تفسير سورة الفرقان - 10
عدد الزيارات 3095

عناصر المادة :
تفسير الآية (69)
تفسير الآية (70)
تفسير الآية (71)

مثل بناء بمعنى مبني، وغراس بمعنى مغروس، فراش بمعنى مفروش.
فكلمة (فِعال) دائمًا تأتي بمعنى مفعول، فإله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود المتقَرَّب إليه بالعبادة، وعلى هذا فأصنام المشركين تُعْتَبر آلهة باعتبار فعلِهم، أما باعتبار الحقيقة فإنها ليست آلهة حقيقة؛ لأن الألوهية حقًّا لله سبحانه وتعالى.
(وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُقَتْلهَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: ٦٨]).
وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُكلام المؤلف يقول: إن المفعول محذوف تقديره: (قتلها)، ويمكن أن نجعل المفعول المحذوف ضميرًا فقط، فيكون صلة الموصول حُذِفَ منه العائد، أي: التي حرَّمها الله، والمراد بتحريمها تحريم قتلها وأذيتها.
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُأربعة أنفس: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن. هذه هي الأنفس التي حرَّم الله، ثم إن المسلم أيضًا قد يبيح الله قتله مع إسلامه كالزاني المحصَن والقاتل عمدًا، فإن قتلَه مباح مع أنه مسلم، لكننا نقول: إن قتْل المسلم بهذه الأسباب طارئ، وإلَّا فوَصْفُ الإسلام محرِّمٌ لقتله، فالأنفس ما هي التي حرمها الله؟
طالب: المسلم، والذمي، والمعاهد.
الشيخ: المستأمن.
الطالب: المستأمن.
الشيخ: طيب، المسلم معروف، والذمي؟
طالب: الذمي هو الكافر أو (...) أهل الكتاب، إذا كان في ديار المسلمين ويعمل عندهم، ولكنه (...)، يعني مكاتب بيننا وبينه، يعني بيننا وبينه عهد.
الشيخ: يعني مَنْ عُقِدَ معه عهد على بدل الجزية والحماية.
طيب، والمعاهد؟
طالب: هو من وُقِّع بيننا وبينه عهد (...).
الشيخ: بدون حماية؟
الطالب: بدون حماية.
الشيخ: وبدون جِزْيَة.
والمستأمن من هو؟
طالب: الكافر إذا دخل ديار المسلمين بأمان منهم.
الشيخ: بأمان منهم، أحسنت، هذا هو أضعفهم، أضعفهم هذا؛ لأنه عبارة عن تأمين بدون عقد، ولهذا يصح من كل إنسان، كل إنسان يصح أن يُؤَمِّن الكافر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» . وأما المعاهدة والذمة فلا تكون إلا من الإمام أو نائبه.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ» ما يدل على أنه ما يُسقِط الإجارة حتى (...)؟
الشيخ: لا، ما يدل على هذا؛ لأنه لو كان كذلك لمنع الرسول عليه الصلاة والسلام غيرَها أن يُجير بعد ذلك، فهذا ليس معناه أنه إنشاء، بل معناه حكم وليس إنشاء، فالإنشاء حصل بإجارتها الأولى؛ يعني: كأنه يقول: قد ثبت إجارتكِ بها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا؛ لأنه كيف نعلم أنه يصير ثابتًا إلا بهذا؟ فليس هذا إنشاء وإنما هو عبارة عن بيان حكم أنه نفذ إجارتها.
طالب: ذكرنا أن عباد الله سبحانه وتعالى عباد الرحمن قد (...) ما ورد في الآيات القرآنية مثل: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة: ٢٧٣] والأحاديث.
الشيخ: لكن سؤال الناس أحيانًا يكون محمودًا، وأحيانًا يكون مذمومًا، وأحيانًا يكون مكروهًا، يعني إما كراهة أو تحريم، لكن في حال الإباحة؛ لأن الإنسان قد يسأل عند الضرورة، عند الضرورة يسأل، مباح له أن يسأل، يعني لو أن الإنسان جاع حتى وصل إلى حد إما أن يموت وإما أن يسأل، فهنا يجوز له أن يسأل.
طالب: أو يجب عليه؟
الشيخ: نعم، هو يجوز في الأصل، وقد يجب، الكلام على أن هذا حالة لا يُذَمُّ فاعلها.
لَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: ٦٨].
مِنَ الحق ما أشرنا إليه من كون المسلم يزني وهو محصن، وكذلك الذمِّي فإنه يقام عليه الحد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في رجم الزانيين المحصنين.
وكذلك من الحق أن يكون ذلك قصاصًا، ومن الحق إذا كان قاطع طريق. وأما إذا ارتد فلا يدخل في الاستثناء، بل يدخل في المفهوم: الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، فإن المرتد مباح الدم، وليس هو ممن يحرم قتلُه إلا لسبب، بل هو ممن يجوز قتله، فيكون المرتد داخلًا في مفهوم قوله: الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؛ لأن المرتد ليس مُحَرَّمًا.
وقوله: وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨] لما ذكر انتهاك الأنفس ذكر انتهاك الأعراض، والزنا: فعل الفاحشة في قُبل أو دبر، فإن كان بِذَكَرٍ سُمِّي لواطًا، وإن كان بأنثى فهو زنا، وإنما لم يَذْكِر الله تبارك وتعالى اللواط؛ لأنه أمر مستكره مستبعد حتى بالطبيعة لا تدعو إليه إلا من نكس الله تبارك وتعالى طبيعته وفطرته.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما تدخل في هذا، هي على كل حال تدخل في المعاصي الأخرى، لكن إذا قيل: لا يقتلون النفس، أو مَنْ قتل نفسًا فعليه كذا وكذا فالمراد النفس الآدمية.
طالب: القاعدة (...)؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: ما آذى طبعًا قتل شرعًا؟
الشيخ: مستقيم.
الطالب: (...) جميع ما نهى؟
الشيخ: كل ما آذى طبعًا فإنه يُقْتَل شرعًا.
طالب: يا شيخ، الجن لو عملوا الأعمال هذه كيف ما يقتلون؟
الشيخ: (...)؟
الطالب: لا، بعضهم يقتلون بعضًا.
الشيخ: حكمهم؟
الطالب: إي.
الشيخ: إلا، الظاهر أن أحكامهم مثل أحكام الإنس؛ لأن الرسول بُعِثَ إليهم، وهذا من الاعتداء؛ ولهذا يذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية إذا أُتِي إليه بالمصروع وعظه وزجره وبين له أن الاعتداء على المسلم محرم، مما يدل على أنهم يعتقدون تحريم ذلك وأنهم مُلزَمون به، فهو في الحقيقة مر علينا هذه المسألة: هل إن تكليف الجن كتكليف الإنس؟
قلنا: إن ظاهرَ النصوصِ أنهم مساوون لهم؛ لأن الرسول بُعِثَ إليهم جميعًا، ولم نعلم أن شريعة تخصهم، ولكن من نظر إلى الحكمة من التشريع وجد أن الله يُشَرِّع لكل أحد ما يناسبه؛ فعلى هذا يكون تكليف الجن يخالف تكليف الإنس، ويُكَلَّفُون بما يليق بهم، ويدلُّ على هذا أن الله جعل لهم كل عَظْم ذُكِر اسم الله عليه يجدونه أوفر ما يكون لحمًا ، مما يدل على أنهم يخالفون الإنس؛ لأن الإنس لا يحصل لهم ذلك. وأيضًا إذا كان الإنس يختلفون في التكليف بحسب الحال، فتكليف الغني بالزكاة لا يساويه تكليف الفقير لأنه لا مال عنده، وتكليف القادر على العبادة لا يساويه تكليف العاجز عنها؛ لأنه ليس فيه الوصف الذي لزم فيه التكليف.
فالظاهر والله أعلم أن يقال: حصول العبادة لا شك أنهم مكلَّفون بها، وأما صفات العبادة وفروع العبادة فإنه لا يلزم أن يكونوا مساوين للإنس؛ لأنهم يختلفون عنهم في الحقيقة، والشريعة تقتضي أن يكون كل إنسان يُشْرَع له ما يناسبه.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فأعطاهم التشريعات أو (...)؟
الشيخ: إي، لكن لا يلزم أن من كون هؤلاء الجماعة اللي اتصلوا به أن يكون انقطع تكليفهم، قد يكونون ملزمين بما يسمعونه ويعلمونه من الشريعة، وإن كان الرسول ما باشرهم؛ لأن قولهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن: ١، ٢] يقتضي أنهم يهتدون بالقرآن كله؛ لأن إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًاما سمعوا القرآن كله؛ لأن السورة مكية والقرآن ما نزل كله.
الطالب: أليس (...)؟
الشيخ: لا، هذا ليس بصحيح، مخاطَبون بالفروع بلا شك، لكن هل يلزم من هذا أن يكونوا مساوين لنا؟ هذا فيه بعض العلماء يقول: يلزم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بُعِثَ إلى الجن والإنس، ولم يُرِد أو لم نعلم أن تشريعًا خاصًّا بالجن قد جعل لهم، فما داموا مُكَلَّفين بالرسالة فإنها تلزمهم عمومًا.
وبعض العلماء يقول: مَنْ نظر إلى الحكمة في التشريع قال: إن كل قوم يُشْرَع لهم ما يناسبهم، فإذا كان الإنس إذا اختلف بعضهم عن بعض بنوعٍ من التكليف خُصَّ به، فما بالك بالجنس الآخر؟ وهذا أقرب إلى الحكمة في التشريع؛ أنَّ لهم شرائع خاصة بهم، أما أصول الدين فلا شك أنهم مثلنا؛ يعني: مثل الصلاة وأصل الزكاة وما أشبه ذلك.
طالب: يا شيخ، إذن مثل الصلاة عندهم مثل الحج عندهم، أفعالهم تختلف عنا..
الشيخ: لا، الظاهر أنها ما تختلف هذه العبادات؛ لأنهم يمكنهم أن يُصَلُّوا ويمكنُهم أن يَحُجُّوا.
الطالب: (...) عندهم (...) من النور.
الشيخ: لا، النور بعد؟ ما هم مخلوقون من النار؟
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: نعم، أنت (...) أحدًا منهم؟
طالب: لا، جلست عند اللي يقرؤون عنهم. وتكلم ناس معي يقول (...).
الشيخ: أصله ما يرى، هم لا يُرَوْن وإلا فهم أجسام.
الطالب: أجسام (...)؟
الشيخ: ما ندري، العوام يقولون: ما لهم عظام ولا لهم عصب، ما ندري عن هذا، صحيح ولَّا لا؟ المهم أنهم أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، الرسول يقول: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ» ، وقال: إنه إذا لم يُسَمِّ على الطعام فإنه يشاركه الجن، وأخبر لكم: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا» .
طالب: (...) مكنهم في الأرض؟
الشيخ: إي، مكنهم في ظاهر الأرض، لكن حسب ما نعرف مِنَ التتبع أنهم يأوون دائمًا إلى الأماكن الخالية، الأماكن الخالية هم اللي دائمًا يكونون فيها. وهذا من رحمة الله بنا وبهم؛ لأنهم لو كانوا في الأماكن المسكونة يمكن يتأذون، أو نحن نتأذى بهم. أحيانًا إذا سكن أحد في أماكن خالية (...)، يقال: إن فيه محل عندنا مهجور وله (...)، فجاء إنسان وسكنه، فثاروا عليه بالليل وقالوا: لا بد أنك تخرج عنا وإلا ترانا نقتل أولادك، فخرج، راح وتركهم.
طالب: يهددونه يا شيخ؟
الشيخ: والله، أنا الحمد لله أني سالم منهم، ما عمري سمعت منهم تهديدًا، لكن الناس معروف عندهم هذا الشيء، لكن يقولون: العلماء يقولون: إنه يجوز أن الواحد يتزوج منهم، ويش رأيك؟
طالب: (...).
الشيخ: بعض العلماء يقول: إنه يجوز، وبعض العلماء يقول: ما يجوز أن الإنسان يتزوج منهم؛ لأن مِنْ شرط الزواج مثل ما قال الله: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم: ٢١]، ومعلوم أن الإنس ما يمكن؛ أولًا: لا هم من أنفسهم، والثاني: أنه ما يمكن يسكن إليها، بينهما غاية النفور، فكيف يمكن أن تكون زوجة له.
أما صحيح أن الجن يتناكحون، ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: لقوله تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، قوله تعالى في سورة الكهف: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ.
الشيخ: أحسنت، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠]، فهذا يدل على أنهم يتزاوجون ويتوالدون، وهذا صريح القرآن والواقع أيضًا يشهد له.
أما كون الجنِّي يتزوج الإنسية، أو الإنسي يتزوج الجنية، فهذا فيه نظر، فالصواب قول من يمنع ذلك، الصواب القول بالمنع.
طالب: (...)؟
الشيخ: ولهذا الفقهاء قالوا: لو قالت امرأة إن بها جنيًّا يجامعها كالرجل وجب عليها أن تغتسل، وهذا يعني أولًا يُنْظَر في إمكانه ووجوده، ثم ينظر عاد في حكمه.
طالب: يقام عليها الحد؟
الشيخ: لا، يقام عليها الحد، ما أظن.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أنت أيش (...) ها البحث الدقيق معهم، يمكن يتصلون بك الليلة يستفهمون.
الطالب: أنا يا شيخ أقرأ عليهم، لكن (...).
الشيخ: عجيب، تقرأ يعني..
الطالب: أقرأ على اللي بيصاب (...).
الشيخ: يعني ما يهرجون؟
الطالب: إي (...).
الشيخ: هم الغالب أنهم يكلمون؛ ولهذا ذكر في الفروع عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجني يكلم شيخ الإسلام، ويخاطبه ويأخذ عليه العهد، وأنه يضربه، لكن يقول: إن الضرب يقع على المصروع في الظاهر، وهو في الحقيقة على الصارع؛ ولذلك يقول: إذا أفاق المصروع ما يحس.
وأذكر واحدًا من الإخوان قُدِّم إليه رجل قالوا: إنه مصروع، وقال: يلَّا أعطوني (...)، ولا استفاد من هذا شيئًا أبدًا، هو يصرخ المسكين يقول: آلمتوني، ولكن قام ولا الضرب واقع عليه؛ لأنه بيسوي مثل ما سوى ابن تيمية، فظن أن كل شيء يحصل له مثل هذا الأمر يفعله هذا الفعل. (...)

***

طالب: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٧٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في وصف عباد الرحمن: إنَّ من صفاتهم أنهم يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، ما تقول؟ ويش معنى هَوْنًا؟
طالب: (...) وتواضع.
الشيخ: وما المراد بالمشي هنا؟
الطالب: جميع المشي، يعني (...) سواء أكان مشيًا معنويًّا أو مشيًا حسيًّا.
الشيخ: نعم، أحسنت، تمام.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، طيب، كيف تجمع بين هذا وبين ما ثبت من صفات مَشْيِ النبي عليه الصلاة والسلام أنه يمشي كأنما ينحدر من صَبَبٍ ؟
الطالب: مشيه؟
الشيخ: كأنما ينحدر من صبب، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى الرجل يتوانى في مشيته ضربه ، كيف تجمع بين هذه الآية وبين ذاك؟
طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام كان مشيه يعني (...) قوة.
الشيخ: المعنى أنه مشي قوة وجلد وليس مَشْيَ خفة؛ هَوْنًايعني ليس خفة؛ لأن بعض الناس إذا كان يمشي، وإذا (...) بَيَّن، حركاته ما هي سليمة، هؤلاء يمشون باتزان وبقوة وجلد.
طيب، قوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ [الفرقان: ٦٣]، من المراد بالجاهل؟ هل هو غير العالم ولّا مَنْ؟
طالب: (...).
الشيخ: إي؛ يعني: ليس معناه الجاهل الذي ليس بعالم.
الطالب: (...).
الشيخ: السفيه؛ لأنه يطلق الجهالة على السفه، كقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧]؛ يعني: بسفه، ثم يرشدون.
قَالُوا سَلَامًاويش معنى سَلَامًا؟
طالب: يعني هذا القول الذي قلتم لنا سلام، يعني أنهم لا يؤاخذونهم بما قالوا، وإنما لا يتعرضون لهم بما قالوا.
الشيخ: يعني قالوا: إن ما قلتم سلام..؟
الطالب: إن ما قلتم سلام، هذا الكلام (...).
الشيخ: لا.
طالب: يردون عليهم، ولكن بقول (...).
الشيخ: يعني قولًا يسلمون به..
الطالب: يَسْلَمون به من الإثم والعدوان.
الشيخ: من الإثم والنزاع (...)، نعم هذا المراد، ليس معناه قالوا: السلام عليكم، كما يظن بعض العامة، ولا المراد أنهم لا يقولون قولًا، بل يقولون قولًا يسلمون به من الإثم فيما بينهم وبين الله، ومن (...) والخصومة والأذى فيما بينهم وبين هؤلاء الجاهلين.
طالب: (...)؟
الشيخ: فهنا الآية ما تعرضت له، لكنه يُنْظَر للمصلحة؛ يعني: هذا وصف أنهم يقولون قولًا يسلمون فيه من الإثم؛ لأنه في الغالب أن القول أحسن، والقول ما هو معناه أنه يرد عليه، يمكن القول أنه ينصحه ويقول: يا أخي، اتق الله، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيمن شتم وهو صائم، قال: «فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» ، فالمهم أن يسلك الطريق؛ لأن سكوته أيضًا قد يؤدي إلى استطالة الآخر عليه، وأنه ضعيف أمامه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: الآية ما تعرضت له، لكن إذا رُئِيَت المصلحة في هذا فلا بأس.
طالب: قول الله تعالى: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥]، هذه منطوق الآية (...)؟
الشيخ: إي.
الطالب: يعني (...)؟
الشيخ: ويش اللي قبلها؟
الطالب: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥].
الشيخ: إي، هذه غير، هذه وَإِذَا خَاطَبَهُمُ [الفرقان: ٦٣] هنا، الخطاب معهم، أما ذاك وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَيعني مثلًا الكلام ما فيه فائدة، قاموا وتركوهم وقالوا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
طيب، في هذه الآية أيضًا، في الآيات الكريمة يقول الله تعالى من صفاتهم: إنهم يتوسَّلون إلى الله سبحانه وتعالى بربوبيته ليصرف عنهم عذاب جهنم. والغالب أن الأدعية تُقَدَّر بالتوسل بالربوبية: رَبَّنَا؛ لأنها هي التي فيها التصرف والتدبير.
وفي قولهم: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: ٦٥] توسل أيضًا؛ لأن شدة هذا العذاب وملازمته يوجب للمرء الفرار منه والاستعاذة بالله منه.
وفي قوله: إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: ٦٧]، المراد بالإنفاق، أيش تقول؟ إِذَا أَنْفَقُواأيش؟
طالب: إذا أنفقوا على عيالهم.
الشيخ: بس.
الطالب: أو (...).
الشيخ: يعني: الآية ما ذكرت نوع الإنفاق، فيكون عامًّا في كل إنفاقهم سواء على عيالهم، أو في سبيل الله، أو في الزكوات، أو في الصدقات، أو في أي شيء.
إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، ما هو الإسراف؟
طالب: مجاوزة الحد.
الشيخ: مجاوزة الحد كمية أو كيفية.
وَلَمْ يَقْتُرُوا، الإقتار؟
طالب: (...).
الشيخ: إي طيب، هنا الآية: لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوابيِّنَة جدًّا يعني، لو فرضنا ما نعرف باللغة (...).
طالب: يعني (...).
الشيخ: طيب، زين، ويش يدريك أن هذا المعنى؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، فهمته مما قوبل به؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهو قوله: لَمْ يُسْرِفُوا، مثل: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١]، ثُبَاتٍالواحد ما يعرف وأيش معناها أبدًا، لكن لما قال: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًاعرفنا أن معنى ثُبَاتٍمتفرقين، وهذا مما يُعْرَف به تفسير القرآن، يعرف تفسير الكلمة بمقارنتها بما يقابلها.
وهنا ذكرنا أن المؤلف رحمه الله لم يُفْصِح بالقراءة، قال: (بفتح أوله وضمهوَلَمْ يَقْتُرُوا، {وَلَمْ يُقْتُرُوا}، هذا ظاهر كلامه وليس كذلك، ولكن إذا قُرِئ بضم الياء كسرت التاء: {وَلَمْ يُقْتِرُوا} من (أقتَر) الرباعي، لكن في الثلاثي: وَلَمْ يَقْتُرُواقراءة ثانية بكسر التاء: {وَلَمْ يَقْتِرُوا}، فتكون القراءات على هذا ثلاثة: {وَلَمْ يَقْتِرُوا}، وَلَمْ يَقْتُرُوا، {وَلَمْ يُقْتِرُوا}. والإقتار بمعنى الإقلال والتضييق.
يقول الله عز وجل: وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ [الفرقان: ٦٧]، بَيْنَ ذَلِكَالإشارة تعود؟
طالب: تعود إلى (...) الإسراف والإقتار.
الشيخ: والإقتار. وقَوَامًاويش الفائدة من الإتيان بها؟
الطالب: الفائدة أن قَوَامًا(...) فائدتها أنه لا يلزم التَّوسُّط في قوله تعالى، التوسط يعني (...) في قوله تعالى: بَيْنَ ذَلِكَ، وإنما يراعى الاستقامة في ذلك وهو (...).
الشيخ: أحسنت، تمام.
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَوالدعاء نوعان؟
طالب: دعاء مسألة ودعاء عبادة.
الشيخ: دعاء مسألة ودعاء عبادة. ما هو الدليل على تقسيم الدعاء إلى هذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: التقرب إلى الله تعالى بعبادته. إي، لكن ما هو الدليل؟
طالب: قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠].
الشيخ: إي.
الطالب: فأوَّلًا (...)، لكن هذا دعاء عبادة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم ختم الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي.
الشيخ: ولم يقل؟
الطالب: دلَّ أن الدعاء أيضًا من العبادة وهو دعاء العبادة.
الشيخ: أحسنت، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي..
الطالب: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ.
الشيخ: دلَّ ذلك على أن الدعاء عبادة، وقد جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» وهو ضعيف أيضًا، لكنه في الحقيقة واضح.
أما كون العبادة دعاء، ما وجه كون العبادة دعاء؟
طالب: من الآية؟
الشيخ: إي، ما وجه كون العبادة دعاء؟
الطالب: العبادة تشتمل على الدعاء.
الشيخ: وغير؟ ربما يصوم الإنسان ولا يدعو الله تعالى يومه كله إلا في الصلاة، والصلاة (...).
الطالب: إذا الرجل يعني (...).
الشيخ: بارك الله فيك؛ لأن حقيقة الأمر أن التعبد لله دعاء بلسان الحال، أو لا؟ فإن الإنسان العابد لو سألته: لماذا عبدت الله؟ قال: رجاء ثوابه وخوفًا من عقابه، فهو في الحقيقة داع.
ما وجه كون دعاء المسألة عبادة؟
طالب: لأنه (...).
الشيخ: إي.
الطالب: عندما يدعو يفتقر إلى الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: إي، نعم؟
طالب: أن الدعاء يعني يحتاج إلى الخضوع والخشية، فهو في غاية العبودية لله سبحانه وتعالى، فالمسلم الداعي المحتاج إلى الله الخاشع الساكن الطالب لثواب الله مفتقر فهو عابد لله غاية العبادة.
الشيخ: يعني مثل ما قال الأخ. يعني أن الداعي راجٍ خائف؟
الطالب: (...) متذلل لله.
الشيخ: هو في الحقيقة راجٍ خائف.
طالب: ثم إنه مُنَفِّذ لكلام الله تعالى في قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غافر: ٦٠]، وتنفيذ الأمر هو العبادة.
الشيخ: هو العبادة. طيب، وهذا وجه. وجه ثالث؟
طالب: (...) ولن يقدر على هذا إلا الله عز وجل (...).
الشيخ: يعني كأنه ثناء على الله؟
الطالب: نعم، لأنه (...).
الشيخ: والثناء على الله من العبادة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، المهم أننا الآن صارت عندنا أوجه ثلاثة. عندك شيء بعد؟
طالب: لأن (...) من الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ما (...)، فهو جامع بين الخوف وبين الرجاء.
الشيخ: إي، طيب، هذا زيادة إيضاح.
هذا وجه كون دعاء المسألة عبادة.
طيب، يقول الله عز وجل: وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: ٦٨]، ما هي النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو بالكتابي، الكتابي ربما يكون غير محرم. المؤمن.
طالب: (...).
الشيخ: لا. أيش تقول؟
طالب: المسلم والذمي والمعاهد والمستأمِن.
الشيخ: والمستأمِن. طيب، أربعة أصناف: المؤمن والذمي والمعاهد والمستأمِن، هؤلاء الأربعة أنفس محرمة.
وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّمستثنى من الأنفس المحرمة؛ لأن هذه الأنفس المحرمة قد تستباح بالحق. مثاله؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، فهذه في الأصل نفس محرمة، لكنها وُجِد حق يبيح قتلها، إي نعم.
وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨]؟
طالب: المرتد (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ليس ممن حرم بالأصل، لكن لما ارتدَّ صار وصفُه؟ ويش صار وصفه؟
الطالب: كافرًا.
الشيخ: طيب، إذن لا يدخل في الأربع، لكن الزاني يبقى على إسلامه مع زناه، والقاتل يبقى على إسلامه مع قتله.
الطالب: لكن المرتد ما نقول مثلًا (...)؟
الشيخ: لا، نقول: سُلِب عنه وصف الإسلام؛ يعني: زال عنه الوصف نهائيًّا، صار الآن غير محترم.
طالب: إذا زنى فقتل أو إذا مثلًا (...)؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: حديث: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ».
الشيخ: نعم.
الطالب: ما في الحديث ذكر «التَّارِكُ لِدِينِهِ»؟
الشيخ: «التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» بعضهم قال: المراد به قطاع الطريق؛ لأن قطع الطريق ترك للدين؛ لأجل أن يكون الاستثناء متصلًا.
وبعضهم قال: إن التارك لدينه هو المرتد، ويكون الاستثناء بالنسبة إليه منقطعًا؛ لأنه ليس مسلمًا من يترك دينه إلا باعتبار وصف زائد.
طالب: شيخ (...)؟
الشيخ: الخارج عن الإيمان يعني؟
الطالب: اللي (...).
الشيخ: إي، (...).
نعم. الفوائد تقولون ما خلصناها؟
طالب: لا، وقفنا على: وَلَا يَزْنُونَ.
الشيخ: (...) نكمل الآية.
الطالب: إي.

***

الشيخ: طيب، قوله تعالى: وَلَا يَزْنُونَ، الزنا يقول العلماء في تفسيره: إنه فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، ومن باب أولى اللواط؛ لأنه أخبث، ولأن اللواط لا يحل بحال، والفرج يحل بالزواج؛ ولهذا كانت عقوبة اللواط على القول الراجح الإعدام بكل حال، سواء كان مُحْصنًا أم غير محصن؛ لأنه فرج لا يباح بحال، ثم إنه أمر لا يمكن التحرز منه، فلا يمكن تطهير المجتمع إلا بإعدام الفاعل والمفعول به.
وكذلك أيضًا على القول الراجح: الزنا بذوات المحارم يوجب القتل بكل حال؛ لأن هذا الفرج لا يباح بحال من الأحوال، وقد ورد في ذلك حديث في السنن وهو صحيح ، فالزنا بذوات المحارم مثل لو زنى بأخته والعياذ بالله ولو من الرضاع، فإنه يوجب قتله بكل حال، سواء كان محصنًا أم غير محصن.
وقد وصف الله تبارك وتعالى الزنا بأنه فاحشة، ووصف اللواط على لسان لوط بأنه الفاحشة: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠]، فدخلت عليها (أل)، أما ذاك: كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢] من الفواحش، لكن كأن هذا انحصرت الفاحشة فيه لعِظَمِه وقبحه.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَأي واحدًا من الثلاثة يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان: ٦٨]).
قول المؤلف: (أي واحدًا من الثلاثة) فيه نظر؛ لأن الأصل في الإشارة أن يعود لما سبق كله، فيقتضي أن يكون وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَالمذكورَ؛ من دعاء غير الله وقتل النفس والزنا ثلاثة- يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان: ٦٨، ٦٩].
وهذا الذي قرَّرناه من عودِه على الجميع نسلم به من إيراد سيأتي عند قوله: وَيَخْلُدْ فِيهِ، فإن الزنا ليس موجبًا للخلود في النار. القتل ذكر الله تعالى في سورة النساء أنه موجب للخلود في النار وسيأتي إن شاء الله ذكره قريبًا.
الكلام أن عوده على الثلاثة نسلم به من الإيراد الآتي إن شاء الله.
وأما إذا فعل واحدًا منها على الانفراد، فيؤخذ حكمه من دليل آخر، ليس بلازم أن نأخذه من هذه الآية.
(يَلْقَ أَثَامًاأَيْ عقوبة)، والأثام والنكال بمعنى واحد، والعقوبة والنكال بمعنى واحد أيضًا. فالمراد بالأثام هنا العقوبة، وهو مفرد وليس بجمع؛ لأن الجمع: آثام، جمع إثم. وأما هذه: أَثَامًا.
تفسير الآية (69)
00:38:44
(يُضَاعَفْوفي قراءة {يُضَعَّفْ} بالتشديد)، وهي سبعية {يُضَعَّفْ} ويُضَاعَفْ. والمضاعفة والتضعيف بمعنى تكرير الشيء، وإنما ضُوعِف له العذاب؛ لأنه فعل ثلاثة أسباب للعذاب: وهي الإشراك بالله وقتل النفس والزنا. ومعلوم أن الأسباب إذا اجتمعت صار لكل واحد منها أثره، فمن فعل شيئًا واحدًا من ثلاثة فعليه إثمه، ومن فعل اثنين فعليه إثمهما، ومن فعل الثلاثة فعليه إثمهن. فهذا وجه التضعيف.
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ، والعذاب والنكال بمعنى واحد، والعقوبة الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَوْمَ الْقِيَامَةِهو اليوم الذي يُبعَث فيه الناس، وسُمِّيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِلأسبابٍ ثلاثة، ما هي الأسباب الثلاثة؟
طالب: البعث من القبور.
الشيخ: نعم.
الطالب: وقيامهم يوم العرض.
الشيخ: ما هو بداخل في الأول؟
الطالب: نعم، أقول: قيام الحق في ذلك اليوم.
الشيخ: إي، قيام العدل؟
الطالب: العدل.
الشيخ: وإقامة العدل. نعم، ويش بعد؟ الثالث؟
طالب: لأنهم قائمون واقفون (...).
الشيخ: الوقوف يعني قصدك؟
الطالب: الوقوف نعم.
الشيخ: قصدك بالقيام الوقوف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: قيام الرسل.
الشيخ: لا.
طالب: ما يؤخذ من قوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦]؟
الشيخ: إي، هذا من قبورهم، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، ولأنه تقام فيه الشهادة، يقوم الأشهاد فيه، وهم الملائكة والرسل وكذلك الأمم؛ إذن سُمِّيَ يوم القيامة لهذه الوجوه الثلاثة.
وَيَخْلُدْ فِيهِ [الفرقان: ٦٩]، يبقى فيه، فِيهِأي في العذاب: (بجزم الفعلين بدلًا وبرفعهما استئنافًا).
وين الفعلان؟ أين الفعلان؟ يُضَاعَفْ، وَيَخْلُدْ.
يعني أنه فيهما قراءتان: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ، {يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ}. وَيَخْلُدْ، {وَيَخْلُدُ}.
طيب، أما قوله: يَلْقَ أَثَامًافليس فيها سوى قراءة واحدة وهي الجزم؛ لأنها جواب الشرط، وجواب الشرط لا بد أن يكون مجزومًا، لكن فيها إشكال وهي أنها مفتوحة: يَلْقَ، فيقال: هي مجزومة بحذف الألف، وهذه الفتحة ما هي فتحة الإعراب، ولكنها فتحة الفعل.
وقوله: وَيَخْلُدْ فِيهِهذه يجوز فيها – وهي خارجة عن شبيهاتها – يجوز فيها وجهان: فِيهِبالمد، و{فِيهِ مُهَانًا} بالصلة، بالوصل بدون مد. أما فِيهِ مُهَانًافهذه على الأصل، وأما {فِيهِ مُهَانًا} فهذه على خلاف الأصل لكنها جائزة، يعني مسموعة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولها نظير، يعني هي خارج عن العادة: وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ [الفتح: ١٠]، وفي قراءة أخرى سبعية: {عَلَيْهِ اللَّهَ} يعني على الأصل.
فهذان حرفان في القرآن خرجا عن الأصل المتَّبع في القراءة المشهورة في المصاحف.
قال: (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًاحال)، وهذه من قصور المؤلف في الحقيقة، (مُهَانًاحَال) أعربها الآن على أنها حال من الضمير في قوله: وَيَخْلُدْ، أو من الضميرين في قوله: يُضَاعَفْ، وَيَخْلُدْ، لكنها للأقرب أقرب. إلا أنه لم يفسر ويش معنى مُهَانًا، ونحن إلى تفسير الكلمة أحوج منا إلى إعرابها؛ لأننا سنقرأها كما هي، لكن لا نفهم معناها.
فما معنى مُهَانًا؟
المهان المحتقر الذليل، يعني: محتقرًا ذليلًا لا يقام له وزن ولا إكرام.
تفسير الآية (70)
00:43:29

{وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ}
[الفرقان: ٦٩، ٧٠]، هذا استثناء متصل ولّا منقطع؟
طالب: متصل.
الشيخ: متصل، إِلَّا مَنْ تَابَ، فالاستثناء متصل؛ يعني من تاب من دعاء غير الله معه، ومن تاب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن تاب من الزنا.
أما الأول وهو التوبة من دعاء غير الله معه فلا شبهة فيه ولا إشكال؛ لأنه حق لله، فإذا تاب الإنسان منه إلى الله قَبِلَه إذا كانت توبة نصوحًا، ولا حاجة إلى أن يستأذن أحدًا، يحتاج أنه يسترخص من الصنم؟
طالب: ما يحتاج.
الشيخ: ما يحتاج.
وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ(...) واضحة، وكذلك أيضًا ما ثبت في الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا، ثم سأل عابدًا هل له من توبة؟ فقال العابد: لا، ما لك توبة. العابد جاهل، واستعظم تسعة وتسعين نفسًا، فقال: ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة، فقتله. وهذا من الجريرة التي يجرها الإنسان على نفسه إذا أفتى بغير علم. ثم سأل عالمًا: هل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكنه أرشده إلى أن يخرج من قريته هذه إلى قرية أخرى يكثر فيها الصالحون.. إلى آخر الحديث . فإذا كان هذا في بني إسرائيل، فما بالك بهذه الأمة الذين وضع الله عنهم الآصار والأغلال؟!
طيب، التوبة من قتل النفس التي حرم الله هل يتعلق بها حق آخر لغير الله؟
الجواب: نعم، يتعلق بها حقان آخران؛ أحدهما: حق المقتول الميت، والثاني حق أولياء المقتول، فلا تصح التوبة إلا بالتمكين من ذوي الحقوق أن يأخذوا بحقوقهم.
فنقول: الميت لا يمكن الوصول إلى أخذه بحقه، ولّا لا؟ ما يمكن؛ لأنه مات ولا نعلم عنه، وربما نعلم في الحقيقة أحيانًا إذا لم يمت حتى أباح صاحبه، حتى أباحه ربما يعلم، لكن في الغالب أنه ما يُعلَم.
وأما أولياء المقتول فالتمكين من حقهم ممكن، فيذهب إليهم ويسلِّم نفسه لهم ويقول: أنتم الآن بالخيار، تريدون الدية؟ تريدون القتل؟ تريدون العفو؟
طيب، إذن نقول: التوبة من قتل النفس يتعلق بها حقان آخران غير حق الله، حق ممكن تحقيقه وهو حق الورثة أولياء المقتول، وحق يمكن أو لا يمكن وهو حق المقتول، فإن أمكن تحقيقه في الدنيا وأسقطه فذاك، وإلَّا فإن الله سبحانه وتعالى إذا علم مِنْ هذا القاتل أنه تاب إليه توبة نصوحًا فإن من تمام توبة الله عليه أن يعطي المقتول حقه حتى لا يأخذ من حسنات القاتل شيئًا.
طالب: ذكرنا أن الضمير في الآية يعود إلى الأفعال الثلاثة، ثم الآن خصَّصنا لكل واحد مع قوله: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَدليل في أنه (...) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَوما بعدها (...).
الشيخ: لا، عمومًا، لكن الآن نبغي نحقق التوبة، وما هي التوبة؟
التوبة هي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.
بقينا بالزنا: وَلَا يَزْنُونَهل يتعلق به حق آخر سوى حق الله؟
طالب: (...).
الشيخ: إذن يحتاج إذا تاب أن يستبيح أو أن يستحلَّ المزني به، ولّا ما يحتاج؟
الطالب: إذا كانت مجبرة (...).
الشيخ: إي معلوم، إذا كان باختيارها ما فيه، هي التي جنت على نفسها.
طالب: (...).
طالب: إذا كانت ذات زوج (...).
الشيخ: دعنا من إذا كانت ذات زوج، لكن إذا لم يكن لها زوج؟ فإذا كان باختيارها فلا حق لها؛ لأنها هي اللي انتهكت عرضها، وإذا كانت مُجْبَرة فلها حق، فلا بد من استحلالها؛ أن تُسْتَحَلَّ.
وقد يقال: إن التوبة إذا صارت نصوحًا، وتاب إلى الله فلا حاجة إلى الاستحلال، فإن الله تعالى يتوب عليه، كما ثبت في الحديث الصحيح أن الحدَّ يكون كفارة للذنب ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فوقه بدون استحلال. ومن نظر إلى أن هذا فيه حق انتهاك عرضها وإكراهها على الفاحشة وسوء سمعتها وأهلها، قال: لا بد من استحلالها في هذا الأمر؛ لأنه أمر عظيم، ومَنْ نظر إلى عمومات الأدلة الدالة على أن الزاني إذا أقيم عليه الحد وإذا تابَ تاب الله عليه، قلنا: إن الله تعالى يتحمل عنه حق هذه المرأة المزني بها. وعلى هذا فالاستحلال أولى، استحلاله أولى وأحسن.
طالب: لا فرق -يا شيخ- بين البكر والثيب؟
الشيخ: كله واحد.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، لكن من جهة النار، مسألة التوبة.
الطالب: (...).
الشيخ: لا ما هو من صحة التوبة، لكن لا بد من أن يبذل لها النقص الذي حصل، مثل ما لو أتلف مالها.
الطالب: ولو لم يبذل ما تُقْبَل؟
الشيخ: تصلح، ويكون ذنبًا آخر مستقلًّا، تصح ويكون ذنبًا آخر مستقلًّا. وقد نقول: إنه من تمام التوبة ولا تصح؛ لأن هذا الفعل ناشئ عن ذلك، إنما على كل حال هذا ما يدخل في مسألة العرض، إنما يدخل في مسألة المال، البكارة من جهة المال لا من جهة العرض.
إذن نقول: الأوَّل حق لله محض ولا إشكال فيه، والثاني حق لله ولغيره ولا إشكال فيه، والثالث حق لله ولغيره. ولكن من نظر إلى عمومات الأدلة الدالة على أنه ليس بشرط أن يستحل مَنْ زنى بها قال: لا حاجة إلا الاستحلال، ولكن الأولى يقول: الأحوط أن يستحل.
قال: إِلَّا مَنْ تَابَوشروط التوبة مرت علينا، أظنها خمسة، ما حاجة لإعادتها.
طالب: الشرط الرابع (...)؟
الشيخ: بيِّنْهم لنا. هو يقول: الرابع والخامس عاد ما يدري ويش الثلاثة اللي بعدها؟ عدهم كلهم الآن؟
طالب: شروط التوبة: الندم على ما فات، وإذا كانت تتعلق بحق (...).
الشيخ: قبل، اذكر بالترتيب، والإقلاع.
الطالب: الإقلاع عن الذنب.
الشيخ: إي، الندم والإقلاع.
الطالب: وإذا كانت تتعلق بـ...
الشيخ: والعزم؟
الطالب: والعزم على عدم العودة، وإذا كانت تتعلق بحق (...).
الشيخ: لا، هذا ما هو بشرط.
طالب: والإخلاص.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأن تكون في محلها.
الشيخ: نعم، في محل قبولها، في وقت قبولها.
الإخلاص لله؛ لأن الإنسان قد يتوب رياء.
طالب: إعادة الحق (...).
الشيخ: الإقلاع عن المعصية يشمل إعادة الحق؛ لأنه ما دام الحق عندك ما أقلعت، إي نعم؛ ولهذا نقول: (...) نزيد شرطًا رابعًا، نقول: هذا الشرط داخل في قولنا الإقلاع.
الطالب: لكن (...)؟
الشيخ: لا، ما يقدر.
الطالب: على ألا يعود يعني؟
الشيخ: ما ينفع، يمكن يعزم على ألا يعود نظرًا لأن السلطة قوية ما يستطيع، لا بد من الإخلاص، كل عمل صالح لا بد فيه من الإصلاح.
أما كونها في محلها؛ فهي بالنسبة لكل واحد أن يتوب قبل أن يعاين الموت؛ لقوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، وبالنسبة لعموم الناس أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، فإنها بعد طلوع الشمس من مغربها لا تُقْبَل لو تاب الإنسان.
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ.
طالب: (...)؟
الشيخ: يقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف: ١١١]، والنبي عليه الصلاة والسلام ما هو (...) نفهم القصة فقط، لكن نعتبر بها وإلا لكانت لغوًا.
أما كونها في شريعة منسوخة، فإن مثل هذه الأمور ما (...)، يعني كون الله يتوب على من تاب هذه من صفات ما تتخلف، ثم إن نسخها لا يمكن أن ينسخ إلى أسوأ في هذه الحال؛ لأن هذه الأمة أكمل من غيرها، قد رفع الله عنها الآصار والأغلال، ولو كانت التوبة لا تُقْبَل من القاتل لكان هذا من أعظم الآصار والأغلال التي على هذه الأمة؛ ولهذا بنو إسرائيل ما يقص علينا شيئًا من قصصهم ولا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام إلا للتَّحذير مما يكره والترغيب فيما يحب.
طالب: (...)؟ نجمع بينها وبين هذه الآية رغم أنها صريحة، عدم التوبة؟
الشيخ: الآية التي ذكرت: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان: ٦٩]، هذه لغير التائبين، ما فيها إشكال، مع التوبة ما فيها إشكال.
الطالب: (...) آية النساء: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]؟
الشيخ: إي نعم، نحن نقول: حتى في الشرك ما ورد فيه الخلود؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الخلود الأبدي بعد، ومع ذلك لو تاب منه؟
الطالب: قُبِلَت توبته.
الشيخ: قبلت توبته، هذه مثلها. لكن الكلام (...)؟ على أنه إذا تاب هل نقول: إن التوبة قُبِلَت مطلقًا، أو نقول كما قال ابن القيم مثل ما قلنا: إن التوبة يتعلق بها ثلاثة أشياء ولا بد من تحقيقها.
الطالب: قول ابن عباس (...).
الشيخ: إي، لو قاله يُحمَل مثل ما قال ابن القيم يُحمَل على أنه لا يجد له توبة بالنسبة لحق (...)؛ لأن الله يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣]. وحقيقة يعني إن بالنسبة للميت في الغالب ما يمكن الوصول إلى التوبة، ويش السبب؟ لأنه فات ما يمكن الاستحلال، وأما بالنسبة لحق الله فلا شك فيه أبدًا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا يا أخي، هذا جزاؤه، (...) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦]، ومع ذلك إذا أسلموا وتابوا قبلت توبتهم.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) عليك في باب التوبة؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، احفظها يا أخي.
الطالب: على العقل.
الشيخ: طيب، أولًا -سلمك الله- الندم على فعله، والثاني العزم على ألا يعود، والثالث أن يقلع عن المعصية، والرابع الإخلاص، والخامس أن تكون في وقتها. (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، لأنه قد يقلع الإنسان ويقول: والله أنا اليوم ما أنا بأسوي ها الفعل، لكن باكر أفعله.
طالب: طيب، يا شيخ قد يدخل العزم في الإخلاص.
الشيخ: لا.
الطالب: لأنه إذا أخلص في التوبة دليل على أنه لن (...).
الشيخ: هو أيضًا لو قلنا هذا الكلام على أن تكون التوبة لله، هذا معنى الإخلاص، وإلا حتى إذا أخلص بيقلع وبيندم و.. كل الشروط هذه (...)، ما عدا أن تكون في الوقت. لكن المراد معناه أن يكون الحامل لها الإخلاص لله؛ يعني ما تاب لا رياء ولا سمعة ولا خوفًا من سلطان ولا شيء.
طالب: قوله تعالى في سورة طه: فَلَا يَصُدَّنَّكَ [طه: ١٦]، وفي سورة القصص: وَلَا يَصُدُّنَّكَ [القصص: ٨٧]، رغم أنها في (...)؟
الشيخ: طيب، اقرأ آية طه.
الطالب: قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا [طه: ١٥، ١٦].
الشيخ: مَنْهذا الفاعل؛ مَنْ لَا يُؤْمِنُ، كذا؟ إذن الفعل مفرد ولَّا مجموع؟
الطالب: مفرد.
الشيخ: مفرد، إذا كان مفردًا يُبْنَى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأنه ما بينه وبين التوكيد شيء، وهذيك وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ [القصص: ٨٧] ويش اللي قبلها؟ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ [القصص: ٨٦، ٨٧] يعني المجرمون، فهو عائد إلى جمع، فيكون الفعل الآن غير مباشر لنون التوكيد، أصله: يصدونَنَّك، (ولا يصدونَنَّك)، مفهوم؟ فحُذِفَت النون للجازم، وبقي عندنا الواو ساكنة والنون المشددة ساكن أولها، حُذِفَت الواو لالتقاء الساكنين، ثم بقيت الدلالة على ما هي عليه. واضح؟
طالب: (...)؟
الشيخ: إي.
طالب: التائب من الزنا مثلًا هل يلزم عليه إقامة الحد على نفسه؟
الشيخ: يعني: يأخذ عصا ويضرب نفسه؟
الطالب: لا، يطلب مثلًا من الحاكم مثلما فعل ماعز ومثلما فعلت الغامدية.
الشيخ: لا، ما يلزم، بل الأولى أنه يستر على نفسه.
الطالب: فِعْل هؤلاء مثل ماعز والغامدية؟
الشيخ: فِعْلُ هؤلاء اجتهادًا منهم ولا مانع منه، والرسول عليه الصلاة والسلام لاحظوا أنه يراعي أشياء يفعلها الإنسان اجتهادًا ولا يُنْكِر عليه إذا صار ما هي بمخالفة للشرع، مثل الصدقة عن الميت والحج عن الميت وما أشبه ذلك مما لم يَأْمُر به الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا جائز وليس من الأمور المشروعة.
الطالب: طيب يا شيخ، إذا كان الذنب مثلًا (...) يطرق عليه بابه (...)؟
الشيخ: إذا كان مات، افرض أنه مات، أخذ من إنسان مالًا وتاب إلى الله، هل يلزم أنه يروح ويقول: (...) مالك؟
الطالب: إي هذا يلزمه.
الشيخ: يلزمه.
الطالب: يُرَجِّع المال إذا كان سالفه؟
الشيخ: إي.
طالب: (...).
الشيخ: يلزمه، من تمام التوبة أن يعيد المال.
طالب: إي؛ لأنه حقه.
الشيخ: طيب، «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» ، فإذا تاب هو؟
الطالب: يروح (...).
الشيخ: يعني مثل المال؟
طالب: ويستغفر له، يعني ما رأيك؟
الشيخ: لا، أسألك أنا لأن هذه مناقشة: هل هناك فرق بين المال والعِرْض، والرسول جمع بينهما؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن نقول: روح اذهب إليه، واستحله، مفهوم؟
الطالب: إي.
الشيخ: طيب، وإلى هذا ذهب الفقهاء رحمهم الله، المذهب أنه إذا تاب من الغيبة يجب عليه يخبر المغتاب، يقول له مثلًا: أنا حصل مني كذا وكذا فأرجوك أن تسمح لي.
والقول الثاني: لا؛ لأن الغيبة عبارة عن قدح فيه، وردُّها بمثلِها، وذلك بأن تُثْنِي عليه في المكان الذي اغتبتَه فيه بما يزيل هذه الغيبة، فهمت؟ (...) في الحقيقة؛ لأنه كونك تروح تقوله: والله حلني، ما ذاك برد، اعتباره الذي سقط حينما اغتبته في المجلس هل يزول إذا حللك؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما يزول، يبقى، فردُّ الغِيبة أن تثني عليه في مقابل الثناء بالسوء، تثني عليه بالخير في مقابل الثناء بالسوء. وهذا أصح؛ لأنه في الحقيقة لو تذهب تُعَلِّمه يمكن تأخذه العزة بالإثم يقول: لا. ثم (...) أني قلت: والله فلان بخيل، قال لي: لا، ما قال: بخيل وبس، قال: بخيل وشرير وفاسق وفاجر؛ لأن الشيطان يقول له كذا، فيتصور أن الأمر أكثر من هذا ولا يسامحك، فما دام الأمر أنه ما بعد وصله العلم.
أما نعم، لو وصله العلم وعرفت أن الرجل قد أُخْبِرَ عنك بأنك اغتبته فهنا لا بد أن تستحلَّه، فهمت الآن؟ فصار الخلاصة أن يقال: إن المغتاب إن كان عالمًا بغيبتك فهو الآن قد ثار في نفسه عليك شيء، لا بد أن تستحله ليزول ما في نفسه، وإن كان مثلًا ما بعد بلغته، ما عمرك تكلمت إلا بها المجلس، وعرفت أنه ما وصله العلم، فهنا ما حاجة إلى أن تذهب وتقول له، وإنما تثني عليه بالخير مقابل ثنائك عليك بالشر. هذا القول هو الصحيح واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (...)

***

طالب: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٠ - ٧٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًامنهم فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ).
هذا مستثنى من قوله: يَلْقَ أَثَامًاوما أُبْدِل منه، يعني إِلَّا مَنْ تَابَفإنه لا يلقى أثامًا ولا يُضاعَف له العذاب ولا يخلد فيه.
وتقدَّم أن شروط التوبة خمسة: الإخلاص لله، والندم على ما وقع، وأن يُقْلِعَ عنها، وأن يَعْزِمَ على ألا يعود، وأن تكون في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة؛ في وقتها.
وتقدم أيضًا أن هذا الاستثناء يشمل كلَّ الذنوب الثلاثة: الشرك، وقتل النفس، والزنا، وأن ما ذُكِرَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القاتل لا توبة له ، فإن أراد على وجه الإطلاق فليس بصحيح، وإن أراد لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول؛ فهذا صحيح، على أننا نقول: لا يبعُد أنه إذا تاب توبة نصوحًا أن يتحمَّل الله تعالى وتبارك عنه حق المقتول فيرضيه.
طالب: قول ابن القيم في إعلام الموقعين: إن الحدود تسقط بالتوبة (...)، واستدل بحديث البخاري أن رجلًا وقع على امرأة (...)، فذهبوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إن هذا الذي زنا بي، فلما أراد أن يقيم عليه النبي صلى الله عليه وسلم حدَّ القذف اعترف الرجل عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا الذي فعلت بها، فقال عمر: ألا تقيم الحد على هذا الذي اعترف؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ تَابَ» (...)؟
الشيخ: بالقرآن: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
الطالب: ما يقام عليه الحد؟
الشيخ: ما يقام عليه الحد إذا تاب قبل القُدْرَة عليه، إذا كان هذا في قطاع الطريق وذنبه من أعظم الذنوب، فهذا من باب أولى إلا حد القذف إذا قلنا: إنه حق للآدمي، فلا يسقط إلا بإسقاط المقذوف.
الطالب: (...) اعترافه؟
الشيخ: على مسألة التوبة أو أن الرسول عَلِم منه ذلك، المهم أنه إذا تاب قبل القُدْرَة فإنه يقام عليه الحد، نعم.
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًاالتوبة تقدم الكلام عليها، والإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع: تصديق القلب المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مُجرد التصديق، بل هو تصديق مستلزم لهذا، فإن لم يستلزم فليس بإيمان.
قلنا المستلزم لأي شيء؟ للقبول والإذعان، يقبل ما جاء به الشرع ويُذْعِنَ له، فيصدقه إن كان خبرًا ويقوم به إن كان طلبًا.
طالب: إذا لم يتب القاتل؟
الشيخ: إذا لم يتب القاتل فعليه الوعيد الذي ذكر الله سبحانه وتعالى.
الطالب: طيب، (...)؟
الشيخ: نعم، هو تحت المشيئة، لكن من يقول: إنه يغفر له؟
وقوله: وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا.
هنا ذكر العمل ووصفه بالصلاح؛ لأن العمل غير الصالح لا ينفع صاحبه، والعمل الصالح ما جمع شرطين وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن فيه الإخلاص فليس بمقبول، وإن لم يكن فيه المتابعة فليس بمقبول، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ، هذا دليل أن غير المخلَص فيه مردود.
وأما غير المتابَع فيه؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ويجمعهما قول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].
وقوله: (منهم)، منين؟ أي: من فاعل هذه الأمور الثلاثة؛ الشرك وقَتْلِ النفس والزنا، وإنما قيَّدها بذلك لقرينة السياق ولئلا تتكرر مع ما بعدها.
(فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْالمذكورة حَسَنَاتٍفي الآخرة).
يبدلها: التبديل: جعْلُ شيء مكان شيء، وهذا التبديل هل هو تبديل قَدَرَيٌّ، أو تبديل جزائي؟
اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم مَنْ قال: إنه تبديل قَدَرَيٌّ، ومنهم من قال: إنه تبديل جزائي.
كيف ذلك؟ الذين يقولون: إنه تبديل قَدَرِيٌّ يقولون: إن معنى تبديل السيئات حسنات أنه لما آمن وعمل عملًا صالحًا صار بدلَ الشِّرْكِ إيمان، وصار بدل الزنا وقتل النفس عمل صالح؛ يعني معناه: أن هذا الإيمان والعمل الصالح صار بدلًا عن الكفر والزنا وقتل النفس. فالمعنى أن إيمانه وعمله الصالح الذي فعله هو الحسنات التي أبدل الله تبارك وتعالى السيئات بها، فيكون هذا التبديل قدريًّا.
وقيل: بل هو جزائي، بمعنى أن هذه المعاصي نفسها تكون حسنات، يبدل الله السيئات السابقة يجعلها حسنات، بالإضافة إلى حسناته الأخيرة التي قُدِّرَت له ففعلها. وكيف ذلك؟ يقولون: لأن هذه السيئات لما تاب منها صار له بكل توبة من هذه السيئات حسنة، فأُبْدِلَت سيئاته حسنات بالتوبة منها، ولأنه كُلَّما تذكر ما سبق من أعماله السيئة أحدث له توبة، فكانت هذه الأعمال السابقة صارت حسنات بالتوبة منها.
والصحيح شمول الآية لهذا وهذا، وأن الآية شاملة للأمرين، فإن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًاتبدَّلت سيئاته السابقة فصارت حسنات، لكنها ليست هي الأولى نفسها، وكذلك إذا تاب منها جوزي على هذه التوبة بالثواب، فصارت السيئات بالتوبة منها حسنات.
وكلام المؤلف يميل إلى الثاني؛ إلى أن التبديل هذا تبديل جزائي؛ لقوله: (في الآخرة)؛ لأنه لو كان قدريًّا ما كان في الآخرة؛ إذ التبديل القدري إنما يكون في الدنيا؛ لأنه عمله.
والصحيح شمول الآية للأمرين، فبالإيمان والعمل الصالح تبدَّلت أعماله إلى أعمال صالحة، وبالتوبة من السيئات صارت السيئات السابقة حسنات؛ لأنه يزداد بهذه التوبة رِفْعَة ومقامًا عند الله سبحانه وتعالى.
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاأي: لم يزل متَّصفًا بذلك).
و(كان) هنا كما مر علينا مجردة من الزمن، والمراد بها: اتصاف اسمها بخبرها صفة لازمة، ولهذا قال: (أي لم يزل متَّصِفًا بذلك) أي: بالمغفرة والرحمة.
والغفور صيغة مبالغة أو صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والدوام والكثرة، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، يعني ستر الذنب وإسقاط عقوبته، وليس مجرد الستر لأنه مأخوذ من المِغْفَر، وبالمِغْفَر يكون الستر والوقاية.
وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الواصلة إلى المرحومين؛ لأنها تدلُّ على الفعل مع الصفة أيضًا، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بسببها الإنعام والإحسان إلى الخلق بجلب المنافع ودفع المضار.
وأما من فسَّر الرحمة بالإحسان أو بإرادته فقوله خطأ؛ لأنَّ إرادةَ الإحسانِ أثرٌ من آثار الرحمة، وكذلك الإحسان، وليس هو الرحمة. وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
طالب: شيخ، قولنا: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًاهنا صفة مشبهة ربما (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) ولم تضف.
الشيخ: ما هو بلازم تُعْمَل ولا تضاف، وأما نصبها فللعامل، نصبها للعامل.
الطالب: ورد حديث ما معناه: ما يزال العبد يرى سيئاته تضع في كفة موازين حسناته (...)، حتى يتمنى أن لو أكثر من السيئات .
الشيخ: ما أعرف هذا الحديث، لكن نظرًا إلى أنها تبديل السيئات بحسنات يمكن من هذا الوجه.
تفسير الآية (71)
01:16:07

(وَمَنْ تَابَمن ذنوبه غير مَنْ ذُكِر)
، ولهذا قال فيمن سبق: (وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًامنهم)، من هؤلاء.
وإنما قال: (غير مَنْ ذُكِرَ) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء، وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذِكْر العام على الخاص؛ لأن إخراج مَنْ سَبَق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يقال: إن الآية الثانية عامة تشمل مَنْ سبق وغيرهم.
(وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًاأي: يرجع إليه رجوعًا فيجازيه خيرًا).
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًاتَابَرجع من ذنبه، وَعَمِلَ صَالِحًا: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استعتب مما فعل وازداد خيرًا.
يقول: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا؛ أي: مَتَابًاتامًّا، فالمصدر هنا لتعظيم هذه التوبة؛ أي: مَتَابًاعظيمًا لكمال هذه التوبة. وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، مَنْ تاب فإنه يكون تائبًا! لا، المقصود أنَّ توبته هذه توبة كاملة عظيمة، الإتيان بالمصدر: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًاللدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعَها وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبيَّن بذلك صحة توبته وكمالها.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل يُشترَط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترَط؟
فمنهم من قال: إنه يشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون هذا شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن مَنْ تاب ولم يُصْلِح عملَه فإنه ليس بتائب.
وقال بعض العلماء: بل تصحُّ التوبة مع عدم إصلاح العمل.
وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة.
مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا؛ لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبِلَت توبته.
ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يشترط إصلاح العمل تصحُّ توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول: إذا كان من جنس ما تاب منه ولم تقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
ولكن الصحيح أن يقال: أما إن أريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء، ويصدُق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة.
وأما إن أريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تقبَل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل: مَنْ عمل خيرًا فله، ومن عمل شرًّا فعليه، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته من عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح.
فالصواب في هذا أن يقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلى بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله مَنْ هو مُصر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها؟!
وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعيَّن؛ يعني: مطلق توبة لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى.
طالب: شيخ، في الحديث أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله سبحانه وتعالى: علم عبدي أن (...) ، هذا دليل على أنه يعني إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقْبَل توبته؟
الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا.
الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟
الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولا رجع إليه، لكنه عاص لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم.
طالب: إذا قلنا بأن (...)، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة؛ مثل قلب السيئات إلى حسنات.
الشيخ: نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة.
طالب: تُقْلَب (...)؟
الشيخ: الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟
الطالب: إي، بس لا هذا العام؟
الشيخ: لا أبدًا، لكن إما الشرك والزنا وقتل النفس.
الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة.
الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى مَنْ تاب توبة خاصة مِنْ ذنب خاص بُدِّلَت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا لأنه تركها لله، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن مَنْ هَمَّ بسيئة فتركها كُتِبَت له حسنة ؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله. ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل مِنَ الله عز وجل والحياء منه؛ هذه من الحسنات العظيمة.
الطالب: ما دام عليه وصف العاصي (...).
الشيخ: إي، عاص بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا.
الطالب: طيب، ما الفرق بين الزنا (...)؟
الشيخ: كيف الفرق؟
الطالب: يعني مثلًا (...) كلهم مثلًا؟
الشيخ: الفرق بينهم أن هذا يُجْلَد، وهذا تُقْطَع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه وذاك فاسق من وجه آخر؛ هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) من الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القَدْر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلَق للتوبة لا يصح، لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يُقْبَل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح.
الطالب: طيب، ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟
الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟
الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر يعني شديدة، وهناك (...)؟
الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغْفَر له، واللي أصرَّ عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عمل خيرًا بتوبته؟
طالب: هو ربما وصفه يعني واضح، لكن أن تُقْلَب إلى حسنة يعني (...).
الشيخ: طيب، نحن قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأن مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الحسنة الجزائية؛ أنه يجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب واستقامته، هذا (...)، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا.
طالب: القدري واضح.
الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته.
طالب: (...)؟
الشيخ: قدريٌّ من القدر.
الطالب: وأيضًا الجزائي مِنَ القدر.
الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقَدَّر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يجزى على نفس السيئات حسنات.
طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا(...) ويش نعربها؟ عاطفة؟
الشيخ: إي نعم، عاطفة.
الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل.
الشيخ: إي، لكن عاد عمل صالحًا نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح.
الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا (...)؟
الشيخ: إي، مثل: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
طالب: ذكرنا أن العاصي يعرف من نفسه أنه ضعيف الإيمان وسيُسَلَّط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية (...) كل ما يعمل معصية يتوب وإلا (...)؟
الشيخ: لا، يتوب، ويش يدريه؟
الطالب: سيعرف أنه سيذنب.
الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أننا نقول: لا تستمر، ما يجوز هذا.
الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ.
الشيخ: طيب، معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أبغي أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي، كلما سنحت لي الفرصة بأفعل، هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه.
الطالب: ولو تعددت توبته؟
الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدِّر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب.
طالب: (...)؟
الشيخ: واستغفارك أيضًا..