«... مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» يعني هذا الفعل
البسيط يحصُل لك به هذا الأجرُ العظيمُ، فائدتانِ كبيرتانِ، وكثيرٌ من الناس يمضي
عليه الشهرانِ والثلاثةُ ما يتسوَّك إمَّا جَهْلًا أو تهاوُنًا، المهمُّ أن فيه
هاتينِ الفائدتينِ: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ
لِلرَّبِّ».
يقول المؤلف: (لغيرِ صائمٍ بعدَ الزَّوالِ) يعني:
مسنونٌ في كلِّ وقتٍ ليلًا ونهارًا إلا للصائم، كلمة (صائم) تعُمُّ
النَّفْلَ والفرْضَ.
(بعدَ الزَّوالِ) أي: زوال الشَّمس. ومتى يكون زوالُ
الشمس؟ إذا مالتْ إلى جهة المغربِ؛ لأن الشمس أول ما تطْلع من ناحية الشَّرق، فإذا
توسَّطَت السَّماءَ ثم زَلَّتْ عنه فقد زالتْ.
فما علامة الزوال؟
يقول أهل
العلم: علامة الزَّوال أن تَنصِبَ شاخصًا؛ شيئًا مرتفعًا، وتنظرَ إليه، فما دام
ظِلُّه ينقص فالشمس لم تَزُلْ، فإذا بدأ يزيد ولو شعرةً فالشمس قد زالتْ، هذه علامة
الزوال.
وأمَّا بالنسبة للساعات الموجودة الآن، فأنت انصفْ ما بين طلوع الشمس
وغروبها، والنصف هو الزوال؛ فمثلًا إذا كانت الشمس تطلع على الساعة الثانية عشرة
وتغيب الساعة الثانية عشرة، كمْ يكون الزوال؟
طلبة:
ست.
الشيخ: ست.
إذا كانت تطلع على واحدة
ونصف؟
طلبة: (...).
الشيخ:
لا، ما هو عشر ونصف، واحدة ونصف أضيفها إلى اثني عشر: ثلاثة عشر ونصف، كم نصفهم؟
سبع إلا رُبع، إذنْ تزول على سبع إلا رُبع.
إذا كانت تطلع على عشرة ورُبع، كم
نصفهم؟ خمس وسبع دقائق، تزول على خمس وسبع دقائق.
طالب: (...).
الشيخ: ترى هذا
بالتوقيت العربي، أمَّا بالتوقيت الإفرنجي لا.
المهمُّ أن الزوال له علامتان:
علامة الظِّل وعلامة الساعات؛ علامة الساعات أن تنصف ما بين طلوع الشمس وغروبها،
وعلامة الظِّل إذا بدأ الظل يزيد.
يقول: (لغير صائمٍ بعد الزَّوال) ما
حُكْمه للصائم بعد الزوال؟
قالوا: إنه يُكرَه، فإذا زالت الشمس وأنت صائمٌ فلا
تتسوَّك، لماذا؟ أيش الدليل؟ قالوا: عندنا دليلان:
أحدهما: الحديثُ الذي يُروَى
عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا
بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ»،
والعَشِيُّ ما بعد الزَّوال، هذا دليل.
والدليل الثاني: قول النبيِّ صلى الله
عليه وسلم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ
اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ،
والخُلُوف ما يظهر في الغالب إلا في آخر النَّهار، فما هو الخُلُوف؟
الخُلُوف:
الرائحة الكريهة التي تكون في الفم عند خلوِّ المعدة من الطعام، لكنه لَمَّا كان
ناشئًا عن طاعة الله صار طيِّبا عند الله عز وجل؛ «أَطْيَبُ
عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، وهل المراد في الدنيا أو في الآخرة؟
الصواب: في الدنيا والآخرة. قالوا: فإذا كان أطيبَ عند الله من ريح المسك فإنه
لا ينبغي أن يُزال، والسِّواك يُزيله، فلا ينبغي أن يُزال؛ بدليل دم الشَّهيد عليه؛
فإن دمَ الشَّهيد ما يُزال ولا يجوز أن يُزال، الشهيد الذي يُقتَل في سبيل الله يجب
أن يبقى دمُهُ عليه ويُدفن في ثيابه في دمائه، كما أَمَر بذلك النبيُّ عليه الصلاة
والسلام في شُهَداء أُحُد. قالوا: كلُّ ما كان ناشئًا عن طاعة الله فإنه لا ينبغي
إزالته.
وقال بعض أهل العلم: إنه يُسَنُّ للصائم كلَّ وقتٍ كغيره، واستدلوا
بعموم الأحاديثِ الدالَّة على استحباب السواك في كلِّ وقتٍ بدون تفصيل.
قال
المؤلف رحمه الله تعالى: (لغير صائمٍ بعد الزَّوال) أي: فلا يُسَنُّ، بلْ
يكون مكروهًا، وقبل الزوال؟ قالوا: يُستحَبُّ بيابسٍ ويُباح برطْبٍ. فجعلوا السواك
للصائم على ثلاثة أقسام أو له ثلاثة أحكام: مباحٌ برطْبٍ قبل الزوال، ومسنونٌ
بيابسٍ قبل الزوال، ومكروهٌ بعد الزوال مطْلقًا.
ما دليلهم على ذلك؟
يقولون:
إنه مسنونٌ للصائم قبل الزوال لعموم الأدلَّة باليابس، مباحٌ بالرطْبِ؛ لأن الرطْب
لرطوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلْق فيُخِلَّ بصيامه، وقد قال
النبيُّ صلى الله عليه وسلم للقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي
الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
أما
كونُه بعد الزوال يُكرَه فاستدلُّوا بأَثَرٍ ونَظَرٍ؛ الأَثَر: ما رواه ابن ماجه من
حديث عائشة رضي الله عنها «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا
بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ»،
هذا واحدٌ. التعليل قالوا: لأنه بعد الزوال في الغالب تظهر من الصائم رائحةٌ كريهةٌ
لخلوِّ المعدة من الطعام، هذه الرائحة الكريهة ناشئةٌ عن طاعةٍ، وإذا كانت ناشئةً
عن طاعةٍ فإن الأَوْلى إبقاؤها كدَمِ الشهيد عليه؛ فإن الدم لا ينبغي إبقاؤه، بلْ
ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لَمَّا جُرِح في
أُحُدٍ قامتْ فاطمةُ رضي الله عنها تغسل الدَّمَ عن وجْهِهِ ، أمَّا الشهداء
فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أَمَر أن يُدفَنوا في دمائهم
وألَّا يُغَسَّلوا؛ لأن هذا الدَّمَ
المستقذَر ناشئٌ عن طاعة الله عز وجل فبقي، فكذلك هذه الرائحة التي تخرج من جوف
الصائم في آخر النهار ناشئةٌ عن طاعة الله فينبغي إبقاؤها، ومن المعلوم أن التسوُّك
يُزيلها لأنه مَطْهرةٌ للفَمِ، هذا هو التعليل، فصار عنده بذلك دليلٌ
وتعليلٌ.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يُكرَهُ مطْلقًا للصائم، بلْ هو سُنَّةٌ في
حَقِّه كغيره؛ قال في الإقناع -الإقناع هذا من كُتُب الحنابلة المتأخرين
اللي يمشي على المذهب في الغالب- قال: وهذا أظهر دليلًا. وهو اختيار شيخ الإسلام
ابن تيمية أنه يُسَنُّ حتى للصائم بعد الزوال، ما هو الدليل؟
فيه أدلَّة عامَّة مثل حديث عائشة اللي سبق لنا الإشارة
إليه: «السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ
لِلرَّبِّ»، وهذا عامٌّ ما استثنى منه الرسول عليه الصلاة والسلام شيئًا،
وقد عَلِمْنا من القواعد الشرعية التي دلَّت عليها السُّنَّة وأخذ بها أهل العلم أن
العامَّ يجب إبقاء دلالته على عمومه كما علَّمنا بذلك رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم؛ فإنه لما سُئل عليه الصلاة والسلام عن الْحُمُر وعن أجْرها حين تكلَّم عن
أجْر الخيل التي تُربَط للجهاد في سبيل الله؛ قالوا: يا رسول
الله، فما الْحُمُر؟ قال: «إِنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ
الْفَاذَّةُ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]» ،
هذا استدلالٌ بماذا؟
طالب: بالعموم.
الشيخ: بالعموم، فإذا كان كذلك فإنَّ الواجب في الكتاب والسُّنة
أن تبقى دلالتهما على العموم إلا أنْ يَرِدَ مخصِّص، واعلمْ أنه لا يُمْكن أن يأتي
لفظٌ عامٌّ إلا وَرَدَ له مخصِّص إمَّا متَّصلٌ وإمَّا منفصلٌ، إمَّا لسببٍ وإمَّا
لغير سببٍ، هذا لا بد، لماذا؟ لأن مِن جملة البيان تخصيص العموم؛ إذْ إنَّه لو
جاءنا لفظٌ عامٌّ وحُكْمه غير عامٍّ ثمَّ لم يأتِ دليلٌ يخصِّصه، هلْ في ذلك
تِبيانٌ لكلِّ شيء؟ لا، فمِن جُمْلة التِّبيان لكلِّ شيءٍ -الذي بيَّن الله أن
القرآن تبيانٌ لكلِّ شيءٍ- مِن جُمْلته أنه لا يمكن أن يأتي لفظٌ عامٌّ وقد كان
بعضُ أفراده لا يتناول هذا الحكْمَ إلا ولا بدَّ أن يأتي ما يخصِّصه؛ إمَّا بشيءٍ
متَّصلٍ، مثل أيش المتَّصل؟ كالاستثناء والشرط، وإمَّا بشيءٍ منفصلٍ، وإمَّا بسببٍ،
وإما بغير سببٍ، فالأقسام أربعة؛ كلُّ عامٍّ لا يعمُّ حُكْمه جميعَ أفراده فلا بدَّ
أن يقوم دليلٌ على تخصيصه، إما متَّصل، أو منفصل، أو بسببٍ، أو بغير سببٍ.
ما
هو الدليل على هذه القاعدة؛ لأن هذه القاعدة نجزم بها؟
الدليل قوله تعالى:
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وقوله: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١]، ومن جُمْلة التفصيل تخصيص العامِّ لو
كان هناك ما يخصِّصه.
نشوف الآن الأقسام الأربعة وإنْ كنَّا خرجنا عن هذا، لكن
أنا أحبُّ دائمًا أن نتعرَّض للقواعد؛ لأنها أهم من المسائل الفردية بالنسبة لطالب
العلم.
العامُّ الذي وَرَدَ تخصيصه كثيرٌ في القرآن وفي السُّنة؛ قال الله
تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢] هذا عامٌّ، جاء التخصيص؟
الطلبة: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ٣].
الشيخ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ [البقرة: ٢١٧] فـمَنْ يَرْتَدِدْهذا عامٌّ، وجاء بعده قَيْدٌ: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، وفي السُّنة أيضًا مِن هذا كثيرٌ، هذا بدون سببٍ؛ المخصِّص
المتَّصل.
المخصِّص المتَّصل بسببٍ مثل حديث ابن عباس في فتح مكة حينما تكلَّم
الرسول عليه الصلاة والسلام عن حُكْم مكة وأشجارها وتكلَّم بكلامٍ عامٍّ: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» -إلى
آخره- فقال العباس: إلا الإذْخِر. فقال النبي عليه الصلاة
والسلام «إِلَّا الْإِذْخِرَ» ،
هذا متَّصل لسببٍ ولَّا لغير سببٍ؟
الطلبة:
لسببٍ.
الشيخ: هذا متَّصل لسببٍ، ما هو السبب لهذا
التخصيص؟
الطلبة: سؤال العباس.
الشيخ: سؤال العباس.
العامُّ الذي خُصِّص بدليلٍ منفصلٍ
لسببٍ: فَرَضَ الله على العباد خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وهذا ظاهرٌ أو
لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ:
وظاهرُ العمومِ يشمل النَّهارَ الطَّويلَ والنَّهارَ القصِيرَ، ولما حدَّثَ النبيُّ
عليه الصلاة والسلام الصحابةَ بأنَّ أيام الدجَّالِ يومٌ
كسَنَةٍ، ويومٌ كشَهْرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامِنا ، فمقتضَى
الأدلَّة العامَّة أنَّ اليوم الذي كسَنَةٍ كمْ يلزم من الصلوات؟
الطلبة: خمس صلوات.
الشيخ: خمس
صلوات، ولكنَّ الصحابة سألوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم: هل تكفينا فيه صلاةٌ
واحدةٌ؟ فقال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ». هذا
دليلٌ منفصلٌ لسببٍ.
دليلٌ منفصلٌ لغير سببٍ: قال النبي عليه الصلاة والسلام
«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» ، هذا
عام؟
الطلبة: نعم.
الشيخ:
لماذا؟ للقليل والكثير، عامٌّ في القليل والكثير، لماذا؟ لأنه اسمٌ موصولٌ، وهو من
صِيَغ العموم.
جاء الحديثُ حديثُ أبي هريرة: «لَيْسَ
فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»
، فخصَّص هذا الحديث، وهو منفصلٌ ولَّا لا؟
الطلبة: منفصل.
الشيخ: منفصل. ولسببٍ
ولَّا لغير سببٍ؟
الطلبة: لغير سببٍ.
الشيخ: لغير سببٍ.
إذا كان كذلك فالأدلَّة في السواك عامَّة
ولَّا خاصَّة؟
الطلبة: عامَّة.
الشيخ: عامَّة؛ «السِّواكُ مَطْهَرَةٌ
لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» عامٌّ، «لَوْلَا أَنْ
أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
صَلَاةٍ»،
هذا عامٌّ، كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيتَه
فأوَّل ما يَبْدأُ به السواك، هذا عامٌّ، هذه الأدلَّة
العامَّة مِن قول الرسول عليه الصلاة والسلام ومِن فِعْله ما يمكن أن نخصِّصها إلا
بدليل.
قالوا: والدليل الحديث الذي أشرْنا إليه: «إِذَا
صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ»،
وثانيا: التعليل الذي ذكرْنا.
ولكن الذين قالوا باستحباب السواك للصائم مطْلقًا
قالوا: أمَّا الحديث فإنه ضعيفٌ لا يَقْوى على تخصيص العموم؛ لأن الضعيف ليس
بِحُجَّةٍ، فلا يَقْوى على إثبات حُكْمٍ، وتخصيص العموم حُكْم ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: حُكْمٌ؛ لأنه
إخراجٌ لهذا المخصَّص عن الحكْمِ العامِّ وإثباتُ حُكْمٍ خاصٍّ به، فيحتاج إلى ثبوت
الدليل المخصِّص، وإلَّا فلا يُقْبل.
وأمَّا التعليل فإنه عليلٌ؛ وذلك لأن
الذين قُتِلوا في سبيل الله وأَمَرنا الرسول عليه الصلاة والسلام ببقاء دمائهم إذا
بُعِثوا يوم القيامة فإنهم يبعثون يوم القيامة وكَلْمُهم يخرج دمُهُ؛ «يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ والرِّيحُ رِيحُ
الْمِسْكِ»، فلا ينبغي أن يُزال
هذا الشيء الذي سيوجد يوم القيامة، ونظيره تمامًا قول النبي عليه الصلاة والسلام في
الذي مات في عَرَفة، قال: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ»،
ولهذا ينبغي لمن مات مُحْرِمًا ألَّا نطلبَ له خِرقةً جديدةً، بلْ نُكَفِّنه في
ثياب إحرامه التي عليه، وعلَّل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه «يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»،
فيُكَفَّن في ثيابه كما أَمَر بذلك النبيُّ عليه الصلاة والسلام.
ونقول أيضًا: إنه منتقضٌ؛ ربْطُ الحكْمِ بالزوال ينتقض طردًا وعكسًا؛ لأنه قد
تحصُل هذه الرائحة قبل الزوال؛ لأنها سببها خلوُّ المعدة من الطعام، وإذا لم
يتسحَّر الإنسان في آخِر الليل ستخلو معدته مبكرًا، وأنتم لا تقولون: إنه متى
وُجِدتْ رائحةُ النكهة الكريهة هذه يُكرَه السواك. هذه واحدة.
ثانيًا: منتقضٌ
بالعكس أو بالطرد بأن نقول: إنَّ مِن الناس مَن لا تحصُل عنده هذه الرائحة الكريهة،
وهذا موجودٌ حِسًّا، مُشاهَدٌ؛ فإنَّ بعض الناس لا توجَد عنده؛ إمَّا لصفاء معدته،
وإمَّا لأنه ما يتهضم الطعام منه بسرعة، وإن كان هذا الأخير قد تحصل منه روائح
أكثر، لكنْ على كلِّ حالٍ هذه العِلَّة منتقضة، وإذا انتقضت العلَّة انتقض المعلول؛
لأن العلَّة أصلٌ والمعلول فرعٌ، فالصواب إذنْ أن السواك سُنَّةٌ حتى للصائم،
ويؤيِّده هذا الحديث وإنْ كان ضعيفًا، حديث عامر بن ربيعة: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما لا أُحصِي يتسوَّك وهو
صائمٌ .
طالب: ما يقال: إنه ما تزول الرائحة بالسواك؛ الرائحة من المعدة ولا
تزول بالسواك؟
الشيخ: واللهِ هذه ما أدري، هذه عند اللِّي يشمون، أنا ما
أشمُّ.
طالب: أحيانًا
النهار قصير ما..
الشيخ: ما يصير رائحة..
الطالب:
فايحة لعامة الناس.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: في الشتاء.
الشيخ: لكن
السؤال الآن أنه حتى لو تسوَّك الإنسان ما تروح الرائحة.
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، تبقى؟ إذنْ
بعد (...) تكون.
طالب: (...).
الشيخ: إي، على كلِّ حالٍ الحمدُ لله، الأدلَّة عندنا ظاهرة في
العموم، وهو الراجح
طالب: وما
الجواب عن حديث لقيط (...) الصائم عن المبالغة في المضمضة
والاستنشاق؟
الشيخ: هذا
واضح؛ لأن الخوف من أنْ يتسرَّب الماءُ إلى جوفه.
طالب: (...)؟
الشيخ: نقول في هذه الحال: إنه يُمْكنه إمساكه إذا كان له طعمٌ، حتى لو
فُرِض أنه قد يَبِس وأنه مع رطوبته بالريق يمكن يظهر طعمه فلا بدَّ أن
تَتْفُله.
طالب: (...).
الشيخ: إي،
يمكن.
طالب: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ
الْمِسْكِ» الحديث ما يصير دليلا لهم؟
الشيخ: لا أبدًا لأنه كما سمعت ما يترتب
مثل ما قال بعض السلف، قال: ماذا يريد الله من (...)، إنما المعنى أن هذا له أثر
طيب عند الله وإن كان مكروها عندكم.
طالب: (...) مرضاة الربِّ أطيب من ريح المسك، ما
(...)؟
الشيخ: مرضاة الرب؟
طالب: أطيب من ريح المسك، ما (...)؟
الشيخ: ما (...) فيها شيء، لأنه أطيب
عند الله من ريح المسك.
طالب:
شيخ، (...).
***
يقول المؤلف: (متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ).(متأكِّدٌ) هذه خبرٌ ثانٍ لقوله: (التسوُّك)، وتعدُّد الأخبار جائزٌ؛ قال الله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج: ١٤] فـالْوَدُودُهنا خبرٌ ثانٍ، ولا يجوزُ أن يكون صفةً لـالْغَفُورُ؛ لأن نفس الْغَفُورُصفةٌ بالمعنى العامِّ، ما هو بالمعنى النَّحْوي اللي هو النعت؛ لأن الْغَفُورُهذه خبر.
يقول: (متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ وانتباهٍ) إلخ.
كلمة (صائم) في كلام المؤلف: (لغير صائمٍ)، نفلًا ولَّا فرضًا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: الفرض والنفل، نعم.
يقول: (عِنْدَ صلاةٍ وانتباهٍ وتغيُّرِ فَمٍ) ثلاثة أمورٍ ذكرها المؤلِّف:
أولًا: (عِنْدَ صلاةٍ) الدَّليل قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»، وكلمة: «عِنْدَ»في الحديث وفي كلام المؤلِّف تقتضي القُرْبَ؛ لأن العِندية معناها: الشيء القريب من الشيء، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [الأعراف: ٢٠٦]، كما قال في الكتاب الذي كَتَبه: «فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ»، فالعِنْديَّة تقتضي القُرْب من الشيء، فإذنْ (عِنْدَ صلاةٍ) يكون قُربَ الصلاة، وكُلَّما قَرُبَ منها فهو أفضل، وأمَّا قول بعضهم: إن المراد بـ(عند الصلاة) يعنى: الوُضوء. فهذا ليس بصحيح؛ لأن الوُضوء قد يبعد عن الصلاة، هذه من جهةٍ؛ لأن الوُضوء له سواك خاصٌّ، فالصواب أن (عند الصلاة) يعني: قُرْب الصلاة.
ولكن بعض الناس يقول: إنَّ التسوُّك لا بدَّ أن يكون هناك وَسَخ، فهلْ نفعل كما يفعل العامَّة إذا تسوَّك مصَّ السواك وبلعه؟
الجواب: لا؛ لأن معنى ذلك أنك تُزيل الوَسَخ من الأسنان لأجْل تجعله في المعدة، وهذا خِلاف مقصود الشرع، بلْ إنك إذا أحسسْتَ بأن هناك أوساخًا حَمَلها السواكُ فإنك تأخذه أو تمصُّه ثم تَتَفُله، أو تأخذه مثلا وتعصره بين أصبعيك أو في منديل حتى يذهب هذا الوَسَخ.
وقوله: (عند صلاةٍ)، فرضًا ونفلًا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: جنازة وصلاة ذات ركوعٍ وسجودٍ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: حتى عند صلاة الجنازة لعموم الحديث.
عند سجود التِّلاوة؟
الطلبة: (...).
الشيخ: ينبنى على الخلاف؛ إن قلنا: بأنه صلاة -كما هو المشهور من المذهب- سُنَّ له ذلك، وإلا فلا، وكذلك سجود الشُّكر.
ولكننا نقول: إذا لم نقلْ بأنه متأكد عند سجود التلاوة فإنه داخلٌ في أنه مسنون كُلَّ وقتٍ، لكننا لا نعتقد بأنه مسنونٌ من أجْل هذا الشيء إذا قلنا بأن سجود التلاوة ليس بصلاةٍ.
طالب: إذا كبَّر (...)؟
الشيخ: لا، يُكبِّر؛ لأننا ذكرنا من قبلُ قواعدَ حول هذا الأمر فقلنا: الفضيلة المتعلِّقة بذات العبادة أَوْلى بالمحافظة من المتعلِّقة بمكانها.
وقلنا أيضًا: إن الفضيلة المتعلِّقة بذاتِ العبادة أَوْلى من الفضيلة التي تُشرع للعبادة؛ لها، والسواك مشروعٌ: لَهَا ولَّا فيها؟
الطلبة: لها.
الشيخ: لها، فعلى هذا يُقدَّم إدراك تكبيرة الإحرام.
وأمَّا المتعلِّقة بالمكانِ وذاتِ العبادة فقد مثَّلنا لذلك بماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: بالرَّمَل في طواف القُدوم، والقربِ من البيت؛ أيهما أولى؟ الرَّمَل أَوْلى من الدُّنوِّ من البيت؛ لأن الرَّمَل سُنَّةٌ تتعلَّق بذات العبادة، والدنوَّ من البيتِ تتعلَّق بماذا؟
طلبة: بمكانها.
الشيخ: بمكانها، نعم.
(عِنْدَ صلاةٍ وانتباهٍ)، انتباه منين؟
الطلبة: من النوم.
الشيخ: من النوم؛ لقولِ حذيفةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنه: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قامَ مِن النوم يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك .
(يَشُوصُ) قال العلماء: معناه: يدلكه ويغسله بالسِّواك.
وعند الانتباه من النوم يُسَنُّ، وظاهرُ كلام المؤلف أنه يُسَنُّ عند الانتباه من نومِ الليل ومن نومِ النهار؛ لأنه قال: (وانتباهٍ) ولم يَخُصَّه بالليل، فإذا استدللنا بحديث حذيفة على هذه المسألة فهل استدلالُنا صحيحٌ على قاعدة الدليل؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأن الدليل أخصُّ، ولا يمكن أن يُستدَلَّ بالأخصِّ على الأعمِّ، لكن قد يُقالُ: إنَّ حذيفة رضي الله عنه رأى الرسول عليه الصلاة والسلام عند الانتباه من نومِ الليل، ولا يمنع أن يكون ذلك أيضًا عند الانتباه من نومِ النهار؛ لأنَّ العِلَّة واحدةٌ، وهي تغيُّر الفَمِ بالنَّوم، وعلى هذا فيُسَنُّ -كما قال المؤلِّف- عند الانتباه مطْلقًا؛ بالدَّليل في نومِ الليل، وبالقياس في نوم النَّهار.
واعلمْ أنَّ القياس الجليَّ الواضح يُعبِّر عنه بعضُ أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية بالعموم المعنويِّ؛ لأنكم تعرفون أنَّ العموم يكون بالألفاظ كالصِّيَغِ المعروفةِ، وقد يكون بالمعاني؛ بمعنى: أننا إِذا تيقَّنَّا أو غَلَب على ظنِّنا أن هذا المعنى الذي جاء به النَّصُّ يشمل هذا المعنى الذي لم يدخلْ في النَّصِّ لفظًا فإننا نقول: دخل فيه بالعموم المعنويِّ. وإذا قلنا: إنَّه ثَبَتَ بالقياس الجليِّ فالأمرُ واضحٌ؛ لأن السُّنَّة -أو الشرع- لا تفرِّق بين متماثلين.
(وتغيُّرِ فَمٍ) أي: متأكدٌ أيضًا عندَ تغيُّر الفَمِ، الدَّليل؟
طالب: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ».
الشيخ: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ»، فمعنى ذلك: متى احتاج الفَمُ إلى تطهيرٍ كان السواكُ مشروعًا.
***
قال المؤلِّف: (ويَسْتاكُ عَرْضًا)، بالنِّسبة للأسنان، وطولًا بالنِّسبة للفَمِ؛ يستاكُ عرضًا هكذا، طول الأسنانِ كذا، فيستاك عرضًا بالنسبة لها، وطولًا بالنِّسبة للفمِ. وين طول الفم؟ من اليمين إلي الشِّمال؛ يعنى: من الأُذُن اليُمنى إلي الأُذُن اليُسرى، هذا طوله، فهو طولًا بالنسبة للفَمِ، وعرْضًا بالنسبة للأسنان.وقال بعض أهل العلم: يستاكُ طولًا بالنسبة للأسنان؛ لأن هذا أَبْلَغ في التنظيف، لأنه لو اسْتاكَ طولًا ينظِّف ما بين الأسنان أكثر.
ويحتمل أن نقول: إنه يُرجَع في ذلك إلى ما تقتضيه الحال؛ فإذا اقتضت الحالُ أن يستاكَ طولًا استاك طولًا، وإن اقتضت أن يستاكَ عرضًا استاك عرضًا، ما دام المسألة ما فيها سُنَّةٌ بيِّنَةٌ.
(يَسْتاكُ عَرْضًا مبتدِئًا بجانب فَمِه الأيمن) الجانب الأيمن هذا ولَّا ذا؟
اللِّي إلى الأذن اليُمْنى، ودليله أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُعْجبُه التيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه، وطُهورِه، وفي شأنه كلِّه .
وبماذا يستاك؟ هل هو باليد اليُمنى أو باليد اليُسرى؟
اختلف أهل العلم في ذلك:
فقال بعضهم: يستاك باليد اليُمنى؛ لأن السِّواك سُنَّةٌ، والسُّنَّةُ طاعةٌ لله عز وجل وقُربةٌ إليه، فلا تناسبُ أن تكون باليُسرى؛ لأنَّ اليسرى تُقدَّم للأذى، كما تقدَّم أن القاعدة: أن اليُسرى تقدَّم للأذى، واليُمنى لما سواه.
وإذا كان السواك عبادةً فالأفضل أن يكون باليمين.
وقال آخرون: بل باليسار أفضل، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعلَّلوا ذلك: بأن السواك لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليُسرى كالاستنجاء والاستجمار، فإنه يكون باليُسرى ولا يكون باليُمنى.
ولكننا نقول: صدقتم، إن السواك إزالةٌ للأذى؛ «مَطْهَرَةٌ للفَمِ»، لكنْ في نفس الوقت هو «مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» فهو طاعة.
وفصَّلَ آخرون في هذا فقالوا: إنْ تسوَّك لتطهير الفَمِ -كما لو كان بعد الأكلِ مثلًا أو بعد النومِ- إِنْ تسوَّك لتطهير الفَمِ فيكون؟
الطلبة: باليسرى.
الشيخ: باليسار؛ لأنه لإزالة الأذى.
وإنْ تسوَّك لتحصيل السُّنَّة فيكون؟
الطلبة: باليمين.
الشيخ: باليمين؛ لأنه مجرَّد قُربة؛ كما لو كان قد توضَّأ قريبًا واستاكَ عند الوضوء ثم حضر إلى الصلاة، فإنَّه يستاك هنا؟
الطلبة: باليمين.
الشيخ: لتحصيل السُّنَّة، فيكون باليمين، وإلى هذا ذهب بعضُ علماء المالكية ففصَّلوا فيه هذا التفصيل.
وعندي أنَّ الأمر في هذا واسعٌ، وأنه إن استاك باليمين فباليمين، وباليسار فباليسار؛ لأنه ليس هناك سُنَّةٌ واضحةٌ في هذه المسألة.
طالب: الاستنشاق والاستنثار يُباشَر باليسار؟
الشيخ: باليسار.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، بَس الاستنثار .. يصيب اليدَ مخاطٌ وشيءٌ قذِرٌ، بخلاف هذا، على كل حال يُمْكن ما يصيب ويُمْكن يصيب، لكنْ مثلًا تتسوك تمسك المسواك فقط.
فالأقوال إذنْ ثلاثة: المشهور من مذهب الحنابلة هو أنه يستاك باليسار مطْلقًا.
طالب: أقول: إنَّ الأذى اللي في الفَم خِلافُ الأذى الخارج من السبيلين، فالقول هذا بأنه لإزالة الأذى فهو باليسار ..
الشيخ: لا، هم يقولون: إن الأذى منه نجسٌ قَذِرٌ ومنه ما هو دون ذلك.
الطالب: بالإضافة لأنَّ الاستياك عايز مهارة، بخلاف الاستنجاء.
الشيخ: كيف مهارة، ويش؟
الطالب: يعني ما يستطيع اللي هو ليس بأعسر أنه يستعمل السواك بيده اليُسرى.
الشيخ: لا، الأعسر غيره، الأعسر شيء آخر.
الطالب: لا، أقول: خلاف الأعسر؛ العادي ما يستطيع أنه يستعمل اليُسرى في شيء ينظِّف به.
الشيخ: عجيب، لا، الآن نحن استياكُنا باليسار وضابطينه تمامًا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صح.
يقول المؤلف: (ويستاكُ عَرْضًا مبتدِئًا بجانب فَمِه الأيمن). انتهى الكلام على السواك، فصار السواك سُنَّة، وينبغي أن يتسوَّك بعُودٍ ليِّنٍ، مُنْقٍ، غيرِ متفتِّتٍ ولا ضارٍّ، ويتأكَّد في خمسة مواضع.
***
قال: (ويَدَّهِنُ غِبًّا).(يَدَّهِنُ)، ويش معنى (يَدَّهِنُ)؟ أي: يستعمل الدُّهْن في شعره، فيدَّهن (غِبًّا) الغِبُّ يعني: يومًا ويومًا؛ يعني: يومًا يفعل ويومًا لا يفعل، وليس بلازمٍ أن يكون يومًا ويومًا هكذا بالترتيب، يُمكن يومًا ويترك يومين، أو يومين ويترك يومًا، المهم ألَّا يستعمل ذلك دائمًا؛ لأنه إذا استعمله دائمًا صار في عِدَاد الْمُترَفين الذين لا يهتمُّون إلا بشؤون أبدانهم، وهذا من الأمور التي ليستْ بمحمودة، ففي سنن أبي داود أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن كثرةِ الإرفاه؛ يعنى ما ينبغي للإنسان أن يُكثِر إرفاه نفسِه.
وأيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويُؤْتَمَنُونَ فَيَخُونُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» . السِّمَن ليش يظهر فيهم؟
الطلبة: لكثرة التَّرَف.
الشيخ: لكثرة التَّرَف؛ لأن الإنسان اللي ما يُترِف نفسَه ما يزيد وزنُه، وهذا دليلُّ على أنَّ كثرة الإرفاه ليستْ بمحمودة.
وأمَّا تركُه بالكُلِّية –ترك الادِّهان- فإنه أيضًا سيِّءٌ؛ لأنه يوجِب أن يكون الإنسانُ شَعِثًا رأسُه كشجرة الشوك ليس بجميلٍ ولا بحسنٍ، فالإنسان ينبغي أن يكون وسطًا بين هذا وهذا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هو الظاهر أنَّ هذا يختلف، إذا كان رأسه خفيفًا يُمْكن لو يدَّهن دائمًا ويش الفائدة! ما غير يصير على كتفيه ويؤذيه.
طالب: رأسه خفيف ما يحتاج.
الشيخ: الظاهر أنه ما يحتاج، يكفيه الماء.
***
(ويَكْتَحِلُ وِتْرًا).(يَكْتَحِلُ) الكُحل يكون بالعين.
(وِتْرًا) يعني: ثلاثًا في كُلِّ عَين.
كلَّ ليلةٍ؟
نعم، كلَّ ليلةٍ.
ولكن بماذا يكتحل؟
قالوا: ينبغي أن يكتحل بالإثْمِد، الإثْمِد: نوعٌ من الكُحل جيِّدٌ جدًّا مفيدٌ للعين، وإذا شئتَ أن تعرف عنه فأقرأ: زاد المعاد لابن القَيِّم، وهو من أحسن الكُحل تقويةً للنَّظر.
ويُقال: إنَّ زرقاء اليمامة -وأظنها معروفةً لديكم- تنظرُ مسيرةَ؟
طلبة: ثلاثة أيام.
الشيخ: ثلاثة أيامٍ بعينها المجرَّدة، ثلاثةِ أيام! ما أدري أنتم تنظرون إلى مسيرة عشرين مترًا؟!
طالب: (...).
الشيخ: نعم، يقولون: إنها لما قُتِلَتْ قالوا: لا بد نشوف ها العين اللي تنظر مسيرة ثلاثة أيام، فوجدوا أن عروق عينها تكاد تكون مَحْشُوَّةً من الإثْمِد؛ لأنه جيِّدٌ للعين، فينبغي للإنسان أن يكتحل هذا الاكتحال.
الاكتحالُ الذي يكون لتجميل العين هل هو مشروعٌ للرَّجُلِ ولَّا مشروعٌ للأنثى فقط؟
الظَّاهر أنَّه للأنثى فقط، أمَّا الرَّجُل فليس بحاجةٍ إلى تجميل عينه.
وقد يُقال: إنه مشروعٌ للرَّجُل أيضًا؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لما سُئل؛ قالوا: يا رسول الله إنَّ أَحَدَنا يحب أن يكون نَعْلُه حسنًا، وثوبُه حسنًا. فقال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ».
وقد يُقال: إنه بالنسبة للرجل إذا كان في عينه عيبٌ يَحتاجُ إلى الاكتحال فهو مشروعٌ له، وأمَّا إذا كانتْ عينُه عاديَّةً فليس بمشروع.
طالب: هل له أشكالٌ وألوان؟
الشيخ: اللي هو الكُحل؟
الطالب: الإثْمِد.
الشيخ: إي، واللهِ بَس أنا قالوا لي: ما هو موجود الآن.
الطالب: الإثْمِد أحمر، موجود.
الشيخ: هو الظاهر أنهم يقولون: موجود، كما يقول أهل المدينة: إن العجوة موجودة. ويش العجوة؟ يجيبلك دقلة ما، يمكن مِن أَرْدأ الدقل، يقول: هذه العجوة. وأنا حدثني شيخٌ من المدينة منذ سنوات يقول: إنه لا يوجد سوى نخلة واحدة فقط ولا لها فراخة في مكان فلان. وعيَّنَه لنا.
الطالب: ابن القيم يقول: موجود في خراسان و(...).
الشيخ: ابن القيم! إذا كان ابن القيم يقول في زمنه.. كيف هذا الآن!
الطالب: شكله أحمر يُباع عند أُحُد (...).
الشيخ: إي، بَس يا أخ تزوير.
الطالب: بَس ما أدري، هم يقولون هذا، أحمر.
الشيخ: تبقى تأخذه إن شاء الله وتتَّكل على الله تملأ عينك بهذا الحصى.
***
(يدَّهِنُ غِبًّا ويكتحل وترًا، وتجبُ التَّسميةُ في الوُضوء مع الذِّكر).(تجبُ التَّسميةُ في الوُضوء) يعني أن يقول: بسم الله، ومتى تكون؟
عند ابتدائه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ، وهذا يعني أنه في ابتدائه، وعلى هذا فتكون التسميةُ واجبةً، والدليل هذا الحديث، لكننا عندما نضع هذا الحديث على القاعدة المعروفة عندنا أنَّ النفي يكون أولًا لنفْي الوجود ثم لنفْي الصِّحَّة ثم لنفْي الكمال، فإذا جاء في الكتاب والسنة نفيٌ لشيءٍ فالأصل أنَّ هذا النفي لوجود ذلك الشيء؛ يعني لا يوجد هذا الشيء فإن كان موجودًا فهو نفيٌ للصحة، ونفيُ الصحةِ نفيٌ للوجودِ الشرعيِّ، فإن لم يمكن ذلك بأن صحَّت العبادة مع انتفاء هذا الشيء صار نفيًا للكمال لا للصحة؛ لأن الصحة موجودةٌ مع انتفاء هذا الشيء، فيلزم أن يكون المرادُ الكمال.
ولهذا أمثلةٌ كثيرةٌ إذا شئتم نستعرضها على سبيل السرعة.
مثال النفي الذي يكون نفيًا للوجود.
الطالب: لا معبود بحقٍّ.
الشيخ: لا إلهَ حقٌّ إلا الله، أمَّا الإله الذي ليس بحقٍّ فموجودٌ.
لا خالقَ للكون إلا الله، أيش تقولون؟
الطلبة: (...).
الشيخ: هذا نفيٌ للوجود، ما فيه إشكال، ولا يحتاج إلى تقدير.
نفيُ الصحة: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، نحن نشوف الإنسان يصلِّي وهو ما يقرأ فاتحة الكتاب، الصلاة الآن موجودة بالفعل، لكنها شرعًا غير موجودة، غير صحيحة، هذا نقول: نفيٌ للصحة.
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .
هذا فيه أيش؟
الطلبة: نفي الكمال.
الشيخ: نفي الكمال؛ لأن الإنسان الذي لا يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ما هو ينتفي عنه الإيمان، الذي ينتفي عنه كمالُ الإيمان، ولكن هذا الكمال قد يكون كمالًا واجبًا وقد يكون كمالًا مستحبًّا.
الحديث: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» إذا طبَّقناه على هذه القاعدة فإنه يقتضي أن التسمية شرطٌ في صحة الوُضوء لا واجبٌ فقط، بلْ هي شرطٌ في صحة الوُضوء؛ لأن نفيَ الوُضوء لانتفاء التسمية معناه نفيٌ لصحتة، ولا تنتفي الصحة لانتفاء شيءٍ إلا وهذا الشيءُ شرطٌ، لكن مذهب (...)، وكأنهم عدلوا عن كونها شرطًا لأنَّ الحديث فيه نظرٌ؛ في صحته نظرٌ، ولهذا ذهب الموفَّق -رحمه الله- إلى أن التسميةَ ليستْ بواجبةٍ وإنما هي سُنَّة؛ لأن هذا الحديث قال فيه الإمام أحمد: لا يَثْبت في هذا الباب شيءٌ، وإذا لم يَثْبت فيه شيءٌ فإنه لا يكون حُجَّة.
فالمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن التسمية واجبةٌ، ولكنها تسقط بالنسيان، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني: أنها سُنَّة وليستْ بواجبةٍ؛ لأن الحديث فيها لا يَقْوى على إيجابها على المسلمين وعدم صحة وضوئهم، ولأن كثيرًا من الذين وصفوا وُضوء النبيِّ عليه الصلاة والسلام لم يذكروا فيه التسمية، وهى أحاديثُ كثيرةٌ، ومِثْل هذا لو كان من الأمور الواجبة التي لا يصحُّ الوُضوء بدونها لكانتْ تُذْكر.
طلبة: إذا كان في الحمَّام؟
الشيخ: إذا كان في الحمَّام فقد ذكر الإمامُ أحمد أن الرجُل إذا عطسَ حَمِدَ اللهَ بقلبه، فيُخَرَّج من هذه الروايةِ أنه يُسمِّي بقلبه.
قال المؤلف: (تجبُ التسمية في الوُضوء مع الذِّكْر).
أفادنا بقوله: (مع الذِّكْر) أنها تسقط؟
الطلبة: بالنِّسيان.
الشيخ: بالنِّسيان، فإن نسيها في أوَّله وذكرها في أثنائه فماذا يصنع؛ يُسمِّي ويستمرُّ، ولَّا يبتدئ؟
اختلف في هذه المسألة المنتهَى والإقناعُ -وهما كتابان من كُتُب فقه الحنابلة- فقال صاحبُ المنتهى: يبتدئ. وقال صاحبُ الإقناع: يواصل، يستمرُّ.
أمَّا حُجَّة صاحب المنتهى فيقول: لأن هذا الرجُل ذَكَر التسميةَ قبل فراغه، فوجب عليه أن يأتي بالوُضُوء على وجهٍ صحيح.
وأمَّا حُجَّة صاحب الإقناع فقال: إنَّها تسقط بالنِّسيان إذا انتهى من جملة الوُضوء، فإذا انتهى من بعضه فإنَّ هذا البعض الذي نَسِي فيه يكون صحيحًا.
أيهما المذهب عند المتأخرين؟
الذي في المنتهى؛ هم يَرَون أن اللي في المنتهى هو المذهب؛ إذا اختلف الإقناع والمنتهى فالمذهب ما في المنتهى.
(تجب التسميةُ في الوُضوء مع الذِّكْر) وهل تجب في الغُسل؟
يقول الفقهاء: نعم، تجب في الغُسل؛ لأن الغُسل إحدى الطَّهارتين، فكانت التسمية فيه واجبةًَ كالوُضوء، ولأنها إذا وجبتْ في الوُضوء وهو أصغرُ -حَدَثٌ أصغر- وأكثرُ مرورًا على المكلَّف فوُجوبُها في الحَدَث الأكبر من باب أَوْلى.
وهل تجب في التيمُّم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قالوا: نعم، تجب في التيمُّم؛ لأن التيمُّم بدلٌ عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدَل، ولكن قد يُعارض معارضٌ ويقول: إن التيمُّمَ لم يكنْ له حكمُ المبدَل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأنَّ التيمُّم إنما يُطهَّر فيه كم عضو؟
طالب: الوجه والكفَّان.
الشيخ: عضوانِ فقط في الحدث الأصغر وفي الأكبر، فلا يمكن أن يُقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمُّم، ولكنْ على كلِّ حال الاحتياط أَوْلى، مع أن الذي يتأمَّل حديث عمَّار بن ياسر وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام له: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا» ، ولم يذكر التسمية، يستفيد منه أنها؟
طالب: ليست واجبة.
الشيخ: ليست بواجبةٍ في التيمُّم.
بهذه المناسبة نشوف أحكام التسمية في الشرع:
التسمية في الشرع قد تكون شرطًا، وقد تكون واجبًا، وقد تكون سُنَّةً، وقد تكون بدعةً غير مشروعة.
متى تكون شرطًا؟
طالب: في الذبيحة.
الشيخ: في الذبح، في الذَّكاة والصَّيد، شرطٌ، ما تسقط على الصحيح لا عمدًا ولا جهلًا ولا سهوًا، فإذا ذَبح إنسانٌ ذبيحةً ونَسِي أن يُسمِّي صارتْ حرامًا، وإذا رمى صيدًا ونَسِي أن يُسمِّي صار حرامًا.
وقال بعض أهل العلم -وهو المذهب-: إذا رمى صيدًا ونسي أن يُسمِّي كان حرامًا، وإن ذَبَح ونسي أن يُسمِّي فهى حلالٌ.
أيهما أَوْلى بالعُذر؟
الطلبة: الصيد.
الشيخ: الصيد أَوْلى بالعُذر.
قال: كيف تعذرونه في الذبيحة، ولا تعذرونه في الصَّيد مع أنَّ الغالب أنَّ الإِنسان إذا شاف الصيد يستعجل وينسى، يَذْهل، ومع هذا يقولون: إنه لا يحلُّ المصيد ويحلُّ المذكَّى؟
الدليل: قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» ، فقالوا: «وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ» فمعنى ذلك: إذا لم تذكر اسمَ الله عليه لا تأكلْ.
فنقول: هو أيضًا قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ -أو قال: فَكُلُوا- إِلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ» ، أيُّ فرق بين هذا وهذا؟! ليس بينهما فرقٌ، فجعل حِلَّ المذكَّى مشروطًا بالتسمية وإنهار الدم، فكما أن الرجل لو نسى وذبح الذبيحة بصَعْقٍ كهربائي، ويش تقولون في الذبيحة؟
الطلبة: مَيْتة.
الشيخ: تكون مَيْتة ما تحِلُّ، كذلك إذا نسي ولم يُسمِّ فهي مَيْتةٌ لا تحِلُّ.
لكن قد يقول قائل: أليس الله يقول: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]؟
بلى قال ذلك، ونحن نقول به أيضًا، فهذا الرجل الذي نسي أن يسمِّي اللهَ على الذبيحةِ ما عليه إثمٌ ولا خطأٌ، لكن أنا ياللي بيأكل من هذه الذبيحة متعمِّدًا عَلَيَّ إثمٌ؛ لأن الله يقول: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١]، فنهانا، ولهذا لو أكلتُ ناسيًا أو جاهلًا، ما عَلَيَّ إثمٌ، ينطبق عَلَيَّ قوله: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
فإنْ قال قائل: إذا قُلْتَ بهذا خسَّرتَ المسلمين. ويش معنى خسَّر المسلمين؟ تجيء ناقة مشريَّة بثلاثة آلاف أو بأربعة آلالف، نسي أن يقول: بسم الله، تقول: جُرُّوها للكلاب، هذه خسارة على المسلمين، معنى ذلك أن أموال المسلمين بتروح هَدَر.
فالجواب: إذا قلت: إنَّه يُعفَى عن النسيان، معناها أنك أنت بتخلِّي كثيرًا من الذبائح تؤكل بدون تسمية؛ لأن النسيان يقع كثيرًا، لكن إذا قلنا لهؤلاء القوم: جُرُّوا هذه البعير للكلاب، في اليوم الثاني إذا ذبحوا بعيرًا ينسون ولَّا ما ينسون؟
الطلبة: ما ينسون.
الشيخ: ما ينسون، يمكن يُسمِّي عشر مرَّات، هذا ما فيه شيء، وما هذه العِلَّة إلا كتعليل بعض الناس حين قال: أنتم إذا قطعتم يدَ السارقِ صار نِصْفُ الشعبِ أقطعَ. ليش؟ لأن نِصْفَ الشعبِ عندهم سُرَّاق، يقول: إذا قُطِعتْ أيديهم صار نصْفُ الشعبِ أقطعَ.
نقول: لا، ما هو صحيح، أنت إذا قطعْتَ واحدًا كم يتوب؟
الطلبة: يتوب مئات.
الشيخ: يتوب مئاتٌ من الناس، وهذا الذي قرَّرناه في مسألة الذَّكاة أنه لا تسقط التسمية بالنسيان، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فيه قلنا: إنها قد تكون واجبةً ليست بشرطٍ مثل الذي معنا؛ الوُضوء، واجبةٌ وليستْ بشرطٍ.
وقد تكون مستحبَّة مثل؟
طالب: (...)
الشيخ: لا، التسمية على الأكل مستحبَّةٌ عند جمهور أهل العلم، وقال بعض العلماء: إنها واجبةٌ، وهو الصحيح؛ أنَّ التسميةَ على الأكل واجبةٌ.
فيه تكون بدعةً؟
طالب: عند الأذان.
الشيخ: عند الأذان، إي نعم؛ قبل أن يؤذِّن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، عند الصلاة قبل أن يدخل في الصلاة يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل تكبيرة الإحرام.
عند قراءة القرآن؟
طالب: مستحبَّة.
الشيخ: هي مستحبَّة؟
طلبة: سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة؟
طالب: في أول السُّورة.
الشيخ: في أول السُّورة لا شكَّ أنها تُقرأ، لكن في أثناء السُّورة زَعَم بعضُ أهل العلم أنه يُستحبُّ أن يقول: بسم الله، ولكن بعض العلماء -وهو الصَّحيح- رَدَّ هذا وقال: إن الله لم يأمرْنا عند قراءة القرآنِ إلا أن نقول: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، فإذا كنتَ تقرأ من أثناء السُّورة لا تقل: بسم الله الرحمن الرحيم، قلْ: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥]، ولا تقلْ: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنا ما أُمِرنا بغير ذلك.
طالب: التعوُّذ واجبٌ عند القراءة؟
الشيخ: إي واللهِ ظاهرُ القرآن أنه واجب.
***
يقول: (تجبُ التَّسْمِيةُ في الوُضوءِ مع الذِّكْر، ويجبُ الخِتانُ).الخِتانُ أوَّلُ مَنْ سَنَّهُ مَن؟
الطلبة: إبراهيم.
الشيخ: إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
والختان بالنسبة للذَّكَر: هو قطْعُ الجلدةِ التي فوق الحَشَفَة.
والختان بالنسبة للأنثى: هو قطْعُ لحمةٍ زائدة فوق محلِّ الإيلاج، قال الفقهاء: إِنها تُشْبه عُرْف الدِّيك.
وهذه المسألة ظاهر كلام المؤلِّف أنه واجبٌ على الذَّكَر والأُنْثى، فيجب أن يُختَن الذَّكَر ويجب أن تُختَن الأنثى، متى؟
قالوا: في زَمَنِ الصِّغَر أفضل، إلا أنهم قالوا: يُكْرَه في اليوم السابع ومِن الولادةِ إلى اليوم السابع؛ لأنه في هذا الزمن يُخْشى على الطفل، لكن من يوم ثمانية فأكثر أفضل؛ لأن فِعْله في زمن الصِّغَر فيه إيلامٌ بَدَنِيٌّ لا قلْبِيٌّ، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الصغير ما يدري، يتألم بَدَنِيًّا لكن ما يتألم قَلْبيًّا، وفِعْلُه في زَمَن الكِبَر فيه أَلَمٌ بَدَنِيٌّ قَلْبِيٌّ، ومعلومٌ أن ذاك أخفُّ، هذا من وَجْه.
من وَجْه آخر: أن فِعْله في زَمَن الصِّغَر أسرع نموًّا وبُرْءًا كما هو معلوم مشاهَدٌ، فيكون أفضل.
وقد اختلف العلماءُ في الختان في أصله؛ هل هو واجبٌ على الذَّكَر والأُنْثى كما هو المذهب، أو هو واجبٌ على الذَّكَر دون الأنثى كما هو اختيار الموفَّق وجماعةٍ من أهل العلم، أو هو سُنَّةٌ في حقِّ الجميع؛ في حقِّ الذكور وفي حقِّ الإناث، وقد أطال ابنُ القيم رحمه الله في تحفة الودود في حُجَج الفريقين، ولكنه لم ينتهِ إلى ترجيحٍ، وكأنَّه -والله أعلم- لم يترجَّحْ عنده شيءٌ في هذه المسألة، وأقرب الأقوال فيها: أن الخِتان واجبٌ في حَقِّ الرِّجال، سُنَّةٌ في حَقِّ النِّساء.
ووجْه التفريق بينهما أنَّ الخِتان في حَقِّ الرِّجال فيه مصلحةٌ تعود إلى شرْطٍ من شُروط الصلاة، وهي؟
الطلبة: الطَّهارة.
الشيخ: الطَّهارة؛ لأنه إذا بقِيتْ هذه الجلدة فإِنَّ البول إذا خَرَج من ثقْب الحَشَفَة بقي وتجمَّع وصار سببًا إمَّا لاحتراقٍ أو لالتهابٍ، أو لكونه كُلَّما تحرَّك أو عَصَر هذه الجلدةَ خرج فيتنجَّس بذلك، فهو في حقِّ الرِّجال واجبٌ.
أمَّا في حَقِّ المرأة فإنَّ غاية ما فيه من الفائدة يقولون: إنه يُقلِّل من غِلْمتها -يعني: من شهوتها- وهذا طلبُ كمالٍ وليس من باب إزالة الأذى، فيكون الفرقُ بينهما هو هذا، وهذا عندي هو أقرب الأقوال؛ أنَّه واجب في حقِّ الرِّجال وسُنَّةٌ في حقِّ النساء.
ثم إنه لا بُدَّ من أن يكون هناك طبيبٌ حاذقٌ يعرف كيف يَختِن، فإن لم يوجد طبيبٌ حاذقٌ فهلْ يجوز للإنسان أن يَختِن نفسَه؟
طالب: نعم، إذا كان يُحسنه.
الشيخ: إذا كان يُحسنه، إذا كان يُحسِن ذلك يجوز أن يَختِن نفسَه، وإبراهيم عليه السلام خَتَنَ نفسَه، فإذا كنتَ تُحسِن فلا مانع.
يُشترط أيضًا؛ يقول المؤلِّف: (مَا لَمْ يَخَفْ على نفْسِهِ)، فإنْ خاف على نفْسِهِ من الهلاك أو المرض فإنه لا يجب، وهذا شرطٌ في جميع الواجبات، ما تجب مع العجْز أو مع خوف التَّلَف أو الضَّرر أو المرض، فإذا كان يخشى على نفْسه فلا يجب.
هلْ يجوز للخاتن أن ينظر إلى عورة المختون ولو بَلَغ عشر سنين؟
طلبة: نعم.
طالب: لحاجةٍ.
الشيخ: يجوز لحاجةٍ؛ لأن هذا حاجةٌ لا بأس بها.
ذكرْنا أن الراجح أنه واجبٌ في حقِّ الرِّجال سُنَّةٌ في حقِّ النساء، الدليل على ذلك:
أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ الْفِطْرَةِ» ، وذكر منها الخِتان، ولم يفصِّل، ولأنه وردتْ أحاديث متعدِّدة بأن النبي عليه الصلاة والسلام أَمَر مَن أَسْلمَ أن يختتن، وهذا يدلُّ على الوجوب ، ولأن الخِتان ميزةٌ بين المسلمين والنَّصارى، حتى كان المسلمون يَعرفون قَتْلاهم في المعارك بالختان، اليهود يختتنون، والمسلمون يختتنون، والعرب أيضًا قبل الإسلام يختتنون، لكنَّ النَّصارى لا يختتنون، فقالوا: هذه ميزة، وإذا كان ميزةً فهو واجب.
كذلك قرَّروا الوجوب؛ قالوا: إن الختان قطْعُ شيءٍ من البَدَن، وقطْعُ شيءٍ من البَدَن لا يجوز، حرامٌ، والحرام لا يُستباح إلا بواجبٍ وإلا ما يُستباح بالسُّنَّة، وعلى هذا فيكون الختانُ واجبًا؛ لأن الحرام لا يُستباح إلا بواجب.
قالوا: ولأنَّ الختان يقوم به وليُّ اليتيم، وهو اعتداءٌ عليه واعتداءٌ على ماله؛ لأنه يعطي الخاتن أُجْرةً، فلولا أنه واجبٌ ما جاز الاعتداء على بَدَن اليتيمِ وماله. وكلُّ هذا يدلُّ -كما سمعتم من الأدلة الأَثَرية والنظرية- يدلُّ على الوجوب.
لكنه بالنسبة للنساء فيه نَظَر، فالظاهر من الأقوال أنه واجبٌ على الرِّجال دون النساء.
طالب: ويش الدليل؟
الشيخ: الدليل هو ما سمعتَ.
الطالب: التفريق بين النساء والرِّجال.
الشيخ: هو ما سمعتَ من أن الرِّجال ختانهم لإزالة الأذى، والمرأة ختانها لطلَب الكمال فقط، وفيه حديث لكن بس ضعيف: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ» ، إلا أنه ضعيفٌ، وإلا لو صَحَّ كان واضحًا جدًّا.
***
ثم قال: (ويُكْرَه القَزَعُ)، ما هو القَزَعُ؟القَزَع ذكروا أنه حلْقُ بعضِ الرَّأس وتركُ بعضه، هذا هو القَزَع، وهو أنواع:
فتارةً يُحلَق بعضُه غيرَ مرتَّب؛ يحلق مثلًا من هنا من الجانب هذا الأيمن، ومن الناصية، ومن الجانب الأيسر، ومن القَفَا، لكنه غير مرتَّب، بُقَع بُقَع، مثل قَزَع السحاب، وهذا واضحٌ أنه مكروهٌ لأنه مشوِّهٌ أيضًا.
والنوع الثاني: أن يَحْلِق وسطه ويَدَع جوانبه.
والقسم الثالث: أن يَحلِق جوانبه ويَدَع وسطه، قال ابن القيم: كما يفعله السُّفل.
والقسم الرابع: أن يحلق الناصيةَ فقط ويَدَع الباقي.
وأقول: القسم الخامس: أن يحلق جانبَ الرأسِ ويَدَع جانبَه لأجْل العُمرةِ الثانية؛ كما حدَّثتُكم مِن قبلُ أنَّني وجدتُ رجلًا يسعى بين الصفا والمروة وقد حَلَق رأسَه من النصف طولًا هكذا؛ هذا أبيض وهذا أسود، فقلت له: كيف تفعل هذا؟! هذا شيءٌ مكروهٌ وقَزَع. قال: لا، لأني حَلَقْتُ نصفَه لعُمرةِ أمس ونصفَه الثاني لعمرةِ اليوم. هذا أيضًا من القَزَع.
ولهذا نقول: إن القَزَع مكروهٌ، إلا إذا كان قَزَعًا مشبهًا للكفَّار فإنه يكون محرَّمًا؛ لأن التشبُّه بالكُفَّار محرَّمٌ؛ قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» .
ماذا نصنع لو وَجَدْنا شخصًا قد قَزَّع رأسَه، نقول الآن: احلِقْه كُلَّه، ولَّا: احلقْه كُلَّه أو اتركْه كُلَّه؟
طالب: احلقْه كُلَّه.
الشيخ: الآن ما يُتصوَّر إلا: احلقْه كلَّه، أمَّا تركُه كلَّه هذا في المستقبل نعم.
طالب: (...).
الشيخ: الظاهر أن هذا من القَزَع.
***
(ومِن سُنَنِ الوُضوءِ السواكُ) لأن المؤلِّف الباب الأول قال: (بابُ السواكِ وسُنَنِ الوُضوء).طالب: القَزَع ما صرَّحْنا بالتحريم.
الشيخ: يُكْره.
الطالب: ما الحامل لك على عدم القول.
الشيخ: ما أرى شيئًا يوجِب الحملَ على الكراهة، لكن ما أعرِفُ أن أحدًا قال بالتحريم، إن قال أحدٌ بالتحريم فهو جيِّدٌ.
طالب: (...).
الشيخ: هذا لأن التشبُّه حرامٌ.
طالب: (...).
الشيخ: (...) رقبة من الميراث.
طالب: (...).
الشيخ: هذا ليس من القَزَع، القَزَع حلْق بعضِهِ وترْكُ بعضِه، هكذا قال أهل العلم.
الطالب: لا بدَّ أن يكون حلْقًا؟
الشيخ: لا بدَّ أن يكون حلْقًا.
***
قال: (ومِنْ سُنَنِ الوُضُوء السواكُ).(مِن سُنَن) خبرٌ مقدَّمٌ، و(السواك) مبتدأ مؤخَّر، والسُّنَن جمع سُنَّة، وتُطْلَق السُّنَّة على الطَّريقة، وهي أقوال الرَّسول عليه الصلاة والسلام وأفعاله وتقريراته، ولا فرق في هذا بين الواجب والمستحَبِّ، فالواجب يُقال له: سُنَّة، والمستحَبُّ يُقال له: سُنَّة.
مثاله في الواجب: قال أنس: مِنَ السُّنَّة إذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أقام عندها سبعًا ، هذه سُنَّة واجبة.
ومثال السُّنة المستحَبَّة حديث ابن مسعود: مِن السُّنَّة وضْعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى في الصلاة ، هذه السُّنَّة مستحَبَّة.
وأمَّا السُّنة عند الفقهاء والأصوليِّين فيريدون بها ما سوى الواجب؛ يعني: الذي أُمِرَ به لا على سبيل الإلزام.
وحكمها: أنه يُثاب فاعلها، ولا يُعاقَب تارِكُها.
والمراد بالسُّنة في كلام الفقهاء، كلَّما أتَتْك فالمراد بها سُنَّةُ التطوُّعِ ولَّا الواجب؟
الطلبة: التطوُّع.
الشيخ: التطوُّع؛ لأن هذا مُصْطلَحهم.
من سُنَنِ الوُضوء السِّواكُ، وتقدَّم أنه يتأكَّد فيه، ودليله قوله عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» .
***
(وغَسْلُ الكفَّينِ ثلاثًا) لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا توضَّأ بَدَأ بغسْل الكفَّينِ ثلاثًا، ولأنهما آلةُ الغَسْل؛ فإنَّ بهما يُنقَل الماءُ، وبهما تُدلَكُ الأعضاءُ، فكان الألْيَقُ أن يتقدَّم تطهيرهما، فهذا عندنا دليلٌ وتعليلٌ.فإن قلتَ: لماذا لا تقول: إنه واجبٌ مع مداومة النبيِّ صلى الله عليه وسلم عليه؟
قلنا: لأن الله يقول: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]، ولم يذكر الكفَّينِ.
قال: (وغَسْلُ الكفَّينِ ثلاثًا، ويجبُ من نومِ لَيْلٍ ناقضٍ لوُضوءٍ).
(يجب) الضمير يعود على غسْل الكفَّينِ ثلاثًا، (يجبُ من نومِ لَيْلٍ ناقضٍِ لوُضوءٍ) لكن لمن أراد أن يغْمِسهُما في الإناء.
ودليله حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
فقوله: لا يغْمِس حتى يغسل، يدلُّ على وجوبِ تقديم الغَسْل؛ لأنه لا بدَّ أن يتوضَّأ.
وقول المؤلف: (مِنْ نومِ لَيْلٍ) خرج به نومُ النهار، فلا يجب غسلُ الكَفَّينِ منه.
وهنا لو قال قائلٌ في الحديث: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ» (نوم) مفردٌ مضافٌ، فيشمل كُلَّ نومٍ.
و«إِذَا» في قوله: «إِذَا اسْتَيْقَظَ» ظرفٌ مطْلَقٌ، فيشمل آناءَ الليلِ وآناءَ النهار، فلماذا تَخُصُّونه بالليل؟
قالوا: نَخُصُّه بالليل بالتعليل الذي علَّله النبي صلى الله عليه وسلم به في قوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، والبيتوتة لا تكون إلا بالليل، وهذا من باب تخصيص العام بماذا؟ بالعِلَّة، تخصيصُ العمومِ بالعِلَّة هذا منه، فإذا قال لك قائلٌ: مثِّلْ لي بمثالٍ فيه تخصيص العمومِ بالعِلَّة، فهذا مثال، فهم يقولون: لَمَّا علَّلَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بعِلَّة لا تَصْلُح إلا لنوم الليل صار المراد بالعموم في قوله: (مِن نَوْمِهِ) أيش؟
طلبة: نوم الليل.
الشيخ: نوم الليل، فهو عامٌّ أُريدَ به الخاصُّ.
وقوله: (مِن نَوْمِ ليلٍ ناقضٍ لوُضوءٍ) احترازًا مما لو لم يكنْ ناقضًا.
وما هو الناقض؟ كلُّ نومٍ على المذهب ناقضٌ إلا يسير نومٍ مِن قائمٍ وقاعدٍ، والصَّحيح أن المدار في نقْض الوُضوء على الإحساس، فما دام الإنسان يحسُّ بنفسه لو أحْدثَ فإنَّ نومه لا ينقض وضوءَه، وإذا كان لا يحسُّ بنفسه لو أحْدَث فإن نومه ينقض.
وهذا الذي ذكره الفقهاء هنا حيث قالوا: (ناقضٍ لوُضُوءٍ) يؤيِّدُ أن القول الراجح هو أن النوم الناقض للوضوء ما فَقَد فيه الإنسانُ إحساسَه.، وجْه ذلك أن قوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي» معناه أن إحساسه مفقودٌ، وعلى هذا فإذا كان الإنسانُ يدري بحيث لم يفقد إحساسَه فإنه لا ينتقض وضوؤه، مع أنَّ الفقهاء في باب نواقض الوضوء يخالفون ذلك.
إذَنْ يجب غسْل الكفَّينِ قبل إدخالهما الإناء ثلاثَ مرَّاتٍ إذا استيقظ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوء.
***
ومن السنن: (البَدَاءةُ بمضْمضةٍ ثم استنشاقٍ)، (البَدَاءة) يعني في غسْل الوجه (بمضْمضةٍ ثم استنشاقٍ) هذا بعد غسْل الكَفَّينِ يتمضمضُ ويستنشقُ، والأفضل أن يكون ثلاثَ مرَّاتٍ بثلاثِ غَرَفات.المضمضة: إدارة الماء بالفَمِ.
والاستنشاق: جَذْبُ الماءِ بالنَّفَسِ من الأنف، هذا الاستنشاق.
فالبداءة بهما قبلَ غسْل الوجهِ أفضلُ، وإنْ أخَّرهما بعده جازَ.
قوله: (البَدَاءةُ بمضْمضةٍ ثم استنشاقٍ) ما ذَكَر المؤلف: ثم استنثار؛ لأن الغالب أنَّ الإنسان إِذا استنشق الماءَ يستنثره، وإلا فلا بدَّ من الاستنثار، يعني بمعنى لا تَكْمُل السُّنَّة إلا بالاستنثار، كما أنها لا تَكْمُل السُّنَّة في المضمضة إلا بمجِّ الماء، وإنْ كان لو ابتَلَعه لعُدَّ متمضْمِضًا، لكن الأفضل أن يمجَّه؛ لأن هذه المضمضة وتحريك الماءِ بالفَمِ يجعل الماء وسِخًا بما يلتصقُ به من الفَضَلات الكريهةِ في الفَم.
(والمبالغةُ فيهما) أي: في المضمضة والاستنشاق (لغَيرِ صائمٍ).
(المبالغة فيهما) بمعنى أنك تحرِّك الماء بقوةٍ في باب المضمضة، ولا تخلِّيه بَس بقريب، خلِّيه يصِل إلى كلَّ الفم، الاستنشاق أيضًا أنْ تجذبه بنَفَسٍِ قويٍّ، هذه المبالغة.
ويكفي في الواجب: أن يُدير الماءَ في فمه أدنى إدارة، وأنْ يستنشق الماءَ حتى يدخل في مَناخِرِه فقط، هذا الواجب، فالمبالغة زيادةٌ على الواجب.
والمبالغة يقول المؤلف: (لغَيرِ صائمٍ)، أمَّا المبالغة في المضمضةِ والاستنشاقِ للصَّائم فإنها مكروهةٌ؛ لأنها قد تؤدِّي إلى أيش؟
طلبة: ابتلاع الماء.
الشيخ: إلى ابتلاع الماء ونُزُولِهِ من الأنفِ إلى المعدة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صَبِرة: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» .
وكذلك لو فُرِض أن للإنسان جيوبًا أنفيَّةً وصار لو بالغ في الاستنشاق احتقن الماءُ في هذه الجيوب وآلَمَهُ أو فسد الماءُ وربما يؤدِّى إلى صديدٍ أو نحو ذلك، ففي هذه الحال نقول: بالغ؟
طالب: لا.
الشيخ: لا تبالغْ درءًا للضَّرر عن نفسك.
***
(والمبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ، وتخليلُ اللِّحْيةِ الكثيفة).اللِّحية كثيفةٌ وخفيفةٌ؛ فالخفيفة هي التي لا تَستر البَشَرةَ، هذه الخفيفة، والكثيفة هى التي تَستر البَشَرة، فإذا كان الإنسان ذا لحيةٍ خفيفةٍ لا تستر البَشَرة وَجَبَ عليه أن يغسل اللِّحيةَ وما تحتها؛ التعليل: لأنَّ ما تحتها حين كان باديًا كان داخلًا؟
طالب: في الوجه.
الشيخ: في الوجه، تحصل به المواجهة، فوجب غسلُه، أمَّا إذا كانت كثيفةً فإنه لا يجب إلا غسْل ظاهرِها فقط.
وهل يجب غسْل المسترسِل منها؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: المشهور من المذهب الوجوبُ؛ أنه يغسل ما استرسل، والقول الثاني: أنه لا يجب غسْلُ ما استرسل من اللِّحية كما لا يجب غسْلُ ما استرسل من الرأس، ولكن الأقرب الوجوب، والفرق بينه وبين الرأس لأن اللحية وإن طالتْ تَحْصُل بها المواجهة فهي داخلةٌ في حدِّ الوجه، وأمَّا المسترسِل من الرأس فإنه لا يدخل في الرأس؛ لأنَّ الرأس مأخوذٌ من التَّرَؤُّس، وهو العُلوُّ، وما نزل عن حدِّ الشَّعر فليس بِمُتَرئِّسٍ.
إذَن اللحية إنْ كانت كثيفةً استُحِبَّ أن تخلَّل، وإنْ كانت خفيفةً وَجَبَ أن تُغْسل وما تحتها.
وقول المؤلف: (تخليل اللحية الكثيفة)، كيف تخليلها؟ تخليلها له صفتان:
إحداهما: أن يأخذَ كفًّا من ماءٍ ويجعله تحتها ويقول هكذا. هذا واحد.
والثانية: أن يأخذ كفًّا من ماءٍ ويخلِّلها بأصابعه كذا كالمشط.
وكلُّ ذلك وَرَد به الحديث، ودليله حديث عثمان رضي الله عنه قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخَلِّل لِحْيَتَه في الوُضوء ، وهذا الحديث وإنْ كان في سنده ما فيه، لكن له طرقٌ كثيرةٌ جدًّا من أحاديث أخرى أيضًا، يعني له طرقٌ وشواهدُ تدلُّ على أنه يرتقي إلى درجة الحسن على أقلِّ درجاته، وعلى هذا فيكون تخليل اللِّحية الكثيفة سُنَّة.
وذكر أهل العلم أن إيصال الطَّهور بالنسبة للشَعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قِسمٌ يجب إيصال الطَّهور فيه إلى ما تحت اللِّحية كثيفةً كانت أو خفيفةً، وهذا إذا كانت الطَّهارة الكُبرى عن جَنَابةٍ، فإنه يجب أن يغسل الشَّعر وما تحته وإنْ كان كثيفًا؛ بدليل حديث عائشة رضي الله عنها أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يَصُبُّ على رأسِهِ الماءَ، حتى إذا ظَنَّ أنه أَرْوى بَشَرَتهُ أَفاضَ عليه ثلاثَ مرَّاتٍ ، وحديث: «اغْسِلُوا الشَّعَرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» .
القسم الثاني عكسه: لا يجب إيصال الطَّهور إلى ما تحت الشعور خفيفةً كانت أو كثيفةً، وذلك في باب التيمُّم.
التيمُّم لا يجب عليك أن تُدخل الترابَ إلى ما تحت اللحيةِ ولو كانت خفيفةً.
والقسم الثالث: يجب إيصال الطَّهور إلى ما تحت اللِّحية إن كانت خفيفةً، ولا يجب إذا كانت كثيفةً، وهذا في الوُضوء.
قال: (وتخليلُ اللِّحية الكثيفة)، فإن لم يكن له لحية؟
طالب: غسل وجهه.
الشيخ: غسل وجهه وسَقَط التخليل.
هل نقول مِثل ذلك إذا لم يكنْ له رأسٌ في باب الحجِّ والعمرة؛ إنسان أصْلع ما عليه شعر، يسقط عنه الحلق؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يسقط.
طالب: يقولون (...).
الشيخ: إي نعم، بعض العلماء يقول: يجب عليه أو يُسَنُّ له أن يُمِرَّ الموسى على رأسه.
الطالب: ويش الفائدة؟
الشيخ: إي، ما له فائدة الحقيقة، ما له فائدة إطلاقًا؛ لأنَّ إمرار الموسى على الشَّعر ليس مقصودًا لذاته حتى نقول: لَمَّا تعذَّر أحد الأمرين وَجَبَ الآخر.
ويش المقصود من إمرار الموسى على الشعر؟
الطلبة: إزالة الشَّعر.
الشيخ: إزالته، وقد حَصَلتْ، وما هذا إلا نظير قولِ من قال: إن الأخرس-اللي ما يتكلم- يقرأ الفاتحةَ بحركته، لازم يحرِّك لسانه وشفتيه، وهو ما له صوت ولا له نُطْق. ويش الفائدة؟ لا فائدة؛ لأن تحريك اللسان والشفتين ويش لأجله؟
طلبة: لإظهار النطْق.
الشيخ: لإظهار النطْقِ والقراءةِ، فإذا كان ذلك متعذِّرًا فتحريكُها عَبَثٌ.
***
(وتخليلُ اللحيةِ الكثيفة والأصابعِ) تخليل الأصابع، اليدين ولَّا الرِّجْلين؟طالب: كلاهما.
الشيخ: كلاهما، لكنه في الرِّجْلينِ أَوْكد.
كيف يُخلِّل اليدين؟ يخلِّل اليدين هكذا؛ يُدخل أصابعه كالتشبيك بعضها ببعض.
وأمَّا تخليل الرِّجْلين فقالوا: إنه يُخلِّلها بخنصر اليد اليُسرى -هذا الصغير من اليد اليُسرى- مبتدئًا بخنصر الرِّجْل اليُمنى من الأسفل وماشٍ إلي الإبهام، ثم الرِّجْل اليُسرى يبدأ بها من الإبهام لأجْل التَّيامن؛ لأن يمين الرِّجْل اليُمنى الخنصر، ويمين الرِّجْل اليُسرى الإبهام، فيبدأ في اليُمنى من الخنصر وفي اليسرى من الإبهام، ويكون بخنصر اليد اليُسرى تقليلًا للأذى.
واليُسرى معلومٌ هي التي تُقدَّم للأذى، ولكن لا شكَّ أن هذا استحسنه بعضُ أهل العلم، لكن القول بأن هذا من السُّنَّة وهو لم يَرِدْ عن الرسول عليه الصلاة والسلام فيه نَظَر، فيُقال: هذا استحسانٌ من بعض أهل العلم، ولكن الإنسان لا يلتزمُ به كسُنَّة، مثلما ذكروا في تقليم الأظافر أنَّه يُقَلِّمها مخالفًا، ورَوَوْا في ذلك حديثًا لكنه لا يصحُّ ولا يَثْبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن قَلَّمَ أظافرَه مُخالِفًا لم يُصِبْهُ رَمَدٌ في عينه ، تطعيم عن الرمد، لكن هذا الحديث لا يَثْبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
كيف المخالَفة؟ تبدأ بخِنصر اليد اليمنى، ثم الوُسطى، ثم الإبهام، ثم البِنصر، ثم السبَّابة، هذا باليُمنى، باليُسرى تبدأ بالإبهام، ثم الوُسطى، ثم الخِنصر، ثم السبَّابة، ثم البِنصر، هذه المخالفة، لكنه لو صَحَّ الحديث على العين والرأس، نقول: الله على كلِّ شيءٍ قدير، قد يكون هذا سببًا، جعَله الله سببًا وإنْ كُنَّا لا ندرك كيف ذلك، لكنَّ الحديث لا يصح ولا يَثْبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
إذَنْ كيف أُقَلِّم الأظفار؟ أُقَلِّم الأظفار على حسب حديث عائشة: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجبُه التيامُنُ في تَنَعُّله، وتَرَجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كلِّه، من أين أبدأ؟ من خِنصر اليُمنى، ثم البِنصر، ثم الوُسطى، ثم السبَّابة، ثم الإبهام، ثم إبهام اليُسرى، ثم السبَّابة، ثم الوُسطى، ثم البِنصر، ثم الخِنصر، هذا على أنَّ في النَّفس ثقلًا من ذلك، لكنه أقرب من المخالفة.
طالب: فيه حديث تخليل الأصابع باليُسرى بالخِنصر فيه حديث..
الشيخ: ضعيف، ما يصحُّ.
التيامُن أيضًا يُسَنُّ، فنحن قلنا: إن التخليل في الرِّجْلين أَوْكد، لماذا؟ لوجهين:
الأول: أن أصابعها متلاصقة.
والثاني: أنها تباشر التراب والأذى فكانت أَوْلى من اليدين.
***
قال المؤلف: (والتَّيَامُنُ) يعني: مِن سُنَنِ الوُضوء التيامُن، فتبدأ باليد اليُمنى قبل اليُسرى، وبالرِّجْل اليُمنى قبل اليُسرى، وبالخدِّ الأيمن قبل الأيسر، وبالأُذُن اليُمنى قبل اليُسرى.طالب: لا، غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح؟ صحيح، غير صحيح.
إذَن الأعضاء الأربعة فقط: اليدان والرِّجْلان، تبدأ باليد اليُمنى ثم اليسرى، وبالرِّجْل اليُمنى ثم اليسرى.
أما الوجه فالنصوص تدلُّ على أنَّه يُغسَل المرَّةَ الواحدةَ هكذا، والرأس كذلك يُمسَح مرَّةً واحدةً، والأُذنانِ تُمسحانِ مرَّةً واحدةً؛ لأنَّهما عُضوانِ عن عُضوٍ واحدٍ، فهُما داخلتانِ في مسْح الرأس، ولكنْ لو فُرِضَ أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يمسح رأسَه إلا بيدٍ واحدةٍ، فبماذا يبدأ؟
الطلبة: باليمين.
الشيخ: باليمين، وكذلك بالنسبة لأُذُنه اليُمنى يبدأ بها قبل اليسرى.
الدليل على مشروعيَّة التَّيامُن قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُه التَّيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه، وطُهورِه، وفي شأنه كلِّه.
(يعجبه) يعني يَسُرُّه التيامُن، وعلى هذا نبني هذا الحكم على هذا الحديث.
طالب: التيمن هل يكون في المسح على الخفين يمسح باليمنى أو..؟
الشيخ: نعم المسح على..





