تفسير سورة العلق
عدد الزيارات 6392

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-5)
تفسير الآيتين (6-7)
تفسير الآية (8)
تفسير الآيات (9-14)
تفسير الآية (15)
تفسير الآية (16)
تفسير الآية (17-18)
تفسير الآية (19)

تفسير الآيات (1-5)
00:00:04

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم:
منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات.
ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل.
وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل.
وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا.
هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق.
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١].
وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟
الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة.
يقول الله عز وجل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح ؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح ، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .
لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو صلى الله عليه وسلم كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨].
قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي صلى الله عليه وسلم يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري ، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ.
يقول الله عز وجل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، قوله: بِاسْمِ رَبِّكَقيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ.
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...إلى آخره، وقال: بِاسْمِ رَبِّكَدون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: بِاسْمِ رَبِّكَإشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة.
الَّذِي خَلَقَخَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢]، وقال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: خَلَقَوحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا.
ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍفنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان.
خَلَقَ الْإِنْسَانَأي: ابتدأ خلْقه.
مِنْ عَلَقٍاسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟
العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟
الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله صلى الله عليه وسلم شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم.
الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه.
على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا.
وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى.
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم.
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٣ - ٥].
اقْرَأْتكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟
الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَقُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، ووَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِبما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).

***

تفسير الآيتين (6-7)
00:19:57

نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله سبحانه وتعالى من تفسير سورة (اقرأ)؛ سورة العَلَق، انتهينا فيها إلى قول الله تبارك وتعالى: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٥].
قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧].
كَلَّافي القرآن الكريم تَرِدُ على عدَّة معانٍ، منها أن تكون بمعنى حقًّا كما في هذه الآية، فـكَلَّابمعنى حقًّا؛ يعني أنَّ الله تعالى يُثبت هذا إثباتًا لا مِرية فيه.
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى، الْإِنْسَانَليس شخصًا معيَّنًا، بل المراد الجنس؛ كلُّ إنسانٍ من بني آدم إذا رأى نفسَه استغنى فإنَّه يطغى؛ من الطُّغيان وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنَّه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يُبالِ، إذا رأى أنَّه استغنى عن الله عز وجل في كَشْف الكُرُبات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، إذا رأى أنَّه استغنى بالصحة نَسِيَ المرض، وإذا رأى أنَّه استغنى بالشبع نَسِيَ الجوع، إذا رأى أنَّه استغنى بالكسوة نَسِيَ العُري ... وهكذا، فالإنسان من طبيعته الطُّغيان والتمرُّد متى رأى نفسَه في غِنًى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن؛ لأنَّ المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائمًا مفتقرٌ إلى الله سبحانه وتعالى، يسألُ ربَّه كلَّ حاجة، ويلجأُ إليه عند كلِّ مكروه، ويرى أنَّه إنْ وَكَله الله إلى نفسه وَكَله إلى ضعفٍ وعجْزٍ وعورةٍ وأنَّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسانٌ من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢].
تفسير الآية (8)
00:22:31

ثم قال عز وجل مهدِّدًا هذا الطاغية: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق: ٨] أي: المرجع؛ يعني مهما طغيتَ وعلوتَ واستكبرتَ واستغنيتَ فإنَّ مرجعك إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٣ - ٢٦]، وإذا كان المرجع إلى الله في كلِّ الأمور فإنَّه لا يمكن لأحدٍ أن يفرَّ من قضاء الله أبدًا ولا من ثواب الله وعدله.
وقوله: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىربما نقول: إنَّه أعمُّ من الوعيد والتهديد؛ يعني أنَّه يشمل الوعيد والتهديد، لكنَّه ربما يشمل ما هو أعمُّ، فيكون المعنى أنَّ إلى الله المرجع في كلِّ شيءٍ؛ في الأمور الشرعية التحاكم إلى أيِّ شيء؟ إلى الكتاب والسُّنَّة؛ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، والأمور الكونية المرجع فيها إلى مَن؟ إلى الله؛ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال: ٩]، فلا رجوع للعبد إلا إلى الله، كلُّ الأمور ترجع إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء، حتى ما يحصل بين الناس من الحروب والفِتَن والشرور فإنَّ الله هو الذي قدَّرها، لكنَّه قدَّرها لحكمةٍ كما قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) [البقرة: ٢٥٣].
إذَنْ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىيكون فيها تهديدٌ لهذا الإنسان الذي طغى حين رأى نفسَه مستغنيًا عن ربِّه، وفيها أيضًا ما هو أشمل وأعمُّ؛ وهو أنَّ المرجع إلى الله تعالى في كلِّ الأمور.
تفسير الآيات (9-14)
00:24:56

ثم قال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق: ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟
الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم.
وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ عَبْدًا إِذَا صَلَّى. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: ١٤] وأنَّه سيُجازيه.
ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى [العلق: ١١، ١٢] أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: ١٤].
أَرَأَيْتَيعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب.
إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَىمَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا صلى الله عليه وسلم؟
يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟!
أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىقال بعض المفسرين أَوْهنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره.
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىيعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى.
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىيرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

***

(...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق.
قال الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وقوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىيحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.
تفسير الآية (15)
00:31:56

ثم قال: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق: ١٥] كَلَّاهذه بمعنى حقًّا. ويحتمل أن تكون للرَّدْع؛ أي: لِرَدْعه عن فِعْله السيئ الذي كان يقوم به تجاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أو بمعنى: حقًّا لَنَسْفَعنْ بالناصية.
وجملة لَنَسْفَعًاجوابٌ لقَسَمٍ مقدَّر، والتقدير: واللهِ لئنْ لم يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ بالناصية. وحُذِف جوابُ الشرط وبقي جواب القَسَم لأنَّ هذه هي القاعدة في اللغة العربية: أنَّه إذا اجتمع قَسَمٌ وشرطٌ فإنَّه يُحذَف جوابُ المؤخَّر؛ قال ابن مالك في ألفيته:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَـــــــــوَابَ مَا أَخَّـــــرْتَ فَـــــهْوَ مُــــــلْتَــــزَمْ

وهُنا المتأخِّر هو الشرط لَئِنْ، والقَسَم مقدَّر قبله؛ إذْ تقديره: واللهِ لئنْ لم يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ.
ومعنى لَنَسْفَعًاأي: لَنأخُذَنَّ بشِدَّة. و(النَّاصِية) مقدَّم الرأس، و(أل) فيها -أي: في الناصية- (أل) للعهد. أيُّ عهدٍ هو؟ العهد الذهني. والمراد بالناصية هنا ناصية أبي جهلٍ الذي توعَّد النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صلاته ونهاه عنها؛ أي: لَنَسْفَعَنْ بناصيته.
وهل المراد الأخذ بالناصية في الدنيا، أو في الآخرة يُجَرُّ بناصيته إلى النار؟
يحتمل هذا وهذا، يحتمل أنَّه يؤخَذ بالناصية، وقد أُخِذ بناصيته في يوم بدر حين قُتِل مع مَن قُتِل من المشركين، ويحتمل أن يكون يؤخَذ بناصيته يوم القيامة فيُقذَف في النار؛ كما قال الله تعالى: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن: ٤١]، وإذا كانت الآية صالحةً لمعنيَيْنِ لا يناقض أحدُهما الآخَر فإنَّ الواجب حملُها على المعنيَيْنِ جميعًا كما هو المعروف والذي قرَّرْناه سابقًا ونقرِّره الآن: أنَّ الآية إذا كانت تحتمل معنيَيْنِ لا ينافي أحدُهما الآخَر فالواجب الأخذ بالمعنيَيْنِ جميعًا.
تفسير الآية (16)
00:34:41

قوله تعالى: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق: ١٦] نَاصِيَةٍبدلٌ من الناصية الأولى، وهي بدلُ نكرة من معرفة، وهي جائزة في اللغة العربية، وإنما قال: نَاصِيَةٍمن أجْل أن يكون ذلك توطئةً للوصف الآتي بعدها وهو قوله: كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ.
كَاذِبَةٍأيْ إنها موصوفةٌ بالكذب، ولا شكَّ أنَّ مِن أكبر ما يكون كذبًا ما يحصل من الكفار الذين يدَّعون أنَّ مع الله آلهةً أخرى، فإنَّ هذا أكذبُ القولِ وأقبحُ الفعل.
خَاطِئَةٍأي: مرتكبةٍ للخطأ عمدًا. وليُعلَم أنَّ هناك فرقًا بين (خاطئ) و(مخطئ)؛ الخاطئ مَن ارتكبَ الخطأَ عمدًا، والمخطئ مَن ارتكبه جهلًا، والثاني معذورٌ، والأول غير معذور؛ قال الله تبارك وتعالى: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة: ٣٧] أي: المذنبون ذنبًا عن عمدٍ، وقال تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» ، ومثل ذلك القاسط والمقْسِط؛ القاسط هو الجائر، والمقْسِط هو العادل؛ قال الله تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]، وقال تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥] إذَن خَاطِئَةٍأي: مرتكبةٍ للإثم عمدًا.
تفسير الآية (17-18)
00:36:34

{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}
[العلق: ١٧، ١٨] اللام هنا للتحدِّي؛ يعني: إنْ كان صادقًا وعنده قوَّة وعنده قدرة فلْيدعُ نادِيَه.
والنادي هو مجتمَع القوم للتحدُّث بينهم والتخاطب والتفاهم ولاستئناس بعضِهم ببعض، وكان أبو جهلٍ معظَّمًا في قريش وله نادٍ يجتمع الناسُ إليه فيه ويتكلَّمون في شؤونهم، فهُنا يقول الله عز وجل: إنْ كان صادقًا فلْيدعُ نادِيَه. وهذا لا شكَّ أنَّه تحدٍّ؛ كما تقول لعدوِّك: إنْ كان لك قومٌ فتقدَّمْ، وما أشبهَ ذلك من الكلمات الدالَّة على التحدِّي.
قال: سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَيعني: عندنا مَن هُم أعظم من نادي هذا الرجُل، وهم الزبانية ملائكة النار، نسأل الله العافية.
وقد وَصَف الله تعالى ملائكةَ النار بأنهم غِلَاظٌ شِدَادٌغِلاظٌ في الطباع، شِدادٌ في القوة، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، بل يمتثلون كلَّ ما أَمَرهم الله به؛ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]، لا يعجزون عن ذلك، فوصفهم بوصفين: أنَّهم في تمام الانقياد لله عز وجل لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وأنهم في تمام القدرة وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وعَدَم تنفيذ أمْر الله عز وجل إمَّا أن يكون للعَجْز، وإمَّا أن يكون للمعصية؛ فمثلًا الذي لا يصلِّي الفرضَ قائمًا قد يكون للعجز وقد يكون للعناد، فهو لا ينفِّذ أمْرَ الله، لكن الملائكة الذين على النار ليس عندهم عجْز، عندهم قوَّة، عندهم قدرة، وليس عندهم استكبار عن الأمر، بل عندهم تمامُ التذَلُّل والخضوع، هؤلاء الزبانية لا يمكن لهذا وقومه وناديه أن يقابلوهم أبدًا، ولهذا قال: سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ.
فإن قال قائل: أين الواو في قوله: سَنَدْعُ؟
قلنا: إنها محذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ الواو ساكنة، والهمزة -همزة الوصل- ساكنة، وإذا التقى ساكنانِ فإنَّه إن كان الحرف صحيحًا كُسِر، وإن كان غير صحيحٍ حُذِف؛ قال ابن مالك رحمه الله في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًا فَحَــــذْفَهُ اسْتَــحَـــقّْ

يعني: إذا التقى ساكنانِ إن كان الحرف الأول صحيحًا ليس من حروف العِلَّة كُسِر؛ مثل قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] وأصلها (لم يكنْ) لأنَّ (لَمْ) إذا دخلتْ على الفعل جزمتْه كما في قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، لكن هنا التقى ساكنان وكان الأولُ حرفًا صحيحًا فكُسِر.
أمَّا إذا كان الأولُ حرفَ لين -يعني حرفًا من حروف العِلَّة- فإنَّه يُحذَف كما في هذه الآية سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ.
تفسير الآية (19)
00:39:56

{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}
[العلق: ١٩]. يقال في كَلَّاما قيل في الأولى التي قبلها، والخطاب في قوله: لَا تُطِعْهُأي: لا تُطِعْ هذا الذي ينهاك عن الصلاة، بل اسجُدْ ولا تُبالِ به. وإذا كان الله نهى نبيَّه أن يطيع هذا الرجل فهذا يعني أنَّه جل وعلا سيدافع عنه؛ يعني: افعلْ ما تُؤمَر، ولا يُهِمَّنَّك هذا الرجل، واسجُدْ لله عز وجل. والمراد بالسجود هنا الصلاة، لكنْ عُبِّر بالسجود عن الصلاة لأنَّ السجود ركنٌ في الصلاة لا تصحُّ إلا به، فلهذا عُبِّر به عنها.
وقوله: وَاقْتَرِبْأي: اقتربْ من الله عز وجل؛ لأنَّ الساجد أقربُ ما يكون من ربِّه كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» ؛ أي: حريٌّ أن يُستجاب لكم.
هذه السورة العظيمة -كما سمعناها- سورةٌ عظيمةٌ ابتدأها الله تعالى بما مَنَّ به على رسوله عليه الصلاة والسلام من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله عز وجل.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإيَّاكم القيامَ بطاعته والقربَ منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين.