تفسير سورة الفرقان - 9
عدد الزيارات 1776

عناصر المادة :
تفسير الآية (60)
تفسير الآية (61)
تفسير الآية (62)
تفسير الآية (63)
تفسير الآية (64)
تفسير الآية (65)
تفسير الآية (66)
تفسير الآية (67)
تفسير الآية (68)

مما يدل على عظمة ذلك، ومنه أيضًا على ما نراه مما بينهما الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك؛ لأن القول بأن هذه في نفس السماوات ليس عليه دليل من الكتاب ولا من السنة، وإنما ظاهر القرآن يدل على أنها في فلك بين السماء والأرض، والواقع يشهد لذلك أيضًا، فإنهم وصلوا إلى القمر، ولو كان في نفس السماء ما وصلوا إليه؛ لأن الله يقول: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢]، فإذا كانت السماء محفوظة حتى عن أشرف الرسل وأشرف الملائكة إلا باستئذان فمن دونهم من باب أولى.
طالب: قوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ [نوح: ١٥، ١٦]؟
الشيخ: إي نعم، يعني في جهتهن، فِيهِنَّأي في جهتهن.
الطالب: يعني ما هي مظروفة لهم؟
الشيخ: لا، ما هي مظروفة لهم، المظروف الجهة، مثلما سيأتينا إن شاء الله، تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١]، نفس الشيء.
وسبق أيضًا أن الله تعالى استوى على عرشه، أي: علا عليه علوًّا خاصًّا، وليس كالعلو المطلق للمخلوقات، وإنما هو علو خاص، وأنه من الصفات الفعلية، وأن أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك على الوجه الذي يليق بالله سبحانه وتعالى، لا يكيفون ولا يحاولون أن يكيفوا أيضًا؛ لأن ذلك أمر مستحيل.
وسبق أن إضافة الاستواء إلى الرحمن: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٥٩] فيه إشارة إلى أنه تعالى مع علوه على جميع مخلوقاته فإن رحمته شاملة لجميع الخلق، وليس كعلو غيره مما إذا علا تجبر وتكبر وأخذ بالعنف والغلظة.
وكذلك أيضًا تقدم أنه يُستفاد من قوله: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩]، أنه لا تطلب معرفة الله إلا من الله، من الخبير به وهو الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الآية تشهد بما عليه أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله وصفاته توقيفية، لا يجوز لأحد أن يثبت منها إلا ما أثبته الله ورسوله.

تفسير الآية (60)
00:03:06

ثم قال الله تعالى بعد ذلك، بعد أن ذكر عظمته وربوبيته في خلق السماوات والأرض واستواءه على عرشه، قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ [الفرقان: ٦٠]، قال المؤلف: (لكفار مكة اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠]).
هذا السجود يحتمِل أن يراد به السجود الخاص الذي هو خرور الإنسان على أعضائه السبعة، ويَحتمل أن المراد به السجود العام الذي هو الخضوع المطلق؛ لأن السجود يطلَق بالمعنيين: السجود العام الذي هو الخضوع والذل مطلقًا، أو السجود الخاص على هذه الأعضاء المعروفة.
إذا قيل لهم ذلك قالوا: وَمَا الرَّحْمَنُ، فأنكروا المسجود له ثم استكبروا عن السجود: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، وهذا الاستفهام استفهام إنكار واستبعاد: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، والأول: وَمَا الرَّحْمَنُاستفهام إنكار، يعني أنهم ينكرون الرحمن، والمراد بإنكارهم الرحمن إنكار هذا الاسم، لا إنكار الله، يعني أنكروا الاسم دون الذات، فهم يؤمنون بالله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، ولكنهم أنكروا الرحمن، أنكروا هذا الاسم لله سبحانه وتعالى وقالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ، ما نعرف أن هناك أحدًا اسمه رحمن إلا هذا الموصوف برحمن اليمامة، فأنكروا هذا الوصف العظيم لله عز وجل الذي هو من أعظم أوصافه وأعظم أسمائه، وهي الرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، وهذا الإنكار لا وجه له؛ لأنه ما دام قد أثبت بطريق الرسالة فلا وجه له لكونهم لا يعرفونه؛ لأن الإنسان الذي لا يؤمن إلا بما يعرف هل هو مؤمن بالرسل ولَّا تابع لهواه؟
طالب: متبع لهواه.
الشيخ: تابع لهواه، الذي لا يؤمن إلا بما يعرف، ومنه ما يفعله بعض العامة الآن؛ إذا أحييت سنة من السنن التي أُميتت قالوا: ويش هذا؟ هذا دين جديد لا نقبله ولا نريده؟ نقول لهؤلاء: إنهم يشبهون هؤلاء الكفار من بعض الوجوه، حيث أنكروا ما لا يعرفونه وقالوا: ما نقبل، أين المشائخ من هذا الدين؟ وأين فلان؟ وأين فلان؟ وهذا ليس بحجة؛ لأن الحق يجب أن يُقبل، وأن يكون هوى الإنسان تابعًا للحق، لا أن الحق تابع لهواه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: ٧١]. والواجب على المؤمن إذا رأى ما لا يعرفه، أو سمع ما لا يعرفه، الواجب عليه التثبت، صحيح أن الإنسان يستنكر ما لا يعرف، ولكن الواجب عليه نحو ذلك ألا ينكر، الواجب عليه التثبت وأن يعرف مصدر هذا الشيء، أما أن يقول: أتيتم بدين جديد ولا نقبله فليس كذلك، بل إن الذي يحيي سنة هو الذي أتى بالدين القديم، ومن خالف السنة فهو الدين الجديد المحدَث، أما السنة فهي الدين القديم الذي عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه.
والحاصل أنك لا تكاد تجد معصية من المعاصي إلا وفيها مشابهة بكفر من الكفر، لا تكاد تجد معصية من المعاصي إلا ولها شبيه - يعني من جنسها - من الكفر.
أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠]، هذا أيضًا إنكار واستكبار، يعني كيف نسجد لما تأمرنا، قال: (بالفوقانية والتحتانية والآمر محمد) صلى الله عليه وسلم.
قوله: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، (ما) هذه بمعنى (من) أو (ما) مصدرية؟ يعني: هل المعنى لمن تأمرنا بالسجود به، فتكون موصولة بمعنى (من)، أو أنها مصدرية، أي: لأمرك؟
طالب: كلها.
الشيخ: ما يمكن تصير كلها.
طالب: كلاهما أظن.
الشيخ: كلاهما ممكن، الشارح يقول: (ولا نعرفه) يشير إلى أن (ما) اسم موصول، يعني: للذي تأمرنا بالسجود له ونحن لا نعرفه، فعلى مقتضى تفسيره أن تكون (ما) بمعنى (من)، وحينئذ التعبير بـ(ما) بدل (من) في غير الجماد أو في غير من لا يعقل كما يقولون خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن يعبر عن ذي العلم بـ(من)، لا بـ(ما)، ولا يعبر بـ(ما) إلا لملاحظة شيء، مثل قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣]، لم يقل: من طاب، فما هو هذا الشيء؟
نقول: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِهو لا يريد امرأة بعينها حتى يعبر عنها بـ(من)، إنما يريد الجنس الذي يتزوج لطيبه، فيكون في ذلك مراعيًا للصفة، لا للموصوف، ولهذا أتى بـ(ما): فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا (...) للعموم من باب التغليظ.
كذلك أيضًا هنا: لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠]، إذا جعلنا (ما) بمعنى (من)، نقول: لِمَا تَأْمُرُنَاعدلوا عن الموصوف إلى الإشارة إلى الصفة؛ لأنهم ينكرون هذا الوصف الذي هو الرحمن، فكأنهم قالوا: أنسجد لأمر مجهول غير معلوم، وهو ما تأمرنا بالسجود له.
أما على أن تكون (ما) مصدرية فالأمر واضح جدًّا، يعني كأنهم يقولون: أنسجد لأمرك وأنت لست بشيء عندنا؛ لأنهم قالوا: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان: ٤١، ٤٢]، فيكونون هنا جمعوا بين الإنكار والاستكبار، الإنكار لصفة من صفات الله واسم من أسمائه، ثم الإنكار لما أمروا بالسجود له، ثم الاستكبار عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠].
(وَزَادَهُمْهذا القول لهم نُفُورًا [الفرقان: ٦٠] عن الإيمان)، والعياذ بالله!
يعني ما زادهم إقبالًا ولا امتثالًا، بل زادهم نفورًا، وفي هذا دليل على أن واجب الداعية أن يدعو إلى الله، سواء امتثل المدعو أم نفر، وقد كان بعض الناس يسأل يقول: إذا كان هذا المدعو إذا دعوته يزداد نفورًا وكراهية للشرع ولما يؤمر به، هل يجوز أن أدعوه، أو يحرم أن أدعوه لأني أكون سببًا لنفوره واستكباره، ونفوره واستكباره أعظم من معصيته المجردة، فما رأيكم في هذا السؤال؟ أو ما فهمتم السؤال؟
طالب: بلى.
الشيخ: يقول: أنا إذا دعوت أخي أو عمي أو أبي ازداد نفورًا واستكبارًا، فأكون سببًا لاستكباره ونفوره وكراهيته للحق، وذلك أعظم من مجرد المعصية أو ترك الواجب، فهل أتركه أو أدعوه وحينئذ أرى نفسي في حرج أني تسببت له فوقع في هذا الأمر العظيم؟ فنقول؟
طالب: يدعوه.
طالب: عمل (...) مأمور به، ما دام (...) فكيف يـ...؟ النتيجة ما يزعل عليها.
الشيخ: يعني معناه أنه يأمره (...)؟
الطالب: يأمره، والهداية بيد الله.
طالب: (...) قد لا يتجاوب لهذا ويتجاوب لهذا.
الشيخ: إي نعم، حتى لو تجاوب، حتى لو كان نفورًا من الشخص نفسه فإنه لا يترك الدعوة.
طالب: أرى أنه إذا كان مثلًا (...) أعظم من صلاحه أو دعوته.
الشيخ: إي، لكن الآن اللي معنا، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله: وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان: ٦٠]، هل الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى هؤلاء يزدادون نفورًا ترك الدعوة؟
طالب: مطلقًا لا، لكن تركها لهؤلاء.
الشيخ: لا، ما تركها لهؤلاء أبدًا.
طالب: طيب، إذا كان يعني للعاصي فتجوز دعوته، إذا كان الكفر سواء يبلغ به درجة الكلام الكفر وقول الكفر فيترك.
الشيخ: لا، الذي نرى أنه يجب أن تدعو.
طالب: على العموم؟
الشيخ: على العموم، ولَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢]؛ لأنك إذا سكت عنه استمرأ المعصية ولم يرها معصية ولم يستقم، ثم هو أيضًا ربما يستكبر ولكنه بعد ذلك يرجع ويحاسب نفسه، والكلمة التي تقال لله لا بد أن تؤثر، كل كلمة تقال لله لا بد أن تؤثر تأثيرًا بالغًا، وما نحن ببعيد عن تكرار قضية موسى عليه الصلاة والسلام حينما تكلم للناس جميعًا وللسحرة بالأخص، فقال لهم: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى [طه: ٦١]، هذا كلام عظيم، يعني: كلام رادع، توعد ووعيد، ومع ذلك أثر ولَّا لا؟
طالب: أثر.
الشيخ: أثر.
الطالب: فَتَنَازَعُوا.
الشيخ: فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [طه: ٦٢]، والفاء تدل على التفريع والتعقيب، يعني هذا التنازع أثارته هذه الكلمة، بمنزلة ما يسمونه بالقنبلة التي فرقتهم، فأنت لا تظن أن كلمتك التي تقولها لله لا تظن أنها تضيع سدى، لا بد لها من تأثير، وهذا التأثير وإن كان قد لا يكون في الوقت الحاضر ولكنه لا بد أن يؤثر.
قالوا: (وَزَادَهُمْهذا القول لهم نُفُورًا [الفرقان: ٦٠] عن الإيمان).
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم (...) إلى حد أنهم يضعون السلى على رأسه وهو ساجد ، وإلى حد أنهم يلقون العذرات والأقذار عند عتبته، نعم، هذا ليس بصحيح. وأنت إذا كنت مؤمنًا بقول الله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]، هذا ما يضرك، العاقبة للمتقين، وأنا قلت لكم قبل هذا، قلت: إن المراد بنجاح الدعوة نجاح الجنس، لا الشخص، قد لا تنجح أنت بشخصك وتموت وأنت ما نلت المقصود، لكن الكلام على الدعوة أنها نجحت وأثرت، وهذا لا بد أن يكون، ونحن قلنا هذا من قبل، واضح ذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم. ثم إنكم اقرءوا قول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [الإنسان: ٢٣]، ويش بعده؟ ما قال: فاشكر نعمة ربك على هذا الإنزال، قال: فَاصْبِرْ [الإنسان: ٢٤]، معنى ذلك أن الذي يتحمل هذا القرآن سواء نزل عليه أو حفظه لا بد أن يناله ما يناله، سواء بالنسبة لنفسه التي تأمره بالسوء وبمخالفة هذا الوحي، أو بالنسبة لغيره، أما هذه الأشياء هذه جبن في الحقيقة ومن الشيطان: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥].
وإحنا نقول هذا ونقرره وإن كنا مقصرين، لكن لا بد من بيان الحق، والتقصير على أنفسنا في الحقيقة، لكننا نحن نرى أن الداعية إلى الله، بل والعالم الذي أعطاه الله علمًا، لا بد أن ينشره، وأن يدعو إليه، وإلا صار حجة عليه.
طالب: وهم ما يكرهونه إلا بالظاهر يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، وربما إنه لا يكرهونه إلا بالظاهر، أن ما في أنفسهم من الحسد أو ما في أنفسهم من كراهة مخالفة هواهم يؤدي إلى أنهم ينابذونه ظاهرًا، وإن كانت قلوبهم تحبهم، ربما يكون هذا أيضًا.
الطالب: (...).
الشيخ: على كل حال هي المسألة إن أصابك ما أصابك من الأذى مع الاستقامة فإن هذا لرفعة درجاتك، وإن أصابك ما أصابك من الأذى مع عدم الاستقامة، يعني إما خطأ في سبيل الدعوة، ما استعملت ما أرشد الله إليه من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإن هذا الأذى يكون تكفيرًا لسيئاتك التي وقعت منك، فأنت على كل حال لا بد أن تُنال بأذى، لكنه إما رفعة درجات أو تكفير سيئات.
طالب: (...)، الذين لا يؤيدون أن يكون الإنسان داعية دائمًا يقولون مثلًا: كيف ندعو الناس ونحن عاجزون عن إصلاح أنفسنا؟
الشيخ: إذا لم تدع الناس فأنت أفسدت نفسك باختيارك؛ لأن من إصلاح نفسك الدعوة إلى الله، فإذا لم تدع إلى الله فأفسدت نفسك باختيارك (...) اتق الله ما استطعت، أما أن تترك واجبًا لأنك تترك واجبًا آخر ما هو بصحيح، وهو لا شك أنه من سوء الأدب ومن عدم الحكمة أن الإنسان يدعو إلى أمر وهو متلبس بضد ما يأمر به:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

لكن ليس معنى ذلك أنك تترك الواجب، حاول أن تصلح غيرك وأن تصلح أمر غيرك.
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١].
تفسير الآية (61)
00:19:17

(تَبَارَكَ [الفرقان: ٦١] تعاظم)
، ومر علينا أنه لا ينبغي الاقتصار فيها على (تعاظم)، فإنها تدل على كثرة خيراتها وسعتها؛ لأن هذه البروج التي ستأتي فيها من الخير للناس والمصلحة والمنفعة ما يناسب هذا الوصف: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا.
وكلمة (تبارك) مبالغة من البركة؛ لزيادة التاء، وهي تقال لله عز وجل، والعامة عندنا يقولونها لغير الله، يقولون: تبارك علينا، وما أشبه ذلك، فبعض الناس يقول: إن هذا الوصف خاص بالله، ولا يجوز أن تقول للإنسان: تباركت، ولكن الذي نرى أنه لا بأس به؛ لأن الناس يريدون بـ(تباركت) أن الله وضع فيك بركة، لا أنها بركة ذاتية، ولا بأس بها، والعبرة بالمعاني، واللفظ إذا لم يكن فيه محظور شرعي فلا بأس به.
وقوله: الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا، (جعل) بمعنى صير ولَّا بمعنى وضع؟
بمعنى وضع، وعلى هذا فتعدى لمفعول واحد، وهو قوله: بُرُوجًاجمع برج، والبرج في الأصل: البناء العالي المرتفع، وهذه البروج الشاملة للنجوم هي بالحقيقة مثل الأبنية الشامخة العالية، لعلوها.
وهي يقول: (اثني عشر) هذه بدل من بُرُوجًا.
(اثني عشر: الحمل، والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت)، اثنا عشر برجًا.
بدأ المؤلف بـالحمل لأنه وقت اعتدال الزمان الربيعي؛ لأنه إذا حلت الشمس أول يوم من برج الحمل تساوى الليل والنهار ربيعًا عند ابتداء برج الحمل، يعني يكون الليل اثنتي عشرة ساعة والنهار اثنتي عشرة ساعة.
ثلاثة بروج: (الحمل والثور والجوزاء)، إذا تمت الجوزاء وبدأ السرطان انتهى الليل في القصر، والنهار في الطور، يعني أن الشمس تنتهي إلى البروج الشمالية بعد الثلاثة: (الحمل والثور والجوزاء)، ثم بعد ذلك تنصرف الشمس إلى الجنوب.
(السرطان والأسد والسنبلة)، هذه ثلاثة، إذا مضت الثلاثة تساوى الليل والنهار خريفًا بعد انتهاء طول النهار. فهمتم الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، (الميزان والعقرب والقوس)، الثلاثة هذه إذا انتهت ينتهي طول الليل وقصر النهار.
ثم تعود الشمس في (الجدي والدلو والحوت)، إذا انتهى الحوت تساوى الليل والنهار ربيعًا.
وقد اختلف الناس هل يبدأ بالحمل؛ لأنه أحسن أيام السنة، حيث إن فيه الاعتدال الربيعي، أو يبدأ بالميزان؛ لأنه هو الوقت الذي ينتهي به النهار قصرًا والليل طولًا؟
طالب: يعتدل يا شيخ.
الشيخ: اعتدال الزمان الخريف.
المعروف والمشهور والأكثر الذي مشى عليه المؤلف، أنه يُبتدأ بما فيه الاعتدال الربيعي، لكن بعض الناس يبتدئ بالطرف الثاني ويزعم أن هذه هي طريقة العرب، والله أعلم، إنما اللي أنا أشوف أن التقاويم أكثرها تبدأ بهذا، ويقول: إن العرب يبتدئون من الاعتدال الخريفي، وإن العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي. وكون العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي هذا واضح؛ لأن العجم الآن إيران و(...) تؤرخ ابتداء السنة بالحمل، يعني عندهم السنون شمسية ويبدؤونها ببرج الحمل.
يقول المؤلف: (وهي منازل الكواكب السبعة السيارة؛ المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو).
طالب: (...).
الشيخ: إي، هي على كل حال هذا التقسيم الأخير ما أعرف أنا وجهه، ولا أدري عنه، لكن هذه البروج الشمس تقطعها في السنة كما سمعنا قريبًا، والقمر يقطعها في الشهر، كل شهر يقطع القمر، هذه البروج، وله منازل ثمان وعشرون منزلة، تشتمل على هذه البروج الاثني عشر، أما الشمس فإنما تقطعها بالسنة.
هذه البروج يدل على عظمتها أن الله قال: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ، وقوله: فِي السَّمَاءِ [الفرقان: ٦١] المراد به العلو، وليس المراد به السقف المحفوظ، بل هو العلو؛ لأن هذه البروج دونها.
(وَجَعَلَ فِيهَاأيضًا سِرَاجًاهو الشمس وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان: ٦١]، وفي قراءة: برجا بالجمع، أي: نَيِّرات، وخَصَّ القمر منها بالذِّكر).
طالب: {سُرُجًا}.
الشيخ: {سُرُجًا} نعم، {سُرُجًا} صح، ({سُرُجًا} بالجمع أي: نَيِّرات).
طالب: عندي سِرَاجًا.
الشيخ: لا سِرَاجًاهي اللي بالقرآن.
الطالب: (...).
الشيخ: واللي بالأصل؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: لا، (وَجَعَلَ فِيهَا) بالأصل؟
الطالب: (وَجَعَلَ فِيهَاأيضًا سِرَاجًا).
الشيخ: إي، الثانية: ({سُرُجًا} بالجمع)، بالجمع: سُرُج.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
على هذه القراءة (خصَّ القمر منها بالذِّكر لنوع فضيلة).
وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًايعني سُرُجًا، وَقَمَرًا مُنِيرًايقول: عطف على سرج، وهو منها (لنوع فضيلة)، ولكن على قراءة الإفراد المراد بالسراج الشمس، وسُميت سراجًا والقمر منيرًا لأن الشمس نورها ذاتي وحار، والقمر نوره مكتسب من الشمس، فليس بنفسه سِراجًا، وإنما هو منير أو نور، لكن نوره مكتسب.
وعلى قراءة: {سُرُجًا}، يقول المؤلف: (يعني نَيِّرَات) ومنها القمر نير، لكن خصه لنوع فضيلة.
إذا قلنا: إن منه القمر، يعني ومنه الشمس ولَّا لا؟ هي أم السرج، الشمس في الحقيقة.
طالب: عندنا (لنوع فضيلته)؟
الشيخ: اللي عندي (فضيلة) بالتاء، يصلح، اللي عندنا أحسن.
طالب: (فضيلته)؟
الشيخ: لا، أنا عندي: (فضيلة) فقط.
أقول: إن كلام المؤلف رحمه الله فيه نظر، ولكن عطف القمر المنير على السرج من باب عطف المتغايرين، لا من باب عطف الخاص على العام، فالقمر ليس من السرج، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [نوح: ١٦]، الشمس بلا شك أنها سراج، ولكن القمر نور، فعليه لا يكون منها، ولا يحتاج إلى الجواب الذي ذكر المؤلف: (خص القمر لنوع فضيلة)، بل نقول: إن هذا ليس من باب التخصيص، ولكن من باب عطف أيش؟ المتغايرين.
لكن على قراءة الجمع: {وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجًا} يدل على أن غير الشمس من الكواكب فيه حرارة وفيه إضاءة أيضًا، لكنها لا تصل إلى الأرض، لماذا؟
طالب: لبعدها.
الشيخ: للبعد، لا تصل إلى الأرض للبعد، ولكن هذه الآية تدل على أن فيها الحرارة والإضاءة.
وإنما ذكر السرج والقمر المنير مع البروج؛ لأن البروج منازل، وهذه الأشياء نازلة، فذكر المنازل والنازل جميعًا، وكلاهما مما يدل على آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة التي لا يمكن أن يقابلها أي أحد.
تفسير الآية (62)
00:30:18

(...) ثم قال: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةًأي: يخلف كل منهما الآخر لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ [الفرقان: ٦٢] بالتشديد والتخفيف) يَذَّكَّرَو{يَذْكُرَ} (كما تقدم ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: ٦٢] أي: شكرًا لنعمة ربه عليه فيهما).
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً، الضمير في قوله: وَهُوَ الَّذِييعود على الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١]، يعني: ومن آياته ونعمه أنه جعل الليل والنهار خلفة، يعني يخلف بعضهما الآخر. هذه الخلفة فيها فائدة عظيمة جدًّا، بل فائدتان عظيمتان: أولًا: التذكر والاتعاظ، والشيء الثاني: شكر النعمة.
فالتذكر المؤلف يقول: (ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر)، وهذا نوع من التذكر في الواقع، لكن من التذكر أن تتذكر بذلك قدرة الله عز وجل، حيث أتى بالليل بدل النهار، وبالنهار بدل الليل، ولو اجتمع الخلق على أن يغيروا هذا النظام فيأتوا بالليل بدل النهار أو بالعكس، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
ثانيًا مما تتذكره في هذا الليل والنهار: تتذكر الموت والحياة، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام: ٦٠]، وفي الحقيقة أن الإنسان إذا قام من الليل يشعر كأنه خلق من جديد، يعني لو يتصور الإنسان أن الوقت كله نهار أو كله ليل ما حصل هذا النشاط الذي يتجدد له كل يوم، ويشعر بأنه دخل في حياة جديدة؛ ولهذا سماه الله تعالى بعثًا: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠]، فتذكر أنت البعث بعد الموت.
كذلك أيضًا مما يتذكر ويتعظ به أنه يتذكر ما هو مطلق البعث وأن الله قادر، يتذكر أنه لا بد من يقظة بعد الرقدة؛ وذلك في يوم القيامة: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس: ٥٢]، فلا بد من هذا؛ لأن هذه سنة الله، لكن يوم القيامة يوم واحد لا ليل فيه، بل هو دائمًا على ما هو عليه.
كذلك أيضًا ما قاله المؤلف من التذكر العملي: أن الإنسان إذا نسي عبادة في ليل قضاها في النهار، أو في نهار قضاها في ليل، أو إذا لم يتب في النهار تاب في الليل: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ» ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا غلبه نوم أو وجع قضى ما يصليه في الليل قضاه في النهار ، فهذا أيضًا من التذكر العملي.
وأما أَوْ أَرَادَ شُكُورًافـ(أو) هنا هل هي للتقسيم والتنويع، يعني بمعنى أن يجعل هذا قسيمًا للأول فتكون مانعة اجتماع، أو هي مانعة خلو؟
طالب: مانعة خلو (...).
الشيخ: هل هي مانعة خلو ولّا مانعة اجتماع.
الطالب: كلها مانعة خلو.
طالب: (...).
الشيخ: مانعة خلو نعم، مانعة الاجتماع معناه أنه إذا وُجد الأول امتنع الثاني، إذا وجد إحداهما يعني، لكن مانعة الخلو أن معناه أنه إما أن يوجد هذا أو هذا أو هما.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، فهل يمكن أن يجتمعا؟
طالب: لا، ما يجتمعان.
الشيخ: إذن، هي مانعة خلو.
أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، يعني أن من أراد أن يشكر نعمة ربه عليه في هذا النهار والليل فإنه له المجاز، ولا شك أن من تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى في هذا الليل والنهار فلا بد أن يشكر الله، يعني الليل سكون وغدو، وكل راقد وكل ساكن فيطيب النوم ويلذ وتحصل الراحة الكاملة، هذه نعمة عظيمة، وفي النهار الأمر بالعكس: كل الإنسان نشاط وقوة ورغبة في الكسب والعمل، فيزداد بذلك شكرًا لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. وليس هذا المجال أو هذا المكان بمحيط لما يتصوره الإنسان من نعمة الله تعالى عليه بهذا الليل والنهار، الإنسان أحيانًا يفتح عليه عند التأمل والتفكر ما يتبين به نعمة الله سبحانه وتعالى أكثر مما نقول ومما نستطيع أن نقول، ولو أن الإنسان سهر ليلة من الليالي لتبين له نعمة الله سبحانه وتعالى على الناس بهذا الليل وهذا النهار.
أَوْ أَرَادَ شُكُورًا.
تفسير الآية (63)
00:36:52

ثم قال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣].
(الرحمن) الآن كرر في مواضع قريبة جدًّا، كم؟
ثلاث مرات الآن: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٥٩]، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠]، والثالثة هنا: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]. ثم السورة كلها مصدَّرة بالقرآن: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١]، مما يدل على أن نزول هذا القرآن من رحمة الله سبحانه وتعالى.
طالب: (...)؟
الشيخ: الصحيح أنه لا يقضيها على صفته وأنه يشفعه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا الحديث ثابت في مسلم.
الطالب: يسمى وترًا؟
الشيخ: لا، يسمى قضاء، لكن أصل الوتر: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» ، صلاة الليل انتهت الآن، فلا فائدة من الوتر، لكن ما كان الإنسان يتعبد به لربه يحب ألا يفوته.
الطالب: ولو تركه إذا كان يحبه؟
الشيخ: لو تركه ما (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا ما تركه عمدًا، تركه نسيانًا، ترك قضاءه وهو أهون من فعله، ولكن مع هذا نقول: ما ينبغي للإنسان إذا كان يوتر عادته بثلاث يصلي أربعًا، وليتذكر الإنسان عندما تقول له نفسه: لا تفعل ها الطاعة، ليتذكر أنه يحتاج لها، ولَّا لا؟ يحتاج لها حاجة عظيمة.
طالب: وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩].
الشيخ: نعم.
الطالب: السؤال لمن الجواب لِلَّهِ؟
الشيخ: هذه فيها قراءتان، هذه القراءة اللي تقول وهي اللي في المصحف، وقراءة ثانية سبعية: {سَيَقُولُونَ اللَّهُ}، {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ اللَّهُ} [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، أما الأولى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، يعني الأولى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِباتفاق القراءتين؛ لأن السؤال: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا، الثاني: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ [المؤمنون: ٨٦] فيها قراءتان في الجواب: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: ٨٧]، وقراءة ثانية سبعية: {سَيَقُولُونَ اللَّهُ}، والثالثة أيضًا: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون: ٨٨]، الجواب: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٩]، أو {سَيَقُولُونَ اللَّهُ}.
أما {سَيَقُولُونَ اللَّهُ} فلا إشكال فيها، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لكن على قراءة لِلَّهِيكون المعنى: سيقولون: ذلك لله. أما على قراءة {اللَّهُ} يعني: سيقولون: هو الله.
طالب: ذلك لله.
الشيخ: إي، ذلك لله.
الطالب: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]؟
الشيخ: إي، ذلك، أي: الربوبية العظيمة التي هي ربوبية السماوات والأرض لله.
الفوائد كما قال الأخ، يعطينا هو ما قدر عليها منها؟
طالب: الفوائد؟
الشيخ: إي (...) أعطني إياها، هو اللي اقترح.
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، هذه واحدة، فاهمون الفائدة هذه؟ أن من عادة الكفار إنكار ما لا يعرفون، كذا؟ سواء كان عمليًّا أو اعتقاديًّا: وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠].
الفائدة الثانية؟
طالب: قبلها ما فيه فائدة؟
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: السجود لله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: السجود لله؟
الطالب: إي نعم، من قوله: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ.
الشيخ: منين عرفت الحصر؟
الطالب: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: ٦٠]، هم أو غيرهم.
الشيخ: إي، لكن منين عرفت أن الحصر السجود لله لا لغيره؟
الطالب: لِلرَّحْمَنِ.
الشيخ: لكن هل في الآية شيء من الحصر؟
الطالب: لا، ما في الآية (...).
الشيخ: إي، ما يمنع أن يجعل السجود لغيره.
الطالب: (...) السجود للرحمن.
الشيخ: إي.
الطالب: تخصيص للرحمة (...).
الشيخ: هي الآية ما فيها شيء من طرق الحصر، لو قال: للرحمن اسجدوا لكان فيها حصر.
طالب: أن فعل الجهمية والمعطلة أعظم من فعل الكافرين، حيث أنكروا صفات الله سبحانه وتعالى، أما الكفار فلم ينكروا إلا اسم الرحمن (...).
الشيخ: زين، يعني أن تعطيل الجهمية وشبههم أعظم من تعطيل هؤلاء.
طالب: لأن (...).
الشيخ: هم يقرون بالله؟
طالب: إي (...).
الشيخ: ويقرون بالرحيم، يقرون به، ما أنكروا إلا الرحمن؛ لأنهم قالوا: ما نعرف إلا رحمن اليمامة .
طيب، وفيه؟
طالب: (...) الفائدة الثانية.
الشيخ: الفائدة يعني يقول: إذا كان هؤلاء كفرهم بإنكار الرحمن فكيف بمن ينكر جميع الأسماء من الجهمية ونحوهم؟ ومعروف أن الأسماء المعتزلةُ ما ينكرونها، لكن اللي ينكرها الجهمية غلاتهم.
طالب: إذن الجهمية أشد كفرًا من (...).
الشيخ: إي، معلوم، أعظم، اللي ينكر كل الأسماء أعظم من اللي ينكر اسمًا واحدًا.
طالب: لأن (...).
الشيخ: زين، يعني أن الشرع لا يقاس بالهوى والعقل، وإنما الشرع متبوع وليس بتابع.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، (...) غيرك.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما بعد انتهينا من الآية الأولى.
الطالب: فضيلة السجود من بين العبادات (...).
الشيخ: هذا إذا قلنا: إن السجود خاص، لكن الآية محتملة أن المراد بالسجود ما هو أعم، الخضوع المطلق، يعني مطلق الخضوع لا الخضوع (...) المعروف، ما دام فيه احتمال ما يكون استدلالًا.
الطالب: طيب، (...) نفور المدعو لا يمنع الداعي من استمرار دعوته.
الشيخ: أحسنت، وهذه مهمة جدًّا هذه الفائدة؛ لأن الآن مجال نقاش أو تساؤل من بعض الإخوان أن نفور المدعو من الدعوة لا يستوجب التوقف ولا يمنع الدعوة.
طالب: أن على الداعي ألا يهتم (...).
الشيخ: يعني، إذن ويش نقول في التعبير السليم اللي ما يرد عليه شيء: أن على الداعي ألا يربط دعوته بنتائج، بمعنى أنه ما يقول: إني شوفت نتيجة وإلا وقفت.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، زين، هذه والله ما ندري أنا أعد بأصابعي...
طالب: خمس.
الشيخ: خمس. طيب؟
طالب: ازدياد الناس نفورًا مما (...).
الشيخ: يعني معناه أن زيادة نفور المدعو يكون سببًا لصلابة الداعي ولَّا أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني أن المدعو إذا كان مؤمنًا يقبل؟
الطالب: لا، إذا كان يزداد إيمان الداعي (...).
الشيخ: منين تأخذه؟
الطالب: يعني أن الداعي زاد إيمانه بهذه الدعوة (...).
الشيخ: ما (...).
طالب: أن ذلك، أن عدم الاستجابة أو الاستجابة لا تدل على صلاح الداعية أو يعني على صلاحه؛ لأن النتيجة لا تكون دليلًا على (...) الصلاح أو عدم الصلاح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أتقى البشر هنا الكفار لما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السجود زادهم نفورًا، والنتيجة أن النفور هو (...).
الشيخ: يعني معناه أن عدم استجابة المدعوين للداعي لا يدل على سوء قصده مثلًا؟
الطالب: عن سوء قصده أو الوسيلة التي اتخذها (...) أو في ذلك الأسلوب.
الشيخ: إي، يعني على فساد قصده أو عمله؟
الطالب: نعم.
الشيخ: صحيح هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: صحيح.
طالب: (...) ولا تقصيره.
الشيخ: إي، ولا تقصيره نعم.
المهم هذه فائدة صحيحة، يعني مثلًا إذا واحد دعا ولكن ما نجح، هل يجوز لنا أن نتهمه ونقول: هذا لو كان فيه صلاح لكانت الناس انتفعوا به، ولَّا ما يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، إذن هذه فائدة عظيمة بعد؛ لأن هذه ربما يكون من بعض الناس اعتراض على الداعي، يقولون: ها الداعي هذا نيته باطلة، لو نيته صحيحة ما نفر الناس منه.
طالب: (...).
الشيخ: إي، المهم على كل حال هذه فائدة طيبة، زين.
طالب: (...).
الشيخ: إي، أو سوء القصد.
الطالب: (...) للداعي، حيث إن الكفار قابلوا دعوة الرسول الذي هو أبلغ في دعوته وأحكم من أي داع فلم يعني...
الشيخ: ينقادوا.
الطالب: فلم ينقادوا (...)، فالداعي مثلًا...
الشيخ: اللي دون الرسول من باب أولى؟
الطالب: من باب أولى.
الشيخ: إي، زين، هذا صحيح، فيه تسلية للدعاة إذا قدر أنهم لم ينجحوا مثلًا فيقال: هذا النبي عليه الصلاة والسلام دعا هؤلاء القوم وزادهم نفورًا، لكن كانت العاقبة له، فأنت اصبر وستكون العاقبة للمتقين.
طالب: لكن (...)؟
الشيخ: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠]، وسيأتي إن شاء الله الفرق بين هذه وهذه.
طالب: إثبات صفة الرحمة لله عز وجل.
الشيخ: إثبات صفة الرحمة واسم الرحمة؛ لأنهم أنكروها.
الطالب: (...) قال الأخ: المعاصي يجلب بعضها بعضًا (...)؛ لأنهم قالوا: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْهذا القول نُفُورًا [الفرقان: ٦٠]، فالمعاصي تتجاذب كما أن الطاعات تتجاذب. أقول (...).
الشيخ: هذا مرادك أنت؟
طالب: (...).
الشيخ: إذن أنت مترجم له.
طالب: (...).
الشيخ: طيب، زين. هل (...) الفوائد أظن؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، ويش فيها بعد؟
فيها أن السجود من أسباب الرحمة؛ ولهذا قال: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: ٦٠]، سواء السجود العام أو السجود الخاص.
طالب: (...).
الشيخ: اصبر، فإنه من أسباب الرحمة؛ ولهذا ما قال: اسجدوا لله؛ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ، يعني لتصلوا إلى رحمة هذا المسجود له.
فهذه تسعة؟
طالب: لا.
الشيخ: عشرة.
الطالب: (...).
الشيخ: إي.
الطالب: أن المعاصي بعضها يجلب بعضًا (...).
الشيخ: إي، هذه: أن المعاصي يجر بعضها بعضًا. طيب، ويش تقول يا أخ؟
طالب: الشيخ عبد الرحمن السعدي (...) على تفسير قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩]، يقول: إنه فَذَكِّرْ(...) نتائجها، فإذا رأيته مثلًا لم ينتفع فاتركه الآن لوقت آخر مثلًا ترى فيه انتفاعه.
الشيخ: إي.
الطالب: فمثلًا هل يعني أنك مثلًا تترك الدعوة عامة في الوقت الحاضر أو أنه (...)؟
الشيخ: هذا على كل حال تبع الحكمة: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل: ١٢٥]، قد يكون من الحكمة أنك تدعوه في وقت يكون ضجرًا أو (...) أو تعبان، ما يكون مناسبًا للدعوة، اتركه وأعطه وقتًا آخر.
الطالب: يعني يكون تفسير الآية إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى..
الشيخ: أما قوله: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، فالعلماء مختلفون فيها، هل إنها شرطية، أو إنها لبيان الحالة يمكن، يعني معناه: إن كان (...)، يعني دوله ما فيهم خير، ما هو بنافع (...)، مثلما تكون مثلًا (...)، نعم، ولكن على كل حال الأصل أن الشرط مقصود.
طالب: ما هي الفائدة (...)؟
الشيخ: إي، من هذا النوع، هذا من الحكمة، ما هو معناه أنه ما تحدثون بما لا يعرفون، لكن لأنه قال: أتريدون أن يكذب الله ورسوله ، فالمعنى: اسلكوا سبيل الحكمة.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، من ذم المشركين بعدم إجابتهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسجود لله.
طيب، في الآية، نعم؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: يعني بلوغ المشركين الغاية في الاستكبار؛ ولهذا ما قالوا: أَنَسْجُدُيعني ما ندري السجود، أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠]، يعني إحنا نمتثل أمره، يعني على فرض أننا يمكن أن نسجد فلا يمكن أن نسجد لأمرك.
وفيها أيضًا دليل على – أظن هذا – أنه لا يجوز للإنسان أن يقيس الحق بقائله، وإنما يعرف الحق بالحق لا بالقائل؛ لأن بعض الناس إذا قيل له مثلًا: هذا قاله فلان، قال: ويش فلان عند فلان، نعم، فيريدون أن يعرفوا الحق بالرجال، والواجب كما قال النووي وغيره أن يعرف الرجال بالحق. هذه أيضًا من فوائد الآية: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، يعني كأنهم يقولون: لو فرض أننا سجدنا ما سجدنا لأمرك، فيكون في هذا أيضًا دليل على أنه يجب على الإنسان أن ينقاد للحق مهما كان قائله، حتى لو كان من (...) الناس في نظرك، فالواجب عليه أن ينقاد للحق لأنه حق، لا لأن قائله ذاك الرجل.
طيب، فيه أيضًا هنا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠]، فيها قراءة، يقول: (بالفوقانية والتحتانية)، قراءتان سبعيتان.
أما على قراءة التحتانية: {لِمَا يَأْمُرُنَا} فلا إشكال فيه؛ لأن التقدير: أنسجد لما يأمرنا القائل. لكن على قراءة: لِمَا تَأْمُرُنَا، أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، هنا خصص، ويقصدون بما تأمرنا من؟ النبي عليه الصلاة والسلام، أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا، فما هو الحكمة في أنه عبر بالأول بالعموم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِأبهم القائل لعمومه، وهنا قال: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟
طالب: (...).
الشيخ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟
طالب: بعضهم قال: إنها تدل على أن دعوة الكافرين في ذاك الوقت كانت من الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت من الصحابة.
الشيخ: منه ومن غيره؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، يعني كأن كل أحد يأمرهم بالسجود، يعني مهما قيل لهم يقولون للقائل: أتسجد لما تأمرنا، فيكون الأول حكى ما يقال، وهنا حكاها على سبيل المخاطبة، هم يقولون لكل إنسان: أتسجد لما تأمرنا، أفهمتم يعني؟
فعلى هذا التقدير اللي قلنا ما يكون لِمَا تَأْمُرُنَايعني الرسول، لِمَا تَأْمُرُنَاأيها القائل، يكون هنا عدول عن الغيبة إلى الخطاب، يعني: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوالمن قال لهم اسْجُدُوا: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا.
وعلى رأي المؤلف يقول: (والآمر محمد) صلى الله عليه وسلم، يصير فيه عدول عن العموم إلى الخصوص، إذا كان أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَايا محمد يكون عدولًا عن العموم إلى الخصوص، فإذا أنكروا ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام فإنكارهم إياه من غيره من باب أولى.
طالب: ما نقول وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ(...)؟
الشيخ: نحن ما عرفنا إلى الآن القضية التي (...)؛ لأنه ورد سبب نزول الآية.
الطالب: هذا هو موقف الكفار يعني؟
الشيخ: لا، هو الآن هؤلاء الكفار أنكروا أمرين؛ أنكروا السجود، قالوا: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان: ٦٠]، كأنهم يقولون: لو جاء الأمر من غيرك لكنا ننظر. والثاني إنكار الرحمن: وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠]، هل كل كافر ينكر الرحمن؟ ما ندري.
الطالب: حديث (...)؟
الشيخ: إي صحيح.
الطالب: يدل على (...).
الشيخ: صحيح، لكن هل أنه من أجل ما ذكر، أو أنه لقوة ما أخذهم؟ يعني لما كان التهديد بالأول وذكر: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى [النجم: ٣٣، ٣٤]، وقبلها أيضًا ذم الأصنام... إلى آخره، ثم جاءت أوصاف الله: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم: ٤٨]، ثم جاء التهديد بذكر الأمثال بالأمم السابقين. كأن هذا أخذت بألبابهم حتى نسوا ما هم عليه، حتى نسوا (...).
معروف أن الرسول كان يقرأ، وأبو بكر كان يقرأ، وكان الصغار والنساء من الكفار يجيئون إلى أبي بكر يستمعون قراءته ويسمعون أيضًا قراءة النبي عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هم يطلعون لأن الرسول يبلغها والصحابة يبلغونها.
الطالب: يا شيخ، الوليد بن المغيرة (...)؟
الشيخ: ما أعرف، اللي أعرف ناشدتك الله والرحم.
الطالب: أو ناشدتك الله والرحم.
الشيخ: إي.
الطالب: طيب، هل يعني معنى ذلك أنه لما اعترف (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: هل يكون الوليد بن المغيرة استمر على هذا (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا (...).

***

طالب: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٦٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تبارك وتعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣].
مر فيما سبق أن الله تعالى أثنى على نفسه بمخلوقاته العظيمة: البروج التي جعلها في السماء لما تتضمنه من الدلالة على قدرته وعلى رحمته بعباده، وكذلك القمر والشمس، وفيهما من مصالح العباد الدينية والدنيوية ما هو معلوم، فالقمر جعله الله تعالى ميقاتًا للحج وللصوم ولآجال الناس في بيعهم وشرائهم وديونهم وغير ذلك، والشمس فيها منافع أيضًا كثيرة من إنضاج الثمار وتعاقب الليل والنهار والفصول وغيرها.
ثم بين أنه سبحانه وتعالى جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةًيخلف أحدهما الآخر، ولكن هذه الآية لا ينتفع بها إلا من أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: ٦٢]، يَذَّكَّرَيعني ما فيه من آيات الله سبحانه وتعالى، والإشارة إلى ما هو أعظم من البعث والنشور يوم القيامة؛ فإن الليل والنوم فيه بمنزلة الموت، والنهار والاستيقاظ فيه بمنزلة البعث. وأما الشكور فإنه لما تضمن هذا التخالف بين الليل والنهار من مصالح العباد ما تضمنه، صار مستوجبًا على العبد أن يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه بذلك.
ثم بين الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما سبق عن المشركين المجادلين للرسول صلى الله عليه وسلم والمكذبين له، الذين لم ينتفعوا بآيات الله ولم يؤمنوا به ولا برسوله؛ ذكر أو ختم هذه السورة بذكر من كانوا على خلاف هؤلاء، وهكذا القرآن جعله الله تعالى مثاني، تثنَّى فيه المعاني المتقابلة والمتماثلة أيضًا. ولهذا دائمًا إذا وجدت أن الله ذكر النار يذكر الجنة، وإذا ذكر الجنة ذكر النار، وإذا ذكر صفات أهل النار ذكر صفات أهل الجنة، وهكذا لأنه مثانٍ، وهذا من الحكمة؛ لأن الإنسان إذا رأى النار وصفات أهلها قد يؤدي ذلك إلى القنوت من رحمة الله، فيأتي بعده ذكر الجنة وأهلها فينشط ويرجو رحمة الله سبحانه وتعالى، والعكس بالعكس. ومن المعلوم للإنسان أنه إذا كان على وتيرة واحدة لحِقه السأم والملل، فإذا تنوعت له الأحوال وتنوع الخطاب نشط.
طالب: كيف (...)؟
الشيخ: إي نعم، هو هذا لأجل مثل ما قلنا.
الطالب: يعني ما بدأ بوصف المؤمنين (...).
الشيخ: يعني حسب المناسبة للسياق، كونه يبدأ بالجنة أحيانًا وبالنار أحيانًا حسب ما يقتضيه السياق، إنما في الغالب إذا ذكر الصفات لهذا ذكر الصفات لهذا؛ ليكون الإنسان غير مالٍّ وغير قانت من رحمة الله وغير آمن من مكره.
قال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ [الفرقان: ٦٣] مبتدأ وما بعده صفات له إلى (أولئك يجزون) غير المعترض فيه).
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ، (عباد) جمع عبد، وأضافهم إلى الرحمن إشارة إلى أن هذه العبودية التي اتصفوا بها من آثار رحمة الله، وأن الله تعالى رحمهم حتى صاروا عبادًا له.
وفيها أيضًا -في الإضافة- معنى آخر، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِأنهم عباد يتعبدون لله لرجاء رحمته، لا يتعبدون رياء ولا سمعة. فالإضافة إذن ذات شقين؛ أحدهما؟
طالب: الأولى إضافة تشريف، وأنهم متعبدون لله سبحانه وتعالى، فهم عباد ممتثلون لأمره.
الشيخ: ما حضرت، الواقع أنت ما حضرت.
طالب: أن هذه العبادة حصلت بفضل الله ورحمته.
الشيخ: نعم، أن كونهم عبادًا لله من أثر رحمته، هذه واحدة.
الطالب: الثانية أنهم عبدوا الرحمن رجاء رحمة (...).
الشيخ: إي نعم، أنهم يتعبدون لله لرجاء رحمته: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ، يعني العباد الذين يعبدون الله لرجاء رحمته، وبرحمته أيضًا عبدوه.
فهذا وجه الإضافة من الناحيتين: من ناحية أن عبادتهم لله كانت من مقتضيات رحمته، ومن ناحية أخرى أنهم يرجون بهذه العبادة رحمة ربهم، لا يرجون بذلك دنيا ولا دفع مذمة عنهم، وإنما يرجون بهذا رحمة الله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ.
طالب: فيه ثناء (...).
الشيخ: لا، إي بس قصدنا بالإضافة، الإضافة إلى الرحمن، ما قال: عباد الله، عباد الرب، وما أشبه ذلك.
وهذه العبودية عامة ولَّا خاصة؟
طالب: خاصة.
الشيخ: خاصة؛ لأن المراد بها عبودية الشرع، وعبودية الشرع خاصة بمن أتى بالشرع، أما العامة فهي عبودية القدر، وهي الخضوع لقدر الله عز وجل، وهذه عامة، كل أحد خاضع لقدر الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يستعصي عليه.
وأما قول المؤلف: (مبتدأ وما بعده صفات له)، يعني: والخبر أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [الفرقان: ٧٥]، ففيه نظر، بل الصواب أن (وعباد) مبتدأ و(الذين) خبره، وما بعده معطوف عليه، يعني: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِهم الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًاإلى آخره [الفرقان: ٦٣]، ويصير أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَجملة مستأنفة لبيان جزائهم وثوابهم؛ وذلك لأنا إذا مشينا على ما قال المؤلف لزم من هذا الفصل بين المبتدأ والخبر بفواصل طويلة لا داعي لها، ولزم أن يكون الكلام غير تام حتى نهاية أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان: ٧٥].
فالصواب أن وَعِبَادُمبتدأ، وخبره الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
قال: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] أي: بسكينة وتواضُع).
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًاأبلغ من: الماشون عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا؛ لأن الجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد، يعني الذين في حال مشيتهم يمشون على الأرض هونًا.
وفي تعريف المبتدأ والخبر دليل على الحصر كما هو معروف في القواعد؛ أنه إذا عُرف المبتدأ والخبر كان ذلك دليلًا على الحصر، يعني أن عباد الرحمن هم هؤلاء.
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًايقول المؤلف: (بسكينة وتواضع)، يعني ليس مشيتهم مشية الإنسان (...) الذي ليس بمتزن، وإنما مشيتهم مشية اتزان، هونًا بدون سرعة. ولا ينافي ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه كان يمشي بقوة وجلد كأنما ينحدر من صبب ، فإنما ذلك لقوته وليس هذا من باب العجلة التي (...). ففرق بين إنسان يمشي كمشية المجنون غير المهذب، وإنسان يمشي بقوة ولكنه مشي متزن، فالأول مذموم والثاني محمود؛ لأنه يدل على النشاط وعلى القوة، وأريح للبدن وأسرع في بلوغ الغاية، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل.
ثم إن هذا المشي هل هو المشي الحسي، أو يعم المشي الحسي والمعنوي؟
طالب: الحسي والمعنوي.
الشيخ: الجواب: يعمهما جميعًا، حتى المشي المعنوي، بدليل قوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣]، وهذا من هون المشي المعنوي؛ أنهم إذا خاطبهم الجاهلون ما يتسرعون، فيقابلونه بمثل جهلهم، ولكنهم يقولون سلامًا.
يقول: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَبما يكرهونه قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣] أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم)، وليس المراد سلامًا يعني السلام عليكم؛ ولذلك تسلط الفعل عليها فنصبها، ولو كان المراد بالسلام الجملة السلامية لكان قال: سلامٌ، ولكن المراد مثلما قال المؤلف: قولًا سلامًا، أي: (يسلمون فيه من الإثم) ومن التطاول في الأذية؛ لأن الرجل إذا قابل الجاهل بمثل قوله فالجاهل لا حدود له، لا يحده شرع ولا عقل، إذا قال كلمة أتاه بكلمتين أو بعشر، لكنه إذا كان عاقلًا مؤمنًا متزنًا فإنه يقول قولًا يسلم فيه من الإثم ومن الأذية، وهذا القول يحفظ للإنسان كرامته؛ لأنه لم يقل: إنهم يسكتون، بل قال: قَالُواقولًا، لا بد من قول، لكنه قول يسلمون به من أذية هذا الجاهل ومن إثمه وينتصرون لأنفسهم، فلا يحسبهم الجاهل جبناء، ولا يحسبهم متصفين بما يقول إذا سكتوا؛ لأنهم إذا سكتوا مع القدرة على الإنكار فإنه يدل على أنهم راضون بما وُصفوا به، ولا بد من مقابلته، ولكن كما قال الله تعالى؛ بقول يسلم فيه الإنسان من الإثم.
قَالُوا سَلَامًا، ويش مثاله؟
طالب: (...).
طالب: إذا كان جاهلًا مثلًا.
الشيخ: يعني مثلًا لو قال له: أنت فاسق، أنت سروق، أنت كذوب، أنت كذا؟
طالب: لا.
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...) قال: إن كنت صادقًا فالله يغفر لي ويرحمني، وإن كنت كاذبًا فالله يغفر لك وهو أرحم الراحمين، أو كما قال.
الشيخ: إي، يعني المهم أنه ما نستطيع أن نحدد؛ لأن هذا يرجع تحديده إلى الحال أو المقام التي يكون فيها الإنسان.
تفسير الآية (64)
01:13:45

(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًاجمع ساجد وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٤] بمعنى قائمين)
أي (يصلون بالليل).
(يصلون بالليل) أخذه من قوله: يَبِيتُونَ.
يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًاهذه معطوفة على ما سبق.
وقوله: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًاتقديم المعمول أو المتعلق يدل على الحصر، يعني لا يسجدون رياء ولا سمعة، وإنما يسجدون لله وحده لِرَبِّهِمْ.
وفي قولهم: لِرَبِّهِمْدون قوله: لله، إشارة إلى أن هذا السجود يريدون به ثواب الله ورضوانه؛ لأن الرب هو المالك المتصرف، ومن ملكه وتصرفه مجازاة هؤلاء على أعمالهم.
وقوله: سُجَّدًامعروف الساجد، وَقِيَامًاالقائم أيضًا معروف، يعني قائمين. ولم يذكر الله الركوع ولم يذكر القعود؛ لأن القيام أشرف ما في الصلاة من حيث ذكره، من حيث الذكر اللي هو القرآن، والسجود أشرف ما في الصلاة من حيث الحال والهيئة: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ، فذكر القيام لشرفه بذكره بما يقال فيه، وذكر السجود لشرفه بهيئته، فدل ذلك على أن هذا أفضل حالات الصلاة، وهو كذلك.
وقوله: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ [الفرقان: ٦٤]، قد يقول قائل: إن ظاهر الآية الكريمة أنهم يسهرون الليل؛ لأنه ذكر أن وصفهم في حال البيات القيام والسجود، فهل معنى ذلك مشروعية قيام الليل كله؟
نقول: إذا أخذنا بظاهر الآية فهو كذلك، ولكن.
طالب: عامة (...).
الشيخ: ولكن ما جاءت به السنة يدل على خلاف هذا، وأن أفضل ما يكون أن ينام الإنسان نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، كما كانت ذلك صلاة داود عليه الصلاة والسلام وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينام سحرًا ويقوم في جوف الليل صلى الله عليه وسلم .
طالب: كالقرآن يا شيخ، كالقرآن في سورة المزمل.
الشيخ: إي نعم، فيكون على هذا معناه أنهم يبيتون غالب ليلهم، أو أن الله يكتب لهم أجر الصلاة والقيام وإن كانوا بائتين، ما داموا على هذه النية وعلى هذا الفعل، ما داموا يفعلون وينوون أنهم إذا ناموا إنما ينامون ليتقووا على القيام فيكتب لهم أجره وإن كانوا نائمين.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيه عندي نظر في كونهم يصلون بالليل.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنه ما يلزم أنه يكون لازم بالليل، ربما يكون يطلق القيام على...
الشيخ: بس، يَبِيتُونَ [الفرقان: ٦٤]، البيات ما يكون إلا بالليل.
الطالب: ما يكون بيات بالنهار.
الشيخ: لا، ما يكون البيات بالنهار.
تفسير الآية (65)
01:17:29

(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: ٦٥] أي: لازمًا)
.
هذا مما يدعون الله به.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ [الفرقان: ٦٥]، وفي هذا دليل قولهم: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَأنهم لا يدلون على الله بأعمالهم، وأنهم مع قيامهم بهذا العمل خائفون من النار، ولذلك يسألون الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم.
وجهنم اسم من أسماء النار، وسُميت به لأنها بعيدة القعر مظلمة.
وقوله: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًاأي: لازمًا) كملازمة الغريم لغريمه، وهذا بالنسبة للعذاب المطلق، لا لمطلق العذاب؛ لأن مطلق العذاب ليس بلازم، فالمؤمن يعذب بالنار على حسب ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة، لكن عذابها المطلق غرام ملازم لها، فهم يسألون الله سبحانه وتعالى أن يصرفه عنهم ويبينون مقدار هذا العذاب الذي استعاذوا بالله منه أنه ملازم بمن أخذوا به.
تفسير الآية (66)
01:19:08

{إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}
[الفرقان: ٦٥، ٦٦].
(إِنَّهَا سَاءَتْبئست مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦] هي أسيؤه موضع استقرار وإقامة).
يعني معناه، المؤلف يقول: (هي أسيؤه)؟
طالب: لا، (هي أي موضع استقرار وإقامة).
الشيخ: (هي أي موضع)؟
طالب: ما نعرف أسيأه.
الشيخ: أشده سوءًا، لكن بس...
حتى بعد أنا استغربت (أسيؤه)؛ لأن المعروف أسوأه.
طالب: يعني كأنه قال: بئست المكان؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بئست المكان هي، كأنه يقال.
الشيخ: (إِنَّهَا سَاءَتْبئست مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦] هي أي موضع استقرار وإقامة).
إِنَّهَا سَاءَتْ، هذه الجملة يحتمل أنها من كلام الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أنها من كلامهم، يعني أنهم استجاروا من النار بالله سبحانه وتعالى، وبينوا سبب ذلك بأن عذابها دائم، وأنها أيضًا بئست المحل للاستقرار والمقام، فكأنهم بينوا سبب استعاذتهم بالله منها بهذين الأمرين: بدوام عذابهما، وبسوء مقامها والعياذ بالله، مما يحفزهم إلى سؤال الله تبارك وتعالى أن يصرف عنهم هذا العذاب.
إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦] عكس أهل الجنة أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤].
طالب: (...)؟
الشيخ: أنها أيش؟
الطالب: أن النار مستقر للكافرين وفي نفس السورة يفسر بأنها (...).
الشيخ: بأنها أيش؟
الطالب: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا(...) أن الجنة مستقر، وأما النار فليست موضع استقرار، أما هنا قال: إن النار موضع استقرار؟
الشيخ: لا (...) فيها حسن، يعني خَيْرٌ مُسْتَقَرًّايعني قد يدل أن في النار خيرية كما هو مقتضى اسم التفضيل وليس كذلك.
تفسير الآية (67)
01:22:12

(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواعَلَى عيالهم لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: ٦٧] بفتح أوله وضمه، أي: يضيقوا)
.
(بفتح أوله) يَقْتُرُوا(وضمه)؟
طالب: {يُقْتِرُوا}.
طالب: يُسْرِفُوا.
طالب: يُسْرِفُواو{يُقْتِرُوا}.
طالب: يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا.
الشيخ: (بفتح أوله)، يعني الأخير، عندكم (أولهما) ولَّا (أوله)؟
طالب: (أوله).
الشيخ: إي، الأخير، (وضمه) ضم أوله، لكن لو مشينا على كلام المؤلف لكان: وَلَمْ يَقْتُرُوا، (وَلَمْ يُقْتُرُوا)؛ لأنه ما ذكر حكم التاء بالمسألة الأخيرة، (...)؛ لأن (يُقْتُرُوا) ما هي بظاهرة من جهة التصريف، إنما {يُقْتِرُوا} يمكن من أَقْتَر.
طيب، نرجئ (...)، هي عندك؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لا بد (...).
إِذَا أَنْفَقُوا [الفرقان: ٦٧]، قول المؤلف: (على عيالهم)، هذا تخصيصه بالإنفاق على العيال فيه نظر، اللهم إلا أن يريد بذلك المثل، يعني مثل الإنفاق على العيال، وإلا فهو شامل للإنفاق على العيال والإنفاق في سبيل الله والإنفاق في وجوه الخير وفي كل ما يكون إنفاقًا.
فهؤلاء إذا أنفقوا لم يسرفوا، والإسراف: مجاوزة الحد، وَلَمْ يَقْتُرُوا(يضيقوا).
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٧]: (وَكَانَإنفاقهم بَيْنَ ذَلِكَالإسراف والإقتار قَوَامًا [الفرقان: ٦٧] وسطًا).
طالب: (...)؟
الشيخ: أَنْفَقُوا، ما بين المتعلق، ما قال الله: أنفقوا على عيالهم، أطلق، فيشمل كل ما أنفقوه على العيال وعلى غيرهم.
وقوله: وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، يعني: كان الإنفاق بين ذلك المذكور وهو الإسراف والإقتار.
وقوله: قَوَامًا، أي: مستقيمًا، وإنما قال: قَوَامًايعني مستقيمًا لأجل أنه قد يميل إلى الإسراف وقد يميل إلى الإقتار بحسب الحال، يعني ما بين الإسراف والإقتار منزلة، لكن قد يكون الأمر يقتضي أن يميل إلى الإسراف، وقد يكون الأمر يقتضي أن يميل إلى الإقتار، ولهذا قال: قَوَامًا، ما قال: وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَوسكت، بل قال: قَوَامًايعني مستقيمًا، إن كان الأمر يتطلب أن يزيدوا قليلًا عن الوسط زادوا، إن كان الأمر يتطلب أن ينقصوا نقصوا.
مثال ذلك: مثلًا إذا قدرنا أن الإنفاق في هذه الجهة إنفاق ألف درهم يعتبر إسرافًا، وإنفاق أربع مئة درهم يعتبر إقتارًا. بينهما الآن ست مئة درهم، أحيانًا يكون الحال تقتضي أن يجعلوها تسع مئة ويكون الفرق مئة، وأحيانًا يكون الحال تطلب أن يجعلوها خمس مئة فيكون الفرق مئة، وأحيانًا يكون الحال تقتضي أن يكون سبع مئة، المهم أنه بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، يعني على وجه تقوم به الحال، سواء ارتفع وقرب من الإسراف، أو انخفض وقرب من الإقتار، هذا معنى قوله: وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٧].
طالب: يعني مثل الصرف على البيت والأكل (...)؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأنك تجيب المطالب ولكن لا تسرف يعني (...)؟
الشيخ: لا تسرف، لكن أحيانًا تتطلب الحال أنك تزيد، مثل لو أن أحدًا دعا أناسًا ذوي جاه ومكانة، هؤلاء يزاد لهم بعض الشيء، ومن كان دون ذلك فالحكمة تقتضي أن يعطوا بقدر حالهم.
تفسير الآية (68)
01:27:32

وقوله: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان: ٦٨].
قبل الإنفاق بين الإسراف والإقتار، هو داخل في قوله: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، إذا جعلنا المشي مشيًا معنويًّا؛ لأن هذا من المشي المعنوي الهين الذي لا يميل إلى السرعة ولا يميل إلى الانحطاط.
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ.
إِلَهًابمعنى: معبودًا، ولَا يَدْعُونَهل المراد دعاء المسألة أو دعاء العبادة أو هما؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: نعم، المراد كلاهما، يعني لا يدعون دعاء مسألة ولا دعاء عبادة، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠].
دعاء الطلب واضح أنه يسمى دعاء؛ لأنك تقول: يا رب اغفر لي، ودعاء العبادة كيف كان دعاء؟
نقول: لأن الإنسان الذي يعبد الله هو داع بلسان الحال؛ لأنه إنما يرجو رحمة الله ويخاف عذابه، فالإنسان إذا صلى وزكى وصام وحج وبر والديه ووصل رحمه، ويش يريد بذلك؟ يريد بذلك ثواب الله، فكأنه يقول: رب أثبني وأعطني الجنة وأنجني من النار وما أشبه ذلك؛ لهذا سميت العبادة دعاء، وأما دعاء المسألة فواضح.
لكن كيف كان دعاء المسألة عبادة؟
نعم، لأنه يدل على الذل والخضوع لمن دعاه، وهذه هي حقيقة العبادة.
وهم لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَلا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة، ولا ينافي هذا أن يسألوا المخلوقين ما يقدرون عليه؛ فإن ذلك باعتقادهم أن هؤلاء المسؤولين سبب وليسوا مستقلين. عندما يسأل الإنسان غنيًّا شيئًا من الدراهم، أو سلطانًا شيئًا من الدراهم، هو يعتقد أن هذا المسؤول مجرد وسيلة فقط، وليس مستقلًّا بالعطاء والمنع، وإنما العطاء والمنع بيد الله، وهذا الذي أعطاك أو منعك إنما هو وسيلة، فهم...