كانت الملائكة أكثر، وكلُّ سماء فإنَّها أكثر ملائكةً من السماء التي
تحتها.
كذلك أيضًا هؤلاء الملائكة الذين يحيطون بالعالم، كل دائرة أكثر عددًا من
الدائرة التي قبلها، وإنما يُنَزَّلون بيانًا لعظمة الله عز وجل وإحاطةً بالخلق،
وحينئذ يصدُق قول الله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]؛
لأنهم ما يستطيعون مع إحاطة الملائكة بهم أن يهربوا من أهوال هذا اليوم.
وقوله
تعالى: تَنْزِيلًامصدر (نُزِّل)، وهو كما أسلفنا يدلُّ
على أنهم يَنْزِلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملة، فتنزل ملائكة السماء الدنيا
أولًا، ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة.
وأشرنا إلى الآية التي في سورة
الرحمن دفعًا لقول بعض الناس الذين يفسِّرونها بهذه الأقمار الصناعية أو المراكبِ
الفضائية التي صعد الناس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قول الله تعالى: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍإلا بعلمٍ، وأنَّ هذا
العلم أوصلهم إلى النفوذ، وهذا لا شك تحريف للقرآن، ولا حاجة إلى أن نتكلَّف فنقول:
كل ما يحدث فإن في القرآن له شاهدًا. ما حاجة لهذا التكلف؛ لأن هذه الحوادث شواهدها
حصولُها، متى حصلت فإننا نؤمن بهذا، سواء دلَّ عليها القرآن أو سكت عنها القرآن،
إلا إذا دلَّ القرآن على نفيها فإنه لا يجوز لنا أن نصدقها.
وكل ما يحدث من هذه
الاختراعات وهذه الصناعات فإنه داخل في قوله تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]، بعد أن قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل: ٨] قال: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، هذه الآية يدخل فيها كل ما حدث وكلُّ ما يحدث من مثل هذه
الأمور. وأما أن نحرِّف القرآن إلى ما يوافق هذا الواقع، فهذا حرام علينا ولا
يجوز.
وأما قوله: إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]
فليس المراد به العلم، المراد به السلطة التي تتمكنون بها من النفوذ؛ لأن السلطان
في كل موضعٍ بحسبه، وأصلُه: السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى ما يريد؛
فمثلًا إذا كانت في دعوى مدعٍ، نقول: لا سلطان لك في هذا يعني: لا حُجَّة لك، كما
قال الله تعالى: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا [يونس: ٦٨]؛ يعني: ما عندكم من حجة؛ لأن الحجة سلطة يتمكن بها
المدَّعِي من إثبات دعواه.
ثم إن الآية: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: ٣٣]،
وهؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات، حتى لو قلنا: إنهم نفذوا من أقطار الأرض أو
خرجوا عن محيط الأرض، فإنهم لا يستطيعون أن ينفُذوا من أقطار السماوات.
ثم إن
الآية ظاهرة في التحدي: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ، والتحدي
بما يمكن صحيح ولّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: التحدي بما يمكن غير صحيح؛ لأنه يبطل التحدي.
ثم إن
قوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ [الرحمن: ٣٥] يكذِّبه الواقع، يكذب دعوى هؤلاء الواقع؛ لأنهم
طاروا إلى الفضاء ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولم يرسل عليهم شواظ من نار ولا
نحاس.
فالمهم أنا قصدي بذلك أن بعض الناس أهل العلم بالطبيعة يحاولون أن يوجدوا
لكل حادث دليلًا خاصًّا من القرآن، وهذا لا يجوز؛ لأنه يصرِفُ القرآن عما أراد الله
به، ويقتضي أن يتلاعب الناس في القرآن.
ثم إنهم مثلًا قد يستدلون بالآيات
الكريمة على ما رأوا من النظريات، وتأتي بعد ذلك نظريات أخرى تُبْطِلها، فيكون
القرآن حينئذ باطلًا حسب ما استدلَّ به الأولون، ونحن ولله الحمد في غنى عن هذا
الأمر؛ هذه الأمور الحوادث التي تحدث من صنائع الإنسان أمر لا حاجة إلى إقامة
الدليل عليه من القرآن؛ لأن واقعَها يُثْبِتُها.
طالب:
هم يريدون إثبات إعجاز القرآن، (...)؟
الشيخ: إعجاز
القرآن يكفي أن نقول: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]؟
طالب: طيب، والحقائق (...)؟
الشيخ: إذا دلَّ عليها القرآن لا بأس، لكن كوننا نُحرِّف القرآن
من أجل أن نخضِعه للدلالة على هذا الأمر، لا.
أما مثلًا لو استُدِلَّ بتطور
الجنين في خِلْقَتِه، فاستدل أحد بالآية الكريمة وبالحديث الصحيح هذا لا بأس، الشيء
اللِّي يدلُّ عليه القرآن يدل عليه القرآن، لكن شيء يُحرَّف القرآن من أجله،
لا.
طالب: قال مثلًا: (...)؟
الشيخ: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ أحوال الآخرة ما تقاس بأحوال
الدنيا، والإنسان مثلًا لو احترق الآن جلده وانكشط، وأحرقنا اللحم ما يخالف،
أحرقْنا اللَّحم، يتعذَّب الإنسان بلا شك، يتعذَّب الإنسانُ به يقينًا، ولا (...)
نجربه.
طالب: (...)؟
الشيخ:
صحيح، هذا معقول، وكل الداخل في الغالب ما فيه إحساس؛ ولهذا ما يحس الإنسان بنزول
الطعام في بطنه.
طالب: بعض (...)؟
الشيخ: إي، ما يخالف، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]، ما المراد بـالْكِتَابِ؟
طالب: اللوح
المحفوظ.
الشيخ: اللوح المحفوظ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، لكن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] هذه أوضح إن أرادوا يستدلون، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، لكننا نعلم أن التبيان إما مجمل وإما مفصَّل، والقضية المشهورة عن
الشيخ محمد عبده مع الرجل النصراني حينما سأله عن كيفية صنع الطعام الذي قُدِّم له
في المطعم، قال: القرآن تبيان لكل شيء، فكيف يُصْنَع هذا الطعام؟ أين يوجد في
القرآن كيف يصنع؟ فقال: هذا موجود في القرآن، فدعا الطباخ وقال له: كيف تصنع هذا
الطعام؟ قال: أصنعه بكذا وكذا، فقال: هكذا الطريق في القرآن، فإن الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، وكل قوم ذكرهم خاص بهم، فأنا سألت هذا الرجل؛ لأني ما أعلم. فالقرآن
قد يدلنا على الشيء مباشرة أو بالوسيلة والطريقة.
طالب:
قوله تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]
ما المقصود بها؟ (...)؟
الشيخ: كل ما لا نعلمه، يعني أن
الله سبحانه وتعالى يخلق كل شيء لا نعلمه، في وقتنا نحن..
الطالب: (...)؟
الشيخ: على كل هذه
الحوادث، إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا ما يعلم الإنسان، قبل أن تقع ما يعلم
الإنسان.
الطالب: بعد وقوعها يعلمها.
الشيخ: بعد وقوعها يعلمها؛ لأنه قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل: ٨]، وهذا شيء معلوم، وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]؛ يعني أشياء لا تعلمونها، وفعلًا خلَق الله
تعالى أشياء ما كانوا يعلمونها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وسيخلُق أشياء
ما نعلمها نحن في وقتها.
الطالب: يعني مثلًا
(...)؟
الشيخ: إلى آخر الدهر، يخلق الله سبحانه وتعالى
إلى آخر الدهر شيئًا لا يعلمه مَنْ سبق، لكن يعلمه مَن أدركه؛ لأن كونه يخلق معناه
يوجد، نعم، الموجود لا بد أن يُعْلَم؛ لأن الله يتحدث عن أمر سيكون لنا: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل: ٨]، فإذا كان يتحدث عن أمر سيكون لنا فمعناه سنعلمه إذا
خلقه الله.
طالب: قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٧] (...)؟
الشيخ: إي نعم، كل شيء ما تعلمه
فالطريق إلى الوصول إليه أن تسأل أهل ذكره.
الطالب: لكن
أهل الذكر ما المقصود بهم؟
الشيخ: أهل العلم، لكن هل
المراد أهل العلم الشرعي أو كل علم بحسبِه؟ افرض أنك خصصته بالعلم الشرعي، لنفرض
أننا خصصناه بالعلم الشرعي، أفلا يقاس غيرُه عليه؟
الطالب: بلى.
الشيخ: (...)، فهي إما
أن تدل على العموم، وتكون شاملة لمثل هذه القضية بدلالة التضمُّن، وإما بدلالة
الشمول المعنوي لا اللفظي، وهو القياس.
طالب: بس السياق
ما يدل على أنه (...)؟
الشيخ: هي الآية فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣، ٤٤]، هذه آية، هذه تدلُّ على أن
المراد العلم الشرعي؛ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل: ٤٣]
لا.
وفي الآية الثانية فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٧] وهو عام، ما قال: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ. ومثل ما قلت لك: إن كان أنها
شاملة لكل شيء وأن أهل كل ذكر بحسبه فهي شاملة، وإلا فهي شاملة شمولًا معنويًّا وهو
القياس. فنقول: إذا كان الله أحالَنا على أهل الذكر الشرعيِّ لمعرفة الحكم الشرعي،
فكذلك نحن نتحول إلى أهل العلم غير الشرعي لمعرفة هذا العلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، لكن مثل
ما ذكرنا لك الآن: إن العموم قد يكون شمولًا لفظيًّا، وقد يكون شمولًا معنويًّا،
فهم لا يستوون، لكن من الذي يُثْنَى عليه؟ أهل العلم الشرعي.
طالب: (...)؟
الشيخ: الشمول اللفظي
معناه أن هذا اللفظ يدل على هذا بخصوصه؛ يعني من جملة الأفراد الدالة، والعموم
المعنوي معناه أن هذا اللفظ لا يدخل فيه ما ذُكِرَ، لكنه يقاس على ما ذُكِرَ فيه،
فيكون هذا عمومًا معنويًّا؛ لأن العلة في الجميع واحدة.
***
(وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًاهو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين تَشَقَّقُبإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى {وَنُنْزِلُ} بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب {الْمَلَائِكَةَ}).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: ٢٥].
وقراءة ثانية: {تَشَّقَّقُ}، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: {تَشَّقَّقُ}.
وأيهما أبلغ: تَشَقَّقُولّا {تَشَّقَّقُ}؟ {تَشَّقَّقُ} أبلغ.
وأما نُزِّلَففيها قراءتان سبعيتان: نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُعلى أنها فعل ماض، والْمَلَائِكَةُنائب فاعل.
والثانية: {نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ} على أنها فعل مضارع، و{الْمَلَائِكَةَ} مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة {تَشَّقَّقُ} فيها زيادة معنى، وعلى قراءة {نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ} فيها تفسير؛ لأن نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُمبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، {وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ} مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: {نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ}.
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ، الْحَقُّصفة لـالْمُلْكُ؛ يعني: الْمُلْكُالثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى لِلرَّحْمَنِ. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: لِلرَّحْمَنِ-ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ» ، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِوفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
طالب: يعني من (...)؟
الشيخ: من الآية؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
طالب: (...)؟
الشيخ: ملك غيره.
الطالب: ملك غيره.
الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده .
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا.
وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (وَكَانَالْيَوْم يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًابخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر: ٩]، ولم يقيده.
طالب: (...)؟
الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر: ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا، وبدليل قوله: عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـيَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل: ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» ، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه ، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
طالب: القاعدة (...)؟
الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل: ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا.
وتأمل قول الله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًاقد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان: ٢٧] معطوفة على: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
يَعَضُّمن باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا يَعَضُّمن باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
طالب: (...).
الشيخ: لا. نعم؟
طالب: (...) يسمَع.
الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
طالب: (...).
الشيخ: كتب؟
طالب: (...) يا شيخ.
الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
طلبة: (...)؟
الشيخ: لا، فتح يفتَح.
طالب: (...).
الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُالمؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (عَلَى يَدَيْهِندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: يَا لَيْتَنِيإلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: عَلَى يَدَيْهِزعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِيعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِفيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
طالب: (...) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِولم يقل: يديه؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: عَلَىبيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة عَلَى، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ» .
طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ» ، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: في الحديث (...)؟
الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
الطالب: كل اليدين؟
الشيخ: إي، (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
طالب: قول عطاء (...)؟
الشيخ: أظنه ما يصح.
الطالب: (...).
الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
طالب: قوله تعالى: (...)؟
الشيخ: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا صحيح، نعم.
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُعامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِمحمدٍ سَبِيلًاطريقًا إلى الهدى).
يَقُولُالجملة حال من الظَّالِمُ؛ يعني أنه يَعَضُّ، وهذا دليل على الندم بالفعل، ويَقُولُ يَا لَيْتَنِي(...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
| أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا | فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ |
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًامن أي القسمين؟
طالب: هذا من المستحيل.
الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، أي: سلكت سَبِيلًا، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (مَعَ الرَّسُولِمُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
طالب: الذهني.
الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـالرَّسُولِهنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره.
(يَا وَيْلَتَىأَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًاأيْ: أُبَيًّا خَلِيلًا).. إلى آخره.
يَا وَيْلَتَىيَاحرف نداء، ووَيْلَتَىمنادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت يَا وَيْلَتَى، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: يَا وَيْلَتَى، لكن في التمني الثاني قال: يَا وَيْلَتَى؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: يَا وَيْلَتَى.
وقوله: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْلم أصير فُلَانًافلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا فُلَانًاباسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًاالخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
| قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي | وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا |
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي صلى الله عليه وسلم خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» . وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم كليم الله في السماء.
(لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِأَيْ الْقُرْآن بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
طالب: بقد و(...).
الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
طالب: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِيمؤكدة.
الشيخ: طيب، ويش هي؟
الطالب: القسم و(قد).
الشيخ: وين القسم؟
الطالب: القسم..
الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان: ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِللكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
طالب: (...).
الشيخ: (الكافر خَذُولًابأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان: ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي، وعلى هذا فينبغي الوقف: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِيفتقف، ثم تستأنف وتقول: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا.
وقوله: الشَّيْطَانُيُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: ٢١٠]، وقال: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: لِلْإِنْسَانِالمراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: خَذُولًا، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجوا فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ [الأنفال: ٤٨]، زين للإنسان الكفر كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ [الحشر: ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْبمغيثكم وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف وَكَانَ الشَّيْطَانُنقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
طالب: في علم الله.
طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦]، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
طالب: ألا (...) وَكَانَيعني في الدنيا؟
الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ [إبراهيم: ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
طالب: (...) كما جاء به الشرع.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(وَقَالَ الرَّسُولُمحمد).
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(وَقَالَ الرَّسُولُمحمد يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيقريشًا اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة الْقُرْآنَ، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ما بعده.
طالب: قوله تعالى: هَذَا الْقُرْآنَ(...)؟
الشيخ: وين؟
الطالب: (...).
طالب: عند قوله: اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ [الفرقان: ٣٠]؟
الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيقريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم: ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: إِنَّ قَوْمِيللمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًامتروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه مَهْجُورًا.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء ومَهْجُورًاأصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا مَهْجُورًامرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
الطالب: (هجروه) يعني (...).
الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ» ؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
طالب: الأخير.
الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
الشيخ: لا، ما هو بحرام.
الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
طالب: (...)؟
الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩].
الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَالكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(وَكَذَلِكَكما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّقبلَك عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَالمشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
| وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي | عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي |
| وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ | أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّـــــــــأَسِّي |
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًالك وَنَصِيرًاناصرًا لك على أعدائك).
قوله: وَكَفَى بِرَبِّكَالباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. وهَادِيًاتمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: ووَفَجَّرْنَاعيون الْأَرْضَ.
هنا: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًاالأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًاناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًاأن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
طالب: أنه له معنى.
الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
في هذه الآيات التي قرأنا:
أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [الفرقان: ٢٧، ٢٨].
الشيخ: نعم. وبالفعل؟
الطالب: بالفعل وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ.
الشيخ: الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
طالب: (...) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا(...).
الشيخ: لَقَدْ أَضَلَّنِي..
الطالب: عَنِ الذِّكْرِ.
الشيخ: نعم.
وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
طالب: (...).
الشيخ: لقوله: عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ..
الطالب: بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي.
الشيخ: بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
الطالب: اتخذوه مهجورًا.
الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
الطالب: مِنْ (هجروه).
الشيخ: من (هجروه).
وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
طالب: من قوله تعالى: هَذَا الْقُرْآنَ.
الشيخ: من قوله: هَذَا الْقُرْآنَ؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني هَذَا الْقُرْآنَالعظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن مَهْجُورًاهجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
الطالب: لا فائدة لها.
الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
طالب: هذا وجه يا شيخ.
الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
طالب: إِنَّ قَوْمِي.
الشيخ: لا. أيش تقول؟
طالب: (...).
الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، ومَهْجُورًامحل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
طالب: (...).
الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
طالب: قوله: قَوْمِي.
الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
طالب: شكاية الرسول صلى الله عليه وسلم لله.
الشيخ: إي، لكن بلفظ: قَوْمِي، الإضافة؛ قَوْمِي، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
طالب: (...) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ.
الشيخ: وجه ذلك؟
الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا؟
طالب: (...).
الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًاأنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١].
طالب: يعني يا شيخ (...) وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.
الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌوأمر يشغله انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج: ١١].
طالب: (...) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا(...).
الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
الطالب: ضرورة.
الشيخ: نعم؟
الطالب: كمشغول بالطريق.
الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
الطالب: (...).
الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..





