تفسير سورة الحديد
عدد الزيارات 5686

عناصر المادة :
تفسير الآية (1)
تفسير الآية (3)
تفسير الآية (4)
تفسير الآية (5)
تفسير الآية (6)
تفسير الآية (7)
تفسير الآية (8)
تفسير الآية (9)
تفسير الآية (10)
تفسير الآية (11)
تفسير الآية (12)
تفسير الآية (13)
تفسير الآية (14)
تفسير الآية (15)
تفسير الآية (16)
تفسير الآية (17)
تفسير الآية (18)
تفسير الآية (19)
تفسير الآية (20)
تفسير الآية (21)
تفسير الآيتين (22-23)
تفسير الآية (24)
تفسير الآية (25)
تفسير الآية (26)
تفسير الآية (27)
تفسير الآية (28)
تفسير الآية (29)

تفسير الآية (1)
00:00:06

قال الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحديد: ١]، معنى سَبَّحَأي: نزه الله عز وجل عن كل عيب ونقص وعن مماثلة المخلوقين، دليل تنزهه عن كل عيب ونقص قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] (اللغوب) يعني: التعب والإعياء، وهذا يدل على كمال قوته عز وجل، وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]، وقال تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤]، فنزه الله نفسه عن الغفلة، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] فنزه نفسه عن العجز.
المهم أن التسبيح يعني تنزيه الله من كل نقص وعيب وعن مماثلة المخلوقين، دليل ذلك قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
أثبت الله لنفسه وجهًا في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧] هل وجه الله كوجه المخلوق؟
طالب: (...).
الشيخ: ما الذي أدراك؟ أفلا يمكن أن يكون كوجه المخلوق، ما الذي أدراك الدليل؟ أين الدليل من القرآن أو من السنة؟
قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
أثبت لنفسه أنه استوى على العرش، والإنسان يستوي على البعير يعني: يركب البعير ويستقر ويعلو عليه، فهل استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على البعير؟ لا يمكن، أيش الدليل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
إذن كل صفة يثبتها الله لنفسه وللمخلوق مثلها فإن ذلك موافقة في الاسم فقط، أما في الحقيقة فليس كمثله شيء، أثبت الله لنفسه علمًا وأثبت للمخلوق علمًا، قال الله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ [الممتحنة: ١٠] فأثبت لنا علمًا، وأثبت لنفسه علمًا: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧] فهل العلم الذي أثبته لنفسه كعلم المخلوق؟
طالب: (...).
الشيخ: الدليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: بارك الله فيك، إذن سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، سَبَّحَبمعنى نزه، والتنزيه عن شيئين: عن النقص، والثاني عن مماثلة المخلوقين، لا يمكن أن يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته، ولهذا لا يمكننا أن ندرك الله عز وجل، نعلمه بآياته وصفاته وأفعاله، لكننا لا ندرك حقيقته عز وجل؛ لأنه مهما قدرت من شيء فالله تعالى مخالف له غير مماثله.
قوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأي: كل ما في السماوات والأرض فإنه يسبح الله عز وجل وينزهه، يشمل الآدميين، الجن، الملائكة، الحشرات، الحيوانات، كل شيء، كل ما في السماوات والأرض يسبح الله.
وهل يسبحه بلسان المقال، بمعنى يقول: سبحان الله، أم بلسان الحال بمعنى: أن تنظيم السماوات والأرض والمخلوقات على ما هي عليه يدل على كمال الله عز وجل وتنزهه عن كل نقص؟
الجواب أنه يسبح الله بلسان الحال وبلسان المقال، إلا الكافر فإنه يسبح الله بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الكافر يصف الله بكل نقص، يقول: اتخذ الله ولدًا، ويقول: إن معه إلهًا، وربما ينكر الخالق أصلًا، لكن حاله وخلقته وتصرفه تسبيح لله عز وجل.
إذن لو سألنا: هل تسبيح ما في السماوات والأرض بلسان الحال أو بلسان المقال؟
طالب: بلسان الحال وبلسان المقال.
الشيخ: إلا؟
الطالب: إلا الكافر فإنه بلسان الحال لا بلسان المقال.
الشيخ: إلا الكافر فإنه بلسان الحال لا بلسان المقال.
هل الحشرات والحيوانات هل تسبح الله بلسان المقال؟ الجواب: نعم.
قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] الذر يسبح الله بلسان المقال، الحشرات كلها تسبح الله بلسان المقال، الحصى يسبح الله، كما كان ذلك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن الكافر لا يسبح الله بلسان المقال، بل بالعكس.
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْعَزِيزُيعني: ذو العزة، والعزة هي: الكبرياء والغلبة والسلطان وما أشبه ذلك.
إذن العزيز هو ذو السلطان الكامل والغلبة الكاملة، فلا أحد يغلبه عز وجل، يقول الشاعر الجاهلي:
أَيْنَ الْمَـفَــــرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــــــالِبُ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

إذن: الْعَزِيزُيعني الغالب في سلطانه وقدرته وقوته وغير ذلك.
الْحَكِيمُ: لها معنيان: المعنى الأول: ذو الحكمة.
والمعنى الثاني: ذو الحكم التام.
فهي مشتقة من شيئين: من الحكمة والحكم، الحكمة هي أن جميع أفعاله وأقواله وشرعه حكمة، وليس فيه سفه بأي حال من الأحوال، ولهذا قيل في تعريف الحكمة: إنها وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، فما من شيء من أفعال الله أو من شرع الله إلا وله حكمة، إذا قدَّر الله الحر الشديد الذي يهلك الثمار فهو حكمة لا شك، إذا منع الله المطر فهو حكمة، إذا ألقى الله الموت بين الناس فهو حكمة، كل شيء فهو حكمة، الشرائع إذا أحل الله البيع وحرم الربا فهو حكمة في تحليله، حكمة في تحريمه؛ لأنا نعلم أن الله حكيم، ففرق عز وجل بين البيع والربا؛ البيع أحله، والربا حرمه.
وإذا قال قائل: ليش؟ قلنا: الله أعلم، الله عز وجل حكيم، ولهذا لما قالت المرأة لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين، ما بال الحائض تقضي الصوم -يعني إذا حاضت في رمضان- ولا تقضي الصلاة؟ سؤال يعني فيه إشكال، الوقع يقع في إشكال، ليش الحائض إذا أفطرت في رمضان يلزمها قضاء الصوم، وإذا تركت الصلاة لا يلزمها قضاء الصلاة، كلها فرض، قالت لها رضي الله عنها: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ .
استدلت رضي الله عنها بالحكم على الحكمة؛ لأنا نعلم أن الله حكيم عز وجل، فلم يوجب عليها قضاء الصوم دون قضاء الصلاة إلا لحكمة، لكن أحيانًا نعرف الحكمة وأحيانًا لا نعرفها.
الربا والبيع، لماذا أحل الله البيع وحرم الربا؟
نقول: لأن الله أحل البيع وحرم الربا، ولذلك لما قال أهل الربا: إنما البيع مثل الربا، رد الله قولهم فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥].
إذن الحكيم مشتق من الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه، فإذا حكم الله بشيء شرعًا أو حكم بشيء قدرًا فلا يشكل عليك، إن وفقك الله لمعرفة الحكمة فهذا خير، وإن لم تعرف فاعلم أن الله حكيم.
أيضًا له الحكم عز وجل، قال الله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف: ٤٠] الحكم لله عز وجل، من يستطيع أن يرفع حكم الله عز وجل فيما إذا نزل به الموت؟
طلبة: لا أحد.
الشيخ: لا أحد، قال الله تعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]، ما يمكن هذا؛ لأن الله حكم بهذا، إذا حكم عز وجل بحروب وفتن، من يرفع هذا؟ الله عز وجل، الحكم له.
في الأمور الشرعية من الذي يحكم بين الناس بالشرع؟ الله عز وجل، قال الله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، فالحكم لله عز وجل، فإذا عرفت أن الله تعالى له الحكمة فيما شرع وفيما خلق وقدر حينئذ تستسلم ولا تجادل؛ لأن الذي حكم بذلك هو الله، إذا علمت أن الحكم لله عز وجل بين العباد فإلى أي شيء ترجع في الأمور الشرعية؟ إلى الكتاب والسنة، في الأمور القدرية ترجع إلى الله، إذا حكم عليك بالمرض تفزع إلى الله عز وجل، إذا حكم عليك بالفقر تفزع إلى الله: اللهم اقض عني الدين وأغنني من الفقر.
فإذا آمن الإنسان بأن الحكم كله لله، إن كان حكمًا قدريًّا استسلم، وقال: هذا أمر الله وأنا عبد الله ولا يمكن أن يكون سوى ما كان، وإذا كان شرعيًّا قال: الله عز وجل أعلم وأحكم بما يصلح للعباد.
تفسير الآية (3)
00:09:56

قال الله عز وجل: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد: ٣] أربعة أشياء: الْأَوَّلُيعني: ليس قبله شيء؛ لأنه لو كان قبله شيء لكان الله مخلوقًا، وهو عز وجل الخالق، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الأول بأنه الذي ليس قبله شيء، كل الموجودات بعد الله عز وجل، ما فيه أحد مع الله ولا قبل الله.
وَالْآخِرُالذي ليس بعده شيء؛ لأنه لو كان بعده شيء لكان ما يأتي بعده غير مخلوق لله، ومع العلم بأن المخلوقات كلها مخلوقة لله عز وجل، فهو الذي ليس بعده شيء.
إذن: هو الأول لا ابتداء له، الآخر لا انتهاء له، ليس بعده شيء.
وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُالظاهر: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تفسيرها: «الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ» كل المخلوقات تحته جل وعلا، فليس فوقه شيء.
الباطن): قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ» ، يعني ما يحول دونه شيء، خبير عليم بكل شيء، لا يحول دونه جبال ولا أشجار ولا جدران ولا غير ذلك، ليس دونه شيء، الأول والآخر اشتملا على عموم الزمان، والظاهر والباطن على عموم المكان، قلنا: هذه الأسماء الأربعة تضمنت الاشتمال على الزمنية في قوله: الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، والمكانية في قوله: الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ.
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣] كل شيء فالله عليم به، إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥]، لو عمل الإنسان في جوف بيته، في حجرة مظلمة، فهل يعلم الله تعالى عمله؟ نعم.
يعلم، بل زد على ذلك أنه يعلم ما توسوس به نفسك، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، أنت إذا فكرت في شيء فالله يعلم به قبل أن يكون، هل يعلم الماضي البعيد؟ نعم.
بكل شيء، هل يعلم المستقبل البعيد؟ نعم، بكل شيء، ولهذا قال موسى عليه الصلاة والسلام لما سأله فرعون: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه: ٥١] يعني ويش ما شأنها؟ قص علينا: قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢]، لَا يَضِلُّيعني ما يجهل؛ لأن الضلال معناه الجهل، كما قال الله عز وجل في نبيه: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: ٧]، ضَالًّاما هو معناه أنه فاسق، لا، معناه أنه جاهل ما يدري، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِيأيش مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] إذن الله بكل شيء عليم.
يا أخي، إذا علمت أن الله بكل شيء عليم، هل يمكنك أن تقدم على معصية الله وأنت في خفاء عن الناس؟ أجب، أجيبوا يا جماعة، نعم ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنك تعلم أن الله يعلمك، ما يمكن، قال الله عز وجل: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْالجواب بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]. فإذن إذا آمنت بأن الله جل وعلا عليم بكل شيء فإنه يستلزم ألا تقوم بمعصيته ولو في الخفاء، وألا تترك طاعته ولو في الخفاء، ولقد قال الله عز وجل عن نوح عليه الصلاة والسلام: إنه قال: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْلئلا يسمعوا وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ [نوح: ٧] تغطوا بها لئلا يبصروا والعياذ بالله؛ لأنهم يكرهون الحق.
تفسير الآية (4)
00:13:44

{وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
بعدها هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد: ٤].
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ: أوجدها عز وجل بكل نظام وتقدير، والسماوات سبع، والأرضون سبع، والأرض سابقة على السماء؛ لأن الله تعالى قال في سورة فصلت لما ذكر خلق الأرض قال: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] خلق السماوات والأرض، الأرض قبل خلق السماوات، لكن الله يبدأ بالسماوات لأنها أشرف من الأرض، وأعلى من الأرض.
كيف السماوات؟ هل هي ملفوفة لفة واحدة أو بينها مسافة؟ بينها مسافة، المسافة بعيدة جدًّا جدًّا، وهذا يلزم أن يكون أصغر السماوات سماء الدنيا، ويليها الثانية، والثالثة، كل واحدة أوسع من الأخرى، وساعة عظيمة، وهي طباق، متطابقة، بعضها فوق بعض، وفي حديث المعراج أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلما صعد إلى سماء استفتح ففُتح له .
وَالْأَرْضَالأرض جعلها الله تعالى في القرآن بصيغة الإفراد، الجمع، جمع أرض: أرضون، ما تجد (أرضون) في القرآن، كلها أرض أرض، لكن الله أشار إلى أنها متعددة في قوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] أي: مثلهن في العدد، لا في الصفة؛ لأن الصفة بين الأرض والسماء التماثل فيها بعيد جدًّا، لكن مثلهن في العدد، وهو صرحت بذلك السنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
خلقها في ستة أيام، كم من الأيام؟ أطلقها الله عز وجل، ما بين أن اليوم خمسون ألف سنة ولا أقل ولا أكثر، وإذا أطلق يُحمَل على المعروف المعهود، وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، الجمعة منتهى خلق السماوات والأرض، مبتداها متى؟ الأحد، السبت ليس فيه خلق؛ لا ابتداء ولا انتهاء، فإذا قال قائل: أليس الله قادرًا على أن يخلقها في لحظة؟
فالجواب: بلى؛ لأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، إذن: لماذا كانت في ستة أيام؟ أجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن المخلوقات هذه يترتب بعضها على بعض، فرتب الله بعضها على بعض حتى أحكمها وانتهى منها كم؟ ستة أيام.
الثاني: أن الله علم عباده التؤدة والتأني، وأن الأهم إحكام الشيء، لا الفراغ منه، حتى يتأنى الإنسان فيما يصنعه، ولو كان يخلصه في ساعة يتأنى ولو يخلصه في ساعتين، فعلَّم عز وجل سبحانه عباده التأني في الأمور التي هم قادرون عليها، وكلا الأمرين وجيه.
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِاستوى عليه يعني: علا عليه، على وجه يليق بجلاله، لا يمكن أن نمثله بخلقه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الذي خلقه عز وجل، وقد جاء في الحديث: «إِنَّ السَّماوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ»، الحلقة أيش؟ الحلقة حلقة الدرع، الدرع المكون من حلق من الحديد، الحلقة من الدرع ويش تكون بالنسبة للفلاة؟ جزء من السلسلة، هذه لا شيء، فلاة من الأرض واسعة ضاع فيها حلقة من حلق الدرع، ماذا يكون؟ ويش نسبته؟ ويش تشغله من الأرض؟ لا شيء «مَا السَّماوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ» ، لا إله إلا الله، إذن لا يعلم قدره إلا الله عز وجل، وليس لنا أن نسأل: أين مادة الكرسي هذا؟ من أين المادة؟ من ذهب، من فضة، من لؤلؤ؟ ما لنا حق نتكلم في هذا، هو عرش عظيم كما وصفه الله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩]، {الْعَرْشِ الْمَجِيدِ} [البروج: ١٥] عرش عظيم جدًّا جدًّا، لا يعلم قدره إلا الله، استوى الله عليه لكمال سلطانه جل وعلا.
قد تجدون في بعض الكتب: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِيعني: استولى عليه، أهكذا تجدون أحيانًا؟ اللي اطلع منكم على بعض كتب الأشعرية وما أشبههم يرى هذا، (استوى) يقول استولى، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وقول على الله بلا حق وبلا علم؛ لأنه إذا كان خلق السماوات ثم استوى على العرش قلنا: ثم استولى على العرش، قبل الاستيلاء لمن العرش؟! شوف بطلان القول هذا، ثم نقول: الله (استوى) استولى على كل شيء، هل نقول: استوى على الأرض؟ ما يمكن نقول هذا، إذن يتعين (استوى) بمعنى علا، كيف استوى؟ ما ندري، الله أعلم.
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد: ٤].
مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِأي: ما يدخل فيها من جثث الموتى، ومن الحبوب التي تنبت بإذن الله، ومن المياه التي يسلكها الله ينابيع في الأرض ثم يخرجها، وغير ذلك من الحشرات وغيرها، المهم كل ما يلج في الأرض يعلمه الله.
وسؤالنا الآن: هل يعلم حال الذر إذا ولجت في جحورها؟ يعلم ولَّا ما يعلم؟
طلبة: يعلم.
الشيخ: ما ذكر في الآية، نقول: مَا يَلِجُهذه (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، أي: كل ما يلج في الأرض.
وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَامن النبات والمياه والمعادن وغيرها.
وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِمن الملائكة والأمطار والشرائع وغير ذلك.
وَمَا يَعْرُجُ فِيهَاأي: إليها، لكن جاءت فِيهَابدل (إليها) لنستفيد فائدتين:
الفائدة الأولى: العروج، يعني الصعود.
والفائدة الثانية: الدخول؛ لأن (في) يناسبها من الأفعال الدخول، دخل في المكان، أما عرج ويعرج فالذي يناسبها (إلى)، لكن الله عز وجل عدَل عن قوله: (يعرج إليها) إلى قوله: يَعْرُجُ فِيهَاليفيد أيش؟ الصعود والدخول، الأشياء ما تصل إلى السماء الدنيا وتقف، تعرج في السماء الدنيا حتى تصل إلى الله عز وجل.
إذن يَعْرُجُ فِيهَالو قال لك أحد النحاة: لماذا جاءت (في) بدل (إلى) والقرآن فصيح؟ فما الجواب؟ أن نقول: ضمن يَعْرُجُمعنى يدخل، والتضمين هذا موجود في القرآن الكريم وفي اللغة العربية، قال الله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان: ٦] المناسب لـ(يشرب) أيش؟ من، كما قال تعالى: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون: ٣٣] يعني: منه، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة: ٢٤٩]، وهنا قال: يَشْرَبُ بِهَاأيش الحكمة؟ قال العلماء: الحكمة أن (يشرب) هنا ضُمنت معنى (يروى بها)، ومعلوم أنك إذا قلت: (يروى بها) فقد تضمن معنى (يشرب) وزيادة، والتضمين هذا فن مهم في باب البلاغة، ينبغي لطالب العلم أن يدرسه ويحققه حتى يستفيد مما إذا اختلفت الحروف مع عواملها ولا يشكل عليه.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ(هو) الضمير يعود على الله عز وجل، مَعَكُمْأي: مصاحب لكم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ» .
لكن هل هذه الصحبة صحبة مكان، بمعنى أننا إذا كنا في مكان كان الله معنا؟ حاشا وكلا، لا يمكن هذا، وكيف يتصور عاقل أن الله معنا في مكاننا وكرسيه وسع السماوات والأرض، هذا مستحيل، الكرسي موضع القدمين كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه ، فإذا كان كذلك هل يُعقل أن رب السماوات والأرض الذي يوم القيامة تكون السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته، هل يمكن أن يكون معنا في أماكننا الضيقة أو الواسعة؟ لا يمكن.
إذن مَعَكُمْأي: مصاحب لكم، والمصاحب قد يكون بعيدًا عنك، يقول العرب في أسلوبهم: ما زلنا نسير والقمر معنا، ما زلنا نسير والقطب معنا، ما زلنا نسير والجبل الفلاني معنا، وهل هو معهم في مكانهم؟ معلوم أن القمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل قد يكون بينك وبينه مسافة أيام، ومع ذلك فالعرب تطلق عليه المعية مع البعد في المكان، كوننا نؤمن بأن الله معنا إذن هو عالم بنا ولَّا لا؟ سميع لأقوالنا، بصير بأفعالنا، له القدرة علينا والسلطان، مدبر لنا بكل معنى تقتضيه المعية.
واعلم أن من الضلال من يقولون: إن الله معنا في أمكنتنا -نسأل الله العافية- وينكرون أن يكون الله في السماء عاليًا، فأتوا داهيتين عظيمتين: إنكار علو الله، يعني هما: إنكار علو الله، والثاني: اعتقاد أنه في الأرض.
سبحان الله! هل يُعقل أن يعتقد عاقل -فضلًا عن مؤمن- أنه إذا كان في الحش، في المرحاض كان الله معه؟! أعوذ بالله! الذي يعتقد هذا أشهد بالله أنه كافر؛ لأن أعظم استهزاء بالله وأعظم حط قدر الله هو هذا.
ثم نقول: إذا كان الله كما يقولون في كل مكان، يعني أنه في الحجرة، في السوق، في المسجد، ثم من الذي يكون مع أناس في الحجرة، وأناس في الشارع، أهما إلهان؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا يمكن أن يقولوا: إن الله متعدد، إذا لم يكن إلهان هل هو متجزئ؛ بعضه هنا وبعضه هنا؟ إذن معناه بطل أن يكون معنا بذاته في أمكنتنا؛ لأنه إما أن يكون متعددًا وإما أن يكون متجزئًا، وكلاهما باطل، قررت هذا لأنه يوجد الآن كما لمسناه في الوافدين إلى مكة من يعتقد هذا الاعتقاد.
يقول الله: وَهُوَ مَعَكُمْ، هذا آية وَهُوَ مَعَكُمْويش تقول؟ نقول: المعية هي المصاحبة، ولا يلزم من المصاحبة المقارة في المكان، يعني أن يكون قارًّا في مكانك، لا يلزم من هذا، وكيف يمكن أن يكون الله تعالى معك في مكانك وهو سبحانه وتعالى وسع كرسيه السماوات والأرض؟ ولكن هؤلاء الذين يعتقدون هذا ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوا عظمته وجلاله، قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] فكيف يعتقد أن الله معنا في مكاننا؟
فلهذا يجب على الإنسان أن يعرف نعمة الله عليه بكونه يؤمن بالقرآن على ما هو عليه على ظاهره، معظم لله حق التعظيم.
وقوله: أَيْنَ مَا كُنْتُمْأي: في أي مكان كنتم؛ لأن أَيْنَظرف مكان، قال الله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] مثل: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ.
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] أي: بما تعملون من الأعمال كلها بصير، وهل البصر هنا بصر علم أو بصر رؤية؟ يشمل هذا وهذا، فهو بصير بصر رؤية، يرانا عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» هذا بصر رؤية.
أما بصر العلم فمن المعلوم أن أعمالنا قد تكون مرئية كالحركات، وقد تكون مسموعة كالأقوال، المسموعة لا تُرى بالعين، لكنها تُسمع، فرؤية المسموع علم، وعلى هذا نقول: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] يشمل العلم والبصر بالرؤية.
تفسير الآية (5)
00:27:25

{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
[الحديد: ٥] لَهُأي: لله تعالى وحده، مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِخلقًا وتدبيرًا، فلا يملك السماوات والأرض أحد إلا الله عز وجل، لا استقلالًا ولا مشاركة، قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍفنفى الاستقلال ونفى المشاركة، وَمَا لَهُأي: ما لله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، أي: من مساعد ساعده على خلق السماوات والأرض، فله ملك السماوات والأرض، كم عدد السماوات؟
طالب: (...).
الشيخ: سبع؟ لا، السماوات أكبر من الأرض، أفلا يكون عددها عشرًا، ما أظن أن يبقى أحد يجهلها، عددها سبع، قال الله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، الأرضون أيضًا عددها سبع، كما جاء ذلك ظاهرًا في القرآن وصريحًا في السنة، قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] يعني: في العدد، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الحديد: ٥] كل الأمور، أي: الشئون العامة والخاصة، الدينية والدنيوية، الأخروية والدنيوية، كلها ترجع إلى الله عز وجل، يتصرف كما شاء ويحكم بما شاء، ولا معقب لحكمه عز وجل، كل الأمور، هل الأمور الإنسان الخاصة ترجع إلى الله؟
الجواب: نعم.
ترجع إلى الله، ولذلك يجب عليك إذا ألمت بك ملمة أن ترجع إلى الله عز وجل؛ لأن المشركين إذا ألمت بهم الملمات التي يعجزون عنها يلجؤون إلى الله عز وجل، إذا عصفت بهم الرياح في أعماق البحار على السفن لمن يلجئون؟ إلى الله عز وجل، يلجؤون إلى الله يسألونه أن ينجيهم وهم مشركون، فكيف بك أنت أيها المسلم! الجأ إلى الله في كل شيء، صغير أو كبير، ديني أو دنيوي، خاصة بك أو بأهلك، لا تلجأ لغير الله، فمن أنزل حاجته بالله قُضيت، ومن أنزل حاجته بغير الله وُكل إليه.
إذن نقول: إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُأيُّ أمور؟ قولوا يا جماعة؟
طلبة: كل الأمور.
الشيخ: كل الأمور، أي الأمور عامة، الأمور الدينية والدنيوية والأخروية، والدنيوية والخاصة والعامة، وإذا آمنت بهذا -ويجب أن تؤمن به- صرت لا تلجأ إلا إلى الله عز وجل.
تفسير الآية (6)
00:30:29

{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}
[الحديد: ٦] يُولِجُ: أي يدخل الليل في النهار، وَيُولِجُ النَّهَارَأي: يدخله في الليل، وهذا يعني اختلاف الليل والنهار في الطول والقِصر، أحيانًا يبدأ الليل في الزيادة -كما في أوقاتنا الآن؛ الآن بدأ الليل يزيد- يبدأ الليل في زيادة فيدخل على النهار أو النهار يدخل عليه؟
طلبة: يدخل على النهار.
الشيخ: يدخل على النهار، هذا يولج الليل في النهار، أحيانًا يبدأ الليل ينقص ويزيد النهار فأيهما يدخل؟ النهار على الليل، لا أحد يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، لو اجتمع الخلق كلهم؛ إنسهم وجنهم، البشر والملائكة، ما استطاعوا أن يولجوا دقيقة واحدة من الليل في النهار أو من النهار في الليل، والله عز وجل يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
ثم هذا الإيلاج ليس يأتي دفعة واحدة، يعني ما يمكن تقول: أقصر ليلة في أطول ليلة في يومين، ما يمكن، ولكنه يأتي تدريجيًّا شيئًا فشيئًا، أول ما يبدأ بزيادة تجده يأخذ قليلًا، في اليومين أو الثلاثة دقيقة واحدة، ثم يبدأ يزداد يزداد حتى يكون عند تساوي الليل والنهار يأخذ إلى حوالي دقيقتين في اليوم، تدريج، أرأيتم لو جاء دفعة واحدة، كنا مثلًا في أطول يوم في السنة وإذا بنا في اليوم الثاني إلى أقصر يوم في السنة، ماذا يترتب عليه؟ مفاسد عظيمة؛ لأن الناس سينقلبون من حر مزعج إلى برد مؤلم في خلال أربع وعشرين ساعة، وهذا لا شك أنه مضر للأبدان والنبات والجو، لكنه عز وجل يولجه على تنظيم موافق للحكمة تمامًا، ولا أحد -والله- يستطيع أن يفعل هذا أبدًا، مهما بلغ من القوة.
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الحديد: ٦] (ذات الصدور) هي القلوب، (ذات الصدور) أي: صاحبة الصدور، يعني القلوب، والدليل أنها القلوب قول الله تبارك وتعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، إذن: هو عليم بما في القلب، هل تصدق بذلك؟ تصدق؛ لأن الخبر خبر من؟ خبر الله تعالى، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] إذا كنت تصدق بذلك، فهل يمكن أن تضمر في قلبك ما لا يرضاه الله؟ إن كنت مؤمنًا لا يمكن، طهر قلبك من الرياء والنفاق والغل على المسلمين، والحقد، والبغضاء، طهره لأن قلبك معلوم عند الله عز وجل -اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا - طهر القلب من هذا، املأه محبة لله وتعظيمًا، ومحبة للرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا كما يليق به، ومحبة للمؤمنين، ومحبة لشريعة الله، وإن كرهتها، قال الله عز وجل للصحابة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١٦].
لا تضمر في هذا القلب المضغة شيئًا يكرهه الله، إن فعلت فالله عليم به لا يخفى عليه، فطهر قلبك حتى يكون نقيًّا سليمًا؛ لأنه لا ينفع يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، كما قال عز وجل: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].
وتغيرات القلب تغيرات سريعة وعجيبة، ربما ينتقل من كفر إلى إيمان، أو من إيمان إلى كفر في لحظة -نسأل الله الثبات- تغير القلب يكون على حسب ما يحيط بالإنسان، وأكثر ما يوجب تغير القلب إلى فساد حبُّ الدنيا، حب الدنيا هذا آفة، والعجب أننا متعلقون بها، ونحن نعلم أنها متاع الغرور، وأن الإنسان إذا سُر يومًا أُسيء يومًا آخر، كما قال الشاعر:
وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ

كل لذة في الدنيا فهي محوطة بمنغص، لذلك احرص على تطهير القلب من التعلق بالدنيا، إلا فيما ينفعك في الآخرة، كأن تتعلق بالدنيا لتصبح غنيًّا تنفق مالك في سبيل الله، وفيما يرضي الله عز وجل، فهذا شيء آخر، طلب المال للأعمال الصالحة خير، لكن طلب المال لمزاحمة أهل الدنيا في دنياهم هذا شر.
تفسير الآية (7)
00:35:27

{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}
[الحديد: ٧]، آمِنُواالخطاب للعباد كلهم، بِاللَّهِرب العالمين وَرَسُولِهِمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأمر هنا للوجوب، الذي هو أشد أنواع الوجوب تحتمًا، الإيمان بالله أن تؤمن بأنه رب العالمين، أن تؤمن بأنه الإله المعبود حقًّا الذي لا يستحق العبادة إلا هو، أن تؤمن بأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا، أن تؤمن بأنه الفعال لما يريد، أن تؤمن بأنه لا معقب لحكمه وهو السميع العليم، أن تؤمن بأن مرجع الخلائق إليه في الأحكام الشرعية وفي الأحكام الكونية، فمن يدبر الخلق؟ من؟
لا يدبر الخلق إلا الله عز وجل، يدبر أمره.
من الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟ الله عز وجل.
رسوله محمد عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى إلى جميع الخلق؛ الإنس والجن، وختم به النبوات، فلا نبي بعده، والدليل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِيعني وكان رسول الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] فلا نبي بعده، فمن ادعى النبوة بعده فهو كافر، يجب أن يقص عنقه إلا أن يتوب ويرجع.
قال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] الإنفاق: البذل، ومِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِيعني المال؛ لأن الله جعلنا مستخلفين في هذا المال، فهو الذي ملكنا إياه، فلا منة لنا على الله بما ننفق، بل المنة لله علينا بما أعطى، والمنة له علينا بما شرع لنا من الإنفاق، ولولا أن الله شرع لنا أن ننفق لكان الإنفاق ضياعًا وبدعة، ولكن شرع لنا أن ننفق، إذن له المنة أولًا لما ملكنا من المال، وله المنة ثانيًا بما شرع لنا من إنفاقه.
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: ٧] الذين آمنوا بمن؟! بالله ورسوله؛ لأنه قال: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُواأي: مما جعلهم مستخلفين فيه لهم أجر كبير، والآيات كما تعلمون لهم أجر كبير، ولهم أجر عظيم، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠]، إذن أجر كثير، فوصف الله الأجور على العمل بهذه الأوصاف كبير، عظيم، كثير؛ الكثير نأخذه من قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وبهذا تعرف منة الله عز وجل علينا والحمد لله، يأمرنا بالعمل ونعمل به ويأجرنا عليه أجرًا كثيرًا، أجرًا عظيمًا، أجرًا كبيرًا، منة عظيمة كبيرة، فعلينا أن نشكر الله، وأن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه.
وهل ننفق كل ما نملك أم بعضه؟ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ(من) هذه هل هي للتبعيض أو هي لبيان، بيان ما ينفق منه؟ إذا كانت للتبعيض فالمعنى أنفقوا بعض ما جعلكم ما هو كله، إذا جعلناها للبيان فالمعنى أنفقوا مما جعلكم حسب ما تقتضيه المصلحة، إما الكل وإما البعض، فأيهما أحسن؟ أن نجعل (من) للتبعيض أم نجعل (من) للبيان؟ الثاني إذا جعلناها للبيان صار الإنسان مخيرًا أن ينفق كل ماله أو بعض ماله، أكثره أو أقله حسب ما تقتضيه المصلحة.
ومعلوم أنه كلما كان المعنى أوسع كان أولى بالأخذ به، والقرآن الكريم العظيم معانيه واسعة عظيمة، ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم مرة على الصدقة، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون إلى الخير، كل واحد يحب أن يكون هو السابق، فقال عمر رضي الله عنه: اليوم أسبق أبا بكر؛ لأن هذين الرجلين هما أخص الصحابة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وأحب الصحابة إلى الرسول.
إن النبي صلى الله عليه وسلم يحب أبا بكر رضي الله عنه أشد من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع أن علي بن أبي طالب ابن عمه وزوج ابنته، لكن أبا بكر يحبه أشد وأكثر، فقد سئل: مَن أحبُّ الناس إليك؟ قال: «أَبُو بَكْرٍ» وهذا كلامه، وكلامه صدق ولَّا فيه شك؟ صدق ولا شك في هذا، يقول: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» .
المهم عمر كان هو وأبو بكر كفرسي رهان، يحب أن يسبقه، لا حسدًا لأبي بكر، ولكن حبًّا للفضل لنفسه، قال: اليوم أسبق أبا بكر، فجاء بنصف ماله لينفقه، نصف ماله يعني لو كان عنده مئتان جاب، ألفان، مليونان، نصف ماله، أتى به النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «يَا عُمَرُ، مَاذَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟» قال: تركت لهم الشطر، يعني النصف، جاء أبو بكر، قال: «مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قال: تركت لهم الله ورسوله، كل ماله، فقال عمر: والله لا أسابقك على شيء بعدها أبدًا ، عرف أنه يعجز أن يسبق أبا بكر.
الشاهد من هذا الحديث أيش؟ أن أبا بكر تصدق بجميع ماله، فإذا رأى الإنسان المصلحة في التصدق بجميع ماله وأن عنده من قوة التوكل، والاعتماد على الله، واكتساب الرزق، ما يمكنه أن يسترد شيئًا من المال لأهله ونفسه، حينئذ نقول: تصدق بجميع مالك، أنفق جميع مالك، إذا كان الأمر بالعكس؛ كان رجلًا أخرق لا يعرف أن يكتسب، وليس هناك داع أن ينفق كثيرًا، فهنا نقول: الأولى أن تنفق بعض المال.
إذن يا جماعة أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْهل (من) للتبعيض أو للبيان؟ للبيان، يعني: أنفقوا من هذا المال ما يكون فيه المصلحة.
في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويثبته، وكلما رأى فيه تزعزعًا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ومضى في سبيله، وأن ينفق من المال.
وهنا سؤال: هل المال محبوب للنفوس؟
قال الله تعالى: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] وقال عز وجل: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْريعني المال لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨] لا يمكن أن يبذل الإنسان شيئا محبوبًا إليه إلا لما هو أحب، فإذا بذل الإنسان المحبوب إليه ابتغاء رضوان الله، علمنا أن الرجل يحب رضوان الله أكثر من محبة المال، وبذلك يتحقق الإيمان.
تفسير الآية (8)
00:42:53

{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
[الحديد: ٨] هذا معطوف على الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٧، ٨] يعني: أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله وقد تمت أسباب وجوب الإيمان به، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عز وجل: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْيعني أخذ الله ميثاقكم: العهد أن تؤمنوا به، وبرسله، فصار هناك سببان للإيمان:
الأول: دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه.
والثاني: الميثاق الذي أخذه الله علينا، وذلك بما أعطانا عز وجل من الفطرة والعقل والفهم الذي ندرك به ما ينفعنا ويضرنا، هذا هو الصحيح في معنى الميثاق، وقيل: إنه الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهره، إن صح الحديث الوارد في ذلك.
المهم أن الله تعالى ينكر على من لم يؤمن ويقول: ما الذي حملك على ألا تؤمن وقد تمت أسباب وجوب الإيمان بدعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ الميثاق؟!
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَيعني إن كنتم مؤمنين فالزموا الإيمان بالله ورسوله.
تفسير الآية (9)
00:44:27

{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}
[الحديد: ٩] لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الإيمان، بيَّن أنه صلى الله عليه وسلم أتى بآيات بينات، أي: علامات دالة على صدقه، وأن ما جاء به فهو حق، بينات: ظاهرات، بما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة، والبيان العجيب، حتى إن العرب -وهم أئمة البلاغة وأمراؤها- تحداهم الله عز وجل عدة مرات أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولم يستطيعوا، فيقول عز وجل: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍأي: علامات دالة على أنه رسول الله حقًّا، وأن ما جاء به فهو حق، وذلك لما اشتملت عليه من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة والقصص النافعة، والفصاحة والبلاغة وغير ذلك مما هو معلوم.
وقوله عز وجل: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: ٩] قوله: لِيُخْرِجَكُمْيَحتمِل أن يكون المراد بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: ليكون سببًا لإخراجكم من الظلمات إلى النور، ويحتمل أن يعود إلى الله عز وجل، أي: ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور، وكلا المعنيين حق، قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وقال الله تعالى: الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١]، فالنبي صلى الله عليه وسلم سبب أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأما المخرج حقيقة فهو الله عز جل.
والمراد بالظلمات ظلمات الجهل وظلمات الشرك، ظلمات العدوان، ظلمات العصيان، كل ما خالف الحق فهو ظلم، وكل ما وافقه فهو نور.
فقوله عز جل: لِيُخْرِجَكُمْالضمير يعود على من؟ الضمير ليخرجكم من؟
طالب: الكاف..
الشيخ: الكاف للناس، لكن الفاعل الضمير يعود على من؟ إما على الله وإما على الرسول.
ما هو الذي يؤيد أن يعود إلى الله؟ قول الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، والذي يؤيد أن يعود إلى الرسول؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١]، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين، ولا منافاة بينهما، تُحمل عليهما جميعًا، فالله المخرج حقيقة، والرسول مخرج على أنه سبب.
وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩] الجملة هذه خبرية مؤكدة بـ(إن) واللام، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، والرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو عز وجل رؤوف رحيم، أي: ذو رحمة بالمؤمنين عز وجل، كما قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣] رحمة الله سبحانه وتعالى إما عامة وإما خاصة، فالعامة: الشاملة لجميع الناس، والخاصة: بالمؤمنين، كما قال عز وجل: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣].
فإذا قال قائل: أي رحمة من الله عز وجل للكافر؟
فالجواب: أمده بأنعام وبنين وعقل وأمن ورزق، بل إنهم -أي الكفار- قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أليس كذلك؟ قال الله عز وجل: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل: ٦١].
فإذا سألك سائل: هل لله رحمة على الكافر؟ فلا تقل: نعم ولَّا لا، أما بالمعنى العام فنعم رحِمه، ولولا رحمة الله به لهلك، وأما بالمعنى الخاص فلا، الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط؛ كما قال عز جل: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣].
تفسير الآية (10)
00:48:35

{وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
[الحديد: ١٠] استمع لتعرف أن القرآن يتصل بعضه ببعض، قال الله تعالى في أول الآيات: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] ثم قال: وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٨]، ثم قال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لما أمرنا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه قال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِيعني: أي شيء يمنعكم؟ والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه، ففي سبيل الله هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق على النفس، والإنفاق على الزوجة، والإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء، واليتامى، والإنفاق في سبيل الله، كل ما أمر الله بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية، حتى على النفس؟ نعم، إنفاقك على نفسك صدقة، إنفاقك على زوجك صدقة، لكن لاحظ النية؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا» لازم، القيد هذا لا بد منه، تبتغي به وجه الله «إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا» أي: أُثبت عليها.
إذن وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِما المراد بالإنفاق في سبيل الله؟ كل ما أمر الله بالإنفاق فيه.
وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ١٠] يعني كيف لا تنفق والذي سيرث السماوات والأرض هو الله، ومن جملة (...) مالك الذي بخلت به سيرثه الله عز وجل، فإذا ورث مالك من بعدك فإما أن يرثه صالح فيكون أسعد به منك، وإما أن يرثه مفسد فتكون خلفت له ما يستعين به على إفساده، أفهمتم هذا؟ إذا خلفت المال فإما أن تخلفه إلى من ينفقه في سبيل الله فيكون هو أسعد بمالك منك، وإما أن تخلفه لمفسد يستعين به على معصية الله، فتكون أعنته على معصية الله بما خلفت له من المال.
إذن ما هو اللائق بك؟ أن تنفقه في سبيل الله، حتى يكون لك غُنمه، وتسلم من غائلته، لو ورثه من يفسد به.
تذكر -يا أخي- عندما تفكر في الإنفاق فيأتيك الشيطان ويأمرك بالبخل ويعدك الفقر، فكر أنك إذا خلفت هذا المال فلا بد أن يورث، لن يُدفَن معك، لا بد أن يورث، ويكون الإرث دائرًا بين الأمرين السابقين اللذين ذكرتهما، وهو إما أن يرثه من ينفقه في سبيل الله فيكون أسعد بمالك منك، وإما أن يرثه من يستعين به على الفساد في الأرض فتكون أنت سببًا للإفساد في الأرض، ولا بد من هذا.
قال تعالى: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠].
من أنفق في أيش؟ في سبيل الله، لا يستوي منكم من أنفق في سبيل الله وقاتل، يعني مع من لم ينفق ولم يقاتل، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا؛ لأن دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء ، انتبه! دين العدل في أيش؟ في العمل والجزاء، وليس كما يقول المحدَثون المحدِثون أنه دين المساواة، هذا غلط عظيم، لكن يتوسل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل سواء، والمؤمن والفاسق سواء، والعربي والعجمي سواء، ولا فرق، وسبحان الله! إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، لا بد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة لَا يَسْتَوِي.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] وآيات كثيرة.
فاحذر أن تُتابع فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، بدلًا من أن تقول: الدين الإسلامي دين المساواة، قل أيش؟ دين العدل الذي أمر الله به أن يعطَى كل ذي حق حقه، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث سواء ولَّا يختلفون؟ يختلفون، في الدية؟ الدية دية النفس المرأة نصف دية الرجل، في العقيقة، فك الرهان: الذكر ثنتان والأنثى واحدة، في الدين المرأة ناقصة؛ إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، في العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرًّا، الذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشريعة الإسلامية، ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل، يعطي كل إنسان ما يستحق، حتى جاء في الحديث: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ» ، يعني إذا أخطأ الإنسان الوجيه الشريف في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة؛ لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو جاء إنسان فاسق ماجن هذا اشدد عليه العقوبة واعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب ماذا فعل؟ ضاعف العقوبة، بدل أربعين جعلها ثمانين .
كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن: «مَنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ –يعني- الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ» لأن هذا ما فيه فائدة، ثلاث مرات نعاقبه ولكن لا فائدة، إذن خير له ولغيره أيش؟ أن يقتل، إذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال عز وجل: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨].
الخلاصة: التعبير بأن دين الإسلام دين المساواة غلط ولَّا صح؟
طلبة: غلط.
الشيخ: غلط، ما هو الصحيح؟
طلبة: دين العدل.
الشيخ: دين العدل لا شك.
العجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام يقولون: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى» فيتناقضون، الحديث ما نفى مطلقًا قال: إلا بالتقوى، إذن يختلفون بالتقوى ولَّا ما يختلفون؟ يختلفون، ثم إن هذا الحديث أظنه لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» ففضل، ولا شك عندنا أن العرب -أعني جنس العرب- أفضل من جنس غير العرب، لا شك عندنا في هذا، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ورسالة، من؟ محمد صلى الله عليه وسلم، أكمل نبوة ورسالة جعلها الله في العرب، وقد قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] فالأجناس تختلف، وقال عليه الصلاة السلام: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ» ، احذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد.
أسأل الله أن يهدني وإياكم الصراط المستقيم، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.

***

لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] أي: لا يكونون سواء، الذي أنفق من قبل الفتح.. والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من عام ستة من الهجرة، وسُمي فتحًا لأنه صار فيه توسيع للمسلمين، وتوسيع أيضًا للمشركين، اختلط الناس بعضهم ببعض وأمن الناس بعضهم من بعض، حتى يسر الله عز وجل أن نقضت قريش العهد، فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم، فتح مكة في السنة الثامنة من ذي الهجرة في رمضان.
قال الله عز وجل: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواوذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام، وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم، فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله سبحانه وتعالى يجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يُفهم منه أن لا فضل للاحقين قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]، كُلًّا من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني الجنة.
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ١٠] أي: عليم ببواطن أموركم كظواهرها، لا يخفى عليه شيء، وإذا كان عالمًا بها فسوف يجازي كل عامل بما عمل، قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨] المراد بالفتح هنا صلح الحديبية، والمراد بالحسنى: الجنة.
إذن كل الصحابة وعدهم الله تعالى الجنة، فنحن نشهد لكل الصحابة أنهم في الجنة، لكن لا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفسير الآية (11)
00:58:55

ثم قال عز وجل حاثًّا ومرغبًا على الإنفاق في سبيله فقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [الحديد: ١١] أي: أين الذين يقرضون الله قرضًا حسنًا، أي: ينفقون فيما أمرهم بالإنفاق فيه، وأشار الله في هذا إلى شيئين: الإخلاص والمتابعة، الإخلاص في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَيعني: لا يريد سوى الله عز وجل، والمتابعة في قوله: حَسَنًا؛ لأن العمل الحسن ما كان موافقا للشريعة الإسلامية، وهذان -أعني الإخلاص والمتابعة- هما شرطان في كل عمل؛ أن يكون مخلصًا لله، وأن يكون متابعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وصف الله تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهًا بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره؛ لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرد عليك، هكذا أيضًا العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك، ولهذا قال: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ، المضاعفة هنا يعني الزيادة، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى قدرها في سورة البقرة فقال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١]، فأنت إذا أنفقت درهمًا فهو -أعني جزاءه- سبع مئة درهم ثوابًا من عند الله عز وجل، والله تعالى فضله أكثر من عدله وأوسع، ورحمته سبقت غضبه، إذن يضاعفه له إلى كم؟ إلى سبع مئة، بل إلى أكثر، كما جاء في الحديث إلى أضعاف كثيرة.
وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌأي: حسن واسع، وذلك فيما يجده في الجنة، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
تفسير الآية (12)
01:01:02

ثم قال الله عز وجل: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الحديد: ١٢] يعني: اذكر للأمة يوم ترى أيها الإنسان المؤمنين والمؤمنات يوم القيامة يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْأي أمامهم وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢] يكون من الأمام ومن اليمين، أما من الأمام فلأجل أن يقتدي الإنسان به؛ لأن النور إذا كان أمام الإنسان تبعه، وأما عن اليمين فتكريمًا لليمين، يكون بين أيديهم وبأيمانهم.
وقوله: يَسْعَى نُورُهُمْيفيد أن هذا النور على حسب الإيمان؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف كان قويًّا بقوة ذلك الوصف وضعيفًا بضعفه.
إذن نورهم على حسب إيمانهم، لا الذكر ولا الأنثى.
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، لماذا خص بين الأيدي والأيمان؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، أحسنت.
بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ [الحديد: ١٢] تقوله الملائكة لهم: بُشْرَاكُمُأي: ما تبشرون به الْيَوْمَيعني يوم القيامة جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُوهذه الجنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١]، فيها ما يشاءون كما قال الله عز وجل: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، وجمعها بأنها جنات متعددة متنوعة درجات مختلفة حسب قوة الإيمان والعمل.
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [الحديد: ١٢] أي: تسير، والأنهار جمع نهر، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى في سورة القتال أنها أربعة أنواع أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، وهذه الأنهار لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إلى جدولة، تسير على سطح الأرض حيث شاء أهلها، قال ابن القيم رحمه الله:
أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

لا تذهب يمينًا ولا شمالًا إلا حيث أراد أهلُها.
وأشار في قوله:مِنْ تَحْتِهَاإلى علو قصورها وأشجارها، يعني: تكون هذه الأنهار من تحت هذه القصور العالية والأشجار الرفيعة.
خَالِدِينَ فِيهَا [الحديد: ١٢] أي: ماكثين فيها، وقد جاءت آيات متعددة بأن هذا المكث دائم، ليس فيه زوال ولا انقطاع ولا تغير ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد: ١٢]، ذَلِكَالمشار إليه ما وعدهم الله به، الجنات التي تجري من تحتها الأنهار هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، (هو) يسميه العلماء ضمير فصل، وهو مفيد للتوكيد والاختصاص، أي: هذا الذي ذكر هو الفوز العظيم؛ لأنه لا فوز مثله، كما أنه لا فوز أعظم منه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، إنه على كل شيء قدير.
تفسير الآية (13)
01:04:56

{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}
[الحديد: ١٣].
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُيعني: اذكر يوم يقول، فكلمة يَوْمَ يَقُولُظرف، زمان ولا بد لظرف الزمان والمكان والجار والمجرور لا بد لها من شيء تتعلق به، والعلماء يقدرون المحذوف في كل مكان بما يناسبه، فهنا المناسب أن يكون التقدير: اذكر أيها الإنسان يوم يقول المنافقون، إلى آخره .
هذا اليوم هو يوم القيامة، والمنافقون هم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١] ولم يظهر النفاق إلا بعد أن قويت شوكة المسلمين بعد غزوة بدر. وكانت غزوة بدر في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، انتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا على الكفار، فلما بزغ فجر الإسلام وقويت الشوكة ظهر النفاق.
النفاق هو أن الإنسان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وشاع ذلك في المسلمين، فكانوا يأتون إلى الصلاة مع الناس ويحضرون الجماعة لكنها ثقيلة عليهم، وأثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأنه ليس هناك أضواء يشاهدون فيها، وهم إنما يصلون يراءون الناس.
في يوم القيامة يظهر نور للمؤمنين والمنافقين ثم ينطفئ نور المنافقين، وأنت تعلم أيها الإنسان أن انطفاء النور بعد وجوده يكون أشد ظلمة مما لو لم يكن هناك نور، أليس كذلك؟ ولهذا لو أنك أطفأت النور القوي ثم فتحت عينيك لم ترَ شيئًا إلا بعد برهة من الزمن، فيكون انطفاء النور بعد وجوده أشد عليهم مما لو لم يكن هناك نور، ثم تكون الحسرة أشد.
فيقول المنافقون للذين آمنوا: انْظُرُونَاانظروا إلينا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْأي: نأخذ شيئًا قليلًا بقدر الحاجة، قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْوالقيل هذا إما من المؤمنين أو من الملائكة، ما ندري، الله أعلم.
قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًاوهل هذا حقيقة أو تهكم بهم؟ يعني: هل هو حقيقة أنهم يريدون أن يذهبوا إلى مكان النور الذي انطفأ فيه النور لعله يتجدد النور، أو أن هذا من باب الاستهزاء بهم والسخرية، والآية محتملة هذا وهذا.
ثم بعد ذلك فَضُرِبَ بَيْنَهُمْأي: بين المنافقين والمؤمنين، بِسُورٍ لَهُ بَابٌ، والسور هذا سور عظيم يمنع من القفز من ورائه، لَهُ بَابٌيدخل منه المؤمنون ويُمنَع منه المنافقون.
بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُباطن هذا السور فيه الرحمة للمؤمنين وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُللمنافقين، وأنت لا تستطيع أن تتصور هذه الحال؛ لأن الحال أعظم من أن نتصورها، حال عظيمة.
تفسير الآية (14)
01:08:35

{يُنَادُونَهُمْ}
[الحديد: ١٤] المنادي من؟ المنافقون، والمنادى؟ المؤمنون يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] يعني: في الدنيا كنا معكم نصلي معكم، ونتصدق، ونذكر الله قَالُوا بَلَى [الحديد: ١٤] يعني: أنتم معنا ولكن في الظاهر دون الباطن ولهذا قالوا: بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد: ١٤] يعني: أضللتموها وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد: ١٤] انتظرتم بنا الدوائر؛ لأن المنافقين يتربصون الدوائر للمؤمنين، وَارْتَبْتُمْشككتم في الأمر، ليس عندكم إيمان وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّأي: ظننتم أنكم محسنون؛ لأنهم يقولون: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء: ٦٢] نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤] يعني: فهم مع المؤمنين وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: ١٤] فهم مع الكفار، ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة فغرتهم الأماني حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد: ١٤] أمر الله سبحانه وتعالى وذلك بموتهم.
وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، الغرور هو الشيطان، دليل هذا قول الله تبارك وتعالى عنه حين وسوس الشيطان إلى أبوينا، قال الله عنه: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف: ٢٢] إذن فالغَرور هو الشيطان.
تفسير الآية (15)
01:10:20

{حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ}
[الحديد: ١٤، ١٥] الله المستعان، الأسير في الدنيا يمكن أن يفدي نفسه ويبذل مالًا فيسلم، لكن في الآخرة ما فيه فداء فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌأيها المنافقون.
وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحديد: ١٥] الذين أعلنوا الكفر وصاروا أشجع من هؤلاء المنافقين، فلا فدية لا لهؤلاء ولا إلى هؤلاء.
مَأْوَاكُمُ النَّارُ [الحديد: ١٥] أي: مثواكم ومآلكم النار، هِيَ مَوْلَاكُمْالذي تتولونه والتي تتولاكم، فهم يتولون النار بعمل أهلها، والنار تتولاهم لأنهم مستحقون لها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد: ١٥] أي: المرجع، وهذا تقبيحًا لها، أعاذنا الله وإياكم منها، نسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة، ومن الفائزين المتقين المفلحين.
تفسير الآية (16)
01:11:22

قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: ١٦]. يعني: ألم يحق لهؤلاء المؤمنين أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِأي: أن تذل وتنقاد غاية الانقياد لذكر الله تعالى في القلوب واللسان والجوارح.
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّيعني القرآن الكريم، وهو من ذكر الله، لكنه ذكره بخصوصه لأهميته.
وَلَا يَكُونُوايعني: وألا يكونوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦] الذين أوتوا الكتاب من قبل هم اليهود والنصارى فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُيعني: طال بهم الزمن ونسوا حظا مما ذكروا به فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْوالعياذ بالله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَوبعضهم مستقيمون.
هذه الآية الكريمة يبين الله تبارك وتعالى أنه قد حق للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولكتاب الله، وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ لبعدهم عن زمن الرسالات. وفي هذا إشارة إلى أن أول الأمة خير من آخرها، وأخشع قلوبًا؛ وذلك لقربهم من عهد الرسالة. وقد صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» .
وفي هذا التنديد التام باليهود والنصارى؛ لأنها قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد.
وفيه العدالة التامة في حكم الله عز وجل، حيث قال: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦]، ولم يعمم، وهذا هو الواجب على من تحدث عن قوم أن يبين الواقع؛ لأن بعض الناس إذا رأى من قوم زيغًا في بعضهم، عمم الحكم على الجميع، والواجب العدل، إن كان الأكثر هم الفاسقين قال: أكثرهم، إن كان كثير منهم فاسقين دون الأكثر عبر بكثير، على حسب ما تقتضيه الحال؛ لأن الواجب أن يقول الإنسان بالعدل ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين.
تفسير الآية (17)
01:13:49

قال الله تبارك وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: ١٧].
اعْلَمُوافعل أمر بالعلم في هذه القضية الهامة، وهي أن الله يحيي الأرض بعد موتها، يعني أن الأرض تجدها يابسة ليس فيها نبات، فينزل الله عليها المطر فتنبت وتحيا وتنمو، إذا علمنا هذا ونحن عالمون به نشاهده فإننا نستدل به على قدرة الله تبارك وتعالى على إحياء الموتى، فإن الناس أحياء الآن ثم يموتون ثم يُبعَثون يوم القيامة، فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها من أجل الحساب والجزاء؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله تبارك وتعالى خلقًا يأمرهم وينهاهم ويبيح دماء من لم يستجب وأموالهم، ثم تكون النتيجة أن يموت الإنسان فقط.
بل لا بد -أيها الإخوة- من حياة هي الحياة الحقيقية، كما قال عز وجل: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت: ٦٤]، معنى الْحَيَوَانُأي: الحياة الحقيقية التي ليس بعدها موت، وليس المراد بالحيوان الحيوانات الدواب، المراد الْحَيَوَانُيعني: الحياة التامة الكاملة.
أنتم الآن تشاهدون الأرض يابسة ليس فيها ورقة خضراء، فينزل الله المطر ثم تنبت تحيا تنمو، فالقادر على أن يجعل هذه العيدان اليابسة خضراء نامية قادر على أن يحيي الموتى، وبكلمة واحدة، قال الله تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، وقال عز وجل: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣]، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ [الحديد: ١٧] أي: أظهرناها لكم، والآيات هي العلامات الدالة على كمال قدرة الله جل وعلا، وعلى كمال رحمته، وأضرب لكم مثلًا: إذا أنزل الله المطر، ونبتت الأرض، وشبعت البهائم، وطابت الأجواء، هذا من آثار أيش؟ من آثار رحمته، نستدل بهذا على رحمة الله، ونستدل بما خلق الله في الكون من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله تعالى في الأرض من الجبال والأنهار وغيرها على كمال حكمة الله عز وجل؛ لأنك إذا تدبرتها وجدت فيها من الحكمة ما يبهر العقل.
إذن الآيات جمع آية، وهي العلامة، يعني العلامات الدالة على كمال قدرة الله عز وجل وسلطانه.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: ١٧] (لعل) هنا للتعليل، وليست للرجاء، مع أنها في اللغة العربية تأتي للرجاء كثيرًا، لكنها هنا للتعليل؛ لأن الرجاء لا يمكن في حق الله؛ إذ إن الرجاء طلب شيء فيه نوع من العسر، لكن الله عز وجل لا يُتصور في حقه الرجاء، لكن تأتي (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تعقلوا، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد، أي: تعقلون عقلًا ترشدون به، ويكون دليلًا لكم على ما فيه الخير.
تفسير الآية (18)
01:17:48

{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}
[الحديد: ١٨].
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَأصلها (إن المتصدقين) لكن قلبت التاء صادًا لعِلة تصريفية معروفة عند أهل النحو، يعني: إن المتصدقين والمتصدقات.
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًايعني: أنفقوا في سبيل الله إنفاقًا حسنًا، والإنفاق الحسن -يا إخواننا- ما جمع شرطين:
الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالمرائي الذي ينفق رياء هل أقرض الله قرضًا حسنًا؟ لا، يعني: إنسان تصدق على فقير من أجل أن يراه الناس، فيقولون: فلان كثير الصدقة، هذا مراءٍ وصدقته لا تنفعه ولا تُقبَل منه؛ لأن كل عمل يُراد به غير الله فهو غير مقبول، قال الله تبارك وتعالى في الحديث القُدُسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ، إنسان آخر صار يتعبد لله تعالى بعبادات غير مشروعة، صاحب بدعة، لكنه مخلص لو سألته: لم فعلت هذا؟ قال: أريد ثواب الله، أريد التقرب إلى الله.
هل تنفعه العبادة؟ لا، لماذا؟ لعدم المتابعة.
فإذن يكون قوله عز وجل: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١٨] أي: مخلصين فيه لله متبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهنا سؤال: أَقْرَضُوا اللَّهَهل الله فقير حتى يقرض؟! حاشا وكلا ليس فقيرًا، لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١] إذن كيف يقول: أقرضوا الله؟ يقول هذا جل وعلا ليبين أن أجرهم مضمون كما أن القرض مضمون، أنا لو أقرضت شخصًا ألف ريال ثبت في ذمته ولا بد أن يوفيني، كذلك جعل الله عز وجل التعبد له بمنزلة القرض، أي أنه مضمون سيُرد عليك، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهذا ربا في القرض، كيف يكون هذا؟
الجواب: أولًا: لا ربا بين العبد وبين ربه.
ثانيًا: القرض إذا أعطاك المقترض شيئًا بدون شرط فهو حلال، يعني: لو استقرض منك ألف ريال وأعطاك ألفًا ومئة بدون شرط فهو حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكرًا -البكر يعني: بعير صغير- ورد خيرًا منه، وقال: «أَحْسَنُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» ، هل المقرض استفاد أو لا؟ استفاد، لكنه استفاد بلا شرط، ولهذا تجدون عبارة الفقهاء: (كل شرط جر نفعًا للمقرِض فهو ربًا) شوف (كل شرط) ولم يقولوا: كل زيادة.
فالمهم الآن الجواب إذا قال قائل: إن الله عز وجل يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد سمى الله تعالى الإنفاق في سبيله قرضًا، فكيف يصح أن يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف؟ قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: أنه ليس بين العبد وبين ربه ربا.
ثانيا: أن الزيادة إذا لم تكن شرطًا فهي جائزة، هذه تدل على كرم الموفي.
يُضَاعَفُ لَهُمْ [الحديد: ١٨] هذه خبر (إن)، يعني إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ، أي: يُعطَون أجرهم مضاعفًا، عشرة إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌأي: ثواب كريم، والكريم هو الحسن الطيب، وذلك أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
هذا كريم، وأصل الكرم: الحسن، دليل هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن قال له: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» يعني: إذا أخذت الزكاة اجتنب كرائم الأموال، يعني أحاسنها «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» .
تفسير الآية (19)
01:22:50

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: ١٩].
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِالإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
أولًا: الإيمان بوجوده.
والثاني: الإيمان بربوبيته.
والثالث: الإيمان بألوهيته.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.
الإيمان بوجود الله لا ينكره إلا مكابر في الواقع، لا ينكره أحد من قلبه إطلاقًا؛ لأن كل إنسان يعرف أن هذا الكون المستقر المنظم لا بد له من موجد ومنظم كل إنسان، مَن الموجد والمنظم؟ الله عز وجل؛ لأن كل إنسان أيضًا يعلم أنه لا يستطيع أحد من البشر أن يتصرف في هذا الكون، من الذي يأتي بالليل مع وجود النهار؟ من الذي يأتي بالنهار مع وجود الليل؟ ما أحد يقدر.
إذن كل إنسان عاقل فهو مؤمن بقلبه، وإن أنكر بلسانه، مؤمن بوجود الله عز وجل، وجه ذلك: أن هذه الخليقة العظيمة لا بد لها من مدبر.
لو قال قائل: إنها جاءت هكذا صدفة؟ طيب من جاء بها؟ ثم الشيء إذا جاء صدفة ما يكون منظمًا.
لو قال قائل: هي أوجدت نفسها؟ نقول: هذا أيضا محال عقلًا، كيف توجد نفسها وهي عدم؟! هذا لا يمكن، إذن: لا بد لها من موجد، ولهذا قال الله تعالى في سورة الواقعة: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة: ٥٨، ٥٩]، بل أنت يا ربنا إحنا ما نقدر نخلق، الإنسان ما يقدر يخلق جنينًا في بطن أمه أبدًا، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، استمع يَا أَيُّهَا النَّاسُخطاب للناس كلهم الكافر والمؤمن ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُولهذا إذا قرأت الآية يجب تستمع إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِكلهم لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، هذا الذباب المهين لا يمكن أن يخلقوه ولو اجتمعوا له، كل المعبودات ما يمكن تخلق ذبابة، وهو من أصغر الحيوان وأذلها وأهشها، زد على هذا وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج: ٧٣] يعني: لو أن الذباب أخذ من هذه الأصنام شيئًا ما استطاعت أن تستنقذه منهم.
قال أهل العلم: المعنى لو وقع الذباب على أحد هذه الأصنام وامتص من الطيب الذي فيها -لأنهم يطيبون أصنامهم- ما استطاعت الأصنام أن تستنقذه ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣].
أقول مرة ثانية: لا يمكن لأحد أن ينكر من صميم قلبه وجود الله عز وجل أبدًا؛ لأنه باتفاق العقلاء أن كل حادث لا بد له من محدِث، ولا أحد يحدِث هذا الكون إلا الله عز وجل. هذا واحد.
الثاني: الإيمان بربوبيته، أي: بأنه وحده الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، هو الله وحده، هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون إلا الله، ولا مالك للكون إلا الله عز وجل، حتى ملك الإنسان لما في يده ليس ملكًا حقيقيًّا، الدليل: أنه لا يمكن أن يتصرف فيما بيده كما يشاء، الآن هذا قلمي وهو ملك لي، أليس كذلك؟ لكن ليس لي أن أتصرف فيه كما شئت، لو أردت أن أحرقه أو أكسره مُنعت، شرعًا حرام عليَّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال .
إذن ملك الإنسان لِما بيده ليس ملكًا حقيقيًّا، بل إنه يختص به عن غيره فقط.
الثالث: أنه وحْده المنفرد بتدبير الأمور، ما أحد يستطيع أن يدبر الأمور أبدًا، عبادة الأصنام حق ولَّا غير حق؟ غير حق، الأصنام نفسها تُسمَّى آلهةً، فهل هي إله حق؟ لا، كما قال عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
إذن الألوهية أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله عز وجل، وما عُبد من دونه فهو باطل، وعليه فلا تصرف العبادة إلا لله.
والرابع: الإيمان بالأسماء والصفات؛ أسمائه وصفاته.
هل لله أسماء؟ نعم، هل له صفات؟ نعم، أسماؤه حسنى، قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠] صفاته كذلك عليا، ما فيه صفة نقص، قال الله تعالى: لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] أي: الوصف الأعلى.
إذن علينا أن نؤمن بأسماء الله وأن نؤمن بصفات الله.
أسماء الله تعالى كثيرة، ما يمكن حصرها مهما أردت، ما يمكن تحصيها، الدليل: حديث عبد الله بن مسعود، واحفظوه لأنه مفيد؛ أنه «مَا مِنْ إِنْسَانٍ يُصِيبُهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ حَزَنٌ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» .
فجعل الله الأسماء ثلاثة أقسام: ما أنزله في كتابه، مثل: الرحمن، أو علمته أحدًا من خلقك، مثل: الرب، الشافي، هذه ما هي بالقرآن لكن جاءت في السنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» ، هذا أنزله في كتابه أو علمه أحدًا من خلقه الثاني.
القسم الثالث: ما استأثر الله به في علم الغيب، واستأثر بمعنى انفرد، ما انفرد الله بعلمه فلم ينزله في الكتاب، ولم يعلمه أحدًا من الخلق، هل يمكن الإحاطة به؟ لا يمكن. إذن أسماء الله لا يمكن الإحاطة بها ولا محصورة بعدد؛ لأننا لا نعلمها.
وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، فالمعنى أن من الأسماء تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، هذا المعنى، ومن أحصاها أي: عرفها لفظًا، وعرفها معنًى، وتعبد لله بمقتضاها، وليس المراد أن تحفظه بس، لا، لا بد من حفظ اللفظ، والثاني: فهم المعنى، والثالث: التعبد لله بها بمقتضاها، فمثلًا إذا علمت أن الله سبحانه وتعالى غفور تعرض للمغفرة، لا تقل: الله غفور ويفعل الذنب كلما شاء، تعرض للمغفرة، استغفر الله تجد الله غفورًا رحيمًا، إذا علمت أن الله عزيز تتعبد لله بمقتضى هذا وتخاف منه وتحذر، وهلم جرًّا.
أما الإيمان بالرسل فإنه يتضمن تصديقهم فيما أخبروا كلهم من أولهم إلى آخرهم، يجب أن نصدق بما أخبرت به الرسل إذا صح عنهم، وأما العمل بشرائعهم فإننا لا نعمل، أو لا يلزمنا العمل إلا أولًا: تصديقهم بما أخبروا به، لكن بشرط أن يصح عنهم.
والثاني: العمل بالشرائع، ولكن هذا لا يكون إلا بشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن شريعته نسخت جميع الشرائع: أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: ١٩]، أُولَئِكَأي الذين آمنوا بالله ورسله هُمُ الصِّدِّيقُونَأي: البالغون في الصدق مبلغًا كبيرًا؛ لأن الصديق صيغة مبالغة، والصدق يكون بالقصد وبالقول وبالفعل، فأما الصدق بالقصد فأن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله تبارك وتعالى، لا يقصد غيره، فمن قصد بعبادته شيئًا غير الله فقد أشرك ولا يقبل عمله، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
الثاني: الصدق في القول، بأن يكون الإنسان صادقًا فيما يخبر به، وقد أثنى الله تعالى على الصادقين وأمر أن نكون معهم، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]، وأثنى على المهاجرين الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨].
وأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصدق وحث عليه ورغب فيه، فقال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» .
أما الصدق بالفعل فمتابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن من كان صادقًا فيما يدعي من محبة الله ورسوله فليتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١]، وقد سمى بعض السلف هذه الآية آية المحنة، يعني الامتحان، فمَنِ ادعى أنه يحب الله ورسوله قلنا له: تفضل، اتبع الرسول، إن اتبعه فهو صادق، وإن خالفه فليس بصادق.
وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [الحديد: ١٩] وَالشُّهَدَاءُجمع شهيد، والمراد بهم: من قُتلوا في سبيل الله، والقتال في سبيل الله: أن يقاتل الإنسان عدو الله لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو القتال في سبيل الله، قال ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» ، هذا الضابط يقاتل شجاعة معناها يحب القتال، شجاع يحب أن يقاتل؛ كالصياد يحب أن يصيد، الصياد الذي يهوى الصيد تجده يحب هذا، ويخرج ويتجشم المصاعب ليصيد الصيدة، وإذا صادها صارت عنده أرخص من كل شيء.
فهذا يقاتل شجاعة لأنه شجاع يحب أن يقاتل.
وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً يعني: عصبية لقومه.
وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ يعني رياءً، كما جاء في اللفظ الآخر وَيُقَاتِلُ رِيَاءً. قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»، من قاتل ليسترد أرضه المغصوبة في سبيل الله أو من باب الحمية؟ من باب الحمية، إلا إذا قال: أريد أن أستردها لأقيم عليها شعائر الإسلام، فهذا في سبيل الله، أما من قاتل لأن هذه أرضه ويريد أن ترد عليه فهذا حمية، ليس له أجر الشهداء إذا قتل.
هؤلاء شهداء لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْأي: ثوابهم العظيم، كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْولما ذكر عز وجل أصحاب اليمين وثوابهم ذكر أصحاب الشمال بعد ذلك، قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحديد: ١٩] وهذا لأن القرآن مثان، يعني: تثنى فيه الأمور والمعاني، ولهذا تجد القرآن الكريم في الغالب إذا ذكر الله الجنة ذكر النار، وإذا ذكر أولياء الله ذكر أعداء الله، والحكمة من ذلك: ألا يمل الإنسان؛ لأنه كلما تنقل المعنى إلى معنى آخر نشط الإنسان.
وحكمة أخرى: أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله -أي: متعبدًا لله- بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا ذكر صفات المؤمنين أو إذا مرت به صفات المؤمنين قوى جانب الرجاء، وإذا ذكرت أحوال الكافرين غلب جانب الخوف، ولهذا قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَاعطف التكذيب على الكفر، وهو نوع منه، لكن لأنه أشد، يعني اللي يكفر، ولكن ما يكذب أهون من الذي يكذب، فعطف وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَاعلى كَفَرُوامن باب عطف الخاص على العام؛ كعطف الروح على الملائكة وهو منهم، قال الله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤] والروح جبريل وهو من الملائكة.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، الجحيم: اسم من أسماء النار، وأصحابها: يعني الملازمين لها، ولهذا إذا مرت بك آية فيها أَصْحَابُفالمعنى أنهم ملازمون لها مخلدون فيها، نسأل الله العافية.
في الآيات الأولى الترغيب بالأوصاف التي توصل إلى الجنات؛ لأن الله تعالى لم يذكر لنا هذه الأمور لنطلع عليها فقط، ولكن لنسعى لها، وفيها التحذير من الكفر والتكذيب، لئلا يقع الإنسان في هذا العقاب الأليم أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
تفسير الآية (20)
01:38:16

{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}
إلى آخره [الحديد: ٢٠] لما ذكر الله أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين وهم في الدنيا كل يعمل على شاكلته، بيَّن حقيقة الدنيا ما هي، وأمرنا أن نعلم من أجل أن يجتهد الإنسان في التأمل والتفكر، فالأمر بالعلم بشيء واقع يعني أن المطلوب أن تتأمل كثيًرا حتى يتبين لك الأمر.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَاوهي حياتنا هذه لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، خمسة أشياء، اللعب بالجوارح، واللهو بالقلوب.
أما اللعب بالجوارح فأن يعمل الإنسان أعمالًا تصده عن ذكر الله وعن الصلاة.
وأما اللهو بالقلوب فهو الغفلة، وهذا أشد وأعظم، غفلة القلب، أعاذنا الله وإياكم منها، وأحيا قلوبنا وقلوبكم، الغفلة عظيمة تفقدك جميع لذات الطاعات، وتحرم من جميع آثارها؛ لقوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: ٢٨] لم يقل: لا تطع من أسكتنا لسانه، قال: مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ [الكهف: ٢٨] وما أكثر ذكرنا باللسان مع غفلة الجنان، وهذا لا شك أنه ينقص الثواب وينقص الآثار المترتبة على الذكر، من صلاح القلب والاتجاه إلى الله، وإنابته إليه، وغير ذلك.
لَعِبٌ وَلَهْوٌاللعب في الجوارح، واللهو في القلوب.
وَزِينَةٌنعم زينة بالملابس، زينة بالمراكب، زينة بالمساكن، زينة في كل شيء، ولذلك تجد الإنسان ولو كان فقيرًا يحب أن يزين بيته؛ ديكور وغيره، وكذلك سيارته، عندنا أزواج إذا أراد الزوج يركب سيارة يجعل عليها عقودًا من الأزهار وغيرها؛ زينةً.
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْكل واحد يفخر على الثاني، أنا من القبيلة الفلانية وأنت من القبيلة الفلانية، قبيلتك لا تساوي شيئًا في المجتمع، وقبيلتي قبيلة رفيعة، يتفاخرون، تفاخر في العلم، يكون هذا عنده علم بالطب وهذا لا يعرف في الطب، هذا علمه بالهندسة وهذا لا يعرف فيفخر عليه. وأقبح من ذلك التفاخر بالعلم الشرعي؛ لأن العلم الشرعي يجب على الإنسان إذا اكتسبه ومنَّ الله عليه به أن يزداد تواضعًا وأن يعرف نفسه وقدر نفسه.
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْومن ذلك ما يحصل بين الشعراء في بعض الأحيان من التطاول على الآخرين والتفاخر، كما يوجد في بعض الأفراح وبعض المناسبات عما نسمع.
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِتكاثر، كل واحد يحب أن يكون أكثر أموالًا وأكثر أولادًا، وهذا كقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران: ١٤] هذه حقيقة الدنيا، ومع ذلك مع هذا اللهو واللعب والتفاخر والزينة هل تبقى؟ أبدًا، ما تبقى، لا بد أن تزول، وإذا طال بالإنسان زمان عاد إلى الهرم، وفي هذا يقول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَـــــــــــرَمِ

كل إنسان إذا فكر في عيشه وأنه في نعيم يقول: فما بعد ذلك؟ ما الذي بعده؟ إما موت أو هرم، إما أن تموت وتنتهي من الدنيا، وإما أن تهرم وتكون عالة على ابنك وبنتك، حتى أهلك يملون منك، ولهذا أشار الله عز وجل إلى هذه الحالة فقال: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَاأي: الوالدان أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] لأنهما إذا بلغا الكبر اختل تفكيرهما، وصارا يتعبان، فأنت إما أن تموت أو تصل إلى حال الهرم، هذا إن بقيت لك الدنيا، وإلا فقد تسلب إياها قبل أن تصل إلى الهرم وقبل أن تموت.
إذن نأخذ من هذا الحذر من فتنة الدنيا، وكم من إنسان أطغته الحياة الدنيا فهلك، وفي الحديث القدسي: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ إِذَا أَغْنَيْتُهُ أَفْسَدَهُ الْغِنَى» بل قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُفْتَحَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ فَتَنَافَسُوا فِيهَا كَمَا تَنَافَسَ فِيهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، أكثر الفسقة، أكثر الكفرة ممن؟ من الملأ والأشرار، اقرءوا القرآن، من يكذب الرسل؟ الملأ والأشرار، اعتبروا بالواقع الآن، أكثر ما يفسد الدنيا هم الأثرياء والأغنياء الذين فُتحت عليهم الدنيا، فليحذرها العاقل اللبيب وليقتصر منها على ما ينفعه في الآخرة، هذه حقيقة الدنيا.
ثم ضرب الله لها مثلًا؛ لأن الأمثال تقرب المعاني؛ إذ إن المثل يعني قياس المعنى على المحسوس: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُغيث أي: مطر تنبت به الأرض وتزول به الشدة، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُأي: النبات الناشئ عنه، وأعجبهم أي: استحسنوه، والكفار هم الكافرون بالله عز وجل؛ لأن الكافر تعجبه الدنيا، ويفرح بها، ويُسَر بها، وقلبه متعلق بها، ليس له هم إلا ما يراه من زينتها ولهوها، فهو قد أَعْجَبَ الْكُفَّارَأي: الكفار بالله.
نَبَاتُهُأي: نبات هذا الغيث، ولماذا خص الكفار؟ قلت لكم: لأن الكفار هم الذين يستحسنون الدنيا، ويعجبون منها، وتتعلق قلوبهم بها، أما المؤمنون فهم على العكس لا يهمهم إلا ما فيه مصلحة الآخرة.
وقيل: إن المراد بالكفار هنا الزراع، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن إطلاق الكفار على الزراع نادر جدًّا، هذا إن صح، والذين يقولون: إن المراد بهم الزراع يقولون: لأن الكافر يكفر الحب -أي: يستره في الأرض، يحرث الأرض عليه- لأجل أن يخرج، ولكن ما قررناه أولًا هو الصواب أن المراد بالكفارِ الكفارُ بالله.
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّبعدما يظهر ويعجب الكفار ويستحسنونه ويتعجبون منه يَهِيجُأي: ييبس ويجف فَتَرَاهُ مُصْفَرًّابعد أن كان أخضر ناميًا يكون مصفرًا دائمًا، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًايعني: يتحطم ويتكسر؛ لأنه يبس، فماذا كانت النتيجة لهذا الزرع؟ التلف والزوال، هذه حال الدنيا، تزهو للإنسان بنعيمها وقصورها ومراكبها وأموالها وأولادها وزوجاتها وغير ذلك، وإذا بها تتحطم.
كم من غني كان مسرورًا في أهله منعمًا في بيته وفي مركوبه وفي ثيابه وفي كل أحواله إذا به يعود فقيرًا، فتتحطم دنياه، فإن لم تكن مات وتحطمت دنياه بفراقه هذه الدنيا فلا بد من أحد أمرين: إما أن تفارقك الدنيا، وإما أن تفارقها، هذه حال الدنيا، وهذا أمر لا يشك فيه في الواقع، لكن النفوس معها غفلة، يسهو بها الإنسان عن مثل هذا الأمر الواقع، فيظن أن كل شيء على ما يرام ويستبعد زوال الدنيا أو زواله هو عن الدنيا.
أما الآخرة فاستمع إليها، قال: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌللكافرين وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌللمؤمنين، فأيما أحق: أن يؤثر الإنسان الدنيا التي مآلها الفناء والزوال أو الآخرة؟ الثاني، يؤثر الآخرة، هذا العقل؛ لأنك إن آثرت الدنيا ففي الآخرة عذاب شديد، وإن آثرت الآخرة ففيها مغفرة من الله ورضوان، مغفرة للذنوب ورضوان بالحسنات، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، هذه الجملة فيها حصر، طريقه: النفي والإثبات، وهو أعلى طرق الحصر، ما الحياة الدنيا إلا متاع لا غير، ومتاع الغرور يغتر بها الإنسان فيلهو ويلعب ويفرح ويبطر ثم تزول.
كل هذه الجمل وهذه الأوصاف يريد الله عز وجل -وهو أعلم- أن يزهد الإنسان في الدنيا ويرغب في الآخرة.
وإني سائلكم: من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة هل يفوته شيء من نعيم الدنيا؟
الجواب: لا، لا يفوته، حتى وإن افتقر، فإنه لا يفوته نعيم الدنيا، دليل هذا من القرآن والسنة قال الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] لم يقل: لنكثرن ماله وأولاده وقصوره، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةًمطمئنة مستريح البال فيها وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧] وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك في قوله: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» .
تفسير الآية (21)
01:49:12

ثم قال عز وجل: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] سابق: أمر بالمسابقة، وقد جاء الأمر في آية أخرى بالمسارعة، فيجمع الإنسان بين المسابقة، وهي شدة العدو في حال السير، وبين المسارعة، وهي المبادرة إلى فعل الخير.
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] وذلك بفعل أسباب المغفرة.
من أسباب المغفرة: أن تسأل الله المغفرة، تقول: اللهم اغفر لي، أو تقول: أستغفر الله وأتوب إليه.
ومن أسباب المغفرة: فعل ما تكون به المغفرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيمَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ: «غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
وكقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» والأمثلة على هذا كثيرة، المهم أن المسابقة إلى المغفرة يعني: ما تحصل به المغفرة من طلب المغفرة مباشرة، كقولك: اللهم اغفر لي، أو فعل ما تحصل به المغفرة، مثل صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، الصدقة أيضًا تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا [الحديد: ٢١] الجنة: هي دار النعيم التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها فاكهة ونخل رمان، فرش، عسل، لبن، وغير ذلك، لكن هل تظن أن ما فيها يشابه ما في الدنيا؟
الجواب: لا، لا تظن هذا؛ لأن الله يقول: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، اسم رمان لكن يختلف عن رمان الدنيا، فاكهة تختلف عن فاكهة الدنيا، فرش تختلف عن فرش الدنيا، وهلم جرًّا.
انتبه لهذا ولا تظن أن ما ذُكر في الجنة من الأسماء توافق مسمياته ما في الدنيا، هذا لا يمكن؛ لما سمعت من الآية: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
قال تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١]، وفي سورة آل عمران: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران: ١٣٣] ولا منافاة؛ لأن الأول عرضها كعرض السماء تشبيه، والثاني: عرضها السماوات والأرض أيضا تشبيه؛ لكن يسميه أهل البلاغة تشبيهًا بليغًا.
كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِمن يستطيع أن يقدر عرض السماء والأرض؟ لا أحد يستطيع، السماوات بسعتها، السماء الدنيا واسعة جدًّا، كم بينها وبين الأرض من مسافة؟ وهي محيطة بها، والسماء الثانية فوقها وهي أوسع منها، والثالثة أوسع، وهلم جرًّا، إلى أن تصل إلى الكرسي، الكرسي يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ» حلقة، حلقة المغفر ما هي حلقة الباب الكبيرة، حلقة الدرع صغيرة جدًّا، ألقها في فلاة من الأرض ماذا تكون بالنسبة للفلاة؟ لا شيء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ» .
فمن يستطيع أن يدرك عرض السماوات والأرض؟ لا أحد يستطيع، الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، ولذلك كان أقل أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه مسافة ألفي سنة، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وإنما ذكر الله تعالى أن عرضها عرض السماوات والأرض من أجل أن نحرص على ملء هذه الأرض؛ أرض الجنة.
وفي الحديث أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ» .
فاحرص يا أخي على أن تملأ ما تستحقه من هذه الجنة بذكر الله، وتلاوة كتابه، وغير ذلك مما يقرب إلى الله.
لمن هذه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض؟
قال الله عز وجل: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد: ٢١] أُعدت، مَن أعدها؟ أعدها الله عز وجل، كما قال عز وجل: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التوبة: ٨٩] ومعنى الإعداد: التهيئة للشيء.
لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِآمنوا بالله وكل ما أوجب الله الإيمان به، فالإيمان إذن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وقوله: وَرُسُلِهِيشمل جميع الرسل الذين أولهم نوح، وآخرهم محمد، لكن إيماننا بالرسل يختلف عن إيماننا بمحمد عليه الصلاة والسلام، إيماننا بالرسل أن نؤمن بأنهم صادقون، مبلغون عن الله، ونؤمن بكل ما صح من أخبارهم، أما اتباعهم فلا، الاتباع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم يشتركون مع الرسول بأن نؤمن بأنهم صادقون، وأن كل ما أخبروا به صدق، وأن كل ما جاءوا به فهو عدل، ومناسب لأحوال أممهم في وقتهم، أما الاتباع فلا نتبع إلا واحدًا منهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِيدل على أن أهل الكتاب اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة؛ لأنهم لم يؤمنوا برسل الله، الدليل: أنهم كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام، والكافر برسول من الرسل كافر بالجميع، كيف وقد جاء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنسخ جميع الشرائع السابقة؟ ألم تسمعوا قول الله عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] أجيبوا.
طلبة: بلى.
الشيخ: هل سبق نوحًا أحد من الرسل؟ كيف يقول: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ؟
الجواب: لأن من كذب رسولًا من الرسل فقد كذب جميع الرسل، فكيف بمن كذب محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي نسخت شريعتُه جميع الشرائع، والذي قال الله فيه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١]، أخذ ميثاق النبيين كلهم لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران: ٨١] من هذا الرسول؟ محمد صلى الله عليه وسلم، الرسل كلهم لازم أن يؤمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا في ليلة الإسراء من كان الإمام؟ كان إمامهم في صلاتهم محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
إذن اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لم يؤمنوا برسله؛ لأنهم كفروا بمحمد، بل هم كفروا برسلهم أيضا؛ لقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥].
ولأن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بشرهم بمحمد، في سورة الصف: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُفلما جاءهم هذا الرسول الذي بُشر به عيسى قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: ٦] وكفروا به.
إذن هم كفروا بعيسى وردوا بشارته، وأنكروها، ولا يجوز لنا أبدًا أن نقول: إن أديان اليهود والنصارى اليوم أديان صحيحة أبدًا، بل هي أديان باطلة غير مقبولة عند الله، كما قال عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].
أعود إلى الآية: قال الله عز وجل: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد: ٢١] ذَلِكَأي: ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين بالله ورسله فَضْلُ اللَّهِفي أنهم آمنوا بالله، آمنوا برسله، اتبعوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أثيبوا بهذه الجنات فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. اللهم آتنا من فضلك.
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
قوله: يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُهل تظنون أن هذه المشيئة مجرد مشيئة؟ لا.
هي مشيئة مقترنة بالحكمة، يعني: من كان أهلًا للفضل آتاه الله الفضل، ومن لم يكن أهلًا له لم يؤته، الدليل قول الله تبارك وتعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، فلن يجعل رسالته إلا فيمن هو أهل لها.
وقال الله عز وجل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
وقال عز وجل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٩].
لا تظن أن الله يعطي الفضل من شاء بدون سبب، لا بد من سبب، فمتى علم الله في قلب الإنسان خيرًا -اللهم اجعل قلوبنا ممتلئة بالخير- آتاه الخير، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال: ٧٠] أصلح قلبك فيما بينك وبين الله تجد الخير كله.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١] أي: صاحب الفضل العظيم عز وجل، فلا أحد أعظم منة من الله تعالى، أوجدك من العدم، أعدك وأمدك بالنعم، يسر لك الهدى، هداك له، من أحد أعظم منة من الله؟ لا أحد، ولهذا قال الله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات: ١٧]، ولما جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأنصار في غزوة حنين حين قسم الغنائم بين المؤلفة قلوبهم كان يقرر عليهم، قال لهم: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أمنُّ. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟». قالوا: الله ورسوله أمنُّ . كلما قال قولًا قالوا: الله ورسوله أمنُّ. يعني أعظم مِنَّةً.
فالحاصل أن الله تعالى ذو الفضل العظيم، ولكنه يعطي فضله من هو مستحق له، كما قال عز وجل: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: ٣] اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم أن تهدي قلوبنا، وتصلح أعمالنا، وتختم لنا بخير، إنك على كل شيء قدير.
تفسير الآيتين (22-23)
02:01:25

قال عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] يعني جميع المصائب التي تصيب الإنسان في الأرض أو في نفسه قد كُتبت من قبل، المصيبة في الأرض كالجدب وقلة الأمطار، غور المياه وصعوبة منالها، وربما يقال أيضًا: الفتن والحروب وغيرها وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْأي: في نفس الإنسان ذاته من مرض، أو فقد حبيب، أو فقد مال، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها.
إِلَّا فِي كِتَابٍوهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء «لَمَّا خَلَقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقَلَمَ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» سبحان الله! ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى يوم القيامة، ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل؛ لأن أمر الله تعالى إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل ولا يستبعد، يتعجب ولكن لا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، ظهر الآن من صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف الكلمات، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ويش تسمى؟ الليزر، ديسك، المهم على كل حال تعرفونها الآن، هي عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، قد يُسجَّل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء، وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء: كن فيكون! لما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هل هي في أمر سابق أو هي مستأنفة؟
الجواب: الأول، ولهذا قال: إِلَّا فِي كِتَابٍ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاالهاء في قوله: نَبْرَأَهَاقيل: إنها تعود على مصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس، وقيل: على الجميع، والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وخمسون ألف سنة مدة طويلة، وهذا مكتوب.
إذن مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاالضمير يعود على أيش؟ أن نبرأ الأرض؟ أن نبرأ المصيبة؟ أن نبرأ الأنفس؟ أن نبرأ الجميع؟ الجميع.
و نَبْرَأَهَايعني: نخلقها، بكم مدة؟ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌيعني: إن كتابة هذه المصائب يسير على الله عز وجل، كيف يسره؟ لأنه قال للقلم: اكتب، فكتب، وهذا يسير أو صعب؟ يسير، كلمة واحدة حصل بها كل شيء إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌكل شيء فهو يسير على الله؛ لأن الأمر كلمة واحدة كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: ١١٧] أرأيتم الخلائق يوم القيامة تبعث بكم كلمة؟ قولوا يا جماعة؟
طلبة: بكلمة واحدة.
الشيخ: كلمة واحدة، قال الله عز وجل: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣] وقال عز وجل: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣ ، ١٤] أي: على وجه الأرض، خرجوا من القبور، هذا يسير والله.
ولما قال زكريا لله عز وجل حين بشره بالولد: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [مريم: ٤] يعني من الكبر وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨] قال الله عز وجل: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩]، فأنا أوجدتك من قبل أن تكون، فبقدرتي أن يكون لك ولد بعد المدة الطويلة.
فالله عز وجل لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عنه شيء، ولا يتأخر عن أمره الكوني شيء إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد: ٢٢، ٢٣] يعني: أخبرناكم بهذا؛ أن كل مصيبة تقع فهي في كتاب، كي لا تأسوا، اللام هنا للتعليل، و(كي) بمعنى (أن)، أي: لئلا تأسوا، ومعنى (تأسوا): تندموا على ما فاتكم مما تحبون.
وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٣] أي: لا تفرحوا فرح بطر واستغناء عن الله بما آتاكم من فضله.
إذا علمت أن الشيء مكتوب من قبل فهل تندم على ما فات؛ لأنه مكتوب، والمكتوب لا بد أن يقع، هل تفرح فرح بطر واستغناء إذا آتاك الله الفضل؟ لا؛ لأنه من الله مكتوب من قبل، فكن متوسطًا، لا تندم على ما مضى، ولا تفرح فرح بطر واستغناء بما آتاك الله من فضله؛ لأنه من الله. وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»، القوي في إيمانه، وليس القوي في بدنه، أصحاب الرياضة يجعلون هذا عنوانًا «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» ويقولون: المراد المؤمن القوي في بدنه، وهذا غلط، «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ» القوي هنا وصف يعود على ما سبقه، وهو الإيمان، «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، هذا يسميه البلاغيون احتراسًا، بمعنى أنه قد يظن الظان أن الضعيف لا خير فيه، فقال: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ». ثم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» .
والإنسان إذا علم أن كل شيء مقدر ولا بد أن يقع رضي بما وقع، وعلم أنه لا يمكن رفع ما وقع أبدًا، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، وتغيير الحال بمعنى رفع الشيء بعد وقوعه من المحال.
نعود إلى الآية لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍمختال في فعله، فخور في قوله، من الاختيال في الفعل أن يجر ثوبه، أو مشلحه، أو عباءته، أو غير ذلك مما يدل على الخيلاء، حتى وإن لبس ثوبًا وإن لم يكن نازلًا لكنه يعد خيلاء، فهو خيلاء.
الفخور هو المعجب بنفسه الذي يقول: فعلت وفعلت وفعلت، يفخر به على الناس؛ لأنك ما دمت فاعلًا الشيء تريد ثواب الله، ما حاجة أن تفخر به على الناس، بل اشكر الله عليه وحدث به على أنه من نعمة الله عليك.
تفسير الآية (24)
02:09:32

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}
[الحديد: ٢٤].
يَبْخَلُونَأي: يمنعون ما يجب عليهم بذله من مال وجاه وعلم.
مثال الأول: الذي يبخل بالزكاة، وهي أعظم وأوجب ما ينفق، والإنفاق على من تجب نفقته من الأقارب والزوجات.
ومثال الثاني: أن يجد الإنسان شخصًا مسلمًا واقعًا في مظلمة يتطلب المقام أن يشفع فيها ليرفع عن هذا الظلم، ولكنه يبخل، هذا بخل بماذا؟ بجاهه.
ومثال الثالث، وهو البخل بعلمه: أن يمتنع من تعليم الناس مما علمه الله عز وجل، وأن يبخل بالجواب والفتوى إذا استفتي عن مسألة دينية وتعين عليه أن يفتي بها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الْبَخِيلُ مَنْ إِذَا ذُكِرْتُ عِنْدَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ، اللهم صل وسلم عليه، وهذا نوع من البخل؛ لأنه بخل بما يجب عليه؛ إذ إن القول الراجح أنه إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب على من سمعه أن يصلي عليه، بدليل الحديث الذي في السنن؛ أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، قُلْ: آمِينَ، فَقَالَ: «آمِينَ» .
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ(يأمرون) أي: يقول هؤلاء للرجل: لا تنفق من مالك فإن مالك ينقص، لا تتعب نفسك في الشفاعة لفلان، لا تتعب نفسك في تعليم العلم، هؤلاء أمرهم بالبخل فصاروا -والعياذ بالله- فاسدين مفسدين.
قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَوَلَّ [الحديد: ٢٤] أي: يعرض عن طاعة الله فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد: ٢٤] من يتول فإن الله ليس بحاجة إليه، فهو عز وجل غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وهو الْحَمِيدُأي: المحمود على غناه؛ لأنه ليس كل غني يكون محمودًا، فالغني البخيل لا يُحمَد، لكن الله عز وجل غني حميد يُحمَد على غناه؛ لأنه عز وجل واسع العطاء، كثير العطاء.
وفي هذه الآية دليل على أن الإنسان الذي يتولى عن طاعة الله إنما يضر نفسه ولا يضر الله شيئًا؛ فإن الله غني، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» .
تفسير الآية (25)
02:12:43

قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥].
قوله جل وعلا: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِهذه جملة مؤكدة باللام و(قد) والقسم المقدَّر؛ لأن مثل هذه جملة يقدر فيها قسم، التقدير: والله لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، ولعل قائلًا منكم يقول: كيف يقسم الله عز وجل؟ كيف يؤكد الله خبره بالقسم وهو الصادق بدون ذلك؟ هذا محل إشكال الجواب أن يقال: القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين يؤكد الأشياء الهامة أو الأشياء المنكرة بأنواع المؤكدات حتى يطمئن المخاطب ولا يكابر المكابر، فهنا نقول: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِتقدير الكلام: والله لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وهذا يتكرر في القرآن كثيرًا، والتقدير كما سمعتم.
أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِأي: أعطيناهم الوحي وأمرناهم أن يبلغوه إلى الناس هذا الرسول.
وقوله: بِالْبَيِّنَاتِأي: بالآيات البينات الواضحة الدالة على أنهم رسل من عند الله.
مثال ذلك: أرسل الله سبحانه وتعالى موسى إلى فرعون وأعطاه آيات بينات، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ [الإسراء: ١٠١] منها: العصا العجيبة، عصا عادية فيها آيات، من آيات الله فيها أنه لما اجتمع السحرة الحذاق الجيدون بأمر فرعون ومساندته وألقوا حبالهم وعصيهم وصارت هذه الحبال والعصي كأنها حيات وثعابين أرهبت الناس، حتى موسى عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خيفة؛ لأنها فوق ما يتصور، سحرة مهرة أتوا بكل قوتهم وألقوا ملؤوا الأرض حبالًا وعصيًّا، فجعلت هذه الحبال والعصي كأنها حيات وثعابين، فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦] أوحى الله إليه أن يلقي العصا، ألقاها، انقلبت هذه العصا حية عظيمة، وجعلت تلقف ما يأفكون، كل الحبال اللي هم جاءوا بها أكلتها هذه الحية، هذه من آيات الله العظيمة، كيف تكون هذه الحية تأكل كل هالدنيا هذه؟ أين تذهب؟ لكنها -والله أعلم- أنها بمجرد ما تأكلها تكون كالبخار تذهب، وإلا فإن بطن هذه الحية لا يسعها، لكن هذه آية! أليس كذلك يا جماعة؟ أنتم الآن تتصورون هذه الواقعة خبرًا، لكن ما ظنكم لو رأيتموها نظرًا؟ كان الأمر أشد وأعظم، نحن الآن لا نتصورها إلا في الخبر وفي الذهن فقط، لكن لو تشاهد الموضوع عرفت أنها آية عظيمة.
الآية الثانية في هذه العصا: أن موسى استسقاه قومه؛ طلبوا منه الماء، فضرب حجرًا من الأحجار فتفجر عيونًا اثنتي عشرة عينًا، الماء ينبع من هذا الحجر الذي ضرب به العصا؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر نقيبًا، أليست هذه آية؟ بلى، حجر أصم تنبع منه العيون بدون حفار وبدون أي شيء، آية من آيات الله.
الآية الثالثة: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أدركه فرعون وحشره إلى البحر أيقن أصحاب موسى أنهم هالكون، وقالوا: إنا لمدرَكون، ما لنا مفر، البحر أمامنا، إن خضناه غرقنا، وفرعون وجنوده خلفنا سيقضون علينا، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] ولكن انظر إلى الإيمان واليقين: قَالَ كَلَّالن ندرك إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] أي: سيدلني على ما فيه النجاة، فأوحى الله إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء: ٦٣] ضرب البحر مرة واحدة بالعصا انفلق اثني عشر طريقا على عدد النقباء من بني إسرائيل فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣]؛ أي: كالجبل العظيم، الأرض في الحال يبست فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه: ٧٧]، والماء على أيمانهم وعن شمائلهم كالجبال، وانظر إلى الإيمان أيضًا كيف دخلوا في هذه الطرق والمياه على أيمانهم وعلى شمائلهم لكن الإيمان؛ لأنهم عرفوا أنهم ناجون ولا بد، هذه من آيات الله عز وجل.
عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آيات بينات؛ كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وهذان الداءان لا حيلة للأطباء فيهما إلى الآن، اللهم إلا الأكمه ربما، كان يحيي الموتى بإذن الله، يقول للجنازة أمام الناس: احي فتحيا بإذن الله، كان يخرج الموتى من قبورهم، يقف على القبر ويأمر صاحب القبر أن يخرج ويخرج حيَّا، من يستطيع هذا إلا الله عز وجل؟ جعله الله آية لهذا النبي.
كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخه فيطير! قال الله عز وجل: فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وفي قراءة ثانية: {فيكون طائرًا}، وإذا جمعت بين القراءتين صار المعنى صار طيرًا بإذن الله يطير؛ لأنه ما كل طير يطير، النعامة لها جناح ولكن ما تطير، لكن يكون طيرًا يطير يشاهَد في الجو، وهو خلقه من طين! من يقدر على هذا؟! بعث بعد الموت وإيجاد من العدم، هذا لا يقدر عليه إلا الله، جعله الله آية لعيسى.
فإن قال قائل: لماذا خص الله موسى بالعصا وخص عيسى بإحياء الموتى وخلق الطيور؟
قال أهل العلم: إن الله عز وجل حكيم، يجعل لكل نبي من الآيات ما يناسب الوقت وحال الناس حتى يعجزهم، يقولون: إن السحر ترقى إلى حد بعيد في عهد موسى؛ فأراهم الله آية يعجزون عنها بسحرهم، ولهذا في قصة موسى السحرة العارفون بالسحر ما ملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الأعراف: ١٢٠] ألقوا ساجدين، ما سجدوا، كأنهم بغير اختيار، شُدِهوا فسجدوا، وقالوا إعلانًا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].
عيسى عليه السلام ترقى في عهده الطب ترقيًا عظيمًا، فأعطاه الله تعالى آية لا يستطيع الأطباء أن يأتوا بمثلها.
أما محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه بُعث في زمن البلاغة العظيمة التي ترقت إلى أعلى ما يكون في العرب، واللسان العربي أفصح الألسنة، وأدلها على ما في الضمير، فبعثه الله عز وجل بقرآن كريم أعجز العرب أن يأتوا بمثله، ولن يأتي أحد بمثله لا الجن ولا الإنس، قال الله عز وجل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، لو أن بعضهم يعاون بعضًا لا يأتون بمثله، وصدق الله عز وجل، القرآن كلام الله، فكما أن الله ليس كمثله شيء فكلامه ليس كمثله كلام، لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد: ٢٥].
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ما بَعَثَ نبيًّا إلَّا آتَاهُ مِنَ الآياتِ ما يُؤْمِنُ على مِثْلِهِ الْبَشَرُ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ، قال: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا» وحصل ما توقع والحمد لله، وما رجاه أكثر الأنبياء تابعًا هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن آيته الكبرى هي القرآن العظيم، القرآن العظيم باق، كل الناس يقرؤونه ويستنتجون منه من الآيات ما يزدادون به إيمانًا، ويعلمون به صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: ما الحاجة إلى إعطاء الأنبياء آيات؟
قلنا: الحاجة واقعة، بل للضرورة، بل للعقل أيضًا؛ لأنه ليس من العقل أن يأتي شخص ويقول: إنه رسول ثم يتبَّع، لا بد أن يكون هناك بينة تدل على أنه رسول.
لو جاء إنسان في غير أمة محمد عليه الصلاة والسلام وقال: إنه رسول ولم يأت بآية، فالناس معذورون إذا لم يتبعوه، وإلا لكان كل واحد يدعي أنه رسول، أما بعد النبي صلى الله عليه وسلم فالنبوة انقطعت؛ لأنه كان خاتم النبيين، لذلك لا بد أن يكون مع الأنبياء آيات تدل على صدقهم، وعلى صحة ما جاءوا به من الشريعة.
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥]، الكتاب: الوحي الذي أوحاه الله تعالى إليهم، وما من رسول إلا معه كتاب، بخلاف النبي، فالنبي قد لا يكون معه كتاب، لكن الرسول لا بد أن يكون معه كتاب؛ لأن الرسول لا بد أن يعطي الناس الذين يدعوهم ما يشاهدونه بأعينهم.
وقوله: الْكِتَابَهل هو واحد أو المراد الجنس؟
المراد الجنس، يعني الكتب؛ لأنه قال: رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ، ليس كتابًا واحدا، بل كل رسول معه كتاب.
وقوله: وَالْمِيزَانَأي: العدل، الذي توزَن به الأشياء، ويعرَف قدرها وحالها، وهذا يدل دلالة واضحة على أن القياس الصحيح مما بُعث به الرسل؛ لأن القياس تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، وقد قال الله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد:٢٥] أي: العدل والمقايسة بين الأمور.
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥] أي: ليقوم الناس في الدين والدنيا بالقسط؛ بالعدل في حق الله وفي حق العباد، فما هو العدل في حق الله؟
العدل في حق الله ما ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل حين قال له: «أَتَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟». قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: «حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَن لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
قوله يعني ألا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئًا حق المخلوق، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» ، هذا الشاهد، أي: أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، لو أننا عاملنا الناس بهذا لاستقام العدل ولم يتجرأ أحد على ظلم أحد، ولو أننا شعرنا للناس بما نشعر به لأنفسنا لحلت في قلوبنا الرحمة والتواضع؛ لأن كل إنسان يحب أن يعامله الناس بالرحمة والتواضع، فعامل الناس أيضًا بالرحمة والتواضع.
ثم ذكر الله تبارك وتعالى ما يحصل به النصر من جهة أخرى؛ لأن النصر يكون بالوحي ويكون بالبأس، وهو ما ذكره في قوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌإلى آخره.
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَيعني: خلقناه لهم من المعادن، واستنبط بعض العلماء من قوله: (أنزلنا الحديد) على أن المعدن إذا كان في قمم الجبال فهو أقوى وأنفع مما إذا كان في الأسفل؛ لأن النزول إنما يكون من أعلى، فالله أعلم، هذا يرجع إلى علم الجيولوجيا، لكن (أنزلنا) بمعنى: وضعنا لهم الحديد، وهو معدن معروف من أقوى المعادن.
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِبأس شديد في الحرب، تصنع منه السيوف والخناجر وجميع آلات الحرب، وإنما ذكره بعد ذكر الكتب لأن الدين لا يقوم إلا بهذا، بالدعوة والقتال، فإذا أبى الكفار أن يكون دين الله هو العالي حينئذ يقاتلون، وبماذا؟ بالحديد، فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌأي: في الحرب.
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِجمع المنافع لأنها لا تحصَى أجناسها، فضلًا عن أنواعها وأفرادها، من يحصي لي المنافع التي تحصل بالحديد؟ نعطيكم مهلة أسبوعًا، ما تستطيعون أن تحصوها، لا تستطيعون، ولهذا جاءت بالجمع المعروف بصيغة منتهى الجموع وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِدينية ودنيوية، فردية واجتماعية.
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِمعطوفة على لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.
وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُالمراد علم الظهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، أما علم أنه سيكون فهذا سابق على إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عالمًا بكل شيء، فلا يشكل عليك الأمر، لا تقول: إن الله لا يعلم إلا بعد هذا، نقول: نعم.
العلم علمان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم بالشيء بعد وجوده، ما هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب؟ الثاني ولَّا الأول؟ الثاني؛ لأن العلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب حتى يمتحن الناس.
إذن: (ليعلم الله) أي: علم ظهور، يعني أنه ظهر ووقع بالفعل، هذه واحدة، وعلمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، أما العلم بأنه سيكون فهذا معلوم لله من الأزل.
مَنْ يَنْصُرُهُأي: ينصر دينه، وليس المعنى: ينصر نفس الله، لا؛ لأن الله غني عن العالمين، ولهذا قال الله تعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٤] إذن يَنْصُرُهُبماذا تفسرها؟ ينصر دينه، فلو قال لك قائل: كيف ينصر دينه والله يقول: مَنْ يَنْصُرُهُ؟ هذا تفسير مخالف للفظ، وأنتم تنكرون على من يفسر القرآن بما يخالف ظاهر اللفظ، فما الجواب؟
الجواب: نحن لا ننكر على الناس إذا فسروا القرآن بما يخالف ظاهر اللفظ إذا كان ذلك بدليل، إذا كان هذا بدليل فإننا لا ننكر عليهم، ولهذا إذا قال قائل في قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] إذا قال قائل: إن المعنى: إذا قرأت القرآن أي: أردت قراءته، فهذا فسره بخلاف ظاهره، هل نقول: هذا التفسير صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح؛ لأن الإنسان يستعيذ بالله إذا أراد يقرأ، ما هو إذا أتم القراءة، بدليل فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن هذا هو الذي يفيد أن يستعيذ الإنسان بالله قبل أن يقرأ ليقرأ والشيطان بعيد عنه.
على كل حال إذا قال لك قائل: كيف تفسر قوله تعالى: مَنْ يَنْصُرُهُأي: من ينصر دينه، وأنت تنكر على من يفسر القرآن بخلاف ظاهره؟
فالجواب: أننا لا ننكر من يفسر القرآن بخلاف ظاهره إذا كان في ذلك دليل صحيح، والدليل على أن المراد ينصر دينه قوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌلا يحتاج إلى أحد، فهو قوي عزيز غالب بقوة لا يلحقها ضعف.
وقوله عز وجل: مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُنصر الرسل هل المراد أن ينصر الرسول نفسه أو أن ينصر الشريعة التي جاء بها؟ الأمران، إذا كان الرسول حيًّا فالمراد ينصر الرسول نفسه وشريعته، وبعد موته ينصر شريعته، وفي هذا دليل على أن نصر الشريعة نصر لمن جاء بها، فلا يشكل على هذا أن الله سبحانه وتعالى قد يميت الرسول قبل أن يرى النصر الواسع له؛ لأننا نقول: نصر شريعته نصر له.
وقوله: بِالْغَيْبِأي أنه ينصر الله عز وجل وينصر رسله وهو لم يرَ الله؛ لأن الله تعالى يُنصَر ولا يُبصَر، لا يُبصَر في الدنيا، ولهذا قال بعض السلف: ينصرونه ولا يبصرونه؛ تفسيرًا لقوله: بِالْغَيْبِينصرونه ولا يبصرونه، والمراد لا يبصرونه في الدنيا، أما في الآخرة فنظر الله تعالى حق، ثابت في القرآن والسنة وإجماع الصحابة.
إذن: بِالْغَيْبِأي: ينصرون الله وهو غائب، ويحتمل أن يكون المعنى بِالْغَيْبِأي: بغيبتهم عن الناس، فيكون في هذا دليل على إخلاصهم، وأنهم ليسوا ممن يعبدون الله إذا كان بين الناس، بل يعبدون الله تعالى في الغيب والشهادة.
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌهذه الجملة استئنافية لبيان أن نصر الله عز وجل ليس عن ضعف ولا عن قهر، بل هو قوي عزيز لا يحتاج إلى أحد ينصره بنفسه ولكن النصر لدينه.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه.
تفسير الآية (26)
02:32:55

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}
[الحديد: ٢٦].
هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم المحذوف.
والثاني: اللام.
والثالث: قد.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَنوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو من أولي العزم الخمسة، وإبراهيم هو أبو الأنبياء من بعده، وإليه يرجع الأنبياء، أي: إلى ملته، ولهذا يتنازع فيه المسلمون واليهود والنصارى، فاليهود يقولون: إنه يهودي، والنصارى يقولون: إنه نصراني، والمسلمون يقولون: إنه حنيف مسلم. وهذا هو الحق.
والعجب من النصارى واليهود أن يقولوا: إنه نصراني أو يهودي، وما كانوا نصارى ولا يهودًا إلا من بعده، لكنهم ليس لهم عقول.
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَاأي: ذرية نوح وإبراهيم النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَيعني الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي هذا دليل على أن آدم ليس برسول، وأن إدريس ليس قبل نوح، كما ذكره بعض المؤرخين، وهو خطأ مخالف للقرآن الكريم، فليس قبل نوح رسول، وآدم نبي مكلم كلمه الله عز وجل بما شاء من وحيه، ثم سار على نهجه بنوه من بعده، فلما انتشر الناس وكثر الناس صار بينهم الخلاف؛ كما قال عز وجل: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]، وقوله: وَالْكِتَابَالمراد به الجنس؛ لأن كل رسول معه كتاب؛ كما قال عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.
فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ٢٦] منهم: أي بعضهم مهتدٍ، وحُذفت الياء كما هي القاعدة في اللغة العربية، وأصلها: (مهتدي) بالياء لكن حُذفت للتخفيف.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَأي: غير مهتدين، وهذا هو الواقع؛ أن بني آدم أكثرهم ضال كما قال عز وجل: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦].
تفسير الآية (27)
02:35:20

{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ}
[الحديد: ٢٧] قَفَّيْنَابمعنى: أتبعنا، مأخوذ من القفا؛ لأن من يمشي من قفاك فهو تابع لك.
عَلَى آثَارِهِمأي: آثار نوح وإبراهيم ومن كان من الرسل الآخرين.
بِرُسُلِنَاأي: التابعين لهم.
وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَنص عليه لأنه عليه السلام ليس بينه وبين محمد صلى الله عليه وعلى آله سلم رسول، بل ولا نبي أيضًا، ليس بينهما رسول ولا نبي، وما يقال: إن خالد بن معدان وغيره لهم نبوة، فكله كذب.
وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَهو كتاب أنزله الله عز وجل على عيسى، ويعتبر مكملًا للتوراة؛ لأن التوراة هي أم الكتب في بني إسرائيل.
وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا [الحديد: ٢٧].
ثلاثة أشياء جعلها الله في قلوب النصارى الذين اتبعوا عيسى رحمة، فهم من أرق الناس لما كانوا على شريعة عيسى، من أرق الناس قلوبًا وأرحمهم بالخلق، لكن بعد أن كفروا بمحمد صاروا من أغلظ الناس، كما تعلمون ما جرى بين المسلمين وبين النصارى في الحروب الصليبية وغيرها.
رَأْفَةً وَرَحْمَةًالرأفة أرق من الرحمة وأبلغ منها، فهي من نوع الرحمة لكنها أرق وألطف.
وَرَهْبَانِيَّةًهي الانقطاع عن الدنيا للعبادة.
ابْتَدَعُوهَايعني: من عند أنفسهم، كما فعل بعض فرق المسلمين، ابتدعوا رهبانية ما أنزل الله بها من سلطان، لكن معهم رقة ورحمة.
مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِيعني أننا لم نفرضها عليهم، ولكن هم طلبوا رضوان الله، ولهذا نقول: إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِاستثناء منقطع، ولكن مع ذلك مع كونهم ابتدعوها واختاروها لأنفسهم ما رعوها حق رعايتها أي: ما قاموا برعايتها الواجبة من إحسان هذه الرهبانية التي ابتدعوها وإنما تصرفوا فيها كما يشاءون.
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْأي: ثوابهم.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَكثير من هؤلاء النصارى فاسق، أي: خارج عن طاعة الله عز وجل.
وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا ابتدع بدعة فإنه لا يوفَّق لإقامتها، فيكون ضالًّا في الأصل وضالًّا في الفرع، حتى لو اجتهد، حتى لو خشع.
إنك تجد بعض الناس الذين ابتدعوا أذكارًا أو صلوات أو أدعية أو ما أشبه ذلك تجدهم خاشعين، قلوبهم باكية، قلوبهم خاشعة لكن لا ينفعهم ذلك؛ لأنهم على ضلال.
تفسير الآية (28)
02:38:41

يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالمراد بهم هذه الأمة.
فيكون قوله: اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِيعني: اثبتوا على الإيمان، لا جددوا الإيمان؛ لأن الإيمان قد حصل، حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا بقلوبكم اتقوا الله بجوارحكم، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِأي: حققوا الإيمان واثبتوا عليه، وليس كل من آمن يكون مؤمنًا حقًّا، وهذا هو ما يعنيه العلماء بقولهم: هذا نفي كمال الإيمان، مثل قوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ليس المراد نفي مطلق الإيمان، بل نفي الإيمان المطلق الكامل.
وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية في أهل الكتاب؛ لأنه قال: وَآمِنُوا بِرَسُولِهِولكن هذا قول ضعيف جدًّا، ولا يمكن أن ينادي الله عز وجل أهل الكتاب وهم كفرة بوصف الإيمان أبدًا، يعني: لا يمكن أن يكون المراد بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوايا أيها اليهود والنصارى؛ لأنهم حين نزول القرآن إذا بقوا على يهوديتهم ونصرانيتهم ليسوا مؤمنين.
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِوالمراد برسوله هنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتضمن الإيمان بجميع الرسل، كما قال عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] يعني في الإيمان به، لا في الاتباع، في الاتباع نفرق بين الرسل، من نتبع منهم؟ محمدًا صلى الله عليه وسلم، لكن الإيمان كلهم على حد سواء، نؤمن بأنهم رسل الله حقًّا.
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨] أي: نصيبين من رحمة الله، ولهذا مثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأمة بالنسبة لما قبلها كرجل استأجر أجراء، منهم طائفة من أول النهار إلى نصف النهار، وطائفة من نصف النهار إلى العصر، وطائفة من العصر إلى غروب الشمس، فالطائفة الأولى أعطى كل واحد منهم دينارًا، والثانية أعطى كل واحد دينارًا، والثالثة أعطى كل واحد دينارين، فاحتج الأولون: لماذا تعطي هؤلاء دينارين وهم أقل منا عملًا؟ فأجابهم بقوله: هل نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء الحمد لله، فهذه الأمة لها مثل أجر الأمم السابقة مرتين.
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِيعني أنكم إذا آمنتم حققتم الإيمان مع التقوى يثيبكم ثوابين وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، أي: علمًا تسيرون به إلى الله عز وجل على بصيرة.
وفي هذا دليل على أن التقوى من أسباب حصول العلم، وما أكثر الذين ينشدون العلم، ينشدون الحفظ يعني يطلبونه، يطلبون الفهم، فنقول: إن تحصيله يسير، وذلك بتقوى الله عز وجل وتحقيق الإيمان الذي هو موجب العلم، اعمل بما علمت يحصل لك ما لم تعلم، فتقوى الله عز وجل من أسباب زيادة العلم ولا شك، ولهذا قال: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِأي: تسيرون به -أي: بسببه- سيرًا صحيحًا يوصلكم إلى الله عز وجل.
وَيَغْفِرْ لَكُمْأي: يسترها عليكم ويعفُ عنكم، فلا عقاب ولا فضيحة، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌأي: ذو مغفرة ورحمة، كما قال الله عز وجل: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] وقال عز وجل: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨] فالغفور يعني ذا المغفرة، والرحيم يعني ذا الرحمة، وذلك أن الإنسان محتاج إلى مغفرة لذنوب وقعت منه وإلى رحمة تسدده ويتجنب بها المعاصي ويهتدي للتوبة إن عصى.
تفسير الآية (29)
02:43:20

ثم قال: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد: ٢٩] أي: جعل لكم هذا الثواب ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم لا يستطيعون أن يحسدوكم على ما آتاكم الله من فضله مع محاولتهم الشديدة أن يحسدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: ١٠٩].
فيقول عز وجل هنا: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِلا إعطاء ولا منعًا، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [الحديد: ٢٩] عز وجل هو المدبر لكل ما يريد على حسب ما تقتضيه حكمته، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢٩] أي: صاحب الفضل العظيم، وما أعظم فضل الله عز وجل على عباده؛ فقد قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣].
نسأل الله تعالى أن يؤتينا وإياكم من فضله، وأن يهب لنا منه رحمته، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.