قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّاإلى آخره [الواقعة: ١ - ٤].
حذف الله جواب الشرط في هذه الآيات؛ من أجل أن يذهب الذهن في تقديره كل مذهب؛ يعني إذا وقعت الواقعة صارت الأهوال العظيمة، وصار انقسام الناس، وحصل ما حصل مما أخبر الله به ورسوله مما يكون في يوم القيامة.
وقوله: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُكقوله: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١، ٢]. والمراد بذلك يوم القيامة.
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ؛ أي: ليس لوقعتها كذب، بل وقعتها حق ولا بد، والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حين سأله عن الإيمان، قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . وكثيرًا ما يقرن الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يحدو بالإنسان أن يعمل العمل الصالح، وأن يبتعد عن العمل السيئ؛ لأنه يؤمن بأن هناك يومًا آخر يُجازَى فيه الإنسان؛ المحسِن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
خَافِضَةٌ رَافِعَةٌيعني هي خافضة رافعة؛ يعني يُخفض فيها أُناس ويُرفع فيها آخرون، من الذي يُرفع؟ قال الله عز وجل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، فأهل العلم والإيمان هم الذين لهم الرِّفْعة في الدنيا والآخرة، ومن سِواهم فإنهم موضوعون بحسب بُعْدهم عن الإيمان والعلم.
إذن تخفض أهل الجهل والعصيان، وترفع أهل العلم والإيمان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه مُعَظَّم عند الناس يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله.
الجبارون المتكبرون يُحشرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، مع أنهم في الدنيا متبخترون مستكبرون عالون على عباد الله، لكنهم يوم القيامة موضوعون مهينون، قد أخزاهم الله عز وجل.
{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الواقعة: ٤ - ٦] إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُيعني زلزلت زلزلة عظيمة؛ ولهذا قال: رَجًّاأي رجًّا عظيمًا، وأنت تصور أنك ترُجُّ إناء فيه ماء، كيف يكون اضطراب الماء فيه؟ فالأرض يوم القيامة تُرَج بأمر الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة: ١]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١].
إذن إِذَا رُجَّتِأي: هُزَّت وزُلْزِلت. رجًّاأي: رجًّا عظيمًا.
وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّابُعْثِرت، وهبطت وصارت كثيبًا مهيلًا؛ ولهذا قال: فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّاكالهباء الذي نراه حينما تنعكس أنوار الشمس في حجرة مظلمة، تجد هذا الهباء تحسه في خلال ضوء الشمس.
مُنْبَثًّامتفرقًا، هذه الجبال الصم الصلبة التي يكون الصخر فيها أكبر من الجمال، بل ربما يكون الجبل الواحد صخرة واحدة، يكون يوم القيامة هَبَاءً مُنْبَثًّابأمر الله عز وجل، فتبقى الأرض ليس فيها جبال، ولا شجر، ولا أودية، ولا رمال، كما قال الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَاأي: الأرض قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: ١٠٥- ١٠٧].
{وَكُنْتُمْ} [الواقعة: ٧] الخطاب للآدميين عمومًا أَزْوَاجًا ثَلَاثَةًأزواج بمعنى أصناف، كما قال الله عز وجل: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أصنافهم، وقال تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أي: أصناف. فمعنى أَزْوَاجًايعني أصنافًا.
ثَلَاثَةًلا رابع لها: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فينقسم الناس يوم القيامة ثلاثة أقسام، لا رابع لها، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: ٨ - ١٠]، ذكرهم الله تعالى غير مُرَتَّبين في الفَضْل، أصحاب الميمنة بين السابقين وبين أصحاب الشمال في المرتبة، فبدأ الله بهم، ثم ثنَّى بأصحاب الشمال، ثم ثلَّث بـ(السابقون)، لكن عند التفصيل بدأ بهم مُرتَّبين على حسب الفضل، فبدأ بالسابقين، ثم بأصحاب اليمين، ثم بأصحاب الشمال، وهذا التفصيل الْمُرتَّب خلاف الترتيب الْمُجْمل، وهو من أساليب البلاغة.
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ؛ يعني أنه عز وجل أخبر بأن أحد الأصناف أصحاب الميمنة، ثم قال: مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِمَنْ هم؟ سيأتي إن شاء الله ذِكْرهم مُفصَّلًا.
وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِأي: ذوو الشؤم، وسيأتي أيضًا ذِكْرهم مفصَّلًا.
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَهؤلاء أفضل الأصناف. وقوله: السَّابِقُونَ السَّابِقُونَأصح الأعاريب فيها أن قوله: السَّابِقُونَمبتدأ، وخبره: السَّابِقُونَ؛ يعني أن السابقين إلى الأعمال الصالحة هم السابقون إلى الثواب في الآخرة، فكأنه قال: السابقون هم السابقون، السابقون في الدنيا بالأعمال الصالحة هم السابقون في الآخرة بالثواب.
{أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: ١١] المقرَّبون إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل، فهم في أعلى الجنان، وأعلى الجِنان أقرب إلى الرحمن عز وجل؛ لأن الفردوس وهو أعلى درجات الجنة فوقه عرش الله عز وجل فيكون قوله: الْمُقَرَّبُونَأي: إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَإلى الله.
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة: ١٢] فذكر منزلهم قبل ذكر منزلتهم، وكما يُقال: الجار قبل الدار، وكما قالت امرأة فرعون: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَأيش؟ عِنْدَكَبدأت بالجوار بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم: ١١]، وهنا قال: أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَقبل أن يبدأ بذكر الثواب؛ لأن قُرْبهم من الله عز وجل فوق كل شيء جعلنا الله وإياكم منهم.
أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِأي: في هذا المقر العظيم، الذي فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأضاف الجنات إلى النعيم؛ لأن ساكنها مُنَعَّم في بدنه، مُنعَّم في قلبه، كما قال عز وجل في سورة الإنسان: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: ١٠، ١١] نضرة في الوجوه، وسرورًا في القلوب فهم في نعيم، جنات النعيم، نعيم البدن أو نعيم القلب أو هما؟ هما، نعيم البدن ونعيم القلب.
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [الحج: ٢٣]، وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: ٢١] هذا من نعيم البدن وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا [الإنسان: ١٧]، كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان: ٥]. هذا من نعيم البدن أيضًا.
لهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون هذا من نعيم البدن، إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل من النعيم في الجنة، لو لم يكن فيها إلا أن الإنسان يُخَلَّد فيها لا يموت، ويصح؛ فلا يسقم، ويشب؛ يكون شابًّا دائمًا فلا يهرم، وفوق ذلك كله النظر إلى وجه الله عز وجل، كما قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] يعني فوق الحسنى، فسَّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الزيادة بأنها النظر إلى وَجْه الله . اللهم اجعلنا ممن ينظرون إليك في جنات النعيم.
أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: ١١ - ١٤].
{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} قيل: إن المراد بذلك الأمم السابقة.
{وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} يعني أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا القول تكون قلة هذه الأمة باعتبار كثرة الأمم السابقة، وليس المعنى أن الذين يدخلون الجنة من الأمم السابقين باعتبار كل نبي أكثر من الذين يدخلون الجنة من هذه الأمة.
وقيل: المراد بالأولين أول هذه الأمة؛ أي: ثلة من أول هذه الأمة، وقليل من آخرها، وهذا القول هو الصحيح، بل هو المتعيِّن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . أي: نصفهم، وفي حديث آخر: «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا مِنْهُمْ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
وعلى هذا فلا يصح أن نقول: قليل من هذه الأمة وكثير من الأمم السابقة، بل نقول: ثُلَّةٌأي: كثير من هذه الأمة من أوَّلها، وقليل من آخرها ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا [الواقعة: ١٣ - ١٦].
{سُرُرٍ} جمع (سرير)، وهو ما يتخذه الإنسان للجلوس والنوم.
مَوْضُونَةٍقال العلماء: منسوجة من الذهب.
{مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا} أي: معتمدين على أيديهم وعلى ظهورهم فهم في راحة في اليد وفي الظهر.
مُتَقَابِلِينَأي: يقابل بعضهم بعضًا، وهذا يدل على سعة المكان؛ لأن المكان إذا كان ضيقًا لا يمكن أن يكون الناس متقابلين ليش؟ لا يتسع لهم، لا بد يكونوا صفًّا من وراء صف لكن إذا اتسع المكان لو كانوا ألفًا ووضعت لهم سررًا دائرية تقابلوا ولو كثروا إذا كبر المكان، وهذه الآية تدل على أن الأمكنة واسعة وهو كذلك؛ ولهذا كان «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ» ، ألفين سنة، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، لا إله إلا الله، عجبًا! ولكن ليس بعجب؛ لأن الله على كل شيء قدير، والجنة عرضها كعرض السماوات والأرض من يحيط بسماء واحدة؟ كيف وهي عرض السماوات السبع، والسماوات السبع بعضها من فوق بعض، وكل ما كان الشيء فوق كانت دائرته أوسع فمن يحيط بهذا إلا الله عز وجل، عرضها كعرض السماوات والأرض.
إذن هم متقابلون؛ لأن أمكنتهم واسعة؛ ولأن لديهم من كمال الأدب ما لا يمكن أن يستدبر أحدهم الآخر، كلهم مأدبون، كلهم قلوبهم صافية، قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التدابُر . والتدابر يشمل التدابر القلبي؛ بحيث يكون كل واحد متجهًا إلى وجه، والتدابر البدني، إلا عند الحاجة أو الضرورة، هذا شيء آخر وإلا فمتى أمكن التقابل فهو أفضل.
لو أن أحدًا يكلمكم وهو قد ولَّاكم ظهره هل يكون استماعكم له ومحبتكم له كما لو كان يُحدِّثكم مستقبلًا إياكم؟ لا، وهذا شيء مُشاهَد معلوم.
إذن أهل الجنة على سُرُر متقابلين عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. وفي حال الاتكاء يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الواقعة: ١٧]، الولدان جمع (وَلَد) أو جمع (وَلِيد) كغِلْمان جمع (غُلام).
يَطُوفُ عَلَيْهِمْيتردد عليهم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَأي: خُلِقوا ليُخلَّدوا وهم غلمان شباب، إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا [الإنسان: ١٩] لجمالهم وصفائهم وكثرتهم وانتشارهم في أملاك أسيادهم، أفهمتم؟
إِذَا رَأَيْتَهُمْأي: رأيت الولدان، أو رأيتَ السادة الولدان، وإذا كان الولدان تحسبهم لؤلؤًا منثورًا فكيف بالسادة؟! أعظم وأعظم، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة: ١٧، ١٨]، أكواب هي عبارة عن كؤوس لها عُرى، والأباريق أيضًا أوانٍ لها عرى. وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍليس له عروة.
وقوله: مِنْ مَعِينٍأي: من خمر مَعِين.
لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [الواقعة: ١٩]؛ يعني لا يُوجَع بها الرأس، ولا ينزف بها العقل بخلاف خمر الدنيا فإنها توجع الرأس وتُذْهِب العقل.
وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍمعطوفة على قوله: بِأَكْوَابٍأي: ويطوف عليهم الولدان بفاكهة، فاكهة مما يشتهون؛ لطيبها منظرًا، وطيبها مشمًّا، وطيبها مأكلًا.
هذه الفاكهة طيبة في منظرها، طيبة في رائحتها، طيبة في مأكلها ومذاقها؛ لأن الله قال: مِمَّا يَشْتَهُونَ [المرسلات: ٤٢]، وكون الإنسان يعاف الشيء إما لقبح منظره، أو لقبح رائحته، أو لقبح مأكله؛ الفاكهة في الجنة لا، بالعكس، طيِّبَة في لونها وحجمها ورِيحها ومذاقها، وسبحان الله يؤتون بها متشابهة، متشابهة في اللون والحجم والرائحة، لكن في المذاق مُختلفة، وهذا مما يزيد الإنسان فرحًا وسرورًا وإيمانًا بقدرة الله عز وجل.
{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: ٢١] أي: ويطوف عليهم هؤلاء الولدان بلحم طير، إحنا قلنا بالأول فاكهة مما يشتهون؟! الصواب مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَذكر لحم الطير؛ لأن لحوم الطير أنعم اللحوم وألذها، وهذا الطير من أين يتغذى؟ الجواب: ليس لنا أن نسأل هذا السؤال؛ لأن أمور الغيب يجب علينا فيها أن نؤمن بها بدون السؤال فنقول: إن كانت هذه الطيور تحتاج إلى غذاء، فما أكثر ما تتغذى به؛ لأنها في الجنة، وإن كان لا تحتاج إلى غذاء فالله على كل شيء قدير.
***
قال الله عز وجل: وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: ٢٢، ٢٣] حُورٌ: أي بيض، عِينٌأي: حسنات الأعين؛ لأن عِينٌجمع (عَيْنَاء)، وهي ذات العين الواسعة الجميلة كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِالْمَكْنُونِيعني: الْمُغَطَّى حتى لا تفسده الشمس، ولا الهواء ولا الغبار، فيكون صافيًا من أحسن اللؤلؤ.
{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الواقعة: ٢٤] أي: يجزون بهذا الثواب الجزيل، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَأي: بعملهم أو بالذي كانوا يعملونه، فـ(ما) هنا يصح أن تكون مصدرية، ويصح أن تكون اسمًا موصولًا، الباء هنا للسببية، والباء في اللغة العربية وهي حرف جر معروف، لها معانٍ كثيرة حسب السياق، فمثلًا إذا قلت: بعتُ عليك ثوبًا بدينار، فالباء هنا للعِوَض؛ أي: هذا عِوَض هذا، فيكون الثمن مُكافئًا للمُثْمَن ولا فرق بينهما، وتأتي الباء للسببية كما في قوله تعالى: فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ٥٧]، فقوله: فَأَخْرَجْنَا بِهِأي: بسببه.
الباء هنا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَهل هي للعوض أو للسببية؟
طالب: عوض.
الشيخ: عوض؟ تعرف الفرق بينهما؟ العِوض معناها: أن الشيئين متكافئان، من يعرف؟
طالب: الباء سببية هنا يا شيخ.
الشيخ: الباء للسببية؟ نعم، الباء للسببية ولا يصح أن تكون للعِوض؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» -أي: بعِوض- قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
إذن الباء في قوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَأي: بسبب عملهم، وليس المعنى أنه عِوَض؛ لأن الله لو أراد أن يعوضنا لكانت نعمة واحدة تُحيط بجميع أعمالنا، أليس كذلك؟ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] لكن إن نعد أعمالنا أحصيناها فانتبه لهذا، ولذلك استشكل بعض العلماء كيف يقول الله عز وجل: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَوالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». أجابوا عن ذلك بأن الباء في النفي باء العِوض، والباء في الإثبات باء السببية.
{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة: ٢٥، ٢٦] لَا يَسْمَعُونَأي: أهل الجنة، لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًاأي: كلامًا لا فائدة منه، وَلَا تَأْثِيمًاأي: كلامًا يأثم به الإنسان؛ فالكلام القبيح لا يوجد، الكلام الذي لا خير فيه لا يوجد، إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا.
قوله: إِلَّا قِيلًاهذا يسميه النحويون استثناءً منقطعًا، والاستثناء المنقطع: هو الذي يكون فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه، فقوله: إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًاهل هي من اللغو؟ لا، من التأثيم؟ لا، إذن الاستثناء هنا منقطع، وعلامة الاستثناء المنقطع أن تجعل بدل (إلا) (لكن) فيستقيم الكلام، فهنا لو قيل في غير القرآن: لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا لكن قيلًا؛ لاستقام الكلام، إذن إِلَّاهنا للاستثناء المنقطع؛ لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، ومثل ذلك قوله تبارك تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ [الغاشية: ٢١ - ٢٤].
قوله: إِلَّاهنا الاستثناء منقطع؛ لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس بمسيطر، لا على الكافرين ولا غيرهم، فتكون إِلَّاهنا بمعنى (لكن)؛ ولهذا جاءت الفاء فَيُعَذِّبُهُ [الغاشية: ٢٤]، وعليه لو أن أحدًا وقف وقال: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] فالوقف صحيح؛ لأن إِلَّاهنا منقطعة ليست متصلة بما قبلها. إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًايعني: إلا قولًا فيه السلام وإدخال السرور والفرح بين أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم منهم.
ثم قال عز وجل: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ [الواقعة: ٢٧]، هذه الطبقة الثانية، الطبقة الأولى ماذا نوصفهم؟ السَّابِقُونَ [الواقعة: ١٠]، والطبقة الثانية وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ [الواقعة: ٢٧] دونهم.
مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِاستفهام تعجب وتفخيم، يعني: أي قوم هؤلاء؟
{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة: ٢٨ - ٣٤] كم هذه؟ ستة.
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ(السدر) معروف، شجر معروف بارد، ظله مُنَشِّط، لكن لا تظن أن السدر الذي في الجنة كالسدر الذي في الدنيا، الاسم واحد والمعنى مختلف، كما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لَكُنَّا نعلم، لكن الاسم اسم، والمعنى يختلف؛ يعني حقيقة الشيء تختلف.
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍيعني: أنه ليس فيه شوك.
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ(الطلح)، قيل: إنه شجر الموز، والمنضود: معناه الذي ملأ ثمرةً، ولكن مع هذا ليس الذي في الجنة كالذي في الدنيا.
وَظِلٍّ مَمْدُودٍظل يعني لا نهاية له؛ لأنه ما فيه شمس في الجنة ما فيه شمس، بل هي ظل، وصفها بعض السلف بأنها كالنور الذي يكون قُرْب طلوع الشمس، تجد الأرض مملوءة نورًا ولكن لا تُشاهد شمسًا، فهو ظِلٍّ مَمْدُودٍأي: ممدود في المساحة ممدود في الزمن، دائم.
أما قوله: مَاءٍ مَسْكُوبٍفالمعنى: أنه ماء مستمر دائمًا، كما قال الله عز وجل: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن: ٥٠] دائمًا، وغير الماء أيضًا فيه أنهار أخرى، من عسل ولبن وخمر، فالأنواع أربعة، وقد ورد في الحديث أن هذه الأنهار تجري بدون أُخدود، تعرفون الأخدود؟ الآن السواقي لها أخدود يعني شيء مرتفع، نحن نسميها في لغتنا أهل القصيم (...)، ما أدري تعرفونها هكذا؟ هذه تمنع الماء يذهب يمينًا وشمالًا، الجنة ما فيها أخدود، كذلك أيضًا في الدنيا، إذا لم يكن أخدود، لا بد من حفر للماء يمشي مع هذا الحفر، في الجنة ما فيها لا هذا ولا هذا، أنهار تمشي بدون أخدود، سبحان الله العظيم! قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
| أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ | سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ |
الله أكبر! سبحانه! ما تحتاج تعبًا لا إقامة أخدود ولا حفر خنادق.
إذا قال قائل: هل هذا ممكن؟ نقول: لا تتحدث، هل هذا ممكن؟ صَدِّق، أما ممكن غير ممكن هذا ما هو بوارد، أخبار الغيب ما فيها ممكن وغير ممكن، صَدِّق ولا تتحدث، أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبرنا بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ؟
الجواب: بلى، وهو سبحانه وتعالى له العلو المطلق، كيف يكون عاليًا وينزل؟ كيف يكون؟ ما الواجب؟ الواجب التصديق، ولا نقول: كيف ولِمَ؟ هذا شيء فوق مستوى عقولنا.
أمور الغيب أيها الإخوة -الشباب ومن فوقهم- لا تسأل عنها، ما دام ثبتت في القرآن أو السنة لا تسأل عنها؛ لأنه لا يمكنك الإحاطة بها، قل: آمنت بالله ورسوله واستمر، هنا نقول: أنهار الجنة تمشي بغير أخدود هل هذا ممكن؟ أمكن أو لم يمكن، ما يهمنا ما دام ثبت عن المعصوم وجب علينا التصديق، على أنه في الدنيا يمكن، الآن لو مسحت يدك بدهن، وصببت عليها الماء ما تجد أنها تكون زُبرًا زُبرًا بدون شيء، بدون حائل، بدون حفرة، هذا وهو في الدنيا أما في الآخرة فهو أعظم، أليس الله تعالى يقول في أهل الجنة: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٠- ٥٣] قرينه في الدنيا يقول: أنت تصدق أننا بعدما نكون ترابًا وعظامًا أننا نبعث ونُجازى تصدق بهذا؟! شوف كيف التلبيس؟ ما جواب المؤمن؟ هل تصدق أنك بعد ما تموت وترمس بالتراب، وتصير عظامًا ورفاتًا أنك تبعث؟ مُصدِّق والله، أشد مما أصدق الشمس، هذا القرين السيئ يقول لقرينه: أنت تصدق بهذا؟ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] وهو قرينه بالدنيا، لكن هذا مَنَّ الله عليه بالثبات وثبت وصار من أهل الجنة فقال لأصحابه: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥٤] تعالوا نطلع على قريني اللي كان يقول لي ها الكلام هذا. فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥]، في قعر الجحيم، وهذا في أعلى عليين في الجنة، قال له يخاطبه: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: لتهلكني، بأيش؟ بقوله: أتصدق بهذا.
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] للعذاب، كما أنت محضر الآن، يخاطب هذا في أعلى عليين، وهذا في أسفل السافلين، ويطَّلع عليه: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ؟ هل هذا ممكن؟ كنا نقول: ما هو ممكن في الدنيا، وإلا في الآخرة مصدقون على طول ما فيه إشكال، لكن وجدنا الآن أنه يوجد في الدنيا من صُنع الآدمي، الآن فيه هواتف يتخاطب بها القريب والبعيد، ويتراءون الصورة، موجود هذا ولَّا غير موجود؟ موجود، وهو من صنع مَنْ؟ صنع البشر، كيف بصنع الخالق عز وجل؟!
أنا قصدي بهذا يا إخواني ألَّا تستبعدوا شيئًا مما أخبر الله به ورسوله، ويجب عليكم أن تصدقوا على طول، ولا تُوردوا على أنفسكم ولا على غيركم كيف يكون هذا، هذا خبر صادق عن الله ورسوله، قل: آمنت بالله واستقم على دين الله.
هنا يقول عز وجل: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [الواقعة: ٣٢] الفاكهة كل طعام أو شراب يتفكه به الإنسان؛ لأن طعامك وشرابك أحيانًا يكون ضروريًّا معتادًا لا تتفكه فيه، لكنه شيء ضروري للبقاء، والثاني: فاكهة يتفكه به الإنسان، مثل أيش الفاكهة؟ في الدنيا تفاح، برتقال، موز أشياء كثيرة.
كَثِيرَةٍيعني ليس فيها قلة، في أي وقت من الأوقات تجد هذه الفاكهة، بينما في الدنيا الفواكه لها أوقات معينة تنقطع؛ ولهذا قال: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٣]؛ يعني: لا تُقطَع أبدًا، في كل الأوقات، ليل نهار، مع أنه ليس فيه ليل ولا نهار، لكنها دائمة.
وَلا مَمْنُوعَةٍيعني: لا أحد يمنعك منها، بل قد قال الله تعالى: قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة: ٢٣] أي: ما يقطفه الإنسان من الثمرة دانٍ، حتى إنه إذا اشتهى الإنسان ثمرة فوق تدلى الغصن حتى يكون بين يديه، الله أكبر! بدون تعب، فاكهة الدنيا مقطوعة، تأتي في وقت دون آخر، ممنوعة ولَّا غير ممنوعة؟ ممنوعة أيضًا لا يمكن أن تدخل البستان وتأكل كما شئت، يمنعك صاحب البستان، أما في الآخرة فلا.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة: ٣٤] فُرُشٍ(الفُرش): ما ينام عليه الإنسان، جمع (فِرَاش)، مَرْفُوعَةٍ: عالية، شوف الآن فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة: ٢٨ - ٣٤]، ما الذي معك على الفراش؟ الحور.
ولهذا قال: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً [الواقعة: ٣٥] بعد ما ذكر الفرش؛ يعني ينتقل الذهن إلى من يصاحبني في هذا الفراش، قال: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءًيعني: أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً غريبًا عجيبًا بديعًا، فسَّر هذا الإنشاء بقوله: فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة: ٣٦]، هؤلاء الزوجات أبكار، مهما أتاها زوجها عادت بكرًا، سبحان الله! إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] نساء الدنيا إذا افتض الزوج بكارة المرأة خلاص ما تعود، لكن في الآخرة تعود من حين ما ينتهي منها تعود بكرًا.
{فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة: ٣٦، ٣٧] (العُرُب) المتحببات إلى أزواجهن، سبحان الله! هذا كمال المتعة، أن تكون الزوجة تتحبب لزوجها، وتتقرب إليه، وتغريه في نفسها، بخلاف نساء الدنيا، نساء الدنيا إذا أتاها الزوج يريدها، وإذا متكرهة متبذلة تتعبه، قبل أن ينال مراده منها، لكن الآخرة هن (عُرُب) متحببات للزوج، يفعلن كل ما يوجب محبته لهن.
أَتْرَابًاعلى سن واحدة، لا تختلف أسنانهنَّ، نساء الدنيا واحدة عجوز لها خمسون سنة، وواحدة شابة لها خمس عشرة سنة، وما بينهما ثنتان؛ لأن الزوج في الدنيا ما يملك إلا أربعًا؛ واحدة خمسون، وواحدة أربعون، وواحدة ثلاثون، واحدة عشرون، السنين مختلفة، بالطبع أنه إذا اختلفت السنين تختلف رغبة الزوج، أليس كذلك؟ في الغالب يرغب بالصغيرة أكثر مما يرغب في الكبيرة، فيبقى متذبذبًا لكن في الآخرة أتراب، ما تختلف أسنانهن على سن واحدة.
ثم قال عز وجل: لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٣٨] أي: ذلك المذكور من النعيم النفسي والبدني لأصحاب اليمين، اللهم اجعلنا من السابقين الأولين يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير (...).
***
{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: ٣٩، ٤٠] هؤلاء هم أصحاب اليمين الذين هم في المرتبة الثانية، والمرتبة الأولى السابقون.
السابقون قال الله تعالى فيهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: ١٣، ١٤] يعني: ثلة من الأولين من هذه الأمة، وقليل من الآخرين، فإن خير هذه الأمة خير قرونها القرن الأول الذي هو قرن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم تتناقص.
أما أصحاب اليمين، فقال الله تعالى فيهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَأي: جماعة من هؤلاء، وجماعة من هؤلاء.
ثم ذكر الله القسم الثالث فقال: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [الواقعة: ٤١]، وهم الكفار والمنافقون فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ [الواقعة: ٤٢ - ٤٤]، هذا اللي هم فيه، سَمُومٍأي: حرارة شديدة والعياذ بالله، وقد بَيَّن الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة كيفيتها، فقال الله تعالى: سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]، وأخبر أنه: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: ١٩ - ٢٢] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقوله: (حميم)، الحميم: هو الماء الحار الشديد الحرارة، فهم -والعياذ بالله- محاطون بالحرارة من كل جانب، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ [الواقعة: ٤٣، ٤٤] فاليحموم: هو الدخان وقد وصفه الله بأنه: لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍلا بَارِدٍكما هو الشأن في الظلال وَلَا كَرِيمٍالحسن المنظر؛ لأنه دخان كريه، كريه منظره حار مخبره، نسأل الله العافية.
ثم بَيَّن حالهم من قبل فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة: ٤٥]، وذلك في الدنيا، قد أترف الله أبدانهم، وهيأ لهم من نعيم البدن ما وصلوا فيه إلى حد الترف، لكن هذا لم ينفعهم والعياذ بالله، ولم ينجهم من النار.
{وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} [الواقعة: ٤٦].
يُصِرُّونَأي: يستمرون عليه.
والْحِنْثِ الْعَظِيمِهو الشِّرْك؛ لأن الأصل في الحنث الإثم، والْعَظِيمِهو الشِّرْك، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
وكانوا أيضًا ينكرون البعث، كانوا يقولون: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الواقعة: ٤٧، ٤٨] يعني ينكرون هذا إنكارًا عظيمًا، يقولون: أئذا بليت عظامنا وصارت رفاتًا هل نبعث؟ وأيضًا هل يبعث آباؤنا الأولون؛ ولهذا يحتجون يقولون: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، وهذه حجة باطلة؛ لأنه لا يقال لهم: إنكم ستبعثون اليوم، وإنما تبعثون يوم القيامة، فكيف تتحدونا وتقولون: هاتوا آباءنا، فاليوم الآخر ليس هو حاضرًا اليوم حتى يتحدوا ويقولوا هاتوا آباءنا؟ نقول: إن هذا يكون يوم القيامة.
قال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] الأولون من المخلوقين، والآخرون كلهم سيبعثون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا جبال ولا أشجار ولا كروية بل تُمد الأرض مُسطَّحة، يُرَى أقصاهم كما يُرَى أدناهم، الآن لما كانت الأرض كروية فإن البعيد لا تراه؛ لأنه منخفض، لكن إذا كان يوم القيامة سُطِّحت الأرض صارت كالأديم؛ أي: كالجلد الممدود، فيُبعث الخلائق كلهم على هذا الصعيد.
وقوله: إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍعند مَنْ؟ عند الله عز وجل؛ لقول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف: ١٨٧].
{ثُمَّ إِنَّكُمْ} [الواقعة: ٥١] أي: بعد البعث أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٥١]، الضالون في العمل فهم لا يعملون، المكذبون للخبر فهم لا يصدقون، والعياذ بالله.
{لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ} [الواقعة: ٥٢] آكلون من شجر، هذا الشجر نوعه من زقوم، كما تقول: خاتمٌ من حديد، بابٌ من خشب، جدارٌ من طين، فقوله: مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍمِنْ شَجَرٍمتعلقة بأكل، ومن زقوم بيان للشجر، وسُمِّي زقومًا؛ لأن الإنسان -والعياذ بالله- إذا أكله يتزقمه تزقُّمًا لشدة بلعه، لا يبتلعه بسهولة.
{فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} [الواقعة: ٥٣] أي: أنهم يملؤون البطون من هذا الشجر مع أن هذا الشجر مُر، خبيث الرائحة، كريه المنظر، لكن لشدة جوعهم يأكلونه كما يأكل الجائع المضطر العذرة، وكما يأكل قيئه، فهم يأكلونه على تَكَرُّه، كما قال الله عز وجل: يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٦، ١٧] هم يأكلون من هذا الشجر ويملؤون البطون منها، يأتيهم شغف، شغف عظيم جدًّا على الأكل، حتى يملؤوا بطونهم مما يكرهونه، وهذا أشد في العذاب نسأل الله العافية، مع ذلك إذا ملؤوا بطونهم من هذا اشتدت حاجتهم إلى الشرب، فكيف يشربون؟ قال الله تعالى: فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ [الواقعة: ٥٤] الْحَمِيمِالماء الحار، يشربون من ماءٍ حار بعد أن يستغيثوا مدة طويلة، وقد وصف الله هذا الماء بقوله: يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: ٢٩]، وقال عز وجل: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥].
فتأمل يا أخي هذا؛ إن قرَّبوه من الوجوه يشويها، إذا دخل بطونهم قطَّع أمعاءهم، ومع ذلك يشربونه بشدة، يقول: شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة: ٥٥]؛ يعني شُرب الإبل الهائمة إلى الماء التي لا يرويها الشيء القليل، فيملؤون بطونهم -والعياذ بالله- من الشجر الزقوم، ويشربون من الحميم شُرْبَ الْهِيمِ؛ أي: شرب الإبل. الْهِيمِجمع هائمة، أو جمع (همياء)؛ يعني: أنها شديدة العطش، فتملأ بطونها، وبطونها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا -وهو بطن تملأ بطنها من الماء- وَحِذَاؤُهَا» . أسأل الله أن يجيرني وإياكم من النار.
{هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة: ٥٦]؛ يعني هذه ضيافتهم، بخلاف المؤمنين فإن ضيافتهم جنات الفردوس إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٧، ١٠٨].
ثم قال عز وجل: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ [الواقعة: ٥٧] وهذا أمرٌ لا أحد ينكره، أن خالقنا هو الله، حتى المشركون الذين يشركون مع الله إذا سُئِلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله؛ يعني: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْأول مرة، فَلَوْلا تُصَدِّقُونَأي: في إعادتكم ثاني مرة، و(لولا) هنا بمعنى هلا تصدقون، كان الواجب عليهم وهم يصدقون بأن خالقهم أول مرة هو الله، أن يصدقوا بالخلق الآخر؛ لأن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الآخر من باب أولى، كما قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، وقال عز وجل: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم: ٤٧]. إذن نحن خلقناكم متى؟ أول مرة، فَلَوْلا تُصَدِّقُونَأي: فهلا تصدقون أننا نعيدكم، نخلقكم ثاني مرة؛ لأن القادر على الخلق أول مرة، قادر على الخلق المرة الأخرى.
ثم ضرب الله تعالى مثلًا بل أمثالًا لما فيه وجودنا، وما فيه بقاؤنا، وما فيه استمتاعنا، فقال: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة: ٥٨، ٥٩] يعني: أخبروني عن هذا المني الذي يخرج منكم، هل أنتم تخلقونه أم الله؟
الجواب: الله عز وجل هو الذي يخلقه، فيخرج من بين الصلب والترائب، هو الذي يخلقه في الرحم خَلقًا من بعد خَلْق، فنحن لا نوجد هذا المني، ولا نطوره في الرحم بل ذلك إلى الله عز وجل: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَالجواب: بل أنت يا ربنا!
{نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} [الواقعة: ٦٠]؛ أي: قضيناه بينكم، فكل نفس ذائقة الموت، اللهم اجعلها على الحق العدل، كل نفس ذائقة الموت ولا بد، حتى الأنبياء والرسل، قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤] نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ [الواقعة: ٦٠، ٦١] يعني: لا أحد يسبقنا فيمنعنا أن نبدل أمثالكم، بل نحن قادرون على ذلك، وسوف يُبدِّل الله تعالى أمثالنا؛ أي: ينشئنا خلقًا آخر، وذلك يوم القيامة، وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ [الواقعة: ٦١] وذلك يوم القيامة.
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} [الواقعة: ٦٢] علمتم النشأة الأولى وأنكم نشأتم في بطون أمهاتكم وأخرجكم الله عز وجل من العدم فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ؛ أي: فهلا تذكرون وتتعظون، وهذا دليل عقلي من الله عز وجل، يعرضه على عباده، يقول: إننا بدأناكم أول مرة، وإذا بدأناكم أول مرة فلسنا بمسبوقين على أن نعيدكم ثاني مرة.
***
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: ٦٣، ٦٤] أي: أخبروني أيها المكذبون بالبعث! عن الذي تزرعونه بالحرث، هل أنتم الذين تخرجونه زرعًا بعد الحب أم نحن الزارعون؟
الجواب: بل أنت يا ربنا! أنت الذي تزرعه -أي: تنبته- حتى يكون زرعًا، كما قال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [الأنعام: ٩٥] فلا أحد يستطيع أن يفلق هذه الحبة حتى تكون زرعة، ولا هذه النواة حتى تكون نخلة، إلا الله عز وجل.
{لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} [الواقعة: ٦٥]، ولم يقل عز وجل: (لو نشاء لم نخرجه) قال: لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًايعني بعد أن يخرج ويكون زرعًا، وتتعلق به النفوس؛ يجعله الله تعالى حطامًا، وهذا أشد ما يكون سببًا للحزن والأسى؛ لأن الشيء قبل أن يخرج لا تتعلق به النفوس، فإذا خرج وصار زرعًا، ثم سَلَّط الله عليه آفةً فكان حطامًا؛ أي: محطومًا لا فائدة منه، فهو أشد حسرة.
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧] يعني: تتفكهون بالكلام، تريدون أن تُذْهِبوا الحزن عنكم، فتقولون: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة: ٦٦]؛ أي: لحقنا الغُرْم بهذا الزرع الذي صار حطامًا، ثم تستأنفون، فتقولون: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَأي: حُرِمنا هذا الزرع وصار حطامًا ففقدناه.
{أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} [الواقعة: ٦٨] يعني أخبروني عنه من الذي خلقه؟ من الذي أوجده؟ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ [الواقعة: ٦٩]؟
الجواب: بل أنت يا ربنا! يعني: هل أنتم أنزلتم الماء الذي تشربونه من المزن -أي: من السحاب- أم نحن المنزلون؟
الجواب: هو الله عز وجل؛ لأنه ينزل من السحاب فيبقى غدرانًا في الأرض، وما شربته الأرض يسلكه الله تعالى ينابيع في الأرض يُستخرج بالآلات من الآبار ويجري من العيون، فأصل الماء الذي نشرب أصله من المزن -من السحاب- ولذلك إذا قلَّ المطر في بعض الجهات؛ قل الماء وغارَ الماء، واحتاج الناس إلى الماء.
{لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} [الواقعة: ٧٠]؛ أي: جعلناه مالحًا كريه الطعم لا يمكن أن يُشرَب، وهنا يقول: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًاولم يقل: (لو نشاء لغوَّرناه) أو: (منعنا إنزاله)؛ لأن كونهم ينظرون إلى الماء رأي العين، ولكن لا يمكنهم شربه أشد حسرة مما لو لم يكن موجودًا، والله عز وجل يريد أن يتحداهم بما هو أعظم شيء في حسرة نفوسهم: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ؛ أي: فهلا تشكرون الله عز وجل على إنزاله من الْمُزن، وعلى كونه سائغًا عذبًا لذيذ الطعم، سريع الهضم.
{أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} [الواقعة: ٧٢] الجواب: بل أنت يا ربنا.
شجرة النار هي شجر معروف في الحجاز، وربما يكون معروفًا في غيره يسمى (المرخ والغِفَار)، هذا الشجر له خاصية إذا ضُرِب بالمرو أو بشيء ينقدح مع المماسة اشتعل نارًا، يوقد منه، وهو معروف؛ ولهذا يقال: (في كل شجر نار واستمجد المرخ والغفار) يعني: صار أعظمها.
هذه النار التي نوقدها، ونطبخ عليها طعامنا، ونسخِّن مياهنا وننتفع بها: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [الواقعة: ٧٢] الجواب: بل أنت يا ربنا.
{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} [الواقعة: ٧٣] تُذَكِّر بالنار -نار الآخرة- مع أن نار الآخرة فُضِّلت على هذه بتسعة وستين جزءًا على نار الدنيا كلها، بما فيها من النيران الحارة الشديدة الحرارة.
وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَأي: للمسافرين، يتمتعون بالنار، بالتدفئة والدلالة على المكان؛ لأنه في ذلك الوقت وإلى وقت قريب كان الناس يستدلون على الأمكنة بنار يضعونها على مكان مرتفع تهدي الضال، ويُضرب المثل في الدلالة بالعلم عليه النار، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا:
| وَإِنَّ صَـــــــخْرًا لَــتَـــأْتَمُّ الْهُــــــــــــــدَاةُ بِهِ | كَأَنَّهُ عَلَمٌ -أي جبل- فِي رَأْسِهِ نَارُ |
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: ٧٤]؛ أي: سبح الله عز وجل بهذا الاسم، فقل: سبحان ربي العظيم، والتسبيح يعني: أن الله تعالى مُنَزَّه عن كل نقْص وعيب، فإذا قلت: سبحان الله! فالمعنى: أني أنزهك يا رب من كل نقص وعيب.
وقوله: الْعَظِيمِأي: ذو العظمة البالغة، لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ». ولما نزلت: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» . ولهذا ينبغي للإنسان إذا كان يصلي وقال: سبحان ربي العظيم أن يستحضر أمر الله، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أمر الله في قوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٧٤]، وأمر الرسول في قوله: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» حتى يجمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (...).
***
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: ٧٥، ٧٦] يخبر الله تبارك وتعالى أنه يُقسم بمواقع النجوم، و(لا) في قوله: فَلا أُقْسِمُللتنبيه والتوكيد، وليست للنفي؛ لأن المراد إثبات القسم وليس نفيه، وهذا كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١]، وقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١]، وقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء: ٦٥] وأمثال ذلك.
يؤتى بـ(لا) بصورة النفي، ولكن المراد بذلك التوكيد والتنبيه، والقسم: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بأدوات مخصوصة، وهي: الواو، والباء، والتاء.
وقوله: بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥] اختلف فيها العلماء رحمهم الله، فمنهم من قال: إن المراد بذلك أوقات نزول القرآن؛ لأن القرآن نَزَلَ مُفرَّقًا، والشيء المفرَّق يسمى مُنجَّمًا، كما يقال في الدَّين الْمُقسَّط على سنوات أو أشهر، يقال: إنه دَيْن مُنَجَّم.
وقيل: المراد بمواقع النجوم مواقع الطلوع والغروب؛ لأن مواقع غروبها إيذان بالنهار، ومواقع طلوعها إيذان بالليل، وتعاقُب الليل والنهار من آيات الله العظيمة التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، فيكون الله تبارك وتعالى أقْسَم بما يدل على إقبال الليل وإدباره.
وقيل: المراد بمواقع النجوم: الأنواء، وكانوا في الجاهلية يُعَظِّمونها، حتى إنهم يقولون: إن المطر ينزل بالنَّوْء، ويقولون: مُطِرنا بِنَوْء كذا وكذا.
والمهم أن الله تعالى أقسم بمواقع النجوم على أمر من أعظم الأمور، وهو قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة: ٧٧] لكن الله بَيَّن عِظَم هذا القسم قبل أن يُبَيَّن الْمُقسَم عليه، فقال: وإنه لقسم عظيم، وأتى بالجملة الاعتراضية في قوله: لَوْ تَعْلَمُونَإشارة إلى أنه يجب أن نتفطن لهذا القسم وعظمته حتى نكون ذوي علم به.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة: ٧٦، ٧٧] أي: إن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لقرآن كريم، والكرم يُراد به الحسن والبهاء والجمال، كما في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يُبين للناس أن عليهم زكاة في أموالهم، قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» . «كَرَائِمَ» جمع (كَرِيمة)، والمراد بها: الشاة الحسنة الجميلة.
وهو كريم -أعني القرآن- في ثوابه، فالحرف بحسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، وهو كريم في آثاره على القلوب وصلاحها؛ فإن قراءة القرآن تلين القلوب، وتوجب الخشوع لله عز وجل، وكريم في آثاره بدعوة الناس إلى شريعة الله، كما قال تعالى: فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢]، فالمهم أن القرآن كريم بكل معنى الكرم.
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] اختلف العلماء في الكتاب المكنون، فقيل: إنه اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢].
وقيل: المراد به الكتب التي بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٢ - ١٦]، وهذا القول رجَّحه ابن القيم رحمه الله في كتابه: التبيان في أقسام القرآن أن المراد به الصحف التي بأيدي الملائكة.
وأكثر المفسرين على أن المراد به: اللوح المحفوظ. لَا يَمَسُّهُأي: لا يمس هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة، طهَّرهم الله تعالى من الشرك والمعاصي؛ ولهذا لا تقع من الملائكة معصية بل هم ممتثلون لأمر الله، قائمون به على ما أراد الله. تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة: ٨٠].
وقبل أن نفوت الآية التي قبلها ذهب بعض المفسرين إلى قول غريب وقال: المراد بقوله: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩] أي: لا يمس القرآن إلا طاهر، ولكن هذا قول ضعيف، لا تدل عليه الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: (إلا المُطَّهِّرون) -يعني: المتطهرين- ولكنه قال: الْمُطَهَّرُونَ؛ أي: من قِبَل الله عز وجل، فهذا القول ضعيف، ولولا أنه يُوجد في بعض التفاسير التي بأيدي الناس ما تعرضنا له؛ لأنه لا قيمة له، والصواب أن المراد بذلك الملائكة.
فإن قلنا: إن المراد بالكتاب المكنون الصحف التي بأيديهم فواضح في قوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وإذا قيل: المراد به اللوح المحفوظ، فكذلك الْمُطَهَّرُونَقد يمسونه بأمر الله عز وجل، وقد لا يمسونه.
{تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: ٨٠] يعني: هذا القرآن تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَنزل من عند الله عز وجل؛ لأنه كلامه، وكلام الله تعالى مُنَزَّل غير مخلوق.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن ليس بمخلوق؛ لأنه نزل من الله فهو كلامه، وكلامه من صفاته تعالى، وصفاته غير مخلوقة.
وفي قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة: ٨٠] إشارة إلى أنه يجب علينا أن نعمل به؛ لأن الذي أنزله هو الرب الْمُطاع الخالق الرازق، الذي يجب أن نطيعه لما أمر، وننتهي عما عنه نهى وزجر.
تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَوالعالَمون كل مَنْ سوى الله، وسموا عالمين؛ لأنهم عَلَم على خالقهم، فإن هذا الخلق إذا تأمله الإنسان دلَّه على ما لله عز وجل من عظمة وسلطان ورحمة وغير ذلك من صفاته.
{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} [الواقعة: ٨١] يعني: أبعد هذا البيان لعظمة ها القرآن الكريم تدهنون به؟ أي: تدهنون به الكُفَّار، وتسكتون عن بيانه وعن العمل به، وهذا الاستفهام للإنكار؛ لأن الواجب على من آمَن بأنه تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وأنه قرآن كريم، وأنه لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، الواجب أن يُصارِح ويُصرِّح ولا يدهن، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] ولكن هذا ليس بحاصل، فالواجب على المؤمن أن يبرز بدينه ويفتخر به، ويظهره خلاف ما كان عليه كثير من الناس اليوم -مع الأسف- تجد الرجل منهم إذا قام يصلي يستحي أن يصلي، وربما يداهِن ويُؤخِّر الصلاة عن وقتها موافقةً لهؤلاء الذين لا يصلون، وهذا غلط عظيم، بل الواجب أن يكون الإنسان صريحًا فلا يداهن في دين الله عز وجل.
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: ٨٢] أي: تجعلون عطاء الله إياكم تكذيبًا له، كما قال عز وجل: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل: ٨٣]، ومن ذلك: أن ينسب الإنسان نعمة الله عز وجل إلى السبب مُتناسيًا المسبِّب سبحانه وتعالى، كقوله: مُطِرنا بنَوْء كذا. يعني ينسب المطر إلى النوء لا إلى الخالق عز وجل؛ فهذا نوع من الشِّرْك كما جاء ذلك صريحًا في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلَّى بهم صلاة الصبح ذات يوم في الحديبية وقد نزل مطر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ -يعني انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر- فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (...).
***
{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة: ٨٣] فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِأي: الروح، والذي يُعَيِّن المرجع هنا السياق، كما في قول الله تبارك وتعالى: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٣٢] تَوَارَتْأي: الشمس، ولم يسبق لها ذكر لكن السياق يدل على ذلك، فمرجع الضمير تارةً يكون مذكورًا، وتارة يكون معلومًا إما بالسياق وإما بشيء آخر، و(الحلقوم) هو مجرى النفس، وفي أسفل الرقبة، أو في جانب الرقبة الأسفل مجريان: مجرى النفس، ومجرى الطعام والشراب، مجرى الطعام والشراب يسمى المريء، ومجرى النفس الحلقوم، وهو عبارة عن خرزات دائرية لينة منفتحة، أما المريء فإنه بالعكس، فإنه كواحد من الأمعاء؛ لأن وجه ذلك أن مجرى النَّفَس لا بد أن يكون مفتوحًا؛ لأن النفس لو كان مجراه مُغلقًا لكان شديدًا؛ أي: لكان التنفس شديدًا، ولكن برحمة الله جعل الله هذا مثل الماسورة لكنه ليِّن خرزات مستديرة حتى يهون على المرء رفع رأسه وتنزيل رأسه، أما المريء فهو مثل الأمعاء العادية، والطعام والشراب قوي يفتحه عند النزول إليه.
وذكر الله الحلقوم دون المريء؛ لأن الحلقوم مجرى النفس وبانقطاعه يموت الإنسان، يعني: إذا بلغت الروح الحلقوم وهي صاعدة من أسفل البدن إلى هذا الموضع، وحينئذٍ تنقطع العلائق من الدنيا، ويعرف الإنسان أنه أقْبل على الآخرة وانتهى من الدنيا.
{وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: ٨٤] أي: تنظرون إلى الميت وما يعانيه من المشاق والسكرات، ولا تستطيعون أن تردوا ذلك عنه، ولو كنتم أقرب قريب إليه، وأحب حبيب إليه، فإنه لا يقدر أحد على منع الروح إذا بلغت الحلقوم.
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} [الواقعة: ٨٥]؛ يعني أهله؛ يعني أن الله تعالى أقرب إلى الحلقوم من أهله إليه، ولكن المراد: أقرب بملائكتنا؛ ولهذا قال: وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] والله تعالى يضيف الشيء إلى نفسه إذا قامت به ملائكته؛ لأن الملائكة رسله عليهم السلام، وليس هذا من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولكنه من باب تفسير الشيء بما يقتضيه السياق، أتدرون لماذا قلت هذا؟
لأنه ربما يقول قائل: إن ظاهر الآية: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة: ٨٥] أن الأقرب هو الله عز وجل، فلماذا تحرفونه؟ نقول: نحن لم نحرفه، بل فسرناها بما يقتضيه ظاهرها؛ لأن الله قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥]، ومعلوم أن الله لم يكن في الأرض حتى يكون المانع من رؤيته أننا لا نبصره، إذن: هم الملائكة لكننا لا نبصرهم، فإذا قلتم: كيف يضيف الله الشيء إلى نفسه والمراد الملائكة؟
قلنا: لا غرابة في ذلك، فإن الله يضيف الشيء إلى نفسه وهو من فعل الملائكة؛ لأنهم رُسُله، ففعلهم فعله، ألم ترَ إلى قول الله تبارك وتعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨] إِذَا قَرَأْنَاهُالمراد: قرأهُ جبريل، ما هو قرأه الله، لكنه أضاف فعل جبريل إليه؛ لأنه بأمره، وهو الذي أرسله به.
إذن: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة: ٨٣]؛ أي: بلغت روح المحتضر الحلقوم صاعدةً من أسفل البدن.
وَأَنْتُمْأيها الأقارب والأصدقاء تنظرون، حينئذٍ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة: ٨٥] يعني ملائكتنا أقرب إليه منكم؛ لأنهم حضروا لقبض الروح، والله تبارك وتعالى قد حفظ الإنسان في حياته وبعد مماته؛ في حياته هناك ملائكة يحفظونه من أمر الله، بعد مماته ملائكة يقبضون روحه ويحفظونها لا يفرطون فيها إطلاقًا، فهم قريبون من الميت، ولكننا نحن لا نبصرهم؛ لأن الملائكة عالم غيبي لا يرون.
{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا} [الواقعة: ٨٦، ٨٧] أي: فهلا إن كنتم غير مجزيين؛ أي: غير مبعوثين ومجازين على أعمالكم: تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ؟
الجواب: لا يمكن، وحينئذٍ يجب أن تُصدِّقوا بالبعث والجزاء؛ لأنكم لا تقدرون على رد الروح حتى لا تُجازَى، فأيقنوا بالبعث.
ثم قسَّم الله تعالى المحتضرين إلى ثلاثة أقسام، فقال: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] اللهم اجعلنا منهم.
أَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَوهم الذين أتوا بالواجبات وتركوا المحرمات، وأتوا بالمستحبات وتنزهوا عن المكروهات -أي: أكملوا دينهم- والمقربون هم السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: ١٠] الذين ذُكروا في أول السورة، السابقون إلى الخيرات.
فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍاختلف المفسرون في قوله: فَرَوْحٌفقيل: فراحة؛ لأن المؤمن وإن كان يكره الموت لكنه يستريح به؛ لأنه بَشَّر عند النزع بروح وريحان ورب غير غضبان، فيُسر ويبتهج، ولا يكره الموت حينئذٍ بل يحب لقاء الله عز وجل، وهذا لا شك راحة له من نكد الدنيا ونصبها وهمومها وغمومها، وقيل: الرَّوْح بمعنى الرحمة، كما قال الله تعالى عن يعقوب حين قال لبنيه: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧] أي: من رحمته، وهذا المعنى أعم من الأول؛ لأن الرحمة أعم من أن تكون راحة أو راحة مع حصول المقصود، وإذا كان المعنى أعم كان حمل الآية عليه أولى، إذن: فروح أي: رحمة، ومن الرحمة الراحة.
وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍقيل: المراد بالريحان: كل ما يسر النفس، وليس خاصًّا بالريحان ذي الرائحة الجميلة أو الطيبة، بل كل ما فيه راحة النفس ولذتها من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح ومشموم، وقيل: المراد بالريحان: الرائحة الطيبة كالريحان المعروف، أيهما أشمل؟ الأول أشمل فتُحْمل الآية عليه.
وَجَنَّتُ نَعِيمٍأي: جنة يُنَعَّم بها؛ وهي الدار التي أعدها الله لأوليائه -جعلنا الله وإياكم منهم- جَنَّتُ نَعِيمٍينعم الإنسان فيها ببدنه وقلبه، فهو لا يتعب ولا ينصب، ولا يمرض وهو لا يحزن، ولا يهتم ولا يغتم، بل هو في نعيم دائم، الدنيا فيها نعيم لكن نعيمها مُنغَّص على حد قول الشاعر:
| فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا | وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ |
وهكذا الدنيا، إذا سُرِرتَ يومًا فاستعد للإساءة من غده، وإذا أُسِئتَ يومًا فقد تنعم في الثاني أو لا تنعم، على كل حال الجنة في الآخرة دار نعيم في القلب ونعيم في البدن.
{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: ٩٠] وهم الذين أتوا بالواجبات، وتركوا المحرمات لكن فيهم نقصًا في المستحبات والتنزه عن المكروهات: فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٩١] سَلَامٌأي: سلامنا، لَكَأي: أيها المحتَضَر. مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِأي: أنت من أصحاب اليمين، والمعنى: فسلام لك حال كونك من أصحاب اليمين، الأولون من هم؟ المقربون الذين هم السابقون، هؤلاء أصحاب اليمين لا سابقين ولا مخذولين بينَ بينَ، لكنهم ناجون من العذاب؛ ولهذا قال: فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٩١].
القسم الثالث: وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ [الواقعة: ٩٢] الْمُكَذِّبِينَبالخبر، الضَّالِّينَفي العمل، فلا تصديق ولا التزام، مثل مَنْ؟ الكفار، كل كافر داخل في هذه الآية حتى المنافق.
{فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} [الواقعة: ٩٣] أي: فله نزل من حميم، و(النُّزُل) بمعنى الضيافة التي تقدم للضيف أول ما يقدم، هؤلاء -والعياذ بالله- حظهم هذا النُّزُل نُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍالحميم: هو شديد الحرارة.
{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: ٩٤] أي: يُصلون الجحيم فيُخلَّدون فيها. و(الجحيم) من أسماء النار، أعاذنا الله وإياكم منها.
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: ٩٥] إِنَّ هَذَاالمذكور لكم، وهو انقسام الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِأي: اليقين الْمُحقَّق المتأكِّد، وصدق الله عز وجل، لا يمكن أن يخرج الناس عن هذه الأقسام الثلاثة، وهي: المقربون، وأصحاب اليمين، والمكذبون الضالون، لا يمكن يخرجوا عن هذا.
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: ٩٦] سَبِّحْبمعنى: نَزِّه، والذي يُنَزَّه الله عز وجل عنه كل نقص وعيب أو مماثلة للمخلوق، فهو منزه عن كل نقص لكمال صفاته، وعن مماثلة المخلوق، قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] أي: من تعب وإعياء.
وقوله: بِاسْمِ رَبِّكَ [الواقعة: ٩٦] قيل: إن الباء زائدة، وإن المعنى سبح اسم ربك، كما قال تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] وقيل: إنها ليست بزائدة، وأن المعنى: سبِّح الله باسمه، فلا بد من النطق بالتسبيح، فتقول: سبحان الله، أما لو نزهته بقلبك فهذا لا يكفي، فعلى هذا تكون الباء للمصاحبة؛ يعني: سبِّح الله تسبيحًا مصحوبًا باسمه.
بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِالرب هو الخالِق المالِك الْمُدَبِّر، والعظيم ذو العظمة والجلال جل وعلا، هذه السورة لو لم ينزل في القرآن إلا هي لكانت كافية في الحث على فعل الخير وترك الشر.
ذكر الله تعالى في أولها يوم القيامة: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الواقعة: ١] ثم قَسَّم الناس فيها إلى كم؟ ثلاثة أقسام: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، ثم ذكر الله في آخرها حال الإنسان عند الموت، وقسَّم كل الناس قسمهم إلى ثلاثة أقسام: مقربون، وأصحاب يمين، ومكذِّبون ضالون، فهي قد اشتملت على كل شيء، وكما ذكر الله فيها ابتداء الخلق في قوله: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة: ٥٨، ٥٩] والرزق من طعام وشراب وما يصلحهما، فهي سورة متكاملة؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتدبرها إذا قرأها كما يتدبر سائر القرآن، لكن هي اشتملت على معانٍ عظيمة. وإلى هنا ينتهي الكلام على هذه السورة.





