كتاب الطهارة - 16
عدد الزيارات 1062

فوَجَدَ جرَّة في الصحراء مثلًا بأربعة ريالات، الزيادةُ ما هي كثيرة، لكنْ هو ما معه أربعة ريالات، ليس معه إلا ريالانِ أو ما معه شيءٌ أبدًا، فالثمنُ يُعجِزه، فحينئذٍ يُعتبر عادمًا للماء فيتيمَّم.

***

(أوْ خَافَ باسْتِعْمالِهِ أو طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ) الماءُ عنده حاضرٌ لكنْ يخشى إذا استعمله أن يتضرَّر بَدَنُه، ومعلومٌ أن الذي يتضرَّر بَدَنُه باستعمالِ الماءِ مريضٌ، فيدخُلُ في عمومِ قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء: ٤٣] إلى آخر الآية، فإذا كان هذا الرَّجُل فيه قُروحٌ في أعضاء الوضوء أو في البَدَنِ كُلِّه عند الغُسْل وخافَ إن استعملَ الماءَ أنْ يتضرَّر فله أن يتيمَّم.
طيب، إذا خافَ البَرْد؛ يعني رجُلٌ سليمُ البَدَنِ لكنْ يخشى إذا اغتسلَ أن يتضرَّر بَدَنُه، فماذا؟
طلبة: يتيمَّم.
الشيخ: نشوف أوَّلًا، فيه مرتبةٌ قبلَ التيمُّم؛ يُسَخِّن الماء، فإن لم يَجِد فإنه يتيمَّم؛ لأنَّه يخشى على نفسه من الضرر، وقد قال الله عز وجل: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩]، وقد استدلَّ عمرُو بنُ العاصِ رضي الله عنه بهذه الآيةِ على جوازِ التَّيمُّم عند البَرْد إذا كان عليه اغتسال .
( أَوْ) خافَ بـ( طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ) ويش لون (بطلبه)؟
طالب: بعيد.
الشيخ: يعني الآن ما عندَهُ ماءٌ، لكنْ يُمْكن يَطْلب الماءَ، لكنْ يخشى ضَرَرَ بَدَنه لأنه بعيدٌ بعضَ الشيءِ والشمسُ حارَّةٌ أو الصَّقيعُ باردٌ جدًّا، ويخشى إذا طَلَبه أن يتضرَّر بَدَنُه، ففي هذه الحال يجوز أن يتيمَّم.
الدليل قوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]، وقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وقوله تعالى أيضًا: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] وخَوْفُ الضَّررِ حَرَجٌ بلا شك.

***

(...) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(أوْ زادَ على ثَمَنِهِ كثيرًا أو بثَمَنٍ يُعْجِزُهُ، أوْ خافَ باستعماله أوْ طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ أوْ رفيقِهِ أو حُرْمَتِهِ).
(أو رَفيقِهِ) يعني: خافَ باستعماله ضَرَرَ رفيقِهِ؛ مثال ذلك: رجُلٌ معه ماءٌ قليلٌ ومعه رُفْقَةٌ، إن استعملَ الماءَ عطِشَ هؤلاء الرُّفْقَةُ وتضرَّروا، وإنْ تَرَكَ الماءَ وتيمَّمَ انتفعَ الرُّفْقةُ به، فماذا نقول؟ نقول: تيمَّمْ ودَع الماءَ للرُّفْقة؛ لأن الماءَ إذا استعملتَه تضرَّروا به.
وقوله: (أو رفيقِهِ) ظاهرُه: سواءٌ كانَ مسلمًا أو كان كافرًا، لكنْ بشرطِ أنْ يكون الكافرُ معصومًا، وهو الْمُعاهَد والذِّمِّيُّ والْمُسْتَأمَن.
أو خافَ ضررَ (حُرْمَتِهِ) يعني امرأته؛ زوجتَه، أو مَن كان له ولايةٌ عليها من النساء؛ خاف إن استعملَ الماءَ أنْ تتضرَّر، فهُنا يَدَعُ استعمالَ الماءِ لانتفاء الضرر.
(أو مالِهِ) خافَ باستعمالِ الماءِ أن يتضرَّرَ مالُه، كيف يتضرَّر المالُ باستعمال الماء؟
طالب: حيوان.
الشيخ: نعم، معه حيوانٌ لو استعمَلَهُ لَعَطِشَ هذا الحيوانُ وتضرَّر أو هَلَك، وكذلك معه سيارةٌ تسخن إنْ لَمْ يَدَع الماءَ لها فإنها تحترقُ وربما يتضرَّر هو أيضًا بضررِها، نقول هنا: لا تستعمل الماءَ ودَعِ الماءَ لها لئلَّا تتضرَّر.
قال: (بِعَطَشٍ) هذا متعلِّقٌ بـ(ضَرَر)؛ يعني ضَرَرَ هؤلاء بعَطَشٍ، العَطَش هو يضرُّ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: معلومٌ، يضرُّ، وربما يؤدِّي إلى الهلاك.
الثاني؛ قال: (بِعَطَشٍ أو مَرَضٍ)، كيف المرض؟ هل يُمْكن المرض بعَدَم استعمال الماء؟
إي نعم، يُمْكن، قد يكون مَثَلًا في الجِلْد جفافٌ، إذا لَمْ يُبَلَّ بالماءِ دائمًا تشقَّقَ، ففي هذه الحال يكون فيه ضَرَرٌ، أوْ مَثَلًا يحتاج إلى عَجْنِ شيءٍ بماءٍ وهو دواءٌ لشيءٍ في بَدَنه إذا لَمْ يستعمل الماءَ لهذا العجينِ فإنه يتضرَّر ويزداد مرضُه.
(أوْ هَلاكٍ) وهذا واضحٌ أيضًا، كيف يتضرَّر بالهلاك ؟
طالب: بعَطَش.
الشيخ: إي، يعطشُ ويموت.
وقوله: (ونَحْوِه) يعني: مِن أنواع الأضرار.
إذَنْ فالقاعدةُ العامَّةُ أن نقول: الشرط الثاني: تعذُّر استعمالِ الماءِ إمَّا لِفَقْدِهِ، وإمَّا للتَّضرُّرِ باستعماله بمرضٍ أو نحوِه.
قال: (شُرِعَ التَّيمُّمُ)، (شُرِعَ) جواب؟
طالب: (إذا دَخَلَ).
الشيخ: جواب (إذا دَخَلَ)، وهُنا تأخَّرَ الجوابُ وطالَ الشرطُ بالمعطوفاتِ عليه، وعِندَ البلاغيِّينَ أنه إذا تأخَّر الجوابُ فإنه ينبغي إعادةُ العاملِ حتى لا يقع الإنسانُ في تشويشٍ؛ مثل قوله تعالى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ [آل عمران: ١٨٨] كرَّر الفعلَ هُنا لطولِ الفَصْلِ، لكنْ هُنا لو أنَّه كرَّر الشَّرطَ لَعَادَ الأمْرُ كما هو، يعني كلُّ هذه الأمور كلُّها من الشرط.
وقوله: (شُرِعَ التَّيمُّمُ) (شُرِعَ) أعمُّ مِن أن يكون واجبًا أو مستحَبًّا، فإذَنْ (شُرِعَ) أي: وَجَبَ لِمَا تجب له الطهارةُ بالماء، واستُحِبَّ لِمَا تُستحَبُّ له الطهارةُ بالماء.
إذا قيل: (شُرِعَ) فإنه يشمل الواجبَ والمستحَبَّ، وعلى هذا فقوله: (شُرِعَ) أي: وَجَبَ لما تجب له الطهارةُ بالماء، واستُحِبَّ لما تُستحَبُّ له الطهارةُ بالماء؛ فمثلًا إذا كان يريد الصلاةَ فالتيمُّم؟
طالب: واجبٌ.
الشيخ: التيمُّم واجبٌ.
إذا كان يريد أنْ يقرأ القرآنَ فالتيمُّم مستحَبٌّ؛ لأن قراءةَ القرآنِ تُستحَبُّ لها الطهارةُ، وهذا غيرُ مَسِّ المصحفِ؛ لأن مَسَّ المصحفِ شيءٌ وقراءةَ القرآنِ شيءٌ آخر؛ فمَسُّ المصحفِ تجب له الطهارةُ، لكن قراءة القرآنِ عن ظهْرِ قلْبٍ أو قراءة القرآنِ بمصحفٍ أمامَكَ وأنت لا تَمَسُّهُ بيدك هذه يستحَبُّ لها الطهارةُ ولا تجب.

***

ثم قال: (ومَنْ وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهْرِهِ تيمَّمَ بعد استعمالِهِ).
أفادنا المؤلف أن الإنسان إذا وَجَدَ ماءً يكفي بعضَ طُهْرِه فإنَّه يجمع بين الطهارة بالماء والتيمُّم، مثال ذلك: رجُلٌ معه ماءٌ قليلٌ لا يكفي للأعضاء الأربعةِ، يكفي لغَسْلِ الوجهِ وغسْلِ اليدينِ فقط، فماذا يصنع؟ يقول المؤلف: يجب أن يستعمله أوَّلًا ثم يتيمَّم.
من أين نأخذ أنه يجب أن يستعمله أوَّلًا؟
من قوله: (تيمَّمَ بعدَ استعمالِهِ)، فيجب أوَّلًا أن يستعمله ثم يتيمَّم.
لماذا أوجبنا تقديمَ استعماله؟
ليصْدُقَ عليه أنه عَادِمٌ للماء؛ لأنه لو تيمَّمَ من قبلُ فمعناه أنه تيمَّمَ مع وجود الماء، فيستعمل الماء أوَّلًا ثم يتيمَّم؛ الدليل قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
فنحن الآن مأمورونَ بأنْ نغسلَ أعضاءنا، فيجب أن نغسلها، أخذْنا هذا الماءَ وغَسَلْنا الوجهَ وغَسَلْنا اليدينِ وانتهى، إذَن اتَّقَيْنا اللَّهَ تعالى بهذا الفِعْل، ويش بقي علينا؟ بَقِي علينا مسْحُ الرأس وغَسْلُ الرِّجْلَينِ، الماء الآن متعذِّرٌ، فماذا نصنع؟ نرجع إلى بَدَلِهِ وهو التيمُّم، وبهذا عَرَفْنا أنه لا تَضَادَّ بين الحكْمينِ؛ لا تَضادَّ بين قولنا: إنك تستعمل الماءَ ثم تتيمَّم؛ لأن استعمالَ الماءِ من تقوى الله عز وجل، واستعمالَ التيمُّم لعَدَم الماءِ من تقوى الله أيضًا، فاستعمالُ التيمُّم ليس للوجْهِ واليدينِ ولكنْ للرأسِ والرِّجْلينِ، فلا تَضادَّ.
وقال بعضُ العلماء: إنه لا يُمْكن أن تجمع بين الطهارتينِ لأنك إذا جمعْتَ بين الطهارتينِ جمعْتَ بين البَدَل والْمُبْدَل منه، وهذا غير صحيحٍ؛ لأن هذا من باب التضادِّ؛ كيف تجمع بين البَدَل والمبدَل منه؟! فإمَّا أن تستعمل الماءَ بلا تيمُّمٍ وإمَّا أن تتيمَّم بلا استعمال ماءٍ.
إذَنْ كيف؟ هلْ أنا مخيَّرٌ؟
يقول: لا، لستَ مخيَّرًا؛ إنْ كان الماء يكفي لأكثرِ الأعضاء فاستعملْه (...) دون تيمُّم؛ مثل أن يكفي لغسْل الوجهِ واليدينِ ومسْحِ الرأس والأُذُنينِ، فهُنا تستعمله ولا تتيمَّم، وإنْ كان الماءُ لا يكفي إلا أقلَّ من النصف فاتركه واستعمل التيمُّم؛ مثل أنْ يكون الماء لا يكفي إلا غسْلَ الوجهِ فيقول هنا: لا تستعملْه، استعمل الترابَ.
حُجَّته في ذلك قال: لأن الجمع بين الماءِ والتيمُّم جمعٌ بين البَدَل والمبْدَل منه، وهذا لا يصحُّ، ولأن القاعدةَ العامَّة في الشريعة تغليبُ جانبِ الأكثر، فإذا كان الأكثرُ هو الأعضاء المغسولة فاغسلْها ولا تتيمَّمْ، وإذا كان الأكثرُ العكسَ فتيمَّمْ ولا تغْسِل، هذان قولانِ.
القول الثالث يقول: استعمل الماءَ مطْلقًا ولا تتيمَّمْ؛ لأن التيمُّم إنما كان بَدَلًا عن طهارةٍ كاملةٍ لا عن طهارةٍ جُزئيَّةٍ.
ولكن القول الأوَّل أصحُّ، وربما يُستدَلُّ له بما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صاحب الشَّجَّةِ الذي قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا» ، فجمَعَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام في هذا بين طهارةِ المسْحِ وطهارةِ الغَسْل، فما ذهب إليه المؤلِّف هو الحقُّ.
وقولهم: إنه لا يُجمَع بين البَدَل والمبْدَل منه.
نقول لهم: هنا التيمُّم ليس عن الأعضاء المغسولة، ولكنه عن الأعضاء التي لم تُغسَل، أمَّا الأعضاء المغسولة فقد طهُرَتْ، فهو شبيهٌ بالمسح على الْخُفَّينِ، شبيهٌ به من بعض الوجوهِ؛ لأنك غسلْتَ الأعضاءَ التي تُغسَل ومَسَحْتَ الْخُفَّ بدلًا عن غَسْل الرِّجْل التي تحته، فقد جُمِع هنا بين بَدَلٍ ومُبْدَلٍ منه.

***

قال المؤلف: (ومَنْ وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهْرِهِ تيمَّمَ بعد استعمالِهِ، ومَنْ جُرِحَ تيمَّمَ له وغَسَل الباقي).
هنا فرَّق بين الجرح وبين عَدَم وجودِ الماء؛ لأن التيمُّم للجروح لا يُشترَطُ له فقْدُ الماءِ، هذا السبب.
في الأوَّل نقول: استعمل الماءَ ثم تيمَّمْ. لماذا؟ ليتحقَّق أنك فقدْتَ الماءَ.
في مسألة الجرح: لا حَرَجَ عليك أن تتيمَّم قبل أن تغْسِل بقيَّةَ الأعضاء؛ لأنه في الجروح لا يُشترَطُ فيه فقْدُ الماء؛ إذْ إنَّ الإنسان يتيمَّم عن الجرح ولو مع وجودِ الماء.
(مَنْ جُرِحَ) أي: مَنْ كان فيه جرحٌ، يقول: (تيمَّمَ له وغَسَلَ الباقي). قوله: (تيمَّمَ له) هذا إذا كان في الطهارةِ الكُبرى لا بأسَ في الطهارةِ الكُبرى-يعني: في الجنابةِ أو الحيضِ أو ما أَشْبَهَ ذلك- لا بأسَ أن يتيمَّم أوَّلًا ثم يغتسل ثانيًا، ليش؟ لأنه لا يُشترَط الترتيبُ؛ يعني نفرض أن رجُلًا فيه جرحٌ في بطنه وعليه جنابةٌ، يغتسل، الجرحُ هنا لا يُمْكنه مَسْحُه لأنه يتضرَّر بالماء، ولا غَسْله أيضًا لأنه يتضرَّر بالماء، ما الفرْضُ فيه؟ التيمم؛ لأن استعمال الماء هنا متعذِّرٌ في هذا الجرح، نقول: لا حَرَجَ أن تتيمَّم أوَّلًا ثم تغتسل، أو تغتسل أوَّلًا ثم تتيمَّم، ليش؟ لأن الترتيب في الغُسْل ليس بواجبٍ، أو لا؟ واجب ولَّا غير واجب؟
الطلبة: لا، غير واجبٍ.
الشيخ: غير واجبٍ؛ يعني في الغُسْل لو غسلْتَ أسفلَ بَدَنِكَ قبل أعلاه صح ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: صحَّ، لو غسلْتَ أعلاه قبلَ أسفله صحَّ، لو غسلْتَ الجنبَ الأيمنَ قبل الأيسرِ صحَّ، أو الأيسرَ قبل الأيمنِ صحَّ.
إذَن أنت إذا تيمَّمتَ عن الجرح الذي في بطنك ما فيه مانع، كما لو غسلْتَ بطنك بالماء قبل بقيَّةِ البَدَنِ ما فيه مانع، أمَّا إذا كان التيمُّم في الحدَثِ الأصغر فهُنا مشكلةٌ؛ لأن الحَدَث الأصغر فيه الترتيب، فإذا قدَّرنا أن الجرح في اليد وَجَبَ عليك أن تغسل وجهك أوَّلًا ثم تتيمَّم ثم تمسح الرأس ثم تغسل الرِّجْلين، وهنا يُشترَط الترتيبُ والموالاةُ أيضًا، والمشكِل اشتراطُ الموالاة؛ معناه لازم أنه يكون عندي منديل إذا غسلْتُ وجهي على طول أنشِّفه وأنشِّف يَدَيَّ من أجْل أيِّ شيءٍ؟ من أجْل التيمُّم؛ التيمُّم لا بدَّ يكون بترابٍ له غُبارٌ، وإذا صارتْ يدي رطْبةًَ ووجهي رطْبًا ما صحَّ التيمُّم، وعلى هذا لازم يكون الواحد يُعِدُّ منديلًا عند الوضوء إذا كان الجرح في يَدِهِ، يُعِدُّ منديلًا إذا غسل وجهَهُ على طول تَمَسَّحَ ثم تيمَّمَ ثم أتمَّ وضوءه.
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، يغسلُها قبل أو بعد، إنْ كانت اليُمنى فالأفضل أن يتيمَّم قبل غسْل اليُسرى، وإن كانت اليُسرى فالأفضل أن يغسل اليُمنى قبل أنْ يتيمَّم لليُسرى؛ لأنه ما فيه ترتيب واجب بين اليُمنى واليُسرى.
هذا الفعل هلْ يعملُه الناسُ الآن؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يعمله الناس، ويش يسوون الناس الآن؟ إذا قال: أنا متوضئ وراح للمسجد بعد، تيمَّمَ في المسجد، ففات عليه أيش؟ الترتيبُ والموالاةُ، فعلى هذا على المذهب صلاةُ هذا الرجُل لم تصحَّ، لماذا؟ لأنه لم يصحَّ تيمُّمُه فلمْ تصحَّ طهارتُه.
لكن الحمد لله أن المسألة فيها قولٌ آخر هو الصحيح: أنَّه لا يُشترَط لا ترتيب ولا موالاة، وأنَّ التيمُّم عن الجرح في الحدَثِ الأصغر كالتيمُّم عن الجرحِ في الحدَثِ الأكبر، وبناءً على ذلك فيجوز أن أتيمَّمَ قبل الوضوء أو بعد الوضوء بزمنٍ قليلٍ أو كثيرٍ، وهذا الذي عليه عملُ الناس اليوم؛ فإن أكثرَ الناس يتوضَّؤون في بيوتهم، ثم إذا جاؤوا إلى المسجد تيمَّموا في المسجد لجرح فيهم، لكن اللي بيأخذ بالمذهب لا بدَّ أن يراعي الترتيبَ والموالاةَ إذا كان الجرح في طهارةِ الحدَثِ الأصغرِ، ولهذا قال المؤلف: (ومَنْ جُرِحَ تيمَّمَ له وغَسَلَ الباقي).

***

السؤال يقول: إذا كانت رِجْله مُجَبَّسة، ويش تقول؟
طالب: يتيمَّم.
الشيخ: يتيمَّم؟
الطالب:يمسح عليها إذا كان ما يتضرَّر.
الشيخ: إي، مجبَّسة، ما هو متضرِّر.
الطالب: خلاص، يمسح عليها
.

الشيخ: يمسح عليها، ويش يُسمَّى عند العلماء؟
الطالب: المسح على الجبيرة.
الشيخ: المسح على الجبيرة.

***

(...) نقول الآن: إن بعض العلماء يقولون: إن التيمُّم لا يُشرَع إلا في الطهارة الواجبة فقط، وأمَّا الطهارةُ المستحَبَّةُ مطْلقًَا سواء كانت غُسْلًا أمْ وضوءًا فإنه لا يُشرَع لها التيمُّم، واستدلُّوا لذلك بأَثَرٍ ونَظَرٍ.
الأثرُ؛ قالوا: إن الله عز وجل إنما ذكر التيمُّمَ في الطهارةِ الواجبةِ؛ لقوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء: ٤٣] هذا الأثر.
أمَّا النَّظَر فقالوا: إن التيمُّم طهارةُ ضرورةٍ، والطهارةُ غيرُ الواجبةِ ليس لها ضرورةٌ، هل الإنسان في ضرورةٍ إليها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا ضرورةَ لها؛ لأنها مستحَبَّةٌ إنْ شاء تَرَكها وإنْ شاء فَعَلها، وما دامَ لا ضرورةَ لها فإنه لا يُشرَع لها التيمُّم، وهذا أحدُ القولينِ في مذهب الإمام أحمد بن حنبلٍ رحمه الله.
وهو كما تَرَوْن الآن هذا الاستدلال وهذا التعليل قويٌّ جدًّا، لكنه يعكِّر عليه في الواقع أن الرسول عليه الصلاة والسلام تيمَّمَ لردِّ السلام ، وقال: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» ، ومعلومٌ أن التيمُّم لردِّ السلام ليس بواجبٍ بالإجماع، وإذا كان ليس بواجبٍ وقد تيمَّمَ له الرسولُ عليه الصلاة والسلام فإنه يؤخذ منه مشروعيَّةُ التيمُّم لما تُستحَبُّ له الطهارةُ، وأظنُّ الاستدلالَ بهذا الحديثِ واضحًا جدًّا.
ثم نقول: هناك أيضًا تعليلٌ، وهو أن التيمُّمَ بَدَلٌ عن طهارةِ الماء، والبَدَلُ له حكْمُ المبْدَل، فمتى استُحِبَّت الطهارةُ بالماء استُحِبَّت الطهارةُ بالتيمُّم، فيقابَلُ ذاك الدليلُ بدليلِ الحديث، ويُقابَل النَّظَرُ بالنَّظَرِ الآخرِ، وعلى كلٍّ فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنه يتيمَّم لو لم يكنْ مِن ذلك إلا أنه يشعر بأنه متعبِّد لله عز وجل بأَحدِ نوعي الطهارةِ لهذا العمل الذي تُشْرَع له الطهارة.
ما تقولون في رجلٍ أراد أن يتوضأ وليس عنده إلا ما يكفي وجهَه ويديه (...).

***

(ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ في رَحْلِهِ).
أولًا أفادنا المؤلف: (يَجِب) والواجب عند العلماء هو الذي لا بدَّ من فِعْله؛ قالوا: وهو ما أَمَر به الشارعُ على سبيل الإلزام بالفعل. هذا الواجب.
وحُكْمه: أنَّ فاعله مستحقٌّ للثواب، وتارِكه مستحقٌّ للعقاب. ونحن نقول: إن تارِكه مستحقٌّ للعقاب، ولا نقول: يُعاقَب تاركه؛ لأنه يجوز أن الله عز وجل يعفو عنه؛ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ١١٦].
إذَن الواجب عند أهل العلم هو الذي أَمَر به الشارع على سبيل الإلزام بالفعل؛ يعني لازم تفعل.
حكمه: أن فاعله مستحقٌّ للثواب، وتاركه مستحقٌّ للعقاب
.
إذَن طلبُ الماء هنا لازمٌ أنك تطلب.
(طَلَبُ الماءِ) ما هو الدليل على وجوب الطلب؟ قالوا: لأن الله تعالى قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [المائدة: ٦]، ولا يُقال: لَمْ يَجِدْ، إلا بعد الطلب؛ واحد مثلًا ما تحرَّك ولا دوَّر ما يقول: واللهِ ما وجدتُ. ولهذا لو تَكتبُ مثلًا: لم أَجِدْ فيه خلافًا، وما تُطالع كُتُب الخلاف، يجوز تقول هكذا ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، كيف تقول لم أجِدْ فيه خلافًا وأنت ما طالعتَ إلا كتابًا على قولٍ واحدٍ، فلا يقال: لم يَجِدْ، إلا لمن طَلَبَ، إذَن ففَهِمْنا وجوبَ الطلبِ من قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً.
قال: (في رَحْلِه). (رَحْلِه) يعني: الجماعة اللي أنت معهم، الرَّحْل: يعني المتاع اللي يُحمَل على البعير، والمراد: الجماعة اللي أنت معهم، فإنْ كنتَ تعلم أنه ليس فيه شيءٌ فلا حاجةَ إلى الطلب؛ لأن الطلب تحصيلُ حاصِلٍ؛ رجلٌ يعرف أنه ما عنده إلا قِرْبة فارغة من الماء أو جالون فارغ من الماء، يحتاج إلى طَلَبٍ؟! لو أنه طَلَبَ في هذه الحال لَقِيلَ: إن هذا مجنون؛ يجيء يفتِّش في رَحْلِه، ويش تدوِّر يا فلان؟ قال: أنا أدوِّر ماء، وهو ما معه لا جَوَالين ولا شيء أبدًا، فإذا كان يعلم أن رَحْله ليس فيه شيءٌ فإنه لا يجب الطلب؛ لأن الطلب حينئذٍ عبثٌ وإضاعةُ وقتٍ، لكنْ لو فُرِض أن أحدًا يحتمل أنه قد جاء بالماء ووضعه في الرَّحْل؛ مِثْل أنْ كُنَّا قد وصَّينا إنسانًا يأتينا بماءٍ وفيه احتمال أنَّ الرجُل جاء في غفْلةٍ منَّا ووضع الماءَ في الرَّحْل، فحينئذٍ يجب الطلب.
وقوله: (في رَحْلِهِ وقُرْبِهِ) يعني: قُرب الرَّحْل؛ يعني بحيث أنك تمشي مثلًا تدوِّر هلْ حولك مثلًا بئرٌ أو غديرٌ أو ما أَشْبَهَ ذلك، المهم لا بد يكون بقُربِهِ.
هل له حدٌّ محدودٌ؛ القُرْب؟
لا، يُرجَع في ذلك إلى العُرْف، ومعلومٌ أن القُرب عُرفًا يختلف باختلاف الأزمنة؛ فمثلًا إذا كانت (...) أو ما أَشْبَهَ ذلك أو على الأقدام فالقُرب يكون قريبًا، لكن بالسيارات (...) بعيدًا، المهم أنه يبحث فيما قَرُبَ بحيث لا يشقُّ عليه طلبُه ولا يفوت به وقتُ الصلاة.
كذلك (بدلالةٍ) يعني إذا فرضنا: هذا رجُل ما عنده ماءٌ في رَحْله، ولا يقْدر يروح يدوِّر في قُرْبه، ليش؟ إمَّا لأنه قليلُ النَّظَر ما هو يشوف الحين، أو لأنه إنسان لو يتعدَّى رحْلَه قِيدَ شبرٍ ضاعَ ولا دلّ، ويوجد بعضُ الناس هكذا؛ بعض الناس لو يروح عن الرَّحْل قليلًا ويختفي عنه ضاعَ ولا يعرف يذهب لا يمين ولا شِمال، فهذا ما فَرْضُه؟
طالب: التيمم.
الشيخ: لا فيه قبل، الدلالة؛ يجيء بأحد يدلُّه؛ يقول: تعالَ جزاك اللهُ خيرًا -سواء بفلوس أو مجَّانًا- دُلَّني على الماء. إذا ما وَجَد لا برَحْلِه ولا بقُرْبه ولا بدلالةٍ فحينئذٍ يجوز له التيمُّم، ودليل ذلك من الآية: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً.

***

يقول: (فإنْ نَسِيَ قُدْرتَهُ عليه وتيمَّمَ أعادَ).
(نَسِيَ قدرتَهم عليه) يعني: إنسان كان يعرف من قبلُ أن حولَه بئرًا، لكن نَسِي، يومًا صلَّى ومشى شوَيّ وما بيشوف البئر، (...)، أنا نسيتُ هذا البئر. ماذا يصنع؟
طلبة: يُعيد الصلاة.
الشيخ: يُعيد الصلاة.
كيف يُعيد الصلاة وقد قال الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]؟
يقولون: لأن هذا تحصيلُ شرطٍ، والشرطُ لا يسقط بالنسيان، فأنت في الحقيقة عندك نوعُ تفريطٍ، وإلَّا أنت بقيتَ تفكِّر وتقدِّر إلى أن تذكر، أمَّا مجرد أنك تقول: واللهِ ما حولنا شيء، وتذهب وتتيمَّم فهذا فيه نوعُ تفريطٍ منك، فوجَبَ عليك الإعادة.
وقيل: إنه إذا نَسِي قُدْرته عليه فإنه لا يُعيد؛ لأنه لم يقصدْ مخالفةَ الأمر؛ فأنا حينما صلَّيتُ منتهى قدرتي أن يكون ما حولي ماء، فلم أقصدْ مخالفةَ أَمْر الله، وعلى هذا فلا إعادةَ عليه، لكن الأحوط أن يُعيد، والعلماء إذا قالوا: الأحوط، لا يعنون أنه واجبٌ، لكن يعنون أن الورعَ أن يُعيد لئلَّا يعرِّض الإنسانُ نفسَه للعِقاب، وهنا يفرِّقون بين الحكْم الاحتياطي والحكْم المجزوم به كما قال شيخ الإسلام في الفتاوي؛ يقول: إن الحكْمَ الاحتياطيَّ لا يعني أنه على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الورعِ بالتزامه.

***

يقول: (وإنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحْداثًا ... صلَّى ولَمْ يُعِدْ) هنا الجواب متأخر؛ (وإنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحْداثًا، أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها، أو عَدِمَ ما يُزِيلُها، أو خافَ بردًا، أو حُبِسَ في مِصْرٍ فتيمَّمَ، أو عَدِمَ الماءَ والترابَ؛ صلَّى) هذا جواب الشرط (ولَمْ يُعِد).
(إنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحداثًا) أَجْزأَ هذا التيمُّم الواحدُ عن الجميع ولو كانت متنوِّعة؛ لأن الأحداثَ إمَّا أن تكون من نوعٍ واحدٍ، أو من أنواعٍ، أو من جنسٍ، أو من أجناسٍ.
مثال النوع الواحد: مِثْل رجُلٍ بالَ عدَّة مرَّاتٍ، هذا أحداثٌ ولَّا حدثٌ واحد؟
الطلبة: أحداث.
الشيخ: أحداث، لكن نوعها؟
الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد، وهو البول.
أنواعٌ من جنسٍ: رجلٌ بالَ وتغوَّط وأكَلَ لحمَ الإبلِ ونامَ، هذه أنواعٌ لكنها من جنسٍ واحدٍ، ويش هو جنس واحد؟ حدثٌ أصغرُ، الجنس واحد.
رجلٌ احتلمَ وأنزلَ وبالَ وتغوَّطَ، هذه أجناس؛ لأنَّ الأوَّل حدثٌ أكبر، والثاني حدثٌ أصغر، هذا الرجل تيمَّم ونوى كلَّ هذه الأحداثَ اللِّي عليه، يجزئه ولَّا لا؟ يُجزِئ. ما هو الدليل؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، هذا الحديث العظيم من أعظم الأحاديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، هذا تيمُّمٌ، والتيمُّم عملٌ، نَوَى به عدَّةَ أحداثٍ، نقول: لك ما نويتَ؛ «وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
(أَوْ نَجَاسَةً على بَدَنِهِ تضُرُّهُ إزالتُها) يعني: نَوَى نجاسةً على بَدَنه تضرُّه إزالتُها (أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها).
مثال النجاسةِ على البدن اللِّي تضرُّ إزالتُها مثل: لو سقطتْ نقطةُ بولٍ على جُرحٍ طريٍّ ما يقدر يمسحه ولا يغسله، هذه نجاسةٌ على بَدَنٍ تضرُّه إزالتُها؛ لأنه ما يَقْدر يغسله لأن الماء يضرُّه، ولا يَقْدر يمسحه بخرقةٍ لأن المسح أيضًا يضرُّه، على أن المسْح ما يَحصُل به التطهيرُ أيضًا، فإزالة النجاسةِ إذَنْ تضرُّه ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يتيمَّم لها ولَّا ما يتيمَّم؟
كلامُ المؤلف يدلُّ على أنه يتيمَّم، ولهذا قال: (أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها).
(أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها) مثل: أصابه بولٌ على بَدَنه، لكن ما عنده ماءٌ يزيلها به، يتيمَّم ولَّا لا؟
طالب: يتيمَّم.
الشيخ: يتيمَّم؛ لأنه قال: (نجاسةً على بَدَنه تضرُّ إزالتُها، أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها). هذا عَدِمَ ما يُزِيلُها، ما عنده ماءٌ فيتيمَّم.
طيب البُوية نجسة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: يقول لي بعضُ الناس: إن فيه شيء نجس من البويات، لو فرضْنا أن فيه بُوية نجسة ولطَّختْك، الماءُ يُزِيلُها ولَّا ما يُزِيلُها؟
طلبة: ما يُزِيلُها.
الشيخ: ويش يُزيلها؟
الطلبة: الجاز، البنزين.
الشيخ: البنزين والجاز، ما عنده بنزين ولا جاز، يتيمَّم على كلام المؤلف.
طالب: مع بقائها.
الشيخ: إي، هي باقيةٌ، معروف أن البوية ما هي تروح.
أفادنا المؤلف يا جماعة -رحمه الله- أن النجاسةَ على البَدَن يُتيمَّم لها، وأن النجاسةَ على الثوب أو في البقعة لا يُتيمَّم لها؛ لأنه قال: نجاسة على البدن. أمَّا لو كانت نجاسة على ثوبه وهو ما يَقْدر يغسله، ما عنده ما يغسلها به، فهل يتيمَّم ويصلي؟
طالب: ما يتيمَّم.
الشيخ: نقول: لا.
طيب، ينزِّل الثوب، قال: ما عندي ثوبٌ غيره، إن نزَّلتُه صلَّيتُ عاريًا؟
طالب: يصلِّي به.
الشيخ: يصلِّي به، والمذهب: يصلِّي به ويُعيد؛ المذهب يقولون: يجب أن يصلِّي به ويجب أن يُعيد، فلو بَقِي هذا الثوب عليه شهرًا كاملًا (...)، ما عنده غير هذا الثوب ولا عنده ما يغسل به النجاسةَ قُلنا؟
طالب: يقضي مئةً وخمسين صلاة.
الشيخ: نعم، يقضي مئةً وخمسين صلاة، ويصلِّي وُجوبًا بالنجس، ويقضي.
والقول الثاني: أنه يصلِّي به ولا يجب الإعادة؛ لأن الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وهذا هو الذي استطاعه، هو الآن عاجز عن إزالة النجاسة فيصلِّي به، وهذا هو الصحيح بلا شكٍّ.
هلْ يتيمَّم للنجاسةِ على ثوبه؟ لا يتيمَّم.
نجاسة في بُقعة، يمكن يصير نجاسة في بُقعة؟ إي نعم؛ يكون -نسأل الله العافية- محبوسًا في مكانٍ نجسٍ؛ يعني فيه بعض الوُلاةِ الظَّلَمةِ يحبس المسلمَ في المرحاض، هذا اللِّي حُبِس في المرحاض كيف يصلي؟ محبوسٌ في نجس.
نقول: تصلِّي وعلى حَسَبِ حالك، ولا تتيمَّمْ للنجاسة، لكن الوضوء بيتوضأ.
أفادنا المؤلف أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على بَدَن. إن غلطتُ فصوِّبوني.
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، البَدَن يتيمَّم له.
لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على ثوب.
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ في بقعة.
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، والصحيح أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ مطْلقًا لا في الثوبِ ولا في البَدَنِ ولا في البقعةِ؛ وذلك لأن الله إنما ذكر التيمُّمَ في الأحداثِ فقط، فلا يجوز أن نتعدَّى ما ذكره الله عز وجل، ولأن النجاسةَ شيءٌ يطلبُ التخلِّيَ منه لا إيجادَهُ، فمتى خلا الإنسانُ من النجاسةِ ولو بغير نيَّةٍ فإنه يَطْهُر منها؛ أرأيتَ لو أنَّ يدك مثلًا أصابها بولٌ، ذراعك مثلًا، وتوضأْتَ وغسلْتَ على أنك متوضِّئٌ ونسيتَ أنه أصابهُ البول، هل يطهُر ولَّا ما يطهُر؟
طلبة: يطهُر.
الشيخ: مع أنك ما نويتَ؛ لأن المقصود بإزالةِ النجاسةِ هو التخلِّي عنها، ولا يحصل هذا المقصودُ بالتيمُّم، بخلافِ الوضوء والغُسْل فإنه تعبُّد، فإذا لم نستطع التطهُّر بالماء تطهَّرْنا تعبُّدًا لله وتذلُّلًا له بالتُّراب، وهذا القول أحدُ القولينِ في المسألة، وهو الصواب بلا شكٍّ، كما أنه لا يتيمَّم عن النجاسة في الثوب وفي البقعة.
فعندنا أربعةُ أمور يا إخواننا: حَدَثٌ، نجاسةٌ على بَدَنٍ، نجاسةٌ على ثوبٍ، نجاسةٌ على بُقعةٍ.
الحدثُ يُتيمَّم عنه بالنص والإجماع، ما فيه إشكال، والنجاسةُ على الثوبِ والبُقعةِ لا يُتيمَّم عنها قولًا واحدًا في المذهب، إلا إن كان فيه هناك قولٌ ضعيفٌ، والنجاسةُ على البَدَنِ يُتيمَّم عنها على المذهب، والصحيح أنه لا يُتيمَّم عنها، يغسلُها إن وَجَدَ الماءَ وإلَّا سقط عنه الوجوب.

***

(...) هذه المسألة فيها خلافٌ؛ بعضُ العلماء يقول: يجب يَحمِلون من الماء ما يكفيهم إذا كان ما يشُقُّ عليهم، وعلى هذا فيجبُ على مَن أرادوا الرِّحْلة أنهم يأخذون معهم (...)؛ لأن (...) الآن الحمد لله متيسِّر.
والقول الثاني: لا، إن المسافر لا يلزمه أن يَحمِل من الماء إلا ما يكفيه هو وأهله فقط، وإنَّ هذا هو المقصود بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء: ٤٣]، والظاهر أنه إذا كانت المشقَّة يسيرةً أنه يجب عليهم الحمْلُ، أمَّا إذا كانت المشقَّة كثيرة فهذا ما يجب.

***

(...) هذا القياس.
وذكَرْنا أنَّ القولَ الراجحَ خلافُ ذلك، فما هو حُجَّة القول الراجح؟ وما هو دفاعُهم عن هذا التعليل؟
طالب: (...).

***

الشيخ: (...) (أوْ خَافَ بَرْدًا) خافَ بردًا منين؟ من استعمال الماءِ، فإنه يتيمَّمُ، لكنْ إن وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ وَجَبَ عليه أن يُسخِّن الماءَ، فإنْ لم يَجِدْ وخافَ إن اغتسلَ مَرِضَ فإنه يتيمَّم، ولا يكفي الخوفُ من البرد فقط، لكنْ خافَ ضررًا من البردِ، أما أن يخافَ البردَ كلُّ واحدٍ في الشتاء إذا توضأ يبرد، لكن المقصود أنه يخشى على نفْسه الضررَ من البرد، ففي هذه الحال له أن يتيمَّم؛ لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
فإذا خافَ بردًا لا يحتملُه إلا بضررٍ فله أنْ يتيمَّم، وإذا تيمَّمَ ثم وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ فهلْ يجب عليه أن يستعمل الماءَ؟
الجواب: نعم، يجب عليه، وسيأتي -إنْ شاء اللهُ- دليلُ ذلك.
قال: (أو حُبِسَ في مِصْرٍ) المصر معروف: المدينة. (حُبِسَ) يعني فلَمْ يَصِلْ إليه الماءُ، فإنه يتيمَّم، وإنما نصَّ المؤلفُ على ذلك لأن بعض أهل العلم يقول: إنه لا يتيمَّم؛ لأنه ليس مسافرًا وليس عادمًا للماء؛ فالماء موجودٌ لأنه في مصْرٍ.
ولكن يقال: هذا الماء الموجود بالنسبة إليه معدومٌ؛ لأنه حُبِسَ ولم يُوصَل إليه الماءُ، وحينئذٍ يكون قد تعذَّرَ عليه استعمالُ الماء فيُباحُ له التيمُّم.
فإن حُبِس في مصرٍ ولم يجد ماءً ولا تُرابًا فماذا يصنع؟
يصلِّي على حَسَبِ حالِه ولا إعادةَ عليه، ولا يقُلْ: سأُؤَخِّر الصلاةَ حتى أَقْدر على إحدى الطهارتينِ: الماء أو التراب.
(أوْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ) لم يجدْ ماءً ولا ترابًا؛ مثل أن يُحبَس في مكانٍ ليس فيه ماءٌ ولا ترابٌ، ولا يستطيع أن يخرج من هذا المكان ولا أن يجلب ترابًا يتيمَّم به ولا ماءً يتطهَّر به، ففي هذه الحال يصلِّي على حَسَبِ حالِه؛ لعموم قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» ، فإن هذا عامٌّ، ومن هُنا نأخذ أهمية المحافظة على الوقت، وأنَّ الوقت أَوْلى ما يكون من الشروط في المحافظة، فنقول: صَلِّ بلا وُضوءٍ وبلا تيمُّمٍ على حسب حالك.

***

ثم قال رحمه الله: (ويَجِبُ التيمُّمُ بتُرابٍ طَهورٍ له غُبارٌ).
هذا بيانُ ما يُتيمَّم به؛ يقول المؤلف: (بترابٍ)، والتراب معروف، خرجَ بذلك ما عداه من الرَّمْل والحجارة وما أَشْبَه ذلك فلا يتيمَّم به، يجب أن يتيمَّم بترابٍ، فإنْ عَدِمه ولم يكنْ إلا في بَرٍّ ليس فيه إلا الرمْلُ أو ليس فيه إلا الطينُ لكثرة الأمطار فحينئذٍ يصلِّي بلا تيمُّمٍ؛ لأنه عَدِمَ الماءَ والترابَ.
ما هو الدليل؟
قالوا: الدليل على ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» ، وفي رواية: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» ؛ قالوا: هذا يخصِّص عمومَ قوله صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؛ فإن الأرضَ كلمةٌ عامَّةٌ، لكن (تُراب) خاصٌّ، فيُقيَّد العامُّ بهذا؛ بالتراب. هذا هو دليلهم، ولكن هذا الدليل رفَضَه جمهورُ العلماء وقالوا: إنه إذا قُيِّد اللفظُ العامُّ بما يوافق حكْمَ العامِّ فإنه ليس بقيدٍ.
يعني تقرير هذه القاعدة: ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق حكْمَ العامِّ لا يقتضي تقييدَه، وكذلك ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ لا يخالف العامَّ لا يقتضي تخصيصه.
وقد نصَّ على هذه القاعدةِ كثيرٌ من العلماء منهم: الشوكاني في نيل الأوطار، ومنهم كذلك الشنقيطي في تفسيره على هذه الآية؛ آيةِ التيمُّم، على أنه إذا ذُكِر بعضُ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق العامَّ فإنه لا يقتضي التقييد
.
توضيح هذه القاعدة: مثلًا إذا قلت: أكْرِم الطلبةَ. هذا عامٌّ ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ثم قلت: أكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة؛ هل يقتضي هذا تخصيصَ العامِّ ونقول: إنك لا تكرم إلا فلانًا.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنك الآن ذكرتَ فلانًا بحكْمٍ يوافق العامَّ، فلا يخصِّصه، لكن لو قلتَ: لا تُكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة، صار هذا تخصيصًا للعامِّ؛ لأني لما قلتُ في الأول: أكْرِم الطلبة، دَخَلَ فيهم هذا الرجل، فإذا قلت: لا تُكْرِمه، خَرَجَ، فصار هذا هو التخصيص؛ لأني ذكرتُه بحكمٍ يخالف حكمَ العامِّ، انتبه لهذا.
ومن ذلك أن بعض العلماء قال في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ» : يخصِّص عمومَ الأدلَّةِ الدالَّةِ على وجوب زكاةِ الفضة مطْلقًا؛ لأنه قال: «وَفِي الرِّقَةِ» والرِّقَة هي السكة المضروبة على قولهم، فنقول: إن سلَّمْنا لكم أن الرِّقَة هي الفضَّة المضروبة فإنَّ هذا ذِكْر بعض أفراد العامِّ بحكْمٍ موافقٍ للعامِّ، وهذا لا يقتضي التخصيص.
إذَن نرجع إلى ما نحن فيه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» عامٌّ ولَّا لا؟
الطلبة: عامٌّ.
الشيخ: «الْأَرْضُ» يشمل الرمليةَ والترابيةَ والحجريةَ، يشمل كلَّ هذا، «جُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» أو «تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» هذا قيدٌ، لكنه قيدٌ بما يوافق العامَّ المطْلَقَ فلا يكون مخصِّصًا، وهذا هو الصواب.
إذَن نقول: لا يجب التيمُّم بترابٍ، بلْ تتيمَّم بكُلِّ ما تصاعَدَ على وجْه الأرض؛ لأن الله يقول: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة: ٦]، صَعِيدًا، والصعيد: كلُّ ما تصاعدَ على الأرض فهو صعيدٌ، والله عز وجل يعلم أن الناس في أسفارهم يطرقون أراضيَ رمليَّةً، وأراضيَ حجريَّةً، وأراضيَ ترابيَّةً، ولم يخصِّص شيئًا دون شيءٍ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك لا شكَّ أنه مرَّ برمالٍ كثيرةٍ، ومع ذلك فلمْ يُنقَل أنهم كانوا يحملون الترابَ، ولا أنهم كانوا يصلُّون بدون تيمُّمٍ، وعليه فيكون القولُ الصحيحُ أنه لا يُشترط الترابُ.
اشترط المؤلف أيضًا: (طَهُور)، وهو إشارةٌ إلى أن الترابَ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس؛ كما أن الماء عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس.
فخرج بقوله: (طَهُور) الترابُ النجسُ؛ مثل أن تجد بقعةً قد أصابها بولٌ ولم يُطهَّر ذلك البول، فهل تتيمَّم منها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنها ليستْ بطَهورٍ.
ما الدليل؟
الدليل قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، والطيِّب ضدُّ الخبيث، ولا نعلم خُبْثًا يُوصَفُ به الصعيد إلا أن يكون نجسًا، وعلى هذا فإذا كانت الأرض نجسةًَ فإنه لا يُتيمَّم عليها.
ولكنْ يبقى النَّظَر ما هو الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ؟ الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ هو الترابُ الذي يتساقطُ من الكفَّينِ أو من الوجْهِ بعد التيمُّمِ به.
طالب: (...).
الشيخ: هذا يُمْكن لكنْ بصعوبة؛ لأنك إذا ضربْتَ الأرضَ وغبَّرت ومسحتَ وجهَك، قد يجيء واحد ويضرب يديك ويمسح بالتراب هذا، يُمْكن ولَّا لا؟ يُمكن، يقول: تعالَ أتيمَّم من وجهك ويديك -لكنْ لا يخبطك على وجهك المشكلة، خلِّه إذا بغى يخبط باليدين- هلْ يجزئ التيمُّم هنا؟ لا، ليش؟ لأن التراب اللِّي على اليدينِ ترابٌ مستعمَلٌ في طهارةٍ واجبةٍ، فيكون طاهرًا غيرَ مطهِّر، فأمَّا لو تيمَّمْتَ من المكان الذي ضربْتَ عليه يديك فإنَّ ذلك ليس بطاهر، بل هو طَهورٌ؛ مثال ذلك: احنا الآن في أرضٍ، فجاء رجلٌ وضربَ الأرضَ ورأينا آثارَ يديه على الأرض وتيمَّم، فجاء آخَر وضربَ على مضرب يديه، يصحُّ ولَّا ما يصحُّ؟
طالب: يصحُّ.
الشيخ: يصحُّ، وقد يتوهَّم بعضُ الطلبة أن هذا المكانَ أو هذا الترابَ صار طاهرًا غيرَ مطهِّر، والأمرُ ليس كذلك، بلْ نصَّ الفقهاء رحمهم الله على أنَّ هذا جائزٌ وأنَّ هذا يُشبه أن يتوضأ الجماعةُ من بِرْكة، إذا توضؤوا من بِرْكةٍ ما يكون طاهرًا غير مطهِّر، فانتبهوا لهذا.
والصحيح أنه ليس هناك قسمٌ يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّرٍ في التراب، كما أنه ليس هناك قسمٌ في الماء يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّر.
الشرط الثالث؛ قال: (له غُبار)، فإن لم يكنْ له غبارٌ فإنه لا يصحُّ التيمُّم به؛ مثل أن يكون هذا التراب ثَرِيًّا، (ثريًّا) يعني أيش؟
طلبة: رطبًا.
الشيخ: إي، فيه رطوبة، وليس المراد بالثريِّ الغني مأخوذ من الثراء، لا، ثريًّا يعني لَدِنًا؛ أي: فيه رطوبة، فإنك لا تتيمَّم به، وعلى هذا فلو كُنَّا في أرضٍ قد أصابها رشُّ مطرٍ حتى ذهب الغبار فإننا لا نتيمَّم عليها، بل نصلِّي بدون تيمُّمٍ.
والصحيح في هذه المسألة خلافُ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
الشيخ: يقول المؤلف ..
طلبة: (غير محترقٍ).
الشيخ: ما هي عندي، لكنْ طيب، إذا كان غيرَ محترقٍ معناه أنه لو كان محترقًا مثل الإسمنت.
طالب: الرماد.
الشيخ: الرماد من الخشب.
طالب: والجِص.
الشيخ: نعم، الجِص، مع أن الجِص ما يصحُّ مطْلقًا لأنه ليس بترابٍ، فإنه لا يصحُّ التيمُّم به (...) وهذا أيضًا من الأشياء الضعيفة.
والصواب أنَّ كلَّ ما على الأرض من ترابٍ، وحَجَرٍ ورمْلٍ رطْبٍ أو يابسٍ يُتيمَّم منه.
بَقِي أن يُقال: كيف نُجيب عن قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦]، مِنْهُفإن (مِن) للتبعيض، ولا تتحقَّقُ البعضيةُ إلا بغُبارٍ يَعْلَق باليد ويُمسح به الوجْه.
طالب: شيخ، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية لا للتبعيض.
الشيخ: نعم، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية، فهي كقولك: سِرتُ مِن مكةَ إلى المدينة، فإذا قلتَ: هذا خلافُ الظاهر؛ لأن ظاهر فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ..، قلنا: هذا مُسَلَّم؛ لكننا عَدَلْنا إلى غير الظاهر من أجْل سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإن ظاهرها أن ذلك ليس بشرطٍ؛ لأنه يسافر في الأرض الرمليةِ والأرض التي أُصيبتْ بمطرٍ، ومع ذلك ما نُقِل عنه أنه كان يَدَعُ التيمُّم في مثل هذه الحال.