تفسير سورة الفرقان - 1
عدد الزيارات 7308

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (1-2)
تفسير الآيات (3-9)

تفسير الآيتين (1-2)
00:00:04

البسملة تقدم الكلام عليها، وما أكثر الكلام عليها في المؤلفات؛ لأنها تكون في كل مؤلف (...) عند كل فعلٍ بما يناسبه؛ فعند القراءة تقول: باسم الله أقرأ، وعند الأكل: باسم الله آكُل، وعند الشرب: باسم الله أشرب، وعند الذبح: باسم الله أذبح؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» .
وقدَّروه فعلًا لا مصدرًا، السبب؟ قدَّروه فِعلًا لا مصدرًا؛ يعني قالوا: أقرأُ، ولم يقولوا: قراءتي باسم الله، بل قالوا: التقدير: باسم الله أقرأُ، لا: باسم الله قراءتي، مثلًا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الاستمرار بمعنى الثبات والدوام، فالفعل يدلُّ على التجدُّد والحدوث. هذه واحدة، وهذه فائدة معنوية.
وأيضًا الأصل في العمل هو الفعل، حينئذٍ هو الذي يَحْسُن أن يقدَّر دون الاسم؛ لأنَّ عمل الاسم فرعٌ ليس أصلًا، فاسم الفاعل مثلًا يعمل عمل الفعل لأنه مشبَّه به.
فصار الآن نقول: يقدر فعلًا؛ لأنها تسميةٌ على فِعْل، والفعل يقتضي التجدُّد والحدوث، هذه واحدة.
ثانيًا: لأنَّ الأصل في العمل ما هو؟ الفعل، فهو الذي يَقْوى على أن يعمل محذوفًا.
طيب، وقدروه (...)؛ يعني قالوا: ينبغي أنك تقول: باسم الله أقرأُ، لا: أقرأُ باسم الله، السبب؟
طالب: أولًا: التبرُّك بالبداءة باسم الله تعالى، الشيء الثاني: أنَّ تقديم المعمول يفيد الحصر.
الشيخ: صحيح، التبرُّك بالبداءة باسم الله، وثانيًا: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المعمول يدلُّ على الحصر.
وقدَّروه خاصًّا أيضًا؛ يعني ما قالوا مثلًا عندما تريد أن تتوضأ: باسم الله أبتدئ، عندما تريد تقرأ: باسم الله أبتدئ؛ لأنه أدَلُّ على أيش؟ المقصود.
إذَن الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، يكون هذا المحذوف فعلًا متأخِّرًا خاصًّا.
والبسملة كثيرًا ما تقع، عندما تريد تتوضأ تقول: باسم الله، ويش التقدير؟
طالب: باسم الله أتوضأ.
الشيخ: باسم الله أتوضأ. أحسن من أن تقدِّر: وضوئي باسم الله، مثلًا، وأحسن من أن تقدِّر: باسم الله أبتدئ. فتقدِّر الفعل الخاصَّ متأخرًا.
أمَّا (الله) فهو عَلَمٌ على الذات المقدَّسة، ذات الله سبحانه وتعالى، ويختصُّ به، وأصله: الإله، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة، مثل ما حذفوا الهمزة في (الناس) وأصله: الأناس.
إذَن الإله أصله، و(إله) فِعَال بمعنى مفعول؛ أي: مَألُوه؛ أي: معبود، فهذه اللفظة إذَن مشتقَّةٌ وأصلها: الإله، والألوهية هي العبادة.
وقوله: (الرحمن) أيضًا من الأسماء المختصَّة بالله سبحانه وتعالى، وهو صفةٌ مشبَّهة، وإنما قدَّرناه صفةً مشبَّهة لأنه على وزنها؛ مثل (فَعْلان) على وزن غَضْبان، ثم إنَّ الصفة المشبَّهة تفيد الثبوت والاستمرار بخلاف اسم الفاعل.
وإنما جاءت بهذه الصيغة (الرحمن) لِسَعَةِ رحمة الله سبحانه وتعالى، وبهذا فسَّره بعض العلماء بقوله: (الرحمن) ذو الرحمة العامَّة.
و(الرحيم) فَعِيل، منين هو مشتق؟ من الرحمة أيضًا، لكنَّه يفيد الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، والأول (الرحمن) يفيد الوصف. الأول يفيد الوصف والثاني يفيد الفعل، ولهذا قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] حينما أراد الصفة المطْلقة، وقال: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣] حينما أراد إيصال الرحمة إلى المرحوم.
فالحاصل الآن أنَّ (الرحمن) و(الرحيم) إذا اجتمعا يُفسَّر الرحمن بأنَّه دالٌّ على الصفة أكثر من دلالته على الفعل، والرحيم دالٌّ على الفعل أكثر من دلالته على الصفة، وإنْ كان كلٌّ منهما يدلُّ على صفة الرحمة، هذا إذا اجتمعا. أمَّا إذا افترقا فمعناهما واحد.

***

بسم الله الرحمن الرحيم (تَبَارَكَ [الفرقان: ١] تعالَى)، ففسَّر المؤلف التبارُكَ بالتعالي، ولا شك أن هذا التفسير فيه نوعٌ من القصور؛ لأن تَبَارَكَتدلُّ على التعالي، بل وعلى كثرة الخير وسَعتِهِ ودوامِه؛ فمعناها أنَّه كثُرتْ خيراتُه وعظمتْ واستمرَّتْ للعباد.
وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] هذا من جملة البركة التي هي من صفات الله سبحانه وتعالى أنَّه نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.
ونَزَّلَ(فَعَّلَ) تفيد النزول شيئًا فشيئًا، وهكذا القرآن الكريم كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا، والكتب السابقة كانت تنزل جملةً واحدةً؛ لقوله تعالى في هذه السورة: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةًفردَّ الله عليهم بقوله: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢].
وقوله: نَزَّلَ الْفُرْقَانَيفيد أنَّ هذا القرآن كلام الله.
فإذا قال قائلٌ: ليس في هذا دليلٌ على أنه كلام الله؛ لأنَّ الله تعالى يقول: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: ٩٩]، والماء الذي هو المطر ليس صفةً من صفات الله، أليس كذلك؟ فلا يَلْزم إذا قال الله: إنه نزَّل القرآن، أن يكون القرآنُ صفةً من صفاته؛ لأن الله تعالى يُضيف التنزيلَ والإنزالَ إلى ما ليس من صفته.
فالجواب على ذلك أن يقال: إذا أضاف الله تعالى إنزالَ شيءٍ إليه، فإنْ كان هذا الشيءُ عينًا قائمًا بذاته أو وصفًا في عينٍ قائمةٍ بذاته فليس من صفات الله. إذا كان عينًا قائمًا بذاته فليس من صفات الله، أو كان صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها فليس من صفات الله.
وإنْ كان صفةً لا يمكن أن يقوم بعينه، يعني ليس عينًا قائمًا بذاته (...) صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها لَزِم أن يكون أيش؟
طالب: صفة.
الشيخ: صفةً من صفات الله. فالقرآن كلام، هل يمكن أنَّ الكلام يكون عينًا قائمةً بذاتها؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، وهنا لم يُضَف إلى أحدٍ من الناس حتى نقول: إنه صفةٌ في عينٍ قائمةٍ بذاتها فيلزم أن يكون مخلوقًا في العين القائمة به. وعلى هذا يتعيَّن، ويش يتعيَّن؟ أن يكون كلامًا لله وصفةً من صفاته، ولهذا استدلَّ أهل السُّنَّة والجماعة بمثل هذه الآية على أنَّ القرآن كلام الله.
يُستفاد من قوله: نَزَّلَ الْفُرْقَانَأيضًا أنَّ الله في السماء، وجه الدلالة أو وجه الفائدة أنَّ النزول يكون من عُلُوٍّ، وإذا كان الله نزَّل الفرقان دلَّ على عُلُوِّ الله تبارك وتعالى.
وقوله: الْفُرْقَانَهو القرآن، وُصِف بذلك لأنَّه يفرق بين الخير والشر، وبين الحقِّ والباطل، وبين أهل الحقِّ وأهل الباطل، وأهل الخير وأهل الشر، فهو فُرقانٌ في كلِّ شيء.
وكما أنَّه فرقانٌ بذاته (...) يفرِّق، فإنَّ مَن كان من أهله أُعطِي هذه الصفة، إنْ كان من أهله ولازَمَه وعَمِل به أُوتِيَ هذه الصفةَ وصار له تفريقٌ بين الحقِّ والباطل؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال: ٢٩].
نَزَّلَ الْفُرْقَانإذا كان القرآنُ فرقانًا بين الحقِّ والباطل وبين الخير والشر لَزِم من ذلك أن يكون بيِّنًا واضحًا ليس فيه إجمال وليس فيه إشكال، ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: كيف يَلْزم ذلك؟ لأنَّه لو كان فيه إجمال أو اشتباه لم يكن فُرقانًا؛ لأنَّ المشتبه كيف يكون فرقانًا؟! فالفرقان يحتاج إلى أن يكون واضحًا موضِّحًا بيِّنًا.
فإذا قال قائل: الله يقول: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣]، كِتَابًا مُتَشَابِهًا، وهذا يقتضي أن يكون فيه اشتباه.
قلنا: المراد بالمتشابه هنا الموافق بعضُه بعضًا، المشْبه بعضُه لبعضٍ في الكمال والحُسْن، هذا معنى المتشابه؛ كقوله تعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] أي: متوافقًا ومتشاكلًا، هكذا القرآن متشابهٌ؛ بمعنى أنَّ بعضه يُشبه بعضًا في الحُسْن ويوافقه ولا يخالفه.
وأمَّا قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧] فقد بيَّن الله أنَّ هذه المحكمات إليها المرجع؛ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧]، وإذا كُنَّ أمَّ الكتاب لَزِمَ أنْ يُرَدَّ المتشابهُ إلى أيِّ شيء؟ إلى المحْكَم، وإذا رُدَّ المتشابه إلى المحْكَم صار الجميع مُحْكمًا، وهذه القاعدة التي ذكرها الله هي التي عليها الراسخون في العلم، وهي التي يستريح بها الإنسانُ من الاحتمالات؛ لأنَّه يجيئنا دائمًا في القرآن وفي السُّنَّة نصوص فيها احتمالات؛ تحتمل كذا وتحتمل كذا، وعندنا نصوص أخرى واضحة صريحة ما فيها إشكال، فما الواجب علينا؟ الواجب علينا أنْ نحمل هذا المشتبه على المحْكَم؛ أي: على ما يوافقه ولا يخالفه ليكون الجميعُ مُحْكمًا.
نَزَّلَ الْفُرْقَانَقلنا: يُستفاد من هذه الآية أيش؟ أنَّ القرآن كلَّه واضحٌ صريحٌ ليس فيه إشكال؛ لأنه لا يمكن أن يكون فرقانًا إلا على هذا الوجه، وأجبْنا عمَّا أوردناه من قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣]؛ الموافَقة والمشاكَلة في الكمال والحُكْم.
نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ..
طالب: شيخ، مثال على ردِّ المتشابه للمحكم.
الشيخ: نعم، مثال ردِّ المتشابه للمحكم قولُ الله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]؛ فإنَّ هذا قد يشتبه على الإنسان أنَّ الله تعالى معنا بذاته، ولكن عندنا نصوص مُحْكمة وهي تدلُّ على عُلُوِّ الله وأنَّ المعيَّة الذاتية التي يكون الله تعالى معنا في كلِّ مكانٍ هذه مستحيلة. فهذا من المحكم ومن المتشابه؛ ولهذا الذين في قلوبهم زيغٌ اتَّبعوا هذا المتشابه وتركوا المحْكَم وقالوا: إنَّ الله معنا بذاته في كلِّ مكان، هذا مثال في الخبر.
مثال في الحُكم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» ، ودخل رجلٌ يوم الجمعة وهو يخطب فجلس، فقال: «أَصَلَّيْتَ؟»، قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» . هذا محكم واضح (...) على طلب صلاة الركعتين لكلِّ مَن دخل المسجد، ولَّا لا؟ ألَّا يجلس حتى يصلي ركعتين.
وفيه حديث الثلاثة الذين جاؤوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام في أصحابه، فأحدُهم جلس، وأحدُهم دخل الحلقة، والثالث انصرف ، وليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّ أحدًا منهم صلَّى ركعتين، فهذا مشتبهٌ؛ لأنه قد يدلُّ على أنها ليست مطلوبة؛ التي هي سُنَّة تحية المسجد، لكنَّنا لا يمكن أن نَدَع الحديثَ المحْكَم من أجْل هذا الاحتمال؛ لاحتمال أنَّ هؤلاء الرجال الثلاثة صلَّوا والرسول يراهم ولم يُنكر عليهم، ولاحتمال أن يكونوا على غير وضوء، ولاحتمالات أخرى، فلهذا لا نَدَع المحْكَم من أجل هذا المتشابه، والأمثلة على هذا كثيرة.
وقوله: عَلَى عَبْدِهِ، مَن عَبْدُه؟ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وهذه العبودية أخصُّ العبوديَّات التي يوصف بها الناس؛ لأنَّ العبودية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عامَّة، وخاصَّة، وأَخَص.
العامَّة هي التي تشمل جميع الخلْق؛ مثل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، كلُّ الخلْق عباد الله، ومنه أيضًا: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [الحجر: ٤٢]، استثنى مَن اتَّبعه من عباده.
الثاني: خاصَّة؛ مثل قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣].
والثالثة: أخَصُّ، وهي عبودية الرسالة؛ كقوله تعالى في نوح: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]، وقوله في محمد صلى الله عليه وسلم: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، هذه أخصُّ من الأولى؛ لأنها عبودية خاصَّة بتكليفٍ خاصٍّ وهو الرسالة.
ووصْف الإنسان بالعبودية لله عز وجل وإضافتُه إلى الله هذا تشريفٌ ولَّا إهانة؟
الطلبة: تشريف.
الشيخ: تشريف، لا شكَّ أنَّ له الفخر كلَّ الفخر بأنْ يكون عبدًا لله عز وجل، وحتى الإنسان يحب أن يُنسَب إلى عبودية غيره من بني الإنسان إذا كان يحبُّه، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا .......................

يعني: لا تقُل: يا محمد، يا بكر، يا خالد، يا علي، لا، هناك اسمٌ أشرفُ عنده وهو أن تقول: يا عَبْد فلانة؛ لأنه يفخر أن يكون عبدًا لها.
فعبودية الله عز وجل لا شكَّ أنها مفخرةٌ للعابد إذا أُضيف إلى الله.
عَلَى عَبْدِهِمحمد صلى الله عليه وسلم.
يقول: (الْفُرْقَانَالقرآن؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطل)، وكذلك بين الخير والشر. (عَلَى عَبْدِهِمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَأي: الإنس والجن دون الملائكة).
لِيَكُونَالضمير يعود على مَن؟
طالب: على محمد.
الشيخ: على محمد، نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَأي: محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]، فالنذير محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
ويحتمل أن يكون الضمير لِيَكُونَأي: الفُرقان نَذِيرًاللعالمين؛ لقوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، فجعل الإنذار بالقرآن، ولكن هذا ليس براجح، بل الراجح الأول؛ أولًا: لأنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ لِيَكُونَالذي قَبْله مباشرةً عَبْدِهِ. ثانيًا: أنَّ الله وَصَف النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
وقوله: لِلْعَالَمِينَالعالَم؛ يقول المؤلف: (الإنس والجن دون الملائكة). أمَّا الإنس فظاهر، وأمَّا الجنُّ فكذلك أيضًا دلَّت النصوص على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ إليهم. وما الدليل على هذا؟
طالب: قوله تعالى: ولقد صرفنا إليك..
الشيخ: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩]، قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن: ١]، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا» ، فقيَّدهم بأحكام الشريعة.
أمَّا الملائكة فالدليل على أنَّه ليس رسولًا إليهم قول الله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٥] فأفادت الآية أنَّ الملائكة يُرسَل إليهم ملائكة، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ليس بِمَلَك، فيقتضي ذلك ألَّا يكون رسولًا إلى الملائكة، لكن على الملائكة أن يصدِّقوا به، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهم بلا شك مصدِّقون به، لا شك أنهم مصدِّقون بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنَّه ليس مبعوثًا إليهم ولا مكلَّفًا بتبليغهم عليه الصلاة والسلام.
إذَنْ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَمن باب العامِّ الذي أُريدَ به الخاصُّ؛ لأنَّ الملائكة من العالمين؛ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فكلُّ ما سوى الله عالَمٌ.
وقوله: نَذِيرًاالنذير هو المعْلِن أو المخْبِر بما يخوِّف، والبشيرُ: المخبِر بما يَسُرُّ، فالنذير: المخْبِر بما يخوِّف، على هذا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام مخبِرًا بما يخوِّف، وهذا لا ينافي أيضًا أن يكون بشيرًا، وقد ذكر الله الحالين في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف: ١ - ٣]. فإذَن الاقتصار على البشارة أو الإنذار في مكانٍ لا يقتضي نَفْي الثاني، الرسول عليه الصلاة والسلام موصوفٌ بهذا وهذا، عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا على سبيل الإنذار، لكنَّها مقيَّدة مثل: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، بعضهم قال: إنَّ هذا على سبيل التهكُّم بهم، يعني (...) بالعذاب وهو لا يُبَشَّر به عادةً. وبعضهم يقول: لا، إذا قُيِّد بشيءٍ تقيَّدَ به، لكن عند الإطلاق هو في الخير.
قال الله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١].
ويستفاد من الآية الكريمة لِيَكُونَيستفاد منها: إثباتُ الحكمة في أفعال الله؛ لأنَّ اللام في قوله: لِيَكُونَللتعليل، فإذا كانت للتعليل دلَّ هذا على أنها تفيد الحكمة؛ إذ العِلَّة هي الباعثةُ على الشيء أو هي غاية الشيء؛ يعني العِلَّة إمَّا غائيَّة أو باعثة، وكلٌّ منها يدلُّ على الحكمة.
وقوله: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَيستفاد منه: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ مَن قال: إنَّه رسولٌ إلى العرب فقط فإنَّه كافرٌ به. خذوا بالكم يا جماعة، الذين قالوا: إنَّه رسولٌ إلى العرب، قالوا: إنَّ الله تعالى يقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢]. وهذا يقتضي أنَّه رسولٌ للعرب فقط، وأنَّ بني إسرائيل لا يُكلَّفون باتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فما هو الجواب عن هذه الشُّبهة؟ هذه من الآيات المشتبهة.
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، لهذا نحن نقول: فِي الْأُمِّيِّينَليست (...)، لو كان المراد تخصيصهم لَقال: هو الذي بعث للأميِّين كما في قوله: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء: ٧٩]، أرسلناك للناس، لكن فِي الْأُمِّيِّينَصحيح الرسول مبعوثٌ فيهم، بُعِث فيهم لا لهم، بُعِثَ فيهم لهم ولغيرهم؛ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا.
عندما أقول مثلًا: بُعِثَ فلانٌ في هذا البلد، أو مثلًا: خَلَق الله في هذا البلد رجلًا كريمًا، أو: رجلًا عالمًا، أو ما أشبهَ ذلك، هل هو للبلد فقط؟ لا، مكانُه في البلد صحيح، لكن ما يحصل منه عامٌّ، فالتخصيص بالمكان أو التخصيص بالزمان لا يدلُّ على تخصيص الدعوة. يُستفاد منها عموم رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
ويستفاد منها أيضًا: فضْل الرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ حيث كُلِّف الرسالة إلى جميع الخلْق؛ لأن هذا دليلٌ على فضْله وأنه أهلٌ لهذه المهِمَّة العظيمة، ولَّا لا؟ لو أرسلتَ إنسانًا ليُصلح بين شخصين فهذا دليلٌ على فضله، لكن لو أرسلتَ إنسانًا ليُصلح بين طائفتين أو أُمَّتين هذا زاد فضلًا، ولذلك ما يوصل لهذه المهِمَّة الأخيرة إلا مَن هو جديرٌ بها، فكَونُ الرسول عليه الصلاة والسلام أُرسِل لجميع الـ(...) على فضله، حيث حمل الرسالةَ إلى جميع الخلْق.
ثم إنَّ فيه دليلًا على مِنَّة الله عليه أيضًا؛ لأنَّ كلَّ مَن انتفع برسالته ناله -أي: النبي عليه الصلاة والسلام- مِن أجره، أليس كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» ، ولهذا لو تُعَلِّم إنسانًا ويعمل بعلمك ويُعَلِّم آخَر ويُعَلِّم آخَر ويُعَلِّم آخَر، فإنَّه يأتيك من الأجر والفضل بقَدْر مَن انتفع به.
لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: ١، ٢].
(نَذِيرًامُخَوِّفًا مِن عذاب الله تعالى).
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍمِن شأنه أن يُخلَق فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢] سَوَّاه تسويةً).
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِهذه صفةٌ لقوله: الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، فذكر الله سبحانه وتعالى إنزال الفرقان وهو تشريع وتنظيم، ثم أعقبه بقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِإشارةً إلى أنه يجب العمل بما جاء في هذا الفرقان؛ لأنه جاء مِمَّن؟ من مالك السماوات والأرض، والمالك له حقُّ التصرف بمملوكه بأنْ يشرع له ما شاء وينظِّم له ما شاء، وهذا هو الفائدة في قوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِبعد قوله: الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، فأتى بالتشريع أولًا أو بدستور التشريع -كما يقولون- ثم أتى بعد ذلك بعموم الْمُلْك؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا كان هو المالك العام للسماوات والأرض لزم أنْ يكون ما شرعه حتمًا على المملوكين.
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِطيب، هذا الْمُلْك مُلك أعيانٍ فقط أو مُلك أعيانٍ وتصرُّف؟ مُلك أعيانٍ وتصرُّف، ليش؟ لأنَّ الْمُلْك قد يكون ملْكًا للعين دون التصرُّف فيها، وقد يكون ملْكًا للتصرُّف دون العين؛ يعني قد يملك الإنسانُ التصرُّفَ في العين دون ذاتها، أو يملك عين الشيء دون التصرُّف فيه.
المالك للشيء الذي لم يتعلَّق به حقُّ أحدٍ هذا مالكٌ للعين والتصرُّف فيها. والموقوف عليه مالكٌ للعين لكن لا يملك التصرف فيها التصرف المطْلق؛ لا يبيع، ولا يَهَب، ولا تورث عنه. المستأجر مالكٌ للمنفعة، للتصرُّف في المنفعة فقط دون العين.
أمَّا الله عز وجل فإنَّ له مُلك السماوات والأرض أعيانهما والتصرف فيهما.
طيب، ما ذكر مُلك مَن فيهما مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ لأنَّ السماوات والأرض يدخل فيها كلُّ مَن فيها؛ لأنَّ مَن في السماوات والأرض هم من السماوات والأرض، أصلهم من السماوات والأرض؛ فالإنسان خُلِق من طين، والحيوانات الأخرى فيما يبدو والله أعلم -وإنْ كنَّا لا ندري عنها شيئًا- أنها خُلِقت من الأرض، لكنَّنا ما نعلم عنها شيئًا؛ لأن المهِمَّ أنْ نعرف أصْلنا، أمَّا هذه فخلقها الله لنا؛ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٩] (...).
وقوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَدًابمعنى: مولودًا، وكلمة وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًاأعمُّ من قوله: لَمْ يَلِدْ [الإخلاص: ٣]، لكن مع ذلك نفى الله عن نفسه اتِّخاذ الولد والولادة، فهو سبحانه وتعالى لم يلد ولم يتَّخذ ولدًا من عباده، وفي هذا إبطالٌ لقول مَن؟
طالب: النصارى.
الشيخ: لقول النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، ولقول اليهود الذين قالوا: عُزَير ابن الله، وللمشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله؛ فالله سبحانه وتعالى ما ولد شيئًا، ولم يتَّخذ أحدًا من خلْقه ولدًا؛ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ.
طيب، ذكرنا فيما سبق أنَّ الله تعالى إذا نَفَى عن نفسه الصفةَ فليس المراد بذلك نَفْي الصفة فقط، بل نَفْي الصفة وإثبات كمال ضدِّها، فما هو الضدُّ هنا؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، كمال قُدرته وغِناه، وأنَّه غير محتاجٍ إلى الولد لكمال غِناه عن غيره، ما يحتاج للولد واتِّخاذ الولد إلَّا مَن كان محتاجًا له، أمَّا مَن كان غنيًّا عنه قادرًا على ما يريد فهذا لا يتَّخذ ولدًا.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِنعم، الله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في الملْك، ما شاركه أحدٌ، لا أحد مِن الملائكة، ولا أحد من الأنبياء، ولا أحد ممن دونهم، الْمُلْك لله وحده لا شريك له فيه.
وفي هذا إبطالٌ للذين أشركوا بالله في الربوبية؛ مثل الذين يقولون: إنَّ بعض الأولياء يتصرَّفون في الكون. هؤلاء لا شك أنهم خاطئون وأنهم كاذبون أيضًا؛ فهُم خاطئون في عقيدتهم، كاذبون فيما أخبروا به؛ فالله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في مُلكه.
وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِإذا قال قائل: ألَسْنا نملك بيوتنا ونملك ثيابنا ونملك مواشينا؟ فهل هذا يقتضي أن يكون لله شريك؟
الجواب: لا؛ لأن ملْكنا لهذه الأشياء ليس ملكًا مطْلقًا، صحيح أنا مالكٌ لبيتي ومالكٌ لثوبي ومالكٌ لسيارتي ومالكٌ لماشيتي، لكن ملْكي لهذه الأشياء ليس ملْكًا مطْلقًا؛ بدليل أنَّني مقيَّد بالشرع في التصرف في هذه الأشياء؛ هل أملك مثلًا أن أقوم عليها فأحرقها ولَّا ما أملك؟
طالب: حرام.
الشيخ: لا أملك، حرام عليَّ ذلك، لا أملك مثلًا أن أشقَّ على الحيوان في الحمل والركوب وغير ذلك؛ إذَنْ فكَوْني مالكًا (...) أكون شريكًا لله تعالى في ملْكه؛ لأن ملكي هذا مقيَّد بحسب إذْن الشارع لي، لا أتصرَّف فيه إلا بما أَذِن الله سبحانه وتعالى.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍيقول الشارح: (مِن شأنه أن يُخلَق).
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍتفيد العموم، لكن الشارح قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)، ليش قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)؟
طالب: لكي لا يدخل القرآن.
الشيخ: نعم، لكي لا يدخل القرآن أو نفسه مثلًا، لو قال الإنسان: هل خَلَق الله نفسَه؟ لأنَّ هذا مستحيل، مستحيلٌ أنْ يخلق نفسَه، لكنه مع ذلك يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق)، أمَّا ما ليس من شأنه أن يُخلَق كذات الله وصفات الله فهذا ليس داخلًا من الأصل؛ لأن الله تعالى خالقٌ، والخالق غير المخلوق، وصفات الخالق ليست مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للذات، ولهذا كأن المؤلف لَمَّا يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق) ينبِّهك لتَرُدَّ بهذه الكلمة على مَن قالوا: إنَّ القرآن مخلوقٌ، فتقول: القرآن ليس من شأنه أن يُخلَق؛ لأنه من صفات الله سبحانه وتعالى، وصفات الله تعالى غير مخلوقة.
ولكنَّه ينبغي ألَّا نقيِّد الآية بهذا، نقول: هو خَلَق كلَّ شيء. والخالق يمكن أن يكون هو المخلوق ولَّا غير المخلوق؟ لا يمكن، فإذا كان لا يمكن دلَّ ذلك على أنَّ الله تعالى غير مخلوق، وعلى أنَّ صفاته أيضًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للموصوف، وحينئذٍ لا يحتاج أن نقول: من شأنه أن يُخلق؛ لأنَّنا إذا قلنا: من شأنه أن يُخلَق، قيَّدْنا الآية الكريمة.
ويمكن أن يحتجَّ علينا الذي يقول بخلق القرآن فيقول: مَن قال لك أنَّ الآية مقيدةٌ بهذا؟
فنحن نقول: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍعلى سبيل الإطلاق وعلى سبيل العموم، وهذا لا يقتضي أن يكون القرآنُ مخلوقًا؛ لأنَّ الخالق غير المخلوق، والقرآن من صفات الله، وصفات الخالق قطعًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفات تابعةٌ للذات.
إذَن الآن لو احتجَّ علينا المعتزلة والجهمية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق، فبماذا نُجيبهم؟ نُجيبهم بأحد وجهين:
الوجه الأول: ما أشار إليه المؤلف وهو أن يُقال: إنَّ هذا من باب العامِّ المراد به الخاص؛ يعني كلَّ شيءٍ مِن شأنه أن يُخلق، هذا وجه، وبهذا أجاب كثيرٌ من السلف وقالوا: إذا قال قائل: إنَّ القرآن مخلوقٌ، واستدلَّ بقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فقُل له: إنَّ الله قال عن ريح عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا، ومع ذلك هي ما دمَّرت السماء ولا الأرض ولا المساكن؛ فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥].
والبعض الآخر من العلماء يقول: لا، الآية على عمومها، والقرآن غير داخلٍ إطلاقًا حتى نحتاج إلى إخراجه؛ لماذا؟ لأنَّه إذا كان خالقًا فالخالق غير المخلوق، والقرآن كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعةٌ لأيِّ شيءٍ؟ للموصوف.
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًاالفاء ويش تدلُّ عليه؟ تدلُّ على الترتيب.
و(قدَّره) بمعنى صوَّره؛ لأنَّ الخلْق قد يوجد لكنْ بدون تسوية، فالله تعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاه.
والدليل على أنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢]، وعلى هذا فالترتيب في قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُالترتيب حسب الواقع، الترتيب واقعي؛ لأنَّ التسوية تكون بعد الخلْق؛ أنت عندما توجِد بناءً أوَّلًا توجِد الهيكلَ ثم تُدخل التعديلات والتسويات، هكذا الله سبحانه وتعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاهُ تسويةً مناسبةً لِمَا خُلِق له.
وقال بعضهم: إنَّ معنى قَدَّرَهُأي: قضاه، فتدلُّ الآية على القضاء والخلْق. وعلى هذا القول الذي يجعل التقدير بمعنى القضاء يكون في الآية ترتيب غير واقعي؛ والسبب: لأنَّ التقدير بمعنى القضاء سابقٌ للخلْق، ولَّا لا؟ لأنَّ الله يقضي أولًا ثم يخلق ثانيًا.
ولكن أيُّهما الأفضل؟ الأفضل أن الترتيب يكون واقعيًّا وأن الخلْق قبل التقدير، ويدلُّ على ذلك أيضًا الآية الكريمة: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، فكَوْنه يقول: خَلَقَ فَسَوَّىفإن القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا، ونجعل التقدير هنا بمعنى التسوية.
وكونه يأتي الترتيب على خلاف الواقع، هذا وإن جاء في اللغة العربية لكنَّه خلاف المعهود، وإلَّا فقد قيل: إنَّ مَن تاب ثم تاب أبوه ثم تاب مِن بعد ذلك جدُّه، فـ(...) الجد هي الأولى، وهي في الترتيب هنا هي الأخيرة، ولكن الأقرب والأَوْلى ما مشى عليه المؤلف وأنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية؛ لأنَّ كلام الله تعالى يفسِّر بعضُه بعضًا (...).

***

تفسير الآيات (3-9)
00:42:43

(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
طالب: (...) فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان: ٤ - ٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان: ٣].
(وَاتَّخَذُواأي: الكفار مِنْ دُونِهِأي: الله)، أمَّا الضمير الأول: وَاتَّخَذُوافلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِمَن هم؟
طالب: الكفار.
الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا مِنْ دُونِهِفمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِإلى أن قال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، وقوله: آلِهَةًجمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: لقول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف: ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود: ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: وَهُمْ يُخْلَقُونَ، مين اللي وَهُمْ يُخْلَقُونَ؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًابيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
وَهُمْ يُخْلَقُونَلا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: ٣] يقول المؤلف: (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّاأي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّاأيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُوهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًاعلى ضعفه لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُما يستطيعون أن يستنقذوه، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
طالب: إي نعم، (جَرَّه).
الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةًأي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ وَلَا نُشُورًاأي: بعثًا للأموات).
لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةًيعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةًيعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًاالنُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًابالنسبة لقوله: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا؟
عَطْفها على قوله: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًامن باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، مَوْتًاوحَيَاةًونُشُورًا، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا.
وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ائْتُوا بِآبَائِنَا، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ائْتُوا بِآبَائِنَاهو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًامُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
وَهُمْ يُخْلَقُونَلا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦].
وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًاهذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
طالب: (...)؟
الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَاأي: ما القرآن إِلَّا إِفْكٌكَذِبٌ افْتَرَاهُمحمَّد وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان: ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُهنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: وَاتَّخَذُوا [الفرقان: ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوايعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(إِنْ هَذَاأي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا إِنْ، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
إِنْبمعنى (ما) فهي نافية، هَذَايقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
إِنْ هَذَاأي: ما هذا القرآن إِلَّا إِفْكٌ، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ افْتَرَاهُ) يعني اختلقه؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم.
وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَيقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ صلى الله عليه وسلم افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا [الفرقان: ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
جَاءُوا ظُلْمًاالمؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
وَزُورًاالزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ [الكهف: ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ» .
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَفيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤]، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين ، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته صلى الله عليه وسلم. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [الفرقان: ٥].
(وَقَالُواأيضًا هو أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَأكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ اكْتَتَبَهَاانتسخها من ذلك القوم) أيش؟
طالب: (لغيره).
الشيخ: (بغيره).
الطالب: باللام.
الشيخ: (لغيره)؟
الطالب: نعم.
الشيخ: عندي بالباء، (بغيره فَهِيَ تُمْلَىتُقرأ عَلَيْهِليحفظها بُكْرَةً وَأَصِيلًاغُدوةً وعشيًّا).
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَسَاطِيرُجمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠].
فهو -قولهم: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ- قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]، أيش معنى أَمَانِيَّ؟
الطلبة: قراءة.
الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل ، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَايعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ صلى الله عليه وسلم يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: اكْتَتَبَهَا؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] تُمْلَى عَلَيْهِيعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه بُكْرَةًفي أول النهار وَأَصِيلًافي آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
طالب: قوله تعالى: (...)؟
الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّالغيب فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًاللمؤمنين رَحِيمًا [الفرقان: ٦] بهم).
قُلْ أَنْزَلَهُأمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
قُلْ أَنْزَلَهُأي: القرآن الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًاقد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: وهي؟
الطالب: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: ٦] (...).
الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس يَعْلَمُ السِّرَّ؛ ولهذا الله قال: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ [الفرقان: ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ صلى الله عليه وسلم ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِنأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ صلى الله عليه وسلم وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ صلى الله عليه وسلم على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، بَعْضَ الْأَقَاوِيلِما هي بكلِّها وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وقوله: إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًايُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وهو يقول هنا: (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًاللمؤمنين رَحِيمًابهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف إِنَّهُ كَانَ غَفُورًالكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..