تفسيرسورة التكوير
عدد الزيارات 1584

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-14)
تفسير الآيات (15-25)
تفسير الآيات (27-29)

 

تفسير الآيات (1-14)
00:00:04

.. على آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.. فإننا وقفنا في تفسير جزء عم على سورة التكوير، وها نحن نبدأ بها إن شاء الله في هذا اللقاء يوم الخميس الأول من شهر ذي القعدة عام ثلاثة عشر وأربع مئة وألف، فنقول:
قال الله عز وجل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ١-٥].
قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْهذا يكون يوم القيامة، والتكوير: جَمْعُ الشيء بعضه إلى بعض ولفُّه كما تُكَوَّرُ العمامة على الرأس، والشمس كتلة عظيمة كبيرة واسعة في يوم القيامة يُكَوِّرُها الله عز وجل فيلفّها جميعًا ويطوي بعضها على بعض فيذهب نورها، ويلقيها في النار -عز وجل- إغاظةً للذين يعبدونها من دون الله.
قال الله تبارك وتعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] أي: تُحْصَبُون في جهنم، أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨]، ويُسْتَثْنَي من ذلك مَن عُبِدَ من دون الله من أولياء الله فإنه لا يُلْقَى في النار، كما قال الله تعالى بعد هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢].
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، انكدرتيعني: تساقطت كما يفسره الآية الثانية: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢]، فالنجوم يوم القيامة تتناثر وتزول عن أماكنها.
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، فإن هذه الجبال العظيمة الصلبة العالية الرفيعة تكون هباءً يوم القيامة وتُسَيَّرُ كما قال الله تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ: ٢٠].
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، الْعِشَارُجمع عُشَرَاء، وهي الناقة الحامل التي تَمَّ لحملها عشرة أشهر، وهي من أَنْفَس الأموال عند العرب، وتجد صاحبها يَرْقُبُها ويلاحظها، ويعتني بها ويأوي إليها، ويحف بها في الدنيا، لكن في الآخرة تُعَطَّل ولا يُلْتَفَت إليها؛ لأن الإنسان في شأن عظيم مُزْعِج يُنْسِيه كل شيء، كما قال الله تبارك وتعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤-٣٧].
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، الْوُحُوشُجمع وحش، والمراد بها جميع الدواب؛ لقول الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، تُحْشَر الدوابّ يوم القيامة ويشاهدها الناس ويُقْتَصّ لبعضها من بعض، حتى إنه يُقْتَصّ للبهيمة الْجَلْحَاء التي ليس لها قرن من البهيمة القرناء، فإذا اقتُصّ من بعض هذه الوحوش لبعض أَمَرَها الله تعالى فكانت ترابًا، وإنما يفعل ذلك سبحانه وتعالى لإظهار عدله بين خلقه.
وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: ٦]، الْبِحَارُجمع بحر، وجُمِعَت لعظمتها وكثرتها، فإنها تمثل ثلاثة أرباع الأرض تقريبًا أو أكثر، هذه البحار العظيمة إذا كان يوم القيامة فإنها تُسَجَّر، أي: تُوقَد نارًا، تشتعل نارًا عظيمة، وحينئذ تيبس الأرض ولا يبقى فيها ماء؛ لأن بحارها المياه العظيمة تُسَجَّر حتى تكون نارًا.
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: ٧]، النُّفُوسُجمع نفس، والمراد بها الإنسان كله، فتُزَوَّج النفوس، يعني: يُضَمّ كل صنف إلى صنفه؛ لأن الزوج يراد به الصنف، كما قال الله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً [الواقعة: ٧] أي: أصنافًا ثلاثة، وقال تعالى: وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨]، أي: أصناف، وقال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أصنافهم وأشكالهم.
فيوم القيامة يُضَمّ كل شكل إلى مثله، أهل الخير إلى أهل الخير، وأهل الشر إلى أهل الشر، وهذه الأمة يُضَمّ بعضها إلى بعض، وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الجاثية: ٢٨] لوحدها، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٨].
إذن وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْيعني: شُكِّلَت وضُمّ بعضها إلى بعض، كل صنف إلى صنفه، كل أمة إلى أمتها.
وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨، ٩]، الْمَوْءُودَةُهي الأنثى تُدْفَنّ حية، وذلك أنه في الجاهلية لجهلهم وسوء ظنهم بالله، وعدم تحمُّلِهم يعيِّرُ بعضهم بعضًا إذا أتته الأنثى، فإذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل: ٥٨]: ممتلئ هَمًّا وغمًّا، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ [النحل: ٥٩] يعني: يختفي منهم، مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل: ٥٩].
يعني: إذا قيل لأحدهم: نُبَشِّرُك أن الله جاء لك بأنثى، ببنت، اغتم واهتم، وامتلأ من الغم والهم، وصار يفكر هل يُبْقِي هذه الأنثى على هُونٍ وذُلّ، أو يَدُسّها في التراب ويستريح منها؟
فكان بعضهم هكذا وبعضهم هكذا؛ فمنهم –والعياذ بالله- مَن يدفن البنت وهي حية، إما قبل أن تميِّز أو بعد أن تميز، حتى إن بعضهم كان يحفِر الحفرة لبنته، فإذا أصاب لحيته شيء من التراب نفضته عن لحيته وهو يحفر لها ليدفنها، ولا يكون في قلبه لها رحمة، وهذا يدلك على أن الجاهلية أَمْرُها سَفَال، فإن الوحوش تحنو على أولادها وهي وحوش، وهؤلاء لا يَحْنُون على أولادهم.
يقول عز وجل: إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْتُسْأَل يوم القيامة.
بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، ليش قتلت؟ هل أذنبت؟ فإذا قال الإنسان: كيف تُسأل وهي المظلومة، هي المدفونة، ثم هي قد تُدْفَن وهي لا تُمَيِّز، ولم يَجْرِ عليها قلم التكليف، فكيف تُسْأَل؟ قيل: إنها تُسأل توبيخًا للذي وَأَدَهَا؛ لأنها تُسأل أمامه، فيقال: بأي ذنب قُتِلْتِ أو قُتِلَتْ؟
نظير ذلك لو أن شخصًا اعتدى على آخر في الدنيا فأتوا إلى السلطان، إلى الأمير، فقال للمظلوم: بأي شيء ضربك هذا؟ بأي ذنب ضربك هذا الرجل؟ وهو يعرف أنه معتدًى عليه ليس له ذنب، لكن من أجل التوبيخ للظالم، فالموؤودة تُسأل بأي ذنب قُتِلَتْ توبيخًا لظالمها وقاتلها ودافنها، نسأل الله العافية.
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير: ١٠] الصحف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيها الأعمال.
واعلم أيها الإنسان أن كل عمل تعمله من قول أو فعل فإنه يُكْتَب، يسجل بصحائف على يد أُمَنَاء كرام كاتبين يعلمون ما تفعلون، يُسَجَّل كل شيء تعمله، فإذا كان يوم القيامة فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: ١٣]، يعني: عمله في عنقه، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: ١٣]: مفتوحًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤].
كلامنا الآن ونحن نتكلم يُكْتَب، كلام بعضكم مع بعض يُكْتَب، كل كلام يُكْتَب، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ، وقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ؛ لأن كل شيء سيُكْتَب عليه، ومَن كثُر كَلِمُه كثُر سقطه، يعني: الذي يُكْثِر الكلام يَكْثُر منه السقط والزلات، فاحفظ لسانك؛ فإن الصحف سوف يُكْتَب فيها كل ما تقول، وسوف تُنْشَر لك يوم القيامة.
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير: ١٠، ١١] السماء فوقنا الآن، سقف محفوظ قوي شديد، قال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة، وقال تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، أي: قوية، في يوم القيامة تُكْشَط، يعني: تُزَال عن مكانها كما يُكْشَط الجلد عند سلخ البعير عن اللحم، يكشطها الله عز وجل ثم يطويها -جل وعلا- بيمينه، كما قال تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]، كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤]، يعني: كما يَطْوِي السجلُّ الكتبَ، يعني الكاتب إذا فرغ من كتابته طوى الورقة حفظًا لها عن التمزق وعن المحي.
فالسماء تُكْشَط يوم القيامة ويبقى الأمر فضاء، إلا أن الله تعالى يقول: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: ١٧]، يكون بدل السماء التي فوقنا الآن يكون الذي فوقنا هو العرش؛ لأن السماء تُطْوَى بيمين الله عز وجل، يطويها بيمينه ويهزها وكذلك الأرض باليد الأخرى ويقول: «أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنُ مُلُوكُ الدُّنْيَا؟» .
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير: ١٢]، الْجَحِيمُهي النار، وسُمِّيَت بذلك لبُعْد قعرها وظلمة مرآها -نسأل الله أن ينجينا وإياكم منها-، تُسَعَّر أي: توقد، وما وقودها الذي توقد به؟ وقودها الذي توقد به قال الله عنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦]، بدل ما يُجَاء بالحطب والورق يكون الوقود الناس، يعني الكفار، والحجارة حجارة من نارٍ عظيمة، شديدة الاشتعال، شديدة الحرارة، هذا تسعير جهنم.
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير: ١٣]، الجنة دار المتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أُزْلِفَتْيعني: قُرِّبت وزُيِّنَت للمؤمنين.
وانظر الفرق بين هذا وهذا؛ دار الكفار، ما يُفْعَل بها بها؟ أجيبوا، تُسَعَّر، توقد، دار المؤمنين تُزَيَّن وتقرّب، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، كل هذا يكون يوم القيامة.
إذا قرأنا هذه الآيات: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، هذه اثنتا عشرة جملة، إلى الآن لم يأتِ الجواب؛ لأن كلها في ضمن الشرط إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، فالجواب لم يأتِ بعد، ماذا يكون إذا كانت هذه الأشياء؟
قال الله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤]، أي: ما قَدَّمَتْه من خير وشر، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران: ٣٠]، يعني: يكون مُحْضَرًا أيضًا، تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٣٠]، فتعلم في ذلك اليوم كلُّ نفس ما أحضرت من خير أو شر.
في الدنيا نعلم ما نعمل من خير وشر، لكن سرعان ما ننسى، مَن يتذكر الآن ما عمله مما سبق منذ جرى عليه قلم التكليف؟ إنا نسينا الشيء الكثير، لا من الطاعات ولا من المعاصي، لكن هل تظنون أن هذا ذهب سُدًى كما نسيناه؟ لا والله، هو باقٍ، فإذا كان يوم القيامة أحضرته أنت بإقرارك على نفسك بأنك عملته.
ولهذا قال تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤]، فينبغي بل يجب على الإنسان أن يتأمل في هذه الآيات العظيمة، وأن يَتَّعِظ بما فيها من المواعظ، وأن يؤمن بها كأنه يراها رَأْيَ عين؛ لأن ما أَخْبَرَ الله به وعلمنا مدلوله فإنه أشد يقينًا عندنا مما شاهدناه بأعيننا أو سمعناه بأذاننا؛ لأن خبر الله لا يُفْلِت، صدق.
لكن ما نراه أو نسمعه كثيرًا ما يقع فيه الوهم، قد ترى الشيء البعيد شبحًا تُعَيِّنُه بتصورك وهو خلاف الواقع، وقد تسمع الصوت فتظنه شيئًا معينًا في ذهنك وهو خلاف الواقع، فالوهم يَرِدُ على الحواس لكن خبر الله عز وجل إذا عُلِمَ مدلوله لا يمكن أبدًا أن يَرِدَ عليه شيء من الوهم؛ لأنه خبرُ صدق.
فهذه الأمور التي ذكر الله في هذه الآيات أمور حقيقية، يجب أن تؤمن بها كأنك تراها رأي عين، ثم بعد الإيمان بها يجب أن تعمل بمقتضى ما تدل عليه من الاتعاظ والانزجار، والقيام بالواجب، وتَرْك المنهيات، حتى تكون من أهل القرآن الذين يتلونه حق تلاوته، جعلني الله وإياكم منهم بِمَنِّه وكرمه، إنه على كل شيء قدير.

***

تفسير الآيات (15-25)
00:18:42

(...) ونكمل فيه ما تكلمنا فيه فيما سبق من سورة التكوير، حيث قال الله عز وجل: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ١٥، ١٦]، قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُقد يظن بعض الناس أن (لا) نافية، وليس كذلك، بل هي مُثْبِتَة للقسم، ويؤتى بها في مثل هذا التركيب للتأكيد.
فالمعنى: أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، والْخُنَّس جمع خانسة، وهي النجوم التي تَخْنس أي ترجع، فبينما تراها في أعلى الأفق إذا بها راجعة إلى آخر الأفق، وذلك -والله أعلم- لارتفاعها وبُعْدِها، فيكون ما تحتها من النجوم أسرع منها في الجري بحسب رؤية العين.
وقوله: الْجَوَارِأصلها (الجواري) بالياء، لكن حُذِفَت الياء للتخفيف، والْكُنَّسِهي التي تكنس، أي: تدخل في مَغِيبِها، فأقسم الله بهذه النجوم، ثم أقسم بالليل والنهار، فقال: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير: ١٧، ١٨].
معنى قوله: عَسْعَسَيعني: أقبل، وقيل: معناه أَدْبَرَ، وذلك أن الكلمة عَسْعَسَفي اللغة العربية تصلُح لهذا وهذا، لكن الذي يظهر أن معناها: أقبل؛ ليوافق أو ليطابق ما بَعْدَه من القسم، وهو قوله: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ.
فيكون الله أقسم بالليل حال إقباله، وبالنهار حال إقباله، وإنما أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات لعِظَمِهَا وكونها من آياته الكبرى، فمن يستطيع أن يأتي بالنهار إذا كان الليل، ومَن يستطيع أن يأتي بالليل إذا كان النهار.
قال الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: ٧١-٧٣].
فهذه المخلوقات العظيمة يُقْسِمُ الله بها لعِظَم الْمُقْسَم عليه، وهو قوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [التكوير: ١٩]، إِنَّهُأي: القرآن، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍهو جبريل عليه الصلاة والسلام، فإنه رسول الله إلى الرسل بالوحي الذي ينزله عليهم، ووصفه الله بالكرم لحسن منظره، كما قال تعالى في آية أخرى: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم: ٦]، ذُو مِرَّةٍقال العلماء: الْمِرَّة: الْخُلُق الحسن والهيئة الجميلة، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام موصوفًا بهذا الوصف كَرِيمٍ.
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠]، ذِي قُوَّةٍوصفه الله تعالى بالقوة العظيمة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلّم رآه على صورته التي خلقه الله عليها له ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق كله من عظمته عليه الصلاة والسلام.
وقوله: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِأي: عند صاحب العرش وهو الله جل وعلا، والعرش فوق كل شيء، وفوق العرش رب العالمين عز وجل، قال الله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [غافر: ١٥]، فذو العرش هو الله.
وقوله: مَكِينٍأي: ذو مكانة، أي أن جبريل عند الله ذو مكانة وشرف، ولهذا خصه الله بأكبر النعم التي أنزلها الله على عباده، وهو الوحي، فإن النعم يا إخواني لو نظرنا إليها لوجدنا أنها قسمان: نِعَم يستوي فيها البهائم والإنسان، وهي متعة البدن: الأكل، والشرب، والنكاح، والسكن، هذه النِّعَم يستوي بها الإنسان والحيوان، أليس كذلك؟ الإنسان يتمتع بما يأكل، وبما يشرب، وبما ينكح، وبما يسكن، والبهائم كذلك.
نِعَمٌ أخرى يختص بها الإنسان وهي الشرائع، الشرائع التي أنزلها الله على الرسل لتستقيم حياة الخلق؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم حياة الخلق أو تطيب حياة الخلق إلا بالشرائع، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧].
المؤمن العامل بالصالحات هو الذي له الحياة الطيبة في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، واللهِ لو فتَّشت الملوك وأبناء الملوك، والوزراء وأبناء الوزراء، والأمراء وأبناء الأمراء، والأغنياء وأبناء الأغنياء، لو فتَّشتهم وفتشت مَن آمن وعمل صالحًا لوجدت الثاني أطيب عيشة، وأنعم بالًا، وأشرح صدرًا؛ لأن الله عز وجل الذي بيده مقاليد السماوات والأرض تكفل، قال: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً.
تجد المؤمن العامل للصالحات مسرور القلب، منشرح الصدر، راضيًا بقضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر الله على ذلك، وإن أصابه ضده صبر على ذلك، واعتذر إلى الله مما صنع، وعَلِمَ أنه إنما أصابه بذنوبه، فرجع إلى الله عز وجل.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام.
إذن أكبر نعمة أنزلها الله على الخلق هي نعمة الدين الذي به قوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، وأنا أسألكم الآن: ما هي الحياة؟ هل هي حياة الدنيا أو حياة الآخرة؟ حياة الآخرة، الدليل قوله تعالى في سورة الفجر: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي.. أتموا الآية، قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤].
فالدنيا ما هي شيء، الحياة حقيقةً حياة الآخرة، والذي يعمل للآخرة يحيا حياة طيبة في الدنيا، كما تَلَوْتُ عليكم الآية، فصار المؤمن العامل للصالحات هو الذي كسب الحياتين: حياة الدنيا، وحياة الآخرة، والكافر هو الذي خسر الدنيا والآخرة، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥].
يقول عز وجل: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠، ٢١]، مُطَاعٍ ثَمَّأي: هناك، أَمِينٍعلى ما كُلِّف به، مَن يطيعه؟ جبريل هو المطاع، فمن الذي يطيعه؟
قال العلماء: تطيعه الملائكة؛ لأنه ينزل بالأمر من الله فيأمر الملائكة فتطيع، فله إِمْرَة، وله طاعة على الملائكة، ثم الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين ينزل جبريل عليهم بالوحي لهم إمرة وطاعة على الْمُكَلَّفِين، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة: ٩٢].
مطاع ثمَّ أمين، ولَمَّا أقسم الله عز وجل على أن هذا القرآن قول هذا الرسول الكريم الْمَلَكِيّ، في آية أخرى بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى وأقسم أن هذا القرآن قول رسول كريم في قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة: ٣٨-٤١]، فهل الرسول هناك هو الرسول هنا؟
الجواب: لا، الرسول هنا في سورة التكوير رسول مَلَكِيّ، أي: من الملائكة، وهو جبريل، والرسول هناك رسول بشري، وهو محمد عليه الصلاة والسلام.
والدليل على هذا واضح، هنا قال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍوهذا الوصف لمن؟ لجبريل؛ هو اللي عند الله، أما محمد عليه الصلاة والسلام فهو في الأرض، هناك قال: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍرَدًّا لقول الكفار الذين قالوا: إن محمدًا شاعر، ولا بقول كاهن.
أيهما أعظم قسمًا: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ، أو: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: ٣٨-٤٠]، أيها أعظم؟
الثاني أعظم، ما فيه شيء أعمّ منه، بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، كل الأشياء إما نبصرها أو لا نبصرها، إذن أقسم الله بكل شيء، وهنا أقسم بالآيات العلوية، فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِوالليل والنهار، هذه آيات علوية أفقية، شوف سبحان الله! تناسب الرسول الذي أُقْسِم على أنه قوله وهو جبريل؛ لأن جبريل عند الله.
إذا قال قائل: كيف الله يصف القرآن بأنه قول الرسول البشري والرسول الملكي؟ فنقول: نعم، الرسول الملكي بلَّغَه إلى الرسول البشري، والرسول البشري بَلَّغَه إلى الأمة، فصار قول هذا بالنيابة، قول جبريل بالنيابة، وقول محمد بالنيابة، من القائل الأصلي الأول؟ الأول هو الله عز وجل، هو الله، فالقرآن قول الله حقيقة، وقول جبريل باعتبار أنه بَلَّغَه إلى محمد، وقول محمد باعتبار أنه بَلَّغَه إلى الأمة، واضح يا إخوان؟
قال الله تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍمَن المراد بصاحبكم؟ محمد رسول الله عز وجل، وتأمل أنه قال: مَا صَاحِبُكُمْ، ولم يقل: وما محمد، كأنه قال: ما صاحبكم الذي تعرفونه وأنتم وإياه دائمًا، صاحب، بقي فيهم أربعين سنة في مكة قبل النبوة يعرفونه، ويعرفون صدقه وأمانته، حتى كانوا يطلقون عليه اسم الأمين.
مَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍيعني: ليس مجنونًا، بل هو أعقل العقلاء عليه الصلاة والسلام، أكمل الناس عقلًا بلا شك وأسدُّهم رأيًا.
وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَآَهُأي: رأى جبريل، بِالْأُفُقِ الْمُبِينِأي: البَيِّن الظاهر العالي، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام رأى جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها مرتين؛ مرة في غار حراء، ومرة في السماء السابعة لما عُرِجَ به عليه الصلاة والسلام.
وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] أيّ الرؤيتين هذه؟ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِهل هي الرؤية التي في غار حراء، أو الرؤية التي فوق السماء؟ في غار حراء؛ لأنه يقول: رَآَهُ بِالْأُفُقِ، إذن محمد في الأرض.
وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير: ٢٤] يعني: ما محمد صلى الله عليه وسلّم، عَلَى الْغَيْبِيعني: على الوحي الذي جاءه من عند الله بِمُتَّهَم، {ظَنِينٍ} -بالظاء الْمُشَالَة- أي: بمتهم، وفيها قراءة، بِضَنِينٍ-بالضاد- أي: ببخيل.
فهو عليه الصلاة والسلام ليس بِمُتَّهَم في الوحي ولا بَاخِل به، بل هو أشد الناس بَذْلًا لما أُوحِي إليه، يعلِّم الناس في كل مناسبة، وهو أبعد الناس عن التهمة؛ لكمال صدقه عليه الصلاة والسلام.
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [التكوير: ٢٥] أي: ليس بقول أحد من الشياطين، وهم الكهنة الذين تُوحِي إليهم الشياطين الوحيَ ويَكْذِبُون معه ويُخْبِرُون الناس فيظنونهم صادقين.
ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٧].
وندع الكلام على بقية السورة إلى جلسة أخرى.

***

كما نحن نمشي عليه فيما سبق فإننا نمشي عليه الآن وباستمرار إن شاء الله تعالى، ما لم يوجد منهج آخر أكمل منه فإن الإنسان ينشد الكمال بقدر ما يستطيع.
في الأسبوع الماضي تكلمنا على سورة التكوير إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْحتى وصلنا إلى قول الله تبارك وتعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير: ٢٤-٢٦].

تفسير الآيات (27-29)
00:35:02

فقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، إِنْهنا بمعنى (ما)، وهذه قاعدة؛ أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما)، أي أنها تكون نافية؛ لأن (إن) تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مُخَفَّفَة من الثقيلة، والذي يُبَيِّن هذه المعاني هو السياق، فإذا جاءت (إن) وبعدها (إلا) فهي نافية، أي: ما هو -أي القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ونزل به جبريل على قلبه- إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ.
ذِكْرٌيشمل التذكير والتذكُّر، فهو تذكير للعالمين، وتَذَكُّر لهم، أي أنهم يتذَكَّرُون به ويَتَّعِظُون به، والمراد بالعالمين مَن بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١].
فالمراد بالعالمين هنا مَن أُرْسِل إليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: ٢٨]، لِمَنْ شَاءَهذه الجملة بدل مما قبلها، لكنها بإعادة العامل وهي (إلا)، أي: إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم، وأما مَن لا يشاء الاستقامة فإنه لا يتذكَّر بهذا القرآن ولا ينتفع به، كما قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، فالإنسان الذي لا يريد الاستقامة لا يمكن أن ينتفع بهذا القرآن.
ولكن إذا قال قائل: هل مشيئة الإنسان باختياره؟ نقول: نعم، مشيئة الإنسان باختياره، فالله عز وجل جعل للإنسان اختيارًا وإرادة، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل؛ لأنه لو لم يكن ذلك لم تَقُم الحجة على الخلق الذين أُرْسِلَت إليه الرسل بإرسال الرسل، أفهمتم الموضوع؟
هل ما نفعله نحن باختيارنا وإرادتنا؟ الجواب: نعم، هو باختيارنا وإرادتنا، ولولا ذلك ما كان لإرسال الرسل حجة علينا؛ إذ إننا نستطيع أن نقول: نحن لا نقدر على الاختيار، فالإنسان لا شك فاعل باختياره.
وكل إنسان يعرف أنه إذا أراد أن يذهب إلى مكة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى المدينة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى بيت المقدس فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى الرياض فهو باختياره، أو إلى أي شيء أراد فهو باختياره، لا يرى أن أحدًا أجبره عليه، ولا يشعر أن أحدًا أجبره على ذلك.
كذلك أيضًا مَن أراد أن يقوم بطاعة الله فهو باختياره، ومن أراد أن يعصي الله فهو باختياره، فالمشيئة للإنسان هو حر فيها، ولكن نعلم عِلْمَ اليقين أنه ما شاء شيئًا إلا وقد شاءه الله من قبل، ولهذا قال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: ٢٩].
ما نشاء شيئًا إلا بعد أن يكون الله قد شاءه، فإذا شئنا الشيء عَلِمْنَا أن الله قد شاءه، ولولا أن الله شاءه ما شئناه، كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة: ٢٥٣]، فنحن إذا عملنا الشيء نعمله بمشيئتنا واختيارنا، ولكن نعلم أن هذه المشيئة والاختيار كانت بعد مشيئة الله عز وجل، ولو شاء الله ما فعلنا.
فإن قال قائل: إذن لنا حجة في المعصية؛ لأننا ما شئناها إلا بعد أن شاءها الله؟
فالجواب: أنه لا حجة لنا؛ لأننا لم نعلم أن الله شاءها إلا بعد أن فعلناها، وفِعْلُنَا إياها باختيارنا، ولهذا لا يمكن أن نقول: إن الله شاء كذا أو شاء كذا إلا بعد أن يقع، فإذا وقع فبأي شيء وقع؟ وقع بإرادتنا ومشيئتنا، لهذا لا يتَّجِه أن يكون للعاصي حجة على الله عز وجل.
وقد أبطل الله هذه الحجة في قوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨]، فلولا أنه لا حجة لهم ما أذاقهم الله، ما ذاقوا بأس الله، لسَلِموا من بأس الله، ولكنه لا حجة لهم فلهذا ذاقوا بأس الله.
وكلنا نعلم أن الإنسان لو ذُكِر له أن بلدًا آمنًا مطمئنًّا، يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان، فيه من المتاجر والمكاسب ما لا يوجد في البلاد الأخرى، وأن بلدًا آخر بلد خائف غير مستقر، مضطرب في الاقتصاد، مضطرب في الخوف والأمن، فإلى أيهما يذهب؟ بالتأكيد سيذهب إلى الأول ولا شك، ولا يرى أن أحدًا أجبره أن يذهب إلى الأول، يرى أنه ذهب إلى الأول بمحض إرادته.
هكذا الآن طريق الخير وطريق الشر، قال الله لنا: هذه طريق جهنم وهذه طريق الجنة، وبيَّن لنا ما في الجنة من النعيم، وما في النار من العذاب، فأيهما نسلك؟ بالقياس الواضح الجلي أننا سنسلك طريق أيش؟ طريق الجنة لا شك، كما أننا في المثال الذي قبل نسلك طريق البلد الآمن الذي يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان.
لو أننا سلكنا طريق النار فإنه سيكون علينا العتب والتوبيخ واللوم، ويُنادَى علينا بالسفه، كما لو سلكنا في المثال الأول طريق البلد الْمَخُوف المتزعزع الذي ليس فيه استقرار فإن كل أحد يلومنا ويوبخنا.
إذن ففي قوله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَتقرير لكون الإنسان يفعل الشيء بأيش؟ بمشيئته واختياره، ولكن بعد أن يفعل الشيء ويشاء الشيء نعلم أن الله قد شاءه من قبل، ولو شاء الله ما فعله.
وكثيرًا ما يَعْزِم الإنسان على شيء يتّجه بعد العزيمة على هذا الشيء، وفي لحظة ما يجد نفسه منصرفًا عنه، أو يجد نفسه مصروفًا عنه؛ لأن الله لم يَشَأْه، كثيرًا ما نريد أن نذهب –مثلًا- إلى مسجد ما لنستمع إلى محاضرة، وإذا بنا ننصرف بسبب أو بغير سبب، أحيانًا بسبب بحيث نتذكر أن لنا شغلًا، أو يقال لنا: إن المحاضرة أُلْغِيَت فنرجع، أحيانًا نرجع بدون سبب، لا ندري إلا وقد صرف الله تعالى همتنا عن ذلك فرجعنا.
ولهذا قيل لأعرابي: بِمَ عَرَفْتَ ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم؛ بنقض العزائم، يعني: الإنسان يعزم على الشيء عزمًا مؤكَّدًا وإذا به ينتقض!! مَن نقض عزيمته؟ لا يشعر، ما يشعر أن هناك مُرَجِّحًا أوجب أن يعدل عن العزيمة الأولى، بل بمحض إرادة الله، صرف الهمم؛ يهم الإنسان بالشيء ويتجه إليه تمامًا، وإذا به يجد نفسه منصرفًا عنه، سواء كان الصارف مانعًا حِسٍّيًّا، أو كان الصارف مجرد اختيار، اختار الإنسان أن ينصرف، كل هذا من الله عز وجل.
فالحاصل أن الله يقول: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وما معنى الاستقامة؟ الاستقامة هي الاعتدال، ولا عدل أَقْوَم من عدل الله عز وجل في شريعته، في الشرائع السابقة كانت الشرائع تناسب حال الأمم زمانًا ومكانًا وحالًا.
بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت شريعته تناسب الأمة التي بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم إليها من أول بعثته إلى نهاية الدنيا، ولهذا كان من العبارات المعروفة: إن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان وحال، لو تمسك الناس به لأصلح الله الخلق.
انظر -مثلًا- الإنسان يصلي أولًا قائمًا، فإن عجز فقاعدًا، فإن عجز فعلى جنب، إذن الشريعة تتطور بحسب حال الشخص؛ لأن الدين صالح لكل زمان ومكان، يجب على الْمُحْدِث أن يتطهر بالماء، فإن تعذَّر استعمال الماء لعجز أو عدم عدل إلى التيمم، فإن لم يوجد ولا تراب، أو كان عاجزًا عن استعمال التراب فإنه يصلي بلا شيء، لا بطهارة ماء ولا بطهارة تيمم.
كل هذا لأن الله عز وجل شريعته كلها مبنية على العدل، ليس فيها جور، ليس فيها ظلم، ليس فيها حرج، ليس فيها مشقة، ولهذا قال: أَنْ يَسْتَقِيمَ، ضد الاستقامة انحرافان: انحراف إلى جانب الإفراط والغلو، وانحراف إلى جانب التفريط والتقصير.
ولهذا كان الناس في دين الله عز وجل ثلاثة أشكال: طرفان ووسط، طرف غالٍ مبالِغ متنطِّع متعنِّت، وطرف آخر مفرِّط مقصِّر مُهْمِل، الثالث: وسط بين الإفراط والتفريط مستقيم على دين الله، هذا هو الذي يُحمَد، أما الأول والثاني؛ الأول: الغالي، والثاني: الجافي، فكلاهما هالك، هالك بحسب ما عنده من الغُلُوّ، أو من التقصير.
وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الغلو والإفراط والتعنت والتنطع، حتى إنه قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ؛ لأن التنطع فيه إشقاق على النفس، وفيه خروج عن دين الله عز وجل، كما أنه ذمّ الْمُفَرِّطِين الْمُهْمِلِين، وقال في وصف المنافقين: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء: ١٤٢].
فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، ولهذا قال هنا: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَلا يميل يمينًا ولا شمالًا، يكون سَيْرُه سَيْرَ استقامة على دين الله عز وجل، والاستقامة كما تكون في معاملة الخالق عز وجل -وهي العبادة- تكون أيضًا في معاملة المخلوق.
فكن مع الناس بين طرفين؛ بين طرفي الشدة والغلظة والعبوس، وطرف التراخي والتهاون وبَذْل النفس وانحطاط الرتبة، كن حازمًا من وجه، ولَيِّنًا من وجه، ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله- في القاضي: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف، قويًّا من غير عنف، فلا يكون لِينُه يشطح به إلى الضعف، ولا قوته إلى العنف، يكون بين ذلك. لَيِّنًا من غير ضعف، قويًّا من غير عنف، حتى تستقيم الأمور.
فبعض الناس –مثلًا- يعامل الناس دائمًا بالعبوس والشدة، وإشعار نفسه بأنه فوق الناس، وأن الناس تحته، هذا خطأ، ومن الناس مَن يحط قدر نفسه، ويتواضع إلى حد التهاون وعدم المبالاة، بحيث يبقى بين الناس ولا حرمة له، وهذا أيضًا خطأ.
فالواجب أن يكون الإنسان بين هذا وبين هذا، كما هو هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام يشتدُّ في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، فيجمع الإنسان هنا بين الحزم والعزم، واللين والعطف والرحمة.
لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٩] يعني: لا يمكن أن تشاؤوا شيئًا إلا وقد شاءه الله من قبل، فأنا مشيئتي الآن أن أُحَدِّثَكم وأتحدث إليكم مشيئة مني أنا، لكنها ما كانت إلا بعد مشيئة الله عز جل، لو شاء الله لم أشأ، ولو شاء الله ألَّا يكون الشيء ما كان ولو شئته، حتى لو شئت والله تعالى لم يشأ فإنه لن يكون، بل يُقَيِّض الله تعالى أسبابًا تَحُول بيني وبين هذا حتى لا يَقَع.
وهذه مسألة يجب على الإنسان أن ينتبه لها، أن يعلم أن فعله بمشيئته مشيئة تامة بلا إكراه، لكن هذه المشيئة مقترنة بأيش؟ بمشيئة الله، يعلم أنه ما شاء الشيء إلا بعد أن شاء الله، وأن الله لو شاء ألَّا يكون لم يشأه الإنسان، أو شاءه الإنسان ولكن يَحُول الله بينه وبينه بأسباب وموانع.
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَوهنا قال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَولم يقل: ربكم، إشارة إلى عموم ربوبية الله، وأن ربوبية الله تعالى عامة، ولكن يجب أن تعلموا أن الْعَالَمِينَهنا ليست كالعالمين في قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، قلت في ( الْعَالَمِين) الأولى: إن المراد بها أيش؟ مَن أُرْسِل إليهم الرسول، أما هنا رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فالمراد بـالْعَالَمِينَكل مَن سوى الله، فكل مَن سوى الله فهو عالَم؛ لأنه ما ثَمّ إلا رَبّ ومربوب، فإذا قيل: رب العالمين، تعيَّن أن يكون المراد بالعالمين كل مَن سوى الله، كما قال الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: وكل مَن سوى الله فهو عالَم، وأنا واحد من ذلك العالَم.
فالحاصل أن هذه السورة سورة عظيمة، فيها تذكرة وموعظة ينبغي للمؤمن أن يقرأها بتدبر وتمهُّل، وأن يتَّعِظ بما فيها، كما أن الواجب عليه في جميع سور القرآن وآياته أن يكون كذلك حتى يكون ممن اتَّعظ بكتاب الله وانتفع به.
نسأل الله تعالى أن يَعِظَنا وإياكم بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وآياته الكونية، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.