تفسير سورة الفرقان - 7
عدد الزيارات 2326

عناصر المادة :
تفسير الآيات (50-55)

أو ميتة على حد سواء، وأما إذا قلنا: إنه للمذكر فحينئذ نحتاج إلى الجواب عن كونه وُصف به مؤنث: بَلْدَةً [الفرقان: ٤٩]، فيقول: إنه ذكَّره باعتبار المكان.
قوله تعالى: لِنُحْيِيَ بِهِ [الفرقان: ٤٩]، الباء هنا للسببية، والمحيي هو الله عز وجل، ولكن المطر سبب.
وقوله: مَيْتًا [الفرقان: ٤٩]، وصف البلدة هنا بالميت هل المراد نفس الأرض تكون ميتة ولَّا ما عليها؟
طالب: كل ما عليها من نبات.
الشيخ: ما عليها في الواقع؛ لأن الفائدة من الأرض وما عليها، والذي ترعاه الإبل والبقر والغنم هو ما على الأرض، ليس تأكل التراب والحصى. فإحياؤها باعتبار ما فيه أنه يحيا وينمو ويكبر.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، بس هي نفس الأرض ما يدخلها الحياة والموت، نفس الأرض يعني الأحجار والطين ما يدخلها الحياة والموت، إنما يدخل الحياة والموت ما فيها؛ فلذلك قال في آية أخرى: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥]، والاهتزاز والربو إنما يكون بما عليها، أما هي ما تهتز.
قوله: وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان: ٤٩].
هذه فائدة أخرى للمطر: أنه يسقى به الأنعام والناس. لكن كيف ذلك؟ هل هو بالغدران التي تبقى على وجه الأرض، أو أن هذا الماء يخزن في الأرض، أو بهما؟
بهما جميعًا؛ لأن سقي المطر يكون على هذين الوجهين: إما غدران تكون به قيعان لا تشرب فينتفع الناس بها، وإما أن الأرض تشربه ويُخزن فيها كما قال الله: فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر: ٢٢]، بل الذي يخزنه الله سبحانه وتعالى.
وفي الآية هذه: دليل على إثبات الأسباب؛ لقوله: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الفرقان: ٤٩].
وفيه دليل على إرسال المبشرات والمقدمات بين يدي الأشياء بقوة الرجاء؛ لقوله: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان: ٤٨].
وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل بإرسال الرياح؛ لأن هذه الرياح لو اجتمع الخلق كله بالتأكيد على أن يأتوا بواحدة منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح في بعض الأحيان تقتلع الأشجار وتدمر المنازل. هذه القوة العظيمة لو تأتي بمولدات الدنيا كلها لتخلق مثل هذا الهواء ما حصل هذا.
وفيه دليل أيضًا على الحكمة، على حكمة الله عز وجل بكون المطر ينزل من السماء. لو كان هذا المطر الذي تحيا به الأرض يأتي جريًا على سطح الأرض ما كان فيه هذا النفع؛ لأنه لا يصل إلى قمم الجبال إلا بعد أن يغرق ما تحتها، لكنه إذا نزل من فوق أتى على قمم الجبال وأتى على ما هو أسفل منها، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى بذلك.
وفيه دليل على أن الأصل في الماء الطهارة؛ لقوله: مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]. ونحن نعرف الآن حسب ما تلونا عليكم أن الماء الموجود في الأرض من السماء.
طالب: كله؟
الشيخ: نعم كله، فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ [الحجر: ٢٢]، فإذا كان من السماء فإن الأصل فيما نبع من الأرض أو فيما نزل من السماء الأصل فيه أن يكون طهورًا.
وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: لِنُحْيِيَ بِهِ [الفرقان: ٤٩]، لام التعليل، وهذا دليل من مئات الأدلة على إثبات الحكمة، فيكون فيه رد على طائفة من طوائف المبتدعة، من هم؟
طالب: الجهمية والمعتزلة.
الشيخ: لا، ما هم بالمعتزلة. الجهمية؛ لأنهم يرون أن فعل الله لمجرد المشيئة، ليس لعلة، الجهمية؛ فإنه لا يرجح شيئًا على شيء لحكمة، إنما لمجرد المشيئة، ولا يفعل شيئًا إلا لمجرد المشيئة! ولا شك أن هذا القول مردود بالأدلة النقلية والعقلية؛ لأن من يفعل لحكمة أكمل ممن يفعل لغير حكمة، أليس كذلك؟ وهم يرون نفي الحكمة، يقولون: لأن الحكمة غرض، والله سبحانه وتعالى منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، شوف حسن التعبير! اللي يسمع هذا التعبير يقول: هذا مثل تعبير القرآن: منزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض. يريدون بالأبعاض مثل اليد والوجه والعين وما أشبه ذلك، ويريدون بالأعراض الصفات الفعلية، الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء وما أشبه ذلك، ويريدون بالأغراض الحكمة؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلب الحقائق، إذا فعل لحكمة فهو دليل على كماله، وأنه لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة سفهًا.
وفيه دليل على جواز ذكر بعض الفوائد، يعني الاختصار على البعض لا يعد نقصًا؛ لأنه هنا ذكر الله من فوائد المطر فائدتين فقط: إحياء الأرض وسقي الأنعام والأناسي، مع أن للمطر فوائد أخرى: كالتطهر به مثلًا، فالتطهر به ليس سقيًا وليس إحياء للأرض، وغير ذلك أيضًا من الفوائد. لكنه لما كان أشد ما يكون ضرورة في المطر هو إحياء الأرض بالنبات ليأكل الناس والأنعام، وكذلك السقي، فالطعام والشراب ضروري من ضروريات الحياة بالنسبة للأنعام وبالنسبة للناس، اقتصر الله تبارك وتعالى على ذكر هاتين الفائدتين فقط؛ لأنهما هما الفائدتان الضروريتان الحاصلتان بنزول المطر: إحياء الأرض للنبات والأكل، والسقي للشرب.
وقوله تعالى: أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ [الفرقان: ٤٩]، لكن هنا الأنعام ما قال: أنعامًا كثيرة، والأناسي قال: وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان: ٤٩]. وفي هذا التعبير إشكالان:
الإشكال الأول: لماذا وصف الأناسي بالكثير ولم يصف الأنعام بالكثير.
الثاني: أننا نعلم أن الله تعالى يسقي بهذا الماء كل الأناسي، كل الناس يشربون منه؛ فلماذا قال: وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا؟ يعني كأنه يفهم أن من الأناسي من لا يسقى بماء المطر، فما هو الجواب عن الإشكال الأول: وصف الأناسي بالكثرة دون وصف الأنعام؟
طالب: (...).
الشيخ: معناه أن كَثِيرًاصفة لهما جميعًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأنه كان يطابق.
طالب: الأنعام بالنسبة للأناسي هي أقل.
طالب: (...).
طالب: الأنعام أكثر من الأناسي.
الشيخ: إي نعم. أيش لون؟
الطالب: أقول: الأنعام أكثر من الأناسي.
طالب: (...).
الشيخ: أنا عندي والله أعلم أن بعض الأنعام لا يحتاج إلى الماء حسب ما نسمع أن بعضها ما يحتاج إلى الماء، وبعضها ما يحتاج إلا قليلًا جدًّا؟
طالب: (...).
الشيخ: أشياء كثيرة يعدون علينا نقول: ما تحتاج إلى الماء، أو إذا شربت لا تشرب إلا قليلًا جدًّا، يمكن في السنة مرة. فإذا صح هذا فهو من الحكمة، قد يكون هذا من الحكمة بعدم وصفه بالكثرة.
لكن يبقى عندنا الإشكال الثاني أشد من هذا: وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان: ٤٩].
طالب: ما يقال على الإشكال الأول.
الشيخ: نعم؟
الطالب: مثل الأنعام لا (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: بخلاف الإنسان (...).
الشيخ: إي، لكن أنا ما ذكر لنا الشرب فقط: ونسقيه أنعامًا وأناسي.
الإشكال الثاني: أن قوله: وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا، مع أن جميع الأناسي يشربون؟
طالب: (...).
طالب آخر: حسب ما قلته الأنعام يجب أن تكون كثيرة (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: وصفها بالكثرة ليس تقييدًا للشرط (...) الواقع أن الأناسي كثيرة.
الشيخ: يعني بالنسبة للأنعام، يعني؟
الطالب: لا، (...) وأنت قلت: الإشكال الثاني أنه يوجد أن هناك بعض الأنعام لا تشرب.
الشيخ: نعم.
الطالب: أو لا تستفيد من (...)، فنقول: إن كَثِيرًاليست تقييدًا للشرب لمن يشرب من الأناسي، وإنما بيان الواقع فقط أن هؤلاء الأناسي كثيرون الذين يشربون، وهم كلهم يشربون، فتكون للكثرة.
الشيخ: لو أقول مثلًا: عندي رجال كثيرٌ، هل يفهم من ذلك أن فيه رجالًا آخرين ما حضروا (...)؟
طالب: نعم.
طالب: الله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: إي، ولهذا يقول: جمع إنسان، وأصله...
طالب: (...) أن تكون كَثِيرًاصفة للأنعام والأناسي؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: ما فيه ما يمنع من أن تكون الصفة (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، نحن قلنا: المطابقة، ولكن أورد علينا الأخ قال: حتى الأنعام فيه أيضًا جمع، كَثِيرًايستوي فيها المفرد والجمع.
طالب: ربما يدل على (...).
الشيخ: لا، هي إذا قلنا: إن كَثِيرًاصفة للأناسي وللأنعام زال الإشكال.
الإشكال الثاني: ممكن أن نقول مثلما قال محمد، يعني أنه يبين الله سبحانه وتعالى أنهم أناسي كثيرون، ولا يلزم من هذا أن بعضهم لا يشرب، وأنه تكون الكثرة هذه كثرة شاملة، مثلما تقول: الجند كثيرون، أو عند الأمير جند كثير، كلمة (جند كثير) تشمل جميع الجنود وتصفهم بالكثرة. (أناسي) تشمل جميع الناس وتصفهم بالكثرة.
طالب: لو قال أكثر (...).
الشيخ: إي، قول قال أكثر صحيح، واضح.
على كل حال يمكن إذن، إذن الإشكال الذي يتبادر في الأول التخلص منه بأي شيء؟ بأن نجعل كَثِيرًاصفة للأمرين: أنعامًا كثيرًا وأناسي كثيرًا. وليس كقول الله تعالى: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء: ١]، فإن رِجَالًا كَثِيرًاما تصلح أن تكون كَثِيرًاصفة للأمرين؛ لأنها مقدمة على النساء؛ أما هذه فيمكن أن يقال بأنها وصف للمعطوف والمعطوف عليه.
وأما كَثِيرًافإنه لبيان الواقع وليس لإخراج البعث، ونظيره في التمثيل أن تقول مثلًا: عند الأمير جند كثير، أو خرج إلى العدو جيش كثير، فهو وصف له بالكثرة. يعني: وَأَنَاسِيَّليسوا بالقليلين، هذا المعنى، أَنْعَامًاليست قليلة وَأَنَاسِيَّليست قليلة، بل هي كثيرة، ويكون هذا بيانًا لشمول انتفاع الخلق ناطقهم وبهيمهم بهذا الماء: أَنْعَامًاكثيرًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا.
طيب، إلى الآن توصلنا جميعًا إلى أن الكثير صفة للأنعام والأناسي، بالنسبة لكثرة الأنعام هل نقول: كثرة الجنس والأنواع ولَّا كثرة الأفراد، أو الجميع؟
طالب: الجميع.
الشيخ: وبالنسبة للأناسي كثرة الأفراد؛ لأن الأناسي جنس واحد.
ثم قال الله تبارك وتعالى، كم من الفوائد اللي عدينا من هذه الآيات؟ سبع فوائد.
طالب: (...)؟
الشيخ: الظاهر والله أعلم للكثرة؛ لأنها أكثر، أكثر أنواعًا وأفرادًا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: الله أعلم، ما هو علشان الـ... الكلام على إفادتها من المطر، إي هو على الأنعام هذا لأنه أكثر. وقد يقال: إن إحياء الأرض لمصلحة الإنسان، وسقي الأنعام لمصلحة الإنسان، وسقي الإنسان هذه لمصلحة نفسه، فقدم ما يكون انتفاعًا غير مباشر للإنسان، ثم أخر الانتفاع المباشر من باب السير للأبعد فالأبعد في المصالح، الأبعد فالأبعد؛ لأن الأنعام من مصلحة الإنسان، والأرض إحياؤها من مصلحة الإنسان، وإحياء الأنعام أشد مباشرة والتصاقًا بالإنسان من إحياء الأرض؛ لأنه كم من أراض تشرب المطر لا ينالها الإنسان وينتفع بها، بخلاف الأنعام.

تفسير الآيات (50-55)
00:17:53

ثم قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُأي: الماء بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواأصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) لِيَذَّكَّرُوا، (وفي قراءة: {لِيَذْكُرُوا} بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان: ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا).
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية.
كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام.
وقوله تعالى: لِيَذَّكَّرُوا، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. لِيَذَّكَّرُواأي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، ولِيَذَّكَّرُوايتعظوا فيما إذا لم ينزل.
وكذلك أيضًا {لِيَذْكُرُوا} في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل.
فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا.
وقوله: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان: ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا.
طالب: القراءة الثانية (...)؟
الشيخ: مثل لِيَذَّكَّرُوا، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع.
وقوله: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ، أَكْثَرُ النَّاسِيعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر.
الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» ، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث.
أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟
طالب: لا.
طالب: نعم.
الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟
طالب: حسب المقصود.
الشيخ: حسب النية نعم.
ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه.
ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا.
وقوله تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ [الفرقان: ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة.
في هذه الآية من الفوائد:
أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ [الفرقان: ٥٠].
ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان: ٥٠]، لام التعليل.
ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد.
وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟
طالب: من القسم.
الشيخ: إي، من القسم، من قوله: وَلَقَدْ [الفرقان: ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان: ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك.
طالب: (...).
الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟
الطالب: ما أعرف.
الشيخ: لا، اقرأ.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ» ، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع.
طالب: قوله فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان: ٥٠] (...) أو أن كُفُورًابعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟
الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
(...)

***

الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس.
والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به.
طالب: (...)، مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الرحمن: ١٩] ما هو للاستفهام.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية.
الشيخ: نعم.
الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية.
الشيخ: طيب!
طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟
الشيخ: إي، لكن بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا [الفرقان: ٥٣]، أنتم (...)؟
الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟
طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...).
الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة بَيْنَهُمَا بَرْزَخًاالآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما.
طالب: يقول المؤلف: (بَرْزَخًا [الفرقان: ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟
الشيخ: إي، البرزخ (...) بَيْنَهُمَا، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما.
طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا.
طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء.
الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل بَيْنَهُمَاأي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا.
طالب: مثل قطعة جلد في الماء.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ.
الطالب: وكذا العين المجردة لا (...).
الشيخ: إي.
الطالب: كما في يعني (...).
الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...).
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ [الرحمن: ٢٠]، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان: ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟
طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟
الشيخ: إلا.
الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟
الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول.
طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...).
الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي.
الطالب: لأنه (...).
الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ [الرحمن: ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح.
طالب: بَرْزَخٌهل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره.
الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر.
الطالب: هذا مكان.
الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز.
الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى.
الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا.
الطالب: بس بيني وبين فلان؟
الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌتمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه.
طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟
الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا.
الطالب: لا من هذا ولا من هذا.
الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ.
الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة بَرْزَخٌ(...) الدنيا والآخرة.
الشيخ: يمكن، الله أعلم.
طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ [النور: ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية.
الشيخ: نعم.
الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة مِنْ فَوْقِهِلم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما مِنْ فَوْقِهِأي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى.
الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه.
الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا.
الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت.
الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات.
وسمعنا النقاش الآن في كلمة بَيْنَهُمَا [الفرقان: ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة.
طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟
الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر.
الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط.
الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة بَيْنَهُمَا، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا.
طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟
الشيخ: إي نعم هذا سمعناه.
الطالب: طيب، إذا كان (...).
الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر.
الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج.
الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط.
طالب: ما تختلط.
الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين.
طالب: يعني تختلط (...)؟
الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط.
الطالب: يعني يكون مالحًا؟
الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا..
طالب: (...) دليل على القدرة.
الشيخ: إي ما (...)، نعم.
طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح.
طالب: أو يشمل الاثنين؟
الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب.
طالب: (...) بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان: ٥٣]؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...) معناهما مالح.
الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى وَحِجْرًا مَحْجُورًافيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره.
طالب: لو كان شيئًا حسيًّا.
الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور.
طالب: والمحجور (...).
الشيخ: إي، الله أعلم.
فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟
طالب: النسب والصهر.
الشيخ: النسب والصهر.
الطالب: النسب (...).
الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة.
طيب، وقوله: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء).
نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير قَدِيرًابـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء).
أما تفسير قَدِيرًابـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن قَدِيرًاإما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن.
ثانيًا: القرآن يطلق: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًاوهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد.
الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط.
من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه.
طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟
الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي.
وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]. فهنا قال: عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟
طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني.
الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟
الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...).
الشيخ: إي، ما (...).
الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]، موقت، وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍشوف مَعْدُودٍ [هود: ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت.
فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه..