تفسير سورة الحجرات - 1
عدد الزيارات 4513

عناصر المادة :
تفسير الآية (1)
تفسير الآية (2)
تفسير الآية (3)
تفسير الآية (4)
تفسير الآية (5)
تفسير الآيات (6-8)

تفسير الآية (1)
00:00:04

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإننا في هذا اليوم الخميس الأول من شهر رجب عام (١٤١٦هـ) نلتقي مع إخواننا اللقاء المسمى: لقاء الباب المفتوح، وهذا هو اللقاء التاسع بعد المئة.
وقد أكملنا في آخر لقاء تفسير جزء عم سورة النبأ، ورأينا أن نعود فنبدأ بتفسير سور المفصل التي تبتدئ من سورة (ق) عند بعض العلماء أو من سورة الحجرات عند آخرين.
وسنتكلم على سورة الحجرات لما فيها من الآداب العظيمة النافعة، التي ابتدأها الله بقوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١].
واعلم أن الله تعالى إذا ابتدأ الخطاب بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إما خيرٌ تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه، فأرعِه سمعَك واستمع إلَيْه لما فيه من الخير ، وإذا صَدَّر الله الخطاب: بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوادلَّ ذلك على أن التزام ما خوطب به من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان.
يقول عزَّ وجلَّ: لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِقيل: معنى لَا تُقَدِّمُواأي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقول أو بفعل، وقيل: المعنى: لا تقدموا شيئًا بين يدي الله ورسوله، وكلاهما يَصُبَّان في مَصَبٍّ واحد، والمعنى: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ ولا فعل، وقد وقع لذلك أمثلة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ» ؛ لأن الذي يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين كأنه تقدم بين يدي الله ورسوله، فبدأ بالصوم قبل أن يحين وقته؛ ولهذا قال عمار بن ياسر: من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم .
ومن ذلك -أي: من التَّقَدُّمِ بين يدي الله ورسوله- البدعُ بجميع أنواعها، فإنها تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، بل هي أشد التقدم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ»، وأخبر «أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وصدق عليه الصلاة والسلام، فإن حقيقة حال المبتدع أنه يستدرِك على الله ورسوله ما فات مما يدعي أنه شر، كأنه يقول: إن الشريعة لم تكمل، وأنه كملها بما أتى به من البدعة، وهذا معارض تمامًا؛ لقول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] فيقال لهذا الرجل الذي ابتدع: أهذا الذي فعلته كمال في الدين؟
إن قال: "نعم" فإن قوله هذا يستلزم تكذيب قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وإن قال: "ليس كمالًا في الدين" قلنا: إذن هو نقص؛ لأن الله يقول: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢] فالبدعة كما أنها ضلالة في نفسها فهي في الحقيقة تتضمن الطعن في دين الله، وأنه ناقص، وأن هذا المبتدع كمله بما ادعى أنه من شريعة الله عز وجل.
فالمبتدعون كلهم تقدموا بين يدي الله ورسوله ولم يبالوا بهذا النهي، حتى وإن حَسُن قصدُهم فإن فعلهم ضلالة، قد يُثاب على حُسْنِ قصده، ولكنه يوزر على سوء فعله؛ ولهذا يجب على كل مبتدع عَلِمَ أنَّه على بدعة أن يتوب منها، ويرجع إلى الله عز وجل، ويلتزم سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
والبدعة أنواع كثيرة: بدع في العقيدة، بدع في الأقوال، بدع في الأفعال.
أما البدع في العقيدة فإنها تدور على شيئين: إما تمثيل، وإما تعطيل.
إما تمثيل: بأن يثبت لله الصفات لكن على وجه المماثلة، فإن هذا بدعة؛ لأنه لم يكن من طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين فيكون بدعة، فمثلًا يثبت أن للهِ وجهًا، ويجعله مماثلًا لأوجه المخلوقين، أو أن لله يدًا ويجعلها مماثلة لأيدي المخلوقين، وهلُمَّ جَرًّا هؤلاء المبتدعة بلا شك، وبدعتهم تكذيب لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ولقوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، ولقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥].
أما التعطيل فهو على العكس من هذا؛ التعطيل: أن ينكر ما وصف الله به نفسه، فإن كان إنكار جحد وتكذيب فهو كفر، وإن كان إنكار تأويل فهو تحريف، وليس بكفر إذا كان اللفظ يحتمله، فإن كان لا يحتمله فلا فرق بينه وبين إنكار التكذيب، فمثلًا: إذا قال إنسان: إن الله سبحانه وتعالى قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] والمراد باليدين النعمة؛ نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فهذا تحريف؛ لأن النعمة ليست واحدة ولا ألف ولا ملايين؛ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] فليست النعمة اثنتين لا بالجنس ولا بالنوع، فيكون هذا تحريفًا وبدعة؛ لأنه على خلاف ما تلقاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، هذا بدعة في العقيدة.
البدعة في الأقوال: مثل أولئك الذين يبتدعون تسبيحات، أو تهليلات، أو تكبيرات لم تَرِدْ بها السنة، أو يبتدعون أدعية لم ترد بها السنة، وليست من الأدعية المباحة.
وأما الأفعال فكذلك أيضًا مثل: الذين يصفقون عند الذكر، أو يهزون رؤوسهم عند التلاوة، أو ما أشبه ذلك من أنواع البدع، وكذلك الذين يتمسحون بالكعبة في غير الحجر الأسود والركن اليماني، وكذلك الذين يتمسحون بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حجرة قبره الشريف، وكذلك الذين يتمسَّحون بالمنبر الذي يقال: إنه منبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي، وكذلك الذين يتمسَّحون بجدران مقبرة البقيع أو بغير ذلك.
المهم: أن البدع كثيرة: العقدية، والقولية، والفعلية، وكلها من التقدم بين يدي الله ورسوله، وكلها معصية لله ورسوله، فإن الله يقول: لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ».
ومن البدع ما يُصنَع في رجب كصلاة الرغائب التي تصلى ليلة أول جمعة من شهر رجب وهي ألف ركعة يتعبَّدون لله بذلك، وهذه بدعة لا تزيدهم من الله إلا بُعْدًا؛ لأن كل من تقرَّب إلى الله بما لم يَشرَعْه فإنه مبتدع ضال، لا يقبل الله منه تعبده؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ومن التقدم بين يدي الله ورسوله: أن يقول الإنسان قولًا يحكم به بين عباد الله أو في عباد الله وليس من شريعة الله؛ مثل أن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، هذا مستحب بدون دليل، فإن هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله، وعلى مَنْ قال قولًا وتبيَّن له أنه أخطأ فيه عليه أن يرجع إلى الحق، حتى لو شاع القول بين الناس وذاع وانتشر وعمل به مَنْ عمل من الناس؛ فالواجب عليه أن يرجع، وأن يُعلِن رجوعه أيضًا، كما أعلن مخالفته التي قد يكون معذورًا فيها إذا كانت صادرة عن اجتهاد، فالواجب الرجوع إلى الحق، فإنْ تمادى الإنسان في مخالفة الحق فقد تقدَّم بين يدي الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَوهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن التقدُّم بين يدي الله ورسوله مخالف للتقوى، لكن نصَّ عليه وقدَّمه لأهميته، ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَأي: اتخذوا وقاية من عذاب الله عز وجل، وهذا لا يتحقق إلا إذا قام الإنسان بفعل الأوامر وترك النواهي؛ بفعل الأوامر تقرُّبًا إلى الله تعالى ومحبة لثوابه، وترك النواهي خوفًا من عقاب الله عز وجل.
ومن الناس مَنْ إذا قيل له: اتَّقِ الله أخذته العزة بالإثم فتصاعد في نفسه، وعزَّ في نفسه وأوغل في الإثم، وانتفخت أوداجه، وقال: أمثْلِي يقال له: اتق الله؟! وما عَلِم المسكين أن الله خاطب مَنْ هو أشرف منه، ومن هو أتقى عباد الله لله فأمره بالتقوى، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب: ١]، وفي نفس السورة قال الله تعالى: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: ٣٧]، ومن الذي لا يستحق أن يؤمر بتقوى الله؟ كل واحد منا يستحق أن يؤمر بتقوى الله عز وجل، والواجب أنه إذا قيل له: اتق الله أن يزداد خوفًا من الله وأن يراجع نفسه، وأن ينظر ماذا أُمِرَ به؛ إنه لم يُؤْمَر أن يتقي فلانًا وفلانًا، وإنما أُمِرَ أن يتقي الله عز وجل، وإذا فسَّرنا التقوى بذلك أي: بما قلنا من أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره تقرُّبًا إليه ومحبة لثوابه، وتركِ نواهيه خوفًا من عقابه، فإن أيَّ إنسان يترك واجبًا فإنه لم يتق الله، وقد نقص من تقواه بقدر ما حصل منه من المخالفة، فتركُ الصلاة مثلًا ترتفع به التقوى نهائيًّا؛ لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، حتى إن بعض العلماء حكى إجماع الصحابة على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومنهم التابعي المشهور عبد الله بن شقيق رحمه الله؛ حيث قال: كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة ، وكذلك نقَلَ إجماعهم إسحاق بن راهويه، ولم يصح عن أي صحابي أنه قال: إن تارك الصلاة في الجنة، أو إنه مؤمن، أو ما أشبه ذلك، فالتقوى مخالفتها تختلف، قد تكون مخالفتها كفر، وقد تكون دون ذلك، الزاني لم يتقِ الله؛ لأنه زنى فخالف أمر الله وعصاه، السارق لم يتقِ الله، شارب الخمر لم يتقِ الله، العاق لوالديه لم يتقِ الله، القاطع لرحمه لم يتقِ الله، والأمثلة على هذا كثيرة، إذن فقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَكلمة عامة شاملة تشمل كل الشريعة.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌهذه الجملة تحذير لنا أن نقع فيما نهانا عنه من التَّقَدُّم بين يدي الله ورسوله أو أن نخالف ما أمر به من تقواه، سَمِيعٌأي: سميع لما تقولون، عَلِيمٌأي: عليم بما تقولون وما تفعلون؛ لأن العلم أشمل وأعم؛ إذ إن السمع يتعلق بالمسموعات، والعلم يتعلق بالمعلومات، والله تعالى محيط بكل شيء علمًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥].
يقول العلماء رحمهم الله: إن السمع الذي اتصف به ربنا عز وجل ينقسم إلى قسمين: إلى سمع إدراك، وسمع إجابة.
فسمع الإدراك معناه: أن الله يسمع كل صوت؛ خَفِيَ أو ظهر، حتى إنه عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] قالت عائشة رضي الله عنها: الحَمدُ للَّهِ الَّذي وسِع سمعُه الأصواتَ، لقد كنت في الحجرة -أي حجرة النبي صلى الله عليه وسلم- والمرأة تجادله وهو يحاورها وإنه ليخفى عليَّ بعضُ حديثها ، والله عز وجل أخبر بأنَّه سمع، ويسمع كل ما جرى بين هذه المرأة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا نقول له: إنه سمع إدراك.
ثم إن سمع الإدراك قد يُرادُ به بيان الإحاطة والشمول، وقد يراد به التَّهديدُ، وقد يراد به التأييد، فهذه ثلاثة أنواع: قد يراد به بيان الإحاطة والشمول مثل هذه الآية.
وقد يراد به التهديدُ مثل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران: ١٨١]، وانظر كيف قال: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواحين وصفوا الله تعالى بالنقص قبل أن يقول: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَمما يدل على أن وصف الله بالنقص أعظم من قتل الأنبياء، هذا سمع يراد به أيش؟ التهديد.
الثالث: سمع يراد به التأييد ومنه قوله تبارك وتعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، فالمراد بالسمع هنا التأييد؛ يعني: أسمع فأؤيدك أسمع ما تقولان وما يقال لكما.
أما سمع الإجابة فمعناه: أن الله يستجيب لمن دعاه، ومنه قول إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩] أي: مجيب الدعاء، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب له، استجاب لمن حمده فأثابه، ولا أدري أنحن ندرك معنى ما نقوله بصلاتنا؟ أو أننا نقوله تعبدًا ولا ندري ما المعنى، عندما تقول: الله أكبر في تكبيرة الإحرام يعني: أكبر من كل شيء عز وجل ولا نحيط بذلك؛ لأنه أعظم من أن تحيط به عقولنا، وعندما نقول: سمع الله لمن حمده؛ يعني: استجاب الله لمن حمده، ليس المعنى أنه يسمعه فقط؛ لأن الله يسمع مَنْ حمده ومن لا يحمده إذا تكلم، لكن المراد أنه يستجيب لمن حمده بالثواب، فهذا السمع يقتضي الاستجابة لمن دعاه.
أما قوله تعالى: عَلِيمٌفالمراد أنه ذو علم واسع قال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢].
عندما تؤمن -أيها الأخ- بأن الله سميع وأن الله عليم، هل يمكن وأنت في عقلك الراشد أن تقول ما لا يرضيه؟! لا؛ لأنه يسمع، فلا ينبغي لك أن تُسمِع الله ما لا يرضاه منك، أسمعْه ما يحبه ويرضاه، إذا كنت مؤمنًا حقًّا بأن الله سميع، أعتقد لو أن أباك نهاك عن قول من الأقوال، فهل تتجرَّأ أن تسمعَه ما نهاك عنه؟ لا.
فالله أعظم وأجل، فاحذرْ أن تُسمِع الله ما لا يرضاه منك، إذا آمنت بأنه بكل شيء عليم، وهذا أعم من السمع؛ لأنه يشمل القول والفعل وحديث النفس، حتى ما توسوس به نفسك يعلمه عز وجل، إذا علمت ذلك هل يمكن أن تفعل شيئًا لا يرضيه؟ لا.
لأنه ليس المقصود من إخبار الله عنا بأنه عليم بكل شيء أن نعلم هذا ونعتقده.
المقصود هذا والمقصود شيء آخر وهو الثمرة والنتيجة التي تترتب على علمنا بأنه بكل شيء عليم، إذا علمنا بأنه بكل شيء عليم هل نقول ما لا يرضاه؟ لا؛ لأنه سوف يعلمه، إذا علمنا بأنه بكل شيء عليم هل نعتقد ما لا يرضى؟ لا؛ لأننا نعلم أنه يعلم ما في قلوبنا، قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]، بل قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال: ٢٤] يَحُول بينك وبين قلبك.
فعلى كل حال: يجب علينا -يا أيها الإخوة- أنه إذا مرَّ بنا اسم من أسماء الله أو صفةٌ من صفات الله، أن نؤمن بهذا الاسم وهذه الصفة، وأن نقومَ بما هو الثمرة من الإيمانِ بهذا الاسم أو الصفة.
أسأل الله تعالى أن يرزقَنا وإياكم الاستقامة في ديننا ودنيانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.

***

تفسير الآية (2)
00:24:18

تكلَّمْنا على قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١]، وهذا أدب عظيم وجَّه الله تعالى عباده إليه.
أما الأدب الثاني ففي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢].
فالآيةُ الأولى فيها النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في أي شيء، سواء من الأقوال أو الأفعال أو غيرها، وبينَّا ما تدل عليه الآية فيما سبق، أما الثانية فهي في رفع الصوت وإن لم يكن هناك تقدم في الأحكام من تحليل أو تحريم أو إيجاب، الصوت يقول الله عز وجل: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّفإذا خاطبك النبي صلى الله عليه وسلم بصوت فاخفض صوتك عن صوته، وإذا رفع صوته فارفع صوتك، لكن لا بد أن يكون دون صوت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍيعني: لا تنادونه بصوت مرتفع كما ينادي بعضكم بعضًا، بل يكون جهرًا بأدب وتشريف وتعظيم يليق به صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا كقوله: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] يعني: إذا دعاكم لشيء فلا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم لبعض، إن شئتم أجبتم وإن شئتم فلا تجيبوا، بل يجب عليكم الإجابة، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] وهنا قال: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.
كذلك أيضًا لا تنادونه بما تتنادون به، فلا تقولون: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! يا نبي الله! وما أشبه ذلك، وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَيعني: كراهة أن تَحْبَط أعمالكم؛ يعني: إنما نهيناكم عن ذلك عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، ففي هذا دليل على أن الذي يرفع صوتَه فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم أو يجهر له بالقول كجهره لبعض الناس فيه أنه قد يحبط عمله من حيث لا يشعر؛ لأن هذا قد يجعل في قلب المرء استهانة بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستهانة بالرسول ردة عن الإسلام توجب حبوط العمل.
ولما نزلت هذه الآية كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه كان جهوريَّ الصوت، وكان من خطباء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما نزلت هذه الآية تغيَّب في بيته، وصار لا يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فافتقده الرسول وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلت الآية، فأرسل إليه رسولًا يسأله فقال إن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَوأنه قد حبط عمله، وإنه من أهل النار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا به، فحضر وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، وقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» قال: بلى، رَضيتُ ، فقُتِلَ رضي الله عنه شهيدًا في وقعة اليمامة، وعاش حميدًا وسيدخل الجنةَ بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك كان ثابت رضي الله عنه ممن يُشهَد له بأنه من أهل الجنة بعينه؛ لأن كل إنسان يشهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّه في الجنة فهو في الجنة، وكل إنسان يشهد له بأنه في النار فهو في النار، وأما من لم يشهد له الرسول فنشهد له بالعموم، نقول: كل مؤمن في الجنة، كل كافر في النار، ولا نشهد لشخص معين بأنه من أهل النار أو من أهل الجنة؛ إلا بما شهد له الله ورسوله.
وفي هذه الآية الكريمة: بيان تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز للإنسان أن يجهر له بالقول كجهره لسائر الناس، وأنه لا يجوز له أن يرفع صوته على صوت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما نزلت هذه الآية تأدَّب الصحابة رضي الله عنهم بذلك حتى كان بعضهم يكلمه مسارَّة، ولا يفهم الرسول ما يقول من إسراره حتى يستثبته مرة أخرى.
وفي هذه الآية: دليل على أن كل من استهان بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام فإن عمله حابط؛ لأن الاستهانة بالرسول عليه الصلاة والسلام ردة، والاستهزاء به ردة، كما قال الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥] وكانوا يقولون: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء -يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه- يقولون: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء أرغب بطونًا -يعني: أوسع- ولا أجبن عند اللقاء، ولا أكذب ألسُنًا .
فأنزل الله هذه الآية، ولما سألهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك قالوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ-يعني: نتكلم بكلام لا نريده ولكن لنقطع به عنا الطريق- فأنزل الله هذه الآية: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
ولهذا كان الصحيح: أن من سبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر مرتد، فإن تاب قَبِلْنا توبته لكننا لا نرفع عنه القتل، بل نقتله أخذًا بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قتلناه بعد توبته النصوح الصادقة صلينا عليه كسائر المسلمين الذين يتوبون من الكفر أو من المعاصي.
تفسير الآية (3)
00:32:33

ثم أثنى الله تعالى على الذين يغُضُّون أصواتهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٣] لما نهى عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض، أثنى على الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، أي: يخفضونها، ويتكلمون بأدب، فلا إزعاج ولا صخب ولا رفع صوت، لكن يتكلمون بأدب وغض، قال الله: أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىأعاد الإشارة فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَتعظيمًا لشأنهم، ورفعة لمنزلتهم؛ لأن أولاء من أسماء الإشارة الدال على البعد، وذلك لعلو منزلتهم، وإلا لكان الكلام يتم لو قال: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لكن أتى باسم الإشارة بيانًا لرفعة منزلتهم وعلوها.
امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْقال العلماء: معناه أخلصها للتقوى، فكانت قلوبهم مملوءة بتقوى الله عز وجل، ولهذا تأدَّبوا بآداب الله الذي وجه لها، فغضوا أصواتهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثوابهم: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌمغفرة من الله لذنوبهم، وأجر عظيم على أعمالهم الصالحة، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الصلاح صلاح القلب؛ لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «التَّقْوَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ» الذي هو محل القلب ثلاث مرات؛ التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ولا شك أن التقوى تقوى القلب، أما تقوى الجوارح وهي إصلاح العمل ظاهرًا فهذا يقع حتى من المنافقين، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: ٤]، لكن الكلام على تقوى القلب، هي التي بها الصلاح، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم ذلك.
أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىيفعل بعض الناس المعاصي وإذا أنكرتَ عليه قال: التقوى هاهنا، كأنه يزكي نفسه، وهو قائم بمعصيةِ الله، فنقول له بكل سهولة: لو كان ما هاهنا متقيًا لكانت الجوارح متقية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» تلاقي شخصًا مُصِرًّا على معصية ما، كإسبال الثوب، حلق اللحية، شرب الدخان، وتنهاه وتخوفه من عقاب الله، فيقول لك: التقوى هاهنا، والجواب أن نقول: لو كان ما هاهنا فيه تقوى، لكان ما هاهنا فيه تقوى الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

***

تفسير الآية (4)
00:36:19

ثم قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤] هذه الآية تشير إلى قوم أَتَوْا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان معهم قوم جفاة، لا يُقدِّرون الأمور قدرها، فجعلوا يُنادُون النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أي حجرات نسائه، ويرفعون أصواتهم بذلك، يريدون أن يَخْرُجَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم، يقول الله في هؤلاء: أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَيعني: ليس عندهم عقل، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد، لأن العقل عقلان: عقل رشد، وعقل تكليف.
فأما عقل الرشد فضده السفه، وأما عقل التكليف فضدُّه الجنون، فمثلًا إذا قلنا: يشترط لصحة الوضوء أن يكون المتوضئ عاقلًا مميزًا، فالمراد بالعقل هنا عقل التكليف، وإذا قلنا: يشترط للتصرف في المال أن يكون المتصرِّفُ عاقلًا أي: عقل رُشْدٍ يحسِن التصرف.
فالمراد بقوله هنا: أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَأي: لا يعقلون عقل رشد، لأنهم لو كانوا لا يعقلون عقلَ تكليف لم يكن عليهم لوْمٌ ولا ذم؛ إذ إن المجنون فاقد العقل لا يلحقه لوم ولا ذم، وهذا واضح.
وقوله: أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَيُفهَم منه أن بعضهم يعقل، وأنه لم يحصل منه رفع صوت، بل هو متأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفسير الآية (5)
00:38:48

ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ [الحجرات:٥] أي: من بيتك، وتكلمهم بما يريدون، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْخيرا لهم في أيش؟ خيرًا لهم في أنهم يلتزمون الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وحاجتهم سوف تقضى؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأته أحد في حاجة إلا قضاها إذا كان يدركها، وهو أحق الناس بقول الشاعر:
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُ نَعَمُ

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌوفي قوله تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌإشارة إلى أن الله غفر لهم ورَحِمَهم، وهذا مِنْ كَرَمِه جلَّ وعلا أنه يغفِر ويرحَم، وقد أخبر اللهُ تعالى في كتابه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَأي: ما سوى الشرك لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] فكل أحدٍ أذنب ذنبًا دون الشرك مهما عظُم فإنَّه تحت مشيئةِ اللهِ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له ما لم يتُبْ، فإذا تاب فلا عذاب؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
هنا قلنا: إن الآية تدلُّ على أن الله غفر لهم ورحمهم، فمِن أين نأخذ هذه الدلالة؟ نأخذها مِنْ أنَّ الله ختم الآية بقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌوهذا يدلُّ على أنَّه غفر لهم ورحِمهم، ولذلك قال العلماء في قول الله تعالى: في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعَوْن في الأرض فسادًا قال: جزاؤهم أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٣، ٣٤] أخذ العلماء من هذه الآية: أن هؤلاء المفسدين المحاربين لله ورسوله إذا تابوا قبل القُدْرَةِ علَيْهِم سقط عنهم العذاب، واستدلوا بأن الله ختم الآية بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌأي: قد غفر لهم ورحمهم، وهذه نكتة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها في الآيات؛ أن ختم الآية بعد ذكر الحكم دليل على ما تقتضيه هذه الأسماء التي خُتِمَت بها الآية،؛ ولهذا قرأ رجل قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم)، فسمعه أعرابي عنده، فقال له: أعد الآية. فأعادها وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، قال له: أعد الآية. فأعادها فقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨] فقال: الآن -يعني: الآن أصبت- ثم علَّلَ؛ قال: لأنه لو غفر ورحم ما قطع، ولا تتناسب المغفرة والرحمة مع القطع، لكنه عزَّ وحكم فقطع.
فتأمل هذا الفهم فإنه مفيد لك جدًّا.
الشاهد من هذا أن قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات: ٥] أن الآية تدل على أن الله غفر لهم ورحمهم.

***

تفسير الآيات (6-8)
00:43:37

ثم قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرْعِها سمعَك -يعني: استمع لها- فإما خير تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهى عنه ؛ لأن هذه نداء بأشرف الأوصاف وهو الإيمان يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوافمن هو الفاسق؟ الفاسق هو مَن انحرف في دينه ومروءته، وضده العدل: وهو من استقام في دينه ومروءته، وهو ضد الفاسق، فإذا جاءنا فاسق منحرف في دينه ومروءته، بمعنى أنه مُصِرٌّ على المعاصي تارك للواجبات، لكنه لم يصل إلى حد الكفر، أو منحرف في مروءته، لا يبالي بنفسه يمشي بين الناس مشية الهوجاء، ويتحدث برفع صوت، ويأتي معه بأغراض بيته يطوف بها في الأسواق وما أشبه ذلك مما يخالف المروءة، فهذا عند العلماء ليس بعدل.
في هذه الآية يقول الله عز وجل: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍخبر، أي: خبر من الأخبار وهو فاسق، ولنطبق هذه المسألة على الواقع: جاءنا رجل حالق اللحية، حالق اللحية فاسق؛ لماذا؟ لأنَّه مُصِرٌّ على معصية الله ورسوله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَعْفُوا اللِّحَى» وهذا لم يعفُ لحيَتَه، بل حلقها، فهذا الرجل من الفاسقين؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية، جاءنا بخبرٍ، هل نقبله؟ لا، هل نرده؟ لا، لا نقبله؛ لما عنده من الفسق، ولا نرده؛ لاحتمال أن يكون صادقًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: فَتَبَيَّنُواولم يقل: فردُّوه، ولم يقل: فاقبَلوه، بل يجب علينا أن نتبين، وفي قراءة: {فَتَثَبَّتُوا} وهما بمعنى متقارب، المعنى: أن نتثبت.
فإذا قال قائل: إذن لا فائدة مِن خبرِه، قلنا: لا، بل في خبره فائدة؛ وهو أنه يحرِّك النفس، حتى نسأل ونبحث؛ لأنه لولا خبرُه ما حرَّكنا ساكنًا، لكن لما جاء بالخبرِ نقول: لعلَّه كان صادقًا فنتحرك، ونسأل ونبحث، فإنْ شَهِدَ له الواقعُ بالحقِّ قبلْناه؛ لوجودِ القرينة الدالة على صدقه وإلا رددناه.
وقوله سبحانه وتعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوايفيد أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل الخبر، لكن هذا فيه تفصيل عند العلماء دلَّ عليه القرآن والسنة، فمثلًا: الشهادة بالزنا؛ لو جاءنا رجل عدل في دينه مستقيم في مروءته وشهد أن فلانًا زنى، هل نقبل شهادته؟ لا، وإن كان عدلًا، بل نجلِدُه ثمانين جلدةً؛ لأنه قذف هذا الرجل البريء بالزنا، وقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة [النور: ٤]، فنجلده ثمانين جلدة ولا نقبل له شهادة أبدًا، ونحكم بأنه فاسق، وإن كان عدلًا حتى يتوب.
شهد رجلان عدلان على زيدٍ أنه زنى، نقبل شهادتَهما؟ لا، ثلاثة؟ لا، أربعة؟ نعم؛ لأن الله تعالى قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وقال تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣] حتى وإن كانوا صادقين، لو جاءنا ثلاثة نعرف أنهم ثقات عدول وشهدوا بالزنا على شخص، فهم عند الله كاذبون غير مقبولين، وكما قلت لكم: نجلد كل واحد ثمانين جلدة.
جاءنا رجل شهد على شخص بأنه سرق، هل نقبل شهادته؟ لا، لا بد من رجلين.
جاءنا رجل شهد بأنَّه رأى هلال رمضان، نقبل شهادته؟ نعم، نقبلها؛ لأن السنة وردت بذلك، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: تَراءى النَّاسُ الهِلالَ -يعني: ليلة الثلاثين من شعبان- فأخْبَرْتُ النَّبِيَّ صلى الله علَيه وسلم أنِّي رأيتُه فصام وأمر الناس بالصيام .
رجل كان غنيًّا فأُصيبَ بجائحة، ثم جاء يسأل من الزكاة، وأتى بشاهد أنه كان غنيًّا أصابته جائحة وافتقر، فهل نقبل شهادة الواحد؟ لا، نقبل شهادة اثنين؟ لا، لا بد من ثلاثةٍ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة: «إنَّهَا لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ» وذكر منها: «رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ -يعني: اجْتاحَتْ ماله- فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ» ؛ «ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا» يعني: من ذوي العقل.
فالحاصل: أن الفاسقَ ما موقفنا مِن خبرِه؟ التَّوقُّف حتى يتبينَ الأمر، غير الفاسق، فيه تفصيل، قد لا نقبل إلا خبر أربعة كما في الزنا، أو ثلاثة كما في الرجل الذي كان غنيًّا، فأُصيبَ بجائحةٍ ثم جاء يسأل الصدقة، فإنَّنا لا نقبل منه حتى يشهد ثلاثة؛ رجلان فيما لو شهد إنسان بحدِّ سرقة فإننا لا نقبل إلا رجلين.
ممكن نقبل: رجل مع يمينِ المدَّعي، كما لو ادَّعى شخصٌ على آخر بأنه يطلبه بألف ريال، فقلنا للمدعي: هات بينة، قال: عندي رجل واحد، إذا أتى بالرجل الواحدِ وحلف معه حكمنا له بما ادعاه؛ وعلى هذا فخبر العدل فيه تفصيل على ما سمعتم، وفي أشياء لا يتسع المقام لذكرها.
ثم بيَّن الله عز وجل الحكمة من كوننا نتبيَّن بخبرِ الفاسق فقال: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦] يعني: أمرناكم أن تتثبتوا كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لأن الإنسان يتسرع، ولم يتثبت فقد يعتدي على غيره بناء على الخبر الذي سمعه من الفاسق، وقد يكرهه، وقد يتحدث فيه في المجالس، فيصبح بعد ذلك إذا تبيَّن أن خبر الفاسق كذبًا يصبح نادمًا على ما جرى منه.
وفي هذه الآية: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما ينقل من الأخبار، ولا سيما مع الهوى والتعصب، إذا جاءك خبرٌ عن شخص وأنت لم تثق بقول المخبر يجب أن تتثبت وألا تتسرع في الحكم؛ لأنَّك ربما تتسرَّع وتبني على هذا الخبر الكاذب فتندم فيما بعد، ومن ثم جاء التحذير من النميمة: وهي أن ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» -أي: نَمَّام-، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بقبرَيْن يُعذَّبان فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ -أي: في أمر شاق عليهما- أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» -أو «لَا يَسْتَبْرِئُ» أو «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» ، روايات- «وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» يمشي بين الناس يَنُمُّ الحديث إلى الآخرين ليفسد بين الناس، ثم أخذ جريدة رَطْبَةً فشقَّها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلتَ هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» .
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:٦]، ومن هذا النوع ما يُنسَب إلى بعض العلماء من الفتاوي التي لم يتكلم بها إطلاقًا أو تكلم بضد ما ينقل عنه، فإن بعض الناس قد يفهم من العالم كلمة على غير مراد العالم بها، وقد يسأل العالم سؤالًا يتصوَّره العالم غير ما في نفس هذا السائل، ثم يجيب على حسب ما فهمه، ثم يأتي هذا الرجلُ وينشُر هذا القول الذي ليس بصحيحٍ، وكم من أقوال نُسِبَت إلى علماء أجلاء ولكن لم يكن لها أصل، لهذا يجب التثبُّت فيما ينقل عن العلماء أو غير العلماء، ولا سيما كما قلت لكم آنفًا لا سيما في هذا الزمن الذي كثُرَت فيه الأهواء وكثُر فيه التَّعصُّب، وصار الناس كأنهم يمشون في عماء.
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ٧]، هذه الآية كما تعلمون جاءت بعد قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات: ٦، ٧].
وسبب ما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم بلَغَه عن قومٍ ما ليس فيهم، فأمر الله تعالى بالتأكُّد من الأخبار إذا جاء بها مَن لا تعرف عدالته، وكأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعاقب هؤلاء الذين بلغه عنهم ما بلغه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل بعد أن نزلت عليه الآية: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.
ولكن العبرة بعموم اللفظ، وهو قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْأي: لشَقَّ عليكم ما تطلبونه من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهذا له أمثلة كثيرة؛ منها: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قام بأصحابِه في رمضان يصلِّي بهم صلاة القيام، فانصرف وقد بقي من الليل ما بقي، فقالوا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -يعني: طلبوا منه أن يقيم بهم كل الليل- ولكنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» ولم يوافقهم على طلبهم، لما في ذلك من العَنَتِ والمشقة.
ومنها: أن نفرًا من أصحابِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحثوا عن عمله في السِّرِّ -يعني: فيما لا يَظْهَرُ للنَّاس- وهو العمل الذي يفعله في بيتِه من العبادات فكأنَّهم تقالُّوها، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر؛ يعني: وأمَّا هم فلم يكن لهم ذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوَّج النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فحذَّرهم أن يعملوا عملًا يشق عليهم.
ومن ذلك أيضًا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه أنَّه بلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم قولَه: أنه ليصومن النهار وليقومن الليل ما عاش، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أَنْتَ قُلْتَ هَذَا؟» قال: نعم، قال: «إِنَّكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ» ثم أرشده إلى ما هو أفضل وأهون.
والحاصل: أنه يوجد من الصحابة رضي الله عنهم مَنْ له هِمَّةٌ عالية، لكنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يطيعهم في كثيرٍ من الأمر؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ عليهم لو أنَّه أطاعَهم.
ثم قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ.
قد يقولُ قائلٌ: ما هو ارتباط قوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَبقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ؟
والجواب: أنَّكم تطيعونه -أي: الرسول عليه الصلاة والسلام- فيما يخالفكم فيه؛ لأن اللهَ حبب إليكم الإيمان، فتُقَدِّمون طاعةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما خالفكم فيه؛ لأنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، وهذا استدراكٌ من أبلغ ما يكون من الاستدراك؛ يعني: ولكن إذا خالفكم النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأمر الذي تريدونه فإنَّكم لن تكرهوا ذلك، ولن تخالفوه ولن تحملوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بسببه وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَأي: جعله محبوبًا في قلوبكم وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْيعني: جعلكم تحبونه، وزيَّنه في قلوبكم بحيث لا تتركونه بعد أن تقوموا به؛ وذلك أن فعل الإنسان الشيء للمحبة قد يكون محبةً عارضة، لكن إذا زُيِّنَ له الشيء ثبتَت المحبة ودامت؛ ولهذا قال: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَوهذا في القلب، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْأيضًا في القلب، لكن إذا زين الشيء المحبوب إلى الإنسان فإنه يستمر عليه ويثبت عليه.
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَكرَّه إليكم الكُفْرَ الذي هو مقابلُ الإيمانِ، والفسوقَ الذي هو مقابلُ الاستقامة، والعصيانَ اللي هو مقابل الكمال، وهذا تدرُّج من الأعلى إلى ما دونه، الكفر أعظم من الفسق، والفسق أعظم من العصيان، فالكفر: هو الخروج من الإسلام بالكلية، وله أسباب معروفة في كتب أهل العلم ذكرها الفقهاء رحمهم الله في باب أحكام المرتد، وأما الفسق فهو دون الكفر لكنه فعل كبيرة؛ أن يفعل الإنسان كبيرةً من الكبائر ولم يتب منها؛ كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، وما أشبه ذلك، والعصيان دون هذا، والعصيان هو الصغائرُ التي تكفر بالأعمال الصالحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» فالمؤمنون الخُلَّص حَبَّب اللهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَأولئك المشار إليه مَنْ حَبَّب الله إليهم الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَيعني: الذين سلكوا طريق الرشد، والرشد في الأصل حسن التصرف، وهو في كل موضع بحسبه، فالرشد في المال أن يُحسِن الإنسانُ التَّصرفَ فيه، ولا يبذله في غير فائدة.
والرشد في ولاية النكاح مثلًا: هو أن يكون الولي عارفًا بالكفء ومصالح النكاح.
والرشد في الدين: هو الاستقامة على دين الله عز وجل، فهؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان هم الراشدون.
وهنا تجدون هذه الأفعالَ كلها مضافة إلى الله: حبَّب مَن؟ زيَّنه الله.. كره الله عز وجل..
ولهذا قال بعدها: فَضْلًا مِنَ اللَّهِيعني: أن الله أفْضَلَ عليكُم فضلًا أي: تَفَضُّلًا منه، وليس بكسبِكم ولكنه من الله عز وجل، ولكن ليُعْلَم أنَّ الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الإيمان في الشخص؛ فمن علم الله منه حُسْنَ النية وحسن القصد والإخلاص حبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن لم يعلم الله منه ذلك فإن الله تعالى يقول: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، ويقول عزَّ وجل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، فالذنوب سببٌ للمخالفة والعصيان، فهؤلاء الذين تفضَّل الله عَلَيْهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وُفِّقوا للحَقِّ قال الله عز وجل: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةًيعني: إنعامًا منه عليهم.
والنعمة نعمتان: نعمة في الدنيا، ونعمة في الآخرة.
فأما الكفار فهم مُنَعَّمون في الدنيا كما قال الله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٥ - ٢٧] أي: تَنَعُّمًا، فهؤلاء -أعني الكفار- عليهم نعمة في الدنيا، لكن في الآخرة عليهم العذاب واللعنة والعياذ بالله.
أما المؤمن فإنه يحصُل على النِّعْمَتَيْنِ جميعًا على نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، حتى وإن كان فقيرًا أو مريضًا أو عقيمًا أو لا نسبَ له، فإنه في نعمة؛ لقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧].
هنا قال: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةًالمراد بالنعمة هنا نعمةُ الدِّين التي تَتَّصِلُ بنعمة الآخرة.
وخلاصة الكلام في النعمة أن هناك نعمتين: نعمة عامة لجميع الخلق؛ الكافر والمؤمن، والفاسق والمطيع، ونعمة خاصة للمؤمن، وهذه النعمة الخاصة تتصل بنعمة الدين والدنيا، وأما الأولى فإنها خاصة بنعمة الدنيا فقط لتقوم على الكفار الحجة.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌهذان اسمان من أسماء الله يَقْرِنُ الله بينهما دائمًا العلم والحكمة، عليم بكل شيء؛ قال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:٣٤]، وقال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:٥٩]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:٥].
فعِلْمُ اللهِ تعالى محيطٌ بكلِّ شيءٍ، والإنسان إذا عَلِم أن عِلْم الله محيط بكل شيء حتى ما يُضْمِرُه في قلبه فإنه يخاف، ويرهب، ويهرب من الله إليه عز وجل، ولا يقول قولًا يغضب الله، ولا يفعل فعلًا يغضب الله، ولا يضمر عقيدة تُغْضِب الله؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك لا يخفى عليه.
وأما الحكيم فهو ذو الحكمة البالغة، والحكمة هي: أن جميع ما يَحْكُم به جل وعلا موافق مطابق للمصالح، ما من شيء يحكم الله به إلا وهو حكمة عظيمة؛ قال الله تبارك وتعالى: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:٥]، وقال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:٨]، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠] هذا معنى الحكيم؛ أي: ذو الحكمة البالغة.
وله معنى آخر وهو: ذو الحُكْمِ التام؛ فإن الله تعالى له الحكم، كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٥٩]، ولا أحَدَ يحكم بهواه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: ٧١].
نسألُ الله تعالى أن يتولَّانا وإيَّاكم برحمته وعفوه، وأن يجعلنا مِمَّن عَلِمَ وانتفع بعلِمه؛ إنه على كل شيء قدير.