تفسير سورة الذاريات
عدد الزيارات 6053

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-6)
تفسير الآيات (7-9)
تفسير الآيات (10-14)
تفسير الآية (15)
تفسير الآية (16)
تفسير الآية (17)
تفسير الآية (18)
تفسير الآية (19)
تفسير الآية (20)
تفسير الآية (21)
تفسير الآية (22)
تفسير الآية (23)
تفسير الآية (24)
تفسير الآيات (25-30)
تفسير الآيات (31-34)
تفسير الآيتين (35-36)
تفسير الآية (37)
تفسير الآيتين (38-39)
تفسير الآية (40)
تفسير الآيتين (41-42)
تفسير الآيتين (43-44)
تفسير الآية (45)
تفسير الآية (46)
تفسير الآية (47)
تفسير الآية (48)
تفسير الآية (49)
تفسير الآية (50)
تفسير الآية (51)
تفسير الآية (52)
تفسير الآية (53)
تفسير الآية (54)
تفسير الآية (55)
تفسير الآيتين (56-57)
تفسير الآية (58)
تفسير الآية (59)
تفسير الآية (60)

تفسير الآيات (1-6)
00:00:02

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
نبتدئ الآن بمعونة الله وتوفيقه الكلام على ما يتيسَّر منْ تفسيرِ القرآن الكريم؛ لأني أحب دائمًا أن يكون للمسلمين صلة في معرفة معاني كلامِ الله، فإن الله تعالى أنزل القرآن لهذا؛ فقال: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وتدبُّرُ الآياتِ يعني: تفهُّمَ معانيها، والتذكُّر يعني: الاتِّعاظ والعمل والتصديق.
قال الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [الذاريات: ١، ٢] إلى آخره.
اعلم أوَّلًا: أن البسملة آية من كتاب الله؛ لكنها آية لا تُحسَب من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، ولذلك نقول: إن الفاتحة أول آياتها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَكما جاء ذلك صريحًا في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِقَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُقَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَقَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
وبناء على ذلك لو قرأ الفاتحة بدون أن يقرأ البسملة فصلاته صحيحة؛ لأن البسملة ليست آية من الفاتحة، وتجدون في المصحف أنها معدودة من آياته، فهي رقم (١)، لكن هذا مبني على قول ضعيف، والصواب أن آياتها سبع: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَسبع آيات.
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذاريات: ١ - ٤] أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات؛ لأنها دالة على عظمته تبارك وتعالى، ولما فيها من المصالح والمنافع.
أما قوله: وَالذَّارِيَاتِفالذاريات هي: الرياح تذرو التراب وغير التراب، قال الله تبارك وتعالى: فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف: ٤٥] أَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُأي: تُفَرِّقه في أمكنة متعددة.
وأقسم الله بالذاريات لما فيها من المصالح الكثيرة، ففي تصريفها حكمة بالغة؛ فمنها الرياح الدافئة، ومنها الرياح الباردة، على حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل؛ ولأنها أيضًا -أعني الرياح- تثير سحابًا، فيسقي به اللهُ الأرض؛ ولأنها تسير السفن، ففيما سبق كانت السُّفن تجري على الرياح، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [يونس: ٢٢].
وقوله: فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًاالمراد بها: السحاب؛ تحمل المياه موقرة، أي: مثقلة محملة؛ قال الله تبارك وتعالى: يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: ١٢] فهي ثقيلة مُحمَّلة بمياه عظيمة؛ بحار، ولذلك تمطر الأرض فتجد الأرض أنهارًا بإذن الله عز وجل.
إذن: الذاريات: الرياح، والحاملات: السحاب، والارتباط بينهما ظاهر؛ لأن الرياح هي التي تثير السحاب، وأيضًا هي التي تُلَقِّح السحاب بالماء، قال الله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ [الحجر: ٢٢].
قال تعالى: فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًاالْجَارِيَاتِهن السفن، يُسْرًاأي: بسهولة؛ قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة: ١١] أي: في السفينة، هذه السفن تجري مُيَسَّرة بإذن الله عز وجل بما يسره الله تعالى من الرياح الطيبة.
الْجَارِيَاتِ يُسْرًاهي: السفن، تجري بإذن الله عز وجل ميسرة مسهلة، وكلما كانت الريح مناسبة كان سيرها أيسر.
جاءت السفن الآن النارية التي لا تحتاج إلى الرياح، فصارت أيسرَ وأيسر، تجدها قرى كاملة تمخُر عباب الماء، وتسير بسهولة.
الارتباط بين هذه الثلاثة: أن السحب تَحمِلُ الأمطار فتنزل إلى الأرض، ويكون فيها الرزق للمواشي والآدميين.
الْجَارِيَاتِيعني: السفن، هي أيضًا تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، لا يمكن أن تصلَ مثلًا الأرزاق من جهة إلى جهة أخرى بينها وبينها بحر إلا عن طريق السفن.
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًاوهم الملائكة، وجمعهم؛ لأنه يجوز جمع المؤنث باعتبار الجماعات؛ يعني: فالجماعات المقسمات.
أَمْرًاالتي تُقسِّم الأمرَ أي: شؤون الخلق، ويحتمل أن يكون أَمْرًاأي: بأمر الله، والمعنى صحيح على كِلا التقديرين؛ فإن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام يُقسِّمون ما يريد الله عز وجل من أرزاق الخلق وغيرها بأمر الله عز وجل، هذه أربع جمل: الأولى؟
طلبة: الذاريات.
الشيخ: الثانية؟
طلبة: الحاملات.
الشيخ: الحاملات. الثالثة؟
طلبة: الجاريات.
الشيخ: الرابعة؟
طلبة: المُقَسِّمات.
الشيخ: كل هذه مُقْسَمٌ بها، المُقسَمُ عليه: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ [الذاريات: ٥] يعني: ما وعدكم الله تعالى فهو وَعدٌ صادق، والصادق هو: المطابق للواقع؛ وذلك لأن الخبر نوعان: نوع يخالف الواقع، وهذا يسمى كَذِبًا، ونوع يطابق الواقع، وهذا يُسمَّى صدقًا، سواء كان المخبر عنه ماضيًا أو مستقبلًا.
فأقسم الله عز وجل بهذه المخلوقات العظيمة على أن ما نُوعَدُ صادق، فلا بد أن يقع، إذا وقع ما نُوعَد وهو البعث يوم القيامة يتلوه الجزاء؛ ولهذا قال: وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات: ٦] الدِّينَيعني: الجزاء، وتعلمون أن الدين يطلق أحيانًا بمعنى الجزاء، وأحيانًا بمعنى العمل، ففي قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] المراد به العمل، وفي قوله تبارك وتعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨] المراد به الجزاء.
هنا وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌأي: الجزاء لا بد أنْ يقعَ؛ لأن الله على كل شيء قدير، وقد مر في سورة (ق) أن الله تعالى قال: ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: ٤٤].
تفسير الآيات (7-9)
00:07:18

ثم قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: ٧] السَّمَاءِمعروفة، ذَاتِبمعنى: صاحبة، الْحُبُكِيعني: الطُّرُق، يعني: أنها من حسنها كأنها ذات طُرُقٍ محبوكةٍ متقنة، كما ترون ذلك في جبال الرمل، جبال الرمل تجدها مضلعة، الهواء مع كثرته عليها تكون مضلعة، إذن السماء كذلك، ذَاتِ الْحُبُكِ.
قال تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات: ٨] إِنَّكُمْالخطاب للكافرين، لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍيعني: يختلف بعضه عن بعض، كيف ذلك؟ بعض الكفار قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: إنه مجنون، هذا قول. وبعضهم قالوا: إنه ساحر، هذا قول. وبعضهم قالوا: إنه كاهن، هذا قول. وبعضهم قال: إنه شاعر، هذا قول. وبعضهم قال: إنه كذاب، هذا قول؛ فهم مختلفون في النبي صلى الله عليه وسلم، واختلاف الأقوال يدل على كَذِبها وفسادها، كلما رأيتَ قولًا مختلفًا متناقضًا، فاعلم أنه باطل، وليس بصحيح؛ لأن الحق لا يمكن أن يتناقض، فهؤلاء المُكذِّبون للرسول عليه الصلاة والسلام اختلفوا على ما سمعتم.
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٨، ٩] يُؤْفَكُبمعنى: يُصرَف، عَنْهُقيل: إن الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، أي: يُصرَف عن الرسول صلى الله عليه وسلم مَنْ صُرِفَ من الناس.
وقيل: إن الضمير يعود على القول، وعلى هذا القول تكون (عن) بمعنى (الباء)، أي: يؤفك بهذا القول من أفك، يُصرَف بهذا القول عن الحق من صرف، وهما -أي: المعنيان- متلازمان، والأقرب: أن الضمير في قوله: عَنْهُيعود على القول؛ لأنه أقرب مذكور.
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ [الذاريات: ٨، ٩] أي: عن هذا القول، أي: بسببه مَنْ أُفِكَأي: من صُرِفَ عن الحق؛ وذلك لأن من البيان سحرًا، إذا جاءك رجل بليغ فصيح، وصار يورد عليك الشبهات والشكوك، ألست تنخدع بقوله؟ بلى.
هؤلاء المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام عندهم فصاحة، عندهم بلاغة، عندهم تمويه، دجل، فيصرفون الناس، وقوله: مَنْ صُرِف مَنْ أُفِكَهل المراد: مَن قَدَّر الله عليه أن يُصْرَف؟ أو المراد: مَنْ أُفِكَأي: مَنْ صَرَفَه هؤلاء المختلفون؟ هما متلازمان أيضًا، فإن هؤلاء الذين يُضلُّون الناسَ لا يمكن أن يضلوهم إلا بإذن الله عز وجل، من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهديه فلا مضل له، فهم الذين يَأفكون الناس، أي: يصرفونهم سببًا -هم السبب- لكن المُقدِّر للصَّرْفِ هو الله عز وجل.
ولكن اعلم -أخي المسلم- أنَّه لا يمكن أن يُصرَفَ عن الحق إلا مَنْ علم الله منه أنه ليس أهلًا للحق، نسأل الله لنا ولكم السلامة؛ ولهذا قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وكذلك اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُفي الذين يمتثلونها ويؤمنون بها، ويدلُّ على هذا الذي قلنا قولُ الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]؛ ولكن احذر إذا رأيت ضالًّا أن تقول: هذا ليس أهلًا للهداية؛ لأن هناك فرقًا بين القول بالعموم، والقول بالتعيين.
القول بالتعيين حرام؛ لأنك قد ترى شخصًا ضالًّا، تراه ضالًّا وتقول: هذا لا يهتدي، وإذا به يهديه الله عز وجل، والعكس بالعكس ربما ترى شخصًا مستقيمًا تقول: هذا لا يمكن أن يضل، فإذا به يضله الله، المهم: إياك أن تشهد لمعين، لكن حقيقةً أنك إذا رأيت ضالًا متمردًا مستكبرًا عن الحق، فإنَّك بقلبك تستبعد أنَّ الله يهديه؛ لكن لا تقل: إن الله لا يهديه، ألم يبلغكم أن رجلًا كان مجتهدًا في العبادة، وهناك آخر مسرفٌ على نفسه، فكان يمرُّ به هذا الرجل وينصحه، ولكن ذاك يقول: إنك لا تحول بيني وبين ربي، دعني وربي، فقال المجتهد بالعبادة ذات يوم: والله لا يغفر الله لك، أو قال: والله لا يدخلك الله الجنة، فقال الله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ ألَّا أَغْفِرَ لفُلانٍ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» نسأل الله العافية؛ لهذا لا تعجب بنفسِكَ، ولا تيأسْ من رحمة الله، لا فيما يتعلق بك، ولا فيما يتعلَّق بغيرك، فإن الله على كل شيء قدير.
لكن نعلم يعني على سبيل العموم أن الإنسان إذا لم يكن أهلًا للهداية، فإنه لن يهتدي، فإذا رأينا هذا الشخص منحرفًا مستكبرًا معاندًا فلا شك أنه يغلُبَ على ظنِّنا أنه ليس أهلًا للهداية؛ لكن ليس لنا أن ننطق بذلك، يحرم علينا أن ننطق، ويخشى أن يقال لنا كما قيل لهذا الرجل: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ».
وهنا نقطة مهمة؛ وهي الفرق بين التعيين والإطلاق، مثلًا نحن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، لكن إذا رأينا شخصًا مستقيمًا يصلِّي ويزكِّي ويصوم ويحج ويتصدق ويحسن ويبر والديه ويصل رحمه، هل نشهد بأنه في الجنة؟ لا.
التعيين شيء، والإجمال شيء آخر، رأينا رجلًا كافرًا ملحدًا مُسلَّطًا على المسلمين، يمزق كتاب الله ويدوسه برجليه، ويستهزئ بالله ورسوله، هل نقول: هذا من أهل النار؟ لا، بل نقول: مَنْ فعل هذا فهو من أهل النار، والتعيين لا تُعَيِّن؛ لأنه من الجائز في آخر لحظة أن الله يَمُنُّ عليه ويهديه، فأنت لا تدري؛ لذلك يجب عليكم أن تفرقوا بين التعيين والإطلاق، أو التعيين والإجمال.
مات رجل، ونحن نعرف أنه مات على النصرانية حسب ما يبدو لنا من حاله، هل نشهد له بالنار؟ لا نشهد؛ لأنه أوَّلًا إن كان من أهل النار فسيدخل ولو لم نشهد، وإن لم يكن من أهل النار فشهادتنا شهادةٌ بغير علم، فمثل هذه المسائل لا داعي لها، يعني: لو قال قائل: مات رجلٌ من الرُّوس من الملحدين منهم، مات رجل من الأمريكان من الملحدين، من اليهود من الملحدين، العنْه واشهدْ له بالنار، نقول: ما يمكن، نحن نقول: من مات على هذا فهو من أهل النار، من مات على هذا لعنَّاه، أما الشخص المُعيَّن فلا، ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة قالوا: لا نشهدُ لأحدٍ بالجنة أو بالنار، إلَّا لمن شهِد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ ولكننا نرجو للمُحسِن ونخاف على المسيء، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
تفسير الآيات (10-14)
00:14:23

ثم قال الله عز وجل: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات: ١٠، ١١] قُتِلَكثير من المفسرين يفسِّرُها بـ(لعن)، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله؛ ولكن الصحيح أن قَتَل بمعنى: أهْلَك؛ لأنه لا داعي إلى أن نصرِفَها عن ظاهِرها، وظاهرها صحيح مستقيم، فمعنى قُتِلَ: أُهلِك.
والْخَرَّاصُونَجمع خَرَّاص، وهو الذي يتكلَّم بالظنِّ والتَّخمين والارتياب والشكِّ؛ لأنه منغمر في الجهل والسهو والغفلة، ولهذا وصفَهم بقوله: الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَأي: في غمرة من الجهل، قد أحاط بهم الجهل من كل جانب، سَاهُونَغافلون، لا يحاولون أن يقبلوا على ما أنزل الله على رُسلِه عليهم الصلاة والسلام.
ومن جهلهم أنهم يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات: ١٢] سؤالَ استبعادٍ وإنكارٍ، لو كانوا يُسأَلون سؤالَ استعلامٍ واستخبارٍ لعُذِروا، كما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»، لكن هل قاله استبعادًا وإنكارًا؟ لا، بل استفهامًا واستخبارًا؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا المَسْؤولُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» .
لكن أولئك الخرَّاصون يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ-يعني: متى هو- استبعادًا؛ ولهذا قال الله عنهم في سورة (ق): فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٢، ٣] يعني: أنرجع بعد أن كنا ترابًا، هذا رَجْعٌ بعيد.
فهم يَسألون عن يوم القيامة لا سؤالَ استفهامٍ واستخبارٍ ليستيقنوا، ولكن سؤالَ استبعادٍ وإنكارٍ.
قال الله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣] هذا الجواب، يعني: يوم القيامة يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ، وعلى هذا فـيَوْمَهنا ظرف، خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: يوم القيامة يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ.
ومعنى عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَأي: يُعرَضون عليها فيحترقون بها؛ لأن الفتنةَ بمعنى الاحتراق؛ ولكنها عُدِّيَتْ بـعَلَى؛ لأنَّها ضُمِّنَت معنى العرض، أي: يُعرضون على النار فيحترقون بها، هذا يوم الدين.
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات: ١٣، ١٤] ذُوقُواهذه جملة مقولٍ لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ.
وذُوقُوا فِتْنَتَكُمْهذا أمر إهانة وإذلال، أي: ذوقوا احتراقكم في النار التي كنتم تُنكِرونها.
هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ؛ لأنهم يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس: ٤٨] فيستعجلون بالقيامة استبعادًا لها، كما قال تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشورى: ١٨]، فيقال لهؤلاء: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ويقال لهم: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور: ١٥، ١٦].
أنا أسألكم الآن: يفتنون على النار فيحترقون بها ويقال: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، ماذا تفهمون من هذا؟ أتفهمون أن في هذا عذابًا بدنيًّا وقلبيًّا؟ نعم؛ لأن الاحتراقَ عذاب بدني، كلما نضجت جلودُهم بدَّلوا جلودًا غيرها.
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات: ١٤] هذا توبيخ وإهانة وإذلال، يكون به أي عذاب؟ العذاب القلبي، فيجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني، وبين العذاب القلبي، فتجدهم في أعلى ما يكون من الحسرة، يتحسَّرون يقول: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧].
ثم كان القرآن الكريم مثاني تثنَّى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذُكِرَ الشيء ذكر ضده.
تفسير الآية (15)
00:18:21

لما ذكر عذاب هؤلاء المكذبين الخرَّاصين، قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الذاريات: ١٥]، الْمُتَّقِينَهم: الذين اتَّقوا الله، وأنتم تروْنَ أنَّ التقوى تَرِدُ في القرآن الكريم على وجوه متعدِّدة، بالوصف تارة، وبالفعل تارة، وبالأمر تارة، وتارة تكون مضافة إلى الله، وتارة مضافة إلى العقوبة، وغير ذلك، المهم، مما يدلُّ على أنَّ التقوى شأنُها عظيم في الإسلام، وليست التقوى قولًا يُقالُ باللِّسانِ، بل هي قول يتْبَعُه فعل وتطبيق.
فإن سألتم: ما هي التقوى؟ قلنا: التقوى كلمتان: فعلُ ما أمر الله به، وتركُ ما نهى الله عنه، هذه التقوى؛ فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه على علمٍ وبرهانٍ واحتسابٍ وخوفٍ، تفعَلُ ما أمر الله به؛ لأنَّك تعلم أنَّ الله أمر به، تفعل ما أمر الله به؛ لأنك تحتسبُ ثوابَه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعِ مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
تترُك ما نهى الله عنه؛ لأنك تعلم أن الله نهى عنه، تترك ما نهى الله عنه خوفًا من عقاب الله؛ لأنَّك موقن بالعذاب، هذه هي التقوى.
الْمُتَّقِينَيقول عز وجل: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، أي: مستقِرُّون في جنات وعيون، والجنات جمع جنة، وأنتم يمر بكم في القرآن (جنة) مفردًا، و(جنات) جمعًا، فهل هي جناتٌ متعدِّدة؟ أو هي جنة واحدة؟ هي جنات متعدِّدة، لكن ذُكِرَت بلفظ المفرد من باب ذكر الجنس، وإلا فهي جنات، انظروا إلى آخر سورة الرحمن، ذكر الله أربعَ جنات، قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» . إذن فالجنات متعدِّدة.
تفسير الآية (16)
00:20:17

{آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}
[الذاريات: ١٦] قوله: آخِذِينَهذه حال من الضمير المستتر بالخبر، أي: حال كونهم آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْأي: ما أعطاهم من النعيم، وهذه الآية كالآية التي في سورة الطور: فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ [الطور: ١٨]، أي: ما أعطاهم الله من النعيم في هذه الجنات، ثم بيَّن السبب الذي وصلوا به إلى هذا فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ.
كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَيعني: في الدنيا مُحْسِنِينَأي: قائمين بطاعة الله على الوجه الذي يرضاه الله عز وجل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» هذا الإحسان في العبادة، أما الإحسان في معاملة الخلق، فإن أجمع ما يقال فيه، ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» هذا هو الإحسان للناس؛ أن تعاملَ الناس بما تحب أن يعاملوك به؛ من حسن الخلق، وطلاقة الوجه، وكفِّ الأذى، وبذل النَّدَى، إلى غير ذلك مما هو معروف، فهؤلاء المحسِنون في عبادةِ الله، محسنون إلى عباد الله، كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَأي: قبل أن يأخذوا ما آتاهم الله من النعيم محسنين.
تفسير الآية (17)
00:21:46

ثم فصَّل هذا الإحسانَ أو فصَّل نوعًا من هذا الإحسان؛ فقال: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات: ١٧]، مَاهذه قيل: إنها زائدة في اللفظ، لكنها ليست زائدة في المعنى، وأن التقدير: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَأي: ينامون قليلًا، وماذا يصنعون في هذه اليقظة؟ يصنعون ما ذكره الله في سورة المُزَمَّل: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل: ٢٠].
هم ليسوا يَسهَرون على اللَّهو واللَّغو أو يستيقظون على مثلِه، ولكنهم يقلُّ نومُهم للتفرُّغ لطاعةِ الله عز وجل.
تفسير الآية (18)
00:22:30

{كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
[الذاريات: ١٧، ١٨] الْأَسْحَارجمع سحر وهو آخر الليل، هم يستغفرون الله، يعني: يسألون الله المغفرة، وهذا من حسن عملهم وعدم إعجابهم بأنفسهم، وكونهم يشعرون بأنهم وإن اجتهدوا فهم مقصرون، فيستغفرون الله بعد فعل الطاعة؛ جبرًا لما حصل فيها من خلل، وأنتم تعلمون أنه يُشرَع في نهاية العبادات أن يَسْتغفرَ الإنسانُ ربَّه مما قد يكون فيها من خلل؛ فبعد الصلاة يستغفر الإنسان ربه ثلاثًا، وبعد الحج قال الله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩].
فهم يسألون المغفرة بعد تهجُّدِهم وقيامهم وسهرهم في طاعة الله؛ خوفًا من أن يكون هناك تقصير وهذا مما يدل على معرفتهم بأنفسهم، وأنهم يرون أنفسهم مقصرين، خلافًا لما يفعله بعض الناس اليوم إذا تعبَّد لله بأدنى عبادة شمَخ بنفسه وأدلَّ على الله تعالى بها، وظن أنه من عباد الله الصالحين.
صحيح أن الإنسان ينبغي أن يرجو ربه إذا أنعم عليه بالطاعة أن الله يقبلها، لكن كونه يرى أنه قد أتمَّ كل شيء، هذا يُخشَى على الإنسان أن يَحْبَطَ عملُه وهو لا يشعُر.
تفسير الآية (19)
00:23:59

{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}
[الذاريات: ١٨، ١٩] في أموالهم كلِّها؛ سواء الأموال الزَّكويَّة أو غير الزكوية فيها حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِإذا أتاهم سائل أعطَوْه، إذا رأوا محرومًا -أي: ممنوعًا من الرزق وهو الفقير- أعطَوْه، فمالُهم قد أعدُّوه لما يرضي اللهُ عز وجل من السؤال والمحرومين، وغير ذلك من الإنفاق المشروع، إذن هم يقومون بطاعة الله، تهجُّدٌ في الليل واستغفار وبذل للمال؛ لكن من غير سرف ولا مَخيلَةٍ.
تفسير الآية (20)
00:24:36

{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}
[الذاريات: ١٩، ٢٠].
فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَولم يُبيِّن اللهُ عز وجل هذه الآيات، بل جاءت مُنكَّرةً؛ ليشملَ كلَّ آية في الأرض، سواء كانت الآيات فيما يحدث فيها من الحوادث، أو كانت في نفسِ طبيعةِ الأرض وتركيب الأرض، فإن فيها آياتٍ عظيمة.
فِي الْأَرْضِ آيَاتٌمن حيث التركيب، كما قال الله عز وجل: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤] فتجد الحجر الواحد يشتمل على عدة معادن، وهو حجر واحد، وترى أحيانًا في الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧].
وتجد فيها الأرض اللينة الرخوة، والأرض الصلبة إلى غير ذلك مما يعرفه علماء الجيولوجيا من الآيات العظيمة، فيها آيات من جهةِ الحوادث التي تحدُث فيها؛ من الزلازل والبراكين وغيرها.
فيها آيات أيضا من جهة طبيعة الجو من حر وبرد، ورياح عاصفة، ورياح باردة، ورياح دافئة، وغير ذلك مما إذا تأمله الإنسان عرف قدرة الله تعالى من جهة، وعرف حكمته ورحمته أيضًا من جهة أخرى؛ لأن آيات الله سبحانه وتعالى يتبصَّر بها الإنسان لا من حيث القدرة والعظمة، بل حتى من حيث الحكمة والرحمة؛ لأن كلَّ شيء تجده مناسبًا لمكانه وزمانه، وكل شيء تجده من آثار رحمة الله تبارك وتعالى.
المهم أن كلمة آيَاتٌنجد أنها نكرة عامة لكل ما يحدث في الأرض من آيات، ولكل ما فيها من طبيعتها وتركيبها وغير ذلك.
آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَأي: لمن أيقنَ بوجودِ الله عز وجل وعظمته وجلاله، أما مَنْ شكَّ -والعياذ بالله- فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، بل قد تكون هذه الآيات ضررًا عليه، فإن الآيات الكونية أو الشرعية قد تكون خيرًا للإنسان وقد تكون شرًّا، واستمع إلى قول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌيعني: من القرآن فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
كذلك الآيات الكونية، من الناس من ينتفع بها ويستدل بها على ما فيها من آيات الله عز وجل، ومن الناس من يكون بالعكس يؤديه ما يجده من الآيات إلى الإلحاد والعياذ بالله؛ ولهذا قال: فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَيعني: لا، لكل إنسان، بل للموقِن، أما الشاكُّ والمتردِّد والكافر فإنه لن ينتفع بهذه الآيات.
تفسير الآية (21)
00:27:30

{وَفِي أَنْفُسِكُمْ}
[الذاريات: ٢١] أيضًا في أنفسكم آيات أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وآيَاتٌمحذوفة هنا، ولهذا نقول في الإعراب: فِي أَنْفُسِكُمْجار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: (وفي أنفسكم آيات) والحكمة -والله أعلم- ونحن في علمنا القاصر نظن أن الله حذف هذه الآيات؛ لأنها أَمَسُّ بالإنسان من الأرض، وأدخَلُ بالإنسان من الأرض؛ لأنها هي في نفسه؛ في أنفسكم آيات.
آيات النفس ليس في تركيب الجسم فحسب، وليس فيما أودعه الله تعالى من القوى فحسب، بل حتى في تقلُّبات الأحوال؛ الإنسان تجده يتقلَّب من سرورٍ إلى حزن، ومن غم إلى فرح، تقلبات عجيبة عظيمة، حتى إن الإنسان في لحظة يجد نفسه متغيِّرًا، وأحيانًا يجد نفسه متغيِّرًا بدون سبب، يكون منشرح الصدر واسع البال مسرورًا، وإذا به ينْكَتِمُ ويغتَمُّ بدون سبب، أحيانًا بالعكس، هذا بالنسبة للأحوال النفسية.
كذلك أيضًا بالنسبة للأحوال الإيمانية، وهي أعظم وأخطر، تجد الإنسان في بعض الأحيان يكون عنده من اليقين ما كأنه يشاهد أمور الغيب مشاهدة حسية، كأنما يرى العرش، كأنما يرى السماوات، كأنما يرى الملائكة، كأنما يرى كل ما أخبر الله به من أمور الغيب، وفي بعض الأحيان يَقِلُّ هذا اليقين لأسباب قد تكون معلومة وقد تكون غير معلومة، لكن من الأسباب المعلومة قلَّةُ الطاعة؛ فإن قلة الطاعة من أسباب ضعف اليقين، إذا قَلَّتْ طاعة الإنسان ضعُف يقينُه؛ قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩].
وهناك أيضًا أسبابٌ لا يدري الإنسان ما هي؛ ومنها: اللهو، والغفلة؛ ولهذا قال الصحابة للرسول عليه الصلاة والسلام: إنا إذا كنا عندك وذَكَرْتَ الجنةَ والنارَ فكأنما نراها رأي العين، فإذا ذهبْنا إلى أهلِنا وعافسنا الأولاد والأهل -أو كما قالوا- نسينا . وهكذا الإنسان كلما لهى الإنسان قلَّ يقينُه، وقلَّ إيمانه، ومن ثَمَّ نهى الشرع عن الألعاب واللهو الباطل الذي يزدادُ به الإنسان بُعدًا عن طاعة الله، وعن التفكير في آيات الله.
أيضًا في النَّفْسِ فيها آيات في نفوس الناس؛ من الناس من تجده هيِّنًا ليِّنًا طليقَ الوجه مسرورًا، كلُّ مَنْ رآه سُرَّ بوجْهِه، وكلُّ مَنْ جلس إليه زال عنه الغمُّ والهم، ومن الناس من هو بالعكس قَطوبٌ عَبوسٌ بمجرد ما تراه، لو كنت مسرورًا لأتاك الحزن والسوء، هذا أيضًا من آيات النفس وهي كثيرة جدًّا، ومن أراد المزيد من هذا والاطلاع على قُدْرَةِ الله تعالى فيما في أنفسنا من الآيات فعليه بمطالعة كلام ابن القيِّم رحمه الله في مفتاح دار السعادة، يجد العَجَبَ العُجابَ، وكذلك أيضًا في كتابه الصغير وهو كبير في المعنى وهو التبيان في أقسام القرآن ذَكَرَ من ذلك العجب العجاب.
أَفَلَا تُبْصِرُونَالاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار، كأنما يقول الله عز وجل: أبْصِروا في أنفسِكم، تبصَّروا، تأمَّلوا، تفكَّروا، فإذا لم تعرفوا هذه الآيات فأنتم لا تُبْصِرون، فيكون الاستفهام هنا للتَّوبيخ والإنكار، ألا نتبصَّر، وهو دعوة من الله عز وجل لعباده أن يتبصَّروا في الآيات، إذا لم تتبصَّر في الآيات فاعلم أنك محروم؛ قال الله تعالى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١].
إذن إذا لم تنتبه بالآيات فاعلم أنك محروم، وأن إيمانك ناقص وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]، فعليك يا أخي أن تتفكَّر في آيات الله، في آيات الله الكونية وما في هذا الكون العظيم من آيات الله الدالة على عظمته وسلطانِه ورحمتِه وحكمته، وكذلك في آيات الله الشرعية ومَنْ فتح الله عليه في الآيات الشرعية ينتفعُ بها أكثر مما ينتفع بالآيات الكونية، إذا تأمَّل ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات والأفعال والأحكام ازداد إيمانًا بالله عز وجل، وعرف بذلك الحكمة والرحمة، إذا تأمَّل فيما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما يكون فيه من ثوابٍ، وعقابٍ، وجزاءٍ، وحساب، أيضًا ازداد إيمانًا بالله، وكُلمَّا تأمل الإنسانُ في آياتِ الله الشرعيَّة ازداد إيمانًا، وبعض الناس المُوفَّقين يكون ازديادُ إيمانِه بالآياتِ الشرعيَّة أكثرَ من ازدياد إيمانه بالآيات الكونية، أما الإنسان الذي يفتح الله عليه في هذا وهذا فيا حبذا.
تفسير الآية (22)
00:32:38

{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
[الذاريات: ٢١، ٢٢] السماء فيه رزقنا، فما رزقنا هذا؟ ذهب كثير من العلماء أن المراد بالرزق هنا المطر؛ لأن الله تعالى قال: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [غافر: ١٣].
فقال: فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْأي: المطر، وسُمِّي المطر رزقًا؛ لأنه سبب للرزق، إذا أنزل الله المطر أخرجت الأرض الماء والمرعى متاعًا لنا ولأنعامنا، وهذا رزق، كم من أناس يكونُ رزقهم على ما ينزل من المطر، من الزروع والحشيش والمياه وغيرها، بل إنَّ الله تعالى قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٨، ٦٩].
هل أحد يستطيع أن ينزِّل من المُزْنِ ماء؟! لا يمكن. هل أحد يستطيع أن يخلُق في المُزْنِ ماء؟ لا يمكن، الله عز وجل هو الذي يتولى ذلك، هذا هو مادة الرزق، لولا الماء لهلكنا، وتأملْ قولَه تعالى: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٦٩، ٧٠].
لم يقلْ: لو نشاء لم نُنْزِلْه، مع أنه لو شاء لم يُنْزِلْه، لكن قال: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠] يعني: لو نشاء أنزلناه، لكن جعلناه أجاجًا مالحًا لا يمكن أن يشرب، وحسرة الإنسان على ماء بين يديه ولكن لا يستطيعه ولا يستسيغه أشد من حسرته على ماء مفقود؛ لأن ماءً موجودًا لا تنتفع به ولا تستطيع شُرْبَه أشدُّ حسرةً من ماء مفقود؛ ولهذا ذكَّرنا الله هذه الحال، أرأيتم الآن لو أن هذا المطر العذب الزلال اللذيذ صار أجاجًا مالحًا، ماذا تكون الحال؟ صعبة جدًّا؛ ولهذا قال: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٧٠].
يقول: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْإذن الرزق هو المطر، كما في الآية الكريمة: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا [غافر: ١٣].
ويمكن أن نقول: إن الرزق الذي في السماء أعمُّ من ذلك، فقد يُقال: إن في السماء رزقنا من المطر، وما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ من المصالح والمنافع الجسدية من أموال وبنين وغيرِ ذلك، فيكون هذا القول أشملَ وأعم.
واعلم أنه ينبغي أن يُراعِيَ المستدلُّ بالقرآنِ والسنة أن يراعي قاعدة مفيدة؛ وهي: إذا فسَّرنا النص القرآني أو النبوي إذا فسرناه بمعنى أقل وفسرناه بمعنى أعم، فأيهما نأخذ؟ نأخذ بالثاني بالأعم؛ لأنَّ الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، اللهم إلا إذا دلَّ دليل على أنه خاصٌّ فهذا يُتَّبَع فيه الدليل، لكن عندما لا يدل الدليل خذ بالأعم؛ لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فهنا إذا قلنا: المراد بالرزق هنا ما هو أعم من المطر، فالجواب صحيح، فيدخل فيه المطر وغيره.
وقوله: وَمَا تُوعَدُونَيعني: وفيه الذي تُوعَدون، فما الذي نوعَد؟ الذي نوعد الجنة، فالجنة في السماء ليست في الأرض؛ ولهذا قال الله تعالى في قصة آدم: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا [البقرة: ٣٨]، والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل، فالجنة في السماء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنةَ درجات، وأن أعلاها الفِرْدَوسُ، وأنه أعلاها وأوسطها أيضًا، وهو إشارة إلى أن الجنَّاتِ مثل القُبَّة، أعلاها هو وسطُها، قال: «وِمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقُهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» إذن هي أعلى شيء، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من ساكنيها، إنه على كل شيء قدير.
فالذي نُوعَدُ هو الجنة، الرزق في السماء، والجنة التي نوعدها في الآخرة في السماء.
إذن نحن أهل الأرض مفتقرون إلى السماء في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ففي السماء رزقنا في الدنيا، وفيها ما نوعد في الآخرة وهو الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.
تفسير الآية (23)
00:36:56

ثم قال عز وجل: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات: ٢٣] (الفاء) عاطفة، و(الواو) للقسم، ورَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِهو الله عز وجل، أقسم بنفسه تبارك وتعالى لمقتضى ربوبيتِه للسماء والأرض أن ما يوعدون حق؛ لأنه قال: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُأي: ما تُوعَدون، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا للقرآن، أي: إِنَّهُأي: القرآن، ويحتمل أيضًا أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمعاني الثلاثة كلها متلازمة، وقوله: إِنَّهُ لَحَقٌّأي: ثابت؛ لأن الحق والباطل متقابلان، فالباطل هو: الزائل الضائع سُدًى، والحق هو: الثابت الذي فيه الفائدة، وفيه الخير والصلاح.
وقوله: مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَيعني: كما أنَّ الإنسان يتيقَّن نُطقَه، فإنَّ هذا القرآنَ حقٌّ، ومن المعلوم أن كلَّ أحدٍ منَّا لا يُنْكِرُ نُطقَه، هو إذا نطق تيقَّن أنه نطق، إذا هذا القرآن كلام الله عز وجل حق، مثلما أن نُطْقَنا حق.
تفسير الآية (24)
00:38:13

ثم قال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: ٢٤] هَلْ أَتَاكَالخطاب؟ ليس للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فحسب، بل له ولكلِّ من يتأتَّى خطابُه ويصحُّ توجيهُ الخطابِ إليه، كأنه قال: هَلْ أَتَاكَأيها المخاطب حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ؟ والاستفهام هنا للتشويق، كما أنه في بعض الأحيان يكون للتخويف، فيكون للتشويق، فقوله هنا: هَلْ أَتَاكَكأنه يُشَوِّقُكَ إلى أن تسمع هذا الحديث، ونظيره في التشويق قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠]، ليس المراد بهذا الاستفهام أنَّه يستفهم: هل يدلُّنا؛ لأنه لا يستفهم عن فعل نفسه، لكنه أراد أن يشوِّق المخاطبين إلى ذلك.
ويكون الاستفهام للتهديد، والإنذار، والتخويف في مثل قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١]، ثم قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ [الغاشية: ٢، ٣].
فإذا قال قائل: أي شيء يَدُلُّنا على أن الاستفهام للتشويق أو للتهديد أو للاستخبار أو ما أشبه ذلك؟ نقول: الذي يدلنا على هذا السياق وقرائن الأحوال، والعاقل يفهم هذا وهذا.
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُأي: خبر ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ، وضَيْفِهنا مفرد، لكنه يستو فيه الجماعة والواحد، وهم جماعة ملائكة كرام عليهم الصلاة والسلام، ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَيعني: الذين نزلوا ضيوفًا عنده، وإبراهيمُ هو الخليل عليه الصلاة والسلام وهو أبو العرب وأبو بني إسرائيل، كما قال الله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج: ٧٨]، وهو الذي أمرنا الله تعالى أن نتَّبع مِلَّته، قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣].
ولهذا ادَّعت اليهود أن إبراهيم يهودي، والنصارى ادَّعوا أنه نصراني، ولكن الله تعالى كذَّبهم في ذلك، فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: ٦٧].
تفسير الآيات (25-30)
00:40:37

يقول عز وجل: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا [الذاريات: ٢٥] يحتمل أن إِذْ دَخَلُوامُتعلِّق بقوله: الْمُكْرَمِينَأي: الذين أكرمهم حين دخولهم عليه، ويحتمل أنها مفعول لفعلٍ محذوف، والتقدير: اذكر إذ دخلوا عليه، دخلوا على إبراهيم فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قَالُوا سَلَامًاأي: نُسلِّم سلامًا، وعليه فـ سَلَامًامصدرٌ عامله محذوف، والتقدير: نسلم.
قَالَ سَلَامٌسَلَامٌمبتدأ خبرها محذوف، والتقدير: عليكم سلام، وعلى هذا فيكون التسليم هنا ابتداؤه بالجملة الفعلية، وجوابه أو رده بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنَّ رَدَّ إبراهيم أكملُ من تسليم الملائكة؛ لأن تسليم الملائكة جاء بالصيغة الفعلية، وردَّ إبراهيم جاء بالصيغة الاسمية.
قَوْمٌ مُنْكَرُونَقَوْمٌهذه: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أنتم قوم، وإنما قال: إنهم قوم؛ لأنهم بصورة البشر، وقوله: مُنْكَرُونَأي: غير معروفين، كما قال تعالى: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود: ٧٠].
في هذه الآية شاهدٌ لحذف المبتدأ وحذف الخبر، أين الشاهد لحذف الخبر؟ سَلَامٌلأنَّ قلنا: التقدير عليكم سلام، الشاهد لحذف المبتدأ قَوْمٌلأن التقدير: أنتم قوم (...).
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ [الذاريات: ٢٥، ٢٦] رَاغَانسلَّ بخفية وسرعة؛ وذلك لحسن ضيافته، لم يقل: انتظروا آتي لكم بالطعام، ولم يقم متباطئًا كأنما يُدفَع دفعًا، وإنما قام بسرعة مُنْسَلًّا لئلا يقوموا إذا رَأَوْه ذهب إلى أهله، فكأنه أخفى الأمر عنهم، رَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، يعني: أهل بيته، فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، وفي آية أخرى: بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: ٦٩] أي: مَشْوِيٍّ.
واللحم إذا شوي يكون أطعم وألذ؛ لأن طعمه يبقى فيه، لا يمتزج بالماء، بخلاف ما إذا طُبِخَ، إذا طُبِخَ يمتزج طعمُه بالماء فتَقِلَّ لذاذتُه، لكن إذا كان مَشْوِيًّا صار أطيب وأحسن، عِجْلٍ سَمِينٍيعني: أنه عليه الصلاة والسلام لا يتخيَّر للضيوف البهائم العجفاء الهزيلة، وإنما يتخيَّر لهم البهائم السمينة؛ لأنها ألذُّ وأطرى وأنفع، واختيارُ العجل: إما أن يكون عليه الصلاة والسلام مِن عادته أن يُكْرِمَ الناسَ بهذا، أو أنه يُكْرِمُ الضيوفَ بحسب ما تقتضيه الحال، فإذا كانوا كثيرين أتى بالعجل، وإذا كانوا أقلَّ أتى بالغنم، وما أشبه ذلك، حسب عادة الكرماء.
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧] قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْيعني: لم يجعله بعيدًا، ويقول: قوموا إلى طعامكم، بل خَدَمهم حتى جعله بين أيديهم، قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ؟ ولم يقل: كُلوا، وإنما عرض عليهم عرضًا؛ لأن هذا أبلغ في الإكرام، انتبهوا لهذا والعرض أخف وألطف من الأمر؛ إذ إنه لو قال: كلوا كان يحتمل أنه أراد أن يستعليَ عليهم ويوجِّهَ الأمر إليهم، لكن قال: أَلَا تَأْكُلُونَتعرفون الفرق بين العبارتين في الرفق، أيهما أرق وأرفق؟ أَلَا تَأْكُلُونَ، هذا الآن كما رأيتم قُرب الطعام إليهم، هل نقول: إن السنة والأفضل أن الإنسان إذا دعا ضيوفًا أو أتاه ضيوف أن يُقرِّبه إليهم في مجلس الجلوس؟ أو نقول: هذا يختلف باختلاف الأحوال؟ الثاني هو الأظهر؛ لأن عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» يدل على أنك تكرِمُهُم بما جرت به العادة بإكرامهم به، عندنا الآن إذا عزمت أصحابَك وأصدقاءك وهم قِلَّة، فلا يعدون تقديم الطعام في مكان جلوسهم لا يعدونه إهانة؛ لأنهم إخوانك وأصدقاؤك، والأدب بينكم متسامح فيه، لكن لو نزل بك ضيف أو دعوت ضيفًا ليس بينك وبينه الصلة التي يسقط بها -كما يقولون- الأدب، فإنه في عرفنا الآن ليس من إكرامه أن تُقدِّم الطعام في محل الجلوس اللهم إلا لضرورة إذا لم يكن عندك مكان، الآن الإكرامُ أن تجعل الطعام في مكان، ثم إذا أردت أن يأكلوه تقول: تفضَّلوا، ألا تتفضلوا؟ أو نُغيِّر المجلس، أو ما أشبه ذلك من الكلمات المتداولة.
فالمهم أن قوله تبارك وتعالى عن إبراهيم: قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَينبغي أن يُجْعَل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتيَ بالطعام إلى محل جلوسهم فأتِ به، إذا كان من الإكرام أن تجعله في محل آخر فافعلْ؛ دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهَ».
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات: ٢٧، ٢٨] أي: أحسَّ في نفسه بخيفة منهم، وسبب تلك الخيفة أنه عليه الصلاة والسلام لما قدَّم إليهم الطعام لم يأكلوا منه، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً؛ لأن العادة أن الضيف يأكل مما قَدَّم له المضيف، لكن هؤلاء الملائكة لا يأكلون، لم يأكلوا؛ لأن الملائكة صُمٌّ؛ أي: ليس لهم أجواف كما جاء ذلك مأثورًا عن السَّلف؛ ولهذا لا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب، أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْطمأنوه قالوا: لا تَخَفْ، لما رأوا على وجهه من علامة الإنكار والخوف، وكل إنسان يعرف حال قلب المرء المواجه له حاله هل هو في سرور؟ هل هو في انشراح؟ هل هو خائف؟ هل هو مطمئن؟ لأن هذا أمر معلوم بالفطرة، ولا يحتاج إلى كبير فراسة.
وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ(البشارة) هي الإخبار بما يَسُرُّ، أي: أخبروه بما يَسُرُّه وهو الغلام العليم، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد بلغ من الكبر عتيًّا قبل أن يولدَ له، لا هو ولا امرأته، بشَّروه بهذا الغلام، وبشَّروه بأنه عليم، أي: سيكون ذا علم؛ لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم؛ لأن في القرآن أن إبراهيم بُشِّرَ بغلامٍ عليم في آيتين من كتاب الله، وبشِّر بغلامٍ حليم في آية واحدة، وهما غلامان: أما الغلام الحليم فإنه إسماعيل أبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجد قصتهما مختلفة.
ولقد أبعد عن الصواب من قال: إن الغلام الحليم هو الغلام العليم، بل هو نَصٌّ صريح في سورة الصافات؛ فإن الله تعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فكيف يبشر بمن (...)؟ كل هذا مما يدل على أن القول بأن الغلام الحليم غير الغلام العليم.
بَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍوهذه بشارة كما ترون، تضمنت بشارة بشيئين، وإن شئتم فقولوا: بثلاثة أشياء:
أوَّلًا: بأنه سيأتيه مولود يصل إلى أن يكون غلامًا.
ثانيًا: أن هذا المولود ذكر لا أنثى؛ لقوله: غُلَامٍ.
ثالثًا: أنه عَلِيمٍ، أي: ذو علم، وكل هذه البشارات عظيمة، كل واحدة تكفي أن تكون بشارة.
قال تعالى: وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذاريات: ٢٨، ٢٩] مَن امرأته هذه؟ هي: سارة، أم إسحاق، أَقْبَلَتِلما سمعت البُشرى فِي صَرَّةٍفي صيحة؛ سرورًا، أو ندمًا وحزنًا؟ الجواب: أنها أتت فِي صَرَّةٍسرورًا؛ لأنها جاءتها هذه البشرى بعد أن تقدَّمت بها السن، تصيح وكأنها -والله أعلم- تقول: غلام! غلام! أي: ضربته بيدها كالمتعجبة كما يصنع الناس إلى اليوم، إذا أتاهم خبر (...) الله أكبر وضرب على وجهه.
فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات: ٢٩] عَجُوزٌهذه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أنا عجوز عقيم، فكأنها تعجبت أن تحصل لها البشرى بهذا الغلام العليم بعد أن تقدمت بها السن، وعقمت من الولد، ولكنهم بيَّنوا لها السببَ الوحيدَ الذي به وُجِدَ هذا الولد، فقالوا: كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ [الذاريات: ٣٠] أي: مثلما قلنا وبشرنا به قال الله عز وجل.
وانظر إلى قوله: قَالَ رَبُّكِحيث أضاف الربوبية هنا إلى هذه المرأة العجوز العقيم الكبيرة إشارة إلى أن هذا من عناية الله بها؛ لأنَّ إضافة الربوبية إلى الشخص المعين، تكون ربوبية خاصة، وانتبهوا للفرق: الربوبية العامة لكل أحد، الله رب كل شيء، الخاصة ليست لأحد إلا لمن كان خاصًّا بالله، وأتلو عليكم هذه الآية: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].
الربوبية العامة رَبِّ الْعَالَمِينَ، الخاصة: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَهنا قالوا لها: قَالَ رَبُّكِمن باب الربوبية الخاصة التي تقتضي عناية خاصة، قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الذاريات: ٣٠] عز وجل، إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُأنت تجعل هُوَهنا: مبتدأ، والْحَكِيمُ: خبر.
أو تجعل هُوَضمير فصل، والْحَكِيمُخبر؟ لك الخيار، يعني: إن شئتَ فقل: الْحَكِيمُخبر إن، وهُوَضمير فَصْلٍ لا محل له من الإعراب، وإن شئت فقل: هُوَمبتدأ، والْحَكِيمُخبر هُوَ، والجملة خبرُ إن، وهنا قدم الْحَكِيمُعلى الْعَلِيمُ؛ لأن المقام يقتضي هنا تقديم الحكمة على العلم.
الحكمة هنا في شيئين يا إخوان: أوَّلًا: تأخير الولادة بالنسبة لهذه المرأة، إن الله لم يؤخر ولادتها إلى أن تبلغ العجز إلا لحكمة، حكمة أخرى بكونها ولدت بعد أن أيست واعتقدت أنها عقيم، فها هنا حكمتان حكمة سابقة، وحكمة لاحقة، ومِنْ ثَمَّ قدم اسم الْحَكِيمُعلى اسم الْعَلِيمُ، وأنتم تشاهدون أن القرآن الكريم إذا جمع الله بين هذين الاسمين الكريمين: (العليم والحكيم) يُقدِّم غالبًا (العليم)، لكن هنا قدم الْحَكِيمُ؛ لأن المقام يقتضي ذلك إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ.
وهنا أسألُ: ما معنى الْحَكِيمُ؟ أكثر الناس يظنون أن معنى الحكيم أنه المتصف بالحكمة، والحكمة هي: وضع الشيء في مواضعه، ولكن الواقع أن الْحَكِيمُله معنيان: حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم، فالله عز وجل حكيم من الحكمة؛ لأن الله تعالى هو الحكم بين العباد والحاكم في العباد، هو حاكم فيهم وهو الحكم بينهم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًالمن؟ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، وهذا الاستفهام للتقرير؛ يعني أن الله تعالى أحكم الحاكمين، هنا قال: مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًافي سورة المائدة، وفي سورة التين: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.
كلاهما في محله المناسب، ففي سورة المائدة ذكر الله مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤] والظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] والْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧]، وتتابعت الآيات حتى قال: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] فكأن المقام مقام مفاضلة بين الأحكام، فبين أن حكم الله أحسن الأحكام، لكن في سورة التين المقام مقام سلطة وقوة، والله أحكم الحاكمين، يعني: أن حكمه نافذ وسلطته تامة، ولا أحد يعارض حكمه أبدًا مهما قويت شوكته.
وانظر إلى قول الله تعالى عن عاد: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] يعني: لا أحد أشد منا قوة، فقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، وعذَّبهم بألطف الأشياء، عذبهم بماذا؟ بالريح، الهواء اللطيف الذي لا تحس به مَلْمَسًا، وإن كان قويًّا الهواء، يدفع كل شيء، وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيف أهلك به هؤلاء القوم الذين يقولون: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:١٥]، أهلكهم به.
فالحاصل أن الله أحكم الحاكمين حكمُه نافذٌ صادر عن قُوَّةٍ وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمين تتضمن أيضًا حسن الحكم.
إذن الْحَكِيمُفي قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُيتضمن معنين: معنى من الحكم، ومعنى من الحكمة، انتهينا من الحكم، صار حكم الله عز وجل يتضمن أنه الحاكم في العباد، وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكم الحاكمين.
الحكمة أيضًا؛ لله تعالى الحكمة البالغة لله، ولا شيء من الأفعال القائمة في الوجود أحكم من حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن! إذا آمنت بهذا سهل عليك أمور كثيرة تشكل على كثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية، لا يدرك الناس أو أكثرهم أو بعضهم حكمتها، فهل نقول إذا لم ندرك الحكمة: إنه لا حكمة لها، أو نقول: إن لها حكمة، لكن عقولنا قاصرة؟ الثاني، وإذا آمنا هذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها، هل نحن ندرك الحكمة في كون الصلوات خمسًا؟ لا، أو أنها سبعة عشر ركعة؟ لا.
وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية، لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أن الله حكيم، آمنت بأنه لا بد لهذا الشيء من حكمة تقتضيه.
كذلك في الأمور القدرية: قد يُرسِل الله سبحانه وتعالى عذابًا يشمل الصالح والطالح، وقد يرسل الله عذابًا على قوم لا تتوقع أن يصيبهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أو تقول: إن الله عز وجل لا بد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة، ولذلك أقول لكم: إن الواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع وفيما قضاه من الأقدار أن نستسلمَ غاية التسليم، وألا نعترض هذا بعقولنا.
واستمعوا إلى قوله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْهذه واحدة، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَالثانية، الثالثة: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].
أقسم الله عزَّ وجل أنه ما يمكن أحد يؤمن إلا بهذه الشروط الثلاثة؛ هي: أن يحكموك فيما شجر بينهم.
والثاني: ألا يجدوا في صدورهم حرجًا؛ يعنى: لا تضيق صدورهم بحكم الله.
والثالث: أن يُسَلِّموا تسليمًا؛ أكَّد هذا بالمصدر تَسْلِيمًا؛ يعني: تسليمًا تامًّا، لا يتهاون الإنسان ويتباطأ في تنفيذ حكم الله، فإذا وجدت من نفسك عيبًا يتعلق بهذه الأمور الثلاثة فصحِّحْ إيمانَك، إذا رأيت أنك تَوَدُّ أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله صحح الإيمان، إذا رأيت من قلبك أنك لا تريد إلا حكم الله ورسوله، لكن يضيق صدرك بحكم الله ورسوله، وأنت تحدِّث نفسك أنك لا يمكن أن تتحاكم إلى غير الله ورسوله، لكن يضيق صدرك، إذا كان لا يضيق صدرك ولا تبغي التحاكم إلى غير الله ورسوله وأنت منشرح الصدر بحكم الله ورسوله، لكن تتباطأ وتتهاون، فأنت ناقص الإيمان؛ اقرأ قول الله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠].
لما لم يؤمنوا به أوَّل مرة ولم يقبلوه من أول مرة صارت -والعياذ بالله- قلوبهم مُتَقَلِّبة، وتركهم الله في طغيانهم يعمهون؛ ولهذا يجب عليك أيها المؤمن أن تُبادِرَ بانقيادٍ تامٍّ لحكم الله تعالى القدري (...).

***

..وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الذاريات: ٣١].
لكني رأيت أن أتكلِّم على آداب السلام؛ حيث إن الملائكة قالوا: سَلَامًا، فقال إبراهيم: سَلَامٌ، وذكرنا فيما سبق أن ردَّ إبراهيم أحسنُ من ابتداء الملائكة؛ لأنَّ ردَّ إبراهيم جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار بخلاف سلام الملائكة، واعلم أنَّ ردَّ التحية واجب؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦]، فقال: إِذَا حُيِّيتُمْولم يذكر من يُحَيِّينا، فيشمل أيَّ إنسانٍ يحيينا، فإننا نُحَيِّيه، نرد عليه أحسنَ من تحيَّتِه أو مثلها؛ كما قال: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦]، فبدأ بالأحسن؛ لأنه هو الأفضل أَوْ رُدُّوهَاأي: رُدُّوا مِثْلَها، ويشمل هذا ما إذا سلَّم علينا أحد من اليهود أو النصارى أو البوذيين أو غيرهم نرد عليه، لكننا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام؛ لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك .
ثم إن السلام يقال هكذا: السلام عليكم، هذا هو المشروع، وأما أهلًا وسهلًا ومرحبًا، وكيف حالك؟ وما أشبهها، فهذا ليس بمشروعٍ. المشروع أن تبدأ أوَّلًا بالسلام؛ ولهذا كان في حديث المعراج حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالأنبياء فيُسلِّم عليهم قال: «فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» فابدأْ أوَّلًا بقولِكَ: السلام عليكم، الجواب يكون مثل ذلك أو أحسن؛ يكون: عليكم السلام، أو: وعليكم السلام، أو: عليكم السلام ورحمة الله، أو: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل هذا من المشروع، نرى كثيرًا من النَّاس إذا سلَّم عليه يقول: أهلًا وسهلًا، أو يقول مرحبًا بأبي فلان، وهذا لا يجزئ؛ يعني لو قال: أهلًا وسهلًا مدى الدهر، فإنه لا يجزئ؛ لأن الله يقول: حَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦]، ومعلوم أن الذي يقول: السلام عليك، يدعو لك بالسلام مِن كل نقص، من كل آفة، من كل مرض في القلب أو البدن، ولا يكفي أن تقولَ: مرحبًا وأهلًا، بل لا بد أن تقول: عليك السلام، أو وعليكم السلام، وإن زدت ورحمة الله وبركاته كان أحسن.
ثانيًا: مَنِ المطلوبُ منه أن يسلِّم؟ جاءت السنة ببيان ذلك: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبيرِ» ؛ لأن حق الكبير أعظم من حق الصغير على الكبير، فيبدأ الصغيرُ بالسلام على الكبير، ولكن إذا قُدِّر أنه لم يُسلِّم، فهل الكبيرُ يَدَعُ السَّلامَ؛ لأن الحق له أو يسلم لئلا تفوت السنة؟ والجواب: يسلم؛ لئلا تفوت السنة، فكون الإنسان يقول: أنا صاحب الحق، لماذا لم يُسَلِّم عليَّ؟ هذا خطأ، صحيح أنك صاحب الحق، وأن المشروع أن يُسلِّمَ هو عليك، لكن إذا لم يفعل فسلِّمْ أنت، يسلِّم أيضًا «الْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ» ولو كان القاعد أصغر، فإذا مرَّ شخص بإنسان قاعدٍ فليسلِّم عليه، ولو كان أصغر منه سِنًّا أو قَدْرًا، وقد كان مِن هديِ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يُسلِّم على الصبيان إذا مر بهم ، وفي ذلك فائدة عظيمة:
منها: التواضع؛ أن الإنسان يضع نفسه، إذا سلَّم على مَنْ هو دونه.
ومنها: الرحمة؛ لأنَّ سلامك على الصغار نوع من الرحمة، وقد أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن الراحمين يرحمهم الله عز وجل .
ومنها: تعويد السلام لهؤلاء الصبيان؛ يعني أن الصبيَّ يعرف أن شعار المسلمين أن يُسَلِّم بعضُهم على بعض، فيأخذ من هذا أدبًا وخُلقًا ينتفع به في شبابه وبعد هرمه.
ثالثًا: يسلم الكثير على القليل، أو القليل على الكثير، أيهم أحق؟ القليل كالصغير مع الكبير، يسلِّم القليل على الكثير؛ يعني: إذا تقابل جماعة خمسة وستة، مَن يسلِّم؟ الخمسة يسلمون على الستة؛ لأن الستة فيهم زيادة، هذه الزيادة له حق، الزائد له حق، فيسلم القليل على الكثير، وإذا لم يفعلوا؟ فليسلِّم الكثير على القليل؛ لئلا تفوت السنة بينهم، كذلك أيضًا الراكب والماشي، تقابل رجلان أحدهما: يمشي، والثاني راكب في سيارته، أو على بعيره، من الذي يُسَلِّم؟ يسلم الراكب على الماشي؛ لأن الرَّاكب له علو فيسلم على الماشي؛ لأن السُّنَّة جاءت بهذا، الصاعد على النازل أو النازل على الصاعد؟ الصاعد على النازل؛ يعني لو أن اثنين التقيا في درجة سلم؛ فإن الصاعد هو الذي يسلم على النازل، وإذا لم تأت السنة ممن عليه أن يبدأ بها، فليبدأ بها الثاني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» قال: «خَيْرُهُمَا»، فدلَّ ذلك على أن من بدأ غيره بالسلام فهو خير، وهو كذلك؛ لأنه أنت إذا سلمت حصَّلْتَ عشر حسنات، ثم إذا رَدَّ صاحِبُك حصَّل عشر حسنات، وما هو السبب الذي جعله يُحَصِّل عشر حسنات؟ السبب البادئ، لولا أنك سلمت ما رد، فتكون أنت متسببًا لهذا الذي عمل عملًا صالحًا فلك أجرُه؛ ولهذا قال العلماء: ابتداءُ السَّلام سنَّةٌ وردُّه واجب، ثم أوردوا على هذا إشكالًا، قالوا: أيُّهما أفضلُ؟ ابتداء السَّلام أو رد السلام؟ ابتداء السلام أفضل، ثم أوردوا إشكالًا قالوا: كيف تكونُ السُّنَّةُ أفضلَ من الواجب؟! والقاعدة الشرعية: أنَّ الواجب أفضل؛ كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» .
أجابوا عن ذلك قالوا: هذا الإشكال جوابُه أنَّ هذا الواجب كان مبنيًّا على السنة، فصارت السنة التي بُنِيَ عليها الواجب لمن أتى بها ثوابُ أجره الخاص وثوابُ أجرِ الرادِّ الواجب.
كذلك أيضًا السلام ينبغي أن يكون بصوت مسموع، بعض الناس يلاقيك ويسلم، لكن تشكُّ هل سلَّم أو لا؟ لأنه لم يرفعْ صوته، وهذا غلط، ارفع الصوت على وجهٍ يدلُّ على أنك فَرِحٌ بهذا الأخ الذي قابَلَكَ، أو الذي سلَّمْتَ عليه لا بصوت مزعج، ولا بخافتٍ لا يُسْمَع، على العكس من ذلك بعضُ الناس يُسلِّم بصوتٍ مُزْعِجٍ، والدين وسط بين الغالي والجافي، فنقول: سَلِّم سلامًا مسموعًا يسمَعُه أخوك، ويكون بأدبٍ واحترام.
ومن آداب السلام أيضًا: أن يكون المُسلِّمُ منبسطَ الوجه منشرحَ الصدرِ؛ فإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ ، فإن طلاقة الوجه، وانشراحَ الصدر، والابتسامة في وجه أخيك لا شك أنها من الأمور المطلوبة؛ لما فيها من إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك من الأمور المستحبة التي تُؤْجَر عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ» كل معروف فإنه صدقة.
وإذا ورد عليك السلام محمولًا، فإن كان الحاملُ له شخصًا وقال: فلان يُسلِّم عليك، فقل: عليك وعليه السلام، وإن شئت فقل: عليه السلام، أي: على الذي حمَّله.
أما إذا كان محمولًا بكتابة؛ يعني: إنسان كتب لك كتابًا، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن كنت تريد أن تجيبَه بكتاب رُدَّ عليه بجوابك؛ مثلًا كتب إليك إنسان كتابًا، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عند الجواب تكتب ج/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قرأت كتابَك وفهمت ما فيه، والجواب: كذا وكذا، أكثر الناس الآن لا يهتمون بهذا، تجده يكتب الجواب، ويقول في ابتدائه: السلام عليكم ورحمة الله، هذا طيب، لكن الذي سلَّم عليكم يريد جوابًا، قل: ج -جواب يعني- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وصلني كتابك، أو قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وهذا الجواب، وتجيبه بما سأل، فهذا إذا كان السلام مكتوبًا فجوابه بالكتابة.
إذا كان لا يحتاج إلى جواب، مثل أن يكون شخص كتب إليك كتابًا يخبرك بخبر لا يحتاج إلى جواب، فهنا إذا قرأت الكتاب فقل: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، لا أقول وجوبًا؛ لأن صاحبك لن يسمع، لكن على سبيل الاستحباب، رجل دعا لك بظهر الغيب فادع له أنت بظهر الغيب، وإلى هنا ينتهي الكلام على السلام.

***

تفسير الآيات (31-34)
01:09:36

انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الذاريات: ٣١، ٣٢].
القائل مَا خَطْبُكُمْ: هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ أي: ما شأنكم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ؟ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: ٣٢، ٣٣] أُرْسِلْنَايعني: أرسلنا الله عز وجل؛ لأنه من المعلوم أنه لا يرسل أحدًا من الملائكة إلا خالقهم تبارك وتعالى.
إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَأي: ذوي جرم عظيم، ألا وهو اللواط والعياذ بالله؛ فإنهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فيأتون ما لم يُخلَق لهم، ويدعون ما خُلِقَ لهم، كما قال لهم نبيهم لوط عليه الصلاة والسلام: وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء: ١٦٦].
وهذه الفاحشة، فاحشة نكراء لا يقرها عقل، ولا فطرة، ولا دين؛ ولهذا كانت عقوبتها الإعدام للفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كانا محصنين أم غير محصنين، بخلاف الزنا؛ الزنا هو أهون عقوبة؛ لأن الزنا من لم يكن محصنًا فعقوبته أن يُجلَد مئة جلدة، ويُسَفَّر عن البلد سنة كاملة، وإن كان محصنًا -وهو: الذي قد تزوج وجامع- عقوبته أن يرجم بالحجارة حتى يموت، أما هذا فعقوبته القتل بكل حال، كما جاء في الحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ؛ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» .
ووقعت هذه الفاحشة في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فأمر أن يُحْرَق كلٌّ من الفاعل والمفعول به؛ لأن الإحراق أعظم عقوبة يعاقب بها بنو آدم، وكذلك جاء عن بعض الخلفاء أنهم أمروا بإحراق اللُّوطِيِّ؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمعَ الصحابةُ على قتل اللُّوطِيِّ فاعلًا كان أو مفعولًا به، لكنهم اختلفوا كيف يقتل: منهم مَنْ أَحَرَقَ، ومنهم من قال: يُرْمى بالحجارة حتى يموت كالزاني المحصن، ومنهم من قال: يُلقى مِن أعلى شاهقٍ في البلد، يعني: من مكان مرتفعٍ أعلى ما يكون في البلد، ثم يتبع بالحجارة حتى يموت.
فالمهم أنهم متفقون على قتله، ولا شك أن قتلَه هو الحكمة؛ لأن هذه الفاحشة مَتَى دبَّت في الرجال، صار الرجال كالنساء، وبدا الذُّل والعار والخزي على وجه المفعول به لا ينساه حتى يموت.
ثم استغنى الرجالُ بالرجال وبَقِيَت النساء؛ لأن هذه الفاحشة -والعياذ بالله- إذا ابتُلِيَ بها الإنسان لا يلتفت إلى غيرها؛ لأنها مرض فتَّاك سار، فإذا أُعْدِمَ هؤلاء، وهم في الحقيقة جُرْثُومَةٌ فاسدة مُفْسِدة للإنسان؛ كان ذلك عينَ المصلحة.
ثم اللواط، -والعياذ بالله- لا يمكن التَّحرُّز منه؛ لأنه بين ذكرين، لا يمكن لأي إنسان يجد ذكرين يمشيان في السوق أن يُنْكِرَ عليهما اجتماعهما؛ لكن الزنا يمكن، تشوف رجل مع امرأة تستنكره، أو تتهمه، تتكلم معه؛ ولذلك كان عقوبة الإعدام في حق اللوطي أوفق ما يكون للحكمة، وللرحمة أيضا، هي رحمة بِمَن؟ رحمة بالفاعلين؛ يعني: باللائط، والملوط به، حتى لا يبقيا في حياتهما يكتسبان الإثمَ، وتزداد العقوبة عليهما، ورحمة بالمجتمع، تكون عقوبتهما نكالًا، حتى لا يفسد المجتمع؛ لهذا قالت الملائكة لإبراهيم: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ.
وجُرْمُهم -والعياذ بالله- ما سُبِقوا عليه، كما قال لهم نبيهم: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
{لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}
[الذاريات: ٣٣، ٣٤] حِجَارَةً مِنْ طِينٍ، لكنه ليس الطين الذي يتفتَّت، بل الطينُ الصلب العظيم، الذي إذا أصابت هذه الحجارة أحدًا من الناس وضربَتْه على رأسه خرجت مِن دُبُرِه، لا يَردُّها عظم ولا لحم؛ لقُوَّتِها وشدَّتِها وصلابتِها، والعياذ بالله، وهي مُعَلَّمة.
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات: ٣٤] المتجاوزين حدودَهم، ومعنى مُسَوَّمَةًأي: مُعَلَّمة عند الله؛ أي: عليها علامة؛ لأنَّ كل شيء عند الله بمقدار، لا تظن أن الأمور التي يُقَدِّرها الله عز وجل تأتي هكذا صدفة، بل هي بمقدار حتى تباعُد ما بين النجوم الآن، وتفاوت ما بينها من الكِبَرِ والإضاءة بمقدار، ليس جاء هكذا فلتة أو جاء صُدْفَة، كل شيء مُقدَّر بالشعرة أو أدق، كل شيء عند الله بمقدارٍ لا بد، هذه الحجارة مُعَلَّمة عند الله، وهل هي معلمة بمعنى أن هذه مكتوب عليها مثلًا: حجارة عقوبة، أو مُسَوَّمة حتى بالنسبة لمن تقع عليه؟ الجواب: الثاني؛ لأن هذا أدق، هذه الحجارة لفلان، هذه الحجارة لفلان.
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَأي: للمتجاوزين حدودهم، ولا شك أنَّ اللواط مجاوزة للحَدِّ وإسراف والعياذ بالله.
تفسير الآيتين (35-36)
01:14:58

قال الله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٣٥] أخرجناهم، أي: أمرناهم أمرًا قدريًّا فخرجوا، قال الله تعالى للوط: أَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود: ٨١].
أَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَمَنْ هم؟ لوط، وأهله إلا امرأته؛ ولهذا قال: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٦].
بيت واحد، قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله، وإلى ترك هذه الفاحشة، ما اتبعه أحد، حتى أهل بيته لم يخلصوا، فيهم مَن لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخي، انتبه يا أخي الداعية، لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المئة إلا عشرة، هذه نعمة. الرسل عليهم الصلاة والسلام يبقون في أممهم دهورًا كثيرة، ولا يتبعهم إلا القليل، لوط عليه الصلاة والسلام، مَن اتَّبعه مِن القرية؟ لا أحد، من اتبعه مِن أهله؟ اتبعه من أهله من اتبعه، وتخلَّف عن دعوته مَن تخلَّف؛ ولهذا قال: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وهنا يتساءل الإنسان في نفسه؛ كيف قال: أَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين في الآية التي قبلها؟
ذهب بعض العلماء إلى ذلك وقالوا: إن في هذا دليلًا على أن الإيمان والإسلام شيء واحد.
وذهب آخرون إلى الفرق وقالوا: أما المؤمنون فقد نَجَوْا، وأما البيت فهو بيت إسلام؛ لأن المظهر في هذا البيت بيت لوط أنه بيت إسلامي، حتى امرأته ما تتظاهر بالكُفْرِ، تتظاهر بأنها مسلمة؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠]، ليس المعنى خَانَتَاهُمَابالفاحشة بل خَانَتَاهُمَابالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنس النفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: يقال إنه مجتمع مُسْلِم، وإن كان فيه المنافقون؛ لأن المظهر مظهر إسلامي.
إذن نقول فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَإنما قال: مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأن امرأته ليست مؤمنة، ولكنها مسلمة.
تفسير الآية (37)
01:17:30

{فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}
[الذاريات: ٣٦، ٣٧] تَرَكْنَا فِيهَا آيَةًأي: علامة، فما العلامة؟ أهي علامة حسيَّة أم علامة معنوية؟ أم علامتان معنوية وحسية؟
أقول لكم قاعدة مفيدة في التفسير: إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مُرَجِّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا، هذه الآية نقول: الآية هذه حسية ومعنوية، أما الحسية فما يُشاهَد من مكان قريتهم التي تُسَمَّى بحيرة لوط، فإن هذا كان موضعَ القرية، كلٌّ يمر به ويراه ويشاهده، كما قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].
آية معنوية: كل مَن قرأ قِصَّتهم في جميع ما ورد فيه من السور الكريمة اعتبر واتَّعظ وخاف، هذه آية معنوية، لكن مَن الذي ينتفع بهذه الآيات؟ مَن يخافون العذاب الأليم لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، أما المنكرون الذين قست قلوبُهم، فإنهم لن ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المنتفعين بالآيات، انتهى الكلام على قصة إبراهيم ولوط عليه الصلاة والسلام (...).

***

تفسير الآيتين (38-39)
01:19:02

انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٣٨، ٣٩]، يعني: في موسى آيات من آيات الله عز وجل حين أرسله الله تعالى إلى فرعون، وفرعونُ علَمُ جنس على كل من حكم مصر وهو كافر، وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة من الفضل بالنسبة لأولي العزم الخمسة، فإن أفضلَهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسى.
أرسله الله تعالى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [الذاريات: ٣٨]، أي: بحجة بينة في نفسها مُبينَة لغيرها، فالآيات التي جاء بها الأنبياء بينات واضحة لكل ذي عدل وإنصاف، وهي أيضًا مبينة لصدق ما جاءت به الرسل؛ ولهذا اعلم أنه كلما جاء في القرآن (مبين) كلمة (مبين) فهي بمعنى: مُبين في ذاته، مبين لغيره، إلا ما دلَّ السياق على أن المراد: البين في ذاته.
إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍفمنها من الآيات العظيمة التي جاء بها موسى: العصا؛ عصا موسى التي كان يستعملها يتوكأ عليها عند الحاجة، ويَهُشُّ بها على غنمه أوراق الشجر عند رعيها، وله فيها حاجات أخرى، كما قال هو عليه الصلاة والسلام لما سأله الله: مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه: ١٧، ١٨]، فهي آيةٌ في كونه إذا وضعها على الأرض صارت ثعبانًا مبينًا، أي: حية عظيمة تخيف من رآها؛ ولهذا رُهِبَ منها موسى عليه الصلاة والسلام حين ألقاها وولى هاربًا، فناداه الله عز وجل: لَا تَخَفْ [النمل: ١٠].
ومنها: أنه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء في الحال، بيضاء لكن بدون سوء، أي: بدون عيب، يعني: ليست بيضاء برص، ولكنها بيضاء مخالفة للون جلده في الحال، حقيقة لا تَخْييلًا.
وقال الله تعالى في سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١]، المهم أنه أتى إلى فرعون بسلطان مبين وحجة دامغة بالغة، لكنه -والعياذ بالله- تَوَلَّى بِرُكْنِهِ [الذاريات: ٣٩] أي: بقوته وسلطانه وجنده، أعرض عن موسى استكبارًا وجحودًا وظلمًا وعدوانًا، قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٣٩] يعني: أنه اتَّهم موسى عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر؛ لأنه أتى بآيات تُشبِه ما يصنعه السحرة، عصا من خشب توضع في الأرض وتكون ثعبانًا مبينًا، يد تدخل في الجيب فتخرج بيضاء في الحال، هذا يشبه السحر.
أَوْ مَجْنُونٌيعني قال: إنه مجنون؛ وذلك بكونه يدَّعي أن الله وحده خالق السماوات والأرض، هو الرب وهو الإله؛ لأنهم كانوا لا يعرفون الإله إلا مَن؟ إلَّا فرعون. فإذا جاء شخص يقول: هو الله رب العالمين، وأن فرعون ليس إلهًا ولا ربًّا، فإنهم يرمونه بالجنون، هذا مجنون خرج عما نعلم، خرج عما نعهد.
تفسير الآية (40)
01:22:52

قال الله تعالى: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [الذاريات: ٤٠] أي: طرحناهم فيه، واليَمُّ هو: البحر، والبحر الذي هَلَك به فرعونُ هو البحر الأحمر الذي بين آسيا وأفريقيا، وذلك أن فرعون جمع جنوده وحَشَدهم، وأراد أن يقضي على موسى وقومه، فخرج موسى وقومه من مصر متجهين إلى الشرق، ولكنهم حال بينهم وبين مرادهم البحر، فلمَّا وصلوا إلى البحر كان البحر بين أيديهم وفرعون وقومه خلفهم، قالوا لموسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١]؛ يعني: هلكنا؛ لأن فرعون خلفنا، والبحر أمامنا، فكيف النجاة؟ فقال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وهذه معية خاصة تقتضي النصر والتأييد.
قوله: سَيَهْدِينِولم يقل: سوف يهدين، قال: سَيَهْدِينِإشارة إلى قرب هذا الحصر، وأنه سيزول قريبًا، وهذا الذي حصل، أوحى الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانفلق اثنتي عشرة طريقًا في الحال، ويبس في الحال، وصار صالحًا للمشي عليه في الحال، كما قال عز وجل: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: ٧٧].
فعبَّر موسى وقومه من هذه الطرق العظيمة التي كان الماء بينها كالجبال، ولما انتَهَوا خارجين كان فرعونُ في أثَرِهم وانتهوا داخلين، فأمر الله عز وجل بقُدْرتِه وسلطانِه أمر البحر أن يعود إلى ما كان عليه، فانطبق على فرعون وقومه فهلكوا عن آخرهم، والحمد لله، ولهذا قال: فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌأي: فرعون فاعل ما يلام عليه، ولا شك أن ردَّه للرسالة الإلهية وادعاءه أنه الرب.
وقوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] وما أشبه ذلك من الكلمات لا شك أنها كلمات يلام عليها؛ لأنه قد تبين له الحق، ولكنه عاند وأبى أن ينقاد للحق، كما قال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَيعني: يا فرعون مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢] (...).

***

تفسير الآيتين (41-42)
01:25:25

ثم قال تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١]، يعني: وفي عاد آيات إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَعاد في جنوب الجزيرة العربية، وكانوا قومًا أشدَّاء، حتى إنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، فقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ١٥] فأصابهم القحط والجدب، فجعلوا يترقَّبون المطر، فأرسل الله عليهم الريح العظيمة الشديدة.
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَاقال الله تعالى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم التي ليس فيها ثمرة ولم تحمل ماء، كالمرأة العقيم التي لا تَلِدُ، هذه أيضًا ريح عظيمة لا تحمل سحابًا ولا مطرًا، هذه الريح العقيم هي الريح الغربية، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» أي: بالريحِ الغربية.
أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: ٤٢]، كل شيء تأتي عليه تجعله كَالرَّمِيمِهامدًا، حتى إنها تأخذ الرجل -والعياذ بالله- إلى فوق، ثم تردُّه إلى الأرض، فأصبحوا كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٧]، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠] هلكوا عن آخرهم.
فتأمل الآية قوم عتاة أقوياء أشداء هلكوا بهذه الريح اللطيفة التي لا ترى لها جسمًا، وإنما تحس بها بدون أن ترى شيئًا، ومع ذلك قضت عليهم بأمر الله عز وجل؛ ولهذا قال تعالى: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: ٤٢]، فهذا فيه آية من آيات الله عز وجل، أرسل الله عليهم هذه الريح فأهلكتْهم عن آخرهم، ففيهم آيات، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
تفسير الآيتين (43-44)
01:27:48

ثم قال تعالى: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ [الذاريات: ٤٣] ثمود: هم الذين أرسل الله إليهم نبيه صالحًا عليه الصلاة والسلام، فوعظهم، وذكَّرهم، وجعل لهم آية وهي الناقة التي شرفها الله تعالى بإضافتها إلى نفسه الكريمة؛ حيث قال تبارك وتعالى: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣] أي: احذروا ناقة الله أن تعبثوا فيها أو أن تنكروها، وهذه الآية لها شِرب تشرب من البئر التي تسمى: بئر الناقة، ولهم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥] يشربونه، فالناقة تشرب يومًا، وهم يشربون يومًا، وهذه الناقة ذكروا أنه ما جاء أحد يستقي من هذا البئر في يومها الذي تشرب منه إلا أخذ بدل شربها شيئًا من لبنها بقدر ما شربت، فالله أعلم هل هذا هو الواقع أو يختلف، لكن على كل حال هذه الناقة لا شك أنها ناقة ليست كسائر النوق؛ إذ إنها آية من آيات الله عز وجل، لكنهم كذبوا وأبوا وتوعدهم صالح عليه الصلاة والسلام أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، ولكنهم ما زالوا على كفرهم وإنكارهم؛ ولهذا قال: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ.
وديارهم معروفة الآن موجودة في مكان يُسَمَّى الحجر، ويسمى الآن ديار ثمود، وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك، لكنه عليه الصلاة والسلام أسرع حين مرَّ بهذه الديار، وقنع رأسه، ونهى أمته أن يدخلوا إلى هذه الأماكن -أماكن المعذبين- إلا أن يكونوا باكين، قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا أَنْ يُصيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» وقوله: «يُصيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» لا يلزم منه أن يراد به ما أصابهم من العذاب الحسي، قد يكون المراد ما أصابهم من العذاب الحسي، وما أصابهم من الإعراض والكُفر، فلو قال قائل: إنه يوجد أناس يذهبون إلى هذه الأماكن، وهم غير باكين ولم يصابوا بشيء.
نقول: الجواب عن هذا من وجهين:
أولًا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤكد أن يصابوا بهذا، ولكن قال: خوفًا أو خشية أن يصابوا بما أصاب هؤلاء.
الوجه الثاني: أن نقول: لا يتعيَّن أن يكون المراد بذلك أن يُؤخذوا بما أُخِذَ به هؤلاء من العقوبة الحسية الظاهرة، وهي الرجفة والصيحة التي أماتتهم عن آخرهم، قد يكون المراد بذلك مرض القلب الذي هو الاستكبارُ والإعراض ورد الحق.
إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍهذا الحين هو ثلاثة أيام، منتهى ثلاثة أيام، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ [الذاريات: ٤٤]، ولم يرجعوا عن غَيِّهم، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَالصاعقة التي هي صعقتهم هي رجفة وصيحة، وَهُمْ يَنْظُرُونَأي: ينظُر بعضهم إلى بعض يتهاوون ويتساقطون أمواتًا.
تفسير الآية (45)
01:30:46

{فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ}
[الذاريات: ٤٥] أي: ما استطاعوا أن يقوموا، وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَأي: لم يتمكن بعضُهم أن ينصُر بعضًا، بل كلهم هلكوا عن آخرهم.
وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذَّب رسله عليهم الصلاة والسلام، إلا أن العذاب المستأصل رُفِعَ عن هذه الأمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربَّه سبحانه وتعالى ألا يأخُذَهم بِسَنَةٍ بعامَّةٍ -أي: بعقوبة عامة- لكن ابتلوا بشيء آخر، وهو أن يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، والأمر كذلك وقع؛ فإن هذه الأمة لم تُصَبْ بعذابٍ عامٍّ كما أصيبت به الأمم التي قبلها، لكن أُصيبَت بأن جعل الله تعالى بأسَهم بينهم منذ زمن الخلفاء الراشدين؛ كما اختلفوا على عثمان، وعلى علي رضي الله عنهما، وحصلت الفتن، وتتوالى إلى يومنا هذا.
ثم هذه الأمة التي جُعِلَ بأسُها بينها ليست هي أمة الإجابة فقط، بل أمة الإجابة وأمة الدعوة، ولهذا نقول: ما حصل من الفتن والبلاء في الأرض مشارقها ومغاربها من الكفار وغير الكفار فإنما هو نتيجة للمعاصي، وهي عقوبة هذه الأمة أن الله يذيق بأسهم بأس بعض.
تفسير الآية (46)
01:32:06

{فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}
[الذاريات: ٤٥، ٤٦] يعني: اذكر قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُوهم أول أمة أرسل إليهم الرسول، ولكنهم كذبوه، وهذا الرسول نوح عليه الصلاة والسلام بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، ويذكرهم، ويعظهم، ولكنهم -والعياذ بالله- لم يؤمنوا مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]، حتى إنه عليه الصلاة والسلام يقول: كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ [نوح: ٧]، جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْلئلا يسمعوا ما يقول، وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْأي: تغطُّوا بها لئلا يُبْصروه -نسأل الله العافية- وهذا غاية ما يكون من البغضاء لما يقول وما يفعل، وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواعلى باطلهم، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: ٧].
فكان آخر ما قال عليه الصلاة والسلام: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦]، ودعا ربه: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠] قال الله تعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١١، ١٢]، ولهذا -والله أعلم- سيكون عليهم نصيب من عذاب المكذبين؛ لأنهم هم أول أمة كذبت الرسل، ومن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أن مَن قتل نفسًا فإن على ابن آدم الذي قتل أخاه كِفْلًا، ونصيب من عذاب القاتل إلى يوم القيامة
تفسير الآية (47)
01:33:42

ثم قال عز وجل: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧] في هذه الآية يخبر الله تعالى أنه بنى السماء بِأَيْدٍأي: بقوة، كما قال تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، والأيد: ليست جمع يد كما يتوهمه بعض الناس، ويظنون أن المراد أن الله بنى السماء بِأَيْدٍأي: بيديه عز وجل؛ ذلك لأن الأيد هنا مصدر (آد يئيد) بمعنى قَوِي، ولهذا لم يُضِف الله تعالى هذه الكلمة إلى نفسه الكريمة كما أضافها إلى نفسه الكريمة في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]، فمن فسَّر الأيد بالقوة هنا فإنه لا يقال: إنه من التأويل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، بل هو من التأويل الصحيح.
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَأي: لموسعون أرجاءها، لأنها واسعة عظيمة محيطة بالأرض من كل جانب.
تفسير الآية (48)
01:34:46

{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا}
أي: جعلناها لأهلها بمنزلة الفراش اللين المريح.
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَأثنى على نفسه تبارك وتعالى بذلك؛ لأنه أهل للثناء، وقد جعلها الله تبارك وتعالى -أعني الأرض- جعلها على مستو نافع للعباد، فليست بالقاسية التي يعجز الناس عن الانتفاع بها، وليست باللينة التي لا يستقرون عليها، بل هي مناسبة تمامًا لهم، على أن فيها اختلافًا في الليونة والصعوبة، لكن هذا لا يمنع الانتفاع بها.
تفسير الآية (49)
01:35:26

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
[الذاريات: ٤٩] خلق الله تبارك وتعالى من كل شيء زوجين متقابلين حتى تتم الحال، وتصلح باجتماع بعضهما إلى بعض، فالحيوان كله من إنسان وغيره كله يكون من زوجين بين ذكر وأنثى، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣] إلا أن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله بيده من غير أم ولا أب، وزوجه حواء خُلِقَت من أب بلا أم، وعيسى ابن مريم خلق من أم بلا أب؛ ولهذا يقسم الناس البشر إلى أربعة أقسام:
الأول: من خُلِقَ بلا أم ولا أب وهو آدم.
والثاني: من خُلِقَ من أب بلا أم وهي حواء.
والثالث: من خُلِقَ من أم بلا أب وهو عيسى.
وبقية البشر خلقوا من ذكر وأنثى.
من كل شيء خلق الله زوجين: اليبوسة والرطوبة، والحرارة والبرودة، واللين والقسوة، وغير ذلك مما إذا تأمله الإنسان عرف بذلك حكمةَ الله سبحانه وتعالى.
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَأي: بيَّنَّا ذلك لكم؛ لأجل أن تذكروا وتتعظوا بآيات الله تبارك وتعالى، فإن الإنسان كلما كان أعلم بآيات الله الكونية أو الشرعية كان أكثر اتعاظًا واعتبارًا، ولهذا حثَّ الله على النظر في الآيات الكونية، فقال تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الروم: ٨]، ومدح الله تعالى الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] لهذا ينبغي للإنسان أن يتَّعظ، ويتذكر، ويتدبر آيات الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية.
تفسير الآية (50)
01:37:43

{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}
[الذاريات: ٥٠] هذا كأنه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، أي: قل لهم: فِرُّوا إلى الله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُأي: من الله نَذِيرٌ مُبِينٌ.
والفرار إلى الله يكون بالقيام بطاعته واجتناب نواهيه؛ لأنه لا ينقذك من عذاب الله إلا هذا؛ إلا أن تقوم بطاعة الله، فكأن الإنسان إذا قام بطاعة الله عز وجل كأنه فرَّ من عدو، أرأيت لو أن وادِيًا عَرِمًا يَهْدِر أقبل عليك، أكنت تقف أمامه؟ لا، لا تقف أمامه، بل تهرب منه وتفر منه. كذلك لو أن حريقًا ملتهِبًا أقبل إليك فإنك لن تقف بل تفر. كذلك نار جهنم أشد وأعظم وأولى بالفرار منها؛ ولهذا قال: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِأي: من عذاب الله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌأي: منذر مُبِينٌأي: مظهر لما أنذروا به ومبين له.
فهو عليه الصلاة والسلام نذير من الله تعالى لعباده يُنْذِر من خالف أمره بالعذاب، ومع هذا هو صلى الله عليه وسلم بشير، بشير لمن آمن وأطاع بالجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]، لكن الله تبارك وتعالى يذكر الإنذار فقط في مقام التهديد والوعيد، وهذه السورة كما تَرَوْن كلها فيها ذكر للأمم السابقين، وما حل بهم من العقوبة؛ لمخالفتهم أمر الله تبارك وتعالى.
تفسير الآية (51)
01:39:37

{وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}
[الذاريات: ٥١] أي: لا تجعلوا معه معبودًا تعبدونه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، والمعبود أنواع وأصناف: فمن الناس مَن يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد الحيوان، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد المال؛ كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الذي ليس له هَمٌّ إلا المال، فإنه عابد له في الحقيقة، وإن كان لا يركع له ولا يسجد، لكن تعلُّق قلبه به واهتمامه به وكونه يرضى لحصوله ويسخط لمنعه لا شك أنه قد استولى على قلبه استيلاء تامًّا، لكن المعبود تختلف عبادته في الحكم؛ فإن كان يصرف له شيء من العبادة فهذا شرك أكبر، وإن كان لا يَصْرِف له شيء من العبادة، ولكنه يتعلق به القلب تعلُّقًا كاملًا، حتى إنه ليدع الواجبات، ويقع في المحرمات من أجل الحصول عليه، فهذه عبادة لا تخرج من الدين لكنها حقًّا عبادة. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌكرر ذلك لأهمية الموضوع.
تفسير الآية (52)
01:41:06

{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}
[الذاريات: ٥٢] يعني: أن الأمر الذي حصل لك يا محمد حصل لمن قبلك؛ فقوله: كَذَلِكَخبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك؛ يعني: أن أمر الأمم السابقة كأمر هؤلاء الذين كذَّبوك يا محمد، وفسَّر هذه الكذلكة بقوله: مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌيعني: ما آتاهم رسول إلا قالوا كذا، ومِنْفي قوله: مِنْ رَسُولٍزائدة من حيث الإعراب كقوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ [المائدة: ١٩] المعنى: ما جاءنا بشيرٌ ونذير، لكن تُزادُ الحروف في بعض الجمل للتأكيد.
فـمَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍيعني: ما آتاهم رسول إلا وصفوه بهذين الوصفين: إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌساحر باعتبار تأثيره وبيانه وبلاغته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» .
أَوْ مَجْنُونٌيعني: أو قالوا مجنون باعتبار تصرفاته؛ لأن هذا التصرف في نظر هؤلاء المكذبين جنون نسأل الله العافية، وفي هذا تسليةٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الإنسانَ إذا علم أن غيره أصابه ما أصابه تَسَلَّى بذلك وهان عليه الأمر، ولهذا قالت الخنساء تُماضِر، وهي ترثي أخاها صَخْرًا في رثاء لها:
وَلَوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِـــــــينَ حَـــــــوْلِي عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسَلِّي النَّفْـــسَ عَـــنْهُ بِالتَّأَسِّي

وقد دل لذلك قولُ الله تبارك وتعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]؛ لأن الإنسان إذا شاركه غيره في العذاب هان عليه، لكن يوم القيامة لا ينفع الإنسان أن يشاركه غيره في عقوبته.
المهم أن في هذه الجملة بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام تسليةً له حتى لا يحزن، فإن ما أصابه قد أصاب غيره، وفيها أيضًا دليل على أن المكذبين للرسل طريقهم واحدة ولو تباعدت أزمانهم، ولو تباعدت أقطارهم؛ لأن المجرم أخو المجرم، فالطريقة واحدة.
تفسير الآية (53)
01:43:42

قال الله تعالى: أَتَوَاصَوْا بِهِ [الذاريات: ٥٣] أي: بهذا القول بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَيعني: هل هؤلاء المكذبين للرسل الذين اتفقوا على وصفهم الرسل بأنهم سحرة ومجانين، هل هم تواصوا بذلك؟ يعني: هل كل واحد من هؤلاء الأمم كتب وصية إلى الأمم اللاحقة أن قولوا لأنبيائكم: إنكم سحرة ومجانين؟ الجواب: لا، ولهذا قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، وهذا إضراب إبطال، يعني: ما حصل تواصٍ، ولكن تواردت الخواطر؛ لأن الهدف واحد وهو تكذيب الرسل فاتفقت الكلمة، وفي قوله: طَاغُونَوصف بأن هؤلاء طغاة معتدون، وهذا من أعظم الطغيان -والعياذ بالله- أن يصفوا دعاة الحق بأنهم سحرة ومجانين.
تفسير الآية (54)
01:44:37

قال الله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات: ٥٤] أي: أعرض عن هؤلاء، ولا تهتم بهم.
فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍيعني: لا أحد يلومك؛ لأنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وصبرت وصابرت، فلقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم وصابر على أذى قريش وامتهانهم إياه، ولكنه كانت له العاقبة ولله الحمد، ولهذا قال: تَوَلَّ عَنْهُمْبمعنى: أنك لا تتعب نفسك فيهم، ولا تهلك نفسك فيهم، فأنت في هذه الحال لا تُلام على ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قام بما يجب عليه.
وفي قوله تعالى: تَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍفيها أمران:
الأمر الأول: عذر النبي عليه الصلاة والسلام وإقامة العذر له.
والثاني: تهديد هؤلاء المكذبين أن الله تعالى يهددهم بتولي الرسول عنهم؛ لأنه لا خير فيهم.
تفسير الآية (55)
01:45:35

{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}
[الذاريات: ٥٥] ذَكِّرْأي: ذكر الناس بآيات الله بشرائعه بأيامه؛ شرائعه: ما أوجب الله على العباد، أيامه: عقابه تبارك وتعالى للمكذبين، وإثابته للطائعين، لكن أطلق الله الذكر، وقال: ذَكِّرْولم يقل: ذكر المؤمنين، لكن بيَّن أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون؛ قال: فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لأن المؤمن إذا ذكر فهو كما وصفه الله عز وجل إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [الفرقان: ٧٣]، بل يقبلونها بكل رحابة صدر وبكل طمأنينة.
وفي الآية: دليل على وجوب التذكير على كل حال.
وفيها: أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون، وأن من لا ينتفع بالذكرى فهو ليس بمؤمن؛ إما فاقد الإيمان، وإما ناقص الإيمان، وهنا فتش عن نفسك: هل أنت إذا ذُكِّرْت بآيات الله وخُوفت من الله عز وجل هل أنت تتذكر أو يبقى قلبك كما هو قاسيًا؟ إن كانت الأولى فاحمد الله فإنك من المؤمنين، وإن كانت الثانية فحاسب نفسك ولا تلومَنَّ إلا نفسك، عليك أن ترجع إلى الله عز وجل حتى تنتفع بالذكرى.
وفي الآية: دليل على أنه كلما كان الإيمان أقوى كان الانتفاع بالذكرى أعظم وأشد، وذلك من قاعدةٍ معروفةٍ عند العلماء وهي: أن الحكم إذا عُلِّقَ بوصف ازداد بزيادته ونقص بنقصانه.
تفسير الآيتين (56-57)
01:47:16

أما قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِأي: ما أوجدتهم بعد العدم إلا لهذه الحكمة العظيمة، وهي عبادة الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له، إلا لعبادة الله تعالى وحده كما سنبين، اللام في قوله: لِيَعْبُدُونِللتعليل، لكن هذا التعليل تعليل شرعي، أي: لأجل أن يعبدوني، حيث آمرهم فيمتثلوا أمري، وليست اللام هنا تعليلًا قدريًّا؛ لأنه لو كان تعليلًا قدريًّا لزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس، فالجن عالم غيبيٌّ خُلُقوا من نار؛ لأن أباهم هو إبليس كما قال الله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠].
وسموا جِنًّا؛ لأنهم مستترون عن الأعين؛ حيث إنهم يروننا ولا نراهم، هذا هو الأصل أنهم عالم غيبي لكن قد يظهرون أحيانًا، والأصل فيهم أنهم كالإنس منهم المسلمون ومنهم غير المسلمين، ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، لكن الإنس يفضلونهم؛ لأنهم أحسن منهم من حيث الابتداء، حيث إنهم خلقوا من الطين، من التراب، من صلصال كالفخار، وأما أولئك الجن فخُلقوا من النار، كذلك يمتاز الإنس عنهم بأن منهم الرسل والنبيين، وأما الجن فليس منهم رسل، نعم منهم نُذُرٌ يُبَلِّغون الرِّسالاتِ من الإنس كما في قول الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] فانظر إلى أدبهم في قولهم: أَنْصِتُوا، ثم بقائهم حتى انتهى المجلس، ثم ذهبوا دعاة لما سمعوا: قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف: ٢٩، ٣٠] إلى آخر الآية.
وأما الإنسُ فهم بنو آدم البشر، هؤلاء خلقوا لشيء واحد لعبادة الله، لا لأجل أن ينفعوا الله بطاعاتهم، ولا أن يضروه بمعاصيهم، ولا أن يطعموه ولهذا قال: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٧] يعني: ما أطلب منهم رزقًا، أي: عطاء أنتفع به، ولا أن يُطْعِمون أنتفع بإطعامهم؛ قال الله تبارك وتعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤] فهو سبحانه وتعالى له الغنى والجود والكرم، وهو غَنِيٌّ عما سواه.
إذن لو سألنا: ما الحكمة مِن خلق الجن والإنس؟ ما هي الحكمة؟ العبادة، يعني: ما خلقوا لأجل أن يعمروا الأرض، ولا لأجل أن يأكلوا، ولا لأجل أن يشربوا، ولا لأن يتمتعوا كما تتمتع الأنعام، وإنما خُلِقوا لعبادة الله، وخلق لهم ما في الأرض، نحن مخلوقون للعبادة، وما في الأرض مخلوق لنا؛ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، والعجب أن قومنا الآن اشتغلوا فيما خُلِقَ لهم عما خُلِقوا له، ما الذي خلق لهم؟ ما في الأرض، عما خلقوا له وهو العبادة، وهذا من السفه أن يشتغلوا بشيء خلق لهم عن شيء خلقوا من أجله.
فما هي العبادة؟ العبادة نقول: إنها تُطْلَق على معنيين: المعنى الأول التعبد، يعني: فعل العبد، فيقال: تعبد لله عبادة، والثاني: المتعبد به، وهذا المعنى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وكل ما يقرب إلى الله، فهي اسم جامع لكل شيء، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، كل ما يُقرِّب إلى الله من قول أو فعل فإنه عبادة.
فإذن العبادة تُطلَق على معنيين: المعنى الأول: التعبد الذي هو فعل العبد.
والمعنى الثاني: المتعبد به الذي هو العبادة.
تفسير الآية (58)
01:52:02

{مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}
[الذاريات: ٥٧، ٥٨]، هُوَ الرَّزَّاقُيعني: هو صاحب العطاء الذي يُعطي، فالرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨] أي: أعطوهم، وكلمة الرَّزَّاقُأبلغ من كلمة الرازق؛ لأن الرزاق صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تعالى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، كل دابة في الأرض على الله رزقها من إنسان وحيوان، من طائر وزاحف، من صغير وكبير.
هل يمكن أن نحصي أنواع المخلوقات التي على الأرض؟ لا يمكن، لو قلت لك: احص العوالم التي في الأرض؟ ما استطعت فضلًا عن أفرادها، كل فرد منها فإن الله تعالى متكفِّل برزقه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]، فإذا كان الأمر كذلك صار رزق الله كثيرًا باعتبار المرزوق، من يحصي المرزوقين؟ لا أحد يحصيهم، أيضًا هو كثير باعتبار الواحد منهم، كم لله عليكم من رزق؟ كثير لا يُحصَى، رزق الله لك دار عليك ليلًا ونهارًا، رزقك عقلًا، وصحة، ومالًا، وولدًا، وأمنًا، وأشياء لا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]؛ ولهذا جاء اسم الرزاق بالتشديد الدال على الكثرة.
وقوله: ذُو الْقُوَّةِأي: صاحب القوة التي لا قوة تضادها كما قال الشاعر الجاهلي يقول:
أَيْــنَ الَمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــــالِبُ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

هذا وهو جاهلي، فقوة الله عز وجل لا يضاهيها قوة، قوته عز وجل لا يعتريها ضعف بخلاف قُوَّةِ المخلوق، المخلوق قُوَّتُه تنتهي إلى ضعف كما قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم: ٥٤]، أما الرب عز وجل فإن قُوَّته لا يلحقها ضعف بأي وجه من الوجوه، ولما قالت عاد: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًماذا قال الله؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، وصدق الله عز وجل.
وقوله: الْمَتِينُيعني: الشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدة فيه، انظر إلى قول الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النور: ٢] هذه شِدَّةٌ لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ، الله عز وجل أرحم الراحمين، ومع ذلك يوصينا، بل ينهانا أن تأخذنا الرأفة في الزانية والزاني لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ، وهذا دليل على القوة.
من قُوَّتِه عز وجل: أنه سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهل تعب؟ لا؛ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ [الأحقاف: ٣٣].
ومن قُوَّتِه وقُدْرَتِه: أنه جلَّ وعلا يبعث الناس كنفس واحدة فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، والأمثلة على هذا كثيرة، فهو جلَّ وعلا له القوة البالغة التي لا يمكن أن يضاهيها أيُّ قوة.
تفسير الآية (59)
01:55:56

ثم قال تعالى: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ [الذاريات: ٥٩] الذين ظلموا بالكفر لهم ذَنوبٌ مثل ذنوب أصحابهم، والذنوب في الأصل هو الدلو أو ما يُسْتَقى به، وشاهد ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» والمعنى: هؤلاء الظالمون لهم نصيب مثل نصيب من سبقهم، فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْأي: نصيبًا من العذاب مثل نصيب أصحابهم.
وانظر كيف سمَّى الله تعالى السابقين بأزمان بعيدة أصحابًا لهؤلاء؛ وذلك لاتفاقهم في التكذيب، ورَمْيِ الرُّسلِ بما لا يستحقون، فهم أصحاب في الواقع وإن تباعدت الأزمان والأماكن.
فَلَا يَسْتَعْجِلُونِالنون هنا مكسورة على أنها نون الوقاية، وحُذِفَ الضمير الياء وأصله: فلا يستعجلوني، فحُذِفَت الياء تخفيفًا؛ ولهذا لا يُشْكِل على الإنسان فيقول: كيف كانت النون مع أن (لا) ناهية؟ والجواب أن نقول: هذه النون ليست نون الإعراب، ولكنها نون الوقاية، فالفعل إذن مجزومٌ، والنون للوقاية، والياء التي هي المفعول محذوفة.
وفي قوله: فَلَا يَسْتَعْجِلُونِتهديد واضح؛ أن هؤلاء سيأتيهم العذاب لا محالة، ولكن لا يستعجلون الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يُملي للظالم ويمهله حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢] .
تفسير الآية (60)
01:57:52

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ}
[الذاريات: ٦٠] وَيْلٌبمعنى الوعيد والعذاب، يعني: أنه يتوعدهم عز وجل من هذا اليوم الذي يوعدون وهو يوم القيامة؛ لأنهم سيجدون ما أُرْسِل إليهم حَقًّا، وسيجدون الذل والعار، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]، وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢]، فيكون من بين هذا العالَم نسأل الله العافية على هذا الوجه؛ ولهذا قال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، وسيكون هذا اليوم يومًا عسيرًا عليهم؛ لأنهم كفرة والعياذ بالله.