تفسير الآية (9)
تفسير الآية (10)
تفسير الآية (11)
تفسير الآية (12)
تفسير الآية (13)
تفسير الآية (14)
تفسير الآية (15)
تفسير الآية (16)
تفسير الآية (17)
تفسير الآية (18)
تفسير الآية (9)
00:00:04
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في هذا اللقاء نتكلَّم على قولِ الله تبارك وتعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩].
طَائِفَتَانِمفردها طائفة: وهي الجماعة من الناس.
وقوله: اقْتَتَلُواجمع؛ وإنما جَمَع؛ لأن الطائفة تشتمل على أفرادٍ كثيرين؛ فلذلك صَحَّ أن يعود الضمير على المثنى بصيغة الجمع مراعاة للمعنى، وإلَّا لكان مقتضى التثنية أن يقول: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا، ليطابق الضمير مرجعه، لكنه عاد إليه بالمعنى.
والاقتتال بين المؤمنين له أسباب متعددة: إما دماء تقع بينهم، وإما نعرة قبليَّة ودعوة جاهلية، وإما خلاف بينهم في حدود، أو غير ذلك، المهم أن أسبابه متعددة، و«الشَّيْطَانُ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ بِالتَّحَرِيشِ بَيْنَكُمْ» يحرِّش بينهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضًا، فإذا حصل الاقتتالُ فالواجب على المؤمنين الآخرين الصلح بينهما؛ ولهذا قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاأي: اسعوا للصلح بكل وسيلة حتى ولو كان ببذل المال، والتنازل عن الحق لأحدهما عن الآخر؛ لأن الصلح لا بُدَّ فيه من أن يتنازل أحد الطرفين عما يريد من كمال حقه، وإلا لما تم الصلح؛ ولهذا لما قال الله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌقال: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: ١٢٨] كل إنسان يريد أن يتم قوله فلا بد من التنازل.
فإذا أصلحنا بينهما قال: فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِييعني: لو فُرِضَ أنَّ بعد الصلح عادت إحدى الطائفتين تقاتل الأخرى، فهنا لا صُلْح، ماذا نصنع معهما؟ نقاتل التي تبغي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِأي: ترجِعَ إليه، وأمر الله يعني: دينه وشرعه.
فانظر في أول الأمر الإصلاح، فإذا تم الصلح وبغت إحداهما على الأخرى وجب أن نساعد المبغي عليها فنقاتل معها من بغت فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِفإذا فاءت فإنه يجب الكف عن قتالها، ولا يجوز أن نُجْهِزَ على جريح، ولا أن نتبع مُدْبِرًا، ولا أن نَسْبِيَ ذرية، ولا أن نغنَمَ مالًا؛ لأنَّ هؤلاء مؤمنون.
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَإن فاءت إلى أمر الله بعد أن قاتلناها ورجعت ووضعت الحرب وجب أن نصلح بينهما بالعدل.
وهذا غير الإصلاح الأول؛ الإصلاح الأول بوقف القتال، وهذا الإصلاح بالتضمين، أي: أن ننظر ماذا تَلَف على كل طائفة ثم نسوي بينهما بالعدل، فمثلًا: إذا كانت إحدى الطائفتين أتلفت على الأخرى ما قيمته مليون ريال، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته مليون ريال، فحينئذ أيش؟ تتعادل الطائفتان وتتساقطا، فإن كانت إحداهما أتلفت على الأخرى ما قيمته ثمان مئة ألف ريال، والأخرى أتلفت ما قيمته مليون، فالفرق إذن مئتا ألف ريال نحملها على الأخرى التي أتلفت ما قيمته مليون؛ ولهذا قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ.
وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَأَقْسِطُواهذا أمر بالقسط وهو العدل، وهذا تأكيد لقوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَأي: يحبُّ العادلين، وقد ثبت عن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ: الَّذين يَعْدِلُون فِي أَهْلِيهِمْ وَما وَلُوا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ» .
تفسير الآية (10)
00:06:23
ثم قال الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] هذا كالتعليل لقوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، يعني: إنما أوجب الله علينا الإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين؛ لأن المؤمنين إخوة، الطائفتان المقتتلتان هما أخوان، ونحن أيضًا إخوة لهم، حتى مع الاقتتال.
فإذا قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ، والكافر ليس أخًا للمؤمن؟
فالجواب أن يقال: إن الكفر الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام هو كفر دون كفر، فليس كل ما أطلَقَ الشَّرْعُ عليه أنه كفر يكون كفرًا، فهنا صرَّح الله عز وجل بأن هاتين الطائفتين المقتتلتين إخوة لنا، مع أن قتال المؤمن كفر، فيقال: هذا كفر دون كفر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» ومعلوم أن الطاعن في النسب والنائحة على الميت لا يُكَفَّر كفرًا أكبر، فدلَّ ذلك على أن الكُفْرَ في شريعة الله في الكتاب وفي السنة كفران: كفرٌ مُخْرِجٌ عن الملَّةِ، وكفر لا يخرج عن الملة.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠] وفي هذا من الحمل على العطف على هاتين الطائفتين المقتتلتين ما هو ظاهر؛ لقوله: إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْكما أنك تصلح بين أخويك الأشقاء من النسب فأصلح بين أخويك في الإيمان.
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠] يعني اتقوا الله تعالى بأن تفعلوا ما أمركم به، وتتركوا ما نهاكم عنه؛ لأنكم إذا قمتم بهذا فقد اتخذتم وقاية من عذاب الله وهذه هي التقوى، وعلى هذا فكلما سمعت كلمة تقوى في القرآن فالمعنى: أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَأي: ليرحمكم الله عز وجل إذا اتقيتموه.
هنا نسأل عما قلنا الآن: كيف يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»
طالب: نقول: إن الكفر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم كفرٌ دون كفر، لا يقصد النبي صلى الله عله وسلم إطلاقَ لفظِ الكُفْرِ يقصد به الكفرَ الذي يخرِجُ مِن الملَّة.
الشيخ: أحسنت -بارك الله فيك- نقول: كفر دون كفر، وليس الكفر الذي يخرج من الملة، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تتناقض. (...)
تفسير الآية (11)
00:09:59
نكمل فيهما سبق أن بدأنا به من آية الحجرات وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات: ١١].
والسخرية: سبق أنها الاحتقار والازدراء، وأن قوله: عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْوخَيْرًا مِنْهُنَّيعني: عند الله أو في المستقبل أو في الواقع، يعني أنه إذا سخر رجل من آخر فهذا المسخور منه قد يكون عند الله خيرًا من الساخر، وقد يكون في نفس الوقت خيرًا من الساخر، وقد يكون في المستقبل خيرًا من الساخر.
ثم قال عزَّ وجل: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] اللَّمز: العيب، بأن تقول: فلان بليد، فلان طويل، فلان قصير، فلان أسود، فلان أحمر، وما أشبه ذلك مما يَعُدُّ عيبًا.
وقوله: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْفُسِّرت بمعنَيَيْنِ: المعنى الأول: لا يلمِزُ بعضُكم بعضًا؛ لأنَّ كل واحد منا بمنزلة نفسِ الإنسان، أخوك بمنزلة نفسك، فإذا لمزته فكأنما لمزت نفسك.
وقيل: إن المعنى لا تلمز أخاك؛ لأنك إذا لمزتَه لمزَك، فلمزُكَ إيَّاه سببٌ لكونه يلمِزُك، وحينئذ تكون كأنك لَمَزْتَ نفسَك، وعليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» فقالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والدَيْه؟! قال: يسُبُّ أبا الرَّجُلِ فيَسُبُّ أباه، ويسُبُّ أُمَّه فيَسُبُّ أُمَّه» .
على كل حال في الآية: تحريم عيب المؤمنين بعضهم بعضًا، فلا يجوز لك أن تعيبَ أخاك بصفة خَلْقِيَّة أو صفة خُلُقِيَّة.
أما الصفة الخَلْقِيَّة التي تعود إلى الخِلْقَةِ، فإن عيبَك إيَّاه في الحقيقة عيب لخالقه عز وجل، مَن الذي خلق الإنسان؟ الله عز وجل، مَن الذي جعله على هذه الصفة؟ الله عز وجل، هل الإنسان يمكن أن يكمل خِلْقَتَه، فيكون الطويلُ قصيرًا أو القصير طويلًا، أو القبيح جميلًا أو الجميل قبيحًا؟ هذا لا يمكن، فأنت إذا لمزْتَ إنسانًا وعبْتَه في خلقته؛ فقد عبت الخالق في الواقع، أليس كذلك؟
ولهذا لو وجدنا جدارًا مبنيًّا مائلًا، وعبْنا الجِدار، هل عيبُنا للجدارِ أو لباني الجِدار؟ لباني الجدار، إذن، إذا عِبْتَ إنسانًا في خِلْقَتَه، فكأنَّما عِبْتَ الخالقَ عزَّ وجلَّ، فالمسألة خطيرة.
أما عيبُه في الخُلُقِ بأنْ يكونَ هذا الرَّجل سريعَ الغضب، شديد الانتقام، بذيء اللسانِ، فلا تُعِبْه؛ لأنه ربما إذا عِبْتَه ابتلاكَ اللهُ بنفسِ العيبِ؛ ولهذا جاء في الأثر: لا تُظْهِر الشماتَةَ في أخيك فيعافيه الله ويبتليكَ ، لكن إذا وجدتَ فيه سوء خلق فالواجب النصيحة، أن تتصل به إن كان يمكنك الاتصال به، وتبين له ما كان عليه من عيب، أو تكتب له كتابًا رسالة باسمك أو باسم ناصح مثلًا.
وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات: ١١] يعني: لا ينبز بعضكم بعضًا باللقب، فتقول له مثلًا: يا فاسد! يا فاجر! يا كافر! يا شارب الخمر! يا سارق! يا زان! لا تفعل هذا؛ لأنك إذا نبزتَه باللَّقب؛ فإما أن يكون اللَّقَبُ فيه، وإما ألا يكون فيه، فإن كان فيه فقد ارتكبْتَ هذا النهي، وإن لم يكن فيه فَقَدْ بَهَتَّه، وارتكبت النَّهي أيضًا.
ثم قال عز وجل: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ [الحجرات: ١١] يعني: بئس لكم أن تنتقلوا من وصفِ الإيمانِ إلى وصف الفسوق، متى؟ إذا ارتكبْتُم ما نهى اللهُ عنه صرتم فسقة، فالإنسان إذا ارتكب كبيرة واحدة من الكبائر صار فاسقًا، وإذا ارتكب صغيرة فإن كرَّرها وأصرَّ عليها صار فاسقًا، فلا تجعل نفسَك بعد الإيمانِ، وكمال الإيمانِ لا تجعل نفسك فاسقًا، هذا معنى قوله: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ؛ لأن هذه الجملة جملة إنشائية تفيد الذَّمِّ، وما أفاد الذم فإنه مَنْهِيٌّ عنه بلا شك.
استفدنا من هذه الآية الكريمة: تحريم السخرية، وتحريمُ لمزِ الغَيْرِ، وتحريم التنابز بالألقاب، وأن من صنع ذلك فهو فاسق بعد أن كان مؤمنًا، والفسق ليس وصفًا على اللِّسان فقط يترتب عليه أحكام، فمثلًا قال العلماء: الفاسق لا يصح أن يكون وليًّا على بنته فيزوجها؛ إنسان فاسق يريد أن يزوِّج ابنته، لا يزوجها، مَنْ يزوِّجها؟ أخوها، إذا كان لها أخ يصح أن يكون وليًّا، عمُّها، إن لم يكنْ لها أقارب، أو خافوا من أبيها إن زوجوها، يزوِّجها القاضي.
الفاسق لا تُقبَل شهادتُه؛ لأنَّ الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] يشهَدُ عند القاضي بحقٍّ، يقول القاضي: لا نقبَل؛ لأنَّك فاسقٌ.
الفاسق لا يصِحُّ أن يكون إمامًا بالناس في الصلاة، الفاسق الذي يُظهِر فِسقَه لا يصحُّ أذانَه، كل هذا قال به العلماء رحمهم الله، وإن كان في بعض هذه المسائل خلافًا، لكني أقول لكم: إن كلمة (فاسق) ليست بالأمر الهيِّن، حتى يقول إنسانٌ: الأمرُ سهل، بدل ما يكون مؤمنًا يكون فاسقًا، هذا ليس بصحيح؛ ولهذا ذمَّه الله فقال: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ [الحجرات: ١١].
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١] يعني: من كان يفعل هذه الأشياء –وهي كم؟ ثلاثة- وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، الذي لا يتوب يكون ظالمًا، والظلم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» إذا كان المؤمنون يوم القيامة يسعى نورُهم بينَ أيديهم وبأيمانهم، فهؤلاء الظلمة ليس لهم نور، فيجب الحذرُ مما نهى الله عنه عز وجل؛ لأنَّك أيها العبد عبد لله، تأتمر بأمره وتنتهي عن نهيه.
وقوله: وَمَنْ لَمْ يَتُبْإذا قال قائل: ما معنى التوبة؟ نقول: التوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، فإذا كان شخص لا يُصَلِّي مع الجماعة، فما توبته؟ أن يصلِّيَ مع الجماعة.
إذا كان شخص قد سرق مالًا من إنسان فما توبتُه؟ أن يرد المال إلى صاحبه.
إذا كان الإنسان باع غِشًّا؛ يعني: غَشَّ بالبيع، فما توبتُه؟ أن يترُكَ الغش، وأن يرد ما زاد بسببِ الغشِّ على صاحبِه، يعني: مثلًا لو زاد في السِّلْعَة بسبب الغشِّ؛ فعليه أن يرد ما زاد بسببِ الغش على الرجل المغشوش، فإن كان لا يعرفه فليتصدَّقْ به عنه، يعني مثلًا هذه السلعة بدون غش تساوي عشرة، وبالغش اثنا عشر زاد كم؟ زاد ريالين.
إذن إذا تاب من الغش يجب عليه أن يرُدَّ الريالين إلى الرجل المغشوش، فإن لم يعرفْه فإنه يتصدَّق بذلك عنه.
التوبة تعريفها أيش؟ الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ولها شروط، التوبة لها شروط؛ يعني: ليس كل من قال: أنا تائب إلى الله يكون تائبًا، لا بد من شروط:
الشرط الأول: أن يُخلِصَ لله في التَّوبة، يعني لا يحمله على التوبة أنه خاف من أبيه، خاف من أخيه الأكبر، خاف من السلطات، تاب؛ لأجل أن يقال: فلان مستقيم، لا، يجب أن يخلِصَ لله؛ يعني: يكون الحاملُ له على التَّوبة طلبَ رضا الله عزَّ وجل، والوصول إلى كرامته، والإخلاص شرط في كل عبادة.
الثاني: النَّدمُ على ما فعل، ومعنى يندم يعني يتحسَّر ويتكدَّر أنه وقع منه هذا الشيء.
والثالث: أن يُقلِع عن الذَّنْبِ في الحال، يعني: يتركُه على طول إذا كان في مُحَرَّمٍ تركه، إذا كان في واجب بادر إلى فعله.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، يعني: يكون في قلبه نية عازمة جازمة ألا يعود لهذا الذنب في المستقبل، فإن تاب وهو يقول: ربما أنه يطرأ عليه أن أفعل الذنب، فهذا التائب لا تصح توبته، لا بد أن يعزم على ألا يعود في المستقبل.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة قبل سَدِّ الباب؛ لأنه يأتي وقت يُسَدُّ باب التوبة، ما تقبل من الإنسان، والباب الذي يغلق عن التائبين عام وخاص.
أما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، نحن الآن نرى الشمس تخرُج من أين؟ من المَشرِق، وتغرب في المغرب، سيأتي زمن تخرج الشمس من المَغرِب، ترجع، والذي يردُّها مَن؟ الله عزَّ وجلَّ، لو اجتمعت الخلائق كلُّها على أن تردَّها ما ردتها، لكن يردها الله عز وجل الذي أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ترجع هذه الشمس العظيمة إذا غربت ترجع من مغربها، إذا طلعت الشمس من مغربها، كل من على الأرض يؤمنون كلهم: اليهودي، والنصراني، والبوذِيُّ، والشيوعيُّ، وغيرهم كلُّهم يؤمنون؛ لأنهم يرون شيئًا واضحًا في الدلالة على الرب عز وجل، لكن هل ينفعُهم الإيمان؟ لا؛ لقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨].
فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَبأنه خروج الشمس من مغربها، حينئذ لا تنفع التوبة، مع أن الناس كلهم يؤمنون لكن لا تنفع، لماذا؟ لأنَّه انسدَّ البابُ، انتهى الباب، إذا سُدَّ كيف يدخل الناس؟
أما الباب الخاص: فهو أن يحضُر الإنسانَ أجلُه، إذا حضر الإنسان الأجل ما ينفع التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] ما ينفع، سُدَّ الباب، انتهى.
وإني أسألكم: هل أحد منا يعلم متى يموت؟ أبدًا، ربما يموت الإنسان وهو على مكتبه، وهو على فراشه، وهو في صلاته، في أي لحظة، وإذا كنا نعلم هذا ونوقن به، فالواجب أن نبادر بالتوبة لئلا يفجئنا الموت فينسد الباب، ولهذا كانت التوبة مما يجب على الفور أن يتوب الإنسان من ذنبه.
يا إخواني! الإنسان ما يدري متى يموت، فالواجب أن يبادر بالتَّوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، يقول عز وجل: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] هذا ما له توبة، هذا خبر من الله عز وجل.
أمر واقع يدل على هذا: لما أغرق الله فرعون وقومه، ماذا قال فرعون في أثناء الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] تاب الآن، أليس كذلك؟ لكن متى؟! حينما رأى الموت، فقيل له: آلْآنَيعني الآن تتوب! ليش ما تتب من قبل؟ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١]، فلم تقبل توبته، والعياذ بالله.
إذن شروطُ التَّوبةِ كم؟ خمسة: الإخلاص لله عز وجل، الندم على ما فعل، الإقلاع عما كان عليه من الذنب في الحال، العزم على ألا يعود، الخامس: أن تكون التوبة قبل سد الأبواب، خمسة شروط.
إذا قال قائل: التوبة فيما بين العبد وبين ربه واضحة، يفرح الله عز وجل بتوبة عبده فرحًا عظيمًا، إذا تبتَ إلى ربك -وأسأل الله أن يتوب علي وعليكم- فإن الله يفرح بهذا فرحًا عظيمًا، فرحًا لا يتصوَّره الإنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ -أو قال: بتوبة عبده- مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ -الراحلة هي البعير- كَانَ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَضَلَّهَا -يعني ضاعت عنه- فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَنَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ -ضعفت قواه وخارت وانتهى اضطجع ينتظر الموت- فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا بِنَاقَتِهِ مُتَعَلِّقٌ زِمَامُهَا بِالشَّجَرِةِ، فَأَخَذَ الزِّمامَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ -يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك- لَكِنَّهُ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» وهل تجدون فرحًا أعظم من هذا؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لأنَّه فرح بحياة بعد الإشراف على الموت، فلا فرح أشد من ذلك.
فالربُّ عز وجل يفرح بتوبة أحدنا أشد من فرح هذا الرجل بناقته، فإذا كان الذنب بينك وبين الله فالأمر سهل، لكن المشكل إذا كان بينك وبين الناس، إنسان سرق من شخص وتاب من السرقة فيما بينه وبين الله، انتهى، لا إثم عليه، ولا عقوبة، ولا قطع يد، ولا شيء، لكن المال المسروق هل تكفي هذه التوبة عن رد المال إلى صاحبه، أو لا بد مِنْ رَدِّ المال إلى صاحبه؟ لا بد مِنْ ردِّ المال إلى صاحبه، لكن المشكلة كيف أرده؟ ربما لو ذهب إلى صاحبه وقال: إنه سرق منه هذا المال وتاب وهذا مالك، ربما يمسك به ويرفعه إلى الجهات المسؤولة، ربما يقول: أنت الآن أعطيتني عشرَةَ آلافٍ، والذي سُرِقَت عشرون ألفًا، أليس كذلك؟ ربما يقول هكذا، فيبقى الإنسان في ورطة، فماذا يصنع؟ نقول: يمكن أن ينظر إلى صاحب له أمين، فيقول: يا فلان، إنه سرق من فلان كذا وكذا، وهذه السرقة اذهب بها إليه، وقل له: إن هذا من شخص تاب الله عز وجل، وقد أخذها منك من قبل، وها هي الآن وصلتك.
لكن لا بد أن يكون هذا الرجل الذي وكَّله أن يُوصِل الدراهم إلى صاحبها، لا بد أن يكون موثوقًا عند صاحب المال، وأمينًا عنده، لأنه لو لم يكن موثوقًا لاتهمه صاحب المال؛ قال: أنت السارق، والمسروق أكثر من كذا، لكن إذا كان يعرف أنه صديقه وأمينه، يصدقه ويأتمنه، فليقل: يا فلان جزاك الله خيرًا، القضية كذا وكذا، فإن لم يتيسر له ذلك فيمكن أن يجعلها في ظرف، ويرسلها في البريد الممتاز، ويكتب فيها بكتابة لا تعرف؛ يعني: لا يعرف من هي خطه: بأن هذه دراهم لك من شخص أخذها منك سابقًا وقد تاب إلى الله، وبس، تبرَأُ ذمته، المهم أنه لا بد من التوبة؛ ولهذا قال عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١].
فإن لم يعرف صاحبها، مثلًا: إنسان سرق في حال صغره سرقة من شخص لا يدري من هو، أو بعد تكليفه سرق من مال لا يدري من هو له، فبماذا تتحقق التوبة؟ أن يتصدق بهذا المال تخلُّصًا منه، ينويه لصاحبه، لا ينويه لنفسه، بل لصاحبه، وبذلك يبرأ.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا التوبة قبل غلق الأبواب، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
***
تفسير الآية (12)
00:31:25
قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: ١٢].
تصدير الخطاب بـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوايدل على العناية به؛ ولهذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك؛ فإما خيرٌ تؤمر به، وإما شرٌّ تُنْهى عنه ؛ يعني: وإما خبر تحصل به العبرة والاتعاظ، كما قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
وهنا يقول الله عزَّ وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّالظَّنِّ: هو أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر، وهنا عبَّر الله تعالى بقوله: كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّولم يقل: اجتنبوا الظن كله، لأن الظنَّ ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ظن خير للإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيرًا ما داموا أهلًا لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يُظنُّ به خيرًا، ويثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله.
النوع الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة للمسلم اللي ظاهره العدالة، فإنه لا يحل لأحد أن يظن به ظن السوء، كما صرَّح بذلك العلماء، فقالوا رحمهم الله: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة.
والثاني: ظن سوء بمن قامت القرينة على أنه أهل لذلك، فهذا لا حرج على الإنسان أن يظن السوء به؛ ولهذا من الأمثال المضروبة المشهورة السائرة: احترسوا من الناس بسوء الظن، ولكن هذا ليس على إطلاقه كما هو معلوم، وإنما المراد: احترسوا من الناس الذين هم أهل لظن السوء فلا تثقوا بهم.
المهمُّ أن الإنسان لا بد أن يقع في قلبِه شيء من الظن بأحد من الناس، بقرائن تحتف بذلك، إما لظهور علاماتٍ في وجهه يظهر من وجهه العبوس والكراهية لمقابلته وما أشبه ذلك، أو من أحواله التي يعرفها الإنسان منه، أو من أقوال تصدُرُ منه، فيظن به ظن السوء، وهذا إذا قامت القرينة على وجوده فلا حرج على الإنسان من أن يَظُنَّ ظَنَّ السوء.
فإذا سُئِل: أيهما أكثر؛ الظن المنهي عنه أو الظن المباح؟
قلنا: الظن المباح أكثر؛ لأنه يشمل نوعًا كاملًا من أنواع الظن، وهو ظن الخير، ويشمل كثيرًا من ظن السوء؛ لأنه إذا لم يكن هناك قرينة تدل على هذا الظن السيئ؛ فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصف به أو بهذا الظن؛ ولهذا قال: كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ، ولم يقل: أكثر الظن، ولا كل الظن، بل قال: كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ.
ثم قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وقد توحي هذه الجملة بأن أكثر الظن ليس بإثم، وهو منطبق تمامًا على ما بيَّنَّاه وقسمناه أن الظن نوعين: ظن خيرٍ، وظن سوء، ثم ظن السوء لا يجوز إلا إذا قامت القرينة على وجودها؛ ولذا قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، فما هو الظن الذي ليس بإثم؟ نقول: هو ظن الخير، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا ليس بإثم؛ لأن ظن الخير هذا هو الأصل، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا أيضا أيدته القرينة.
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: ١٢] (التَّجَسُّسُ) طلب المعايب من الغير.
يعني أن الإنسان ينظر ويتنصَّت ويتسمع لعله يسمع شرًّا من أخيه، أو لعله ينظر سوءًا من أخيه، والذي ينبغي للإنسان: أن يُعرِض عن معايب الناس، وألا يحرص على الاطلاع عليها؛ ولهذا رُوِي عن النبي صلى الله علي وسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُخْبِرُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا -يعني شيء مما يوجب ظن السوء به- فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» فلا ينبغي للإنسان أن يتجسَّس، بل يأخذ الناس على ظاهرهم ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر.
وفي هذه الجملة من الآية قراءة أخرى: {تَحَسَّسُوا} فقيل: معناهما واحد، وقيل: بل لكل واحدة منهما معنى، وأن التجسس: أن يحاول الإنسان الاطلاع على العيب بنفسه.
والتحسُّس: أن يلتمِسَه من غيرِه.
فيقول للناس -مثلًا-: ما تقولون في فلان؟ ما تقولون في فلان؟ وما التجسُّس: هو الذي يحاول معرفة العيوب بنفسِه.
وعلى هذا فتكون القراءتان مبينتين لمعنيين كلاهما مما نهى الله عنه.
التجسس: أن يحاول الاطلاع على معايب الناس بنفسه، والتحسُّس: أن يحاول الاطلاع على معايب الناس من غيره، فيقول مثلًا: ما تقولون في فلان؟ أو ما سمعتم عن فلان؟ يطلب بذلك معايبَه، لما في هذا من إشغالِ النفس بمعايب الآخرين، وكون الإنسان ليس له هم إلا أن يطلع على المعايب؛ ولهذا مَن ابتُلِي بذلك - أي بالتجسس أو بالتحسس- تجده في الحقيقة قلقًا دائمًا في حياته، وينشغل بعيوب الناس عن عيوبه، ولا يهتم بنفسه، وهذا يوجد كثيرًا من بعض الناس الذين يأتون إلى فلان وإلى فلان: ما تقول في كذا؟ ما تقول في كذا؟ فتجد أوقاتهم ضائعة بلا فائدة، بل ضائعة بمضرة؛ لأن ما وقعوا فيه فهو معصية لله عز وجل، هل أنت وكيل عن الله عز وجل تبحث عن معايب عباده؟ العاقل هو الذي يتحسَّس عن معايب نفسه؛ وينظر معايبَ نفسه ليصلحَها، لا أن ينظر في معايب الغير ليشيعها والعياذ بالله؛ ولهذا قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ١٩] .
علي كل حال، هذه آداب وتوجيه من الله عز وجل إلى أخلاق فاضلة، أخلاق مأمور بها، وأخلاق منهي عنها.
وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًاالغِيبَة فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ذُكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» وهذا تفسير من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم الناس بمراد الله تبارك وتعالى في كلامه «ذُكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» سواء كان ذاك في خِلقته، أو في خُلُقه أو في أحواله، أو في عقله أو في ذكائه أو في غير ذلك، المهم أن تذكره بما يكره؛ سواء في خلقته مثل أن تقول: فلان قبيح المنظر دميم، فيك، كذا فيك كذا، تريد معايب جسمه.
أو في خلقه؛ بأن تقول: فلان أحمق، سريع الغضب، سيئ التصرف، وما أشبه ذلك.
أو في خِلْقَتِه الباطنة؛ كأن تقول: فلان بليد، فلان لا يفهم، فلان سيئ الحفظ، وما أشبهها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّها بحدٍّ واضح بَيِّن: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ» قالوا: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ بَهَتَّهُ» أي: جمعتَ بين البُهتانِ والغِيبَةِ.
وعلى هذا فيجب الكَفُّ عن ذكر الناس بما يكرهون، سواء كان ذلك فيهم أو ليس فيهم، يجب الكف عن هذا، واعلم أنك إذا نشرت عيوبَ أخيك فإن الله سيسلط عليك مَن ينشر عيوبك جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦]، لا تظن الله غافلًا عما يعمل الظالمون، بل سيسلط عليه مَن يعامله بمثل ما يعامل الناس.
لكن إذا كانت الغِيبة للمصلحة فإنه لا بأس بها ولا حرج فيها؛ ولهذا لما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستشيره في رجال خطبوها، بيَّن معايب مَن يرى أن فيه عيبًا، فقد خطبها ثلاثة: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وأبو جهم بن الحارث، وأسامة بن زيد، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، أَنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فذكر النبي صلى الله عليه وسلم عيبًا في هذين الرجلين للنصيحة وبيان الحق، ولا يُعَدُّ هذا غيبة بلا شك؛ ولهذا لو جاء إنسان يستشيرك في معاملة رجل قال: فلان يريد أن يعاملني ببيع أو شراء أو إجارة، أو في تزويج مَنْ خطب ابنته، أو ما أشبه ذلك، وأنت تعرف أن فيه عيبًا، فإن الواجب أن تبيِّنَ له ذلك، يجب عليك أن تبين، ولا يُعَدُّ هذا كما يقول العامة: من قطع الرزق، بل هو من بيان الحق، فإذا عرفت أن في هذا الرجل الذي يريد أن يعامِلَه هذا الشخص ببيع أنه مماطل كذَّاب محتال فقل له: يا أخي! لا تبع على هذا، إنه مماطل إنه محتال إنه كذاب، ربما يدعي أن في السلعة عيبًا وليس فيها عيب، وربما يدعي الغبن وليس مغبونًا، وما أشبه ذلك، فتقع معه في صراع ومخاصمة.
أراد إنسان جاء يستشيرك في شخص خطب منه ابنته، والشخص ظاهره العدالة وظاهره الاستقامة وظاهره حُسْنُ الخلق، لكنك تعرف فيه خصلة معيبة فيجب عليك أن تُبَيِّن هذا يجب أن تبين، مثلًا: تعرف أن في هذا الرجل كذبًا، تعرف أنه يشرب الدخان لكنه يجحده ولا يبيِّنه للناس، يجب أن تبين تقول: هذا الرجل ظاهره أنه مستقيم، وأنه خلوق، وأنه طيب، ولكن فيه العيب الفلاني، حتى لو كان هذا متجهًا إلى أن يزوجه بين له العيب، ثم هو بعد ذلك بالخيار؛ لأنَّه سيدخل على بصيرة.
فعلى كل حال: يُستَثْنَى من الغِيبة، وهي ذكر الرجل بما يكره، أيش؟
طالب: إذا كان طلب منه شخص، طلب منه النصيحة.
الشيخ: إلا إذا كان على سبيل النصيحة، وذكرنا دليل ذلك من السنة، فهل هناك دليل من عمل العلماء؟ نعم فيه دليل، ارجع إلى كتب الرجال -مثلًا- تجده مثلًا يقول: فلان بن فلان سيء الحفظ، فلان بن فلان كذوب، فلان بن فلان فيه كذا وكذا، يذكرون ما يكره من أوصافه نصيحة لله ورسوله، فإذا كان الغرض من ذِكْرِ أخيك بما يكره، إذا كان الغرض النصيحة فلا بأس.
كذلك لو كان الغرض من ذلك: التَّظلُّم والتشكِّي فإن ذلك لا بأسَ به، مثل: أن يظلمَك الرجل، وتأتي إلى شخص يستطيع أن يزيل هذه المظلمة فتقول: فلان أخذ مالي، فلان جحد حقي، وما أشبه ذلك فلا بأس، فإن هندَ بن عتبة جاءت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجَها أبا سفيان، تقول: إنه رجل شحيحٌ لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» فذكرت وصفًا يكرهه بلا شك أبو سفيان، ولكنَّه من باب أيش؟ أجيبوا.
طلبة: التَّظلُّم والتَّشكي.
الشيخ: من باب التظلم والتشكي، وقد قال الله تعالى في كتابه: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨]؛ يعني: فله أن يجهَرَ بالسوء من القول لإزالة مظلمته، ولكن هل يجوز مثل هذا إذا كان قصدُ الإنسانِ أن يخفف عليه وطأة الحزن والألم الذي في قلبه بحيث يحكي الحال التي حصلت على صديق له، صديقه لا يمكن أن يزيل هذه المظلمة لكنه يفرج عنه، أو لا يجوز؟ الظاهر أنه يجوز؛ لعموم قوله تعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، وهذا يقع كثيرًا، كثيرًا ما يؤذى الإنسان ويجنى عليه بجحد مالٍ أو أخذ مالٍ أو ما أشبه ذلك، فيأتي الرجل إلى صديقه ويقول: فلان قال فيَّ كذا، قال فيَّ كذا، يريد أن يُبَرِّد ما في قلبه من الألم والحسرة، أو يتكلم في ذلك مع أولاده أو مع أهله أو مع زوجته أو ما أشبه ذلك، هذا لا بأس به؛ لأن الظالم ليس له حرمة بالنسبة لمن؟ للمظلوم.
(...) كنا وصلنا إلى التفسير إلى قول الله تبارك وتعالى وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: ١٢].
التقوى يكثُر الأمر بها في القرآن الكريم، وكذلك في السنة، فما هي التقوى التي يكثر ورودها في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إنها كلمة عظيمة، إنها تعني الوقاية من عذاب الله، فبماذا تكون الوقاية من عذاب الله؟ تكون الوقاية من عذاب الله بأمرين:
الأمر الأول: امتثال أوامر الله عز وجل؛ بأن يقول الإنسان إذا سمع أمر الله: سمعنا وأطعنا، فإن هذا هو قول المؤمنين؛ قال الله تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور: ٥١] فلا يكون في قلبك تردُّد، لا تقل: لماذا أمر بكذا، قل: سمعنا وأطعنا، لا تقل: ما الفرق بين كذا وكذا؟ يعني لماذا يأمر الله بكذا ولا يأمر بكذا؟ مثلًا في لحوم الإبل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نتوضَّأ من لحومها ؛ ولهذا كان أكل لحوم الإبل ناقضًا للوضوء على القول الراجح من أقوال العلماء، فلا تقل: لماذا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم الإبل ولا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم البقر مع أن كل منهما يسمى بدنة؟! لا تقل هكذا.
تأمر الحائض بقضاء الصوم، ولا تأمر بقضاء الصلاة، لا تقل: لماذا تأمر قضاء الصوم دون الصلاة على سبيل التشكيك، ولكن قل: سمعنا وأطعنا.
الأمر الثاني مما تتحقق به التقوى: اجتناب ما نهى الله عنه؛ إذا نهى الله عن شيء قل: سمعنا وأطعنا، واجتنبنا، لا تقل: لماذا؟ وتأمَّلْ قولَ اللهِ عز وجل في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠، ٩١]، شوف فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَأي: فبعد هذا التفصيل والتبيين، هل تنتهون أو لا؟ وهذا الاستفهام بمعنى الأمر؛ أي: فانتهوا، ولهذا قال الصحابة: انتهينا، انتهينا، فصارت التقوى تتحقق بأيش؟ بأمرين:
الأول: امتثال أمر الله عز وجل دون تردد.
والثاني: اجتناب نهي الله عز وجل دون تردد، قول: سمعنا وأطعنا، فهذا قول المؤمنين.
يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌهذين اسمين من أسماء الله؛ الأول: التواب، والثاني: الرحيم، والتواب هنا صيغة مبالغة، واسم الفاعل من تاب: تائب، والتوَّاب تعني كثرة التوبة، وأنه عز وجل متصف بهذا الوصف، وإنما كان الرَّبُّ عز وجل كثير التوبة؛ لأن العباد كثيرون هذه واحدة؛ ولأن الذنوب التي يقترفها الإنسان كثيرة، ما أكثر ما يقترف الإنسان من الذنب ويتوب الله عليه؛ فلهذا سَمَّى نفسه التواب.
وما هي التوبة؟ التوبة من العبد أن ينتقل من معصية الله إلى طاعته.
والتوبة من الله: أن يقبل الله من العبد فيبدل سيئاته حسنات.
إذن التوبة من العبد أيش هي؟
طالب: الانتقال.
الشيخ: من أيش؟
الطالب: من المعصية إلى (...).
الشيخ: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والتوبة من الله قبول هذه التوبة من العبد، وإبدال سيئاته بحسنات؛ كما قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ للَّهُإلى أن قال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٧٠].
وقد تُطلَق التوبة من الله على توفيقه العبد للتوبة، فلله تعالى على العبد توبتان: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة، ما هو الدليل على هذا؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْاقرأ ما بعدها.
طالب: لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨].
الشيخ: لِيَتُوبُواكيف تاب؟ ليتبوا أي: وفَّقهم للتوبة فتابوا.
أما التوبة الأخرى وهي قبول توبة العبد؛ فمثل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ [الشورى: ٢٥].
توبة العبد تحتاج إلى شروط؛ إذ ليس كل توبة مقبولة، لا بد يا إخواني من شروط:
الأول: إخلاص النية.
والثاني: الندم على الذنب، وانكسار القلب وخجله من الله عز وجل، وأن يشعُر الإنسان بأنه مذنب يحتاج إلى توبة ونعمة من الله عز وجل.
الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ إما بفعل الواجب وتداركه إن أمكن، أو بالإقلاع عن المحرم.
والرابع: العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، فإن أقلع عنه وندم، ولكن في نيته أنه متى سَنَحت له الفرصة، عاد إلى الذنب فهذا لا تُقبَل توبته.
الشرط الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقبَل فيه التوبة؛ لأن التوبة لها وقت تُرَدُّ فيه مهما تاب العبد وهو -أي الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة- نوعان: خاص، وعام.
أما الخاص: فهو حلول الأجل إذا حضر الموت فإنه لا قبولَ للتوبة مهما كان؛ دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، هذا ما له توبة بعد أن شاهَدَ وعايَنَ العذابَ يقول: أتوب ما ينفع.
الحدود في الدنيا إذا قُدِرَ على العبد وتاب بعد القدرة عليه، هل يرتفع عنه الحد؟ لا؛ لقوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٣٤].
كذلك الإنسان إذا حضره الموت وشاهد وعاين لا تنفعه التوبة؛ للآية الكريمة وهي في سورة النساء، وقد وقع ذلك فعلًا حين تاب فرعون بعد أن أدركه الغرق؛ قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠]، ماذا قيل له؟
طالب: قال: آلْآنَ وَقَدْكفرت.
الشيخ: عَصَيْتَ.
الطالب: عَصَيْتَ.
الشيخ: قَبْلُ.
الطالب: قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ.
الشيخ: الْمُفْسِدِينَقيل له: آلْآنَيعني: آلآن تؤمن بما آمنت به بنو إسرائيل، هذا لا ينفع وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١].
الثاني العام: الوقت الذي يكون لعموم الناس إذا حصل أو إذا جاء فإنها لا تُقبَل التوبة، وذلك إذا طلعت الشمس من مغربها، فالشمس الآن تدور منذ خلقها الله عز وجل تأتي من ناحية المشرق، وتغيب من ناحية المغرب، فإذا أرد الله تعالى انقضاء الدنيا انعكست القضية صارت الشمس تأتي من المغرب، وإذا رآها الناس آمنوا كلهم؛ لأنهم يعلمون أن لهذا الكون مدبرًا، وإلا فمن يستطيع أن يأتي بالشمس من المغرب، أحد يستطيع؟ لا؛ ولهذا قال إبراهيم للذي ناظره قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: ٢٥٨]، لكن إذا رأى الناس كلهم رأوا الشمس بعد أن غابت رجعت من المغرب سيؤمنون، لكن هذا الإيمان قهري ولا اختياري؟
طالب: قهري.
الشيخ: قهري؛ لأنهم شاهدوا؛ ولهذا قال الله عز وجل: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]، والمراد ببعض الآيات هنا طلوع الشمس من مغربها.
إذن لا بد للتوبة من شروط خمسة؟
طالب: الندم.
الشيخ: الأول الندم على فعل المعصية، تمام والثاني؟
الطالب: إخلاص النية لله عز وجل.
الشيخ: إخلاص النية لله عز وجل؛ بألَّا يقصد الإنسان بالتوبة أن ينال مرتبة، أو أن ينال جاهًا، أو أن يُمدَح عند الناس؛ مثاله إنسان معروف بالفسق والانحلال، وأُعلِن عن وظيفة إمام مسجد، ومعلوم أنه لم يُوظَّف في إمامة المسجد إلا من كان أيش؟ مستقيمًا، هو استقام علشان أيش؟ علشان يكون إمامًا في المسجد هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه لم يخلص النية لله.
الشرط الثالث؟
الطالب: العزم.
الشيخ: لا، قبل العزم، مرحلة الإقلاع عن الذنب؛ وذلك بأن يأتي بالواجب إن أمكن تداركه، أو بدله إذا لم يمكن تداركه، وكان له بدل، أو يقلع عن المحرم إذا كان الذنب فعلًا محرمًا.
طيب، إذا كان الذنب حقَّ إنسان بأن يكون شخص سرق من إنسان مالًا، السرقة حرام، تاب الرجل وندم، وعزم على ألَّا يعود، فبماذا يكون تحقيق التوبة؟ لا بد أن يوصل هذا المال إلى أيش؟ إلى صاحبه، ولا يمكن تتم التوبة إلا بهذا، فإذا قال: أخشى إنْ ذهبتُ إلى هذا الرجل، وأعطيتُه المال أخشى أن يترتَّب على ذلك ضرر علي على سُمعَتي وربما أحْبَس، وأنِّي قد تبتُ إلى الله قبلَ أن يُقدَر عليَّ، فكيف تكون الحال؟ هل يجوز أن يتصدق به عن صاحبه؟
الجواب: لا؛ لأن صاحبه معلوم، أما لو كان مجهولًا يقول: والله أنه سرق من أناس نسيهم أو جهلهم لا يدري أين هم، فهنا يتصدق بما سرق عنهم، لكن إذا كان معلومًا لا بد أن يُرسِلَه لكن إذن ماذا يصنع؟ نقول: ممكن أن تعطي شخصًا تثق به، وتقول: يا فلان، إني سرقتُ هذا المال من فلان، وقد ندمت وتبت إلى الله فمن فضلك أعطه إياه، وقل له: هذا دراهم من إنسان تستحقها عليه، وهو الآن يبذلها، ممكن هذا؟ إذا لم يمكن، فيمكن أن ترسلَ بالبريد ويقال: هذه دراهم من شخصٍ تستحقها عليه، وفي هذه الحال، من المعلوم أنك لم تكتب اسمك، أليس كذلك؟ وأيضًا لا يحسن أن تكتبها بقلمك؛ لأنه ربما يمر عليه يوم من الدهر، اكتبها بالآلة التي تطبع طباعة بالكمبيوتر أو غيرها، وأرسلها إليه، هذا إذا كان الحق ماليًّا، حق إنسان، لكن إذا كان الحق غير مالي؛ مثل أن يكون شخص اغتبتَه في مجلس أو مجالس، فكيف التوبة من هذا؟ التوبة قال كثير من العلماء: لا بد أن تذهب إليه وتستحله، وإلا فسيأخذ من حسناتك يوم القيمة، اذهب إليه، وقل له: يا فلان سامحني.
وقال بعض العلماء: لا يجب أن تستحلَّه، وإنما تستغفر له، وتُثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يُذْهِبْن السيئات، وقد جاء في الحديث: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» .
ولكن فيه قول ثالث وسط ولعله الصواب: يقول: إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلا بد من أن تذهبَ إليه وتستحلَّه؛ لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحلَّه، أما إذا كان لم يعلم فيكفي أن تستغفر له وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم.
وينبغي لمن جاء إليه أخوه ليعتذر منه ينبغي أن يسامحه، ولكن هل يناقشه، ويقول: أنت الآن تطلب مني أن أحل لك، لكن ما الذي فعلت معي؟ يعني: هل ينبغي أن يناقشه، ويرى ما الذي حصل أو يقول: أنت في حلٍّ وخلاص؟
الأَوْلى: ألَّا يناقش؛ لأنه ربما يذكر شيئًا كبيرًا فتعجز نفس صاحبه عن أن يحلَّ له، أليس كذلك؟ ربما إذا قال: أحل لي. قال: ويش أنت فاعل معي؟ قال: فعلت كذا، وكذا، وكذا، ويكون الشيء كبيرًا، وتأبى نفسه أن يحلل؛ لأن النفسَ أمارة بالسوء؛ فالأولى ألَّا يسأل، ألا يقول: ما الذي فعلتَ؟ وأن يحتسب الأجر من الله، ويقول: هذا جاء معتذِرًا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، ولولا أنه نادم وتائب، وأنه يرجى في المستقبل أن تعود هذه الغيبة ثناء حسنًا، ويقول: أنت مني في حل، وأجرُه على من؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: على الله.
الشيخ: أجره على الله، فصار عندنا الآن بالنسبة لمن كانت مظلمته غير مال؛ هل يذهب ويستحله، أو لا يذهب؟ في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا بد أن يذهبَ إليه ويستحلَّه.
والثاني: لا حاجة، بل يستغفر له ويثني عليه في الأماكن التي كان يغتابُه فيها.
والثالث: التفصيل، وهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الحق، وهو أيش؟ أنه إن كان عالمًا فلا بد أن تستحلَّه حتى يزول ما في قلبه، وإن كان غيرَ عالم فلا حاجة لاستحلالِه، هذا بالنسبة للذي اغتاب غيرَه.
أما الذي اغتيب وطلب منه السماح فالذي نري: أن الأفضلَ والأكمل أن يحلله؛ لأنه أخوه جاءه معتذرًا نادمًا، فليحلِّلُه، وثقوا بأنَّه إذا حلَّله ستكون كبيرة عظيمة على الشخص الذي استحلَّه، سيرى أنه أهدى إليه أكبر هدية، فتنقلب الكراهة التي كانت من قبل تنقلب أيش؟ محبةً، وألفة، وهذا هو المطلوب من المسلمين أن يكون بعضهم لبعض آلفًا محبًّا وادًّا.
يقول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ، هو سبحانه وتعالى رحيم، وهو رحمن، وقد اجتمع الاسمان في أعظم سورة في كتاب الله ما هي؟
طالب: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] قال العلماء: إذا ذُكِرَ الرحمنُ وحده كما في قوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، وكما في قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠]، أو صار الرحيم وحده كما في هذه الآية تَوَّابٌ رَحِيمٌ، فمعناهما واحد؛ يعني: أن الرحيم هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة، والرحمن إذا ذُكِرَ وحدَه كذلك: هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة.
أما إذا اجتمعا جميعًا فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ يعني أنه عز وجل ذو رحمة واسعة وهو أيضًا راحم يواصل الرحمة إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت: ٢١]، أسألُ اللهَ تعالى أن يعُمَّني وإياكم برحمته وجميعَ إخواننا المسلمين، وأن يجعلنا من دعاة الخير والإصلاح؛ إنه على كل شيء قدير. (...).
تفسير الآية (13)
01:09:19
نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى من سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣].
الخطاب هنا مُصَدَّر بنداء الناسِ عمومًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مع أنَّ أول السورة وُجِّه الخطابُ فيه للذين آمنوا، وسبب ذلك: أن هذا الخطاب في الآية التي نحن بصدد الكلام عليها موجَّهٌ لكل إنسان؛ لأنه يقع التفاخر بالأنساب والأحساب من كل إنسان، فيقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، والخطاب للمؤمن والكافر، والبر والفاجر.
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، مِنْ ذَكَرٍ: هو آدم، وَأُنْثَى: هي حواء، هذا هو المشهور عند علماء التفسير، وذهب بعضهم إلى أن المرادَ بالذكر والأنثى هنا الجنس؛ يعني: أن بني آدم خُلِقوا من هذا الجنس: من ذكر، وأنثى.
وهذا دليل يعني في الآية دليل على أن الإنسان يتكوَّن من أبيه وأمه، أي: يُخلَق من الأم والأب، ولا يعارض هذا قولُ الله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٥ - ٧]؛ وذلك لأنَّا إن قلنا: إن المراد بالصلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة، فلا إشكال، وإن قلنا بالقول الراجح: أن الصلب والترائب وصفان للرجل؛ لأن الماء الدَّافق هو ماء الرجل، أما المرأة فلا يكون ماؤها دافقًا، وعلى هذا فيكون الإنسان مخلوقًا من ماء الرجل، لكن ماء الرجل وحده لا يكفي، لا بد أن يتَّصلَ بالبوُيْضَةِ التي يُفرِزُها رحم المرأة، فيزدوج هذا بهذا، ويكون الإنسان مخلوقًا من الأمرين جميعًا، أي: من أبيه وأمه.
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىإذن: ذكر وأنثى: يحتمل أن يكون المراد بهما شخصين معينين، وهما من؟ آدم وحواء، أو أن المراد الجنس.
أي: الذكر من بني آدم والأنثى من بني آدم، وعلى هذا التقدير –أي: على التفسير الثاني- يُشكِلُ أنَّ الله تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنسان خُلِقَ من ماءٍ دافقٍ وهو ماء الرجل.
والجواب عنه: أن يقال: إن هذا الماء الدافق لا يمكن أن يتكونَ منه الجنين وحده، بل لا بد أن يتَّصلَ بالبويضة التي يفرزها رحم المرأة، وحينئذ يكون مخلوقًا من ذكر وأنثى.
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا [الحجرات: ١٣]: يعني صيرناكم شعوبًا وقبائل، فالله تعالى جعل بني آدم شعوبًا وهم أصول القبائل.
وَقَبَائِلَوهم ما دون الشعوب، فمثلًا: بنو تميم يعتبرون شعبًا، وأفخاذ بني تميم المتفرعون من الأصل يسمون قبائل، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ.
ما هي الحكمة؟ هل الحكمة من هذا الجعل أن يتفاخر الناس بعضهم على بعض، فيقول هذا الرجل: أنا من قريش، وهذا يقول: أنا من تميم، وهذا يقول: أنا من كذا، أنا من كذا؟
لا، ليس هذا المراد؛ المراد التعارف؛ أن يعرف الناس بعضهم بعضًا؛ إذ لولا هذا الذي صيَّره الله عز وجل ما عرف الإنسان من أي قبيلة هو؛ ولهذا كان من كبائر الذنوب أن ينتسبَ الإنسانُ إلى غير أبيه؛ لأنه إذا انتسب إلى غير أبيه غيَّر هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهم أنهم شعوب وقبائل من أجل التعارف، فيقال: هذا فلان بن فلان بن فلان إلى آخر الجد الذي كان أبًا للقبيلة.
لِتَعَارَفُوايعني: لا لتفاخروا بالأحسابِ والأنساب.
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣] ليس الكرم بأن يكون الإنسان من القبيلة الفلانية أو من الشعب الفلاني، الكرم هو: التقوى، وليس الكرم الذي هو كرم حقيقة إلا الكرم عند الله عز وجل، كرم الإنسان عند بني جنسِه كرم لا شك، ويُحمَدُ عليه الإنسان إذا ابتغى به وجه الله؛ لكن الكرم الحقيقي النافع هو الكرم عند مَن؟ عند الله، وبأي شيء يكون؟ بالتقوى، كلما كان الإنسان أتقى لله كان عند الله أكرم، فإذا أحببت أن تكون كريمًا عند الله عز وجل، فعليك بالتقوى، عليك بتقوى الله عز وجل، فكلها الخير، كلها البركة، كلها السعادة في الدنيا والآخرة، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣].
وما أكثر ما تَرِدُ على أسماعنا كلمة التقوى، فما هي التقوى؟ هل هي لفظ يجري على الألسن، ويمر بالآذان؟ لا، يجب أن يكون لفظًا عظيمًا موقَّرًا معظَّمًا محترمًا.
التقوى: أن تقومَ بطاعةِ الله عز وجل، هذه التقوى، فتِّش هل أنت قائم بطاعة الله؟! فأنت متق، هل أنت مخالف؟! فأنت غير متق، ويفوت الإنسان من التقوى بقدر ما خالف فيه أمر الله ورسوله.
التقوى إذن: طاعة الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا رأينا إنسانًا يتقدَّم إلى المسجد، ويصلي مع الجماعة، ويخشع في صلاته ويؤديها بكل فضيلة، وآخر بالعكس يصلي في بيته، وصلاة يقتصر فيها على الواجب، أيهما أتقى لله؟ الأول أتقى.
إذن: فهو أقرب عند الله، حتى لو كان مولى من الموالي، أو مولى الموالي، والآخر من أرفع الناس نسبًا؛ فإن الأتقى لله هو الأكرم عند الله عز وجل، كلُّ إنسان يحب أن يُحظَى عند السلطان في الدنيا، وأن يكون أقرب الناس إليه، فكيف لا نُحِبُّ أن نكون أقرب الناس إلى الله عز وجل وأكرمهم عنده؟! المسألة هوى وشيطان، وإلا لكان الأمر واضحًا.
عليك بتقوى الله عز وجل؛ لتنال الكرم عند الله، نستغفر الله ونتوب إليه.
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣]، عليم بكل شيء؛ لأنه هنا مطلق، ولم يقيد بحال من الأحوال.
خَبِيرٌوالخبرة هي: العلم ببواطن الأمور، العلم بالظواهر لا شك أنه صفة مدح وكمال؛ لكن العلم بالبواطن أبلغ، فيكون عليم بالظواهر، خبيرٌ بأيش؟ بالبواطن، فإذا اجتمع العلم والخبرة صار هذا أبلغ في الإحاطة.
وقد يقال: إنَّ الخبرةَ لها معنى زائد على العلم؛ لأنَّ الخبيرَ عند الناس هو العليم بالشيء الحاذق فيه، بخلاف الإنسان اللي عنده علم فقط؛ ولكن ليس عنده حذق فإنه لا يُسَمَّى خبيرًا، فعلى هذا يكون الخبير متضمنًا لمعنى زائد على العلم.
ثم قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات: ١٤].
من الأتقى عند الله؟ من الأكرم عند الله؟
طالب: الأتقى.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
الشيخ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
تفسير الآية (14)
01:17:46
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} الأعراب: اسم جمع لـ(أعرابي)، والأعرابي هو ساكن البادية كالبدوي تمامًا، الأعراب افتخروا فقالوا: آمنَّا، آمنا، افتخروا بإيمانهم.
فقال الله عز وجل: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، قيل: إن هؤلاء من المنافقين؛ لقول الله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ [التوبة: ١٠١]، والمنافق مسلم، ولكنَّه ليس بمؤمن؛ مسلم، لأنه مستسلم ظاهرًا؛ إذ أن حال المنافق أنه كالمسلمين؛ ولهذا لم يقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام مع علمه بنفاقهم؛ لأنهم مسلمون ظاهرًا لا يخالفون، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤].
وقيل: إنهم أعراب غير منافقين؛ لكنهم ضعفاء الإيمان، يمشون مع الناس في ظواهر الشرع؛ لكن قلوبهم ضعيفة، إيمانهم ضعيف.
فعلى القول الأول يكون قوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] أنه لم يدخل أصلًا، هذا على القول بأنهم أيش؟ منافقون.
وعلى الثاني: أي: لمَّا يدخل الإيمان الدخول الكامل المطلق، فيهم إيمان؛ لكن لم يصل الإيمان إلى قلوبهم على وجه الكمال.
والقاعدة عندنا في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين فإنها تُحمَل عليهما جميعًا ما لم يتنافيا، فإن تنافيا طلب المرجح.
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحجرات: ١٤] يعني: طاعة في الظاهر يحملُ عليها الإيمان في الباطن.
لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًالَا يَلِتْكُمْيعني: لا ينقصكم من أعمالكم شيئًا؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحدًا.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨] أي شيء فإنَّه موفى للإنسان، لكن سبحان الله رحمة الله سبقت غضبه، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة:٧] ويثاب عليه ولَّا لا؟ أجيبوا.
طالب: يثاب عليه.
الشيخ: يثاب عليه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:٨] وهل يعاقب؟ قد يعاقب وقد يعفو الله عنه.
فالسيئات يمكن أن تُمحَى، والحسنات لا يمكن أن تُنقَص؛ ولهذا قال: لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًابعدها: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وسبق معنى هذين الاسمين الكريمين، ونقتصر على هذا القدر ويأتي إن شاء الله ما يستفاد من هذه الآية. (...)
لقاؤنا هذا يُفتَتَح بالكلام في تفسير آخر سورة الحجرات؛ قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، وبيَّنَّا فيما سبق أن هؤلاء القوم قوم لم يتحقق فيهم كمال الإيمان، معهم أصل الإيمان فقالوا: آمنا، والإيمان المُطلَق لا يعطى لمن لم يَتِمَّ إيمانه؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْأي: لم يدخل الإيمان الكامل في قلوبكم، ولكنه قريب؛ لأن (لَمَّا) تفيد قُربَ مدخولها.
قال الله عز وجل: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا؛ أي: إن قمتم بطاعة الله ورسوله بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتنابِ نهي الله ورسوله، فإن الله لن ينقصكم من أعمالكم شيئًا، سيعطيكموها تامة بلا نقص، وقد تقَرَّر أنَّ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من جاء بالسيئة فإنه لا يُجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون.
تفسير الآية (15)
01:22:39
ثم قال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: ١٥]، إِنَّمَاأداة حصر تفيد إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه، أي: ما المؤمنون إلا هؤلاء، والمراد ما المؤمنون حقَّا الذين تم إيمانهم إلا هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله.
آمَنُواأقرُّوا إقرارًا مستلزمًا للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار كافيًا، بل لا بد من قبول وإذعان، والدليل على أن مجرد الإقرار ليس بكاف: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخبر عن عمه أبي طالب أنه في النار ، مع أنه مؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام مصدق به، يقول في لاميته المشهورة:
| لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ | لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِ الْأَبَاطِلِ |
ويقول عن دين الرسول:
| وَلَقَـــدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ | مِنْ خَــــــيْرِ أَدْيَانِ الْــــبَرِيَّــــةِ دِيـــــنَا |
لكنه -والعياذ بالله- لم يقبل هذا الدين، ولم يذعن به، وكان آخر ما قال: إنه على الشرك؛ على ملة عبد المطلب.
فالذين آمنوا بالله ورسوله: هم الذين أقروا إقرارًا تامًّا بما يستحقه الله عز وجل، وبما يستحقه الرسول عليه الصلاة والسلام وقبلوا ذلك وأذعنوا له.
ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواكلمة ثُمَّهنا في موقع من أحسن المواقع، ثُمَّتدل على الترتيب بمهلة؛ يعني: ثم استقروا وثبتوا على الإيمان مع طول المدة: ولَمْ يَرْتَابُواأي: لم يلحقهم شك في الإيمان بالله ورسوله.
وهنا ننبه إلى مسألة يكثُر السؤال عنها في هذا الوقت، وإن كان أصلها موجودًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وهي الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، يلقي الشيطان في قلب الإنسان أحيانًا وساوس وشكوكًا في الإيمان؛ في القرآن، في الرسول، في الرب عز وجل، وساوس يحب الإنسان أن يُمزَّق لحمُه ويكْسَر عظمُه ولا يتكلم بذلك، فما موقف الإنسان من هذا؟
موقف الإنسان من هذا: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي، يُعرِض عن هذا، ولا يفكر فيه إطلاقًا، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مثل هذه الوساوس صريح الإيمان، أي: خالص الإيمان، هذا إنما كان صريح الإيمان؛ لأن الشيطان لا يأتي لإنسان شاك يشككه في دينه، وإنما يأتي لإنسان ثابت مستقر ليشككه في دينه فيفسده عليه، وأما المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه، واطمأن قلبه بالإيمان؛ فإنه هو الذي يأتيه الشيطان ليفسد عليه، أمَّا من ليس بمؤمن فإن الشيطان لا يأتيه بمثل هذه الوسواس؛ لأنه منته منه.
والمهم أن قوله: ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوايدل على أنهم ثبتوا على الإيمان، ولو طالت المدة، فإذا قال قائل: ما هي الطريق التي توجب للإنسان ثبوت الإيمان واستقراره؟
قلنا: أولًا: أن يتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المخلوقات العظيمة لم تكن وليدة الصدفة، ولم تكن وليدة بنفسها، وأن يتفكر أيضًا في شريعة الله وكمالها، وأن يتفكر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وآياته، وما إلى ذلك، وكذلك أيضًا يُكثِر من ذكر الله عز وجل، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، ويكثر من الطاعات والأعمال الصالحة؛ لأن الطاعات والأعمال الصالحة تزيد في الإيمان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة رحمهم الله.
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات: ١٥]، هذا أيضًا معطوف على قوله: آمَنُواأي: هم الذين مع إيمانهم بالله عز وجل، ويقينهم وعدم ارتيابهم يريدون أن يصلحوا عباد الله، بماذا؟ بالجهاد في سبيل الله، يجاهدون أعداء الله ليرجعوا إلى دين الله، ويستقيموا عليه، لا للانتقام منهم، ولا للانتصار لأنفسهم، ولكن ليدخلوا في دين الله عز وجل.
والجهاد في سبيل الله: هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، لا للانتقام، القتال للانتقام ليس إلا مدافعة عن النفس أو أخذًا بالثأر فقط، لكن الجهاد حقيقة: هو أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، أما الجهاد انتصارًا للنفس، أو دفاعًا عن النفس فقط فليس في سبيل الله، لكن لا شك أن من قاتل دفاعًا عن نفسه فإنَّه إن قُتِلَ فهو شهيد، وإن قتل صاحبه فصاحبه في النار، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أراد أن يأخذ مالك قال: «لَا تُعْطِهْ». قال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتَلَني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «فَهُوَ فِي النَّارِ» .
إذن: ما هو الجهاد في سبيل الله؟ القتال ليش؟ لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو الذي حدَّه النبي عليه الصلاة والسلام وفصله فصلًا قاطعًا.
أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] أولئك هم الصادقون في إيمانهم وعدم ارتيابهم، أما الذين قالوا من الأعراب: آمنا، ولكنهم لم يؤمنوا حقيقة، ولكن أسلموا فإنهم ليسوا صادقين؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤].
تفسير الآية (16)
01:29:36
{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحجرات: ١٦]، هذا إنكار لقول الذين قالوا: آمنا؛ يعني: أتعلِّمون الله تعالى بأنكم آمنتم وهو عليم بكل شيء؟ وتُعَلِّمُونَ اللَّهَبمعني تخبِّرون الله، وليس المراد ترفعون جهله عن حالكم؛ لأنَّه يعلم حالهم عز وجل، ويعلم أنهم مؤمنون أو غير مؤمنين، لكن تُعَلِّمُونَهنا بمعنى أيش؟ تخبِّرون، وليس بمعنى: ترفعون الجهل عن الله عز وجل؛ لأن الله ليس جاهلًا بحالهم، بل هو عالم.
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْحينما قلتم: آمنا؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِومنه - أي مما في السموات والأرض- حالكم إن كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين.
وفي هذه الآية: إشارة إلى أن النطق بالنية في العبادات مُنكَر؛ لأن الإنسان الذي يقول: أريد أن أصلي، يعلم الله سبحانه وتعالى بما يريد من العمل، والله يعلم، والذي يقول: أريد أن أصوم كذلك، والذي يقول: نويت أن أتصدَّق كذلك، والذي يقول: نويت أن أحج كذلك أيضًا؛ ولهذا لا يُسَنُّ النطق بالنية في العبادات كلها؛ لا في الحج ولا في الصدقة، ولا في الصوم، ولا في الوضوء، ولا في الصلاة، ولا غير ذلك، لماذا؟ لأن النية محلها القلب والله عالم بذلك لا حاجة أن تخبر الله به.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
مَا فِي السَّمَاوَاتِعام، وَمَا فِي الْأَرْضِعام كل شيء يعلمه الله، وقد تقدم لنا الكلام مرارًا على هذه الصفة العظيمة من صفات الله، والتي هي من أوسع صفاته جل وعلا.
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌبِكُلِّ شَيْءٍخفي أو بيِّن، عام أو خاص، هو عالم به جل وعلا.
ثم قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات: ١٧] إلى آخر آيات، إلى آخر السورة، ونكملها إن شاء الله في اللقاء القادم؛ لأن الوقت قد حصرنا، ولنتفرغ إلى الأسئلة.
***
تفسير الآية (17)
01:32:29
إذن نقول: نتكلم بما ييسره الله عز وجل فيما بقي من تفسير سورة الحجرات؛ يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ.
في هذه الآية تكررت (أن) ثلاث مرات يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات: ١٧] تكررت مرتين، وهي على تقدير الباء؛ أي: يمنون عليك -يا محمد- بإسلامهم، هذا هو التقدير، وحذف الجار مع (أن) و(أن) مطرد، كما قاله ابن مالك رحمه الله في الألفية، في الخلاصة يقول رحمه الله: إن حذف الجار مع (أن) و(أن) يطرد، مع أمن اللبس.
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواأي: بأن أسلموا؛ أي: بإسلامهم، ويعني بذلك قومًا أسلموا بدون قتال، فجعلوا يمنون على الرسول عليه الصلاة والسلام، يذكرون الفضائل ويقولون: إننا نحن آمنَّا بك، ولم نقاتلْك، كما قاتلك الناس، مع أن المصلحة لمن؟ المصلحة لهم؛ ولهذا قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ.
وقوله: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْهذا إضراب لإبطال ما سبق؛ أي: ليس لكم منة على الرسول عليه الصلاة والسلام بإسلامكم، بل المنة لله عز وجل عليكم أن هداكم للإيمان، ولا شك أن هذا أعظم منة؛ أن يمن الله تعالى على العبد بالهداية للإيمان، مع أن الله أضل كثيرًا من الأمة عنه، فإن بني آدم منهم تسع مئة وتسعة وتسعون كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة، فمن وُفِّق؛ لأن يكون من أهل الجنة؛ فذلك منة من الله عليه عظيمة؛ ولهذا كان الأنصار رضي الله عنهم؛ حينما جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم -يوم قسم غنائم حنين- كلما ذكر لهم شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَنُّ، قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي؟» قالوا: الله ورسوله أمن ، كلما ذكر شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَنُّ، فالمنة لله علينا، على كل من هداه الله، على كل من أنعم الله عليه بنعمة، فالمنة لله عز وجل عليه.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَأي: إن كنتم من ذوي الصدق، القائلين بالصدق؛ فاعرفوا هذا أن المنة لله عليكم.
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
تفسير الآية (18)
01:35:52
{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: ١٨]، أخبر الله بهذه الآية أنه يعلم كل ما غاب في السماوات والأرض، وما ظهر فهو من باب أولى.
وأخبر عز وجل أنه من جملة ما يعلمه عملُ بني آدم؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وهذه الآية تفيدُ مسألة عظيمة في سلوك الإنسان وعمله، وهو أن يعلم بأن الله تعالى بصير بعمله محيط به، فيخشى الله ويتقيه.
نسأل الله تعالى أن يَمُنَّ علينا وعليكم بالهداية والتوفيق.
ويا حبذا لو أن أحدكم تكلم على هذه السورة، واستنبط ما فيها من الآداب العظيمة، وجمعها، حتى تكون مرجعًا له عند الحاجة، ولقد رأيت بعض الناس ألَّف تأليفًا مستقلًّا فيما يستنبط من هذه الآيات الكريمة من الآداب والأخلاق، وهي جديرة بذلك.
نسأل الله أن يَمُنَّ علينا وعليكم بالأخلاق الفاضلة، والآداب العالية؛ إنه على كل شيء قدير.





