لأن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضرب لهم المثل في قوم لا يعرفون ما جرى عليهم،
وإنما نسبوا إلى الرَّس، الآن نحن نتكلم عن تعيينهم بأشخاصهم أو بقبائلهم، نقول:
الأولى التوقف. لكن لماذا سموا أصحاب الرَّس؟ قيل: إنهم دفنوا نبيهم في هذه الرس؛
يعني في البئر، فسمُّوا بأصحاب الرَّس، من باب إضافة الشيء إلى العمل الشنيع
المنكر.
وقيل: إنهم كانوا حول هذه البئر، وإن الله تعالى خسَفَ بهم وببئرهم،
انهارت البئر بمن حولها، فذهبوا عن آخرهم. وهذا، يعني كيفية العقوبة التي جرت عليهم
أو كيفية العمل اللي عملوه فعلقوا به، على الأول تكون الإضافة إشارة إلى أي شيء؟
إلى الفعلة القبيحة التي فعلوها، فصارت سببًا في إهلاكهم، وعلى الثاني يكون إشارة
إلى نوع العقوبة التي عوقبوا بها.
طيب، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: ٣٨]، وَقُرُونًاويش هي معطوفة عليه؟ نقرأ كلام المؤلف: (وَأَصْحَابَ الرَّسِّاسْم بِئْرٍ. ونبيُّهم
قيل: شُعَيْب، وقيل: غيره، كانوا قُعودًا حولها، فانهارت بهم
وبمنازلهم).
المؤلف اقتصر على أي شيء؟ على ذكر كيفية إهلاكهم، فهم أضيفوا
إلى البئر لأن إهلاكهم كان بما حولها.
قال: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، (وَقُرُونًاأقوامًا، بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا؛ أي: بين عادٍ وأصحابِ
الرَّس)، إي نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ، هذا ما ذهب إليه المؤلف. ويحتمل أن
الإشارة تعود إلى ما سبق من قوم نوح؛ يعني: من قوم نوح إلى أصحاب الرس قرونًا كثيرة
أهلكهم الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (وَقُرُونًاأقوامًا)، كأنه يقول: إن المراد
بالقرنِ القومُ والأمَّةُ التي كانت في عصر واحد، وهذا أحد الأقوال في القرن؛ أن
المراد به الأمة والطائفة اللي كانوا في عصر واحد وعلى طريق واحدة، واستدلوا بقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ
الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» .
وقيل:
إن القرن الزمن، واختلفوا في مقداره؛ فمنهم من قال: إنه مئة، وهذا هو المشهور،
ومنهم من قال: مئة وعشرون، ومنهم من قال: ثمانون سنة.
وهذه الأقوال التي
تُقَدِّر بالزمن هي مقاربة للأقوال التي تقدر بالأمة؛ لأن الغالب أن مثل هذا الزمن
يفنى به الأولون ويأتي بعدهم قوم آخرون، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر
حياته: «إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى
مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» ،
«عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ»، فهذا مما يشير إلى أن
القرْنَ مئة سنة.
ولكن السياق هنا يدل على أن المراد بالقرون الأُمم؛ لأن
الإهلاك للقرون إنما يكون للأزمان ولَّا لأهل الزمان؟
طالب: لأهل الزمان.
الشيخ: لأهل
الأزمان، فالآية هنا سياقها يدل على أن المراد بالقرون الكثيرة الأمم، وما أكثر
القرون التي أهلكها الله سبحانه وتعالى بين نوح وأصحاب الرس، وقد جاء في الحديث
الذي رواه أبو ذرٍّ وهو حسن وصححه الحاكم: أن عدد الرسل ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا،
الرسل، وأما الأنبياء فكثيرون مئة وأربعة وعشرون ألفًا .
هذا عدد كبير، فإذا كان غالب الرسل مُكَذَّبةً فمعنى ذلك أن القرون التي أهلكت كانت
كثيرة، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا ورأى الأنبياء، فرأى النبي ومعه الرهط،
والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد ،
مما يدل على أن غالب الأنبياء كُذِّبَ فيما سبق ولم يتبعه إلا القليل.
وهذا نوح
-كما عرفتم- لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، قال الله تعالى: وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]،
هذه المدة العظيمة وهو يكابدهم ويناظرهم ويجادلهم، ويقولون: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا [هود: ٣٢]، ما إحنا مطاوعينك، اللي عندك هاته، والعياذ بالله،
وهذا الذي حصل من هذه المدة.
نحن الآن إذا كابدنا واحدًا في الدعوة إلى الله
لمدة دقيقة واحدة تطاولناه، نعم: لماذا لم يُسْتَجَبْ من أول مرة؟ قلنا له: والرسل
عليهم الصلاة والسلام الذين وعدهم الله بالنصر إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، يُكابِدون أقوامهم، ثم لا يؤمن إلا
القليل منهم.
فالحاصل أننا نقول: هؤلاء القرون العظيمة الكثيرة كلها أهلكها الله
عز وجل بتكذيبها لرسلهم، أفلا يكون قادرًا على أن يهلك المكذبين للرسول؟ بلى، هو
قادر عليه، وهذا هو الذي حصل، لكن الله تعالى جعل إهلاك أعداء الرسول عليه الصلاة
والسلام على يد الرسول قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: ١٤، ١٥]، هذه
المصالح العظيمة لو أهلكت قريش بعذاب من عند الله تحصل ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ولهذا إذا هلك
عدوك على يديك كان أشفى لك، أليس كذلك؟ وأشد سرورًا وفرحًا أن الله يهلكه على يدك.
أما إذا هلك بعذاب من الله، فهذا لا شك أن الله كفاك شره، ولكن كونه على يدك أبلغ
وأشد فرحًا وسرورًا.
وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [الفرقان: ٣٩] وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ، سنسأل: لماذا نصبت وَكُلًّاوالاسم إذا ابتدئ به يكون مبتدأ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: مفعول.
الشيخ: ويش هو اللي
مفعول؟
الطالب: ضَرَبْنَا.
الشيخ: لا، ضَرَبْنَا لَهُ، كان يقول: (وكلٍّ)؛ لأن لَهُجار ومجرور.
طالب: على نُوحٍ.
الشيخ: لا، يعني وَقَوْمَ نُوحٍ [الفرقان: ٣٧] وَكُلًّا ضَرَبْنَا، ما يصح.
الطالب: بعد وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ(...).
الشيخ: لا.
طالب: مفعول لفعل متأخِّر
تَبَّرْنَا.
الشيخ: لا؛ لأن
تَبَّرْنَافيها مفعول.
هذا يسمونه باب الاشتغال،
وباب الاشتغال يكون الفعل منصوبًا بالعامل بعده، أو بعامل مقدَّرٍ مناسب. هنا ما
يصلح بالعامل بعده؛ لأن العامل بعده متعدٍّ بحرف الجر، إذن لا بد أن نُقدِّر فعلًا
مناسبًا، والتقدير: وأنذرنا كلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ، فهو مفعول لفعل محذوف، وهو من باب الاشتغال.
وإنما ترجح
النصب هنا؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وباب الاشتغال من مرجحات النصب فيه أن
يُعْطَفَ على جملة فعلية.
(وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَفي إقامة الحجة) ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَيعني: بيَّنا له الأمثال؛ يعني
الوقائع التي أوقعها الله تعالى بمن قبلهم، كل أمة تُنْذَرُ بمن قبلها ويُضْرَبُ
لها المثل، يقال: هذا مثل المكذِّبين، حصل عليهم كيت وكيت. فكل أمة أنذرها الله
تمام الإنذار بحيث لا يبقى لها حجة، لا أمة محمد عليه الصلاة والسلام ولا
غيرهم.
(وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَفي إقامة الحُجَّة عليهم، فلا نهلكهم إلا بعد الإنذار)،
وهذا من عدْلِ الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله قادر على أن يُهْلِك عباده بمجرد
معصيتهم؛ إذ إنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق الفطري أو الحسي -على الخلاف في ذلك-
بأنه ربهم وأنهم عابدون له، ولكن مع ذلك ما يهلك أحدًا إلا بعد بعث الرسل رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، فلم يَكِلِ اللهُ العباد
إلى فطرهم ولا إلى العهد الذي أخذه عليهم، وإنما بعث إليهم رسلًا مبشرين
ومنذرين.
بعد هذا البعث هل يبقى لأحد حُجة؟ ما يبقى، حتى المحتجون بالقدر لا
يستطيعون أن يحتجوا به مع إقامة الحجة عليهم بالرسل، ولهذا لو كان القدرُ حُجَّة لم
تنتفِ بإرسال الرسل؛ إذ القدر قائم مع وجود الرسل، فلو كان القدر حُجة للعاصين ما
كان إرسال الرسل حُجة على الخلق؛ لأنهم يقولون: يا ربنا، القدر موجود حتى مع إرسال
الرسل، فهو لنا حُجة. ولكن ما دام أن الناس قد أُنْذِروا وأُوتوا بالآيات، ما من
رسول إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر، كل الرسل أيضًا ما أتوا بس للناس يقولون:
أنا رسول، افعل كذا، حتى لو جاء إنسان وقال: أنا رسول، افعل كذا، ولم يأت بآيات،
فللناس الحجة في أن يردوا قوله، يقولون: أبدًا، هات بينة أنك رسول وإلا ما
نقبل.
لكن مع ذلك ما من رسول إلا أتى بآية يؤمن على مثلها البشر، ثم مع ذلك
أنذروا؛ فشعيب كما أشرنا سابقًا قال لقومه: لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ [هود: ٨٩]، وهود قال لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [الأعراف: ٦٩]، وصالح
قال لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ [الأعراف: ٧٤]، فكل رسول يضرب المثل لقومه بمن سبقهم، إذن فالحُجة
قائمة.
(وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًاأهلكنا إهلاكًا بتكذيبهم أنبياءهم). هذه وَكُلًّانريد من يعربها لنا؟ أعربها لنا: وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا؟
طالب: فذكرنا كلًّا.
الشيخ: لا.
الطالب: معطوفة.
الشيخ:
لا.
الطالب: (...).
الشيخ:
لا، هذان رأيان؟
الطالب: نعم.
الشيخ: جيب الرأي الثالث ونشوف، إذا كان لك انتقل الأمر إلى
غيرك. من يعرف إعرابه؟
طالب: (...).
الشيخ: من باب الاشتغال؟
طالب: مفعول
مقدم.
الشيخ: نعم، مفعول مقدم لـتَبَّرْنَا، ترى باب الاشتغال على اسمه، يكون العامل مشتغلًا
بضميره؛ بضمير ما سبقه، هذا باب الاشتغال، يعني إذا قلت: زيدًا ضربتُ، لا يصير من
باب الاشتغال؛ لأن العامل الآن ما اشتغل بضميره، يكون هذا من باب المفعول المقدم؛
زيدًا ضربتُ. لكن إذا قلت: زيدٌ ضربتُه، صار الآن من باب الاشتغال، إن شئت فارفعه
على أنه مبتدأ، والجملة بعده خبر، وإن شئت فانصبه؛ زيدًا ضربتُه.
لكن مثلما قلت
لكم أمس أو قبل أمس: إن الاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة؛ تارة يجب النصب، وتارة
يجب الرفع، وتارة يترجح الرفع، وتارة يترجح النصب، وتارة يتساوى الأمران. وهو الأصل
فيه الرفع، هذا أصله، لكن إذا كان الفعل لم يشتغل بالضمير صار السابق مفعولًا، ما
يصير من باب الاشتغال.
فهنا لو قال الله عز وجل: وكلًّا تبرناه تتبيرًا، لصارت
من باب الاشتغال؛ لأن العامل اشتغل بضميره، لكن قال: وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا، فيكون من باب تقدم المفعول لا من باب
الاشتغال.
طالب: والأول؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: وَكُلًّا ضَرَبْنَا؟
الشيخ: لَهُ، الضمير لَهُ، تعود إلى (كل)
فقد اشتغل بضمير لكن بواسطة حرف الجر.
(وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًاأهلكنا
إهلاكًا)، وإعادة المصدر هنا يعني الإتيان بالمصدر للتوكيد؛ كقوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، تَكْلِيمًافضلة في هذا السياق، لو قال: وَكَلَّمَ اللَّهُفهمنا الموضوع، لكن تَكْلِيمًامن باب التوكيد. وأما التنكير فهو للتعظيم، يعني
تتبيرًا لا بقاء معه؛ هلاكًا لا بقاء معه، كامل، وهو كذلك.
(وَلَقَدْ أَتَوْا [الفرقان: ٤٠] أي: مَرَّ
كُفَّار مكة، عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِمصدر (سَاءَ)؛ أي: بالحجارة وهي
عُظْمَى قُرَى قوم لُوط، فأهلك اللهُ أهلهَا لفعلهم الفاحشة).
يقول المؤلف:
(مرَّ كفَّار مكة)، (مرَّ) تفسير لـ(أتى)، (كفَّار مكة) تفسير
للضمير؛ للواو، يعني أن كفار مكة مروا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهي قرية
قوم لوط.
وقول المؤلف: (وهي عُظْمَى قُرى قوم لوط)، (عُظْمى قُرى) يستفاد
منه: أن القرى أكثر من واحدة، وقد قيل: إنها سبع قُرى، ولكن ظاهر القرآن أنها قرية
واحدة، مثلما قال الله تعالى في الرسل: قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًاإلى آخره [العنكبوت: ٣١، ٣٢]، فكون القرآن يأتي
باسم قرية واحدة، لا ينبغي لنا أن نقول: إنها أكثر من واحدة إلا بدليل ثابت عن
الرسول صلى الله عليه وسلم. وما جاء عن بني إسرائيل في ذلك -أي في أنها سبع قرى-
فهو مقبول ولَّا مرفوض؟ هذا مرفوض؛ لأن دلالة كتاب الله عز وجل تدل على -ظاهرُه-
أنها قرية واحدة، فعلينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم يوجد دليل ينفي هذا الظاهر، إن
وجد دليل فنعم، أما مجرد أخبار بني إسرائيل فليست مقبولة في هذا الموضع.
قال:
عَلَى الْقَرْيَةِ، و(القرية) اسم للبلد سواء كان
كبيرًا أو صغيرًا، بل لو كان أُمًّا للقرى فهو قرية: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣].
نحن مثلًا نزعل إذا قيل: عنيزة قرية،
وبريدة قرية، والرياض قرية، لكن هذا الزعل بالحقيقة بناء على اللغة العرفية؛ أن
القريةَ اسم للبلد الصغير والمدينةَ اسم للبلد الكبيرة؛ ولذلك بعضهم يحترز، يقول:
بلدية مدينة عُنيزة، بلدية مدينة بريدة، بلدية مدينة الرس، ما حاجة تجيب (...)
إضافات، بلدية الرس، بلدية عنيزة، بلدية بريدة، بلدية الرياض، ما حاجة، لكن كل
خوفًا من أن يكون عيبًا عليهم أن تُسَمى قرية، ولكنا نحن نقول: أم القرى، سماها
الله تعالى قرية، وكفى بذلك أسوة. وإنما سُمِّيَ البلد قرية لأنه من: القَرْي؛ يعني
الجمع؛ إذ إنه يجمع أناسًا، فالناس يجتمعون فيه، فلذلك سُمِّي قرية.
طالب: بالنسبة للقرية التي وردت في القرآن (...)؟
الشيخ: لا، نحن نجيب دليل على أن قُرى قوم لوط سبعٌ، ما هو معناه
أننا نجيب دليلًا على أن البلد تُسَمَّى قرية.
الطالب:
أنا فاهم الكلام هذا، لكن..
الشيخ: إذا فهمت صار ما فيه
إشكال.
الطالب: لا، إذا (...)؟
الشيخ: لا، أقول: إن المؤلف وكثيرًا من المفسرين يقولون: إن قوم
لوط ليست قرية واحدة، قرى متعددة، فنحن نقول: لا، هي قرية واحدة ما لم يوجد
دليل.
الطالب: لأنه -يا شيخ- مشكل علي (...)، كيف نجيب
دليلًا على القرآن؟
الشيخ: لا، نجيب دليلًا على تعددها؛
لأن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، فإذا قال قائل: إنها سبعُ قُرى، نقول له: هات
الدليل. إذا جاء بدليل، لو فُرِضَ أن المسألة فيها دليل صريح صحيح، فإنه يمكن أن
يقال كما قال المؤلف، يُذْهَب إلى ما ذهب إليه المؤلف، فيقال: المُراد بالقرية هنا
(عُظْمى القُرى)، ولكن نحن نقول: ما حاجة إلى أن نقول: (عُظْمى
القُرى)، بل نقول: هي قرية واحدة، ولا مانع من أن الله يرسل رسولًا إلى قرية
واحدة، بل كان فيما سبق يوجد رسولان في أمة واحدة؛ موسى وهارون كانا في أمة واحدة،
وداود وسليمان، وزكريا ويحيى، وهكذا كثير.
وقوله: عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِالمطر نوعان: مطر سوء؛
يعني عذاب يسوء الممطَرين، ومطر رحمة يسرُّهم، فالغيث الذي ينزل من السماء بالماء،
هذا مطر رحمة، وإذا كان يضر صار مطر سوء.
وقرية قوم لوط أُمْطِرَت بمطر سوء. ما
هو المطر الذي أمطرت به؟ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [هود: ٨٢] والعياذ بالله، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَمعلمة
لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات: ٣٤] الذين جاوزوا حدَّهم.
وهذا المطر -والعياذ بالله- جعَلَ عاليها سافلها (...) هذا المطر جعل عاليها
سافلها، ويش لون؟
طالب: قُلِبَت.
الشيخ: ما في القرآن أنها قُلِبَت، يعني ليس في القرآن ولا آية
واحدة تدل على أنها قُلِبَت.
طالب: الحديث الذي (...)
رفعها جبريل عليه السلام حتى سمع (...).
الشيخ: إي، هذا
أنَّى له الصحة! لو صح لكان الأمر واضحًا، لكن جعل عاليها سافلها؛ لأن الحجارة هذه
لما ضربتها صارت المباني تتهدَّم، فصار أعلاها أسفلها. هذه الحجارة -والعياذ بالله-
التي دمرتها بهذا التدمير يقول الله تعالى فيها: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٣]؛ يعني: من الذين يفعلون هذا الفعل
ليست ببعيد منهم.
ولهذا ذهب بعض الصحابة رضي الله عنهم أن فاعل الفاحشة هذه
يُفْعَل به هكذا؛ يُلْقَى من شاهقٍ ويُرْمَى بالحجارة، بناءً على أنها رُفِعَت، ثم
قُلِبَت، ثم أُتْبِعَت بالحجارة.
وقال بعض العلماء: بل إنهم يرجمون رجمًا
بالحجارة بدون أن يلقوا من الشاهق، بناءً على أنه لم يثبت أنها رُفِعَت
وقُلِبَت.
وعلى كل حال فهذه الفاحشة المنكَرةُ التي عبَّر الله عنها بـالْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠]، الزنا قال: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]، شوف: كَانَ فَاحِشَةً، يعني: فاحشة من
الفواحش.
وأما هذا فقال لهم نبيهم: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠] (أل)، ودخول (أل) عليها يدل على أنها قد بلغت
في الفحش غايته، وهو كذلك، وهذا لأن الفِطَرَ تنفر منها: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، شوف يعني
تقريع وتوبيخ -والعياذ بالله- تترك ما خُلِقَ لك إلى ما لم يُخْلَقْ لك، فتأتي
-والعياذ بالله- الذكَر؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد أجمع
الصحابة رضي الله عنهم على أن فاعل هذه الفاحشة يُقْتَل فاعلًا كان أو مفعولًا إذا
كان قد بلَغَ.
لكنهم اختلفوا في قتله؛ فمنهم من قال: يُحْرَق، ومنهم من قال:
يُرْجَم بالحجارة، ومنهم من قال: يُلْقَى من على شاهق، وذلك لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ
فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» .
ولا
يُشْتَرَط أن يكون مُحْصَنًا، الزِّنا ما يُرْجَم ويُعْدَم إلا المحصَن، أما هذا
فإنه لا يُشْتَرَط فيه الإحصان، متى كان بالغًا عاقلًا وجَبَ إعدامُه.
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ وذلك لأن
هذا الفعل المنكَر ما يمكن التحرُّز منه في الحقيقة، الزنا يمكن التحرز منه، ويمكن
مراقبة من حاول الزنا، فإنك لو رأيت رجلًا مع امرأة تقول: ما هذه المرأة؟ لكن لو
رأيت رجلًا مع ولد، ما يمكن تقول، ما هو مستغرب.
فلذلك من أجل أن فساده خفيٌّ لا
يمكن التحرُّز منه صار لا يمكن إصلاح الخلق إلا بإعدامه، وهو مصلحة له ومصلحة
لغيره؛ أما كونه مصلحة له، فإن الحد كفارة، ولأنه إذا بقي في الدنيا متماديًا في
هذه الفاحشة صار يزداد إثمًا، فنحن في الحقيقة قد قطعنا الطريق على الشيطان بالنسبة
لهذا الرجل، ثم هو أيضًا إصلاح لغيره.
وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام وأجمعت
عليه الصحابة رضي الله عنهم هو القول المتعين، لا سيما إذا كثر هذا الأمر؛ لأنه
كلما كثرت الفاحشة وجب أن تقابل بعقوبة أشد، إلا ما حدده الشرع فيجب الوقوف عليه.
وتجدون أن عمر رضي الله عنه لما أكثر الناس من شرب الخمر ماذا صنع؟ زاد الضعف إلى
ثمانين ،
ولما كثر الطلاق الثلاث في عهده عاقب المطلقين بتنفيذ قولهم .
طالب: أمضاه.
الشيخ: أمضاه
عليهم.
فعلى هذا نقول: إنه إذا كثرت هذه الفاحشة وجب على ولاة الأمور أن يكونوا
أشدَّاءَ على فاعليها، وأن يقتلوهم إعدامًا بدون أي توقف؛ لأن ذلك هو الذي يُصْلِح
الخلق، وإلا انتشارها مثلما قلنا: إنه ما يمكن التحرُّز منها، وانتشارها عظيم، كل
واحد مثلًا -والعياذ بالله- مُبْتَلًى بهذا الأمر يمسك أي صبي ويعاشره ويفعل به
الفاحشة، ليس مثل النساء. هذا هو القول الصحيح المتعين.
فيه قول آخر كما أشرنا
إلى أن حكم اللواط حكم الزنا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ضعيف. فعلى
هذا إن كان الفاعل محصنًا والمفعول به محصنًا ويش وجب؟ وجب القتل؛ الرجم، وإلا
فالجلد والتغريب.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يُعزَّر تعزيرًا بدون حدٍّ، قال: لأن
هذا لم يثبت عنده الحديث: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ
وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ،
وليس فيه حدٌّ ثابت، فيُرْجَع فيه إلى التعزير. والتعزير إذا قلنا بأن ولي الأمر له
أن يعزر بالقتل فما دونه صار قتل اللائط والملوط به عائدًا إلى اجتهاد
الإمام.
وذهب بعض العلماء إلى أنه ليس فيه حدٌّ ولا تعزير، لكنه حرام.
طالب: حُجَّته؟
الشيخ: حُجَّته يقول:
إنه يكتفى بالنفور الفطري عن العقوبة الرادعة؛ يعني أن هذا أمْرٌ فطري النفور منه،
فلا يحتاج إلى عقوبة رادعة، ولهذا جعل الشرع في شرب الخمر عقوبة؛ لأن النفوس تميل
إليه، ولم يجعل في شرب البول عقوبة؛ لأن النفوس تنفر منه بالطبيعة، فهذا
مثله.
فيقال: هذا رجُلٌ -الحقيقةَ- سليمٌ ولا يعرف الواقع، فإذا كانت فطرته
سليمة تنفر من هذا الأمر، فإن هناك فطرًا مقلوبة تهوى هذا الأمر وتميل إليه، فماذا
نصنع بهذه الفطر؟
ثم إن قوله: إن شرب البول لا تعزير فيه لأن النفوس تنفر منه،
غير مُسلَّمٍ، فلو أن رجلًا ابتلي بشرب البول نخليه يشرب من بول الناس ولَّا
نُعزِّره؟ نعزره ونمنعه من ذلك، وإن كانت الفطرة تأبى هذا الأمر، إي
نعم.
فالحاصل أن الأقوال هذه الأربعة أصحها القول الأول.
طالب: إذا كان في إجماع صحابة، أجمعوا على القتل؟
الشيخ: إي نعم، هم الحقيقة الإجماع ما هو إجماع قطعي، يعني فيه
سكوت، سكوتي، والإجماع السكوتي ليس إجماعًا قطعيًّا.
واعلم أن الزنا كما قسَّمه
الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك اللواط أنواع: زنا الفرج، ولواط الفرج، وفيه
أيضًا زنا العين ولواط العين، وفيه أيضًا زنا الأذن ولواط الأذن، وزنا اليد ولواط
اليد، وزنا الرِّجل ولواط الرِّجل.
يعني لا تظن أن اللواط خاص بالفعل؛ بالفرج،
بل حتى العين، لو أن أحدًا تلذَّذ بالنظر إلى أمردٍ، قلنا: هذا الرجل تلوط به، لكن
تلوط به فعلًا ولَّا نظرًا؟ نظرًا. ولذلك يجب الحذر من هذا الأمر، حتى إن النووي
وجماعة من أهل العلم قالوا: إنه لا يجوز النظر مطلقًا إلى الأمرد الحسن؛ إلحاقًا له
بالمرأة. ولكن الصواب أنه يجوز، إلا مع التلذذ بذلك فهذا حرام.
طالب: قوله (...) فيه دليل؟
الشيخ:
وين؟
الطالب: يعني أن (...).
الشيخ: نحن ما بدأنا بالاستنباطات، لكن ما يخالف.
طالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، من
أُكْرِهَ على فعل الفاحشة فلا شيء عليه، لا في هذا ولا في غيره؛ لأنه من شروط إقامة
الحد أن يكون غير مكره، حتى المرأة لو أكرهت على الزنا ما يُقام الحد
عليها.
وهذا هو الذي أوجب لبعض أهل العلم أن المرأة إذا حملت لا تُحَدُّ، قال:
لأنه يحتمل أن تكون مُكرهةً (...)، وهذا الاحتمال يدرأ الحد.
ولكن الصحيح أن
المرأة إذا حملت وليس لها زوج ولا سيِّد يُقام عليها الحد؛ لأن خطبة أمير المؤمنين
عمر رضي الله عنه وقوله: إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ،
أمام الناس ولا أحد أنكر عليه. فهي يُقام عليها الحد، لكن إن ادَّعت شُبهةً، يعني
تؤخذ الآن ويقال: يلَّا أقيموا الحد عليها، لكن إن ادَّعت شُبهةً ممكنة ارتفع عنها
الحدُّ؛ لأن الأمر محتمل، وكثير من النساء تُغْلب على نفسها ويُفْعَل بها
الفاحشة.
طالب: (...) قوم لوط عليه السلام فيه فاحشة
اللواط، هل هي مشتقة من (...)؟
الشيخ: إي نعم، يعني
كونه يقال: لوطي أو لواط، نسبة إلى قوم لوط.
لكن فيه إشكال هنا؛ أن النسبة صارت
إلى المضاف إليه وهو نبيُّهم، فيقال -والله أعلم-: إن السبب في ذلك أن هذه الفاحشة
اختُصَّت بها هذه الأمة، ولهذا قال لهم نبيهم: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠]، ما أحد سبق عليها، يعني أول من سنَّ هذه الفاحشة -والعياذ بالله- هم
قوم لوط، وعلى هذا فعليهم وزْرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، نسأل الله
السلامة.
طالب: طيب، منشأ اللغة العربية (...)، أول ما
نشأت اللغة العربية، إذا قلنا: إن لغة آدم سريانية؟
الشيخ: أول ما نشأت من العرب العاربة حينما جاؤوا إلى مكة
القحطانيون واتصلوا بإسماعيل ونشأ بينهم صار عربيًّا، ولهذا بنو إسماعيل هم العرب
المستعرِبة.
وقطعًا اللغة العربية مثل غيرها يدخل عليها تطورات وتحسينات، مثلما
أن بعد الفتوح دخل عليها تغييرات (...)، كذلك فيما سبق دخل عليها تطورات وتحسينات
حتى وصلت إلى الكمال في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: في الآية السابقة، آية (...)؟
الشيخ: يعني ما ذكرنا فوائد الآيات؟
الطالب: إلا ذكرت.
الشيخ:
إي.
الطالب: (...).
الشيخ:
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان: ٣٧]، قوله: لِلظَّالِمِينَ.
الطالب:
إي.
الشيخ: هذا إظهار في موضع الإضمار، ما قال: أعتدنا
لهم، وذكرنا أن فيه فوائد. كأن الأخ يعرفها؟
طالب: ما
كتبتها.
الشيخ: ما كتبتها ولَّا في رأسك؟ الذي ينبغي
لطالب العلم أنه يكتب؛ إمَّا في ورقته، أو في رأسه. ويش تقول؟
طالب: فائدة الإظهار.
الشيخ: فائدة
الإظهار في مقام الإضمار؟
الطالب: للعموم.
الشيخ: طيب، إرادة العموم.
طالب:
(...).
الشيخ: إي، لانطباق الوصف على هؤلاء؛ يعني:
تسجيل هذا الوصف أو ما دلَّ عليه على هؤلاء، طيب.
طالب:
بيان عدْلِ الله عز وجل؛ أنه لم يعذبهم إلا أنهم ظالمون.
الشيخ: إي، إظهار العلة يعني؟
الطالب: العلة يعني.
الشيخ:
زين.
الطالب: وتنبيه المخاطب (...).
الشيخ: تنبيه المخاطب، زين. هذه فوائدها.
فمثلًا في الأول
قلنا: إرادة العموم؛ لأنه إذا قال: وأعتدنا لهم عذابًا أليمًا، صار العذاب الأليم
لهم فقط، لكن لِلظَّالِمِينَلهم ولغيرهم. هذه
واحدة.
والثاني: تسجيل هذا الوصف عليهم؛ لأنه وصفهم بأنهم ظالمون.
والثالث:
إظهار الحكمة من هذه العقوبة، وهي أنهم كانوا ظالمين.
والرابع: تنبيه المخاطب،
لكن ترى المراد بالمخاطَب اللي يكون قلبه فيه حياة، وإلا اللي يمر القرآن سَدَا ترى
ما ينتبه، إظهار في موضع الإضمار، التفات، تنبيه، كله واحد عنده، لكن كلامنا الذي
يقرأ بتدبر لا بد أن ينتبه؛ كيف تغيَّر السياق؟ كيف عُدِلَ عن الضمير إلى
الظاهر.
طالب: ما نقول: إنه ما ينبغي أن يُسْمَّى
لواطًا (...)، وإنما نقول ما ورد في الحديث: عمل قومِ لوطٍ.
الشيخ: هذا طيب الحقيقة، لكن أنا أشوف العلماء الكبار يقولون
هذا؛ كابن القيم وشيخ الإسلام ومن قبلهم ومن بعدهم.
الطالب: (...)، أو أنه مشتق؟
الشيخ:
لا، أبدًا، إلا قوم لوط.
الطالب: قوله تعالى عن سليمان:
عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: ١٦].
الشيخ: سليمان؟
الطالب: إي، (...)،
مَنْطِقَ الطَّيْرِهل للطير منطِقٌ؟ ثم قال بعد بآيات:
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [النمل: ١٨].
الشيخ:
إي.
الطالب: (...).
الشيخ:
إلى الآن هي تنطق، ولهذا قال: عُلِّمْنَا [النمل: ١٦]،
(...).
مَن هم أصحاب الرَّس؟
طالب: هم القوم الذين
أهلكهم الله عز وجل (...).
الشيخ: أحسنت. وما الصحيح في
هذه المسألة؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن ماذا نقول يعني؟ إذا قلنا: ليسوا قوم شعيب،
هل هم غيرهم؟
الطالب: نعم، هم القوم الذين قتلوا
نبيهم.
الشيخ: إي، لكن ماذا نقول؟ هل يعني نمسك عن
التعيين ونقول: إن هؤلاء ما عيَّنهم الله، فلسنا بحاجة إلى التعيين؟
الطالب: تقصد (...)؟
الشيخ: لا، يعني
لو قال لنا قائل: هل هم معروفون -مثلًا- لديكم أو لا؟
طالب: لا، المعروفون هم المسلمون الأوائل (...).
الشيخ: إنما الآن معروفون ولَّا لا؟
الطالب: لا، (...) أنهم أصحاب بئر.
الشيخ: أصحاب الرس هذا معلوم من القرآن، لكن هل -مثلًا- معيَّنون
قال: من هم؟ وأين مكانهم وكذا؟ يعني هل نعرف قبيلتهم ونعرف مكانهم ونعرف
رسولهم؟
الطالب: لا.
الشيخ:
لا؛ لأن الله ما عيَّنهم، فالأَولى السكوت.
قوله: وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، هذه الإضافة شو المراد بها؟
طالب: يعني أصحاب البئر.
الشيخ:
أصحاب البئر، لكن ويش المقصود بالإضافة؟
الطالب: قيل:
لأن البئر انهار عليهم.
الشيخ: أو بهم؟
الطالب: انْهَارَ بهم، وقيل: إنهم كانوا يقطنون حوله، فأضيفوا
إليه؛ أضيفوا إلى هذا البئر الذي (...).
الشيخ: نعم؛
لأنه (...).
طالب: (...)، إما إضافته للعقوبة، وإما إلى
مكانه.
الشيخ: إي.
الطالب:
فإذا قيل: إنهم هم من حول البئر ساكنون، فهم نسبوا إليه (...).
الشيخ: إي، وخسَفَ الله بهم وببئرهم؟
الطالب: وببئرهم، (...).
الشيخ: هذه
من باب الإضافة للعقوبة.
الطالب: للعقوبة.
الشيخ: طيب.
الطالب: (...)؛ لأنهم
يقطنون حولها.
الشيخ: المعنى الثاني وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، مُضافة إلى فعلهم وأنهم رسُّوا نبيهم؛
يعني دفنوه فيها. نحن قلنا: إن الإضافة هنا إما لكذا وإما لكذا؛ لأن العلماء
افترقوا في هذا (...)، منهم من قال: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم كانوا حول هذه البئر،
فخسف الله بهم وببئرهم، وقيل: إنهم أصحاب الرس؛ لأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه.
وذهب ابن جرير إلى أن المراد بهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في البروج.
قوله:
وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ، ما المراد بالقَرن؟
طالب: قيل: إنه الزمن.
الشيخ: يُطلَق
على الزَّمن، ما هو قِيلَ. ويُطْلَق؟
الطالب: ويُطْلَق
على الدهر.
الشيخ: الدهر والزمن معناهما واحد.
الطالب: ويُطْلَق على (...).
الشيخ:
لا، على الزمن عاد على الخلاف في تقدير هذا الزمن، يُطْلَق على الجيل؛ يعني على
الأمة التي تكون في عصر واحد وعلى مصر واحد. أيهما أنسب بالنسبة للآية
الكريمة؟
طالب: على الجيل.
الشيخ: على الجيل؛ لأن المراد إهلاكهم، والإهلاك يكون للأُمَّة
لا للزمن.
ما معنى قول الله تعالى: وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ؟
طالب: يعني: أنذرنا.
الشيخ: إي، أنذرنا كلًّا، لكن وأيش معنى: ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ؟
طالب: ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ؛
أي: أنذرناه بما (...).
الشيخ: المكذِّبين.
الطالب: المكذبين.
الشيخ: أحسنت،
تمام. ضرب الأمثال معناه ذكر (...) في حالهم، بمعنى أننا أنذرناهم بذكر ما جرى
للأمم السابقين الذين هم مثلهم في التكليف، فهلكوا.
ما المراد بـالْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ؟
طالب: المراد قوم لوطٍ.
الشيخ: قوم
لوطٍ. ما نوع هذا المطر الذي سمَّاه الله مطر سوء؟
الطالب: حجارة من سجيل.
الشيخ: حجارة
من سجيل، نعم.
اشتهر عند أهل العلم أن القرى كانت سبعًا، فما رأيك؟ هل هي
سبع؟
طالب: (...) القرآن قرية واحدة.
الشيخ: وأنها واحدة. طيب، إذا قلنا بما قاله الكثير من أهل
العلم، فكيف نفسر قوله: عَلَى الْقَرْيَةِ؟
طالب: أي: عُظْمى القرى.
الشيخ: إي،
عُظْمى القرى؛ لأن ما دونها تابع لها.
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ، هذه الجملة مؤكدة
ولَّا غير مؤكدة؟
طالب: نعم، مؤكدة.
الشيخ: مؤكدَة بكم مؤكِّدٍ؟
الطالب:
بثلاثة مؤكدات؛ اللام، وقد، والقسَم.
الشيخ: والقسم
المقدَّر. طيب، وهذا المقصود بالتوكيد تقرير الأمر الواقع، يعني أنه ليس الخبر
كالمعاينة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهذه القرية من عذاب الله سبحانه وتعالى؛
لأنهم يمضون عليها وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].
يقول الله عز وجل: (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَافي سفرهم إلى الشام، فيعتبرون، والاستفهام
للتقرير).
عندنا أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا، هذه تأتي في القرآن كثيرًا: (أَفَلَمْ) (أَوَلَمْ)، يعني:
يأتي حرف الاستفهام الهمزة، وبعده حرف عطف، فاختلف النحويون في ذلك؛ فمنهم من يقول:
إن حرف الاستفهام داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق، تقدَّر حسب ما يليها.
ومنهم من قال: إن حرف الاستفهام داخل على الجملة المذكورة، لكن محله بعد حرف العطف،
فمثلًا: أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَايقولون: أصلها
(فألم يكونوا يرونها)، فقُدِّمت أداة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة.
فالآن أمامنا
رأيان فيما إذا وُجِدَ حرف استفهام بعده حرف عطف، هل يكون داخلًا على الجملة
المذكورة مُقدَّمًا على حرف العطف؟ أو يكون داخلًا على جملة مُقدَّرة تُسْتَفاد من
السياق؟
كيف نُقدِّر أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَاعلى الرأي الثاني الذين يقولون: إنه داخل على جملة مُقدَّرة مفهومة من
السياق؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف نقدر؟
طالب: (...) فلم
يكونوا.
الشيخ: إي، أَعَموا، فلم يكونوا يرونها؛ لأن
انتفاء الرؤية معناها العمى.
وعلى الرأي الثاني ما يحتاج إلى تقدير، نقول
التقدير: فألم يكونوا يرونها. والأول رأي سيبويه، والثاني رأي الكسائي. وأيهما أهون
وأسلم؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أهونُ وأسلمُ.
طالب:
تدخل الفاء عليها (...).
الشيخ: لأنه في الحقيقة في بعض
الأحيان تأتيك أمثلة ما تستطيع أن تقدر هذا المحذوف ولا كيف تقدره. ثم إن الأصل عدم
التقدير والحذف، هذا هو الأصل. ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثاني لم نرتكب إلا شيئًا
واحدًا فقط، وهو تقديم الهمزة عن مكانها، وهذا شيء بسيط، فالذي ينبغي سلوكه أن
نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير، لكنها مُقدَّرة
بعد حرف العطف، إلا أنها قُدِّمَت لأجل الصدارة.
وهنا أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا، إذا دخلت همزة الاستفهام على
(لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير: حمل المخاطب على الإقرار. مثلًا: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أيش نقول بالهمزة؟
الاستفهام التقريري أو للاستفهام المراد به التقرير، المهم أن هذه ليست للاستفهام
الاستخبار، ما هو بالله يسأل، ولكنه يقرر أنه شرح له صدره، فنقول: الاستفهام هنا
للتقرير. وما معنى التقرير؟
طالب: الإثبات.
الشيخ: لا، ما هو بس الإثبات وفقط، حمل المخاطب على الإقرار؛
يعني إن كان هذا الشيء متقررًا، فيجِبُ عليك أن تُقِرَّ به.
طالب: إذا تلاها (...)؟
الشيخ: إي
نعم، طيب.
نقول: هي للاستفهام التقريري؛ أي: حمل المخاطب على الإقرار، وكأن هذا
أمْرٌ لا يمكن إنكاره؛ لأنه معلوم له.
في الآية الكريمة: أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا، نقول: الاستفهام للتقرير؛
يعني أنهم قد رأوها، إذا كان بمعنى التقرير فإنه يُقدَّرُ بفعل ماضٍ مقرونٍ بـ(قد)،
يعني مثلًا: أَلَمْ نَشْرَحْ لَك [الشرح: ١] معناه: قد
شرحنا لك، لكنها أبلغ أَلَمْ نَشْرَحْ لَك.
أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَامعناه؟
طالب: قد رأوها.
الشيخ: قد رأوها،
لكن الإتيان بالاستفهام أبلغ؛ لأنه يحمل المخاطب على أن يقر، وهذا أبلغ من أن
أُخْبِرَه بأمْرٍ على سبيل التحقيق بـ(قد).
أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا، يعني معناه: أنهم قد رأوها وهم يُقرُّون بذلك، ولا
يمكنهم إنكاره، ويرونها، يقول المؤلف في وقت الرؤية: (في سفرهم إلى الشام،
فيعتبرون) وهذا صحيح أن الإنسان إذا عاين آثار العذاب يكون أشد في يقينه
وتصديقه؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة.
وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لا يشك أن الله
تعالى قادر على إحياء الموتى، ومع ذلك قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة: ٢٦٠]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» ،
وجئت بهذا الحديث لأجل أن نفهم معناه حقيقة، ويش معنى «نَحْنُ
أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»؟
لو أخذنا بظاهره لقلنا: إن
إبراهيم قد شكَّ ونحن قد شككنا ونحن أولى بالشك منه، ولكن ليس المراد بذلك، ويش
المراد؟
طالب: مؤكدٌ أنه لم يشكَّ إبراهيم، لكن لو
كان.. يعني هذا تأكيد على أنه لم يشك؛ لأننا يعني بمعنى أنه لو حصل منه شك فنحن
أولى بذلك، لكنه ما حصل منه شكٌّ.
الشيخ: يعني كما أننا
نتيقَّن أن الله يحيي الموتى وقادر عليها، فإبراهيم أولى باليقين، ولو كان ثمة شكٌّ
لكنا أَوْلى به من ذلك، إي نعم.
أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا، بيَّن لنا عن القرية هذه، موجودة الآن؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذه مدائن
صالح، لكن قرية لوط البحر الميت، البحر الميت هذا يقولون: إنه هو مكان قُرى قوم
لوط، إنه صار بحيرة مالحة.
طالب: فيها قولان.
الشيخ: ما أدري واللهِ إن كان فيها قولان، إنما الآن عندي قول
واحد.
طالب: صحة القول هذا؟
الشيخ: أقول: هذا مشهور، مشهور أن هذا البحر الميت أنه هو محل
قرية قوم لوط.
يقول: (بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَلا يخافون نُشُورًا)
(بل) للإضراب، وكأنه إضراب عن توبيخ إلى أشد منه.
أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَاقلنا: الاستفهام للتقرير،
والإنسان الذي يرى الشيء ثم لا يعتبر به مستحقٌّ للتوبيخ.
انتقل إلى ما هو أعظم؛
إلى حال يستحقون التوبيخ عليها أشد، فالإضراب هنا للانتقال منين؟ من سيءٍ إلى أسوأ،
ومن خفيف إلى أغلظ منه، يعني معناه: أن هؤلاء ليسوا تاركين للاعتبار بما شاهدوا، بل
إنهم أبلغ من ذلك لَا يَرْجُونَ نُشُورًا، وفسَّر
المؤلف الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء يأتي بمعنى الخوف، مثل قول الله تعالى عن نوح:
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح: ١٣].
ولكن إتيان الرجاء في موضع الخوف لا يكون إلا حيث تعذر أن يُفَسَّر بمعناه
الحقيقي، وهنا لا يتعذَّر؛ لأن معنى لَا يَرْجُونَ نُشُورًايعني: لا يؤملونه، ما يؤملون ولا يقرون به؛ لأن مَن لا يؤمل شيئًا
لا يُقِرُّ به. وكأن المؤلف رحمه الله حمله على معنى الخوف؛ لأن حاله تقتضي أنهم لا
يخافون؛ إذ لو خافوا لأقرُّوا وآمنوا.
ولكن يقال أيضًا: الرجاء، لو كان يرجون
هذا النشور ويؤملونه لعملوا له؛ لأنهم قيل لهم: إن صدقتم الرسل فلكم كذا، وإن كذبتم
الرسل فعليكم كذا، فهم مَوْعُودون ومُتَوعَّدون، فلا يتعيَّن أن نحمل الرجاء على
الخوف، بل لا ينبغي ما دام للرجاء بمعناه الحقيقي، ما دام له محل فإنه يجب أن
يُحْمَلَ على معناه الأصلي.
فنقول: لَا يَرْجُونَ نُشُورًا؛ أي: لا يؤملون النشور الذي فيه ما وعدتهم به الرسل من كرامة الله
سبحانه وتعالى وإدخال الجنة. وهذا أشد من عدم اعتبارهم بما رأوا من إهلاك المكذبين،
حيث ينكرون البعث الذي دلَّ عليه العقل، فالعقل يدل على أن للناس بعثًا، ولهذا
يقرِّرُ الله تبارك وتعالى هذا المعنى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦]؛ يعني: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى ولا
يُجَازى، هذا سفهٌ، لو كانت هذه الخليقة التي خلقها الله، وأرسل إليها الرسل، وأباح
دماء بعضهم لبعض وأموالهم ونساءهم لأجل الدين الذي بعث به الرسل، وهذا القتال
العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشيء إلا أن الإنسان يحيى ويموت، ماذا
يكون هذا الفعل؟
طالب: سفهًا.
الشيخ: يكون سفهًا يُنَرَّه الله عنه، ولهذا قال الله عز وجل:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥]، ما أنزل الله هذا القرآن إلا لمعادٍ يكون الناس يوم
القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازون بأعمالهم، فالعقل دلَّ على أنه لا بُدَّ من بعثٍ،
ولا بُدَّ من جزاء، ومع ذلك هؤلاء ينكرونه.
ولَا يَرْجُونَ نُشُورًابحُججٍ واهيةٍ باطلةٍ؛ مثل: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، هذه حجة ولَّا ما هي حجة؟ هي شُبهةٌ
في الواقع، شُبهةٌ باطلةٌ، ولذلك أبطلها الله في الآيات التي بعدها من نحو عشرة
أوجه، هذا الإنكار المبني على استبعاد عقله، لذلك أبطله الله تعالى كما يظهر من
القصة من نحو عشرة أوجه؛ أولها: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩]، هذا يكفي العاقل، هي ما كانت هذه العظام ماء
مهينًا؟
طالب: نعم.
الشيخ:
ماء مهينًا، بل قبل ذلك لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم خلقها الله إلى عظام، فالذي
أحياها أول مرَّة قادر على إعادتها، وهو عقلًا أهون من الابتداء وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
على كل حال لسنا بصدد الإثبات لهذا الشيء، لكن
أقول: إن هؤلاء الذين لا يرجون نشورًا مع قيام الأدلة على وجوده لا شك في سفههم،
وأنهم ليسوا على صواب.
ثم قال الله تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ [الفرقان: ٤١]، منتقلًا إلى حالة أخرى يقابل بها هؤلاء المشركون
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًامهزوءًا به) يَتَّخِذُونَكَيُصيِّرونك ويجعلونك مهزوءًا به، وتجدون الآن
أن الآية فيها حصرٌ طريقه النفي والإثبات؛ يعني: ما يجعلون لك أي حال من الأحوال
إلا الهزء، وهُزُوًامصدر، لكنه يقول المؤلف:
(مهزوءًا به) يعني أنه بمعنى اسم المفعول. والمصدر بمعنى اسم المفعول كثير
وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤]، ويش وجه الاستدلال بهذه الآية اللي استدللت بها
الآن وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ويش وجه الاستدلال بالآية التي ذكرت؟
الطالب: يعني أن (...).
الشيخ: إي،
وجه الاستدلال السؤال أحيانًا يُرَادُ به التنبيه والاستخبار، فهنا نقول: وجه
الاستدلال أن قوله: أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، (حمل)
مصدر بمعنى محمول، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ
رَدٌّ» ؛
يعني: مردودٌ.
هنا هُزُوًامصدر، لكنه بمعنى اسم
المفعول على رأي المؤلف. ويمكن أن يقال: إنه على بابه؛ مصدر، ويكون من باب
المبالغة، كأنه ما جعل الرسول محلًّا للهزء؛ يعني مهزوءًا به، به جعلوه نفسه هو نفس
الهزء، وهذا من باب المبالغة، كما تقول: فلان عدل، وفلان رضا، يعني من باب
المبالغة، كأنه هو العدل لا أنه محل العدل، وكأنه الرضا لا محل الرضا، وكذلك: فلان
ثقة؛ لأن (ثقة) مصدر بمعنى موثوق به لكنه من باب المبالغة.
المعنى: أن هؤلاء ما
يرون الرسول عليه الصلاة والسلام إلا محل استهزاء -والعياذ بالله- كأنه لعبة عندهم،
يقولون: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًافي دعواه محتقرِين له عن الرسالة).
أَهَذَاالاستفهام هنا للتحقيق، وهو متضمِّنٌ للنفي؛ يعني ما
يمكن أن يبعث مثل هذا الرجل. وهذا كقولهم: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]، ولا شك أن هذا من جملة الشبه التي يحتجون بها، وهي لا تنطلي على أحد؛
لأننا نعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، فإن الله
تعالى يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، فللرسالة محلٌّ، فهذا النبي صلى الله عليه
وسلم نؤمن بأنه أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، ولهذا جعلها الله فيه، جعل فيه أعظم
الرسالات، فهو أعظم من كل ما يقترفونه، لكن تعرفون أن المكابر والمكذب يأتي بكل
شُبهةٍ سواء كانت حقيقة أم غير حقيقة.
وقوله: أَهَذَا الَّذِي(هذا) اسمُ إشارةٍ للقريب ولَّا للبعيد؟
طالب: للقريب.
الشيخ: للقريب،
احتقارًا أيضًا؛ لأن اسم الإشارة يأتي للقريب أحيانًا للاحتقار، وأحيانًا للتعظيم
والمودة، وكذلك اسم الإشارة في البعيد يأتي لما هو قريب من باب التعظيم، مثل: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِالبقرة: ٢]، ويش يعني
بـالْكِتَابُ؟
طالب:
القرآن.
الشيخ: لكنه أتى بـذَلِكَاسم إشارة للبعيد تنبيهًا لعلوِّ مرتبته.
هم أتوا
بـ(هذا) للتحقير؛ يعني: أهذا القريب الذي لدينا ونتصوره ونشاهده، أهذا يُبْعَثُ
رسولًا؟! هكذا يقولون.
وأردفوا ذلك: (إِنْمخففة من الثقيلة، واسمها محذوف؛ أي إنه
كَادَ لَيُضِلُّنَايصرفنا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان: ٤٢]) بئس الصبرُ هذا!
إِنْ كَادَيعني: قَرُبَ، وإِنْيقول المؤلف:
(إنها مُخَفَّفة من الثقيلة)؛ لأن (إنْ) -كما تعرفون- لها معانٍ كثيرة،
والذي يُعَيِّنها السياق؛ تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي زائدة.
طالب: وناصبة.
الشيخ: لا، ما تأتي
ناصبة، اللي تأتي ناصبة (أنْ). لكن هنا مخففة من الثقيلة؛ لأن أصلها (إنَّ)
فخُفِّفَت، وإذا خُفِّفَت من الثقيلة لزم أن يكون اسمها محذوفًا، ما نقول: مستتر؛
لأن الاستتار يكون بالفعل أو بما هو بمعناه، لكن نقول: محذوف، والتقدير: إنه كَادَ لَيُضِلُّنَا.
وكَادَبمعنى: قَرُبَ، والصواب أن (كاد) تأتي بمعنى قرُبَ، سواءٌ كانت منفية أو مستترة.
وأما قول بعض النحويين: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، فليس بصحيح كما حققه ابن هشام
في المغني، بل هي دائمًا بمعنى القرب، يعني: لقد قرب أن يضلنا عن آلهتنا،
لكن منع من هذا مانع وهو الصبر عليها، فهم الآن -في الحقيقة- يقرُّون أن رسالة
الرسول عليه الصلاة والسلام خطيرة بالنسبة إليهم، ولَّا لا؟ خطيرة، لكنهم يتمدحون
بأنهم ذوو صبرٍ بالغ عظيم لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا؛ يعني: على عبادتها، لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يضلنا.
والصواب: أنه لو تركوها لكان الرسول قد هداهم الله به، أليس كذلك؟ نعم، وليتهم لم
يصبروا هذا الصبر؛ فإن هذا الصبر صبر عن معصية الله ولَّا على معصية الله؟
طلبة: على معصية الله.
الشيخ: على
معصية الله، وهو مذمومٌ، لا شك أنه مذموم.
لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَاصارت الآن الجملة هذه أقول: إنها تدل على أنهم يقرون
بخطر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أو لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: ولكنهم يتمدحون
بالصبر عليها، وأنه مع قوة تأثير الرسالة هم صبروا على آلهتهم فلم يضلهم النبي عليه
الصلاة والسلام.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، مُقرِّين بخطر الرسالة، ولإقرارهم بخطر الرسالة
بذلوا مُهَجَهم ورِقابَهم لقتال الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لو كانوا يعرفون
ما هي مؤثرة ما احتاجوا إلى أنهم يخرجون لقتال الرسول، كان قالوا: هين هذا مثل
المجنون اللي ما يؤثر ولا (...).
إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَاأي: معبوداتنا. والآلهة تُطْلَقُ على المعبود، لكن
تُطْلَقُ إطلاقًا مجازيًّا على المعبود بغير حق، وإطلاقًا حقيقيًّا على المعبود
بحق، ولهذا الرسل صلى الله عليهم وسلم يقولون لأقوامهم: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، ويش معنى مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ؟ أي: من معبودٍ حقيقةً غير الله، أما
معبوداتكم التي تعبدونها فهذه معبودات لكنها ليست حقًّا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، نحن الآن
صحيح التعبير هذا خطأ ما دام قلنا: لا مجاز في القرآن، لكن تنزلًا على حسب كلامهم،
هم يدعون أنها آلهة، ولكنها حقًّا ليست آلهة.
الطالب:
نعتبر بما (...)؟
الشيخ: التعبير الصحيح أن نقول: عَنْ آلِهَتِنَا، سموها آلهة باعتقادهم، وإلَّا فليست
آلهة.
لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا؛ يعني:
حبسنا أنفسنا عليها (لصرَفَنا عنها).
استفدنا من قول المؤلف: (لصرفنا)
أن لَوْلَاشرطية، وأن جوابها محذوف.
أَنْ صَبَرْنَاويش محلها من الإعراب؟ ما كنت أريد أن أعربها،
لكن لما أنه تعرض...، ويش محل أَنْ صَبَرْنَامن
الإعراب؟
طالب: مصدر لفعل (...).
طالب آخر: بتأويل مصدر.
الشيخ: إي،
ويش محلها من الإعراب؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: خبر
المبتدأ.
طالب آخر: مبتدأ لخبر محذوف وجوبًا.
الشيخ: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا. (...)
(لصرَفَنا
عنها)، أو الأصح أن نقول: لأضلَّنا عنها؛ لأنهم يقولون: لَيُضِلُّنَا؟ لأضلَّنا عنها. لَوْلَاصبرُنا موجودٌ على هذه الآلهة لأضلَّنا عنها، وبعد،
وبعد، (لولا) غالبًا حذف الخبر حتمٌ.
(لولا) هذه شرطية، وتأتي غير شرطية؟
طالب: إي نعم، تأتي.
الشيخ: ويش (...)؟
الطالب:
للتحضيض.
الشيخ: للتحضيض، ومرَّت علينا قريبًا في هذه
السورة. وكون (لولا) وهي لفظ واحد يأتي أحيانًا بمعنى التحضيض، وأحيانًا بمعنى
الشرط، وكذلك (إنْ) وغيرها من الحروف، هذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن
تيمية، وأنه لا مجاز في اللغة، وأن الذي يُعيِّنُ المعنى ويجعله حقيقة أو غيرَ
حقيقة؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، فالكلمة في سياقها أو الجملة في سياقها حقيقةً ما
تحتمل غير ما يُراد، وإن كانت -مثلًا- تُطْلَق إطلاقًا آخر في معانٍ أخرى. فالسياق
في الحقيقة، المعاني للكلمات كما يدلُّ عليه كلام الشيخ، ليست المعاني في الكلمات
صفات ذاتيةً، ما هي صفاتٌ ذاتية، وإنما هي صفات إضافية. ويش معنى إضافية؟ أي بحسب
ما تضاف إليه؛ يعني بحسب السياق.
وبذلك نتخلص من الإشكال الذي يَرِدُ علينا
كثيرًا في بعض كلمات في القرآن، حيث (...) المجاز تأتينا كلمات أو جمل تُشْكِل
علينا، فإذا قلنا بهذا القول، وقلنا: إن المعاني للألفاظ ليست من الصفات الذاتية،
وإنما هي من الصفات الإضافية التي يعيِّنها أي شيء؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، نتخلص
بهذا، ونقول مثلًا: جَنَاحَ الذُّلِّ [الإسراء: ٢٤]،
جَنَاحَإذا أضيف للطائر صار له معنًى، وإذا أضيف إلى
الذُّلِّصار له معنًى.
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧]، الإرادة إذا أضيفت إلى الإنسان صار لها معنًى،
وإذا أضيفت للحيوان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للجماد صار لها معنًى. بحسب
الإضافات، وحينئذٍ نتخلَّص، ما نقول: الإرادة الأصل أن تكون حقيقة لذوي الشعور،
فإذا أضيفت إلى غيرهم صارت مجازًا، ما حاجة أن نقول هكذا.
طالب: كيف تكون للجماد؟
الشيخ: تكون
للجماد يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، معناه: مايلٌ
للانقضاض.
طالب: بالنسبة لـلَوْلَا، قد يكون التفريق بين التحضيض والظرفية بأنها إذا
دخلت على الفعل صارت (...)، فلا يحتاج إلى..
الشيخ:
صارت للتحضيض.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فلا يحتاج
لتعيين السياق.
الشيخ: كيف؟ إلا، وجودها بجانب الفعل
جعلها للتحضيض، ووجودها بجانب الجملة الاسمية جعلها للشرطية، إي نعم.
(لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا، قال الله
تعالى: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَعيانًا في الآخرة، مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًاأخطأُ طريقًا أَهُمْ أم المؤمنون؟) لو قال: (أَمِ
الرسول) -لأن (...) الرسول صلى الله عليه وسلم- لكان أولى.
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ، يقول
المؤلف: (عيانًا في الآخرة)، وهذا ليس بلازم أن يكون في الآخرة، يُقَيَّد في
الآخرة ما هو لازم، نقول: إنهم يرون العذاب متى؟ في الآخرة وعند الموت يشاهدونه،
وإذا قالوا: إنهم تابوا عند الموت فالتوبة لا تنفعهم وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَمَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا، هم أمِ الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي جملة قوله: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَفيها من التهديد ما هو ظاهر؛ يعني سوف
يعلمون في تلك الحال هل هم الأضل أم الرسول صلى الله عليه وسلم الأضل. وما هو
الواقع؟
طلبة: هم الأضل.
الشيخ: سيعلمون إذا رأوا العذاب أنهم هم الأضل.
قال الله
تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان: ٤٣] أَرَأَيْتَ، الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن السياق
يدلُّ عليه، ولا أظنه هنا يصح أن نجعله لكل من يتأتَّى خطابه؛ لأن قوله: أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًاإنما يناسب من؟ الرسول
عليه الصلاة والسلام، كقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢].
وهنا أَرَأَيْتَيقول: (بمعنى أخبِرْني)، كيف (بمعنى
أخبرني) الرؤية هي الخبر؟
طالب: لا.
الشيخ: لكن أريد لازمه؛ يعني: هل رأيت فأخبِرْني؛ هذا المعنى،
وهذا هو السبب الذي جعل العلماء يفسِّرون أَرَأَيْتَبمعنى أخبرني؛ لأن المقصود بالاستفهام عن الرؤية هنا ليس مجرد هل رأيت ولَّا ما
رأيت، بل المراد لازمها وهو الإخبار؛ يعني إذا كنت رأيت فأخبرني.
وهنا (رأيت)
يقولون: إنها تنصب مفعولين، ولا بد أن يكون المفعول الثاني منهما جملة استفهامية.
نشوف اللي عندنا في الآية: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، المفعول الأول؟
طالب: مَنِ.
الشيخ: مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ. والمفعول الثاني جملةُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. هذا ما ذكره
المؤلف.
وفي القرآن لها أمثلة ولَّا لا؟
طالب: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى [العلق: ٩].
الشيخ: لا، ما هي بمعنى أخبِرْني.
طالب: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ [الكهف: ٦٣].
الشيخ: إي، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ.
طالب:
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩].
الشيخ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠].
الطالب: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى [النجم: ٣٣، ٣٤].
الشيخ: إي نعم، كثيرة، لكن أحيانًا يُذْكَرُ المفعول الثاني،
وكثيرًا يُحْذَفُ يحذف المفعول الثاني؛ لدلالة السياق عليه.
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، ما يمكن يصير الجواب: أَلَكُمُ الذَّكَرُ [النجم: ٢١]، ما يمكن، لكن المعنى: هل تغنيكم شيئًا؟ هل تنفعكم؟
هل تستحق أن تعبد؟ وما أشبه ذلك. وللبحث بقية تأتي إن شاء الله.
طالب: على رأي النحاة (...)، فهنا تصبح القضية (...)؟
الشيخ: نعم، يقول: أعلمت هذا فأخبرني به.
الطالب: نعم.
الشيخ: الله أكبر،
سبحان الله العظيم! القرآن -سبحان الله العظيم- ما هو مثل بقية الكلام، تجد
استفهامات، أمرًا، تحديات في السياق، وهذا من إعجازه في الحقيقة، يعني ما تجد
كلامًا.. لأن كل هذه الاختلافات في الكلام توجب إثارة الإنسان وإقباله، ولكنه كما
أسلفنا فيمن يقرأه عن قلب، أما من يقرأه عن بصرٍ فقط بدون بصيرة فهذا ما يستفيد
منه.
طالب: قوله تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ [الروم: ٤٩]، تكرار مِنْ قَبْلِمرتين (...)، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ؟
الشيخ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ [آل عمران: ١٨٨]،
التكرار هذا يكون لفائدة وغرضٍ، فهنا مِنْ قَبْلِهِفيها خلاف: هل هي الأُولى أو أنها مِنْ قَبْلِهِغير
الأولى؟ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِأي: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْأي: مِنْ قَبْلِهذا التنزيل، فيكون
من باب التكرار توكيدًا. وإن كان مِنْ قَبْلِهِيعني:
من قبل هذا الأمر الذي حدث لهم، ما هو من قبل أن يُنَزَّل، من قبل حالهم، فلا يكون
فيها تكرار.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فكيف يعني؟
فهل معناه أنه (...)؟
الشيخ: (...) الإيمان عند الموت
إلا إنسان سريرته باطلة، أما الإنسان الذي عمله صالح ومبني على عقيدة صحيحة ما
يمكن، لكنه على خطر؛ لأنه يُخْشَى أن يكون عمله مبنيًّا على سريرة باطلة.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، إذا
عايَنَ الإنسان ما ينفعه التوبة.
الطالب: طيب، ولا ينفع
أن نقول: (...)؟
الشيخ: لو أضله؟ ويش لون؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: نحن نقول: ما
يمكن يضله؛ لأن الله يقول: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧]. إنما يكون الإضلال عند الموت بناءً على أن الإنسان في عبادته غير
مستقيم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ الرَّجُلَ
لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ» .
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، هو لا بد أن
تكون السريرة باطلة؛ لأننا نعلم أن الإنسان لو بنى عمله على عقيدة سليمةٍ سواء
بالإخلاص أو بغير الإخلاص، إنما ما يمكن أن الله يخذل المؤمن أبدًا، المؤمن حقيقة.
وهذا هو ما كنا ندعو إليه دائمًا؛ بأن نحرص على عمل القلب، أما عمل الجوارح فإنها
مثل السُّور؛ يعني الأعمال الظاهرة عمل الجوارح هي بمنزلة السُّور للبستان، تحميه
وتحيطه، وأما العمل الأساسي فهو عمل القلب. قلنا: يحرص دائمًا على أن يكون الإنسان
مطهرًا قلبه مُصلحًا لقلبه، هذا أهم شيء. والأعمال الظاهرة هذه في الحقيقة رسوم
مصلحة ومنمِّية؛ مثل السقي للبستان، والرسول عليه الصلاة والسلام شبَّه أعظم
العبادات الظاهرة -وهي الصلاة- بالنهر الذي يطهِّر الإنسان من أوساخه .
فهذه ثقالات للقلب، مادة ينتفع بها القلب، إنما الأصل هو القلب.
ولهذا يجب علينا
دائمًا أن نشوف قلوبنا: أحيانًا يكون في القلب سريرة الحسد مثلًا، سريرة الحسد هذه
ما هي هينة؛ لأنها موروثة عمن؟ عن اليهود، فهل ترضى أن تكون شبيهًا لليهود؟ ما أحد
يرضى، ومع ذلك تجدها في قلوب كثير من المؤمنين موجودة. مسألة الرياء في العبادة أو
في المظهر. (...)
بعد أن بيَّن أمثلة لكفار قريش من الأمم الذين أهلكهم الله
تبارك وتعالى بسبب تكذيبهم للرسل، وبيَّن أن من هذه الأمم من كانوا أتوا عليها، وهي
قرية قوم لوط التي أُمْطِرَت مطَرَ السوء.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك
إلى ما هو أقبح وأشد في التوبيخ، وهو كونهم لَا يَرْجُونَ نُشُورًا؛ يعني لا يرجون بعثًا، فلا يؤمِّلونه ولا يخافونه.
ثم انتقل
الله سبحانه وتعالى بعد هذا إلى حال هؤلاء مع الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان
يجب علينا أن نجلَّه ونعظِّمه ونوقِّره، بأن هؤلاء المكذبين اتخذوه هزوًا، وأن
قوله: (اتخذوه هزوًا) أشد وأبلغ من قوله: هزِءوا به؛ يعني: جعلوه كأنه صورة يُهْزَأ
بها، لكن لو قال: استهزؤوا به، صار فعلًا، والفعل مطلقٌ يدل على المرة الواحدة،
بخلاف الأول اللي جعلوه كالصورة التي يُهْزَأ بها.
ثم بيَّن أنه مع اتخاذهم
إيَّاه هزوًا أنهم يسخرون به في القول، يقولون: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًااحتقارًا له، ثم يفتخرون مع احتقارهم له بأنهم
صبروا على آلهتهم، وأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كان لها تأثيرٌ قويٌّ، لولا
أنهم صبروا عليها؛ على آلهتهم لكانوا متأثرين بها إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا.
ثم
توعَّدهم الله سبحانه وتعالى بأنهم حين يرون العذاب سيعلمون من هو أضل؛ هم أمِ
النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكَرَ الله سبحانه وتعالى استفهامًا مُشْربًا
بالتعجب فيمن اتخذه إلهه هواه، فقال: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا.
وسبق لنا
بالنسبة لـأَرَأَيْتَأنها بمعنى أخبِرْني، وأن هذا ليس
هو المعنى الحقيقي لها، لكنه معنًى لازم للرؤية التي بمعنى العلْمِ؛ فإن المستفهم
لا يريد من المخاطب إذا قال: (أرأيت) لا يريد أن يستفهم عن كونه رأى، إنما يريد أن
يستفهم عن لازم هذه الرؤية وهي الإخبار، ولهذا يقولون: إنها بمعنى (أخبِرْني) من
باب إطلاق الملزوم للازم.
أما بالنسبة لإعرابها، فقد ذكرنا أمس؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: الأول التمني.
الشيخ:
نعم.
الطالب: (...)، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا.
الشيخ: إي نعم،
وهذا التركيب: أَرَأَيْتَيأتي كثيرًا في القرآن، ويكون
ناصبًا لمفعولين الأول منهما اسم، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية. والمفعول
الأول -انتبهوا لإعرابها لأنها مشكلة- المفعول الأول قلنا: إنه يكون اسمًا؛ إما
مذكورًا وإما محذوفًا، فصار الآن المفعول الأول اسمًا؛ إما مذكورًا، أو محذوفًا،
هذا واحد. المفعول الثاني جملة إما استفهامية أو قسمية. مفهوم هذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، التاء في
أَرَأَيْتَفاعل، وقد يلحقها ضمير لمجرد الدلالة على
المخاطب، ولا محل له من الإعراب، نقول: حرف خطاب لا محل له من الإعراب، تلحقها
الكاف اللي هي حرف خطاب وليس لها محل من الإعراب.
ولنضرب لهذا أمثلة: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٦٢]، هذه أين المفعول الأول؟ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا؟
طلبة: (...).





