تفسير سورة البروج
عدد الزيارات 4953

عناصر المادة :
تفسير الآية (1)
تفسير الآية (2)
تفسير الآية (3)
تفسير الآيتين (4، 5)
تفسير الآية (6)
تفسير الآية (7)
تفسير الآية (8)
تفسير الآية (9)
تفسير الآية (10)
تفسير الآية (11)
تفسير الآية (12)
تفسير الآية (13)
تفسير الآية (14)
تفسير الآية (15)
تفسير الآية (16)
تفسير الآية (19)
تفسير الآية (20)
تفسير الآيتين (21، 22)

تفسير الآية (1)
00:00:03

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نفتتح لقاءنا هذا، وهو اللقاء الثاني من شهر ربيع الثاني، يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا جميعًا في أعمارنا وأعمالنا، وأن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاه.
هذه اللقاءات المباركة بين الناس، بين العلماء وطلبة العلم، وبين طلبة العلم وعوامِّ الناس، لا شكَّ أنها لقاءاتٌ خَيِّرةٌ نافعةٌ، تجعل الناسَ يستبصرون في دينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويشكو بعضهم إلى بعضٍ حوائجَه ونوائبَه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» . وهذا هو الواجب في حقِّ الأُمَّة الإسلامية أن تكون جسدًا واحدًا، إذا تألَّم منه عضو تألَّم سائر الجسد له حتى يبرأ ويهدأ، وكذلك يجب أن يكونوا كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أصابعه إشارةً إلى أنَّ البنيان كلَّما تراصَّ وتلاءم كان أقوى له.
لقاءاتُنا هذه -ولله الحمد- فيها بركة، يستفيد منها الحاضرون، ويستفيد منها المستمعون، ويستفيد منها السامعون بما منَّ الله به علينا في هذا الزمن من تسهيل الأشرطة المنتشرة بين الناس؛ يكون الإنسانُ قائدًا لسيارته وهو يستمع إلى الشيخ يحدِّثه بدون تعبٍ وبدون مَلَل، ويكون الإنسانُ مضطجعًا في فراشه وهو يستمع إلى العلم، كلُّ هذا بما منَّ الله به علينا من هذه الأشرطة، ولذلك نرى -ولله الحمد- آثارَ هذه الأشرطة في البيوت، في الصغار والكبار والنساء والرجال، وهذا لا شكَّ أنه من الخير والبركة.
ومن عادتنا أنَّنا نفتتح اللقاء بالكلام على آياتٍ من القرآن الكريم ابتدأناها بسورة النبأ حتى وصلنا إلى سورة البروج، واخترنا هذا الجزء لأنَّه يَكثر سماعه من الناس في الصلوات، والقرآنُ الكريمُ لم ينزل لمجرَّد التلاوة، بل نزل للتلاوة وللتدبُّر وللتذكُّر؛ كما قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل .
والذي ليس حظُّه من القرآن إلا التلاوة هو أُمِّيٌّ في الحقيقة؛ كما قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨] أي: إلا قراءةً، فوصَفهم الله بأنهم أُمِّيُّون مع أنهم يقرؤون، فلا بدَّ من أن يتعلَّم المسلمون معانِيَ القرآن؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الذي يُسَمَّى مقدمة في علم التفسير، قال: إنَّ الناس لو جُعِل لهم كتابٌ يدرسونه في الطب أو في أيِّ علمٍ كان، فلا بدَّ أن يفهموا معناه حتى يستفيدوا منه، فإذا كان هذا في الكتب العلمية التي هي من كلام البشر، فكيف بأمِّ العلم وأصل العلم الذي هو من كلام الله عز وجل؟! هو أَوْلى وأجدر أن نعتني به وأن نعرف معناه وتفسيره، ونتلقَّاه من أئمة التفسير الذين عُرِفوا بصحَّة العقيدة وسلامة المنهج.
وقفنا على سورة البروج، قال الله سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [البروج: ١، ٢].
البسملة آيةٌ مستقلَّةٌ في الكتاب العزيز ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، يؤتَى بها في أول كلِّ سورة إلا سورة (براءة)، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يكتبوها في هذه السورة فبقيتْ بدون بسملة، وما اشتهر عند العوامِّ من أنَّ الجنَّ اختطفوا بسملة سورة (براءة) فهذا لا شكَّ أنَّه باطلٌ؛ لأنَّ الله يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، ولا يمكن أن يُسَلَّط عليه الشياطين أو الجن حتى يختطفوا منه، بل إنَّ الله تعالى حماه حين نزوله وحماه بعد نزوله، وما ذُكِر عن بعض العلماء أنَّها لم يُذكَر فيها البسملة لأنَّها نزلتْ بالسيف ففيها الأمر بقتال المشركين، فهذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ البسملة بركة، والجهاد في سبيل الله من أعظم ما يُطلَب فيه البركة. على كلِّ حالٍ هي آيةٌ مستقلَّةٌ في أول كلِّ سورةٍ إلا سورة (براءة).
وليستْ من الفاتحة على القول الراجح الذي دلَّ عليه الحديث القدسي، وهو قوله تبارك وتعالى فيما رواه عنه نبيُّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي ...» إلى آخر الحديث، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة ليستْ من الفاتحة، وكذلك أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سورة (اقرأ)، أقرَأَه إيَّاها جبريلُ ولم يكن فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، فدلَّ هذا على أنها ليست من السورة.
قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] الواو هذه حرف قَسَم؛ يعني يُقسم الله تعالى بالسماء ذاتِ البروج؛ أي: صاحبة البروج.
والبروج هي جمع بُرج، وهو المجموعة العظيمة من النجوم، وسُمِّيتْ بُروجًا لعُلُوِّها وارتفاعها وظهورها وبيانها، والبروج عند الفلكيِّين اثنا عشر بُرجًا جُمِعتْ في قول الناظم:
حَمْلٌ فَثَوْرُ فَجَوْزَاءُ فَسَرْطَانُ فَأَسَـــــــــدٌ سُنْبُـــــــــلَةٌ مِـــيـــــــــزَانُ
فَعَقْرَبٌ قَـوسٌ فَجَدْيٌ وَكَـذَا دَلْوٌ وَذِي آخِــــرُهَا الْحِــــيتَانُ

فهي اثنا عشر برجًا؛ ثلاثةٌ منها للربيع، وثلاثةٌ للصيف، وثلاثةٌ للخريف، وثلاثةٌ للشتاء. فيُقسِم الله تعالى بالسماء ذاتِ البروج، وله تعالى أن يُقسم بما شاء من خَلْقه، أمَّا نحن فلا نُقسم إلا بالله؛ بأسمائه وصفاته، ولا نُقسم بشيءٍ من المخلوقات؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ، ولقوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» أو: «أَشْرَكَ» .
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِإذَنْ ذَاتِ الْبُرُوجِأي: صاحبة البروج، وهي المجموعة العظيمة من النجوم، وفي السماء اثنا عشر برجًا.
تفسير الآية (2)
00:09:48

{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}
[البروج: ٢] اليوم الموعود هو يوم القيامة، وَعَد اللَّهُ سبحانه وتعالى به وبيَّنه في كتابه، ونصب عليه الأدلَّة العقلية التي تدلُّ على أنَّه واقعٌ حتمًا؛ كما قال تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤].
تفسير الآية (3)
00:10:24

{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}
[البروج: ٣] ذكر العلماء -علماء التفسير- في الشاهد والمشهود عِدَّة أقوال، يجمعها أنَّ الله أَقْسم بكلِّ شاهدٍ وبكلِّ مشهودٍ، والشهود كثيرون، ومنهم محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيدٌ علينا، ومنهم نحن هذه الأمَّة شهداء على الناس، ومنهم أعضاء الإنسان يوم القيامة تشهد عليه بما عَمِل من خيرٍ وشرٍّ، ومنهم الملائكة يشهدون يوم القيامة، فكلُّ مَن شَهِد بحقٍّ فهو داخلٌ في قوله: وَشَاهِدٍ.
وأمَّا المشهود فهو يوم القيامة وما يُعْرَض فيه من الأهوال العظيمة؛ كما قال تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣]. فأقسمَ الله بكلِّ شاهدٍ وبكلِّ مشهودٍ.
الْيَوْمِ الْمَوْعُودِما هو؟
طلبة: يوم القيامة.
الشيخ: يوم القيامة.
تفسير الآيتين (4، 5)
00:11:41

{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}
[البروج: ٤]، قُتِلَيعني: أُهْلِكَ. وقيل: القَتْل هنا بمعنى اللَّعْن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
وأَصْحَابُ الْأُخْدُودِهم قومٌ كُفَّارٌ أحرقوا المؤمنين بالنار، وقد وردتْ قصص متعدِّدة في هؤلاء القوم منها شيءٌ في الشام ومنها شيءٌ في اليمن، والمقصود أنَّ هؤلاء الكفار حاولوا بالمؤمنين أن يرتدُّوا عن دينهم ولكنَّهم عجزوا، فحفروا أُخدودًا -حُفَرًا ممدودةً في الأرض كالنهر- وجمعوا الحطبَ الكثيرَ وأحرقوا المؤمنين بها -والعياذ بالله- ولهذا قال: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥]؛ يعني أنَّ الأخدود هي أخدود النار. ذَاتِ الْوَقُودِأي: الحطب الكثير المتأجِّج.
تفسير الآية (6)
00:13:08

{إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}
[البروج: ٦] يعني أنَّ هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين كانوا -والعياذ بالله- عندهم قسوة وجبروت، يَرَوْن النارَ تَلْتَهم هؤلاء البشر وهم قعودٌ عليها على الأسِرَّة فَكِهون كأنَّ شيئًا لم يكن، والعياذ بالله، وهذا من الجبروت أن يَرى الإنسانُ البشرَ تَلْتهمه النارُ وهو جالسٌ على سريره يتفكَّه بالحديث ولا يبالي.
تفسير الآية (7)
00:13:48

{وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}
[البروج: ٧] يعني: هم شهودٌ على ما يفعلون بالمؤمنين؛ أي: حضورٌ لا يغيب عنهم ما فعلوه بالمؤمنين، ولذلك استحقُّوا هذا الوعيد، بل استحقُّوا هذه العقوبة أنَّ الله أهلكهم ولَعَنهم وطَرَدهم وأبعدهم عن رحمته.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا ولكم بالخير وأن يُحسِن لنا ولعامَّة المسلمين العاقبة.

***

تفسير الآية (8)
00:14:24

كُنَّا تكلَّمنا في الأسبوع الماضي على أول آيات البروج إلى أن وقفنا على قول الله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٨] أي: ما أنكر هؤلاء الذين سَعَّروا النارَ بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا؛ أي: إلا أنهم آمنوا بالله عز وجل؛ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وهذا الإنكار أحقُّ أن يُنكَر؛ لأنَّ المؤمن بالله العزيز الحميد يجب أن يُساعَد ويُعان وأن تُسَهَّل له الطرق، أمَّا أن يُمنع ويُردع حتى يَصِل الحدُّ إلى أن يُحرق بالنار فلا شكَّ أنَّ هذا عدوانٌ كبير، وليس هذا بمنكرٍ عليهم، بل هم يُحمدون على ذلك لأنهم عبدوا مَن هو أهلٌ للعبادة، وهو الله جل وعلا الذي خَلَق الخلْقَ ليقوموا بعبادته، فمَن قام بهذه العبادة فقد عرف الحكمة من الخلق وأعطاها حقَّها.
وقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِالعزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، فهو سبحانه وتعالى له الغَلَبة والعزَّة على كلِّ أحد، ولَمَّا قال المنافقون: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّقال الله تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨].
وقوله: الْحَمِيدِبمعنى المحمود، فالله سبحانه وتعالى محمودٌ على كلِّ حال، وكان من هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه إذا جاءه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»،وإذا جاءه خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» ، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان؛ أن يقول عند المكروه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، أمَّا ما نسمعه من بعض الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سِواه، فهذا خلافُ ما جاءت به السُّنة، بل قلْ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، أمَّا أن تقول: الذي لا يُحمد على مكروهٍ سِواه، فكأنَّك الآن تُعلن أنَّك كارهٌ ما قدَّر الله عليك، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يرضى الإنسانُ بما قدَّر الله عليه مما يسوؤه أو يَسُرُّه؛ لأنَّ الذي قدَّره عليك مَن؟ الله عز وجل، هو ربُّك وأنت عَبْده، هو مالكك وأنت مملوكٌ له، فإذا كان الله هو الذي قدَّر عليك ما تكره فلا تجزع، يجب عليك الرضا والصبر وألَّا تتسخَّط لا بقلبك ولا بلسانك ولا بجوارحك، اصبِرْ وتحمَّل والأمر سيزول، دوام الحال من المحال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» . فقوله جل وعلا: الْحَمِيدِما معنى الْحَمِيدِ؟ أجيبوني.
طلبة: المحمود.
الشيخ: المحمود على كلِّ حالٍ من سَرَّاء أو ضَرَّاء؛ لأنه إن قدَّر السرَّاء فهو ابتلاءٌ وامتحان؛ قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥].
ولَمَّا رأى سليمانُ عرش بلقيس بين يديه بلحظةٍ ماذا قال؟ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠]، فأنت يا أخي إذا أُصِبتَ بالنعمة لا تأخذها على أنها نعمة فتمرح وتفرح، هي نعمة لا شكَّ، لكن اعلمْ أنَّك ممتحَنٌ بها هل تؤدِّي شُكرها أو لا تؤدِّي، إن أصابتك ضرَّاء فاصبِرْ فإنَّ ذلك أيضًا ابتلاء وامتحان من الله عز وجل ليبلوك هل تصبر أو لا تصبر، وإذا صبرتَ واحتسبتَ الأجر من الله فإنَّ الله يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠].
ويجوز أن يكون معنى قوله: الْحَمِيدِأن يكون له معنًى آخَر وهو الحامد؛ فإنه سبحانه وتعالى يَحمد مَن يستحقُّ الحمد، يُثني على عباده من المرسَلين والأنبياء والصالحين، والثناء عليهم حمدٌ لهم، فهو جل وعلا حامدٌ وهو كذلك محمودٌ، وقد ثبتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّربة فيحمده عليها ؛ لأنَّه لولا أنَّ الله يَسَّر لك هذه الأكلة والشربة ما حصلتَ عليها؛ قال الله تبارك وتعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]. أجبْ على هذا السؤال، الله يسألنا: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، ما هو الجواب؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الجواب: بل أنت يا رب. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥]، بعد أن يخرج وتتعلَّق به النفوس يجعله الله حطامًا، ولم يقُلْ عز وجل: لو نشاء لم نُنبِتْه؛ لأنَّ كونه ينبت وتتعلَّق به النفس ثم يكون حُطامًا أشدُّ وقعًا على النفس من كونه لا ينبت أصلًا؛ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧]، ثم جاء للشُّرب فقال: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربَّنا. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًاأي: مالحًا غير عذبٍ، لا يستطيع الإنسانُ أن يشربه فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٧٠] يعني: فهلَّا تشكرون الله على ذلك. وهنا لم يقُل عز وجل: لو نشاء لم نُنزله من المزن؛ لأنَّ كونه ينزل ولكن لا يُشرب لا يُطاق أشدُّ من كونه لم ينزل أصلًا، فتأمَّلوا يا أهل القرآن الكريم تجدوا فيه من الأسرار والحِكَم الشيءَ الكثير.
تفسير الآية (9)
00:22:45
{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [البروج: ٨، ٩].
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِله وحده مُلك السماوات والأرض، لا يملكها إلا هو عز وجل، فهو يملك السماوات ومَن فيها، والأرضين ومَن فيها، وما بينهما وما فيه، كلُّ شيءٍ ملكٌ لله ولا يشاركه أحدٌ في ملكه، وما يُضاف إلينا من الملك فيقال مثلًا: هذا البيت ملكٌ لفلان، هذه السيارة ملكٌ لفلان، فهو ملكٌ قاصرٌ وليس ملكًا حقيقيًّا؛ لأنَّه لو أنَّ إنسانًا أراد أن يهدم بيتَه بدون سببٍ فهل يملك ذلك؟ أجيبوا.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لو أردتَ أن تهدم بيتك بدون سببٍ ما يمكنك هذا، هذا حرام عليك؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال.
لو أردتَ أن تحرق سيارتك بدون سبب، تملك هذا؟ ما تملك، حتى لو أنَّك فعلتَ لَحَجَر الناسُ، حتى القاضي يحجر عليك، يمنعك من التصرُّف في مالك، مع أنَّ الله مَنَعك قَبْل. إذَنْ ملكُنا قاصر، والملك التامُّ لله. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌمُطَّلع عز وجل على كلِّ شيء، ومن جملته ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين من الإحراق بالنار، وسوف يجازيهم.
تفسير الآية (10)
00:24:26

ولكنْ مع ذلك ومع فعلهم هذه الفعلة الشنيعة قال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠]. قال بعض السلف: انظُر إلى حِلم الله عز وجل؛ يحرقون أولياءه ثم يعرض عليهم التوبة؛ يقول: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ، وإنْ تابوا فلا شيء عليهم، فتأمَّل يا أخي حِلم الله عز وجل، حيث يحرِّق هؤلاء الكفَّارُ أولياءَه، والتحريق أشدُّ ما يكون من التعذيب، ثم يقول: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
قال العلماء: فَتَنُوابمعنى أحرقوا؛ كما قال تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات: ١٣، ١٤]، هؤلاء أحرقوا المؤمنين وأحرقوا المؤمنات؛ يأتون بالرجل، بالمرأة، يحرقونهم في النار.
يقول عز وجل: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواأي: يرجعوا إلى الله فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِلأنهم أحرقوا أولياءَ الله، فكان جزاؤهم مثل عملهم جزاءً وِفاقًا.
في هذه الآيات من العِبَر: أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يُسَلِّط أعداءَه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سَلَّط الله عز وجل الكفارَ على المؤمنين وقتلوهم وحرَّقوهم وانتهكوا أعراضَهم، لا تستغرب، لله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرُهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أَمْلى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
والمسلمون الباقون لهم عِبرة وعِظَة فيما حصل لإخوانهم؛ فمثلًا نحن الآن نسمع ما يحصل بالبوسنة والهرسك من الانتهاكات العظيمة؛ انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تُبكي، فنقول: سبحان الله! ما هذا التسليط الذي سلَّطه الله على هؤلاء المؤمنين؟!
نقول: يا أخي، لا تستغربْ؛ فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالًا فيمَن سبق، يحرِّقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سُلِّطوا على إخواننا في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين .. لا تستغربْ، هذا رِفْعةُ درجاتٍ للمصابين وتكفيرُ سيِّئات، وهو عبرةٌ للباقين، علينا أن نعتبر، وهو أيضًا إغراءٌ لهؤلاء الكافرين حتى يتسلَّطوا فيأخذهم الله عز وجل أخْذ عزيزٍ مقتدر.
وفي هذه الآيات من العِبَر: أنَّ هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب، إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومَن أنكره فهو الذي يُنكَر عليه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يقينا شرَّ أعدائنا وأن يجعل كيدهم في نحورهم، إنَّه على كل شيءٍ قدير.

***

(...) أمَّا بعدُ فهذا هو اللقاء الثالث في شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربع مئةٍ وألف الذي يكون كلَّ خميس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعًا به، وأن يرزقنا وإيَّاكم العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ وأن يتوفَّانا على الإيمان.
اخترنا في أول لقاءاتنا أن نتكلم على التفسير من سورة النبأ؛ لأن هذا الجزء الأخير من الكتاب العزيز تكثر قراءته، فاخترنا أن يكون الناسُ فيه على علم؛ لأنَّ الفائدة من القرآن هي التدبُّر والاتِّعاظ؛ كما قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩].
وانتهينا إلى قوله تعالى في سورة البروج: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠]، فتنوهم يعني: أحرقوهم، على قول بعض أهل العلم؛ لأنَّ هؤلاء المجرمين خَدُّوا أخاديد؛ أي: شقُّوا سراديبَ في الأرض، وأوقدوا فيها النيران، وأحرقوا فيها المؤمنين، فيكون معنى فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَيعني: أحرقوا المؤمنين. وقيل: فتنوهم؛ أي: صَدُّوهم عن دينهم. والصحيح أنَّ الآية شاملةٌ للمعنيين جميعًا؛ لأنه ينبغي أن نعلم أن القرآن معانيه أوسع من أفهامنا، معاني القرآن أوسع من أفهامنا، وأنَّه مهما بلغْنا من الذكاء والفطنة فلن نحيط به علمًا، إنما نعلم منه ما تيسَّر، والقاعدة في علم التفسير أنَّه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتضادَّانِ فإنها تُحمَل عليهما جميعًا، فنقول: هم فتنوا المؤمنين بصدِّهم عن سبيل الله وفتنوهم بالإحراق أيضًا.
ولكن مع هذا يقول الله عز وجل: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ، فدلَّت الآية الكريمة على أنهم لو تابوا لَغفر الله لهم، حتى ولو فعلوا بأوليائه ما فعلوا فإنَّ الله يتوب عليهم؛ لأنَّ الله يقول: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ [الشورى: ٢٥].
فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَأي: عذاب النار يُعذَّبون بها، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِيُحرَقون في نار جهنم، نسأل الله العافية.
وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّ التوبة تهدم ما قبلها، ولكن يا إخواني لا بدَّ أن نعلم أنَّ التوبة لا تكون توبةً نصوحًا مقبولةً عند الله إلا إذا اشتملتْ على شروطٍ خمسة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأنْ يكون الحامل للإنسان على التوبة خوفَ الله عز وجل ورجاءَ ثوابه؛ لأنَّ الإنسان قد يتوب من الذنب من أجل أن يمدحه الناس، أو من أجل دَفْع مَذَمَّة الناس له، أو من أجل مرتبةٍ يَصِل إليها، أو من أجل مالٍ يحصل عليه، كلُّ هؤلاء لا تُقبل توبتُهم، لماذا؟ لأنَّ التوبة يجب أن تكون خالصةً لله عز وجل، وأمَّا مَن أراد بعمله الدنيا فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود: ١٥، ١٦].
الثاني من شروط كون التوبة نصوحًا: الندم على ما حصل من الذنب؛ بمعنى ألَّا يكون الإنسانُ كأنَّه لم يُذنب ما يتحسَّر ولا يحزن، لا بدَّ أن يندم؛ إذا ذكر عظمة الله نَدِم: كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني؟! فيندم، كما لو عصى الإنسانُ أباه فإنه يندم.
الثالث: أن يُقلع عن الذنب؛ فلا تصحُّ التوبة مع الإصرار على الذنب؛ لأنَّ التائب هو الراجع، فإذا كان الإنسان يقول: أستغفرُ الله وأتوبُ إليه مِن أكْل الربا، ولكنَّه لايزال يُرابي، فهل تصحُّ توبتُه؟ لا، لا تصحُّ توبتُه.
لو قال: أستغفر الله من الغِيبة، والغِيبة ذِكْرك أخاك بما يكره، ولكنَّه في كلِّ مجلسٍ يغتاب الناس، هل تصحُّ توبتُه؟ لا، كيف تصح وهو مُصِرٌّ على المعصية؟! فلا بدَّ أن يُقلع.
إذا تاب من أكْل أموال الناس وقد سَرَق من هذا وأخَذ مالَ هذا بخداعٍ وغشٍّ، فهل تصِحُّ توبتُه؟ لا، حتى يرُدَّه، حتى يرُدَّ ما أخذ من أموال الناس إلى الناس.
لو فرضْنا أنَّ شخصًا أدخلَ مراسيمه في ملك جاره واقتطع جزءًا من أرضه، وقال: إني تائب، ماذا نقول له؟ رُدَّ المراسيم إلى حدودها الأولى، وإلَّا فإنَّ توبتك لا تُقبل؛ لأنه لا بدَّ من الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه.
والشرط الرابع: أن يعزم عزمًا تامًّا ألَّا يعود إلى الذنب، فإنْ تاب وهو في نفسه لو حصل له الفرصة لَعاد إلى الذنب فإنَّ توبته لا تُقبل، بل لا بدَّ أن يعزم عزمًا أكيدًا على ألَّا يعود.
والشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تُقبل فيه التوبة؛ لأنَّه يأتي أوقاتٌ ما تُقبل فيها التوبة، انتبِهوا لهذا الشرط الأخير، تأتي أوقاتٌ لا تُقبل توبة الإنسان، وذلك في حالين:
الحال الأولى: إذا حضره الموت فإنَّ توبته لا تُقبل؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، بعدما عاين الموتَ وشاهدَ العذابَ يقول: تبت؟! ما ينفع هذا.
ومثالٌ واقعٌ لهذه المسألة وهو أنَّ فرعون لَمَّا أدركه الغرقُ ماذا قال؟ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: ٩٠]؛ يعني بالله، ولم يقل: آمنتُ بالله، إذلالًا لنفسه؛ حيث كان يحارب بني إسرائيل على الإيمان بالله، والآن يقول: آمنتُ بالذي آمَنوا به، فكأنَّه جعل نفسَه تابعًا لِمَن؟ لبني إسرائيل، إلى هذا الحد بلغ به الذلُّ، ومع ذلك قيل له: آلْآنَآلآن تتوب؟! آلآن تؤمن بالذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل؟! وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١]، إذَنْ إذا حضر الموتُ فإنَّ التوبة لا تُقبل.
وأنا أسأل كلَّ واحدٍ منكم: هل يعلم متى يحضره الموت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذَنْ لا بدَّ من المبادرة بالتوبة؛ لأنَّك لا تدري في أيِّ وقتٍ يحضرك الموت؛ ألَمْ تعلموا أنَّ مِن الناس مَن نام على فراشه في صحَّةٍ وعافيةٍ ثم حُمِل من فراشه إلى سرير تغسيله؟! نعلم هذا، وقع. ألَمْ تعلموا أنَّ بعض الناس جَلَس على كرسيِّ العمل يعمل، ثم حُمِل مِن كرسيِّ العمل إلى سرير التغسيل؟! كل هذا واقع. فإذَنْ يجب أن نُبادر بالتوبة، أن نُبادر بها، نسأل الله أن يُعينني وإيَّاكم على ذلك، بادِروا بالتوبة قبل أن تُغلق الأبواب، بادروا.
يقول جل وعلا: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواقلنا: إنها لا تُقبل التوبة في حالين:
الحالة الأولى: إذا حضره الموت.
والحالة الثانية: إذا طلعت الشمسُ من مغربها؛ فإنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمَنوا، لكن الله يقول: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨].
فشروط قبول التوبة خمسة، نسأل الله أن يُعيننا وإيَّاكم على تحقيقها.
تفسير الآية (11)
00:38:59

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [البروج: ١١].
لَمَّا ذكر عقاب المجرمين ذكر ثواب المؤمنين، وهذه هي الطريقة المتَّبَعة فيما يُراد به الترغيب والترهيب، والقرآن الكريم قال الله تعالى إنه مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] تُذْكر فيه المعاني المتقابلة؛ فيُذكر فيه عذابُ أهل النار ونعيمُ أهل الجنة، صفاتُ المؤمنين وصفاتُ الكافرين، من أجل أن يكون الإنسانُ سائرًا إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ويعرف نعمة الله عليه بالإسلام، ويعرف حكمة الله تعالى في وجود هؤلاء الكافرين المجرمين. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ. ونقتصر على هذا الجزء، ونؤجل الكلام على هذه الآية إن شاء الله إلى الأسبوع القادم.

***

(...) بما كُنَّا نبدأ به أولًا من تفسير القرآن الكريم، وقد وصلنا إلى قوله تعالى في سورة البروج: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، الَّذِينَ آمَنُواهم الذين آمَنوا بالله، وملائكته، وكُتُبه، ورُسُله، واليوم الآخِر، والقدر خيره وشرِّه، فإنَّ هذا هو الإيمان كما فسَّره النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
وأمَّا قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِفالمراد عملوا الأعمالَ الصالحة، والأعمالُ الصالحةُ هي التي بُنِيتْ على الإخلاص لله واتِّباع شريعة الله، فمَن عَمِل عملًا أشركَ به مع الله غيرَه فعَمَلُه مردودٌ عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربِّه أنَّه تعالى قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وأمَّا المتابَعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنَّ مَن عَمِل عملًا ليس على شريعة الله فإنَّه باطلٌ مردودٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وبناءً على ذلك تكون عبادة الْمُرائي الذي يعبد الله لكن يُرائي الناس؛ أي: يُظهِر العبادةَ ليراه الناسُ فيمدحوه، هو لا يريد التقرُّبَ إلى الناس، يريد التقرُّبَ إلى الله، لكن يريد أن يمدحه الناسُ على تقرُّبه إلى الله وعبادته لله، فهذا مُراءٍ وعملُه مردودٌ أيضًا. كذلك مَن تكلَّم بكلامٍ: قرآنٍ أو ذِكْرٍ، ورَفَع صوتَه ليسمعه الناسُ ويمدحوه على ذِكْره لله، فهذا أيضًا مُراءٍ، عَمَلُه مردودٌ عليه؛ لأنَّه أشرك فيه مع الله غيرَه، أراد أن يمدحه الناسُ على عبادة الله.
أمَّا مَن تعبَّد للناس فهذا مشركٌ شركًا أكبر؛ يعني مَن قام يصلِّي أمامَ شخصٍ تعظيمًا له لا لله وركع للشخص وسجد للشخص فهذا مشركٌ شركًا أكبر مخرجًا عن الملَّة، وكذلك أيضًا مَن ابتدع في دين الله ما ليس منه؛ كما لو رتَّب أذكارًا معيَّنةً في وقتٍ معيَّنٍ فإنَّ ذلك لا يُقبل منه، حتى ولو كان ذِكْر الله؛ لو كان تسبيحًا أو تحميدًا أو تكبيرًا أو تهليلًا ولكنَّه رتَّبه على وجهٍ لم تَرِد به السُّنَّة فإنَّ ذلك ليس مقبولًا عند الله عز وجل؛ لأنَّه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فالمهمُّ أن الله اشترطَ مع الإيمان العملَ الصالح.
وبهذا نعرف أنَّه لا ينبغي لنا أن نركِّز دائمًا على العقيدة ونقول: نحن على العقيدة الإسلامية وعلى كذا وعلى كذا، ولم نذكر العمل؛ لأنَّ مجرَّد العقيدة لا يكفي، لا بدَّ من عمل، فينبغي عندما تذكر أنَّنا على العقيدة الإسلامية، ينبغي أن تقول: ونعمل العمل الصالح؛ لأنَّ الله يقرن دائمًا بين الإيمان المتضمِّن للعقيدة وبين العمل الصالح حتى لا يخلو الإنسانُ من عملٍ صالحٍ، أمَّا مجرَّد العقيدة فلا ينفع؛ لو أنَّ الإنسان يقول: أنا مؤمنٌ بالله، لكن لا يعمل، أين الإيمان بالله؟! ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء أنَّ تارك الصلاة كافرٌ كفرًا مخرجًا عن الملَّة، وقد بيَّنَّا أدلَّةَ ذلك في رسالةٍ لنا صغيرةٍ، وكذلك أيضًا يمرُّ علينا في نور على الدرب أسئلةٌ حول هذا الموضوع ونبيِّن الأدلَّة بما يغني عن إعادتها هنا.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، لَهُمْيعني: عند الله، جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وذلك بعد البعث؛ فإنهم يدخلون هذه الجنات التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بَشَر، ولهذا قال الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، وقال الله في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ؛ لأنَّ فيها من النعيم ما لا يتصوَّره الإنسان، والله تعالى يذكر فيها -أي: في الجنات- نخلًا ورمَّانًا وفاكهةً ولحمَ طيرٍ وعسلًا ولبنًا وماءً وخمرًا، لكنْ لا تظنُّوا أنَّ حقائق هذه الأشياء كحقائق ما في الدنيا أبدًا؛ لأنها لو كانت حقائقها كحقائق ما في الدنيا لَكُنَّا نعلم ما أُخْفِي لنا من هذا، ولكنَّها أعظم وأعظم بكثيرٍ مما تتصوَّره؛ فالرُّمَّان، وإنْ كُنَّا نعرف معنى الرُّمَّان ونعرف أنَّه على شكلٍ معيَّنٍ وطعمٍ معيَّنٍ وذو حبَّاتٍ معيَّنة، لكن ليس الرُّمَّان الذي في الآخرة كهذا، أعظم بكثير، لا من جهة الحجم، ولا من جهة اللون، ولا من جهة المذاق، لكن كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيءٌ مما في الجنَّة إلا الأسماء فقط ، أمَّا الحقائق فهي غير معلومة.
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُقال العلماء: مِنْ تَحْتِهَاأي: من تحت أشجارها وقصورها. وإلَّا فهي على السطح، فوق، ثم هذه الأنهار جاء في الأحاديث أنَّها لا تحتاج إلى حَفْر، ولا تحتاج إلى بناء أخدود ، وفي هذا يقول ابن القيم في النونية:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

الأنهار في المعروف عندنا أنها تحتاج إلى حَفْرٍ أو إلى أخدودٍ تمنع من تسرُّب الماء يمينًا وشمالًا، لكن في الجنة لا تحتاج إلى أخدود، تجري حيث شاء الإنسان؛ يعني يوجِّهها كما شاء بدون حَفْرٍ وبدون إقامة أخدود، والأنهار هنا وفي آياتٍ كثيرةٍ مجملةٌ، لكنَّها فُصِّلت في سورة القتال؛ سورة محمد؛ قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥].
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، ذَلِكَالمشار إليه الجنات وما فيها من النعيم.
الْفَوْزُ الْكَبِيرُيعني: الذي به النجاةُ من كلِّ مرهوبٍ وحصولُ كلِّ مطلوب؛ لأنَّ الفوز هو عبارةٌ عن حصول المطلوب وزوال المكروه، والجنة كذلك فيها كلُّ مطلوبٍ وقد زال عنها كلُّ مرهوب؛ فلا يذوقون فيها الموتَ، ولا المرضَ، ولا السقمَ، ولا الهمَّ، ولا النَّصَبَ، نسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من أهلها.
تفسير الآية (12)
00:48:58

ثم قال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج: ١٢، ١٣].
بَطْشَيعني: أخْذه بالعقاب شديد؛ كما قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨]، فبطْش الله يعني: انتقامه وأخْذه شديدٌ عظيمٌ، ولكنَّه لِمَن يستحقُّ ذلك، أمَّا مَن لا يستحقُّ ذلك فإنَّ رحمة الله تعالى أوسع؛ ما أكثرَ ما يعفو الله عن الذنوب! ما أكثرَ ما يستر الله من العيوب! ما أكثرَ ما يدفع الله من النِّقَم! وما أكثرَ ما يجري من النِّعم! لكنْ إذا أَخَذ الظالِمَ لم يُفلته؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢] .
وعلى هذا فنقول: بَطْشَ رَبِّكَأي: فيمن يستحقُّ البطشَ، أمَّا مَن لا يستحقُّه فإنَّ الله تعالى يعامله بالرحمة، ويعامله بالكرم، ويعامله بالجود، ورحمة الله تعالى سبقتْ غضبَه.
تفسير الآية (13)
00:50:19

{إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}
يعني أنَّ الأمر إليه ابتداءً وإعادةً، وهذا كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧]، فهو الذي بدأ الأشياء، وإليه تنتهي الأشياء، الأشياءُ منه وإليه، في كلِّ شيء، الخلْق من الله وإليه، الشرائع من الله وإليه، كلُّ الأمور من الله وإليه، ولهذا قال: يُبْدِئُولم يذكر ما الذي يُبْدِئه، فمعناه: يُبْدِئُ كلَّ شيء، ويُعيد كلَّ شيء، فكلُّ الأمر بيده عز وجل، فأنت اعرفْ أصلَك من أين أنت وأنَّك ابتدأتَ من عدم، واعرفْ منتهاك وغايتَك وأنَّ غايتَك إلى الله عز وجل.
تفسير الآية (14)
00:51:08

{إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}
[البروج: ١٣ - ١٥] هُوَ الْغَفُورُيعني ذا المغفرة، والمغفرة سَتْرُ الذنب والعفوُ عنه، فليست المغفرةُ سَتْر الذنب فقط بل سَتْره وعدم المؤاخذة عليه؛ كما جاء في الحديث الصحيح أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن يوم القيامة ويُقَرِّره بذنوبه حتى يُقِرَّ بها ويعترف، فيقول الله عز وجل: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» . ذنوبُنا كثيرة؛ ذنوب قلبية، وذنوب قولية، وذنوب فعلية، ما أكثرها! لكنَّ الله تعالى -ولله الحمد- يسترها.
ويُذكر أنَّ بني إسرائيل كانوا إذا أذنبَ الواحدُ منهم ذنبًا وجده مكتوبًا على باب بيته؛ فضيحةً وعارًا والعياذ بالله، لكن نحن -ولله الحمد- قد سَتَر الله علينا، تُبْ إلى الله واستغفرْ من الذنب فتُمحى آثارُه نهائيًّا، ولهذا قال: وَهُوَ الْغَفُورُأي: الساترُ لذنوب عباده المتجاوزُ عنها.
الْوَدُودُمأخوذة من الودِّ، والودُّ هو خالص المحبَّة، فهو جل وعلا ودودٌ.
وما معنى (ودود)؟ هل معناه أنَّه محبوبٌ أو أنَّه حابٌّ؟
والجواب: يشمل الوجهين جميعًا؛ قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، فهو جل وعلا وادٌّ؛ يحبُّ الأعمالَ، ويحبُّ الأشخاصَ، ويحبُّ الأمكنةَ، وهو كذلك أيضًا محبوبٌ يحبُّه أولياؤه؛ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]، فكلَّما كان الإنسان أَتْبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحبَّ إلى الله، فهو جل وعلا وادٌّ، وهو أيضًا مودودٌ؛ أي إنَّه يُحِبُّ ويُحَبُّ، يحبُّ سبحانه وتعالى الأعمالَ ويحبُّ العاملين، ويحبُّ الأشخاصَ؛ يعني أنَّ محبَّة الله قد تتعلَّق بشخصٍ معيَّنٍ؛ مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم خيبر قال: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». فباتَ الناسُ ثم غَدَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»؟ قالوا: يشتكي عينيه. فدعا به فأتى، فبَصَق في عينيه فبرأ كأنْ لم يكن به وجعٌ في الحال، ثم أعطاه الراية وقال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ» . الشاهد قوله: «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فهنا أثبت أنَّ الله يحبُّ هذا الرجل بعينه؛ علي بن أبي طالب.
ولَمَّا بعث رجلًا على سريَّةٍ صار يقرأ لهم في الصلاة، ويختم القراءة بـ(قل هو الله أحد)، فلمَّا رجعوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك؛ لأنَّ عمله هذا غير معروف، أنَّ الإنسان كلَّما قرأ في الصلاة يجعل آخر قراءته (قل هو الله أحد)، فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ»؟ فسألوه فقال: إنها صفة الله، وأنا أحبُّ أن أقرأها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» ، فهنا تجدون المحبة عُلِّقت بشخص معيَّن؛ محبة الله.
وقد تكون محبَّة الله بمعيَّنين بأوصافهم؛ مثل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٤]،إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: ٤]، هذا ما فيه شخص معيَّن، لكن فيه شخص موصوف بصفة.
كذلك يحبُّ الله سبحانه وتعالى الأماكن؛ أَحَبُّ البِقاع إلى الله مساجدها ، وأخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ مكة أحبُّ البقاع إلى الله ، هذه المحبَّة متعلِّقة بالأماكن، فالله تعالى يُحِبُّ ويُحَبُّ، ولهذا قال: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ.
تفسير الآية (15)
00:56:25

ثم بيَّن عظمتَه وتمامَ سلطانه في قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٥، ١٦]، ذُو الْعَرْشِأي: صاحب العرش، والعرش هو الذي استوى عليه الله عز وجل، وهو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها، وقد جاء في الأثر أنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة إلى الكرسي كحلقةٍ أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، حلقة الدرع صغيرة أُلقيت في فلاةٍ من الأرض ليست بشيءٍ بالنسبة لها، وإنَّ فَضْل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة . إذَن الكرسي لا أحد يقدر عن سعته، وإذا كُنَّا نشاهد من المخلوقات المشهودة الآن التباين العظيم في أحجامها؛ أَطْلعني رجلٌ على صورةِ الشمس، مصوَّرة، وصورةِ الأرض، فوجدتُ أنَّ الأرض بالنسبة لهذه الشمس كنقطةٍ غير كبيرة في تبسي واسع كبير، وأنها لا تُنسَب إلى الشمس إطلاقًا، ما هي شيء، فإذا كان هذا في الأشياء المشهودة التي تُدرَك بالتلسكوب وغيره، فما بالُك بالأشياء الغائبة عنَّا! لأنَّ ما غاب عنَّا أعظم مما نشاهد؛ قال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، فالحاصل أنَّ العرش هو هذا الذي هو سَقْف المخلوقات كلِّها، عرشٌ عظيمٌ، استوى عليه الرحمنُ جل وعلا؛ كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].
وقوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُهذه فيها قراءتان: {الْمَجِيدِ} والْمَجِيدُ، فعلى القراءة الأولى تكون وصفًا للعرش، وعلى الثانية تكون وصفًا للربِّ عز وجل، وكلاهما صحيح؛ فالعرش مجيدٌ، وكذلك الربُّ عز وجل مجيدٌ، ونحن نقول في التشهد: إنك حميدٌ مجيدٌ.
تفسير الآية (16)
00:58:59

{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}
كلُّ ما يريده فإنَّه يفعله عز وجل؛ لأنَّه تامُّ السلطانِ، لا أحد يمانعه، لا معقِّب لحُكمه، ولا رادَّ لقضائه، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١]، فكلُّ ما يريده فإنَّه يفعله، لكن ملوك الدنيا وإن عظمتْ ملكيَّتهم لا يفعلون كلَّ ما يريدون، ما أكثر ما يريدون ثم يوجد مانع يمنع، أمَّا الربُّ فهو ذو السلطان الأعظم الذي لا يردُّ ما أراده شيءٌ؛ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وفي هذا دليلٌ على أن جميع ما وقع في الكون فإنه بإرادة الله عز وجل؛ لأن الله هو الذي خَلَقه فيكون واقعًا بإرادته، ولكن اعلموا أنَّ الله لا يريد شيئًا إلا لحِكمة، فكلُّ ما يقع من أفعال الله فإنه لحِكمةٍ عظيمةٍ قد نعلمها وقد لا نعلمها.
ونتوقَّف عند هذه الآية الكريمة، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيَّاكم ممن يتلون كتابَه حقَّ تلاوته وأن يرزقنا فَهْمه ويُعيننا على العمل به، إنَّه جوادٌ كريم.

***

تفسير الآية (19)
01:00:21

(...) ولقاؤنا هذا اليوم يشتمل على تفسير بقيَّة البروج وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وعلى ما يَرِد من أسئلةٍ نُجيب عليها بتوفيق الله سبحانه وتعالى.
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى في سورة البروج: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ١٩، ٢٠]. الَّذِينَ كَفَرُوايشمل كلَّ مَن كفر بالله ورسوله سواءٌ كان من المشركين أو من اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ وذلك لأنَّ اليهود والنصارى الآن وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا على دين، ولا تنفعهم أديانهم؛ لأنه -أي النبي صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء، فمَن لم يؤمن به فليس على شيءٍ من دينه، بل إنَّه سبق لنا أنَّ مَن لم يؤمن برسولٍ واحدٍ من الرسل فهو كافرٌ بجميع الرسل؛ يعني مثلًا مَن لم يؤمن بنوحٍ أنَّه رسولٌ -ولو آمَن بغيره من الأنبياء- فإنَّه مكذِّبٌ لجميع الأنبياء، والدليل على هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، فبيَّن الله أنَّ هؤلاء كذَّبوا جميع الرسل مع أنهم لم يُكَذِّبوا إلا رسولًا واحدًا؛ إذْ إنَّه ليس قَبْل نوحٍ رسولٌ، كذلك الذي كذَّب محمدًا صلى الله عليه وسلم هو مُكَذِّب لغيره من الرسل، فإذا ادَّعت اليهود أنهم على دينٍ وأنهم يتَّبعون التوراة التي جاء بها موسى نقول لهم: أنتم كافرون بموسى، كافرون بالتوراة. وإذا ادَّعت النصارى الذين يُسَمُّون أنفسَهم اليوم بالمسيحيِّين أنهم مؤمنون بعيسى قُلنا لهم: كَذَبتم، أنتم كافرون بعيسى؛ لأنَّكم كافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام.
والعجب أنَّ هؤلاء اليهود والنصارى يكفرون بمحمد عليه الصلاة والسلام مع أنهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧]، يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦]، لكن العناد والكبرياء والحسد مَنَعهم أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: ١٠٩]، فالحاصل أنَّ قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوايشمل كلَّ مَن كفر بمحمد حتى من اليهود والنصارى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ -يعني أُمَّة الدعوة- يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» . كلُّ الكفَّار في تكذيب، وقال: فِي تَكْذِيبٍفجعل التكذيبَ كالظرف لهم؛ يعني أنَّه محيطٌ بهم من كلِّ جانبٍ والعياذُ بالله.
تفسير الآية (20)
01:04:20

{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}
يعني أنَّ الله تعالى محيطٌ بهم من كلِّ جانبٍ لا يشذُّون عنه؛ لا عن عِلْمه ولا سُلطانه ولا عقابه، ولكنَّه عز وجل قد يُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته.
تفسير الآيتين (21، 22)
01:04:46

{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}
[البروج: ٢١، ٢٢].
بَلْ هُوَأي: ما جاء به الرسولُ عليه الصلاة والسلام قُرْآنٌ مَجِيدٌأي: ذو عظمةٍ ومجد، ووَصْف القرآنِ بأنَّه مجيدٌ لا يعني أن المجد وصْفٌ للقرآن نفسه فقط، بل هو وصْفٌ للقرآن ولِمَن تحمَّل هذا القرآنَ فحمله وقام بواجبه من تلاوته حقَّ تلاوته، فإنَّه سيكون له المجد والعِزَّة والرِّفعة.
وقوله تعالى: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍيعني بذلك اللوحَ المحفوظَ عند الله عز وجل الذي هو أمُّ الكتاب؛ كما قال الله تبارك وتعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩].
هذا اللوح لو سألَنا سائلٌ: من أيِّ مادَّةٍ هو؟ ماذا نقول؟
طالب: نقول: الله أعلم.
الشيخ: نقول: الله أعلم. يعني لو قال: هل من خشب؟ من حديد؟ من زجاج؟ من ذهب؟ من فضة؟ ما ندري، هو لوحٌ كتب الله به مقاديرَ كلِّ شيءٍ، ومن جُملة ما كتب به أنَّ هذا القرآن سينزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فهو فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ.
قال العلماء: مَحْفُوظٍلا يناله أحدٌ، محفوظٌ عن التغيير والتبديل. والتبديلُ والتغييرُ إنما يكون في الكتب الأخرى؛ لأنَّ الكتابة من الله عز وجل أنواعٌ، وأرجو أن تنتبهوا لهذا:
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ، وهذه الكتابة لا تُبَدَّل ولا تُغَيَّر، ولهذا سَمَّاه الله لوحًا محفوظًا، لا يمكن أن يُبَدَّل أو يُغَيَّر ما فيه؛ لأنَّه هو النهائي.
الثاني: الكتابة على بني آدم وهُم في بطون أمَّهاتهم؛ لأنَّ الإنسان في بطن أمِّه إذا تَمَّ له أربعة أشهرٍ بعثَ الله إليه ملكًا موكَّلًا بالأرحام فينفخ فيه الروح بإذن الله، لأنَّ الجسد عبارة عن قطعة من لحم إذا نُفِخت فيه الروح صار إنسانًا، ويؤمَر بأربع كلمات: بكَتْب رِزقه، وأجَله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ .
هناك كتابة أخرى حوليَّة؛ كلَّ سَنَة، وهي الكتابة التي تكون في ليلة القَدْر؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُقَدِّر في هذه الليلة ما يكون في تلك السَّنَة؛ قال الله تبارك وتعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤]، فيُكتَب في هذه الليلة ما يكون في تلك السَّنَة.
هناك كتابة رابعة، وهي كتابة الصُّحُف التي في أيدي الملائكة، وهذه الكتابة تكون بعد العمل، والكتابات الثلاث السابقة كلُّها قبل العمل، لكن الكتابة الأخيرة هذه تكون بعد العمل، يُكتَب على الإنسان ما يعمل من قولٍ بلسانه أو فعلٍ بجوارحه أو اعتقادٍ بقلبه، فإنَّ الملائكة الموكَّلين بحفظ بني آدم -أي: بحفظ أعمالهم- يكتبون؛ قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ٩ - ١٢].
لكن هذه الكتابة الأخيرة تختلف عن الكتابات الثلاث السابقة؛ لأنها كتابة ما بعد العمل حتى يُكتَب على الإنسان ما عَمِل، فإذا كان يوم القيامة فإنَّه يُعطى هذا الكتاب؛ كما قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٣، ١٤]، يعني تُعطَى الكتابَ ويُقال: أنت، اقرأْ وحاسبْ نفسَك. قال بعض السلف: لقد أَنْصفك مَن جعلك حسيبًا على نفسك. وهذا صحيح، أيُّ إنصافٍ أَبْلغ مِن أن يُقال للشخص: تفضَّل، هذا ما عَمِلْتَ، حاسبْ نفسَك؟! أليس هذا هو الإنصاف؟! أكبرُ إنصافٍ هو هذا، فيوم القيامة تُعطى هذا الكتابَ منشورًا مفتوحًا أمامك ليس مغلقًا، تقرأ، ويتبيَّن لك أنك عملتَ في يوم كذا في مكان كذا: كذا وكذا، شيءٌ مضبوطٌ ما يتغيَّر، وإذا أنكرتَ هنا مَن يشهد عليك؟ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْيقول اللسان: نطقتُ بكذا، أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤]، تقول اليد: بطشتُ، تقول الرِّجل: مشيتُ، بل يقول الجِلد أيضًا، الجلود تشهد بما لمست؛ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت: ٢١].
المهمُّ الآن أنَّ اللوح المحفوظ هو هذا اللوح الذي كتب الله فيه مقاديرَ كلِّ شيءٍ، هو محفوظٌ من التغيير، محفوظٌ من أن يناله أحدٌ، والله سبحانه وتعالى يعلم ما كتب فيه، وقلنا: إنَّه محفوظٌ لأنه لا يتغيَّر، وما بأيدي الملائكة يتغيَّر. وقلنا: إنَّ الكتابات أربع: اللوح المحفوظ، الثاني: كتابة الأجنَّة، والثالث: الكتابة الحوليَّة تكون في ليلة القدر، والرابعة: كتابة الأعمال بعد وقوعها وتكون هذه بأيدي الملائكة؛ عن اليمين واحد من الملائكة وعن الشمال واحد، يسجِّلون على الإنسان كلَّ ما يقول.
نحن الآن نسجِّل في مسجِّل في الشريط لا يفوت شيءٌ من كلامنا، حتى النَّفَس يُدرَك بهذا الشريط، هم أيضًا -الملائكة- يكتبون كلَّ شيءٍ؛ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد [ق: ١٨]، ومِنْ قَوْلٍهذه يقول علماء البلاغة: إنَّ النكرة في سياق النفي تكون للعموم؛ أيُّ قولٍ تقوله فعندك رقيبٌ عتيدٌ حاضرٌ لا يغيب عنك.
ويُذكَر أنَّ الإمام أحمد رحمه الله كان مريضًا، وكان يئِنُّ في مرضه من شدَّة المرض، فدخل عليه أحد أصحابه وقال: يا أبا عبد الله، إنَّ طاوسًا -وهو رجلٌ من التابعين معروفٌ- يقول: إنَّ الملائكة تكتب على الإنسان حتى أنينَ المرض، حتى أنينَه في مرضه. فأمسكَ رحمه الله عن الأنين. فالأمر ليس بالأمر الهيِّن، نسأل الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم بعَفْوه ومغفرته.
وإلى هنا ينتهي الكلامُ على هذه السورة العظيمة التي ابتدأها الله تعالى بالقَسَم بالسماء ذاتِ البروج وأنهاها بقوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢]، فمَن تمسَّك بهذا القرآن العظيم فله المجدُ والعِزَّة والكرامة والرِّفعة، ولهذا ننصح أُمَّتنا الإسلامية بادئينَ بأفراد شعوبها أن يتمسَّكوا بالقرآن العظيم، ونُوجِّه الدعوة على وجهٍ أوكد وأوكد إلى وُلاةِ أُمُورها أن يتمسَّكوا بالقرآن العظيم، وألَّا يغُرَّهم البهرج المزخرف الذي يَرِدُ من الأُمَم الكافرة التي تضع القوانين المخالِفة للشريعة، المخالِفة للعدل، المخالِفة لإصلاح الخلْق، أن يضعوها موضعَ التنفيذ ثم ينبذوا كتابَ الله وسُنَّة رسوله وراء ظهورهم، فإنَّ هذا -واللهِ- سببُ التأخُّر، ولا أظنُّ أحدًا يتصوَّر الآن أن أمَّةً بهذا العدد الهائل تكون متأخِّرةً هذا التأخُّرَ وكأنَّها إمارةٌ في قريةٍ بالنسبة للدول الكافرة، لكن سبب ذلك -لا شك- معلومٌ؛ هو أنَّنا تَرَكْنا ما به عِزَّتُنا وكرامتُنا وهو التمسُّك بهذا القرآن العظيم، وذهبْنا نلهثُ وراء أنظمةٍ بائدةٍ فاسدةٍ مخالفةٍ للعدل، مبنيَّةٍ على الظلم والجور.
فنحن نُناشد وُلاةَ أُمُورنا -وأقصد بوُلاة أمورنا وُلاةَ أُمُور المسلمين جميعًا؛ لأنَّنا أُمَّةٌ واحدةٌ وإن تفرَّقت بنا البلدان واختلفتْ منَّا الألسُن- أُناشِدُهم أن يتَّقوا الله عز وجل، وأن يرجعوا رجوعًا حقيقيًّا إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يستتبَّ لهم الأمنُ والاستقرارُ، وتحصلَ لهم العِزَّة والمجد والرِّفعة، وتطيعَهم شعوبُهم، ولا يكون في قلوب شعوبهم عليهم شيءٌ؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربِّه أصلح الله ما بينه وبين الناس، فإذا كان وُلاة الأمور يريدون أن تُذعِن لهم الشعوبُ وأن يطيعوا الله فيهم فلْيُطيعوا الله أوَّلًا حتى تطيعهم أُمَمُهم، وإلَّا فليس من المعقول أن يعصوا الملك الأكبر -وهو الله عز وجل- ثم يريدون أن تطيعهم شعوبُهم، هذا بعيد، بل كلَّما بَعُد القلبُ عن الله بَعُد الناسُ عن صاحبه-نسأل الله العافية- كلَّما قَرُب من الله قَرُب الناسُ منه، فنسأل الله أن يُعيد لهذه الأُمَّة الإسلامية مجدَها وكرامتَها، وأن يُذِلَّ أعداءَ المسلمين في كلِّ مكان، ونسأل الله تعالى أن ينصر إخوانَنا المسلمين في البوسنة والهرسك وأن يُعينهم على ما أصابهم من هؤلاء النصارى الذين لا يريدون أن يقوم للمسلمين قائمةٌ في أيِّ مكان، ونسأل الله أن يُذِلَّ النصارى واليهودَ، وأن يَكْبتهم، وأن يَرُدَّهم على أعقابهم خائبين، وكذلك كل عدوٍّ للمسلمين، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.