كتابًا وبابًا وفصلًا.
فالكتاب: عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس مثلما نقول: (حَبّ) يشمل: البُرَّ والشعير والذُّرة والرز لكن البُرَّ شيء، والشعير شيء آخر.
كتاب الطهارة يشمل كل جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلق بها.
لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس.
أما الفصول: فهي عبارة عن مسائل تتميز عن غيرها ببعض الأشياء، إما بشروط أو بتفصيلات.
وأحيانًا يُفَصِّلُون الباب لطول مسائله، لا لانفراد بعضها في حكم خاص، ولكن لطول المسائل يكتبون فصولًا.
(الآنية): جمع إناء، وهو الوعاء، وعاء الشيء أي: إناء الشيء، يعني: الإناء هو الوعاء، وذكرها المؤلف هنا، وإن كان لها صلة بباب الأطعمة؛ لأن الأطعمة أيضًا لا تؤكل إلا بأوانٍ؛ فباب الآنية لها صلة بباب الأطعمة الذي يذكره الفقهاء في آخر الفقه، وله صلة هنا في باب المياه؛ لأن الماء -كما تعلمون- جوهر سيَّال لا يمكن حفظُه إلا بالإناء؛ فلهذا ذكروه بعد باب المياه.
ومعلوم أن من الأنسب إذا كان للشيء مناسبتان أن يُذْكَر في المناسبة الأولى؛ لأنه إذا أُخِّرَ إلى المناسبة الثانية فاتت فائدته في المناسبة الأولى لكن إذا قُدِّمَ في المناسبة الأولى لم تفت فائدته في المناسبة الثانية اكتفاء بما تقدم.
(الآنية): الأصل فيها الحِل؛ لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩] ومنه الآنية؛ لأن الآنية من الأرض، نعم ربما يَعْرِض فيها شيء يوجِب تحريمها، كما لو اتُّخِذَت على صورة حيوان مثلًا فهنا تَحْرُم؛ لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمة، وإلا فالأصل فيها الحل.
والدليل ما ذكرتُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًاهذا من القرآن، ومن السُّنَّة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» .
الأصل في الأشياء الإباحة وفي العبادات التحريم إذن فالأصل فيما سَكَتَ الله عنه الحل إلا في العبادات؛ في العبادات الأصل التحريم؛ لأن العبادات طريق موصل إلى الله عز وجل؛ فإذا لم نَعْلَم أن الله وضعه طريقًا إليه حَرُم علينا أن نتَّخذه طريقًا.
وكما دلت الآيات والأحاديث على أن العبادات موقوفة على الشرع؛ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] دلَّ هذا على أن ما يَدين به العبد ربه لا بد أن يأذن الله به، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» لكن في هذا الباب..
طالب: (...) وجه الدلالة؟
الشيخ: (...)؟
إن الأصل في الأواني الحِلَّ بدلالة الكتاب والسنة، وعلى هذا فإذا اختلفنا في شيء هل هو حلال أو حرام؟ فنقول لمن قال: إنه حرام: عليك الدليل؛ لأن الأصل عندنا.
ولا فرق بين أن تكون الأواني كبيرة أو صغيرة، يباح الكبير والصغير؛ قال الله تعالى عن سليمان: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ: ١٣].
(الجوابِ) ما هي؟ الجابية: برك، الجفنة مثل الصحفة، وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍما تُحْمَل ولا تُشَال؛ لأنها كبيرة راسِيَة، ولكثرة ما يُطْبَخ فيها لا تُحْمَل، تَبْقَى على ما كانت عليه، فلا فرق بين الصغير والكبير، لكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإسراف صار محرَّمًا لغيره، لماذا؟ للإسراف إن الله لا يحب المسرفين.
***
وقوله: (ولو ثمينًا) (لو): هذه إشارة خلاف؛ يعني: ولو كان غاليًا مرتفعَ الثمن مثل أيش؟ كالجواهر، والزُّمرد، والماس، وما أشبه ذلك فإنه يُباحُ اتخاذُه واستعماله.
وقال بعض أهل العلم: إن الثمين لا يُباح اتخاذُه واستعمالُه؛ لما فيه من الخيلاء والإسراف؛ وعلى هذا القول يكون التحريم فيه لذاته ولّا لغيره؟ لغيره، وهو كونه إسرافًا وداعيًا إلى الخيلاء والفخر، فيكون من هذه الناحية محرَّمًا؛ لا لأنه ثمين.
وقوله: (يُباحُ اتخاذُه) هذا خبر المبتدأ، أين المبتدأ؟ (كُلُّ)، والتركيب هنا فيه شيء من الإيهام؛ لأن قوله: (يُباحُ اتِّخاذُهُ واستعمالُه)، قد يَتَوهَّم الواهم أنها صِفة لا أنها خبر، ويتوقع الخبر؛ ولهذا لو قال المؤلف: يُباحُ كُلُّ إناءٍ طاهر ولو ثمينًا؛ يباح اتخاذُه واستعماله لكان أولى، ولكن على كل حال المعنى واضح.
قال: (يُباحُ اتِّخاذُه واستعمالُه)، هل هناك فرق بين الاتخاذ والاستعمال؟ نعم؛ اتخاذه: إنه يُقْتَنى فقط؛ إما للزينة، وإما لاستعماله في حال الضرورة، وإما للبيع فيه والشراء، وما أشبه ذلك، هذا الاتخاذ.
وأما الاستعمال: فهو التلبُّس بالانتفاع به؛ يعني يبدأ يستعمله فيما يستعمله فيه.
فإذن اتخاذ الأواني جائز، طيب لو زادت على قدر الحاجة؟
الجواب: نعم، ولو زادت على قَدْرِ الحاجة، يعني: لو فُرِض أن إنسانًا عنده إبريق شاهي يكفيه، وبغى يشتري إبريقًا آخر، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز اتخاذه، وإن كان ما هو مستعمل الآن، لكن اتخذه لأنه ربما أحتاجه فأبيعه، ربما أحد يستعيره مني، ربما أن اللي عندي يخرب، ربما إنه يأتيني ضيوف ما يكفيهم اللي عندي.
فالمهم أن الاتخاذ جائز والاستعمال جائز.
***
يعني: معنى إذا استثنيت فمعنى ذلك إن ما سوى ها الصورة فهو داخل في الحكم، وعلى هذا فكل شيء يباح اتخاذه، الاستثناء معيار العموم؛ يعني: ميزانه.
ذكر بعض الفقهاء قالوا: إلا عَظْمَ آدمِيٍّ وجِلْده، فلا يباح اتخاذُه واستعماله آنيةً، وعلَّلُوا ذلك بأنه محترم بحرمته، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كَسْرُ عَظْمِ مَيِّتٍ كَكَسْرِهِ حَيًّا» إسناده صحيح.
يقول: (إِلَّا آنيةَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمُضَبَّبًا بِهِما، فإنه يَحْرُم اتخاذُها واستعمالُها) (آنية الذهب) معروف هذا المعدن الأحمر الثمين الذي تتعلق به النفوس وتحبُّه وتميل إليه، وقد جعل الله في فطر الخلق الميل إلى هذا الذهب؛ كما قال الشاعر:
| رَأَيْـــــــــــتُ النَّـــــــــــــــــاسَ قَدْ ذَهَبُــــــــــــــــــــوا | إِلَى مَــــــــــــــــــنْ عِنْــــــــــــــدَهُ ذَهَـــــــــــــــــــــــبُ |
اللي عنده ذهب فضلًا عن ذهبه، وكذلك الفضة، وهي في نفوس الخلق دون الذهب؛ ولهذا كان تحريمُها أخفَّ من الذهب.
وقوله: (إلا آنيةَ ذهبٍ وَفِضَّةٍ) يشمل الصغير والكبير، حتى الملعقة وحتى السكين وما أشبه.
قال: (ومُضَبَّبًا بهما)، ويش معنى مُضَبَّب، ما معنى التضبيب؟
طلبة: التجبير.
الشيخ: لا، يقولون: إن الضَّبَّة: حديدة تجمع بين طَرَفَي المنكسر، وهذا يشبه التَّلْحِيم، لكنه في الأقداح السابقة -أنا أدركته ويمكن بعضكم أدركه أيضًا- إذا انكسرت الصَّحْفَة من الخشب يَخْرِزُونها خَرْزًا؛ مخاريق صغيرة دقيقة جدًّا وشُرْطَان صغيرة ويُحطون على محل الكسر جِلْدة، عشان ما يَنْضح الإناء، هذا هو التضبيب فالمضبَّب بهما حرام، إلا ما استثني، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إذن أواني الذهب والفضة، سواء كانت خالصة أو مخلوطة فإنها حرام؛ ما هو الدليل؟
نحن قلنا قاعدة قبل قليل، الأصل الحِل إلا بدليل، الدليل: حديث حذيفة رضي الله عنه: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» .
وكذلك حديث أم سلمة: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ، وهذا دليل على أن النهي للتحريم، وحديث حذيفة النهي فيه للتحريم لا للكراهة وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توعَّدَه بنار جهنم، فيكون محرَّمًا بل من كبائر الذنوب، هذا هو الدليل.
إذا قيل: المُضَبَّب بهما، لو قال قائل: الحديث في الآنية نفسها؟
فالجواب: أنه ورد في حديث رواه الدارقطني: أَنَّه من شَرِب في آنية الذَّهب والفِضَّة، أو في شيء فيه منهما .
وأيضًا: المحرم مَفْسَدة، فإن كان خالصًا فمفسدتُه خالصة، وإن كان غيرَ خالص ففيه بقدر هذه المفسدة؛ ولهذا المحرم يحرم قليلُه وكثيرُه، كل شيء مُحَرَّم حَكَم الشارع بأنه مُحَرَّم فإنَّه حَرامٌ قليلُه وكثيرُه هذا وجه.
***
وعندنا هنا ثلاث حالات: اتخاذ، واستعمال، وأكل وشرب، ثلاث أشياء.
أما الاتخاذ: فهو على المذهب حرام، كما قال المؤلف، وفيه قول آخر في المذهب أيضًا؛ في مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وحكي عن الشافعي أنه ليس بحرام؛ اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو قولٌ في مذهب الإمام أحمد.
الثاني: الاستعمال وهو محرَّم في المذهب قولًا واحدًا؛ إنه يَحْرُم استعمالُه في غير الأكل والشرب، مثل أيش؟
طالب: الوضوء.
الشيخ: إي، مثل الوضوء فيها، يحفظ بها أشياء من أدوية أوغيرها، وما أشبه ذلك، هذا حرام، قولًا واحدًا في المذهب.
أما الثالث: الأكل والشرب بها فإنه حرامٌ بالنص، بعضهم حكى الإجماع أيضًا، الأكل والشرب فيها، بعضهم حكى الإجماع على التحريم ولا شك، أن النص ظاهر فيه، ولا يمكن أحدٌ أن يقول: إن الأكل والشرب في الذهب والفضة جائز، مع وجود الحديث الصريح في النهي، وفي الوعيد أيضًا.
إذن الأكل والشرب لا شك في تحريمه.
الاستعمال في غير الأكل والشرب؛ المذهب قولًا واحدًا أنه حرام.
الاتخاذ في المذهب قولان؛ هل يحرم أو لا يحرم؟ والصحيح: أن الاتخاذ والاستعمال في غير الأكل والشرب ليس بحرام؛ أن استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب ليس بحرام، وكذلك الاتخاذ من باب أولى؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرَّمُ حتى غير الأكل والشرب لكان النبي عليه الصلاة والسلام، أبلغ الناس وأبينُهم في الكلام ما يخصُّ شيئًا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بهما -بالذهب والفضة- في غير ذلك.
ولو كانت الآنيةُ حَرامًا مُطلقًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتكسيرِها، كما كان عليه الصلاة والسلام لا يَدَع شيئًا فيه تصاوير ولا تصيلبًا إلا كَسَرَه، فلو كانت الآنيةُ محرَّمَة لكان يأمُر بكسْرِها؛ لأنه إذا كانت محرمة في كل الحالات؛ في الاتخاذ والاستعمال وفي الأكل والشرب إذن ليس لبقائها فائدة، ليس لها إلا التكسير.
ويدلُّ لذلك أن أمَّ سلمة -وهي راوية الحديث- كان عندها جُلْجُل من فضة -الجلجل شيء يشبه الطابوق- جَعَلَتْ فيه شَعَرَاتٌ من شعر النبي عليه الصلاة والسلام، فكان الناس يستشفون بها، إذا مرض أحدٌ أو أصابه أَلَمٌ يبعثون إليها بماء وتجعله في هذا الجلجل وتُخَضْخِضُه بالشَّعَرَاتِ ثم تُعْطِيه المريضَ فيُشْفَى بإذن الله عز وجل، وهذا الحديث عنها صحيح في البخاري، وهي راوية الحديث، وهذا استعمال له ولَّا لا، استعمال له لكن في غير الأكل والشرب، فالصحيح أنه لا يَحْرُم إلا ما حرَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأواني، وهو الأكل والشرب.
فإن قال قائل: حَرَّمَها الرسولُ في الأكل والشرب؛ لأنه هو الأغلب استعمالًا؛ وما عُلِّقَ به الحكمُ لكونِهِ أَغْلَب فإنه لا يَقْتَضِي تَخْصِيصُه به كما في قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ [النساء: ٢٣]، فقَيَّد تحريمَ الرَّبِيبةِ بكونها في الحَجْر، وهي مع ذلك تَحْرُم وإن لم تكن في حَجْرِه على قول أكثر أهل العلم؟
قلنا: هذا صحيح، لكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يُعَلِّق الحكم بالأكل والشرب؛ لأن مظهر الأمة في الترف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب؛ لأنه لا شك أن الإنسان اللي أوانيه في الأكل والشرب ذَهَبٌ وفِضَّة، ما هو مثل الإنسان الذي يستعملها في حاجاتٍ أخرى تخفى على كثير من الناس، ولا يكون مظهر الأمة الإسلامية هو التفاخر بالذهب والفضة.
طالب: (...)
الشيخ: ما هي نص ما هو بيشرب منه، نخضخضه ثم نَصُبُّه للمريض ويشرب، ما هو يشرب من هذا.
طالب: ما يمكن يَحْرُم، يعني: بصرف النظر عن ها الحديث؛ لأنه سرف، هذه آنية سرف؟
الشيخ: هو إذا حَرُم لغيره لا بأس، والكلام على إنه إذا حرم لغيره؛ إذا وصل إلى حد السَّرف حرم من جهة الإسراف، ولهذا مثلًا الآن اللي بيتخذ إناء من هذا الثمين البلاتين، وعند الناس أشد من الذهب، ومع ذلك هو حلال، لكن لو فُرِضَ إنه خرج إلى حد الإسراف، وقيل: إن هذا من باب الإسراف ولكن الناس يعتادونه صار حرامًا لغيره، فالكلام على أصل الإباحة، وأما ما حَرُمَ لغيره فهذا باب واسع.
كل الأشياء المباحة إذا تضمنت مُحَرَّمًا صارت حرامًا من باب الوسائل.
طالب: (...) في الإجماع؛ الإجماع حكي فيها؛ تعيين الزمان (...).
الشيخ: لا غير صحيح، الشوكاني رده، وقال: هذا ما هو بصحيح.
طالب: (...)؟
الشيخ: فيها ضعف، لكن لها قوة؛ ولهذا أنا أردفتها بالقاعدة: إن الشيء المحرم يحرم سواء كان خالصًا أو مشتركًا.
بقينا قول المؤلف: (ومضببًا بهما فإنه يحرم اتخاذه واستعماله) يشمل الرجال والنساء، فلا يجوز للمرأة أن تستعمل أواني الذَّهَبِ والفضة كما لا يجوز للرجل.
فإن قال قائل: أليس يجوز للمرأة أن تَتَحَلَّى بالذهب؟
فالجواب: يجوز لها أن تتحلى بالذهب، ولكن الرجل لا يجوز له ذلك، والفرق أن المرأة في حاجة إلى أن تتجمل وتتزين، وتَجَمُّلُها وتَزَيُّنُها ليس لها وحدها، بل لها ولزوجها أيضًا، فهو من مصلحة الجميع، والرجل ليس بحاجة إلى ذلك؛ فالرجل طالب لا مطلوب، والمرأة مطلوبة؛ ولهذا تجد أكثر ما تكون النصوص مُوُجَّهَة للرجال، لأنهم هم الذين لهم القوام على النساء وهم الطالبون.
كثيرًا ما -بالمناسبة- يحصل إشكال، لماذا يَذْكُر الله عز وجل الأزواج للرجال في الجنة والحور العين، ولا يذكر للنساء شيئًا، ويش الجواب؟ الجواب ما ذكرنا هو أن المرأة مطلوبة لا طالبة، وهي بلا شك سيأتيها في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولن تختار إلا ما اختار الله لها.
الحاصل أنا نقول: إن تحريم الأواني عامٌّ للذكور والإناث؛ لأنه لا داعي إلى إباحته للنساء بخلاف اللباس والتَّجَمُّل فإنه يباح للنساء.
***
طلبة: من آنية الذهب والفضة.
طالب: من المُضَبَّب.
الشيخ: لا، من الآنية، من آنية الذهب والفضة؛ يعني: لو كان الإنسان جاعلًا له للوضوء فقط إناءً من ذهب، توضأ به، قال: بأحضر الإناء من الذهب أتوضأ به، صار يتوضأ من هذا الماء، يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: الطهارة تصح، لكن الاستعمال حرام، الاستعمال محرم.
وقال بعض العلماء: إن الطهارة لا تصح، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن التحريم هنا لا يعود إلى نفس الوضوء، ولَّا لا؟ وإنما يعود إلى الاستعمال مطلقًا.
نعم لو توضأ بماء محرم فهذا هو الذي فيه خلاف قوي، أما هذا فالخلاف فيه ضعيف؛ لأن الإناء ليس شرطًا في الوضوء، ولا تتوقف صحة الوضوء على هذا الإناء، لو جَعَلَ الماء في إناء آخر استقام أمره، ولو وَجَد الماء في الأرض وتوضأ منه استقام أمره؛ فلهذا تصح الطهارة منها.
طيب، هل تصح الطهارة بالآنية؟
طالب: تصح.
الشيخ: وتصح فيها؟
طلبة: لا ما تصح.
الشيخ: وتصح إليها؟
هم قالوا: تصح منها، وفيها، وبها، وإليها؛ تصح الطهارة منها؛ بأن يَغْتَرِف منها، الإناء بالأرض يَغْتَرِف منها.
وبها؛ بأن يجعلها آلةً يصب بها، مثلما تكون مغرفة، يغرف بآنية من ذهب ويصب على ذراعه، ويصب على رجليه، الآن تَطَهَّر بها، منها؛ إذا غرف.
فيها؛ تكون واسعة كبيرة وينغمس في وسطها، وإلا يغمس الذراع فيها مثلًا.
وإليها؛ بأن يكون الماء الذي يَنْزِل منه ينزل في إناء من ذهب.
شوف الفرق؛ حروف الجر -سبحان الله العظيم- كيف تُغَيِّر المعنى هذا التغير؟!
وهذا دليل على أن اللغة العربية فِقْهُها جدًّا قوي، فقه اللغة العربية ومعرفة معاني الحروف ومتعلقاتها مهم جدًّا، له غور بعيد.
إليها؛ بمعنى أن يصب ماء الوضوء اللي يتقاطر من يديك أو من وجهك على هذا الإناء.
طالب: (...).
***
(إلا ضبةً يسيرةً من فضة لحاجة) الشروط أربعة: ضبةً، يسيرةً، من فضة، لحاجة، إذا تمت الشروط الأربعة جاز؛ الدليل ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أَنَّ قَدَحَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم انكسر فاتَّخَذَ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً من فِضَّة .
(الشَّعْب) يعني: الشق، (سلسلة من فضة) هذا الدليل وعلى هذا فيكون هذا الحديث مُخَصِّصًا لما سبق.
إذا قال قائل: من أين اتخذتم اشتراط أن تكون يسيرة؟
قلنا: لأن هذا هو الغالب في القدح، القدح صغير، ما يشرب به، والغالب أنه إذا انكسر، ما يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التحريم ولَّا الحل في الفضة؟
طلبة: التحريم.
الشيخ: التحريم، فنقتصر على ما هو الغالب، أو المتيقن.
وقوله: (ضَبَّة) إذا قال قائل: أنتم قلتم: (ضَبَّة)، وهي ما يُجْبَر بها الإناء، لو جعل الإنسان على خرطوم الإبريق فضة؛ يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن هذا ليس لحاجة، وليس ضبة، هذا عبارة عن تمويه أو زيادة إلحاق.
إذا قال قائل: لماذا اشترطتم من فضة: (...) ما تقيسون الذهب على الفضة؟
نقول: لورود النص؛ النص ما ورد إلا في الفضة فقط، ثم إن الذهب أغلى وأشدُّ تحريمًا؛ ولهذا في باب اللباس حَرُمَ على الرجل الخاتم من الذهب، وأبيح له الخاتم من الفضة، فَدَلَّ هذا على أن الفضة أهون، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في باب اللباس قال: الأصل في الفضة الإباحة، وأنها حلال للرجال، إلا ما قام الدليل على التحريم.
يعني: ما فيها عمومات؛ في الفضة عمومات تدل على تحريمها على الرجال، فالأصل الحِلُّ، وهذا باب إن شاء الله يأتينا البحث فيه.
والكلام على أننا نقول: الذي ورد فيه هو الفضة، ولا يمكن قياس الذهب عليها.
وأيضًا معنى آخر: لو كان الذهب جائزًا لكان النبي عليه الصلاة والسلام يَجْبُر به الكسر؛ لأن الذهب أبعد من الصدأ، تعرفون الصدأ، ما يصدأ الذهب، والفضة تصدأ؛ ولهذا لمَّا اتَّخذ بعض الصَّحابة أنفًا من فِضَّة أنتن -قُطِعَ أنفُه في إحدى المعارك- فَاتَّخَذ أنفًا من فضة فَأَنْتَن، فأمرَهُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يتَّخذ أنفًا من ذهب ؛ لأنه لا ينتن.
فلو كان الذهب جائزًا لكان أوفق بأن يُجْعَل في مكان هذا الشَّعب.
(لحاجة) ويش دليلكم على اشتراط الحاجة؟ الكسر؛ الرسول ما اتخذها إلا لما انكسر؛ والكسر لا شك إنه لحاجة، فعلى هذا، الشروط الأربعة، مأخوذة منين؟ من الحديث.
أربعة شروط: ضَبَّة، يَسيرة، من فضة، لحاجة.
إذا كانت غير ضَبَّة فهي حرام، وكثيرة حرام، من ذهب حرام، لغير حاجة حرام.
فما هي الحاجة؟ أن يَتَعَلَّق بها غَرَضٌ غير الزينة؛ يعني: ألَّا يتخذها زينة، وليست الحاجة: أَلَّا يَجِد ما يَجْبُر به الكَسْرَ سواها؛ لأن هذا ما هو حاجة، هذا ضرورة، عرفتم؟
الحاجة معناها؟ ألَّا يتخذها زينة، وتعبيرهم أن يتعلق بها غرض غير الزينة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وليس المعنى أَلَّا يجد غيرها ما يجبر به؛ فإن هذه ضرورة وهي تبيح المنفرد، لو اضطر الإنسان إلى أن يشرب بآنية الذهب، ما في مانع يشرب؛ لأنها ضرورة، وإن قال قائل: ما يتصور الضرورة في الإناء؟ فالجواب لا، يتصور، يتصور؟
طلبة: إي، مقطوع يديه، يتصور.
الشيخ: لا ما هو مقطوع يديه، اللي عنده يدين الواضح (...) على عشرين أصبعًا ما يخالف، فيه يَدَيْن، وفيه كل شيء، لكن واحد بيطبخ طعامًا، ويش يُسَوِّي؟ يطبخ على يديه؟! ما يمكن، يطبخ بخشب؟! ما يمكن، يشتري، فيه أواني من الذهب؟ ما يقدر، فيه أوانٍ أخرى ما عنده قيمة، فيحنئذ يكون الضرورة متصورة.
طالب: في ماء من الحنفية (...).
الشيخ: إي نعم، ولو يَنْزِل هو من شق ما طَلَّع شيئًا، ولا عنده الآن إلا هذه يكون ضرورة.
طالب: الضرورة تبيح المحظور، والحاجة تبيح أو تجيز الحرام، هنا قال: يعني تعبيره، أنه يجوز للحاجة.
الشيخ: صحيح، إحنا ذكرنا من قبل قاعدة: أن المحرم للوسيلة إذا كان تحريمه تحريم وسائل فإن الحاجة تبيحه.
قلنا فيه قاعدة، إنه إذا كان الشيء محرمًا من باب تحريم الوسائل فإن الحاجة تبيحه، ومثَّلنا (...) أشياء؛ بنظر المخطوبة مثلًا، ومثلَّنا بالعرايا، ويُمَثَّل أيضًا بهذا؛ لأن هذا إنما حرم ما فيه شيء منهما لئلا يكون وسيلة إلى اتخاذه الكامل.
***
والمكروه عند الفقهاء: هو ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه: أنه يثاب تاركُه امتثالًا، ولا يعاقَب فاعله، بخلاف الحرام؛ الحرام فاعله يستحق العقوبة، لكن المكروه لا يستحق، وهذا في اصطلاح الفقهاء رحمهم الله.
أما في القرآن والسُّنَّة؛ فإن المكروه يأتي للمحرم؛ ولهذا لما عدَّدَ الله -عز وجل- أشياء محرمة في (سورة الإسراء) قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨]. وفي قراءة {سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}؛ فيكون المكروه في القرآن والسُّنَّة غير هذا؛ غير المكروه عند الفقهاء.
كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» ، وهذا حرام.
وعلى هذا فنقول: المكروه عند الفقهاء تعريفه: ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، حكمه يثاب تاركُه امتثالًا، ولا يعاقَب فاعلُه.
إذن هو حكم شرعي، الكراهة حكم شرعي، لا يمكن لأحد أن يُثْبِتَها إلا بدليل، فمن أثبتها بغير دليل، فإننا نَرُدُّ قولَه، كما لو أَثْبَتَ التَّحْريمَ بلا دليل، فإننا نردُّ قولَه.
لننظر الآن بناءً على هذه القاعدة كلام المؤلف: (تُكْرَه مباشرتُها) أي: مباشرة الضَّبَّة المباحة (لغير حاجة)، فإن احتاج إليها بأن كان الإناء يتدفق لو لم يشرب من هذه الجهة، احتاج أن يشرب من هذه الجهة، أو مثلًا هو جاء بالإناء وجعله على النار، لأجل يسخن، وصارت الجهة اللي ما فيها الضبة حارة ما يستطيع، وشرب من الجهة عند الجهة الباردة اللي فيها الضبة، هذه حاجة ولا لا؟ يشرب، ولا كراهة.
فإن لم يحتج فكلام المؤلف صريح في أنه مكروه، ولكن الصواب: أنه ليس بمكروه، وأنه يجوز أن يُباشِرَها؛ لماذا؟ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل، وما دام قد ثبت أن هذه الضَّبَّة مباحة بمقتضى النص؛ حديث أنس: أن قدح النبيِّ عليه الصلاة والسلام انكسر، فاتَّخَذَ مكان الشَّعْب سلسلة من فِضَّة هذا مباح بمقتضى النص، فإذا كان مباحًا، فما الذي يجعل مباشرتُه مكروهةً؟
وهل ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَتَوقَّى هذه الجهة مِنْ قَدَحِهِ؟ لا، وحينئذ؛ فالصحيح أنه لا كراهة؛ وذلك لأن هذا شيء مباح، ومباشرة المباح مباحة.
قال المؤلف رحمه الله: (وَتُباحُ آنيةُ الكفار -ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم- وثيابُهم).
أولًا: (آنية) بالرفع على أنها نائب فاعل.
(ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم)، ذبائح؛ بالرفع على أنها فاعل.
(وثيابهم)، بالرفع على أنها معطوفة على (ذبائحهم)؛ لأنها أقرب مذكور، أو على (آنية)؟ على آنية؛ يعني: وتباح ثيابهم؛ ولهذا لو قال المؤلف رحمه الله: (وتباح آنية الكفار وثيابهم إن جُهِلَ حالُها) ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم لكان أسلم من هذا الاشتباه الذي قد يشتبه على بعض الناس.
والمهم أن قوله: (آنيةُ الكفار) نائب فاعل، (وثيابُهم) معطوف عليها.
قال المؤلف: (آنيةُ الكفار) الكفار يشمل الكافر الأصلي والكافر المرتد، فلو وجدنا شخصًا في بيتٍ وحده وهو لا يصلي -والعياذ بالله- فهو كافر، يدخل في هذا الحكم؟ نعم، يدخل في هذا الحكم؛ يعني: لنا أن نأكل في آنيته وأن نشرب في آنيته وأن نلبس ثوبه، ولو كان كافرًا؛ لأن المؤلف هنا قال: الكفار، فيشمل كلَّ كافر سواء كان أصليًّا أم مرتدًّا.
اليهود والنصارى يدخلون في ذلك؟ نعم؛ ولهذا قال: (ولو لم تحل ذبائحهم) إشارة إلى أن اليهود النصارى من باب أولى؛ لأن اليهود والنصارى تحلُّ ذبائحُهم، الدليل قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة: ٥] طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَالمراد به: ذبائحهم، كما فسر ذلك ابن عباس رضي الله عنه، وليس المراد خُبْزُهم وشعيرُهم وما أشبه ذلك؛ لأن هذا حلال لهم ولغيرهم، يعني: حتى من غيرهم يجوز أن نأكله، لكن المراد بالآية: طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَهو ذبائحهم فهي حلال اليهود والنصارى.
المجوس لا تَحِلُّ ذبائحُهم، الوثنيون الدَّهْرِيُّون ما تحل ذبائحُهم ما تحل إلا ذبيحة اليهود والنصارى، أما آنية الكفار فتَحِلُّ.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل؟
قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، ثم إن أهل الكتاب إذا كان الله قد أباح لنا طعامهم، فمن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحيانًا مطبوخًا بأوانيهم، ثم إنه ثبت أيضًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام دعاه غلامٌ يهوديٌّ على خبز شعير، وإِهالَةٍ سَنِخَة .
ثم إن الجراب الذي رُمي به في خيبر وأخذه عبدُ الله بن المغفَّل رضي الله عنه فالتَفَتَ فإذا النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يضحك وأكله ؛ جراب من شحم، ثم إن الشَّاة المسمومة التي أُهديت للرسول عليه الصلاة والسلام في خيبر . كل هذا يدل على أن ما باشروه فهو طاهر ولَّا نجس؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: إذن تباح آنيتُهم، ولكن ورد في حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيها إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا؛ فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيها» .
فهذا يدل على أن الأولى التَّنَزُّه، ولكن كثيرًا من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرِفُوا بمباشرة النجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن هؤلاء مَنَعَ الرسول عليه الصلاة والسلام من الأكل في آنيتهم إلا إذا لم نجد، فإننا نغسل ذلك، ونأكل فيها.
وهذا الحمل جَيِّدٌ؛ لأن هذا مقتضى قواعد الشرع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضَّأ وأصحابُه توضَّؤوا من مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ ، وهي التي عبت الماء فيها وحملته (...).
وقوله: (وَثِيابُهم)، أي: تُباح ثيابُهم، ويش معنى ثيابُهم؟ يعني: ما صنعوه أو ما لبسوه أو الأمران؟ الأمران، ثيابُهم التي صنعوها تحل، والتي صبغوها تحل، ما نقول: لعلهم صبغوها بصبغ نجس؛ أو نسجوها بمنساج نجس؛ لا الأصل الحل، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنه يحل لنا لُبْسُه، ولكن مَنْ عُرِفَ منهم بعدم التَّوَقِّي من النجاسات فإن الأولى التَّنَزُّه عن ثيابه بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.
مثل مَنِ الذين لا يَهْتَمُّون بالنجاسات؟ مثل النصارى؛ يقول أهل العلم: إن النصارى لا يَهْتَمُّون بالنجاسات، يتلوَّث ثوبُه بالنجاسة بالبول، والمرأة بالحيض، ما يهم، عكس اليهود؛ اليهود يقولون: إنه إذا تَنَجَّسَ الثوبُ عندهم قَطَعُوه، قَرَضُوه بالمِقْراض، ولا يمكن أن يغسلوه؛ فجاءت الشريعة هذه -والحمد لله- بين هؤلاء وهؤلاء، وسطًا، لا يُستهان بها ولا يُقْطَع الثوبُ الذي تلوَّث بها، وإنما يُغْسَل، حتى يزول هذا الخبث.
(إن جهل حالها)، وإن عُلِمَ؟
طالب: يُعْمَل بما علموا.
الشيخ: إن عُلِمَ فلا يخلو إما أن أن تُعْلَم طهارتُها، أو تُعْلَم نجاستُها؛ إن عُلِمَت نجاستُها فإنها ما تُسْتَعْمَل، وإن عُلِمَت طهارتُها فلا إشكال فيه، الإشكال فيما إذا جُهِلَت الحال، هل نقول: إن الأصل أنهم لا يَتَوَقَّوْن النجاساتِ وأنها حرام، أو أن الأصل الطهارة حتى يُتَبَيَّن النجاسة. الجواب؟ الأخير؛ ولهذا كلمة: (إن جهل حالها) لها مفهومان؛ المفهوم الأول عُلِمَت طهارتُها، والمفهوم الثاني عُلِمَت نجاستها.
إن عُلِمَت نجاستُها فإنها تُجْتَنَب حتى تُغْسَل، وإن عُلِمَت طهارتُها فالأمر فيها واضح.
طالب: هذا الأصل قبل أن يستعملها عندهم، ولَّا حتى وإن كانت صُنِّعَت يعني؟
الشيخ: حتى المصنوعة والملبوسة عندهم.
***
على كل حال هذا الدبغ؛ يعني: عبارة عن تنظيف الجلد وإزالة ما يكون فيه من الخبث، فإذا دُبِغَ الجلد فإن المؤلف يقول: إنه لا يَطْهُر بالدِّباغ، وهنا نسأل أولًا: هل جلد الميتة نجس؟
الجواب: فيه تفصيل، إن كانت الميتة طاهرة فَجِلْدُها طاهر، وإن كانت الميتة نجسةً فجلدها نجس، أو لا؟ هل هناك ميتة طاهرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطلبة: السمك.
الشيخ: الجراد الظاهر هذا ما له جلد، لكن لا بأس ميتته طاهرة، السمك ميتته طاهرة؛ لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: ٩٦].
قال ابن عباس: صيده ما أُخِذَ حيًّا، وطعامُه ما أُخِذَ مَيِّتًا ، هذا لا إشكال فيه؛ جلده طاهر، وكله طاهر، ولا فيها إشكال.
أما الذي يَنْجُس بالموت فإن جلده يَنْجُس بالموت؛ لأنه داخل في عموم الميتة، أليس كذلك؟ فيكون داخلًا في قوله تعالى: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥] (...)، ولا يلزم من التحريم النجاسة، القاعدة هذه صحيحة: لا يلزم من التحريم النجاسة، ولهذا السُّمُّ حرام، وليس بنجس، أو لا؟
والتتن حرام وليس بنجس، والخمر حرام وليس بنجس على القول الراجح، فلا يلزم من التحريم النجاسة؛ لأننا نجيب عن ذلك بأن الله عز وجل علَّل لما قال: لا أجد مُحَرَّمًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]، هذا واضح أنه نجس.
فإذن الميتة.
اختلف في ذلك أهل العلم؛ فقال بعض العلماء: إنه لا يَطْهُر، وهو -كما ترون- المذهب: أنه لا يَطْهُر بالدباغ؛ لماذا؟ قالوا: لأن الميتة نجسة العين، ونَجِسُ العين لا يمكن أن يَطْهُر، أو لا؟
لو تجيب مثلًا كلبًا وتغسله بالصابون والماء الحار سبع مرات يَطْهُر؟ ما يَطْهُر، نجس العين لا يَطْهُر، أليس كذلك؟
الروثة؛ روثة الحمار لو بتغسلها بماء البحار، تَطْهُر؟ لا.
فيقولون: إن الجلد إنه عَيْنٌ نَجِسَة، والعين النجسة لا يمكن أن تَطْهُر، وهذا في الحقيقة التعليل واضح جدًا؛ أنه لا يطهر لأن نجاسته عَيْنِيَّة، وأما الذي يَطْهُر بزوال خبثه فهو النجاسة الحكمية، كنجاسة طرأت على ثوب ثم غَسَلْناه حتى ذهبت، هذا واضح أنه يطهر، لكن أما الجلد فلا.
إذن فقد اعتمدوا على قياس واضح؛ أنه لا يَطْهُر بالدباغ.
طيب، هذا واحد قطع قطعة لحم من ميتة، وطبخها حط فيها قَرَظ وكل ما يُنَظِّف، قال: الآن طَهُرَت، ويش تقولون؟
طلبة: ما تَطْهُر.
الشيخ: ما تَطْهُر، إذن الجِلْد مثلها ما يطهر، ولكن هذا القياس في مقابلة النص، ما هو النص؟ حديث ميمونة رضي الله عنها أن الرسول عليه الصلاة والسلام مَرَّ بشاةٍ يَجرُّونها، فقال: «هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهابَها؟» قالوا: إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» ، وهذا صريح؛ يطهرها الماء والقَرَظ وهي ميتة يجرونها بَرًّا، فقال: خذوا جلدها، فقالوا: إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظ»، بعد هذا نقف ولا لا؟ نقف.
لكن قالوا: هذا الحديث منسوخ؛ لأنه يروى أن عبد الله بن عكيم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلينا قبل أن يموت بشهر أو شهرين: «أَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ، بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» .
فقالوا: إن هذا الحديث ناسخ لحديث ميمونة، والله عز وجل يمحو ما يشاء ويثبت، الجواب على هذا الحديث:
أولًا: الحديث ضعيف، ولا يمكن يقابل الحديث الذي في مسلم.
ثانيًا: الحديث ليس بصريح في النسخ؛ ليس بناسخ؛ لأن ما ندري هل شاة ميمونة قبل أن يموت بشهر، ربما قبل أن يموت بأيام؟ ومن شرط القول بالنسخ العلم بالتاريخ، إذن ما يتحقق النسخ فيه.
ثالثًا: أنه لو ثبت أنه متأخر، فإنه لا يعارض حديث ميمونة؛ لأن قوله: «لَا تَنْتَفِعُوا بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» يحمل على الإهاب قبل الدبغ، وحينئذ يجمع بينه وبين حديث ميمونة.
وبهذا تَبَيَّنَ أن ادِّعاء النسخ لا يصح؛ لهذه الوجوه الثلاثة؛ ضعف الحديث، وعدم العلم بالتاريخ، وإمكان حمله على ما لم يدبغ؛ فيبقى حديث ميمونة محكمًا لا نسخ فيه.
ولكنه يبقى عندنا مسألة القياس والنظر؛ كيف تقولون: لو دبغت الكبد ما طهرت؛ ولو دُبِغَ الجلد طَهُر؟ وكلها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تُفَرِّق بين مُتَماثِلَيْن؟ إذن كيف نتخلص من هذا القياس؟
الجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه متى ثَبَت الفرق في القرآن أو السنة بين شيئين متشابهين فاعلم أن هناك فرقًا في المعنى، ولكنك لم تتوصل إليه؛ لأن إحاطتك بحكمة الله غير ممكنة.
فمتى وَجَدْتَ حُكْمَيْن في شيئين متشابهين في الشريعة، ولكنَّ الحكمين متغايران فاعلم أن هناك سببًا اقتضى اختلافهما في الحكم، ولكن لا يلزم من ذلك أن تعرف هذا السبب، فما موقفك حينئذ؟ التسليم.
ثانيًا: أن نقول: إنه يمكن الفرق بين اللحم والشحم والجلد، فإن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد -لأن الجلد كالوعاء- حلول الحياة في ما كان داخلًا أشد من حلوله في الجلد نفسه، لأن الجلد -كما تعلمون- فيه نوع من الصلابة بخلاف اللحوم والشحوم والأمعاء، وما كان داخلُه فإنه ليس مثله، فلا يكون فيه الخبث الذي من أجله صارت الميتة حرامًا ونجسة.
ولهذا نقول: إنه يُعْطَى حُكْمًا بين حُكْمَين:
الحكم الأول: أن ما كان داخل الجلد لا يَطْهُر بالدباغ، ولا بالتنظيف، وما كان خارج الجلد من الشعر والوبر والريش فهو طاهر، والجلد بينهما، فلهذا أعطي حُكمًا بينهما.
وبهذا نعرف سمو الشريعة، وأنها لا يمكن أن تُفَرِّق بين مُتَماثِلَيْن، ولا أن تَجْمَع بين مختلفين.
وأن كون الجلد يَطْهُر بالدباغ من الحكمة العظيمة، وكونه يَنْجُس بالموت من الحكمة العظيمة أيضًا؛ لأنه ليس كالشعر والوبر والريش، وليس كاللحم والشحم والأمعاء، ونحو ذلك.
(...) والثاني أن يتحقق (...).
فإن كان هناك ضرورة لكن تندفع بغيره فلا ضرورة ما يجوز، وإن كان هناك ضرورة لكن ما يتحقق أن تندفع به فلا يجوز.
وبهذا نعرف أن التداوي بالمحرَّم حرام، وإن كان بعض العامة يقولون: التداوي بالمحرم حلال؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
التداوي بالمحرم حرام، السبب لأنه قد يُشْفَى بدونه، وكثير من الناس شُفِيَ بدون أن يعالج، يشرف على الموت ثم يُشْفِيه الله، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أنه اضطر، هل تندفع الضرورةُ به، قد يُشْفَى، وقد لا يُشْفَى حتى لو استعمل الدواء.
بعض الناس يقولون: إن الكحة دواها شرب لبن الحمير؛ ويقولون في القاعدة المعروفة: (دواء الشهَّاقة لبن النهاقة) هذه من فطرهم، نقول: هذا غير صحيح؛ لأن الله قد يشفيه بدون هذا.
ثم هناك أدوية ثانية يُشْفَى بها، والثاني: لأنه قد يَشْرَب لبن النهَّاقة -كما يقولون- ومع ذلك لا يُشْفَى. وليتهم قالوا: (دواء الشهَّاقة لبن الناقة)، لكن الله يعافينا.
إذن استفدنا قاعدتين؛ القاعدة الأولى: أن الحاجة تبيح المكروه، والثانية أن الضرورة تبيح المحرم (...).
ويستدل له (آنية)، لكننا نقول: لماذا لا نجعلها معطوفة على (ذبائحهم)؟ لفساد المعنى، هذه العلة، لو قلت: ولو لم تحل ذبائحُهم وثيابهم، صار المعنى ولو لم تَحِل ثيابهم، ولا أحد يقول: إن ثياب الكفار ما تحل إلا إذا كانوا معروفين بملابسة النجاسة، ففيها خلاف، المهم أنها معطوفة على آنية (...).
النظرية من وجهين؛ الوجه الأول أنها علة في مقابلة النص، فتكون مُهْدَرَةً باطلة، والوجه الثاني أن نقول: إن النظر الصحيح عندما يتأمل الإنسان يدل على أن القياس الصحيح ما دلَّ عليه النص، من كونه يَطْهُر بالدباغ.
طالب: الجواب عن (...) بأنه يطهر.
الشيخ: بأنه يَطْهُر؟! ما فيه جواب؛ لأن هذا هو الصحيح.
(...) يجرُّونها، فقال: «هَلَّا أَخَذَتُمْ إِهَابَها فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟» قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» هذا صريح وواضح.
طالب: أهل اللغة يقولون: إن الإهاب..
الشيخ: هذا صريح، هذه ميتة يَجُرُّونها، وقالوا: إنها ميتة كيف ننتفع بها، قال: «يُطَهِّرُهَا»، ميتة يجرونها ما دُبِغَت، الميتة اللي تُجَرُّ ما دُبِغَ جلدُها.
طالب: إي، بس الجزء رطب الآن، حتى لو كانت ميتةً يكون الجلدُ رطبًا قبل الدفن.
الشيخ: وإذا كان رطبًا؟
طالب: فيكون إهابًا.
الشيخ: ولو كان إهابًا، لكن الرسول يقول: «يُطَهِّرُهُ»؟
الطالب: «المَاءُ وَالقَرَظُ».
الشيخ: إذن يصير طاهرًا، ولّا لا؟
طالب: يكون طاهرًا.
الشيخ: هذا هو المقصود (...).
على كل حال الآن نقول: الصحيح أنه إذا دُبِغَ يكون طاهرًا؛ للأحاديث الصحيحة في صحيح مسلم وغيره، وأما حديث عبد الله بن عُكَيم فإن هذا ضعيف، ولو صح فإنه يُحْمَل على ما كان قبل الدبغ، (...).
***
أفادنا المؤلف أن استعماله قبل الدبغ لا يجوز؛ لا في يابس، ولا في غير يابس؛ لأنه نجس.
وظاهره أيضًا أنه لا يجوز، ولو بعد أن نَشِفَ الجلد وصار يابسًا، وهذا فيه نظر؛ لأنا نقول: إذا كان يابسًا، واستُعْمِل في يابس فإن النجاسة هنا لا تَتَعدَّى كما لو قددناه وجعلناه حِبالًا لا يُباشَرُ بها الأشياء الرطبة، فإن هذا لا مانع منه.
وأما قوله: (بعد الدبْغِ في يابسٍ) الرطب يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز بالرطب؛ يعني: ما يجوز أن نجعل فيه ماءً، ولو بعد الدبغ؛ ولا أن نجعل فيه لبنًا؟ ولا أن نجعل فيه أي شيء رطب، لماذا؟ لأنه إذا كان نجسًا، ولاقاه ماء تَنَجَّسَ الماء به، هذا الماء يتنجَّس به.
وأما إذا كان في يابس، والجلد يابس فإنه لا يتنجس به؛ لأن النجاسة ما يتعدَّى حكمها إلا إذا تعدَّى أثرها، فإذا لم يتعدَّ أثرُها فإن حكمَها لا يتعدَّى، ولهذا عند العامة كلمة حقيقية، يقولون: (ليس بين اليابسين نجاسة)؛ يعني: إذا تلاقى نجسان وهما يابسان فإن النجاسة لا تنتقل إلى الطاهر.
وقوله: (يُباحُ استعمالُه بعد الدبغ في يابس) إذا قلنا بالقول الراجح الصحيح: إنه يَطْهُر بالدباغ؛ فإنه يباح استعماله في اليابس وفي الرطب.
ويدلُّ لذلك أنَّ الرَّسول توضَّأ هو وأصحابه من مَزَادَةِ امرأة مشركة ، وذبائح المشركين نجسة، فتوضأ النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من هذه المزادة يدل على أنه يباح استعماله في الرطب؛ لأنه يكون طاهرًا.
نائب الفاعل هو (استعمال)، لكن من الضمير في (استعمال)، يعني استعمال الجلد حال كونه من حيوان طاهر في الحياة، لأنه يباح استعماله في اليابس.
أفادنا المؤلف هنا أن الذي يباح استعمالُه بعد الدبغ في اليابس، إذا كان من حيوان طاهر في الحياة، ما هو الطاهر في الحياة؟
أولًا: كل مأكول فإنه طاهر في الحياة، مثل إبل، بقر، غنم، ضبع، ظباء، وما أشبهها.
ثانيًا: على المذهب؛ كل حيوان من الهر فأقل خلقة فإنه طاهر في الحياة؛ مثل الهرة طاهرة في الحياة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجِسٍ؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» .
ثالثًا: كل شيء ليس له نفس سائلة؛ يعني: دم، كل شيء ليس له دم يسيل إذا ذُبِحَ أو قتل فإنه طاهر، هذا الحيوان الطاهر.
رابعًا: الآدمي، لكن الآدمي هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلد الآدمي مُحَرَّم لا لنجاسته ولكن لحرمته.
إذن لو دَبَغ الإنسان جلدَ فأرة أو جلد هِرَّةٍ هل يَطْهُر، على المذهب؟ لا يطهر، ما هنا شيء يَطْهُر على المذهب، لكن يُباح استعمالُه في اليابس، وعلى القول الثاني يَطْهُر، فيباح استعماله في اليابسات والمائعات.
طيب، يصح أن نجعل جلد الهرة سقاء صغير، إذا دبغناه؟ على المذهب واضح، على القول الثاني يصح؛ لأنه طَهُر.
فمدار الخلاف الآن على الطاهر في الحياة؛ جلد الحيوان الطاهر في الحياة.
وهذا هو أحد القولين في هذه المسألة أن مناط الحُكْم على طهارة الحيوان في حال الحياة؛ فما كان طاهرًا في الحياة فإنه يباح استعماله بعد الدبغ في يابس، ولا يطهر على المذهب، وعلى القول الثاني يطهر، فيه قول ثالث: إن جِلْدَ الميتة يَطْهُر بالدباغ، لكن بشرط أن تكون الميتة مما تُحِلُّه الذكاة؛ يعني: مما يؤكل، أما ما لا تحله الذكاة فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الراجح.
وعلى هذا فجلد الهر وما دونه في الخلقة لا يَطْهُر؛ ودليل هذا القول أن في بعض ألفاظ الحديث «دِبَاغُ جِلُودِ الْمَيْتَةِ ذَكَاتُهَا» فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تُطَهِّر إلا ما يُؤْكل ويُباح أكلُه؛ لو أنك ذبحت حمارًا وذكرت اسم الله عليه وأنهر الدم وقطعت الوَدَجَيْن والحلقوم والمريء، يحل؟ ما يُسَمَّى ذكاة.
على هذا نقول: جلد ما يَحْرُم أكلُه ولو كان طاهرًا في الحياة، لا يَطْهُر بالدباغ، الدليل هو: «دِبَاغُ جِلُودِ الْمَيْتَةِ ذَكَاتُهَا».
وفيه أيضًا تعليل: أن الحيوان الطاهر في الحياة إنما جُعِلَ طاهرًا لمشقة التحرُّز منه لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» ، وهذه العلة بعد الموت باقية ولَّا منتفية؟ منتفية، وعلى هذا فَيَعُود إلى أصله وهو النجاسة، فلا يَطْهُر بالدباغ.
وهذا القول هو الراجح، وعليه فيكون القول الراجح في هذه المسألة: أَنَّ كلَّ حيوان مات وهو مما يُؤْكَل؛ فإن جِلْده يَطْهُر بالدباغ، مفهوم؟ هذا هو القول الراجح، وهو أحد قَوْلَي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله قول ثانٍ يوافق القول الذي أشرنا إليه من قبل: أن ما كان طاهرًا في الحياة فإن جلده يَطْهُر بالدبغ.
ثم قال: (وَلَبَنُهَا)، أيش (لبن)؟
(لَبَنُها) أي: الميتة، إذا قيل: أين مرجع الضمير؟ قلنا: قوله: (ولا يَطْهُر جلدُ ميتةٍ).
لبن الميتة نَجِسٌ وإن لم يتغير بها؛ ليش؟ لأنها نجسة، هي حرام نَجِسَة، لكن اللبن ويش شأنه؟ قالوا: لأنه مائع لاقى نَجِسًا فتَنَجَّسَ به، هو مائع، مثل ما لو سقطت فيه نجاسة؛ مائعٌ لاقى نجسًا فتنجَّس به، وإلا فهو في الحقيقة منفصل عن الميتة وهي في حال الحياة؛ لأن هذا الضرع وعاء له، بمنزلة الإناء، لكنهم يقولون: إنه لما ماتت نَجُسَت، فيكون هذا اللبن قد لاقى نجاسةً فيَنْجُس بذلك.
واختار شيخ الإسلام أن لبن الميتة طاهر بناءً على اختياره -رحمه الله- بأن الشيء لا يَنْجْس إلا بالتغير، فقال: إذا لم يكن هذا اللبن متغيِّرًا بدم الميتة وما أشبه ذلك فإنه يكون طاهرًا.
والذي يظهر لي في هذه المسألة أن القول الراجح المذهبُ؛ لأنه وإن كان قد انفصل واجتمع في الضرع قبل أن تموت فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النجاسة؛ لأن النجاسة محيطة به من كل جانب، فهو يسير، ثم إن الذي يظهر سريان العفونة؛ عفونة الموت إلى هذا اللبن المائع؛ لأنه ليس كالماء في قوة دفع النجاسة فيكون نجسًا.
طالب: يجيز شربه (...).
الشيخ: إي نعم، يجيز شربه؛ لأنه عنده طاهر.
***
هل يدخل في قوله: (كلُّ أجزائها) الجلد؟
طلبة: (...).
الشيخ: لكن سبق الكلام عليه، وهو قوله: (ولا يَطْهُر جلدُ ميتَةٍ)؛ لأن قوله: (ولا يَطْهُر جلدُ ميتَةٍ) مِن لازمه أنه نَجِس.
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
طالب: (...)
الشيخ: لا، بل إن هذا الجلد قد لا نقول: إنه من الأجزاء، وقد نقول: من الأجزاء، ولكن سبق الكلام عليه.
***
وقول المؤلف: (لبنُها وكلُّ أجزائها نَجِسَة) يستثنى من ذلك ما ميتته طاهرة، ويش اللي ميتته طاهرة؟ السمك؛ يعني: كل حيوان البحر بدون استثناء فإن ميتته طاهرة حلال؛ لقول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة: ٩٦]؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيدُه ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه ما أُخِذَ مَيِّتًا .
هل يلزم من الحِلِّ الطهارة؟ نعم، ما فيه شك، يلزم من الحل الطهارة، وهل يلزم من الحرمة النجاسة؟
طلبة: لا يلزم.
الشيخ: طيب، هل يلزم من النجاسة التحريم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن نأخذ قواعد ثلاثة الآن؛ كل حلال فهو طاهر، كل نجس فهو حرام، وليس كل حرام نجس، تمام.
يستثنى حيوان البحر كلُّه هذا ميتته طاهرة، يستثنى أيضًا ميتتة الآدمي فإنها طاهرة؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» ، ولأن الرجل إذا مات يُغَسَّل، ولو كان نجسًا ما أفاد به التغسيل.
والثالث: كل ما ليس له دم، والمراد الدم الذي يَنْسَفِحُ إذا ذُبِحَ أو قُتِل؛ مثل كالذباب والصراصير والجراد، وغيرها.
الوزغ يقول الإمام أحمد له نفس سائلة، والعقرب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليست كذلك، العقرب ما لها دم.
طالب: (...)
الشيخ: إي، كيف له دم؟
طالب: (...)
الشيخ: لا، لكنه يؤثر على الأرض ينزل للأرض، الفأرة لها دم يسيل إذن هي نجسة.
إذن كل ما ليس له دم يسيل عند ذبحه فإنه طاهر.
طالب: (...).
الشيخ: منين؟
طالب: (...).
الشيخ: هي طاهرة في الحياة، لكن كلامنا بعد الموت، هي نجسة بعد الموت.
ما هو الدليل على طهارة ما ليس له دم يسيل؟
الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ» .
فإن قوله: «فَلْيَغْمِسْهُ» يشمل غمسه في الماء الحار، وهو إذا غمس في الماء الحار يموت، ولو كان ينجس كان الرسول يأمر بإراقته.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا فيه خلاف يأتي إن شاء الله في النجاسة.
هذه الحيوانات الطاهرة في الحياة، نحن نتكلم عن الحيوان الطاهر في الحياة، والمؤلف يقول: (لَبَنُها وَكُلُّ أجزائِها نَجِسَة)، استثنينا من الميتة الطاهر في الحياة وهي ثلاثة أشياء: أو لا؟
إذن يُسْتَثْنى من الميتة ما كان طاهرًا بعد الموت، وهو ثلاثة أشياء: حيوان البحر، والآدمي، وما لا نفس له سائلة؛ يعني: ما لا دم له يسيل، هذه طاهرة، هو يلزم من طهارة الشيء حله؟
طلبة: لا..
الشيخ: لا يلزم، يلزم من حِلِّه الطهارة، ولا يلزم من طهارته الحلُّ؛ فبعر البعير؟
طالب: طاهر.
الشيخ: ويؤكل؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن، لا يلزم من الطهارة الحل، ما لا نفس له سائلة طاهر، ويلزم منه الحل؟ لا، طيب هذه تضاف إلى القواعد الثلاثة السابقة. تكون أربع قواعد.
أنه: إذن لا يلزم من الطهارة الحل.
***
وبهذا عَلِمْنا أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الشعر ونحوه؟ طاهر، اللحم وما كان داخل الجلد نجس، ولا ينفع فيه الدباغ ولا غيره، والثالث: الجلد وهو طبقة بينهما، والحكم ليس إلى هذا وليس إلى هذا، بل حكمه بينهما، ذكر الفقهاء في هذا ذكر الشارح رحمه الله: (أنَّ جَعْلَ الْمُصْران والكرشَ وترًا دباغٌ)، (المصران) معروفة، (والكرش) معروف، جعله (وترًا) يعني: حبالًا.
(دباغ) يعني: بمنزلة الدباغ، وبناءً على ذلك يكون طاهرًا، ويجوز استعمالُه في اليابسات على المذهب.
لكن صاحب الفروع رحمه الله، وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية -ولا سيما في الفقه- يقول: يتوجه لا.
المعنى: أن الذي يرى هو رحمه الله: أن الأوجه بناءً على المذهب، أو بناء على القول الراجح عنده أنه ليس دباغًا، وما قاله متوجِّه؛ لأن المصران والكرش من صُلْبِ الميتة، ما يَطْهُر بهذا، لا سيما أيضًا إنه يقول: يُجْعَل وترًا ما يدبغ؛ يعني: ما يدبغ، فالصواب ما ذهب إليه صاحب الفروع؛ أنه لا.
وبهذه المناسبة صاحب الفروع رحمه الله يقول مِنْ عنده: وَيَتَوَجَّه، وصاحب الغاية الشيخ مرعي رحمه الله من المتأخرين جمع فيها بين المنتهى والإقناع؛ غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، إذا أراد أن يقول شيئًا يُفَرِّعه من عنده يقول: يَتَّجه. ففرق بين اتجاه صاحب الغاية وتوجيه صاحب الفروع. أفهمتم؟
يعني: هذا ينفعكم إذا مر عليكم ما في الحواشي (ويتجه كذا) فهو من عبارات من؟ مرعي صاحب الغاية من المتأخرين. وإذا قيل: يتوجه فهو من كلام صاحب الفروع.
لكن بين التوجيه والاتجاه من حيث القوة والتعليل والدليل فرق عظيم.
يعني: توجيهات صاحب الفروع رحمه الله غالبها مبنيٌّ على القواعد والأصول، أما اتجاهات الشيخ مرعي رحمه الله فهي دون مستوى تلك.
يقول: (وَما أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ) هذه قاعدة فقهية.
(مَا أُبِينَ): ما إعراب (ما)؟ مبتدأ محلها الرفع، لكن ما نوعها؟ استفهاميَّة، شرطية؟
الطلبة: موصولة.
الشيخ: لكن إن جعلتها موصولة، قالت لك الفاء في قوله: (فهو كميتته) ويش محلي؟ ليش أجيء؟ لأن الفاء ما تأتي إلا رابطة، فتكون داخلة على جملة جواب الشرط.
طالب: (...).
الشيخ: طيب هذا خلاف الأصل، إذن معناه إذا جعلناها (ما) موصولة فإنا شبهنها بالشرطية وأدخلنا الفاء في جوابها. مفهوم؟ لكن إذا جعلنا (ما) شرطية فهو أولى من ناحية المعنى ومن ناحية اللفظ؛ أما من ناحية المعنى فلدخول الفاء في الجواب، وأما من ناحية المعنى فلأن هذه قاعدة، واستعمال الشرط في القاعدة أبلغ من استعمال اسم الموصول؛ فنقول: (ما أُبِينَ) هذه (ما) شرطية، و(أُبِين) بمعنى فُصِلَ.
وقوله: (مِنْ حَيٍّ) يعني: من حيوان حي، ولا حتى من الشجر؟ الحي: من الحيوان.
وقوله: (فهو كميتته)؛ يعني: طهارة ونجاسة، وحِلًّا وحرمةً، فهمتم؟ ما أُبِين من الآدمي فهو طاهر حرام؛ لحرمته لا لنجاسته وخبثه.
ما أُبِين من البقرة فهو نجس حرام؛ لأن ميتتها نجسة حرام، ما أبين من السمك طاهر حلال، ما أُبِين من الجرادة؟
طلبة: حلال.
الشيخ: يجوز تأخذ فخذ جرادة تقصه وهي حي وتأكله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، يجوز والله أعلم.





