تفسير الآيات (1-4)
تفسير الآية (6)
تفسير الآية (7)
تفسير الآية (8)
تفسير الآيات (1-4)
00:00:04
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، (...) بعدها نتكلَّم يسيرًا على سورة البيِّنة لأننا انتهينا إليها.
فيقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة: ١]، والكلام على البسملة قد تقدَّم كثيرًا لنا في هذا المجلس وغيره، وبيَّنَّا أن البسملة آيةٌ من كتاب الله تكلَّم الله بها كما تكلَّم بالقرآن جلَّ وعَلَا، ولكنها آيةٌ مستقِلَّةٌ لا تُعَدُّ من آيات السورة التي بعدها ولا من آيات السورة التي قبلها، بل هي مستقِلَّة تُبْتَدأُ بها السُّوَر من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) ما عدا سورة (براءة)؛ فإنها لم تَثْبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح سورةَ (براءة) بالبسملة، ولهذا أغفَلَها الصحابةُ رضي الله عنهم، لكن احتياطًا وخوفًا من أن تكون سورةً مستقِلَّة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلًا.
يقول الله عز وجل: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُيعني: ما كان الكفار مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَأي: تاركين لِمَا هُم عليه من الكفر حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.
وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى؛ سُمُّوا بذلك لأنَّ صُحُفهم بَقِيتْ إلى أن بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، ولكن هُم أهلُ الكتاب، إذا سمعتم في القرآن (أهل الكتاب) فالمراد بهم مَن؟ اليهود والنصارى؛ اليهودُ لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أمَّا المشركون فهُم عَبَدة الأوثان من كلِّ جنسٍ؛ من بني إسرائيل ومن غيرهم.
يقول: لم يكن هؤلاء مُنْفَكِّينَأي: تاركين لِمَا هُم عليه من الشرك والكفر ومُنْفَكِّين عنه حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. فما هي البيِّنة؟
البيِّنة ما يَبِينُ به الحقُّ في كلِّ شيء، كلُّ شيءٍ يَبِين به الحقُّ فإنه يُسَمَّى بيِّنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، فكلُّ ما بان به الحقُّ فهو بيِّنة، ويكون في كلِّ شيءٍ بحسبه، فما هي البيِّنة التي ذكرها الله هنا؟
الْبَيِّنَةُقال: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ٢، ٣]، وهذا الرسول هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ محمَّدٌ رسول الله؛ محمد بن عبد الله الهاشمي القُرَشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة النكرة رَسُولٌتعظيمًا له؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جديرٌ بأن يُعَظَّم التعظيمَ اللائقَ به من غير نقْصٍ ولا غُلُوٍّ.
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِيعني أنَّ الله أَرْسله إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء: ٧٩]، وقال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، فهو محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، مُرسَلٌ من عند الله بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لأن جبريل هو رسولُ ربِّ العالمين إلى رُسُله، مُوَكَّلٌ بالوحي يَنْزل به على مَن شاء الله من عباده. إذَنْ مَن المراد بالرسول؟ محمد. طيب، مَن أرسله؟ الله؛ لقوله: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. مَنْ هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل مُوَكَّل بالوحي يَنْزل به على مَن يشاء من عباد الله.
يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةًيعني: يقرأ لنفسه وللناس.
صُحُفًاجمع صحيفة، وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يُكتب به.
مُطَهَّرَةًأي: مُنَقَّاة من الشِّرك ومن رذائل الأخلاق ومن كلِّ ما يَسوء؛ لأنها نزيهةٌ مقدَّسةٌ.
فِيهَاأي: في هذه الصُّحُف كُتُبٌ قَيِّمَةٌكُتُبٌأي: مكتوباتٌ قيِّمة، فـكُتُبٌجمع كتاب بمعنى مكتوب، والمعنى أنَّ في هذه الصُّحُف مكتوبات قيِّمة كَتَبَها اللَّهُ عز وجل، ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا تَصَفَّح القرآنَ وجده كذلك؛ أي: وجد أنه يتضمَّن كُتُبًا -أي: مكتوباتٍ- قيِّمة؛ انظُر إلى ما جاء به القرآنُ من توحيد الله عز وجل والثَّناء عليه وحَمْده وتسبيحه تجده مملوءًا بذلك، انظُر إلى ما في القرآن مِن وَصْف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووَصْف أصحابه المهاجرين والأنصار ووَصْف التابعين لهم بإحسان، انظُر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة تجد أنَّ كلَّ ما جاء به القرآنُ فهو قَيِّمٌ؛ أي: قَيِّمٌ بنفسه، وكذلك هو مُقِيمٌ لغيره؛ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ.
إذَنْ أخبرَ اللَّهُ في هذه الآية أنه لا يمكن أن يَنْفَكَّ هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البيِّنة، فلمَّا جاءتهم البيِّنة هل انفكُّوا عن دينهم؛ يعني عن كُفرهم وشِرْكهم؟
استمع إلى الجواب؛ قال: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ٤] يعني لَمَّا جاءت البيِّنة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر؛ فمِن النصارى مَن آمَنَ مِثْل النجاشي ملك الحبشة، ومِن اليهود مَن آمَنَ أيضًا مِثْل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر، فمَن عَلِم الله منه أنه يريد الخيرَ ويريد الدِّينَ لله آمَنَ، وُفِّقَ للإيمان، ومَن لم يكنْ كذلك وُفِّقَ للكفر.
كذلك أيضًا من المشركين مَن آمَنَ، وما أكثرَ المشركين من قُريش الذين آمنوا! فصار الناسُ قبل بعْثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البيِّنة، ثم لَمَّا جاءتهم البيِّنة أيش اللي حَصَل؟ تفرَّقوا واختلفوا كما قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥].
وسيأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه السورة.
***
تفسير الآية (6)
00:07:40
(...) وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أمَّا بعدُ، فهذا هو اللقاء السابع والثمانون من اللقاءات التي يُعبَّر عنها باللقاء المفتوح، يتمُّ هذا اللقاء في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر شوال عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، نبتدئ هذا اللقاء بإكمال تفسير سورة البيِّنة، وقد انتهينا فيه في اللقاء السابق إلى قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦].
بيَّن الله تعالى هُنا في هذه الآية بيانًا مؤكَّدًا بـإِنَّأنَّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ؛ أي: في النار التي تُسَمَّى جَهَنَّم، وسُمِّيتْ جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرها وسوادها، فهو مأخوذ من الْجُهْمَة، وقيل: إنه اسمٌ أعجميٌّ عَرَّبتْه العرب، وأيًّا كان فإنه -أعني لفظ جَهَنَّمَ- اسمٌ من أسماء النار أعاذنا الله وإيَّاكم منها.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَمِنْهنا بيانٌ للإبهام؛ أعني إبهام الاسم الموصول في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وعلى هذا فيقتضي أن أهل الكتاب كُفَّار، وهم اليهود والنصارى، وكذلك الأمر؛ فإن اليهود والنصارى كُفَّارٌ حين لم يؤمنوا برسول الله محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن قالوا: إنهم مؤمنون بالله واليوم الآخِر، ويَدْعون لموتاهم بالرحمة وما أشبهَ ذلك من العبارات التي يتزلَّفون بها فإنهم كاذبون؛ إذْ لو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخِر لآمَنوا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلْ لآمَنوا برُسُلهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وُجِد وَصْفُه في التوراة والإنجيل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]، بل إن عيسى صلى الله عليه وسلم قال لبني إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، فلمَّا جاء هذا الرسول الذي بَشَّر به عيسى بالبيِّنات قالوا: هذا سِحْرٌ مُبين، وكَذَّبوه ولم يتَّبعوه، إلا نَفَرًا قليلًا من اليهود والنصارى فقد آمَنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتَّبعوه.
أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، شَرُّ الْبَرِيَّةِأي: شَرُّ الخليقة؛ لأنَّ البَرِيَّة هي الخليقة، وعلى هذا فيكون الكُفَّار من بني آدم من اليهود والنصارى والمشركين شرَّ البريَّة؛ شرَّ الخلائق، وقد بيَّن الله ذلك تمامًا في قوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنفال: ٥٥]، وقال تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٢، ٢٣]، فهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين هم شَرُّ البريَّة عند الله عز وجل، وإذا كانوا هم شَرَّ البريَّة فلن نتوقَّع منهم إلا كلَّ شَرٍّ، لأن الشِّرِّير ينبثق منه الشرُّ، ولا يمكن أبدًا أن نُحسن الظنَّ بهم، قد نَثِقُ بالصادقين منهم كما وَثِق النبي صلى الله عليه وسلم بالمشرك عبد الله بن أُرَيْقِط حين استأجره ليدُلَّه على طريق الهجرة، لكن غالبهم وجمهورهم لا يُوثَق منهم؛ لأنهم شَرٌّ.
تفسير الآية (7)
00:13:01
ولَمَّا ذكر الله حُكم هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ذكر حُكم المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٧]، والقرآن الكريم مَثَانٍ تُثَنَّى فيه المعاني فيُؤتَى بالمعنى وما يقابله، ويُؤتى بأصحاب النار وأصحاب الجنة، ويُؤتى بآيات الترهيب وآيات الترغيب، وهَلُمَّ جرًّا؛ لأجْل أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء، ولئلَّا يَمَلَّ؛ فإن تنويع الأساليب وتنويع المواضيع لا شكَّ أنه يعطي النفس قُوَّةً واندفاعًا، بخلاف ما لو كان الكلام على وتيرةٍ واحدةٍ فإن الإنسان قد يَمَلُّ ولا تتحرَّك نفسُه.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِفخير خَلْق الله عز وجل هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم على طَبَقاتٍ أربع بيَّنها الله في قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، هذه الطبقات الأربع هي طبقات المؤمنين، أعلاها: طَبَقة النُّبُوَّة، وأعلى طبقات النُّبُوَّة طَبَقة الرسالة، ثم بعد ذلك -بعد النُّبُوَّة- الصِّدِّيقِيَّة، وعلى رأس الصِّدِّيقينَ أبو بكرٍ رضي الله عنه. والشُّهداء قيل: إنهم أُولُوا العِلم، وقيل: إنهم الذين قُتِلوا في سبيل الله، والآية تحتمل المعنيينِ جميعًا بدون مناقضة، والذي ينبغي لمفسِّر القرآن أن الآية إذا كانت تحتمل معنيينِ بدون مناقضةٍ أن يحملها على المعنيينِ جميعًا؛ فالشُّهداء هم أُولُوا العلم، وهم الذين قُتِلوا في سبيل الله، وكلُّهم مَرْتبتهم عاليةٌ فوق سائر المتَّبعِينَ للرُّسُل إلا الصِّدِّيقين. قال تعالى: وَالصَّالِحِينَ، وهم أدنى الطبقات، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف طبقاتهم هُم خير البريَّة؛ أي: خير ما خَلَق اللَّهُ عز وجل من البَرَايا.
تفسير الآية (8)
00:15:43
ثم بيَّنَ جزاءَهم فقال: جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البينة: ٨]، وهنا قدَّمَ اللَّهُ الثناءَ على المؤمنين الذين عَمِلوا الصالحات على ذِكْر جزائهم؛ لأن ثَنَاء اللهِ عليهم أعظم مرتبةً وأعلى مَنْقبةً، فلذلك قدَّمه على الجزاء الذي هو جزاؤهم في يوم القيامة.
جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُجَنَّاتُجَمَعَها لاختلاف أنواعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنَّ الجنات «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» ، وإلى هذا يُشير قول الله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦] ثم ذكر أوصافَ هاتين الجنَّتينِ ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢]، فلهم جنَّات.
والجنات التي ذكرها الله تعالى جزاءً للمؤمنين العاملين الصالحات هي عبارة عن منازل عظيمة أعدَّها الله عز وجل للمؤمنين المتَّقين، «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ، ولا يمكن للإنسان في هذه الدنيا أن يتصوَّر كيف نعيم الآخرة أبدًا؛ لأنه أعلى وأَجَلُّ مما نتصوَّر؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنَّةِ مِمَّا في الدنيا إلا الأسماء . لكنَّها تختلف الحقائق اختلافًا عظيمًا.
قال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍالعَدْن بمعنى الإقامة في المكان وعَدَم النُّزُوح عنه، ومِن تمام نعيم أهل الجنة أن كلَّ واحدٍ منهم لا يطلب تحوُّلًا عمَّا هو عليه من النعيم؛ لأنه لا يرى أنَّ أحدًا أَكْملُ منه، ولا يُحِسُّ في قلبه أنه في غضاضةٍ بالنسبة لِمَن هو أرقى منه وأكمل؛ قال الله تبارك وتعالى: لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا عمَّا هم عليه؛ لأن الله تعالى قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحدًا أكمل نعيمًا منهم، ولهذا سَمَّى الله تعالى هذه الجنات جنات عَدْن، أسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من أهلها.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُمِنْ تَحْتِهَاقال العلماء: مِن تحت قصورها وأشجارها، وإلا فهو على سَطْحها وليس أسفل، إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار، والأنهار التي ذكرها الله عز وجل هنا مُجْمَلة فصَّلها في سورة محمد فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، هذه الأنهار، وقد جاء في الآثار من وَصْف هذه الأنهار أنها تجري بغير أُخْدودٍ وبغير خنادق ؛ بمعنى أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجَّه حيث وجَّهَه الإنسانُ، ولا يحتاج إلى شقِّ خنادق ولا إلى بناء أُخدودٍ تمنع سَيَلانَ الماء يمينًا وشِمالًا، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب النونية:
| أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ | سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ |
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [البينة: ٨] أي: ماكثين فيها أبدًا؛ لا يموتون، ولا يَمْرضون، ولا يَبْأسُون، ولا يَأْلمون، ولا يحزنون، ولا يَمَسُّهم فيها نَصَبٌ؛ فهُم في أَكْملِ النعيم دائمًا وأبدًا، أَبَدَ الآبدين، اللهم اجعلنا منهم.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة: ٨] وهذا أَكْملُ نعيمٍ أنَّ الله تعالى يرضى عنهم، فيُحِلُّ عليهم رضوانه فلا يَسْخط بعده أبدًا ، بلْ وينظرون إلى الله تبارك وتعالى بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يشُكُّون في ذلك، ولا يمترون في ذلك، ولا يتضامُّون في ذلك ؛ أي: لا ينضمُّ بعضُهم إلى بعضٍ ليُريه الآخَر، بلْ كلُّ إنسانٍ يراه في مكانه حسب ما أراد الله عز وجل.
ثم قال عز وجل: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: ٨] أي: ذلك الجزاء لمن خَشِيَ الله عز وجل، والخشيةُ هي خَوْفُ الله عز وجل المقرونُ بالهيبة والتعظيم، ولا يصدر ذلك إلا من عالِمٍ بالله؛ كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨]، وبهذا تَمَّتْ هذه السورة العظيمة، وتم ما تيسَّر لنا من الكلام على تفسيرها، ونسأل الله أن يجعلنا جميعًا مِمَّن يتلون كتاب الله حقَّ تلاوته، إنَّه على كل شيءٍ قدير.





