تفسير سورة الأعلى
عدد الزيارات 5350

عناصر المادة :
تفسير الآية (1)
تفسير الآية (2)
تفسير الآية (3)
تفسير الآيتين (6-7)
تفسير الآية (8)
تفسير الآية (9)
تفسير الآيات (10-13)
تفسير الآيتين (14-15)
تفسير الآيتين (16-17)
تفسير الآيتين (18-19)

تفسير الآية (1)
00:00:05

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ فإنَّنا نستفتح لقاءنا هذا الأسبوعيَّ الثاني من شهر رجب عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، والذي يتمُّ في كلِّ يوم خميس، نستفتحه بتفسير سورة (سبح اسم ربك الأعلى)؛ لأنَّه انتهى بنا المطاف في تفسير جزء النبأ إلى هذه السورة، واخترنا أنْ نفسِّر الآيات القصيرة في المفصَّل لأنها تُقرأ كثيرًا في الصلوات على العامَّة.
والقرآن نزل لأمورٍ ثلاثة:
الأمر الأول: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بتلاوته الذي يترتَّب عليه الأجر؛ فإنَّ مَن قرأ حرفًا من القرآن كان له به عشر حسنات.
والثاني: التدبُّر لمعانيه.
والثالث: الاتِّعاظ به؛ قال الله تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩].
ولا يمكن أن يتذكَّر أحدٌ بالقرآن إلا إذا عرف المعنى؛ لأنَّ الذي لا يعرف المعنى بمنزلة الذي لا يقرأ؛ كما قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨] أي: إلا قراءة. لهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على معرفة معنى القرآن حتى ينتفع به، وحتى يكون متَّبِعًا لآثار السلف؛ فإنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، فنبدأ بأول سورة (سبح اسم ربك الأعلى).
البسملة سبق الكلام عليها وأنها آيةٌ من كتاب الله مستقلَّةٌ، ليست من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، ولا من أيِّ سورة في القرآن، لكنَّها آيةٌ مستقلَّةٌ تنزل في ابتداء كلِّ سورة، ولهذا كان الصحيح أنَّ الفاتحة أول آيةٍ فيها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والثانية: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والثالثة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، والرابعة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، والخامسة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، والسادسة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، والسابعة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. هذا هو القول الصحيح الذي دلَّت عليه سُنَّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول الله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] والخِطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجَّه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:
القِسم الأول: أن يقوم الدليلُ على أنَّه خاصٌّ به فيختص به.
الثاني: أن يقوم الدليلُ على أنَّه عامٌّ فيعُم.
والثالث: ألَّا يدلَّ دليلٌ على هذا ولا على هذا، فيكون خاصًّا به لفظًا، عامًّا له وللأُمَّة حكمًا.
مثال الأول قوله تبارك وتعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١، ٢]، ومثاله أيضًا قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء: ٧٩]؛ فإنَّ هذا من المعلوم أنَّه خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومثالُ الثاني الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام وفيه قرينةٌ تدلُّ على العموم قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]؛ فوجَّه الخطابَ أولًا للرسول عليه الصلاة والسلام، قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّولم يَقُل: يا أيُّها الذين آمنوا إذا طلَّقتم، قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُولم يَقُل: يا أيُّها النبي إذا طلقتَ. قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ، فدلَّ هذا على أنَّ الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام موجَّهٌ له وللأُمَّة.
وأمَّا أمثلة الثالث فهي كثيرةٌ جدًّا، يوجِّه الله الخطابَ للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد الخطابُ له لفظًا وللعموم حُكمًا.
هنا يقول الله عز وجل: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، سَبِّحِيعني: نَزِّه اللَّهَ عن كلِّ ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنَّ التسبيح يعني التنزيه؛ إذا قلت: (سُبحان الله)، يعني أنَّني أُنَزِّه اللَّهَ عن كلِّ سوء، عن كلِّ عيب، عن كلِّ نَقْص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى: السلام، القدوس؛ لأنَّه متنَزِّهٌ عن كلِّ عيب، ونحن نضرب لكم أمثلة:
من صفات الله تعالى (الحياة)، هل في حياته نَقْص؟ لا. حياة المخلوق فيها نَقْص؛ أولًا: لأنها مسبوقة بالعدم؛ الإنسان ليس أزليًّا. وثانيًا: أنها ملحوقةٌ بالفناء؛ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦].
(السمع) سَمْع الله عز وجل فيه نَقْص؟ الجواب: لا، ليس فيه نَقْص، يسمع كلَّ شيء، حتى إنَّ المرأة التي جاءتْ تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي ذكر الله تعالى قصَّتها في سورة المجادلة، كانت تُحدِّث النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعائشةُ في الحُجرة يخفى عليها بعضُ حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١]، ولهذا قالت عائشة: الحمد لله الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ، إنَّ المرأة المجادِلة لَتشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنَّه لَيَخفى عليَّ بعضُ حديثها . إذَنْ معنى سَبِّحِ(سبحان الله) معناها أيش؟ أُنَزِّه الله عن كلِّ عيبٍ ونَقْص.
وقوله: اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىقال بعض المفسِّرين: إنَّ قوله اسْمَ رَبِّكَيعني مسمَّى ربِّك؛ لأنَّ التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أنَّ معناها: سَبِّحْ ربَّك ذاكرًا اسمه، يعني لا تُسَبِّحه بالقلب فقط، بلْ سَبِّحه بالقلب واللسان، وذلك بذِكر اسمه تعالى، ويدلُّ لهذا المعنى قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٧٤] يعني: سبِّح تسبيحًا مقرونًا بالاسم؛ وذلك لأنَّ تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب، بالعقيدة، وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعًا، والمقصود أن يُسبِّح بهما جميعًا؛ بقَلْبه لافظًا بلسانه.
وقوله: رَبِّكَالربُّ معناه: الخالق المالك المدبِّر لجميع الأمور. فالله تعالى هو الخالق، وهو المالك، وهو المدبِّر لجميع الأمور.
وهل المشركون يُقِرُّون بذلك؟
الجواب: نعم، يُقِرُّون بذلك؛ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، وأَخْبر الله سبحانه وتعالى أنهم إذا سُئلوا أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١]، فهُمْ يُقِرُّون بأنَّ الله له الملْك وله التدبير وله الخلْق، لكن يعبدون معه غيره من الجهل، كيف تُقِرُّ بأنَّ الله وحده هو الخالق المالك المدبِّر للأمور كلِّها وتعبد معه غيره؟! إذَنْ معنى الرب على هذا هو الخالق المالك المدبِّر لجميع الأمور، وكلُّ إنسانٍ يُقِرُّ بذلك يَلزمه ألَّا يعبد إلا الله كما تدلُّ عليه الآيات الكثيرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]. قال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْيعني: لا تعبدوا غيره.
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الْأَعْلَىمن العلوِّ، وعلوُّ الله عز وجل نوعان: علوُّ صفةٍ، وعلوُّ ذاتٍ.
أمَّا علوُّ الصفة فإنَّ أكمل الصفات لله عز وجل؛ قال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠].
وأمَّا علوُّ الذات فهو أنَّ الله تعالى فوق عباده مستوٍ على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله، أين يتَّجه؟
طالب: إلى السماء.
الشيخ: يتَّجه إلى السماء، إلى فوق؛ فالله جل وعلا فوق كلِّ شيءٍ، مستوٍ على عرشه.
إذَن الْأَعْلَىإذا قرأتَها فاستشعِرْ بنفسك أنَّ الله عالٍ بصفاته وعالٍ بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول أيش؟ (سبحان ربِّي الأعلى)، يتذكَّر بسفوله هو؛ لأنه هو الآن نَزَل، أَنْزلُ شيءٍ هو هذا؛ فأشرفُ ما في الإنسان وأعلى ما في الإنسان هو وجهه، ومع ذلك يُنزله، يجعله في الأرض التي تُداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن يقول: (سبحان ربِّي الأعلى) يعني: أُنَزِّه ربِّي الذي هو فوق كلِّ شيء؛ لأنِّي نزلتُ أنا أسفل كلِّ شيء، فتُسبِّح اللَّهَ الأعلى بصفاته والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: (سبحان ربِّي الأعلى) أنَّ ربَّك تعالى فوق كلِّ شيء، وأنَّه أكملُ كلِّ شيء في الصفات.
تفسير الآية (2)
00:12:22

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢]، خَلَقَيعني: أوجَدَ من العدم، كلُّ المخلوقات أوجدها الله عز وجل؛ قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] سبحان الله! الله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوااستمع، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج: ٧٣]، واللَّهِ مثلٌ عظيم، كلُّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له؛ لو يجتمع جميع الآلهة التي تُعبَد من دون الله وجميع السلاطين وجميع الرؤساء وجميع المهندسين على أن يخلقوا ذبابًا واحدًا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، الآن ونحن في هذا العصر وقد تقدَّمت الصناعة هذا التقدم الهائل، لو اجتمع كلُّ هؤلاء الخلق أن يخلقوا ذبابًا ما استطاعوا، حتى لو أنهم كما يقولون: إنهم صنعوا آدميًّا آليًّا، ما يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا، هذا الآدمِيُّ الآلِيُّ ما هو إلا آلات تتحرَّك فقط، لكنْ لا تجوع، ولا تعطش، ولا تحترُّ، ولا تَبرد، ولا تتحرَّك إلا بتحريك. الذبابُ لا يمكن أن يخلقه كلُّ مَن سِوى الله، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الخالق، وبماذا يَخلق؟ بكلمةٍ واحدةٍ؛ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، كلمة واحدة، الخلائق كلُّها تموت وتفنى وتأكلها الأرض، وتأكلها السباع، وتحرقها النيران، وإذا كان يوم القيامة زَجَرها الله زجرةً واحدةً: اخرجي. فتخرج؛ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣]، كلُّ العالَم من إنسٍ وجنٍّ ووحوشٍ وحشراتٍ وغيرها، كلُّها يوم القيامة تُحشَر بكلمةٍ واحدة.
إذَن فالله عز وجل وحده هو الخالق ولا أحد يَخلق معه، والخلْق لا يُعسره ولا يُعجزه، وهو سهلٌ عليه، ويكون بكلمةٍ واحدة.
وقوله: فَسَوَّى، خَلَقَ فَسَوَّىيعني: سَوَّى ما خَلَق على أحسن صورة، وعلى الصورة المناسِبة؛ الإنسان مثلًا قال الله تعالى في سورة الانفطار: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٧، ٨]، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]، لا يوجد في الخلائق شيءٌ أحسنُ من خِلقة الإنسان؛ رأسُه فوق، وقلبُه في الصدر، وعلى هيئةٍ تامَّة، ولهذا أول مَن يدخل في قوله: فَسَوَّىهو تسوية الإنسان، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىكلُّ شيءٍ يُسَوَّى على الوجه الذي يكون لائقًا به.
تفسير الآية (3)
00:16:07

{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}
[الأعلى: ٣] قدَّرَ كلَّ شيءٍ عز وجل؛ كما قال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢]، قدَّره في حاله وفي مآله، في ذاته وفي صفاته، كلُّ شيءٍ له قَدْرٌ محدودٌ، الآجال محدودة، الأحوال محدودة، الأجسام محدودة، كلُّ شيءٍ مقدَّر تقديرًا كما قال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.
وقوله: فَهَدَىيشمل الهداية الشرعية والهداية الكونية:
الهداية الكونية أنَّ الله هدى كلَّ شيءٍ لِمَا خُلِق له؛ قال فرعون لموسى: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٤٩، ٥٠]، تجد كلَّ مخلوقٍ قد هداه الله تعالى لِمَا يحتاج إليه؛ الطفل الآن.. انظر إلى الطفل إذا خرج من بطن أمِّه وأراد أن يرضع، هل فيه أحد يقول: ارفعْ رأسَك، ارضعْ من الثدي؟ لا. ولو كان فيه أحد ما فَقَه، لكن يهديه الله عز وجل إلى هذا الثدي يرتضع منه. وانظر إلى أدنى الحشرات؛ النمل مثلًا، أين تضع بيوتها؟ لا تضع بيوتها إلا في مكانٍ مرتفعٍ من الأرض، على ربوةٍ من الأرض، لماذا؟ تخشى من السيول تدخل بيوتها فتُفسدها، أيضًا إذا جاء المطر وكان في جحورها أو في بيوتها طعامٌ من الحبوب تخرج به إذا طلعت الشمس تنشره، لماذا؟ لئلَّا يعفن، وهي قبل أن تدَّخره تأكل أطرافها -أطرافَ الحبَّة- لئلَّا تنبت فتفسد عليهم، هذا الشيء مشاهَد مجرَّب، مَن الذي هداها لذلك؟ هداها الله عز وجل، هذه هداية كونية؛ أنَّه هَدَى كلَّ مخلوقٍ لِمَا يحتاج إليه.
أمَّا الهداية الشرعية -وهي الأهمُّ بالنسبة لبني آدم- فهي أيضًا بيَّنها الله عز وجل، حتى الكفَّار قد هداهم الله؛ يعني بيَّن لهم؛ قال الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]، والعياذ بالله، استحبُّوا الكفرَ على الإيمان.
الهداية الشرعية هي المقصودة من حياة بني آدم؛ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وإنما أخبرنا الله بذلك لأجْل أن نلجأ إليه في جميع أُمورنا؛ إذا عَلِمنا أنَّه هو الخالق بعد العَدَم وأصابنا المرض إلى مَن نلجأ؟ نعم، إلى الله، الجأْ إلى الله؛ لأنَّ الذي خَلَقك وأَوْجدك من العدم قادرٌ على أن يصحِّح بَدَنك، إذَن الجأ إلى ربك، اعتمدْ عليه، ولا حرج أن تتناول ما أباح لك من الدواء لكنْ مع اعتقاد أنَّ هذا الدواء مثلًا سببٌ من الأسباب جَعَله الله عز وجل، وإذا شُفيتَ بهذا السبب فمَن الذي شفاك؟ الله عز وجل، هو الذي جعل هذا الدواءَ سببًا لشفائك، ولو شاء لَجعل هذا الدواء سببًا لهلاكك، فإذا عَلِمنا أنَّ الله هو الخالق فنحن نلجأ في أمورنا كلِّها إلى الله عز وجل، إذا عَلِمنا أنه هو الهادي فإننا نستهدي بهدايته، بشريعته؛ حتى نَصِل إلى ما أعدَّ لنا ربُّنا عز وجل من الكرامة.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإيَّاكم الصراط المستقيم، وأن يُحِلَّنا وإيَّاكم دارَ كرامته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين.
وإلى هنا ينتهى الكلام على هذه الآيات الكريمة، وأحثُّكم مرَّةً أخرى على تعلُّم معاني آيات القرآن، إذا شئتم أن تنتفعوا به حقيقةً فعليكم بمعرفة معناه، لكن مِن أين؟ من العلماء الموثوقين، أو من تفاسير العلماء الموثوقين؛ لأنَّ الناس تكلموا في كلام الله وبحثوا في معانيه، لكن منهم مَن هُدي إلى الصراط المستقيم، ومنهم مَن حصل له انحرافٌ لسببٍ من الأسباب؛ إمَّا لقُصور عِلْمه أو فَهْمه، أو سوء نيَّته؛ لأنَّ الإنسان قد يُحرَم الصوابَ بسبب سوء النيَّة والعياذ بالله.

***

تفسير الآيتين (6-7)
00:21:24

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلَّم فيه أولًا على ما بَقِي من سورة (سبح اسم ربك الأعلى) من قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٦ - ٨]، فهذا وعدٌ من الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه يُقرئه القرآنَ ولا ينساه الرسول، يُقرئه إيَّاه ولا ينساه، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجَّل إذا جاء جبريل يُلقِي عليه الوحي، فقال الله له: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٦ - ١٩]، فصار النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُنصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرؤه، وهنا يقول: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُيعني: إلا ما شاء الله أن تنساه، فإنَّ الأمر بيده عز وجل؛ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩]، مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧]، وربما نُسِّيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم آيةً من كتاب الله ولكنَّه سرعان ما يذكرها عليه الصلاة والسلام.
وقوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَأي إنَّ الله تعالى يعلم الجهر؛ ما يجهر به الإنسان ويتكلَّم به مسموعًا.
وَمَا يَخْفَىأي: ما يكون خفيًّا لا يُظهَر فإنَّ الله يعلمه؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [الفاتحة: ١٦]، فهو يعلم -عز وجل- الجهرَ ويعلم أيضًا ما يخفى.
تفسير الآية (8)
00:23:38

{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}
وهذا أيضًا وعدٌ من الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام أن يُيَسِّره لليُسرى، فما هي اليُسرى؟
اليُسرى أن تكون أموره مُيَسَّرة، ولا سيَّما في طاعة الله عز وجل، ولَمَّا أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّه ما من أحدٍ من الناس إلا وقد كُتِب مقعده من الجنَّة ومقعدُه من النار، كلُّ بني آدم مكتوبٌ مقعده من الجنَّة إن كان من أهل الجنة، ومقعده من النار إن كان من أهل النار، قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل -يعني على ما كُتِب- قال: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، فأهل السعادة يُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة يُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] .
وهذا الحديث يقطع حُجَّة مَن يحتجُّ بالقَدَر على معاصي الله فيعصي اللَّهَ ويقول: هذا مكتوبٌ عليَّ. نقول: هذا غلط؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، هل أحدٌ يحجزك عن العمل الصالح لو أردتَه؟ أبدًا. هل أحدٌ يجبرك على المعصية لو لم تُرِدها؟ أبدًا، لا أحد. ولهذا لو أنَّ أحدًا أجبرك على المعصية وأكرهك عليها لم يكن عليك إثمٌ، ولا يترتَّب على فِعْلك لها ما يترتَّب على فعل المختار لها، حتى إنَّ الكفر وهو أعظم الذنوب قال الله تعالى فيه: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦]، إذَنْ نقول: اعملْ أيُّها الإنسان، اعمل الخيرَ، تجنَّب الشرَّ؛ حتى يُيَسِّرك الله لليُسرى ويُجَنِّبك العُسرى، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَده الله بأن يُيَسِّره لليُسرى فيُسَهِّل عليه الأمور، ولهذا لم يَقَع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شِدَّةٍ وضَنْكٍ إلا وجد له مخرجًا عليه الصلاة والسلام.
تفسير الآية (9)
00:26:11

ثم أَمَره تعالى أن يُذَكِّر فقال: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] يعني: ذَكِّر الناس، ذَكِّرهم بآيات الله، ذَكِّرهم بأيام الله، عِظْهم.
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىيعني: في محلٍّ تنفع فيه الذِّكْرى، وعلى هذا فتكون إِنْشرطية، والمعنى: إنْ نفعت الذِّكرى فذَكِّر، وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر؛ لأنَّه لا فائدة من تذكير قومٍ نعلم أنَّهم لا ينتفعون، هذا ما قيل في هذه الآية.
وقال بعض العلماء: المعنى: ذَكِّرْ على كلِّ حالٍ إنْ كان هؤلاء القوم تنفع فيهم الذِّكرى، فيكون الشرط هنا ليس المقصود به أنَّه لا يُذكِّر إلا إذا نفعتْ، بل المعنى: ذَكِّر إنْ كان هؤلاء القوم ينفع فيهم التذكير. فالمعنى على هذا القول: ذَكِّر بكلِّ حالٍ والذِّكْرى سوف تنفع. تنفع مَن؟ تنفع المؤمنين، وتنفع الْمُذكِّر أيضًا، فالْمُذكِّر منتفعٌ على كلِّ حال، والْمُذكَّر إن انتفع بها فهو مؤمن، وإن لم ينتفعْ بها فإنَّ ذلك لا ينقص من أجر المذكِّر شيئًا، إذَنْ نحن نُذَكِّر سواءٌ نفعت الذِّكْرى أمْ لم تنفع.
وقال بعض العلماء: إنْ ظنَّ أنَّ الذِّكْرى تنفع وجبتْ، وإنْ ظنَّ أنها لا تنفع فهو مخيَّر؛ إنْ شاء ذَكَّر وإن شاء لم يُذَكِّر، ولكن على كلِّ حالٍ نقول: لا بدَّ من التذكير، حتى وإنْ ظننتَ أنها لا تنفع فإنها سوف تنفعك أنت، وسوف يعلم الناسُ أنَّ هذا الشيء الذي ذَكَّرتَ عنه إمَّا واجبٌ وإمَّا حرام، وإذا سكتَّ والناس يفعلون المحرَّم قال الناس: لو كان هذا محرَّمًا لذَكَّر به العلماء، أو: لو كان هذا واجبًا لذَكَّر به العلماء، فلا بدَّ من التذكير، ولا بدَّ من نَشْر الشريعة سواءٌ نفعتْ أمْ لم تنفع.
ثم ذكر الله عز وجل مَن سيَذَّكَّر ومَن لا يَذَّكَّر، وسنتكلم عليه إن شاء الله في الجلسة القادمة أو في اللقاء القادم.

***

تفسير الآيات (10-13)
00:28:44

(...) وموضوع مقدمة هذا اللقاء هو الكلام على قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [الأعلى: ١٠، ١١] إلى آخره.
أَمَر الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُذَكِّر فقال: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، ثم قال: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَىفبَيَّن تعالى أنَّ الناس ينقسمون بعد الذِّكرى إلى قِسمين:
القِسم الأول: مَن يخشى اللَّهَ عز وجل؛ أي: يخافه خوفًا عن علمٍ لعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذُكِّر بآيات ربِّه تذكَّر؛ كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [الفرقان: ٧٣]، فمَن يخشى الله ويخاف الله إذا ذُكِّر ووُعِظ بآيات الله اتَّعظ وانتفع.
أمَّا القِسم الثاني فقال: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَىأي: يتجنَّب هذه الذِّكرى ولا ينتفع بها الأشقى.
الْأَشْقَىهنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضدُّ السعادة؛ كما في سورة هود: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هود: ١٠٦]، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: ١٠٨]، فالأشقى -والعياذ بالله- المتَّصفُ بالشقاوة، يتجنَّب الذِّكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتَها، وهذا هو الكافر؛ فإنَّ الكافر يُذَكَّر ولا ينتفع بالذِّكرى، ولهذا قال: الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى [الأعلى: ١٢، ١٣] الذي يَصْلى النارَ الموصوفةَ بأنها الكُبرى، وهي نار جهنم؛ لأنَّ نار الدنيا صُغرى بالنسبة لها؛ فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ نار الدنيا جزءٌ من سبعين جزءًا من نار الآخرة ؛ أي إنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ على نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، والمراد نار الدنيا كلِّها، ما هي نار مخصوصة، أشدُّ ما يكون من نار الدنيا فإنَّ نار الآخرة فُضِّلتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، ولهذا وَصَفها بقوله: النَّارَ الْكُبْرَى.
ثُمَّإذا صلاها لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىالمعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياةً سعيدةً، وإلا فهُم أحياءٌ في الواقع، لكن أحياءٌ يُعذَّبون؛ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦]، كما قال الله عز وجل وَنَادَوْا يَا مَالِكُوهو خازن النار لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَيعني ليُهلِكْنا ويُرِحنا من هذا العذاب قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧]، ولا راحة، ويقال لهم: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨]، هذا معنى قوله: لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى، لأنه قد يُشْكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حيٌّ ولا ميِّت، والإنسانُ إمَّا حيٌّ وإمَّا ميِّت؟
فيقال: لا يموت فيها ميتةً يستريح بها، ولا يحيا حياةً يَسْعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذابٍ وجحيمٍ وشدَّةٍ، يتمنَّى الموتَ ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى.
تفسير الآيتين (14-15)
00:32:44

وقد سبق الكلام على قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٤، ١٥]، وبيَّنَّا أنَّ المراد بقوله: تَزَكَّىأي: في نفسه؛ أي: زكَّاها وأخرجها من رِجْس الشرك إلى زكاة التوحيد.
ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على السورة من أجْل أن نُفسح المجال للإخوة.

***

أمَّا بعدُ فهذا هو اللقاء الثالث والخمسون من اللقاء المسمَّى بلقاء الباب المفتوح، وهو اللقاء الرابع باعتبار شهر شوال عام أربعة عشر وأربع مئةٍ وألف، ونتكلم يسيرًا على ما تبقى من سورة الأعلى، وهو قوله تبارك وتعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٤، ١٥].
أَفْلَحَمأخوذٌ من الفَلَاح، والفَلَاح كلمةٌ جامعةٌ، وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا هو معنى الفَلَاح، فهي كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ، دافعةٌ لكلِّ شر.
وقوله: مَنْ تَزَكَّىمأخوذ من التزكية وهي التطهير، ومنه سُمِّيت الزكاة زكاةً لأنها تُطَهِّر الإنسانَ من أخلاق الرذيلة، أخلاق البخل؛ كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة: ١٠٣]، إذَنْ تَزَكَّىيعني تطهَّر.
ومن أيِّ شيءٍ تزكَّى؟
يتزكَّى أولًا من الشرك بالنسبة لمعاملة الله، فيعبد اللَّهَ مخلصًا له الدين لا يُرائي ولا يسمِّع، ولا يطلب جاهًا ولا رئاسةً فيما يتعبَّد به لله عز وجل، وإنما يريد بهذا وجهَ الله والدارَ الآخرة.
تزكَّى في اتِّباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ بحيث لا يبتدع في شريعته لا بقليل ولا كثير، لا في الاعتقاد، ولا في الأقوال، ولا في الأفعال.
وهذا -أعني التزكِّي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو اتِّباعٌ من غير ابتداع- لا ينطبق تمامًا إلا على الطريقة السلفية؛ طريقة أهل السُّنة والجماعة الذين يؤمنون بكلِّ ما وَصَف الله به نفسَه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الطريقة السلفية الذين لا يبتدعون في العبادات القولية ولا في العبادات الفعلية شيئًا في دين الله، تجدهم يتَّبعون ما جاء به الشرع، خلافًا لِمَا يصنعه بعض المبتدِعة في الأذكار المبتدَعة؛ إمَّا في نوعها، وإمَّا في كيفيَّتها وصِفَتها، وإمَّا في أدائها؛ كما يفعله بعض أصحاب الطُّرُق من الصوفية وغيرهم.
كذلك يتزكَّى بالنسبة لمعاملة الخلْق بحيث يطهِّر قلبَه من الغِلِّ والحقد على إخوانه المسلمين، فتجده دائمًا طاهرَ القلب، يحبُّ لإخوانه ما يحبُّ لنفسه، لا يرضى لأحدٍ أن يمسَّه سوءٌ، بل يودُّ أنَّ جميع الناس سالمون من كلِّ شر، موفَّقون لكلِّ خير.
فصارت التزكية لها ثلاثة متعلقات: الأول في حق الله، والثاني في حق الرسول، والثالث في حق عامَّة الناس.
في حق الله: يتزكَّى من الشرك، فيعبد الله تعالى مخلصًا له الدين.
في حق الرسول: يتزكَّى من الابتداع، فيعبد الله على مقتضى شريعة النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والقول والعمل.
في معاملة الناس: يتزكَّى من الغِلِّ والحقدِ والعداوةِ والبغضاءِ وكلِّ ما يجلب ذلك، كل ما يجلب العداوةَ والبغضاءَ بين المسلمين يتجنَّبه، ويفعل كلَّ ما فيه المودَّة والمحبَّة، ومن ذلك إفشاء السلام الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . فالسلام من أقوى الأسباب التي تجلب المحبَّة والمودَّة بين المسلمين، وهذا شيءٌ مشاهَدٌ؛ لو مرَّ بك رجلٌ ولم يسلِّم عليك صار في نفسك شيء، وإذا لم تسلِّم عليه أنت صار في نفسه شيء، لكن لو سلَّمتَ عليه أو سلَّمَ عليك صار هذا كالرِّباط بينكما يوجب المودَّة والمحبَّة، وقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام في السلام: «وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» .
وأكثر الناس اليوم إذا سلَّم يسلِّم على مَن يعرف، وأمَّا مَن لا يعرفه فلا يسلِّم عليه، وهذا غلط؛ لأنَّك إذا سلَّمتَ على مَن تعرف لم يكن السلام خالصًا لله، سلِّم على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف من المسلمين حتى تنال بذلك محبَّة المسلمين بعضهم من بعضٍ وتمامَ الإيمان، والنهاية دخول الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم من أهلها.
وقوله: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] يعني: ذكر اسمَ الله تعالى بالتعبُّد له فصلَّى، ويدخل في ذِكْر اسم الله الوضوءُ مثلًا، فالوضوء من ذِكْر اسم الله؛ أولًا: لأنَّ الإنسان لا يتوضأ إلا امتثالًا لأمر الله، وثانيًا: أنَّه إذا ابتدأ وضوءَه قال: باسم الله، وإذا انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهِّرين.
ومِن ذِكْر الله عز وجل خطبة الجمعة؛ فإنَّ خطبة الجمعة مِن ذِكْر الله لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، وعلى هذا فقوله: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِيعني الخطيب يوم الجمعة فَصَلَّىأي: صلاة الجمعة، فهذه الآية تشمل كلَّ الصلوات التي يسبقها ذِكْر، وما من صلاةٍ إلا ويسبقها ذِكْرٌ في الغالب. نعم، قد يصلِّي الإنسانُ صلاةً قد توضأ فيها من قبل، لكن الغالب أنَّ الإنسان يتوضأ قُبيل الصلاة فيذكر اسمَ الله ثم يصلي.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن والخمسون من اللقاء المفتوح، والذي ابتدأناه بعد انتهاء موسم الحج في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم عامَنا بالخير والعفو والمغفرة.
بقي علينا من التفسير في سورة الأعلى قول الله تبارك و تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ٩ - ١٩].
بقي من قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، هذه الجملة جملة فعليَّة مؤكَّدة بـ(قَدْ) قَدْ أَفْلَحَ، والفلاح كلمةٌ عامَّة يُراد بها النجاةُ من المكروه والفوزُ بالمحبوب.
وقوله: مَنْ تَزَكَّىأي: مَن تطهَّر ظاهرُه وباطنُه؛ فتطهَّر باطنُه من الشرك بالله عز وجل، ومن الشك، ومن النفاق، ومن العداوة للمسلمين والبغضاء، وغير ذلك مما يجب أن يتطهَّر القلب منه، وتطهَّر ظاهرُه من إطلاق لسانه وجوارحه في العدوان على عباد الله عز وجل؛ فلا يغتاب أحدًا، ولا ينمُّ عن أحد، ولا يسبُّ أحدًا، ولا يعتدي على أحدٍ بضربٍ أو جَحْدِ مالٍ أو غير ذلك، فالتزكِّي كلمة عامَّة تشمل التطهُّرَ من كلِّ درنٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِأي: ذكر اللَّهَ، ولكنَّه ذكر سبحانه وتعالى الاسمَ من أجْل أن يكون الذِّكر باللسان؛ لأنَّ الذِّكر باللسان ينطق اللسان فيه باسم الله؛ فيقول مثلًا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله.
وقد ذكر بعض العلماء أنَّ المراد بذِكر اسم الله هنا خطبةُ الجمعة؛ لقوله بعد ذلك: فَصَلَّى، ولكن الصحيح أنها أعمُّ من هذا وأنَّ المراد به كلُّ ذِكْرِ اسمِ الله عز وجل؛ أي: كلَّما ذَكَر الإنسانُ اسمَ الله اتَّعظَ وأقبلَ إلى الله وصلَّى، والصلاة معروفة؛ هي عبادةٌ ذاتُ أقوالٍ وأفعالٍ مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
تفسير الآيتين (16-17)
00:44:35

ثم قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧] بَلْهنا للإضراب الانتقالي. لأنَّ (بل) تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي؛ أي إنَّه سبحانه وتعالى انتقل ليبيِّن حالَ الإنسان أنَّه مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا لأنها عاجلة، والإنسان خُلِق من عَجَل ويحبُّ ما فيه العجلة، فتجده يُؤْثِر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصْفها دُنيا؛ دُنيا زمنًا، ودُنيا وصفًا؛ أمَّا كونُها دُنيا زمنًا فلأنها سابقةٌ على الآخرة فهي متقدِّمةٌ عليها، والدُّنُوُّ بمعنى القُرب، وأمَّا كونُها دُنيا ناقصة، فكذلك هو الواقع، فإنَّ الدنيا مهما طالت بالإنسان فإنَّ أَمَدَها الفناء، فإنَّ منتهاها الفناء، ومهما ازدهرتْ للإنسان فإن عاقبتها الذبول، ولهذا لا يكاد يمرُّ بك يومٌ في سرورٍ إلا وعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ

تأمَّلْ حالَك في الدنيا تجدْ أنَّه لا يمرُّ بك وقتٌ ويكون الصفو فيه دائمًا بل لا بدَّ من كَدَر، ولا يكون السرور دائمًا بل لا بدَّ من حزن، ولا تكون راحةٌ دائمًا بل لا بدَّ من تعب، فالدنيا على اسمها دُنيا.
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىالآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى، خيرٌ؛ فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا يُنَغَّص بكَدَر؛ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨]، كذلك أيضًا هي أبقى من الدنيا؛ لأنَّ بقاء الدنيا -كما أسلفْنا- قليلٌ زائلٌ مضمحِلٌّ، بخلاف بقاء الآخرة فإنَّه أبد الآبدين.
تفسير الآيتين (18-19)
00:47:18

{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}
[الأعلى: ١٨، ١٩].
إِنَّ هَذَاأي: ما ذُكِر من كون الإنسان يُؤْثر الحياة الدنيا على الآخرة وينسى الآخرة، وكذلك ما تضمَّنته الآيات من المواعظ فِي الصُّحُفِ الْأُولَىأي: السابقة على هذه الأُمَّة.
صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىوهي صُحُفٌ جاء بها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وفيها من المواعظ ما تلين به القلوبُ وتَصلح به الأحوال.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إيَّاكم ممن أُوتي في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ووقاه الله عذابَ النار.