معنى متباينة.
ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها، هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات؟ كما إذا قيل: السيف، والصارم، والمهند، وقُصِد بالصارم؛ معنى الصرم، وبالمهند؛ النسبة إلى الهند; والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات.
الحقيقة الآن شوف العلماء اختلفوا، هل هذه الأسماء من المترادفة أم من المتباينة؟ منهم من يقول: إنها مترادفة. نظر إلى أي شيء؟ إلى اتحادها في الذات.
ومنهم من قال: متباينة نظرًا إلى اختلافها في الصفات، ولكن كل منهما نظر إلى وجه، وأغفل الوجه الآخر، ولَّا لا؟ فإذا نظرنا إلى الوجهين قلنا: مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، ومتباينة باعتبار دلالتها على الصفات.
وهذا كما قال المؤلف: هذا هو التحقيق.
(قال: ومما يُوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه مُحكَم وبأنه متشابِه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه).
يعني القرآن وُصِف بثلاثة أوصاف: نأخذها من هذه، وهذا بحث جديد ما قرأناه من قبل،
القرآن وصف بأنه محكم وأنه متشابه، وأنه محكم ومتشابه، أو لا؟
نشوف الآيات اللي دلت عليه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: ١] يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ١، ٢]، هذا وصفه بالإحكام المطلق.
في التشابه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] والمراد به القرآن، فوصفه كله بأنه متشابه.
وصف بعضه بالتشابه وبعضه بالأحكام، مثل قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌولَّا لا؟ طيب نشوف الآن.
يقول: (فينبغي أن يُعْرَف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابُه الذي يخص بعضه، قال الله تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١]، فأخبر أنه أحكم آياته كلها، وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣]، فأخبر أنه كله متشابه).
طالب: (فأخبر أنه كتاب متشابه).
الشيخ: إي، ما يخالف.
(والحكم هو الفصل)، نحن نقرأ كلام المؤلف الآن، أو نبين لكم الفرق ونقرأ كلام المؤلف؟ أيهم أحسن لكم؟
طالب: نقرأ أولًا.
الشيخ: نقرأ أولًا، مع أن المؤلف رحمه الله يعني (...).
نشوف الإحكام يقول المؤلف: (والحكم هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يفصل بين الخصمين، والحكم فصل بين المتشابهات عِلْمًا وعملًا، إذا مُيِّز بين الحق والباطل والصِّدْق والكذب والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع، وترْك الضار فيقال: حكمتُ السفيهَ وأحكمتُه، إذا أخذت على يديه، وحكمتُ الدابة وأحكمتُها إذا جعلت لها حَكَمَة؛ وهو ما أحاط بالحنك من اللجام، وإحكام الشيء إتقانه).
المؤلف الآن أراد أن يبين أن الحكم هو الفصل بين الشيئين، والإحكام هو الإتقان، أنتم الآن يقول الواحد منكم: أحكمت الشيء يعني أتقنته، والحكم هو الفصل بين الشيئين، يذهب رجلان إلى القاضي في خصومة، فيحكم القاضي، الحق لهذا على هذا، الآن فصل ولَّا لا؟ فصْل حَكَم، فصل بين الشيئين، بين الحق والباطل وبين هذين الرجلين أيضًا.
القرآن بهذا المعنى كله محكم ولَّا لا؟ القرآن كله مُحكَم يعني (...)، والقرآن كله حُكْم يعني فصل بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وغير ذلك؛ فلهذا صح أن نقول: إن القرآن كله محكم بهذا الاعتبار والله أعلم.