تفسير سورة الفرقان - 2
عدد الزيارات 4404

عناصر المادة :
تفسير الآيات (10-24)

تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
طالب: الصلوات.
الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
طالب: ربما يا شيخ (...)؟
الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
طالب: تجوز.
الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
الشيخ: لا.
الطالب: ما المعنى يعني؟
الشيخ: الآن مثلًا: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ [المائدة: ١١٦]، قَالَما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
الشيخ: نقطة واحدة؟
الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
الطالب: إي.
الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: {فَتَثَبَّتُوا}.
الطالب: لا، مثل قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]؟
الشيخ: إي.
الطالب: تقرأ {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
الشيخ: الآن؟
الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
الشيخ: الآن مَالِكِ، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: {مَلِكِ}، ولا يمكن نقرؤها: مَالِكِ، ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: مَالِكِ؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
الطالب: للاسم.
الشيخ: بالشرطة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
الشيخ: بلى.
الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
الشيخ: إي.
الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
الشيخ: ما فيه إشكال.
الطالب: ما فيه إشكال؟
الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
طالب: ليُقْرَأ.
الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
طالب: فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
الشيخ: على هذه الصفة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وين هو؟
الطالب: في حديث (...) صلى الله عليه وسلم: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
الشيخ: ما أعرفه.
الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
الشيخ: إي.
الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
الشيخ: بالنسبة؟
الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
الشيخ: إي.
الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ [الفرقان: ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، ويَأْكُلُ الطَّعَامَالجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: ٤٩]، ويش تُعْرِبون مُعْرِضِينَ؟
طالب: (...) حال.
الشيخ: حال. إذن يَأْكُلُ الطَّعَامَحال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن لَوْلَابمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: مَلَكٌأحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١].
فَيَكُونَ مَعَهُمع من؟ مع الرسول صلى الله عليه وسلم، نَذِيرًايعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ [الفرقان: ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌيعني: من السماء ينزل، كَنْزٌمن السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: إِلَيْهِتدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌيعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: يُلْقَى إِلَيْهِمن السماء ينزل، إِلَيْهِمن السماء، كَنْزٌلأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه كم؟ يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ.
(تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌبستانٌ، يَأْكُلُ مِنْهَاأي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة {نَأْكُلُ} بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
طالب: سبعيَّة.
الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: يَأْكُلُ مِنْهَاو{نَأْكُلُ مِنْهَا}، يَأْكُلُو{نَأْكُلُ}.
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(وَقَالَ الظَّالِمُونَأي: الكافرون للمؤمنين، إِنْما، تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًامخدوعًا مغلوبًا على عقله).
وَقَالَ الظَّالِمُونَأولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ، وهنا: وَقَالَ الظَّالِمُونَ. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
طالب: أولًا (...).
الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
طالب: الاعتناء (...).
الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
طالب: العلة (...)؟
الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
وإِنْ تَتَّبِعُونَ، يقول المؤلف: (إِنْمَا)، (ما) هذه تفسير لـإِنْ، يعني أنَّ إِنْنافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه سَاحِرٌ [الذاريات: ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه مَسْحُورًا [الإسراء: ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي صلى الله عليه وسلم بها.
أولًا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
طالب: أنه بشرٌ.
الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ..
طالب: أيضًا.
الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
طالب: التواضع.
طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، ولَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
طالب: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
الطالب: مما يدل على (...).
طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ .
الشيخ: طيب، وغير؟
طالب: ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم خُيِّر بين (...).
الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا ، لكن ما هي بهذه مقنعة.
طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
طالب: (...).
الشيخ: نعم، طيب.
طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
الطالب: على المال.
الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاأو {نَأْكُلُ} على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، بماذا نرد عليهم؟
طالب: بالآيات القرآنية.
الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
طالب: (...).
الشيخ: وغير هذا؟
طالب: نرد عليهم (...).
الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان: ٩].
طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَالاستفهام في قوله: كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَللتعجب والإنكار.
وقوله: الْأَمْثَالَيعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ [محمد: ١٥]، معنى مَثَلُصفةُ الجنة. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ [البقرة: ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَبالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، فَضَلُّوابذلك عن الهُدى، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًاطريقًا إليه).
قوله تعالى: كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول صلى الله عليه وسلم وعناية الله تعالى به صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر معلوم.
وقوله: فَضَلُّوا، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: فَضَلُّوا، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤]، وفي حديث آخر: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد: ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، ويُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول صلى الله عليه وسلم القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي صلى الله عليه وسلم كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر . فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
طالب: له وجه.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنها (...) الظالمين.
الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
الشيخ: إي.
الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًاسَبِيلًابمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.

تفسير الآيات (10-24)
00:40:23

قال الله تبارك وتعالى: (تَبَارَكَتكاثَرَ خير، الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ [الفرقان: ١٠]).
نشوف المؤلف في أول السورة فسَّر تَبَارَكَ [الفرقان: ١] بأي شيء؟
طالب: (تعالى).
الشيخ: بـ(تعالى)، وهنا: (تكاثَرَ خيرُه)، فهل معنى ذلك أن هذه الكلمة خاضعة للسياق وأنها تفسر في سياق بمعنى (تعالى) وفي سياق بمعنى (تكاثر خيره)؟
ظاهر صنيع المؤلف أنها كذلك؛ أن هذه الكلمة (تَبَارَكَ) إن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه، وإن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه. ولكننا أشرنا فيما سبق إلى أنها وإن دلت على التعالي فهي دالة أيضًا على كثرة الخير؛ لأنها من البركة، والبركة هي كثرة الخير مع دوامه، مأخوذة من البِركة التي هي مجمع الماء، ففيها ماءٌ ثابتٌ وكثيرٌ.
تَبَارَكَ الَّذِيأي: تعالى مع كثرة الخيرات، الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَإلى آخره.
جملة صلة الموصول هنا شرطية، أو لا؟ الجملة التي وصل بها الموصول شرطية، وهي إِنْ شَاءَ جَعَلَ، فنستفيد من ذلك أن صلة الموصول تأتي شرطية، وإذا أتت شرطية فلا بُدَّ من وجود فعل الشرط وجواب الشرط، ثم نقول: الجملة من فعل الشرط وجوابه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
تَبَارَكَ الَّذِيوالمراد به الله سبحانه وتعالى، (إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَالذي قالوه من الكنز والبستان). ما هو الخير؟ أبدل منه قوله: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُأي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة، وَيَجْعَلْبالجزم، لَكَ قُصُورًاأيضًا، وفي قراءة بالرفع استئنافًا) (...) كذلك.
وقول المؤلف: (أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة) ما له داعٍ؛ لأن السياق يغني عن هذا القيد؛ إذ إن هؤلاء يقترحون أن تكون الأمور السابقة لهم في الآخرة ولَّا في الدنيا؟
طالب: في الدنيا.
الشيخ: في الدنيا، فيقول الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا، فالقيد الذي ذكر المؤلف كأنه يقول: جوابًا على الإيراد الذي يرد علينا -وهو أن الله تعالى قد شاء أن يعطي رسوله جنة الآخرة- نقيد الآية بالدنيا، نقول: ما حاجة إلى هذا القيد؛ لأنهم هم لا يريدون أن الله يجعل له كنزًا وجنة في الآخرة، يريدون أن تكون له في الدنيا، فيقول الله: لو شاء الله أن يجعل لك ذلك لجعل لك خيرًا منه، وهي هذه البساتين، وهم يقولون: أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، واللي بيجعل الله بدلًا عنها لو شاء: جَنَّاتٍ، ما هي جنة واحدة.
أيضًا يَأْكُلُ مِنْهَا، الجنة ربما يُؤْكَل منها وهي ليس فيها أنهار، يمكن تشرب النخيل والأشجار بعروقها. لكن هنا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُأبلغ وأتم؛ لأن لجريان الماء في أنهاره شهوةً بصريةً يتلذذ بها الإنسان عند رؤيته إياه، زيادة على كثرة الماء على البستان الذي يكون سببًا لكثرة نمائه وقوته.
وقوله: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًافيها قراءتان: وَيَجْعَلْبالسكون، {وَيَجْعَلُ} بالرفع.
على قراءة السكون ويش تكون معطوفة عليه؟ على جواب الشرط: إِنْ شَاءَ جَعَلَوَيَجْعَلْ، وعلى قراءة الرفع يقول المؤلف: (استئنافًا). ولكنه ليس متعينًا حتى على قراءة الرفع، يعني كأنه يقول: وهو يجعل لك قصورًا، وليس كذلك، يعني لا تفهموا منه هذا الأمر، (استئنافًا) من حيث الإعراب لا من حيث المعنى؛ لأن المعنى مضافًا إلى ما سبق، لكنه من حيث الإعراب يجوز فيه الجزم اتباعًا للفظ، ويجوز الرفع (استئنافًا)، ويكون عطف جملة على جملة.
يقول ابن مالك في ألفيته:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ...........................

يعني: إذا كان فعل الشرط ماضيًا، فرفع (الجزاء) إذا كان مضارعًا.
......رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ

يعني: ضعف، وهو جائز لكنه ضعيف.
يستفاد من هذه الآيات: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول صلى الله عليه وسلم بالدفاع عنه، وعناية الله بالرسول بالدفاع عنه ليست عناية به وحده، بل حتى في الأمة؛ لأن ذلك يزيل الشبه التي يحتج بها المبطلون، وإزالة الشبه عن الأمة هذه من رحمة الله تعالى بهم، والله الموفق. (...)

***

كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان: ١١] لمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما جنى به هؤلاء عليه وعلى وحيه وعلى رسوله والجوابَ على ذلك ذكَرَ أمرًا آخر وهو تكذيبهم بالساعة، وأتى بـ(بَل) الدالة على الانتقال، وهذا الانتقال ليس إبطالًا لما سبق، بل إضافة شيء آخر إليه، وهو قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ.
والمراد بِالسَّاعَةِيوم القيامة، وكلمة (الساعة) تُطْلَق في اللغة على كل أمر هامٍّ، كأنه لا يوجد إلا هذه الساعة التي يشار إليها بهذا الزمن، وإلا فهي في الأصل لكل مدة من الزمان قليلة كانت أم كثيرة، لكنها تُطْلَق كثيرًا على ما يحدث فيه أمر هامٍّ، وذلك كما هنا.
كَذَّبُوابها، التكذيب بالساعة يشمل التكذيب بوقوعها رأسًا؛ بأن يقول: لا بعث، أو التكذيب بما يقع فيها من الأمور؛ كالحساب والكتب والصراط والحوض والشفاعة، وما أشبه ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بوقوعه وبما يقع فيه، فإذا كذَّب به الإنسان رأسًا فقد كذَّب به، وإذا صدَّق به ولكن كذَّب بما يقع فيه فهو أيضًا مكذِّب به.
قال الله عز وجل: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًانارا مُسَعَّرَة؛ أي: مُشْتَدَّة).
أَعْتَدْنَابمعنى هيَّأنا، ولِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِمنهم ومن غيرهم؛ ولهذا أتى بـ(مَن) الدَّالة على العموم، ولم يقل: وأعتدنا لهم، وهذا إظهار في موضع الإضمار، وقد سبق أمس أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار العمومَ، والتصريح بالعلة؛ علة الحكم.
فقوله: لِمَنْ كَذَّبَسَعِيرًا، كأن هذا تعليل للحكم الذي هو قوله: وَأَعْتَدْنَاسَعِيرًالأنهم كذبوا بالساعة.
وقوله تعالى: وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَيستفاد منه: أن النار مخلوقة الآن، وهو كذلك، وقد دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسُّنة، قال الله تعالى عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦]، وهذا نص صريح بأنها مخلوقة. وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك مثل: «اشْتَكَتِ النَّارَ إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسًا فِي الشِّتَاءَ، وَنَفَسًا فِي الصِّيْفِ» .
وقوله: سَعِيرًاقال المؤلف: (نارًا مُسَّعرة)، فجعل (فعيلًا) بمعنى مفعولٍ؛ أي: مُسَّعرة. ويحتمل أن تكون بمعنى فاعلٍ؛ أي: حارقة تُحْرِق مَن دخل فيها. والمعنى لا يتنافى؛ لأنها إذا كانت مُسَّعرةً -يعني: مُشتدَّة الحرارة- أو كانت هي بنفسها تسْعَرُ بالناس وتأكلهم، فهذا وهذا متلازمان.
(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا [الفرقان: ١٢] غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صَدْره من الغضب، وَزَفِيرًاصوتًا شديدًا، أو سماعُ التَّغَيُّظِ رؤيتُه وعلْمُه).
يقول: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، الفاعل هي السعير، وفيه دليل على أنها ترى، وهذه الرؤية يجب أن نحملها على المعنى الحقيقي. ولا يمكن أن نقول: إن هذا من باب الاستعارة، وإنه معنى مجازي؛ لأنه من الجائز أن يخلق الله تعالى فيها إدراك الرؤية، وإن كانت هي ليست من ذوات الرؤية في العادة، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، كما أن الأرض تسمع وتُحَدِّث يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: ٤]، والمؤذِّنُ لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ إلا شهِدَ له يوم القيامة .
فنحن نقول: ليس في هذه الآية استعارة، بل هي على المعنى الحقيقي، وأن النار تَرَى؛ لأن الله أخبر أنها ترى إِذَا رَأَتْهُمْ. وما المانع من أن الله يخلق بها هذه الحاسة؟
بدليل أيضًا سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا، التغيَّظ من المعروف أنه لا يكون إلا من ذوات الشعور، ولكن مع هذا يجب أن نقول: إنه في هذه الآية على ظاهره، وإنها تتغيَّظ ويُسْمَع لتغيُّظها صوتٌ مثل تغيظ الإنسان الغضبان، إذا امتلأ صدره غضبًا فإنك تسمع له صوتًا من الغضب.
وهذا دليل على شدة حَنَقِها -والعياذ بالله- على أهلها، وأنها كما قال الله تعالى في سورة تبارك: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٧، ٨]، فما ظنُّك بشيءٍ يُلْقَى فيه الإنسان في جوفه وهو ممتلئ عليه غيظًا وحَنَقًا، ماذا يصنع به؟ هذا دليل على شدة عذابها -والعياذ بالله- وأنها لا ترحمهم، ولا تألوا فيهم أي شيء؛ إلًّا ولا ذمَّة.
(سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًاغليانًا كالغَضْبان إذا غلى صدْرُه من الغضب وَزَفِيرًا) هذا وهو مِن مكانٍ بعيدٍ، مما يدل على أن هذا التغيُّظ والزفير شديد أو هيِّنٌ؟ شديد، ما دام يُسْمَع من محَلٍّ بعيد فإنه شديد.
المؤلف يقول: (أو سَمَاعُ التَّغَيُّظ رؤيتُه وعلْمُه) هذا ليس بصحيح وإن كان محتملًا، لكن المعنى الأول أن تُحْمَلَ الرؤية على الحقيقة، هذا هو الواجب. وقد مرَّ علينا من قواعد التفسير، بل من قواعد كل كلام: أنه يجب أن يُحْمَل على ظاهره وعلى حقيقته ما لم يوجد دليل يصرف عن الحقيقة أو الظاهر، وليس دليلًا أيَّ دليل، يوجد دليل صحيح، وأما ما يظنه الإنسان دليلًا وليس بدليل فهذا غير مقبول.
طالب: (...)؟
الشيخ: يعني إذا رأوها.
الطالب: يعني اللفظ إِذَا رَأَتْهُمْ، إذا رآهم زبائنها يعني؟
الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا من التحريف في الواقع؛ لأنا قلنا: جائز أن الله تعالى يخلق فيها حاسة الرؤية.
طالب: فيه أحاديث ضعيفة مقيِّدة للآية (...)؟
الشيخ: على أيش؟
الطالب: أحاديث ضعيفة، يعني قيل: لها عينان (...).
الشيخ: نحن ما، هذه الأحاديث ضعيفة..
الطالب: تؤيدنا يعني (...)؟
الشيخ: لا، ما نحتاج إلى تأييدها، التأييد ما دام عندنا اللفظ صريح وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤]. الذي خلق العين في الإنسان يمتنع عليه أن يخلقها في النار؟
طالب: لا يمتنع.
الشيخ: لا يمتنع، لكن بعض الناس إذا لم يدرك عقلُه الشيءَ ذهب يحرفه إلى ما يدركه.
ثم إنه يجب أيضًا أن نعرف أن أحوال الآخرة لا يمكن أن تُقاس بأحوال الدنيا، نحن نعلم أن الناس يُحْشَرون؛ منهم من يسعى نوره بين يديه، ومنهم من هو في ظلمة، وهم في مكان واحد مُسْتَوٍ يُسْمِعُهم الداعي وينفذهم البصر. ونعلم أن من الناس من يعرق، فيَصِلُ العَرَق إلى كعبيه، ورُكبتيه، وحِقْويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا، ومع ذلك فهم في مكان واحد، ولا يمكن أن تُقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
قال: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا [الفرقان: ١٣] بالتشديد والتخفيف) يعني: قراءتان سبعيتان، (بأن يُضَيَّق عليهم، ومِنْهَاحالٌ مِنْ مَكَانًا؛ لأنه في الأصل صفةٌ له مُقَرَّنِينَ) إلى آخره.
إِذَا أُلْقُوا، في هذا دليل على أنهم -والعياذ بالله- لا يُعَاملون معاملةَ رحمةٍ، بل يُلْقَون إلقاءً ويُطْرَحون طرحًا.
وقوله: مَكَانًاظرف، عامله قوله: أُلْقُوا. وقوله: مِنْهَافي الأصل صفة، ولكن القاعدة عند أهل النحو أن الجار والمجرور إذا تقدم على موصوفة صار حالًا منه؛ لأن الصفة لا تتقدَّم على الموصوف، تقول مثلًا: جاء رجلٌ على بعيرٍ راكبًا، فتُعْرِب (راكبًا) حالًا، لكن لو قدمتها على (رجل): جاء راكبٌ، لوجب أن تكون صفة بالمعنى.
كذلك الجار والمجرور؛ إذا قلت: جاء رجل على بعير، (على بعير) صفةٌ لـ(رجُل)، فإذا قدمت (على بعير): جاء على بعيرٍ رجلٌ، وجب أن تكون الصفة هذه حالًا. لماذا؟ نقول: لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، ولهذا قال:مِنْهَاحَالٌ مِنْ مَكَانًا)؛ لأنه في الأصل صفة له.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، ضيقًا.
وفي هذا أيضًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا: دليل على أن هذا المكان الذي يُلْقَون منه لا يكون واسعًا، بل يُضَيَّق عليهم، وهذا قبل دخولها فكيف إذا دخلوها؟!
ويحتمل أن نفس الأمكنة التي هم فيها في نفس النار تكون ضيقة؛ إذا ألقوا مكانًا منها ضيقًا، فتكون (مِن) هذه قريبة من معنى (فيها).
(مُقَرَّنِينَمُصَفَّدِينَ قد قُرِنَتْ -أي: جُمِعَتْ- أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والتشديد للتكثير) التشديد في قوله: مُقَرَّنِينَ؛ لأن أصل (مُقرَّن) أصله: قَرَنَ، يعني مأخوذة مِن: قُرِّن فهو مُقرَّن، وأصله مِن: قرَنَ بالتخفيف؛ قرَنْتُ هذا الرجل أَقْرِنُه فهو مقرونٌ، لكنها أتت بالتشديد للتكثير، أو للمبالغة في هذا القَرْن؛ أنهم يقرنون بشدة، فهم إذا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا(هلاكًا، فيقال لهم) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان: ١٤].
هذا في الحقيقة تصوير بيِّنٌ لحال النار وأهلها يوم القيامة؛ أنهم قبل أن يدخلوها يسمعون لها تغيُّظًا وزفيرًا، وهذا بلا شكٍّ يخلع قلوبهم ويرعبهم.
ثم إذا أُلْقُوا فيها ليسوا يُلْقَون على سبيل الكرامة، بل يُلْقَون إلقاء. ثم إنهم لا يُلْقَون هكذا مُطْلَقين، ولكن مُقرَّنين؛ يعني مجموعة أيديهم إلى أعناقهم.
ثم إذا أُلْقُوا على هذا الوصف يدعون بالثبور والعياذ بالله؛ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا، يعني يقولون: واهلاكنا، واثُبورنا، وما أشبه ذلك، فيقال لهم: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، هذا على سبيل التوبيخ؛ لأن العادة أن الرجل إذا دعا بالثُّبور في الدنيا رُحِمَ، ولكنهم هناك لا يُرْحَمون، يقال لهم: إن دعواكم بالثُّبور لا تفيدكم شيئًا، فادعوا ثبورًا كثيرًا، فالعذاب سيستمر وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا.
كل هذا يُوجِبُ لأهل النار -نسأل الله السلامة منها- أنهم يُعذَّبون عذابًا قلبيًّا وعذابًا جسميًّا، والعذاب القلبي قد يكون في بعض الأحيان أشدَّ مِن العذاب الجسمي -والعياذ بالله- فهم لا يُكرَّمون؛ لا بالفعل، ولا بالاستقبال، ولا بالقول.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، صحيح أن ما ذُكِرَ عنهم مما سبق يدل على أنهم لا يؤمنون بالبعث؛ لأن من آمن بالبعث لزم أن يعمل له. ولكن هذه في الحقيقة مِن جُملة ما قالوه، مِن جُملة ما قالوه أنهم كذبوا بالبعث، فهو إضافة إلى ما سبق. لكن نعم ينبغي أن نقول: لماذا ذُكِرَ بـ(بَلْ) دون الواو، مع أن المعائب والمساوئ التي سبَقَت كلها ذُكِرَت بالواو، وهذه ذُكِرَت بـ(بَلْ)؟
قد يُوحِي هذا بأن من أسباب أقوالهم السابقة أنهم كذبوا بالساعة؛ يعني أنهم ليس عندهم إيمان بالساعة، ولو آمنوا بها ما قالوا ما سبق.
طالب: قوله: مَكَانًا ضَيِّقًا، هل المعنى يدخلون (...)؟
الشيخ: قلنا: فيها احتمالان؛ إما أن المعنى يلقون من مكان ضيق عند دخولهم، وإما أن المعنى أن المكان نفسه في النار يكون ضيقًا؛ يعني تُضَيَّق عليهم؛ لأن كل واحد منهم -والعياذ بالله- يكون في تابوتٍ كما جاء به الحديث؛ في تابوتٍ مُغْلَقٍ عليه .
طالب: ما ورد عن (...) تفخم بعض أجزاء جسمه؟
الشيخ: إلا هو نفسه يُفَخَّم، ولكن ما يمنع أنه يُفَخَّم وفي مكان ضيقٍ، يمكن أن تفخيمه هذا من أسباب التضييق.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الظاهر أنه ممكن هذا، يمكن بعضهم يقِرُّ بهذا لكنه يشرك بالله.
ولكنه يذكُرُ الله سبحانه وتعالى الأفعال منسوبة إلى الأمة جميعًا، حتى إنه أحيانًا يُخاطِبُ آخر الأمة بما فعل أولُها؛ لأنها ترضى به وتقِرُّه، انظروا مثلًا يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بما فعل أولُهم: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا [البقرة: ٧٢]، وفَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤]، مع أن هذا الخطاب لا يتأتَّى لهؤلاء؛ لأنهم ليسوا هم الذين فعلوا، لكن الأمة الواحدة يكون فعل بعضها فعلًا للجميع؛ لأنها ترضى به.
قال الله تعالى: (قُلْ أَذَلِكَالمذكور من الوعيد وصفةِ النار، خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَها الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْفي عِلْمه تعالى، جَزَاءًثوابًا، وَمَصِيرًامَرْجِعًا).
الخطاب في قُلْلمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك لغيره، ولهذا يمكن أن نقول: إن الخطاب لكل من يتأتَّى خطابُه؛ يعني الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره، ولكن الأقرب أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم له ولأُمَّته ما لم يدل الدليل على تخصيصه، فنحن يمكن كل واحد أن يقول مثل هذا، فيقول للمكذبين الذين وُعِدُوا بالنار: أذلك المذكور من الوعيد الذي لا بد أن يقع خيرٌ أمْ جنَّة الخلد، ويش الجواب؟ بل جنة الخلد، بلا شك.
وهنا فيه إشكال؛ وهو أنه قال: خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِمع أن ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يمكن أن يُقارَن بما فيه الخير المطلَقُ؟
الجواب: أن هذا من باب التنزُّل مع الخصم، وباب التنزُّل مع الخصم لا بأس أن تأتي مثْلُ هذه المقارنة، وقد قارن الله تعالى بين شيئين بينهما من التباين أعظم من التباين في وعيد أهل النار ووعد أهل الجنة، فقال تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، معلوم أن الله خيرٌ، وأنه لا يمكن لأي عاقل أن يُقارِن بين هذا وهذا، لكنه لما كان المخاطبون يساوون غير الله بالله صار من باب التنزل معهم أن نخاطبهم بهذا ونقول: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.
أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ، أضافها إلى الْخُلْدِمن باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفته؛ يعني الجنة التي هي مكان الخلد، والْخُلْدِمعناه: المُكْث، وقد صرَّح الله تعالى كثيرًا بالتأبيد في خُلودهم.
وأما أهل النار فالتأبيد ورد في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].
وفي هذا ردٌّ واضحٌ على من قال: إن عذاب النار غير مؤبَّدٍ، وممن مال إلى هذا القول -وهو من أغرب ما يكون- ابن القيم رحمه الله، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّدُ وأنه لا بد أن ينتهي، ولكن ليس يقول: إنه ينتهي، ثم ينتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكن ينتهي بمعنى أنها تفنى ومَن فيها.
والصواب الذي لا شك فيه ما عليه جمهور أهل السنة وحُكِيَ إجماعًا؛ أن النار مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قد أعذر إلى هؤلاء وأقام عليهم الحجة، فهم الذين جَنَوا على أنفسهم.
طالب: الاستثناء -أحسن الله إليكم- في هود؟
الشيخ: الاستثناء في هود؛ لأنه استثنى من قوله: مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود: ١٠٧]، فإنه لو قُيِّدَت بدوام السماوات والأرض لكان لها أمدٌ، فلما قال: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَهذا ما خرج عن دوام السماوات والأرض. هذا معنى الاستثناء.
طالب: في آية أخرى (...)؟
الشيخ: نعم، خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأنعام: ١٢٨]، نقول: هذا الاستثناء إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُدلَّت النصوص على أنه لا يشاء أن لا يخلدوا، فكأن هذا الاستثناء يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمنَعَ العذاب عنهم، وأنه ليس أمرًا مُحتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته. فالاستثناء إذن مُفسَّر بالآيات الصريحة الواضحة؛ أنه تعالى لا يشاء أن يرفع العذاب عنهم؛ لأنه أخبر، والخبر لا يخلِفُ الله خبرَه بأن عذابهم مؤبَّدٌ.
طالب: ابن القيم (...)؟
الشيخ: مَن؟
الطالب: ابن القيم.
الشيخ: لا، هو في أول كلامه جزم بهذا.
الطالب: في حادي الأرواح (...).
الشيخ: لا، هو ذكره في شفاء الغليل، ذكره في ذلك وجزم به في أول الكلام، ثم ساق الآثار في هذا.
طالب: تعليل أنه فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧] (...)؟
الشيخ: لا، كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل الله سبحانه وتعالى هذا مع أنه عذاب دائم ورحمته وسعت كل شيء؟ فقال: إنه فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، مثلما قال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨].
وفي الحقيقة هذه الأشياء وإن كان قد يكون لها وجه هذه الاحتمالات، لكن ما دام عندنا نصوص صريحة مُحكمَةٌ، فالواجب على المؤمن أن يحمل المتشابه على المحكَمِ، ما دام أن المسائل في الآيات الثلاث هذه احتمال، فإن عندنا شيئًا لا يحتمل، وهو التصريح بالتأبيد، وتعرفون أن هذا خبر، والخبر لا يدخله النفي ولا (...).
طالب: طيب يا شيخ، (...) إخلاف الوعيد دون إخلاف الوعد.
الشيخ: نعم، ولو قالوا، الله يتمدح بأنه لا يخلف وأن خبره صدق، والوعيد الذي يتمدح الله به هو ما يدخل تحت المشيئة ما سوى الشرك، فنحن مثلًا فيه وعيد على المعاصي اللي دون الشرك، فإذا عفا الله عنها فهذا طيبٌ ويمدح عليه سبحانه وتعالى.
طالب: (...)؟
الشيخ: من هو عنه؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن عمر وغير عمر يخاطب بقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما علينا منه، حتى لو كان صريحًا، لو قال: سيخرجون، نقول: لا يخرجون، ما دام أن فيه آيات صريحة ما هو المانع؟ ولَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا [النبأ: ٢٣، ٢٤] أيضًا هذه ما تدل على التقييد؛ لأن أَحْقَابًايعني: طويلة لا منتهى لها، هذا المعنى، والإنسان إذا تصور أنه بيبقى في النار ما هو بأحقاب، يعني ثانية من الزمن وهو عاقل، فسوف يتجنب عمل أهل النار، فكيف بمن يلبثون فيه أحقابًا؟! وهي لا تدل على التقييد، ومن زعم أنها تدل على التقييد وقال: إن الأحقاب هذه مقيدة بما بعدها، يعني: أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًاوأَحْقَابًاأخرى يذوقون، فهذا ليس بصحيح، بل إن المعنى المبالغة في ذلك وأنهم لابثين فيها دهورًا عظيمة طويلة لا منتهى لها.
(أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَها الْمُتَّقُونَ) أتى المؤلف بـ(ها)، ويش هي (ها)؟ مفعولٌ ثانٍ لـوُعِدَ؛ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فالمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني نائب الفاعل الْمُتَّقُونَ. وقد سبق لنا كثيرًا أن المتَّقي هو من اتخذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى وأنسب ما يكون للفظها؛ لأنها من (اتَّقى) من الوقاية.
وقوله: وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، مَن الذي وعدهم؟ وعدهم الله سبحانه وتعالى، وحُذِفَ الفاعل هنا للعلم به؛ كقوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، والخالق هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (كَانَتْ لَهُمْفِي عِلْمه)، تقييد المؤلف رحمه الله الكينونة في علمه؛ لأن (كان) فعل ماض، والجنة قد كانت مصيرًا ولَّا ستكون مصيرًا؟ ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكينونة التي عبَّر عنها بالفعل الماضي، قيدها في علم الله، يعني لا بحسب الواقع؛ لأن الواقع لم تكن وإنما ستكون، ولكن هذا بناء على أن (كان) يُراد بها الزمن، مع أن (كان) إذا تأمل الإنسان مواضعها في القرآن وفي السنة وجدها أنها أحيانًا تدل على مجرد الحدث، لا على الزمن؛ لأن الفعل كما تعرفون يدل على زمنٍ ومعنى، فـ(كان) دائمًا تأتي للدلالة على مجرد المعنى فقط، يعني: الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَوهي لهم جزاء ومصير. وعلى هذا فلا حاجة إلى التقدير الذي ذكره المؤلف، وهذا هو الأوضح، الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَيعني: وهي لهم جزاء ومصير، ولا حاجة إلى أن نقدر أنها كانت في علم الله، بل هي كَانَتْأي: هي جزاء، فنجرِّد (كان) من الدلالة على الزمن، وإذا جرَّدناها كما ترد كثيرًا في اللغة العربية سلِمْنا من هذا التقدير الذي جاء به المؤلف.
طالب: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١]؟
الشيخ: مثلها، مجردة عن الزمن، هذه مجردة عن الزمن؛ لأن الله ما زال ولا يزال غفورًا رحيمًا.
الطالب: نحن قلنا: (...)؟
الشيخ: لا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٢٣]، عندما نأتي بـ(كان) ونقول: المراد بها الزمن والحدث، مثل مغفرة الله ورحمته فيما سبق، أما الآن فليس غفورًا رحيمًا، لكن هذه يراد بها مجرد الحدث؛ يعني أنه متَّصفٌ بالمغفرة والرحمة. ومثلها هذه الآية، و(كان) هذه دائمًا تدل على مجرد الحدث لا على الزمن.
طالب: (...) رؤوس الآي؟
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: فيقال: إن الله غفور رحيم (...)؟
الشيخ: لا، يمكن، ما هو بلازم، يعني أحيانًا تأتي مُتناسِبة وأحيانًا غير مُتناسِبة.
الكلام على إن (كان) يا جماعة، المهم هذا، (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربية لا يُراد بها الزمن وإنما يراد بها مُطلَقُ الحدَثِ؛ يعني أن هذا الأمر هو الواقع، فهنا كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا، من المعلوم أن المتَّقين الآن ما دخلوا الجنة ولا صاروا إليها، ولكنهم سيصيرون، لذلك احتاج المؤلف أن يقدر: (في علمه)، يعني: كانت في علم الله. ولكننا نقول: لا حاجة لهذا التقدير؛ لأن (كان) مسلوبةُ الدلالة عن الزمن.
وقوله: جَزَاءً وَمَصِيرًا، يقول: (ثوابًا)، والذي جعل هذا الثواب لهم هو الله سبحانه وتعالى، (وَمَصِيرًامَرْجِعًا). من متى تكون مصيرًا؟ من يوم القيامة أو من موته؟
طالب: من موته.
الشيخ: من حين ما يموتون، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ [النحل: ٣٢]، لكنها طبعًا ما هي دخول الجنة التي في السماء، ولهذا يُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْرَش له فراشٌ من الجنة، ويلبس بلباس من الجنة. فالمتَّقون من حين ما يموتون يدخلون الجنة، كما أن أهل الجحيم من حين ما يموتون يذوقون عذاب الجحيم.
ولهذا في كُتُبِ المواعظ، أنا البارحة سمعت واحدًا يقرأ في كتب المواعظ يأتون بالموت والدود والأشياء هذه وأكله الدود والصديد، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة إنما يكون على الجسم فقط، والناس إذا شعروا بهذا الشيء ما يفرحون بالموت، ينفرون منه كثيرًا، الذي ينبغي أن يوعظ الإنسان بما يكون على روحه، فيقال مثلًا: إنه إذا مات وليس من أهل التقوى يكون له من العذاب كذا وكذا.. إلى آخره، وإذا كان من أهل التقوى يكون في نعيم ومن أهل الجنة؛ لأجل أن المؤمن يفرح. أما أننا نذهب ونوجه الناس إلى التخويف من الأمر الحسي المادي فقط فهذا في الحقيقة مما يسيء إلى الناس، عندما يسمع الإنسان هذا الشيء، هل يكون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، ينفر منه، لكن عندما يسمع أنه إذا كان مؤمنًا دخل الجنة من حين ما يموت، نعم، تجده يمكن لا أقول: يفرح بالموت، لكنه يستبشر بهذا الوعد الذي يكون له.
فهذا هو الذي ينبغي أن ينشأ الناس عليه، ما ينبغي أنهم يذكر لهم الأمور المادية فقط، ولذلك لو تأملت القرآن كله لوجدت أن هذه الأمور المادية ما لها ذكر في القرآن، إنما يذكر في القرآن ما يكون على الروح من النعيم والعذاب، حتى إن الإنسان يستبشر ويفرح ويعمل لهذا النعيم، نعم، ويخاف ويرهب ويهرب من هذا الجحيم.
هذه المسألة أنا أحببنا أننا ننبه عليها؛ لأنها توجد كثيرًا في كتب الوعظ، مثل ما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة ترغب فيما نهى عنه الشرع، مثل ما يذكرون عن بعض العباد الذين يعذرون بجهلهم أنهم كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقي أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء. ويش قصدهم بهذا؟ الترغيب. هذا ضد ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا من المحادة لله ورسوله، فهم يأتون بأمور منكرة لا يعرفونها، وأنا أبين لكم ذلك؛ لأنكم تسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل مثلًا قارئ من الأئمة يقرأ بمثل هذه الكتب فإنه يجب علينا أن نتكلم معه، ما هو بأمام الناس هكذا، لا؛ لأن العوام -كما تعرفون- عوام، ويكونون مع إمامهم، يمكن تكون بحق وهم يقومون عليك، لكن من الممكن إذا خلص تقول له: يا أخي، تجيبه بالطمأنينة تقول: أنت إمام يُقْتَدى بك، والعوام يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب، فأنت يجب أن تعرف أن هذا خلاف الشرع، وتبين له ما استطعتم من البيان، حتى يكون الأئمة اللي يقتضى بهم الآن على صواب.
طالب: أحاديث ضغطة القبر صحيحة (...)؟
الشيخ: إي نعم، لكن ضغطة القبر ما أعرف عن صحته، وردت في قصة سعد بن معاذ، ولكن ما يحضرني الآن هل هو صحيح، هو قطعًا ليس في الصحيحين، لكن ما أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكنه مهما كان ضغطة القبر ليست بشيء بالنسبة لما يقولون وما يصفون من حال الميت، وهم يركزون على مسألة الجسم، حتى إن الناس مهما كانت أعمالهم الصالحة يقعون في القنوط.
طالب: يا شيخ، فناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح أو كذا؟
الشيخ: واللهِ هو الظاهر أن بقاءه يدل على الصلاح؛ لأنه ما يقع إلا كرامة؛ لأن الأصل أن الأجسام تأكلها الأرض، إلا الأنبياء فإنهم لا تأكلهم الأرض .
طالب: والشهداء؟
الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، المسألة في الأنبياء.
طالب: طيب وذهابهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما يدل على أن الإنسان ليس من أهل الخير، ما يدل، لكنه قد يقع كرامة لبعض أهل الخير.
طالب: لكن الحديث ما هو بصحيح؟
الشيخ: الشهداء، لا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أن تأكل أجساد الأنبياء فقط.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، هو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، إي نعم. لكن في شهداء أحد من وجدت الأرض قد أكلته.
طالب: سبحان الله!
الشيخ: أكلت بعض جسمه، ما هو كل جسمه. (...)
(كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًامرجِعًا، لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ [الفرقان: ١٦] حالٌ لازِمَةٌ) أيها الحال اللازمة؟
طالب: خَالِدِينَ.
الشيخ: خَالِدِينَ.
وقوله: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ، هذه الآية تدل على أن كل ما يشاءون فهو لهم، وفي سورة (ق) أن الله قال: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]؛ يعني: عند الله مزيد على ما يشاؤه الإنسان؛ لأن الإنسان مهما بلغ فإن تصوره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياء ويخفى عليه من النعيم أشياء، فيكملها الله سبحانه وتعالى له، ولهذا قال: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ.
وقوله: خَالِدِينَ، ويش معنى (حال لازمة)؟ يعني هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟
الجواب: نعم، إذا كانت الحال ليست لازمة لصاحبها فهي حال عارضة (...) أقبل الرجل راكبًا، هذه حال عارضة؛ لأنه قد يقبل غير راكب؛ ماشيًا. وإذا كانت لازمة..