تفسير سورة الفرقان - 6
عدد الزيارات 2699

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (45-46)
تفسير الآيات (47-49)

الشيخ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٦٢]؟
طالب: هَذَا الَّذِي.
الشيخ: هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَهذا المفعول الأول، والمفعول الثاني الجملة القسمية: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا، مفهوم؟
طالب: نعم.
الشيخ: والكاف أَرَأَيْتَكَ: حرف خطاب، لا محل لها من الإعراب، إذن المفعول الأول الآن موجود، والمفعول الثاني جملة قسمية موجودة.
أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام: ٤٦] أين المفعول الأول؟
طالب: محذوف.
الشيخ: محذوف؛ لأنه ما يمكن يكون جملة المفعول الأول، فهو إذن محذوف: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ... مَنْ إِلَهٌ، محذوف تقديره: أَرَأَيْتُمْحالكم؛ يعني: أخبروني عن حالكم إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْإلى آخره، وجملة مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِهذا هو المفعول الثاني.
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٤٧]، هنا فيها كاف الخطاب أَرَأَيْتَكُمْالتاء للمفرد، والمخاطب جماعة ولّا واحد؟
طالب: جماعة.
الشيخ: ويش الدلالة على أنهم جماعة؟
طالب: الميم.
الشيخ: الكاف والميم أَرَأَيْتَكُمْ، ومفعولها الأول محذوف، ومفعولها الثاني: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ، فالخلاصة الآن أن إعراب هذه نقول: إن أَرَأَيْتَ [الفرقان: ٤٣]، معناها: أَخْبِرني، وهذا المعنى لازم، وليس هو المعنى الحقيقي لـأَرَأَيْتَ؛ لأن رأى بمعنى علم، وأما إعرابها فإنها فاعل، التاء في أَرَأَيْتَفاعل، وتكون مفردة دائمًا، أو مجموعة مثل: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ [الأنعام: ٤٦]، أو مثناة: أرأيتما إن كان كذا وكذا؟
وربما تلحق الكاف للدلالة على المخاطب وتبقى التاء مفردة؛ هذا بالنسبة بـأَرَأَيْتَ، أما مفعولها أو معمولها، فإنها تنصب مفعولين: الأول منهما اسم محذوف أو مذكور، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية.
نشوف اللي معنا الآن في الآية الكريمة: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان: ٤٣] أَيْ: مَهْوِيَّهُ).
المؤلف فسر (هوى) بمعنى مَهْوِي، يعني فسر المصدر بمعنى اسم المفعول؛ يعني اتخذ إلهه هذا الحجرَ مثلًا أو هذه الشجرة، يعني جعل الإله الشجرة، والشجرة أو الحجر هي الهوى ولّا مَهْوِي؟
طالب: مَهْوي.
الشيخ: مَهْوِي؛ ولهذا فسر الهوى بالمَهْوِي؛ لأنه يريد أن يجعل الإله هنا هو المعبود.
ولكن الصواب أن الآية على ظاهرها، وأن الإله هو الهوى، يعني معنى ذلك أنه جعل المتبوع الهوى، وكون الإنسان يتبع غيره سواء هوى نفسه أو غيره، كونه يتبع غيره؛ هذا من اتخاذه إلهًا، ولهذا قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١]، فقال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم؟ قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَّلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قال: بلى، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» .
فإذن نقول: الآية على ظاهرها، يعني أن الإله هو الهوى نفسه، والهوى يقوده إلى عبادة الشجر والحجر ويقوده إلى استحلال الزنا وإلى استحلال الربا وإلى غير ذلك، فعليه الأولى، وأيش الأولى؟ جعل الآية على ظاهرها، وألا تصرف إلى المعبود خلافًا للمؤلف.
وقوله: (قُدِّمَ الْمَفْعُول الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَهَمّ)، كيف المفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني؟
أصله: من اتخذ هواه إلهه، فالهوى هو المُتَّخَذ لا الإله، المتخذ إلهًا هو الهوى، لا الإله مُتخذًا هوى، الإله ما اتخذ هوًى، ولكن الهوى مُتَّخَذٌ إلهًا؛ فلهذا قال المؤلف: إنه قدم المفعول؛ لأنه أهم؛ يعني لأنه هو محل التعجب، محل التعجب أن يكون هذا الشيء إلهًا، هذا محل التعجب، لا محل التعجب مجرد الهوى، مجرد الهوى ليس محل تعجب، إنما محط التعجب أن يُتخَذ إلهًا.
فعلى هذا نقول: المفعول الأول إِلَهَهُ [الفرقان: ٤٣]، والثاني: هَوَاهُ [الفرقان: ٤٣].
قال: (وَجُمْلَة مَنِ اتَّخَذَ [الفرقان: ٤٣] مَفْعُول أَوَّل لِرَأَيْتَ).
قوله: (جملة مَنِ اتَّخَذَ)، كلامه صحيح ولّا غير صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح كلامه ولّا لا؟
الطالب: مَنِ اتَّخَذَمفعول أول؟
الشيخ: إي، يقول: جملة مَنِ اتَّخَذَمفعول أول.
الطالب: لو قلنا: إنه يكون مفردًا فليس الكلام صحيحًا.
الشيخ: وإن قلت: ما يكون مفردًا؟
الطالب: فكلامه صحيح، ولكن ما (...).
الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عن الموصول وصلته بجملة؛ لأن مَنِ اتَّخَذَسواء قلت: إنه مفرد، وهو على كل حال مفرد مثل ما قلت، ما فيها قولان إلا على طريقة ابن جني (...).
مَنِ اتَّخَذَهل يُعبر عن الموصول وصلته بالجملة؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عنه بأنه جملة؟ إذا قلت مثلًا: قدم الذي سافر، هل تقول: (الذي سافر) جملة؟ لا؛ لأن الاسم الموصول مفرد، لكن صلته جملة، ويدل على ذلك أن اسم الموصول يقع فاعلًا، والفاعل ما يمكن يكون جملة، تقول: جاء الذي سافر، (الذي) فاعل وليس يكون جملة.
وعلى هذا فيكون في قوله: (جملة مَنِ اتَّخَذَ) فيه تسامح، والصواب أن يُقال: ومَنِفي قوله: مَنِ اتَّخَذَمفعول أول لـ(رأيت).
والثاني: أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان: ٤٣]، الاستفهام هنا للنفي؛ يعني: فلن تكون عليه وكيلًا؛ أي: (حَافِظًا تَحْفَظهُ مِن اتِّبَاع هواه) يعني: لست وكيلًا عليه، وإذا لم تكن وكيلًا عليه فلست مسؤولًا عنه، وإذا كان هذا الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم فمن دونه أولى، فنحن لسنا وكلاء على من عصوا الله ولا على من فسقوا عن أمره، إنما علينا، ويش علينا؟
طالب: البلاغ.
الشيخ: البلاغ والدعوة، وعلى الله سبحانه وتعالى الحساب: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠]، وبهذا نعرف أنه لا ينبغي للإنسان أن يحزن على ضلال من ضل إذا كان قد قام بما أوجب الله عليه من البلاغ والدعوة، قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٧]، وقال تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣] يعني: مهلك نفسك أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، إلى آيات كثيرة في هذا المعنى، وأن الإنسان لا يحزن؛ لأن ضلال من ضل بفعل الله سبحانه وتعالى، وفعله تعالى لحكمة؛ ولهذا قال أهل العلم: إننا ننظر إلى أهل المعاصي نظرين؛ نظرًا شرعيًّا ونظرًا كونيًّا، فالنظر الشرعي: نحاول إلزامهم بما أوجب الله ونعاقبهم على ذلك، نعزِّرهم بما يليق بهم، ونقيم الحدود عليهم، ولا نرحمهم في ذلك؛ لقوله تعالى: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢]، هذا النظر الشرعي، نظر قوة وحزم.
أما النظر الثاني: النظر القدري الكوني، فإننا نرق لهم ونرحمهم، أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بهذا الأمر، ومن الناس من يتحمل هذا وهذا، ومن الناس من لا يتحمل إلا واحدًا منهما، وأيهما أكمل؟ اللي يتحمل هذا وهذا أكمل، لكن من الناس من لا يتحمل الأمر القدري، وتجده يغضب ويصير عنده غيره ينفعل فيها انفعالًا بالغًا، ويندفع اندفاعًا كثيرًا، ومن الناس من ينظر إلى الأمر القدري ويقول: هذا بقضاء الله وقدره، ولا يكون عنده غيرة أبدًا إطلاقًا، وهذا أيضًا خطأ.
فالواجب على المرء أن ينظر إلى الأمور من النافذتين: نافذة القدر ونافذة الشرع؛ ليكون مستقيمًا، وهذا هو العدل.
إذن من ضل من الناس فلسنا وكلاء عليه، ولكن له علينا أي شيء؟ الدعوة إلى الله ومحاولة إصلاحه فيما نستطيع، نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا الحزن على القريب، هذا من باب الرقة -في الحقيقة- والرحمة، وهو يجب مع هذا أن يكون عنده حزم في الدعوة إلى الله وتبليغه لشرعه وإقامة ما يجب، إقامته من الحدود على هذا المخالف؛ لأن بعض الناس يرق لقريبه وصاحبه وأخيه وما أشبه ذلك، ولا يقوم بالواجب بالنسبة لتأديبه ومحاولة إصلاحه، وهذا خطأ.
يقول المؤلف: (لا)، أيش معنى (لا
طالب: (...).
الشيخ: إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لن تكون عليه وكيلًا.
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَسماع تفهُّم أَوْ يَعْقِلُونَما تقول لهم إِنْما هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤] أخطأ طريقًا منها؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم).
أَمْ تَحْسَبُالخطاب إما للرسول عليه الصلاة والسلام وإما لكل من يتأتي خطابه، ممن يصح خطابه.
وقوله: أَمْبمعنى: بل وهمزة الاستفهام، فهي متصلة ولّا منقطعة؟ أَمْمنقطعة ولّا متصلة، ولّا ما نعرف منقطعة ومتصلة؟
هي منقطعة؛ لأنها بمعنى بل، والمتصلة هي التي تكون بين أمرين متعادلين، مثل قوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦]، هذه متصلة، اللي تأتي بين شيئين متعادلين يسمونها متصلة؛ لأنها تصل الأول بالثاني، وإذا لم تكن كذلك فهي منقطعة.
فقوله هنا: أَمْما فيها معادل، فتكون إذن منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
تَحْسِبُ أو تَحْسَبُ؟ تَحْسَبُبمعنى: تظن أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان: ٤٤].
يعني أنهم لا يسمعون ولا يعقلون، وما المراد بالسمع؟ يقول المؤلف هنا: (سماع تَفَهُّم)، وإنما قيده بسماع التفهم؛ لأنهم يسمعون سمع إدراك، أو لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: يسمعون سمع إدراك لكنه لا ينفعهم؛ لأنهم لا يتفهمون، ولو أن المؤلف أبقى الآية على إطلاقها بدون تقييد لكان أولى، ويصير هنا نفى السمع لانتفاء فائدته؛ لأن ما لا يستفاد منه كالمعدوم، فهم لا يسمعون وإن كانوا يدركون ما يُقال إدراكًا حسيًّا، لكنهم لعدم انتفاعهم بهذا السماع صاروا كالذين لا يسمعون.
وقوله: أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان: ٤٤]، يقول: (مَا تَقُول لَهُمْ)، وفي هذا نظر ظاهر، بل المراد: يَعْقِلُونَكل ما ينفعهم؛ يعني أنه ليس عندهم عقل لا لما تقول ولا لغيره، يَعْقِلُونَالعقل هنا ليس العقل الذي هو الذكاء، وهو إدراك الأمور، فإنهم يعقلون بهذا المعنى، ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لكن المراد بالعقل الذي يمنع صاحبه ويعقله من أن يتصرف بما لا يليق؛ هذا العقل، العقل: ما يمنع صاحبه من التصرف بما لا يليق، هذا العقل الحقيقي، وليس العقل أن يدرك الإنسان المعقول، فإن العقل اللي معناه أن يدرك المعقول هو مناط التكليف وليس مناط المدح أو الذم، أفهمتم الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: صار العقل عقلان؛ أحدهما: مناط التكليف الذي به يدرك الإنسان ويتميز عن الحيوان، والثاني: العقل اللي هو مناط المدح، هو الذي يمنع صاحبه مما لا يليق، أيهما المنفي عن الكفار؟
طالب: الثاني.
الشيخ: المنفي عن الكفار الثاني، الذي هو العقل بمعنى ما يمنع صاحبه عما لا يليق، هذا هو المنفي عن الكفار. أما الأول اللي هو إدراك المعقولات، فهذا ثابت لهم؛ ولذلك كُلِّفوا وخُوطبوا بالشرع، ولولا ذلك لَمَا كُلفوا ولَمَا وجب عليهم التزام الشرع.
هل العقل هذا الذي نفاه الله تعالى عن الكفار هل يقتضي نفي الذكاء عنهم؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، هم أذكياء يفهمون اللي ينفعهم ويفهمون الذي يضرهم، لكنه ما عقل؛ يعني ما منعهم هذا العقل عما لا يليق، فلذلك صح أن نقول: إنهم لا يعقلون، أبو جهل مثلًا عاقل ولّا غير عاقل؟
طالب: عاقل.
طالب آخر: على المعنى يا شيخ.
الشيخ: إن قلت: عاقل. ما هو صحيح، إن قلت: غير عاقل. على الإطلاق ما هو صحيح.
طالب: على مناط التكليف..
الشيخ: إي، نقول: العقل الذي هو مناط التكليف هو عاقل -بلا شك- ومن أذكى الناس، والعقل الذي هو محط المدح الذي يمتنع الإنسان به عما لا يليق ليس عاقلًا؛ ولذلك بقي على كفره مع وضوح الأدلة والبيِّنَات على صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهنا المراد بالعقل هنا الذي نفاه الله؟
طالب: هو الذي يمنع عما لا يليق.
الشيخ: إي، المراد به العقل الذي يمنع صاحبه عما لا يليق.
قال الله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ [الفرقان: ٤٤]، هذا حصر؛ يعني: ما هم إلا كالأنعام؛ أي: مثل الأنعام، والأنعام هي البهائم، ومن المعلوم أنك لو قلت لأي إنسان: أنت بهيمة، يغضب ولّا ما يغضب؟
طالب: يغضب.
طالب آخر: ما يغضب.
الشيخ: لا، إذا قلت: أنت بهيمة؟
طالب: إي.
الشيخ: إي، يغضب بلا شك، فالله يقول: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ، ما قال: إن هم إلا أنعام؛ كَالْأَنْعَامِ، والتشبيه يقتضي أن المشبه أقل من المشبه به؛ ولهذا قال: بَلْ هُمْهذا انتقال إلى الصريح: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤] يعني: (أَخْطَأ طَرِيقًا) من الأنعام، كيف ذلك؟
لأن الأنعام تهتدي لما ينفعها، وهؤلاء لم يهتدوا لما ينفعهم، الأنعام إذا دعاها الراعي إلى المرعى تأتي ولّا لا؟
طالب: تأتي.
الشيخ: تأتي، إذا دعاها إلى المحلب أتت، إذا دعاها إلى المأوى أتت، كذلك أيضًا تنفر مما يضرها ولّا لا؟ لكن هؤلاء بالعكس؛ تدعوهم الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى ما ينفعهم وتحذرهم مما يضرهم، ومع ذلك لا يهتدون سبيلًا ولا ينقادون، فصاروا إذن أضل سبيلًا من الأنعام؛ ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، بَيَّن الله تعالى في آيات متعددة، ما هي كثيرة، أن الكفار شر البرية، شر ما برأ الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦]، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: ٥٥] يعني شر من الكلاب؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، شر من الكلاب والخنازير، وكل ما يمكن أن تقول: من الخسة في مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي خلقها؛ فهم شر من ذلك، ومع هذا نجد من المسلمين الآن من يكرمهم، بل من يقدمهم على المؤمنين، وهذه محنة عظيمة استطال بها أعداء الله على المسلمين بهذا السبب: أنهم رأوا أنفسهم عند كثير من المسلمين محل التبجيل والتعظيم، ففخروا بأنفسهم، بل إن أنكى من ذلك وأدهى أنهم صاروا محل التقليد عند بعض الناس؛ يعني يقلدونه.
وأنتم تعرفون أن الإنسان إذا قلد فسوف يفخر ويرى نفسه إمامًا، وهذا في الحقيقة من سوء التصرف ومن ضعف الشخصية، وإلا فالواجب أن ننزل هؤلاء الكفار منزلتهم التي أنزلهم الله تبارك وتعالى، وألا نجعل منهم قدوة، وأنهم إذا فتحوا لنا أبوابًا من الاختراعات والصناعات وغيرها، نعم نستفيد من علمهم لكن لا على أننا نظهرهم بمظهر البارز المتقدم المعظم، إي، نقول: هؤلاء مثل ما تهتدي الشاة إلى العلق الجيد وتأكله، هم اهتدوا إلى هذه الصناعة وعملهم الله محنة لهم ولغيرهم، لكن كوننا نقدمهم ونجعلهم محل إعزاز وإكرام هذا خطأ.
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤]، وبين المؤلف قال: (لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم).
في الليلة الماضية كنا نقرأ في قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]، فإذا قال هؤلاء الكتابيون: نحن ندين دين الحق؛ لأننا نتبع رسولًا، والله قَيَّد: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، فهم يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، ونحرِّم ما حرم الله ورسوله وندين دين الحق؛ لأننا على دين رسل.
طالب: كيف دين الحق، ودين الحق هو الإسلام؟
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: لأن من صدق رسالة موسى وعيسى فلا بد أن يتبع الإسلام؛ لأنه جاء عيسى مبشرًا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فيلزم من اتباعهم للرسل..
الشيخ: عيسى وموسى.
الطالب: وموسى كذلك، يلزم منه..
الشيخ: النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧]، نعم.
الطالب: فيلزم أنهم لا بد أن يتفقوا؛ يعني يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هذا من باب اللازم، لكن فيه أشياء أصرح من هذا، نعم؟
طالب: نقول إنه مر علينا أنه من كذب برسول واحد فقد كذب بجميع الرسل.
الشيخ: (...).
الطالب: وقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].
الشيخ: يعني الحمد لله من نص الآيات سياق الآيات هذه بينت ما هو دين الحق، سياق الآيات: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [التوبة: ٣٠ - ٣٣].
فنقول: دين الحق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذن اليهودي الكتابي إذا بقي على دين، وإن كان دينه حقًّا حينما كان هو الثابت، لكنه الآن ليس بحق، ليس بدين حق؛ لأن دين الحق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون في آخر الآيات ما يدل على أن هؤلاء وإن زعموا أنهم على شريعة وعلى دين فإن دينهم ليس دين حق بعد أن جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.
وهذا نظير ما يحتج به هؤلاء في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [البينة: ٦]، فهو يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وهم يقولون: نحن ما كفرنا، نؤمن، فيجعلون مِنْللتبعيض لا لبيان الجنس، ونحن نقول: إن مِنْلبيان الجنس، الَّذِينَ كَفَرُوامن أهل الكتاب والمشركين؛ هذا بيان لـالَّذِينَ، بيان لاسم الموصول اللي هو: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
فالحاصل أنه فيه آيات من القرآن كما أسلفنا أمس، آيات مشتبهات يتبعها من؟ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧]، ولكنِ المؤمنون يردونها إلى المحكم فتكون كلها محكمة.
نعم؟
طالب: (...) في قوله تعالى: يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة: ٣٠]، فإذن (...) للكفار الأولين؟
الشيخ: إي، في قولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] إي نعم، لكن إذا (...) نقول: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [المائدة: ٦٨]، هل (...) صريحة يا شيخ؟
الشيخ: ما هي بصريحة.
الطالب: ما هي بصريحة؟
الشيخ: لا.
الطالب: فيها (...)؟
الشيخ: (...).
الطالب: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.
الشيخ: إي، هم يقولون: نحن أقمنا التوراة والإنجيل.
الطالب: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، والعطف يقتضي المغايرة.
الشيخ: ما يخالف، نقول: ما أنزل إلينا من ربنا من غير التوراة والإنجيل؛ لأن الرسل جاءوا بأمر غير التوراة والإنجيل.
الطالب: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا.
الشيخ: كَثِيرًا مِنْهُمْ، نقول: ما هم بالكثيرين.
الطالب: يا شيخ (...)؟
الشيخ: إي، ما هي بصريحة، لكن فيه آيات صريحة والحمد لله، واضحة جدًّا، وهذا هو اللي أوجب، أنا قرأت وقلت: إني قرأت في مقال لامرأة (...)، والظاهر أنها هي نُسِب لأنثى، ولكنه لمؤنث ما هو لأنثى، تقول: ليش أنكم تسوون ها الضجة العظيمة لتوريد المربيات؟ وأيش السبب؟ إنه دين تقر به، تقول كذا تخاطب المسلم: دين تقر به، كيف تنكر على من قام به؟ وكيف تنكر على المرأة النصرانية اللي تيجي عندك البيت تقيم شعائر دينها؟ هذا ما هو منكر؛ لأن إحنا عندهم هناك في بلادهم نقيم ديننا، حتى إنهم -تقول كذا- حتى إنهم يقدمون لنا وجبة الإفطار في الصوم، فهم يساعدوننا على ديننا، وإحنا الآن ننكر دينهم؟ ونقول: ليش نجيب مربيات ونفتعل ها الضجة؟ مع أنه ما صار ضجة مع الأسف، (...) نعم.
هذا في الحقيقة مما يهون عليهم مسألة النصارى واليهود؛ أنه يوجد في بعض الآيات أشياء مشتبهة يتبعها مثل هؤلاء الذين أزاغ الله قلوبهم والعياذ بالله، وإلا لو عقلوا لفهموا خطر النصارى في البلاد هذه بالذات؛ لأن هذه البلاد بالذات مغزوة من أعداء المسلمين، حيث إنه لم يبق فيما نعلم أحد من بلاد الإسلام يطبق من الإسلام ما تطبقه هذه البلاد، فهي مغزوة من ناحيتين:
من ناحية التزامها بالإسلام التزامًا فائقًا على غيرها، هذه واحدة، ومن ناحية أخرى أنها هي مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وإذا قضي على الرسالة في مهدها ومنبعها فالأطراف من باب أولى، على أن الأطراف قد أكلت الآن فما بقي إلا هذا الصلب، فركزوا جهودهم على هذه البلاد.
ولكن مع الأسف أن كثيرًا منا لا يعي خطر هذا الأمر، وهم في غفلة، وما همهم إلا الدنيا؛ ولذلك يريدون أن يحصلوا عليها بأي وسيلة، والواجب علينا الحذر من هؤلاء الأعداء، وأن نعلم أنهم مهما حصل منهم من نصح -كما يقولون- وإخلاص في العمل فما ذلك إلا شبكة يصطادون بها من لا يفهمون.
على أنه في الحقيقة مهما بلغوا من النصح –إن صح ذلك– فإن الله تعالى يقول: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة: ٢٢١]، وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة: ٢٢١]، والآية تقول: مُؤْمِنٌأيضًا ومُؤْمِنَةٌلاحظوها، لا مسلم ومسلمة؛ لأن من المسلمين من لا خير فيه، لكن الكلام على المؤمن؛ ولهذا ينبغي للإنسان في مربيات أولاده وفي خدمه أن يكونوا مؤمنين، وأن يحذر من هؤلاء الأعداء.
طالب: (...)؟
الشيخ: والله بالنظر إلى مفاسده، أما في الأصل يجوز استخدام الكافر، لكن بالنظر إلى مفاسده وأن هذه البلاد خالية منهم فإننا نميل إلى أن منعهم أولى؛ لأنك تعرف أن الثوب الوسخ ما يهمه أن يتوسخ، لكن الثوب النظيف أي وسخ يدمره، فبلادنا لما كانت خالية منهم فهي أطهر، وكما تعرفون في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن الرسول عليه الصلاة والسلام استيقظ ذات ليلة فزعًا محمرًّا وجهه يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ»، قالت: يَا رَسُولَ اللَّه أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» . ومن هم الخبث؟ الكفار يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: ٢٨]، فالكفار هم الخبث، وإن كان الحديث قد يُراد به ما هو أعم من ذلك، لكن «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ» يدل على ما أشرنا إليه، وهو كثرة غير المسلمين في المسلمين، إنما قد يُراد بالخبث كل المعاصي، فالمعاصي كلها خبث، والطاعات طهر، لكن لعل الحديث يشمل هذا وهذا، ويؤيد الأول فتح ردم يأجوج ومأجوج، إي نعم.
طالب: ما فيه أي (...)؟
الشيخ: وأيش هي؟
الطالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة: ٦٩]؟
الشيخ: نعم، نقول: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، الذين يكذبون بالرسول ليسوا بمؤمنين.
الطالب: ما ذُكر بها تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا، معروفة.
الطالب: يعني في نفس الآية؟
الشيخ: إي، لكن معروف..
الطالب: (...) على طريقة الرسل؟
الشيخ: إي نعم، أصلًا كلما جاء نبي وكذبوه صاروا كافرين بنبيهم، إي.
الطالب: ما (...)؟
الشيخ: معطوف على (...)؟
الطالب: إي إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ.
الشيخ: كذا وَالصَّابِئُونَمرفوعة.
الطالب: مرفوعة في سورة المائدة فقط.
الشيخ: إي.
الطالب: في الآيات الأخرى، في السور الأخرى لا..
الشيخ: مرفوعة، وهي معطوفة على منصوب.
الطالب: إي.
الشيخ: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ١٦٢]، هذا عكس الآيات اللي أنت قلت، منصوب بين مرفوعات، وهذه مرفوع بين منصوبات.
الطالب: (...)؟
الشيخ: وأيش تقولون في الإعراب؟
الطالب: مرفوع (...).
طالب آخر: الفاعل محذوف (...).
الشيخ: نعم وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَانتهينا؛ يعني أعربها الأستاذ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَوأقص أو وأمدح المقيمين للصلاة.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في قطع العطف إلى هذا التقدير؟ نقول؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، العناية بالصلاة يعني؟
طالب: نعم.
الشيخ: وشيء آخر، هذه فائدة معنوية، وفيه أيضًا فائدة لفظية؟
طالب: التنبيه، تنبيه المخاطب.
الشيخ: إي نعم، التنبيه؛ لأن تغير الأسلوب يوجب الانتباه، لو قرينها كلها على نسق واحد مشينا، لكن (...) فيكون في هذا التنبيه.
عندنا الآيات اللي ذكر الأخ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِإلى آخره [المائدة: ٦٩]، نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن الكلام على أن (...) قطع؟
طالب: خبر (...).
الشيخ: لا، خبر؟! الواو حرف عطف.
طالب: وَالصَّابِئُونَالخبر.
الشيخ: (...) وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى، يجوز أن وَالنَّصَارَىمرفوعة أيضًا، يمكن تكون مرفوعة.
الطالب: ويجوز نصبها.
الشيخ: ويمكن أن تكون منصوبة، لكنها ما يتعين أن تكون منصوبة، فتكون الواو هنا للاستئناف، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىكذلك، هذا التقدير: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى، نعم، ويكون هذه جملة مستأنفة بين جملتين، أو نقول: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِهو الخبر، وحذف الخبر من الجملة الأولى.
طالب: شيخ، في سورة الحج: وَالْمَجُوسَ [الحج: ١٧]، يدل على أنهم من أهل الكتاب (...).
الشيخ: وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [الحج: ١٧]، أهل الكتاب بعد؟ لأنه فرَّق، هنا يقول: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [المائدة: ٦٩]، وفي اليهود والنصارى مؤمنون بالله واليوم الآخر، وهناك ما ذكر جزاءهم الجنة مثلًا، ذكر أن الله يفصل بينهم، والفصل الكامل للمؤمنين والمشركين والمجوس وغيرهم، واضح؟ ففَرَّق بين الآيتين، إي نعم.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: العرب لأنهم في الحقيقة (...)، نعم؟ لماذا خص العرب؟ أفلا يكون في ذلك أيضًا تأييد للقومية (...).

***

تفسير الآيتين (45-46)
00:40:46

كذبوا الرسل السابقين، وما أحل الله بهم من العذاب والعقوبة، أراد سبحانه وتعالى أن يبين شيئًا من آياته تدل على قدرته ووحدانيته، فقال: (أَلَمْ تَرَتَنْظُر إِلَىفِعْل رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥]) إلى آخره.
أولًا كلمة أَلَمْ تَرَمعناها مفهوم، أن الاستفهام لأي شيء؟ الاستفهام للتقرير، كقول الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ [المرسلات: ١٦]، وما أشبه ذلك من الأمثلة، ويقدر بعض العلماء مثل هذا التركيب بقوله: قد فعلنا ذلك، قد رأيت ذلك. فمثلًا: أَلَمْ تَرَيعني أنك رأيت ذلك.
وقول المؤلف: (تنظر) فسر الرؤية بالرؤية البصرية، مع أنه يحتمل أن تكون رؤية بصرية ورؤية بصيرة؛ يعني رؤية علمية؛ يعني: تعلم هذا الأمر الذي سيذكر.
والخطاب في قوله: أَلَمْ تَرَهل هو للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل ما من شأنه أن يخاطب؟
طالب: للنبي ولـ..
الشيخ: الجواب: أنه لكل ما من شأنه أن يخاطب؛ النبي صلى الله عليه وسلم وغيره؛ لأنه كما أسلفنا في القاعدة التفسيرية: أنه كلما كانت الآية أدل على العموم كان القول به أولى، وأنه لا ينبغي أن تجعل خطابات القرآن للخصوص إلا بدليل يمنع العموم، يعني أَلَمْ تَرَأيها الإنسان إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥]، المؤلف قدر مضافًا فقال: (إلى فعل رَبِّكَ) نعم؛ لأنه ليس المراد أن ينظر الإنسان إلى الله عز وجل بذاته، إنما المراد أن ينظر إليه من هذه الحيثية، فيكون مصب النظر أي شيء؟ هو الفعل.
قال: (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥] من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس)، هذا تفسير للظل وليس تفصيلًا للمد، فالظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، وسميَّ ظلًّا؛ لأنه ذو نور ولكن بدون شعاع شمس، فكان ظلًّا، وهذا هو الذي عليه جمهور المفسرين بأن الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه كما قلنا: نور بدون شعاع، ومده يعني تطويله، وأن الفرق بين هذا وهذا معروف.
ولكن أي شيء يكون فيه من آيات الله؟
طالب: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥].
الشيخ: قوله وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًايعني غير ممدود، بحيث تطلع الشمس مباغتة بدون مد، هذا أحد الأقوال في تفسير الظل.
والقول الثاني في الظل: أن المراد به الليل كله، وأن المراد بمده تطويله.
قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان: ٤٦] بمعنى: بعد أن كان طويلًا كان ينقص شيئًا فشيئًا، فيكون في هذا إشارة إلى تغير الفصول؛ لأن الفصول تتغير بتغير الليل والنهار.
والقول الثالث: أن المراد بالظل، ظل كل شاخص إذا طلعت الشمس، فإن الله تعالى يمده ثم يقبضه شيئًا فشيئًا، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًافتكون الشمس مستقرة ثابتة في مكان لا ترتفع ولا تنخفض.
الآن صار المراد بالظل على الخلاف، ثلاثة آراء: إما أنه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمؤلف يقول: (من وقت الإسفار) لأجل أن يتحقق الظل.
أو أنه الليل كله ويكون مده تطويله ثم ينقص، في هذا من قدرة الله تعالى تغير الفصول لسبب طول الليل وقصره.
أو أن المراد به ظل كل شاخص، فإنه أول ما تطلع الشمس يكون الظل طويلًا ممدودًا، ثم يقبض شيئًا فشيئًا.
وَلَوْ شَاءَتعالى لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥]، والسكون هنا يختلف معناه بحسب اختلاف معنى الظل، فإذا قلنا: المراد بالظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كان المراد بسكونه أن الشمس تخرج دفعة واحدة بدون أن يكون ظلها كذا شيئًا فشيئًا، وإذا قلنا: إن المراد به الليل، كان المراد بسكونه أن يبقى الليل دائمًا لا يزيد ولا ينقص، وإذا قلنا: إن المراد بالظل ظل الشاخص صار المراد بسكونه أن الشمس لا تتحرك، تبقى في مكان واحد، ويكون الظل ساكنًا لا يزيد ولا ينقص، ففي كون الله قادرًا سبحانه وتعالى على هذا فهذا دليل على كمال قدرته ووحدانيته بالتفرد؛ لأنه لو كان معه إله آخر لم يكن له المشيئة المطلقة في هذا وفي هذا.
ثم فيه أيضًا من نعمه سبحانه وتعالى على العباد اختلاف هذا الظل ما هو معلوم؛ لأننا لو قُدِّر أن الشمس تخرج هكذا بغتة بعد ظلام دامس يكون هذا النور الساطع قد يؤثر على المواشي في إفطارها وعلى بني آدم وعلى الأشجار والنبات، بخلاف ما إذا كان الشيء يأتيها تدريجيًّا، وكذلك أيضًا لو كان الليل والنهار دائمًا لا يزيد أحدهما ولا ينقص، لم يكن في ذلك اختلاف في الفصول، ولم يكن في ذلك اختلاف في الأشجار؛ لأن كثيرًا من الأشجار تختلف ثمارها وإناؤها بحسب اختلاف الفصول.
كذلك أيضًا إذا قلنا بأن الظل ظل كل شاخص فإن في كون الشمس تدور وتختلف الأشياء والأظلة بحسب سيرها هو أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى ومن تمام قدرته.
فالحاصل أن هذا الأمر الذي قرر الله تعالى بأننا ننظر إليه في كل وقت دال على أمرين: تمام القدرة، وتمام الرحمة؛ لأنه متضمن لهما.
إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥]، إذا قال قائل: ما هو الذي تختارونه من هذه الأقوال؟
طلبة: (...).
طالب: لو نظرنا إلى اللغة قلنا: إن الظل هو الظل؛ يعني العادي؛ يعني ظل كل شاخص.
الشيخ: إي.
طالب: كلام عام.
الشيخ: وكذلك أيضًا بالحقيقة أن الليل ظل؛ لأن الأرض تحول بين الشمس وبين الناس.
طالب: قد تُسمى لغة (...).
الشيخ: سميت.
الطالب: استخدمها العرب.
الشيخ: نعم، اللي فسروها من أئمة اللغة، وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس أيضًا فسره ابن عباس وغيره.
الطالب: كلها (...).
الشيخ: نعم، نقول: ما دام أن هذه المعاني لا تتناسب، فالواجب أن تحمل الآية على الجميع، وهذه قاعدة قررناها سابقًا، وهي قد قررت أيضًا من قبلنا، قررها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنه إذا كانت الآية تحتمل المعاني المذكورة فيها فالواجب أن تُحمل على كل هذه المعاني؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء.
وقوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِأي على الظل دَلِيلًا [الفرقان: ٤٥])، نعم؟
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا تفسير لقوله: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥].
الطالب: نعم؛ لأنك عندما فسرت (...).
الشيخ: لا، على القول بأن المراد: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًاأن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لو شاء لجعله ساكنًا فلا ينتهي.
الطالب: فلا ينتهي.
الشيخ: فلا ينتهي؛ بمعنى أنه يكون هذا الظل تخرج الشمس مفاجئة.
طالب: وهنا يقول: (...) موجودة؟
الشيخ: لا يمكن هذا؛ لأنه يقول: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا، والواقع خلاف ذلك؛ أنه ليس بساكن، بل هو ممتد، وكونه ما يزول بطلوع الشمس، هذا غير موجود.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما يستقيم أبدًا.
الطالب: لأنه على تفسير (...)؟
الشيخ: يقول: عندي أنا تفسير لكلام المؤلف: أي بألا تطلع الشمس.
الطالب: تفسير الجلالين.
الشيخ: تفسير الجَمل.
الطالب: نعم.
الشيخ: يقول: مقيمًا لا يزول بطلوع الشمس، بمعنى أنه ما تطلع الشمس، ما هو بمعنى تطلع ولا يزول.
طالب: لا يزول من طلوع الشمس.
الشيخ: لا يزول؛ وذلك لأن زواله بطلوع الشمس، فليس معناه أنها تطلع ولا يزول؛ لأنها إذا طلعت لا بد أن يزول، المعنى أن النفي مسلط على قوله بطلوع الشمس.
الطالب: المؤلف (...) إلى وقت طلوع الشمس.
الشيخ: ما بين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس.
الطالب: (...) تطلع الشمس.
الشيخ: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥]، ويش معنى لَجَعَلَهُ سَاكِنًا؟
الطالب: أي أن هذا الظل..
الشيخ: أي أن الشمس لا تطلع.
طالب: أن يبقى باستمرار.
الشيخ: يبقى باستمرار.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني أنه يبقى الأمر لا ليل ولا نهار.
طالب: إي نعم.
الشيخ: إسفار بدون شمس.
طالب: ما هو بواضح هذا.
طالب آخر: كلام المؤلف ما هو بواضح.
الشيخ: لا، كلامه واضح، يقول: أي بألا تطلع الشمس فلا يزول، فالنفي مسلط على مجموع المقيَّد والمقيِّد.
الطالب: وهو (...).
الشيخ: أو بأن تطلع مسلوبة الضوء على ما تقدم.
الطالب: (...).
الشيخ: أو بأن تطلع، لكن يصلح، كلام الجلالين يصلح أن نجعل النفي مسلطًا على قوله بطلوع الشمس؛ يعني: فلا تطلع الشمس.
على كل حال المعنى مفهوم الآن: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًافلا تطلع الشمس، أو إن صح أن يُقال: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًافتطلع الشمس غير مضيئة، وهذا خلاف المعهود أنها تطلع غير مضيئة، ولكن الله قادر على أن (...) غير مضيئة كما يُعلم ذلك في الكسوف، فالحاصل أن السكون الآن يُفسَّر بحسب ما يُفسر به الظل.
هنا فرق بين الظل والفيء، وسبق لنا ذلك، سبقت لنا هذه الفائدة. وأيش الفرق بينهما؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، واللي بعده يُسمى فيئًا، يعني: إن نسخته الشمس فهو ظل، وإن نسخ الشمس فهو فيء، فالفيء ما نسخ الشمس، والظل ما نسخته الشمس، مثل قولنا: الظل ما قبل الزوال، والفيء ما بعد الزوال؛ لأن الظل اللي قبل الزوال ويش اللي يزيله وينسخه؟
طالب: الشمس.
الشيخ: الشمس، والفيء اللي بعد الزوال ينسخ الشمس؛ لأنه يمتد، وكلما امتد إلى شيء أزال ضوء الشمس عنه، نعم.

***

قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِأَي على الظِّلّ دَلِيلًا [الفرقان: ٤٥]).
قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا، الجملة الفعلية هذه معطوفة على قوله: لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥] ولّا على قوله: مَدَّكَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ؟ نعم؟
الجواب: على مَدَّ الظِّلَّلأن قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًالو جُعلت معطوفة على لَجَعَلَهُ سَاكِنًالكانت الشمس الآن ليست دليلًا عليه، والأمر بخلاف ذلك، فالمعنى يفسد، فهي إذن معطوفة على قوله: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، مَدَّ الظِّلَّيعني: وكيف جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا.
ولكن فيه التفاتًا من الغيبة إلى التكلم: ثُمَّ جَعَلْنَا، ولم يقل: ثم جعل.
وقوله: الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًايعني على الظل.
وكيف كان الدليل على الظل؟
نعم، يقول المؤلف: (لَوْلَا الشَّمْس مَا عُرِفَ الظِّلّ)، هه؟
طالب: ليس صحيحًا.
الشيخ: ليس صحيحًا؟ كيف ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: الأنوار؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أي أنوار؟
الطالب: الأنوار (...).
الشيخ: لا، المراد بالظل الذي يأتي من الله سبحانه وتعالى دون ظل الأنوار اللي الإنسان يحط الكشاف ويكون ظلالًا.
الطالب: (...).
الشيخ: لأن هذا الظل اللي يكون من مصباحي أنا ومصباحك أنت هذا ظل نسبي.
الطالب: ظل شاخص (...).
الشيخ: حتى ظل الشاخص إذا جعلناه أنه (...) الأنوار؛ لأنه ما هو بالمقصود معرفة الظل الذي يكون بمجرد تسلط ضوء على جسم، المراد بالظل العام الذي يعم كل الناس، وهذا لا يمكن إلا بجعل الشمس وحدها هي الدليل عليه.
لكن قد يقول قائل: القمر أيضًا دَلِيلًا، القمر دليل عليه؟
فنقول: إن نور القمر مستفاد من نور الشمس، فليس مستقلًّا بالإضاءة، فالذي يدل على الظل أصلًا هو الشمس.
طالب: القمر ما يكون (...).
الشيخ: هذا (...) عليه الشمس أيضًا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، والقمر كذلك؛ لأن المسار واحد.
وقوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان: ٤٥]، إذا قيل: جعل الشمس دليلًا على الظل ما الذي فيه؟ يُقال: في ذلك دليل ليس على مجرد وجود الظل، دليل على ما فيه من المصالح، وهي أيضًا مدلول عليها به، فالشمس الآن يُستدل بها على ما في الظل من المصالح، ويُستدل بالظل على ما فيها من المصالح أيضًا؛ لأن غيوب الشمس عن الأرض قد يؤثر، وبقاؤها دائمًا على وجه الأرض قد يؤثر، مثل قول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: ٧١، ٧٢]، فكون هذا دليلًا على هذا، وهذا دليلًا على هذا هو أيضًا من رحمة الله؛ لأنه لولا الشمس ما عرفنا فائدة الظل، ولولا الظل ما عرفنا فائدة الشمس، فكل منهما في الحقيقة دال ومدلول.
(ثُمَّ قَبَضْنَاهُأي الظل الممدود إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان: ٤٦] خفيًّا بطلوع الشمس).
قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا، قوله: قَبْضًا يَسِيرًا، هل المراد باليسير هنا صفة للفعل؛ يعني أن قَبْضَنَا إياه يسير علينا، كقوله تعالى: ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: ٤٤]، أو أن المراد يَسِيرًايعني أنه كان القبض شيئًا فشيئًا؟
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير أظهر، الأخير هو المتبادر، أن الله تعالى قبض هذا الظل قبضًا يَسِيرًاشيئًا فشيئًا، وهو منطبق على كل التفسيرات السابقة، إذا قلنا: الظل ما بين طلوع الفجر أو ما بين وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، فإنه يقبض هذا الظل شيئًا فشيئًا، ولّا لا؟ لا يزال النور يسطع حتى تطلع الشمس، هذا واحد، إذا قلنا: المراد به الليل، فهو أيضًا يقبض شيئًا فشيئًا؛ يعني ما يكون الليل اثنتي عشرة ساعة في اليوم هذا، ويكون تسع ساعات في اليوم الذي يليه، وإنما يقبض شيئًا فشيئًا.
كذلك إذا قلنا: المراد بالظل ظل الشاخص فهو نفس الشيء، إنما يتناقص شيئًا فشيئًا.
وليس في الآية إشكال سوى قوله: ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان: ٤٦]، إِلَيْنَا، هذه الغاية فيها إشكال؛ لأنه كان من الممكن أن يقتصر على قوله: ثم قبضناه قبضًا يسيرًا، فما هي الحكمة من هذه الغاية: قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا؟ نعم؟
طالب: للدلالة على (...).
الشيخ: إي نعم، فيه أحد يرى (...)؟
طالب: يعني المعنى أننا إذا قبضناه أي (...).
الشيخ: قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَاقبضه إليه، نعم؟
طالب: نقول الظل يتأثر تحركه وتدريجه بالشمس، (...) الشمس أو تحرك الشمس، والشمس تتحرك إلى الله سبحانه وتعالى تسجد عند العرش، فيكون معناه: قبض هذا الشيء اللي يتسبب عنه (...).
الشيخ: يعني يكون الضمير في قوله: قَبَضْنَاهُإلى الشمس يعني؟
الطالب: لا، إلى المؤثر على هذا الشيء وهو الشمس.
الشيخ: لأنه -نعم- فيه من يرى أن الضمير في قوله: قَبَضْنَاهُأي: الشمس، باعتبارها دليلًا: جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ [الفرقان: ٤٥، ٤٦] أي: قبضنا هذا الدليل إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا.
هو على كل حال فيه الاحتمال الذي ذكر الأخ، أن المراد جعل الغاية إلى الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه هو المتصرف به، وأنه لا أحد يستطيع أن يتصرف بخلاف ذلك.
وفيه احتمال أنه يجعل قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَايعني: الدليل؛ أي: الشمس، ويكون المراد بالقبض إليه ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث أبي ذر أنها تذهب وتسجد تحت العرش .
وفيه احتمال ثالث مشى إليه الزمخشري، وقال: إن المراد بالقبض هنا ما ذكره الله بقوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: ١، ٢]، وأن المراد به قبض هذه النيرات -الشمس وغيرها- يوم القيامة، وجعل اليسير ليس صفة للقبض أنه يكون شيئًا فشيئًا، بل هو صفة للفعل -لفعل الله- يعني أنه يسير عليه، كقوله تعالى: ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: ٤٤].
لكن الأخير بعيد؛ لأن الله تعالى إنما يمتن بذلك على أمر يدرك الناس فائدته في الدنيا وتمام قدرة الله فيه، فيكون على هذا إما أن يُقال إن الغاية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أن ذلك من تصرفه وحده، وأن الأمر إليه وحده لا إلى غيره، ويكون دليلًا على عظمة الله سبحانه وتعالى، أو أن المراد بالقبض إليه أن الشمس تُقبض إلى الله، بمعنى أنها تذهب وتسجد تحت العرش كما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الآية من الفوائد: أولًا: تقرير الإنسان بالنعم التي يشاهدها؛ لقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ [الفرقان: ٤٥].
ثانيًا: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: إِلَى رَبِّكَ، والرب هو الخالق المتصرف.
وثالثًا: بيان كمال قدرة الله ورحمته بمد الظل، وجعل الشمس دليلًا عليه وقبضه قبضًا يسيرًا بهذه الأمور الثلاثة.
ورابعًا: إثبات الاستدلال بالشيء على الشيء.
والخامس: الاستدلال بالشيء على ضده، وبضده يعرف الضد، يقول بعضهم:
..................... وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ

لقوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان: ٤٥].
وسادسًا: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥].
والفائدة السابعة: أنه ينبغي للإنسان أنه لا يجعل النعم أمورًا عادية لا بد منها، بل يقدرها بضدها؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا، فالآن إذا قال الإنسان مثلًا: خروج الشمس على هذه الأرض وغروبها عنها أمر معتاد، نقول: نعم، هو أمر معتاد ومن أجل كونه معتادًا لا يحس الإنسان بأنه نعمة، لكن قدر هذا الشيء بضده: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا، خروج النفس من جسم الإنسان أمر معتاد، ولهذا لا يحس الإنسان بقدر هذه النعمة، لكن قدر: ولو شاء الله لحبسه، وحينئذ يتبين قدر النعمة، فقوله: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًاينبغي أن يجعل هذا قاعدة لنا في كل النعم المعتادة التي نحن عشنا عليها واعتدناها فإننا لا نحس بكونها نعمًا، لكن علينا أن نقدر ضدها: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًاحتى نعرف بذلك قدر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذه النعم المعتادة.
طالب: ما تؤخذ فائدة (...)؟
الشيخ: لا، هو إثبات رحمة الله بوجود هذه النعم، لكن تنبيه الإنسان على الشكر إنما يكون بذكر ضد هذه النعم؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا.
وفيه أيضًا فائدة الالتفات، وهي تغيير الأسلوب لتنبيه المخاطب؛ لقوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان: ٤٥].
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذه إثبات النعم بضدها، معرفة قدر النعم بمعرفة ضدها.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الاستدلال على الشيء بضده، مرادنا بالنعم أن الإنسان يستدل بضدها على مساغ هذه النعمة.
تفسير الآيات (47-49)
01:10:59

ثم قال: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًاساترًا كاللباس وَالنَّوْمَ سُبَاتًاراحة للأبدان بقطع الأعمال وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان: ٤٧] منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره).
هذا أيضًا من النعم التي لا يستطيع أحد أن يأتي بها إلا الله.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُاللام للتعليل؛ أي: من أجلكم، جَعَلَمن أجلكم اللَّيْلَ لِبَاسًا، ومعنى لِبَاسًا: (ساترًا كاللباس)؛ وذلك لظلامه.
ولهذا الإنسان ربما يخرج في الليل بثياب لا يستطيع أن يخرج بها في النهار، ربما يخرج يجيب حوائج في الليل، لا يستطيع أن يخرج بها في النهار؛ لأن الليل يستر، فهو لباس.
وهل هو لباس للأرض ولّا لباس لنا؟ للجميع؛ لأنه يكسو الأرض ويكسو الإنسان في الواقع، فهو كاسٍ للأرض وهو كاسٍ أيضًا للإنسان.
وقوله: وَالنَّوْمَ سُبَاتًا [الفرقان: ٤٧]، السبت بمعنى القطع، والمؤلف فسره بالراحة وهو من باب تفسير الشيء بلازمه، وإلا فهو قطع للتعب، يقطع التعب، ففيه هذه الفائدة العظيمة: أنه يقطع التعب السابق، وليس كما قال المؤلف: (بِقَطْعِ الْأَعْمَال)؛ لأن الإنسان قد يقطع أعماله وهو يقظان، ولكنه يقطع التعب كما هو مشاهد، فالإنسان يكون تعبانًا ثم ينام، فإذا نام انتقض تعبه، فهو في الحقيقة قطع للتعب الماضي وتجديد للنصاب المستقبل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، قصده أن الإنسان إذا نام ما يعمل.
الطالب: يعني ما يعمل لله سبحانه وتعالى ولّا لأي شيء؟
الشيخ: لأي شيء، فهو إذا نام لا يعمل، فهذا وجه كونه سباتًا، ولكنا نقول: ليس كذلك، ليس قطعًا للعمل، بل هو قطع لتعب البدن؛ ولذلك يكسب البدن راحة، أما مجرد قطع الأعمال فهذا قد يكون مع وجود الصحو واليقظة.
وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان: ٤٧] يعني: محلًّا للنشور؛ ولهذا قال المؤلف: (منشورًا فيه)؛ يعني أن النهار محل النشور لابتغاء الرزق وغيره من الأعمال، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى.
ولا يرد على هذا ما نحن فيه اليوم من كون الليل ليس لباسًا؛ لأن هذا أمر طارئ بسبب الأنوار المحدثة التي صنعها الإنسان، هذه الأنوار لو فاتت لعاد الظلام على الأرض، ثم إن هذا النور والإضاءة الذي يمنع كون الليل لباسًا ليس بعام في الواقع، بل هو أمر نسبي، ثم هو أيضًا ضعيف لا يشمل الظل، فالظل الذي يحجب ضوء هذه الشمعة مثلًا يكون أسود لِبَاسًا.
وكذلك أيضًا: وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًالا يرد عليه بعض الحالات الطارئة كالحراس مثلًا، الحراس في النهار ينامون وفي الليل يعملون، لكن هذه أمور نادرة، والنادر ليس يقطع القواعد، القواعد لا يمكن أن (...) بالأمور النادرة، إنما الكلام على العام.
هذا أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى، هل أحد يستطيع لو لم يجعل الله الليل أن يأتي بالليل؟ ما أحد يستطيع؛ يعني لو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم بجميع صنائعهم ما استطاعوا أن يأتوا بنصف ليل ولا بساعة من ليل.
كذلك أيضًا النوم، هل يستطيع أحد أن ينوِّم أحدًا؟ أبدًا ما يستطيع، وحبوب النوم هذه ما ترد علينا؛ لأن الإنسان يعطي حبوب النوم مثل الذي يقول: أنا أستطيع أن أنوم الإنسان بإعطائه جرعات للنوم، نقول: هذا مثل الذي قال لإبراهيم: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فإن هذا الذي يعطي جرعات للنوم ليس هو الذي ينوم، وإنما يفعل السبب الذي يكون به النوم. أرأيت لو أن الله تعالى جعل هذا الجسم غير قابل للنوم هل تستطيع هذه الجرعات أن تنومه؟ لا، إذن فالنوم لا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي به إلى بدن الإنسان، وحتى لو أتى به مثلًا فقد يأتي به الإنسان ولا يكون قطعًا، لا يكون قاطعًا للتعب؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى به على العباد، وهو أمر لا يستطيع أحد فعله.
كذلك جعل النهار نشورًا، من يستطيع أن يخلع هذا اللباس -لباس الليل- حتى يكون الإسفار وينتشر الناس في مصالحهم؟ الجواب: لا أحد يستطيع سوى الله عز وجل؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى على عباده في هذه الأمور الثلاثة: بالنوم، والليل، والنهار.
طالب: (...)؟
الشيخ: الله يعافينا من هذا، أعوذ بالله.
الطالب: يعني هذا دليل على أنه (...)، مهما يسوي به.
الشيخ: معلوم، ما فيه شك، هذا أمر معلوم.
إذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى جعل الليل لباسًا وجعل النهار نشورًا وجعل النوم سباتًا، ما حل النوم؟ هل هو في الليل ولّا في النهار؟
طالب: في الليل.
الشيخ: الأصل في الليل، لكن قد يكون في النهار أيضًا، قد يتعب الإنسان في النهار وينام ثم يستريح، كوقت القائلة مثلًا؛ ولذلك ما يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذكر نعمتين في الليل ونعمة واحدة في النهار، بل نقول: إن الله ذكر في الليل نعمة وهو كونه لِبَاسًا، وفي النهار نعمة؛ وهو كونه نُشورًا، وجعل في النوم مطلقًا نعمة وهو أنه سبات؛ يعني قاطع للتعب، والله أعلم.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: النوم بكل أنواعه قاطع للتعب ولّا نوع دون نوع؟
الشيخ: النوم الطبيعي الذي من خلقة الإنسان، فأما النوم الذي يحدث بسبب المرض؛ لأنه قد يكون الإنسان يمرض فيكثر معه النوم، فالظاهر ما يدخل في الآية.
طالب: (...)؟
الشيخ: المهم في الظاهر، الظاهر أنه أمر نسبي، وبعض الناس يرتاح له كثيرًا.
الطالب: أو مثلًا بعد العصر (...).
الشيخ: أنا الآن لو ما أنام شوي قبل (...) ممكن ما استطعت أني أعمل، كان أنعس ثانيًا، وهو ما جربناه فيما سبق.
طالب: (...)؟
الشيخ: تقول إنه يتعب بالحقيقة أكثر ما يتعب إذا صار الإنسان ممتلئ البطن، إذا نام ممتلئ البطن فهو يمكن، لكن الكلام على العموم (...)، نعم؟
طالب: يا شيخ، بعض الأوقات مكروه النوم فيه؟
الشيخ: ما أعرف عن هذا شيئًا.
الطالب: (...).
الشيخ: ما هو مكروه، إلا أن الرسول يكره النوم قبل صلاة العشاء ، هذا مكروه، قبل صلاة العشاء لسبب شرعي ما هو بسبب جسمي، وأما نوم العصر فهم يقولون قول الشاعر:
أَلَا إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى خَبَــــــالًا وَنَوْمَــــــــاتِ الْعُــــــصَيْرِ جُنُـــــونُ

هذا ما هو بصحيح، كثير من الناس الآن ينامون العصر باستمرار، ولا أصيبوا بالجنون ولا قيل: إنكم مجانين.
الطالب: العلماء قالوا: إنه (...).
الشيخ: يشغل عن الفكر، يمكن يقضيه الإنسان، أحيانًا يعني ما يستطيع أنه ينام في نصف النهار، ولكن ما يستطيع يبقى إلى الليل، لازم ينام (...).
طالب: شيخ، (...).
الشيخ: إي، يمكن (...).
نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: ما أظن هذا، هذا فهم للحديث (...)، فالعوام يقولون: ..
الطالب: (...).
الشيخ: ما (...)، والعوام بعد يقولون: أقل فإن الشياطين لا تقل، يحذفون الياء (...). نعم؟
(...)
(نَشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير) هذه فيها عدة قراءات، أولًا الريح فيها قراءتان، سبعيتان ولّا إحداهما شاذة؟
طالب: سبعيتان.
الشيخ: وأيش الدليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الدليل أنه إذا قال: وفي قراءة؛ فهي سبعية، وإذا قيل: وقرئ؛ فهي شاذة. نعم.
الرِّيَاحَو{الرِّيحَ} [الفرقان: ٤٨] فيها قراءتان: الرِّيَاحَو{الرِّيحَ}، وفي هذا نعرف أن ما اشتهر من قولهم: إن الريح لا تكون إلا في العذاب والرياح تكون في الرحمة ليس على إطلاقه، وأنه قد يؤتى بالريح مفردًا في ريح الرحمة، لكنه له قرينة، فهنا قال: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان: ٤٨]، فعرف أنها ريح رحمة. وكذلك قوله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍوأيش بعدها؟ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢]، هذه ريح رحمة لكنها وُصِفت، فأما عند الإطلاق فالغالب أن الريح للعذاب.
طالب: (...).
الشيخ: نعم مثل الحديث هذا.
وقوله: بُشْرًا [الفرقان: ٤٨] فيها عدة قراءات، نشوف أولًا: {نُشُرًا} بضم النون والشين، ومعنى {نُشُرًا} يقول المؤلف: (متفرقة)؛ يعني أنها تكون أحيانًا جنوبًا، وأحيانًا شمالًا، وأحيانًا غربًا، وأحيانًا شرقًا، بهذا التفرق يتولد السحاب ثم المطر.
وقوله: (وفي قراءة بسكون الشين تخفيفًا) كيف؟
طالب: {نُشْرًا}.
الشيخ: {نُشْرًا}، وقوله: (تخفيفًا) يعني أنها لا يتغير بها المعنى، وإنما تسكن للتخفيف.
(وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرًا).
طالب: {نَشْرًا}.
الشيخ: {نُشْرًا}، حينئذ يتغير. {نُشُرًا} و{نُشْرًا} معناهما واحد لا يختلف؛ لأن التسكين للتخفيف. لكن {نَشْرًا} يعني ينشرها نشرًا، هذه مختلفة تكون مصدرًا.
(وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة) سكون الشين وضم الموحدة بدل النون، وهي: بُشْرًاوهذه هي القراءة المشهورة، ومعنى بُشْرًاعلى هذا أي: مبشرات؛ يعني: هي تبشر، وليست مصدرًا، وأن الله يبشر بها، وإنما هي نفسها بُشْرًا، نعم؟
طالب: (...) (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون) ما ذكر (...)؟
الشيخ: (بسكونها) أظنه واحدًا.
الطالب: و(الموحدة) (...).
الشيخ: الباء الموحدة، إي بُشْرًا، هذه هي.
المفرد يقول: (مفرد الأولى: نشور)، وأيش هي الأولى؟ {نُشُرًا}.
(كرسول ورسل)، رسول ورُسُل، ورسول ورُسْل، هذا مفرد الأولى ما لم تكن مصدرًا وهي {نَشْرًا}، فإن كانت مصدرًا فهي مفرد، ما هي جمع.
والأخيرة بُشْرًا، يقول: (الأخيرة مفردها بشير).
صارت القراءات أظن أربعًا: {نُشُرًا}، و{نُشْرًا}، و{نَشْرًا}، وبُشْرًاأربع قراءات في هذه الكلمة.
فائدة اختلاف القراءات؛ يعني هذا من إعجاز القرآن: أن يؤخذ من كل قراءة معنى، وعلى هذا ستكون هي جامعة على كونها بشارة وكونها منشورة متفرقة بين يدي المطر.
وقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان: ٤٨]، المراد بالرحمة هنا المطر أو آثاره، وهذه رحمة مخلوقة؛ لأن الرحمة المضافة إلى الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: رحمة هي صفته فهي غير مخلوقة، ورحمة هي من آثار الصفة فهي مخلوقة، فقوله تعالى للجنة: «أَنْتَ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءَ» ، هذه مخلوقة ولّا لا؟ مخلوقة، وقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] هذه الصفة التي ليست مخلوقة، فإذن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين: مخلوقة؛ وسميت رحمة؛ لأنها من آثار الرحمة، وغير مخلوقة؛ وهي صفته.
والذي معنا الآن: بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان: ٤٨]، هل هي المخلوقة ولّا غير المخلوقة؟
طالب: الأمران.
الشيخ: كيف الأمران؟
الطالب: عموم الرحمة من الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، يحتمل أن المراد بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِيعني معناه: إذا أراد أن يرحم، إذا أراد أن يرحم فتكون من غير المخلوقة، ويحتمل بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِبين يدي المطر نفسه، فتكون الرحمة هنا مخلوقة؛ لأن إطلاقها للمطر يقتضي ذلك.
والمؤلف فسرها على أنها الرحمة المخلوقة؛ لأنه قال: (قُدَّام الْمَطَر).
وَأَنْزَلْنَا [الفرقان: ٤٨].
من المعروف أن الذي يكون به المطر بإذن الله هي الرياح الجنوبية؛ ولذلك يقولون لنا -الأولون من آبائنا وأجدادنا: إذا هبت الريح الجنوبية (...)، قالوا: خلاص الآن يأتي المطر ولا حاجة نسقي الزرع؛ لأنه كأنه شيء معتاد عندهم.
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِأي: من السحاب؛ لأن السماء كل ما علاك فهو سماء، ولا شك أن المطر إنما ينزل من السحاب، فيكون المراد بـالسَّمَاءِهنا العلو.
وقوله: مَاءً طَهُورًايعني به المطر، والطَّهور -بفتح الطاء- هو ما يُتطهر به أو ما تحصل به الطهارة، وأما الطُّهور بفعلها فهو فعل التطهر، فهو التطهر.
هنا يقول: وَأَنْزَلْنَا، وقبلها: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ [الفرقان: ٤٨]، ففيه من علم البديع ما يُسمى بالالتفات، وفائدته كما مر علينا كثيرًا تنبيه المخاطب؛ لأن تغير الأسلوب يوجب التنبه، وفيه أيضًا العناية بما حصل الالتفات إليه؛ لأنه احتاج إلى أن ينبه بهذا الالتفات إليه.
ولا شك أن إنزال المطر هو المقصود من إرسال الرياح، أليس كذلك؟ ولذلك جاء الالتفات إليه بصورة المتكلم: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ.
وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ، كلمة مَاءًللواحد ولّا للجماعة؟
طالب: للواحد.
طالب: قد تكون للواحد وقد تكون للجماعة.
الشيخ: لكن تصلح للواحد المعظم نفسه، وهي هنا كذلك.
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الفرقان: ٤٨، ٤٩] بالتخفيف، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ذكره باعتبار المكان، وَنُسْقِيَهُأي: الماء مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًاإبلًا وبقرًا وغنمًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان: ٤٩] جمع إنسان، وأصله أناسين، فأُبدلت النون ياء وأُدغمت فيها الياء أو جمع إنسي).
ذكر الله سبحانه وتعالى من فوائد هذا المطر فائدتين:
أولًا: إحياء البلدة الميتة بَلْدَةً مَيْتًا، ولم يقل: ميتة؛ لأنه (يستوي فيه المذكر والمؤنث) كذا عندي، ما عندكم أنتم: (أو ذَكَّرَهُ باعتبار المكان)؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن الصواب أن يُقال: (أو ذكَّرَه باعتبار المكان)؛ لأنه إذا قال: (ذكَّرَه باعتبار المكان)، ما صح قوله: (يستوي فيه المذكر والمؤنث)؛ لأنه إذا استوى فيه المذكر والمؤنث ما يحتاج أن يعلل أنه ذكر باعتبار المكان، فنقول مثلًا: الصواب أن يُقال: (أو ذَكَّره باعتبار المكان).
فكلمة (مَيْتًا) إذا كان يستوي فيه المذكر والمؤنث، صار قولك: (مَيْتًا) أو (ميتة) على حد سواء.