تفسيرسورة عبس
عدد الزيارات 1773

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-16)
تفسير الآيات (17-42)

تفسير الآيات (1-16)
00:00:02

ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
{عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}
[عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى عَبَسَأي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى وَتَوَلَّىأعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىعبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: وَمَا يُدْرِيكَأي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
لَعَلَّهُأي: لعل ابن أم مكتوم، يَزَّكَّىأي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَىيعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس: ٥-٧]، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىيعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىأي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىيعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىيعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ٨-١٠] هذا مقابل قوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس: ٥، ٦].
وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَىأي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وَهُوَ يَخْشَىأي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّىأي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
كَلَّايعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، إِنَّهَاأي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، تَذْكِرَةٌتُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [عبس: ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُأي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف بِأَيْدِي سَفَرَةٍالسفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما ، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍكرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة عَبَسَ، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: عَبَسَ وَتَوَلَّى.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك .
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.

***

(...) قوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ.
تفسير الآيات (17-42)
00:14:58

ثم قال جل وعلا: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس: ١٧]، قُتِلَتأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسَانُقال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: مَا أَكْفَرَهُ، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ» ، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: مَا أَكْفَرَهُقال بعض العلماء: إن مَاهنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون مَااستفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨].
ولهذا قال: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُأي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، -يعني أربعين يومًا نطفة- ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» .
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: فَقَدَّرَهُ.
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُالسبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، الموت مفارقة الروح للبدن، وأَقْبَرَهُأي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: فَأَقْبَرَهُقال: أكرمه بدفنه.
ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُإذا شاء الله عز وجل، أَنْشَرَهُأي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُيعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ، لَمَّابمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا [عبس: ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة: ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًابعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، من أين جاءه؟
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّايعني: من السحاب.
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّابعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
فَأَنْبَتْنَا فِيهَاأي: في الأرض، حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: ٢٧-٣١].
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّاكالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
وَعِنَبًامعروف، وَقَضْبًاقيل: إنه القَتّ المعروف، زَيْتُونًامعروف، وَنَخْلًاكذلك، وَحَدَائِقَ غُلْبًاالحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، وَفَاكِهَةًيعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، وَأَبًّاالأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس: ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ [عبس: ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس: ٣٤-٣٦]، من أَخِيهِ: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِالأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، وَصَاحِبَتِهِ: زوجته، وَبَنِيهِوهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» .
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس: ٣٨، ٣٩]، مُسْفِرَةٌمن الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
ضَاحِكَةٌيعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، مُسْتَبْشِرَةٌأي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ [النحل: ٣٢].
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍيعني: يوم القيامة، عَلَيْهَا غَبَرَةٌأي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس: ٤١] أي: ظُلْمَة.
أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس: ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.