كتاب الطهارة - 19
عدد الزيارات 2244

عناصر المادة :
باب الحيض

الدم النجس من الحيوان الطاهر، الحيوان الطاهر نذكره الآن إن شاء الله.
نكمل الثالث الدم النجس: كل دم خرج من حيوان نجس أو خرج من السبيلين من الآدمي، هذا القسم الثالث من الدماء نجس لا يعفى عن يسيره؛ لو أصاب الإنسان منه كجب الإبرة لزمه أن يغسله.
نشوف المؤلف يقول: (نجس من حيوان طاهر) أفاد المؤلف أيضًا: أن الحيوانات قسمان؛ طاهر، ونجس، وهو كذلك، فنقول: كلُّ حيوان حلال فهو طاهر، مثل؟
طلبة: بهيمة الأنعام.
الشيخ: بهيمة الأنعام والخيل والدجاج والظِّباء والأرانب، وغيرها، كلُّ حيوان حلال فهو طاهر، لكن طاهر متى؟ في الحياة.
كلُّ حيوان ليس له دم سائل فهو طاهر أيضًا في الحياة وبعد الموت، لكن سبق لنا أن الدَّمَ من هذا الجنس طاهر، فلا يَرِدُ علينا.
الحيوان النَّجس؛ كل حيوان محرَّم الأكل -انتبه له- فهو نجس، إلا على المذهب الهِرَّة فما دونها، تعرف الهرة، ما هي؟
طالب: البسة.
الشيخ: إلا الهرة فما دونها، الهرة فما دونها هذه حيوان حرام، ولكنها جاءت السنة بطهارتها، كما في حديث أبي قتادة أنَّه قُدِّمَ إليه ماء يتوضَّأ به، فإذا بِهرَّة فأصغى لها الإناء حتى شربت، ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهِرَّة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» .
لاحظ التعليل اللي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم والحكم الذي قلته؛ الذي قلت: الهرة ويش بعد؟ فما دونها في الخلقة، هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، سواء كان ما دونها من الطوَّافين أم من غير الطَّوَّافين، حتى لو كان لا يوجد في البيوت أبدًا وهو من الهرة فأقل فإنه يكون طاهرًا.
لكن ظاهر الحديث خلاف ذلك؛ ظاهره أنها صارت طاهرة لمشقة التحرز منها؛ شوف لمشقة التحرز منها، ليش؟ لأنها من الطوَّافين علينا؛ اللي يكثر تردُّدها علينا، فلو كانت نجسة لشقَّ ذلك علينا وصار من باب تكليف ما لا يُطاق.
وبناء على ذلك نقول: إن مناط الحكم ما هو؟
طلبة: من الطوافين علينا.
الشيخ: التَّطْوَافُ، هذا مناط الحكم الذي يحصُل به المشقَّة بالتَّحرُّز منها.
انتبه، البغل والحمار على المذهب نجس ولَّا طاهر؟
طلبة: نجس.
الشيخ: نجس؛ لأنه مُحرَّم الأكل، وعلى القول الذي يدل عليه الحديث -وهو أن العلة التطواف- يكون طاهرًا؛ لمشقة التحرز منه.
إذن قول المؤلف: (من حيوان طاهر) خرج به ما هو؟ الحيوان النجس، فما الحيوان النجس؟ كل حيوان محرم الأكل إلا؟
طلبة: إلا الهرة فما دونها.
الشيخ: إلا الهرة فما دونها.
طالب: على المذهب؟
الشيخ: على المذهب، نعم، أو إلا ما شق التحرز منه، على القول الثاني الراجح
.
بقي علينا أنه قد يَرِد على هذه القاعدة: كل حيوان محرم الأكل يرد عليها الآدمي؛ الآدمي حيوان محرم الأكل وأكبر من الهرة، هل هو نجس؟
طلبة: ليس بنجس.
الشيخ: ليس بنجس.
الدليل حديث أبي هريرة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسواق المدينة وكان عليه جنابة، قال: فانخنثت فذهبت فاغتسلت، ثم رجعت، فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قال: كنت جُنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» .
وإذن فنقول: يستثنى من قولنا: (كل حيوان محرم الأكل) يستثنى منه الإنسان.
طالب: ما الدليل على أن الإنسان لا يؤكل؟
الشيخ: هذا إذا قلنا بأن الإنسان حيوان، أما إذا لم نقل بذلك.
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، فإنه لا حاجة للاستثناء؛ لأن نقول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس ما عدا الهرة فما دونها، على المذهب، أو ما عدا ما يشق التحرز منه، كالهرة والفأرة والخيل والحمير.
طلبة: الخيل حلال.
الشيخ: الخيل حلال، إذن ما دخلت من الأصل نقول: البغال والحمير، صح.
طالب: نعطيه دليلًا على طهارة الكافر حسيًّا لا معنويًّا.
الشيخ: الكافر حسيًّا الصحيح أنه طاهر.
طالب: شيخ، ذكرت الفأرة أنها طاهرة، أليست إذا سقطت في السمن (...)؟
الشيخ: هذه ماتت، سقطت في سمن فماتت ، هذا لفظ الحديث، الميتة سيأتينا -إن شاء الله- ذكر الميتات: أن جميع الميتات نجسة إلا السمك والجراد وما لا نفس له سائلة والآدمي، مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام: أن جميع النجاسات كل النجاسات يعفى عن يسيرها، وحينئذٍ يسهل الأمر.
هل يمكن أحد أن يجيب عنه، (...)؟
وأيضًا إلا أن يكون ميتة يقينًا أن الآدمي ما دخل في هذا؛ لأن الآدمي وهو حي لو ذُكِّي يؤكل؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يؤكل، إي نعم.
المهم أنه ليس هناك دليل يوجب أن يتنزه الإنسان من الدم، وأن الدم نجس، لكن من تنزه منه على سبيل الاحتياط مراعاة لقول أكثر العلماء فهو أولى؛ لأن كون الإنسان يؤدي صلاته وهو مطمئن من صحتها خير من كونه يؤديها وهو في شك من ذلك.
الحيوان الطاهر كم قلنا من نوع؟
طلبة: أربعة أنواع.
الشيخ: الآدمي.
طلبة: السمك.
الشيخ: السمك، وقلنا: الأحسن ما نستثنيه؛ لأن دم السمك طاهر.
طالب: الهرة وما دونها.
الشيخ: الهرة وما دونها.
طالب: الحيوان الذي يباح..
الشيخ: الحيوان الذي يباح بالذكاة، إذن ثلاثة هذه هي الحيوانات الطاهرة في الحياة، وسيأتي الخلاف أيضًا في بعض الأشياء في كلام المؤلف.
قال: (وعَنْ أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه) يعني: ويُعفى عن أثر استجمار بمحلِّه، والمراد بالاستجمار هنا الاستجمار الشَّرعي الذي تَمَّت فيه الشروط، وقد سبق ذلك في باب الاستنجاء.
فإذا استجمر الإنسان استجمارًا شرعيًّا بثلاثة أحجار منقية فأكثر في غير محترم أو نجس وتَمَّت الشروط، فإن الأثر الباقي بعد هذا الاستجمار يُعْفَى عنه، وهل يبقى أثر؟ نعم؛ لأن المحل لا يتطهر بالكلية إلا بالماء، فالأحجار والمناديل وشبهها ما تطهر المحل تمام التطهير كما يطهره الماء، وهذا ظاهر.
هذا الأثر الذي يبقى بعد الاستجمار الشرعي يقول المؤلف: إنه يعفى عنه، ولكن يعفى عنه في محله، فنقول للمستجمِر: صلِّ ولا عليك، صلاتك صحيحة، فإذا قال: أنا لم أُزِل النجاسة، قلنا: إنه يعفى عن هذا في محله، ما هو الدليل أنه يعفى عنه؟
الدَّليل لذلك: أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الاستجمار في التَّنَزُّه من البول والغائط ، كما مر علينا في الاستنجاء.
وعلى هذا، فإذا صلَّى الإنسان وهو مستجمِر لكنه قد توضَّأ فصلاته صحيحة، ولا يُقال: إن فيه أثر نجاسة؛ لأن هذا الأثر أيش؟
طلبة: معفوٌّ عنه.
الشيخ: معفوٌّ عنه.
ولو صلَّى حاملًا مستجمِرًا استجمارًا شرعيًّا لعُفِيَ عنه أيضًا؛ لأن هذه النجاسة معفو عنها في محلها.
وعُلِم من قول المؤلف: (في محلِّه) أنه لو تجاوز محلَّه لم يُعْفَ عنه، كيف يتجاوز؟ لو أن إنسانًا عَرِقَ، ثم سال العَرَق وتجاوز المحلَّ؛ صار على سراويله أو على ثوبه، أو سال على صفحتي الدُّبر، فإِنه لا يُعْفَى عنه حينئذ، لماذا؟ لأنه تعدَّى محلَّه.
وعُلِمَ من كلامه رحمه الله: أنَّ الاستجمار لا يُطَهِّر وأنه نجس، لكن يُعْفَى عن أثره في محلِّه.
ولكن الصَّحيح في هذه المسالة: أن الاستجمار إذا تَمَّتْ شروطه فهو مطَهِّر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في العظم والرَّوثة: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» ، وإسناده جيد.
فقوله: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» يدلُّ على أن الاستجمار مطهِّر، على أن ما عداهما مما يباح به الاستجمار يُطهِّر، وهذا هو الصحيح.
وبناءً على هذا القول الرَّاجح، لو تعدَّى إلى غير محله؛ فعَرِقَ الإنسان على سراويله أو خرج منه مَنِيٌّ فإنه لا يكون نجسًا؛ لأنَّ الاستجمار مطهِّر، لكنَّه عُفي عن استعمال الماء للمشقة والتيسير على الأمة.
هذان اثنان مما يُعْفَى عنه؛ يسير الدَّم النَّجس من حيوان طاهر، والثاني: أثر الاستجمار بمحلِّه.
وظاهر كلامه: أنه لا يُعفَى عن يسير شيء مما سواهما، فالقَيء مثلًا لا يُعْفَى عن يسيره، والبول لا يعفى عن يسيره، والرَّوث لا يعفى عن يسيره، وهكذا كل النجاسات لا يعفى عن يسيرها.
ولكن العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، بل على أكثر من ثلاثة؛ لأن بعضهم لا يرى العفو عن اليسير مطلقًا ويقول: النجس نجس يسيره وكثيره ولا يعفى عنه.
وبعضهم على العكس يقول: يعفى عن يسير سائر النجاسات، وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيميَّة رحمه الله، ولا سيما ما يُبتلَى النَّاس به كثيرًا، كبعر الفأر وروثه، وما أشبه ذلك مما يبتلى به الناس، فإن المشقَّة في مراعاته والتطهُّر منه حاصلة، والله عز وجل يقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، وكذلك أصحاب الحيوانات التي يمارسونها كثيرًا، كأهل الحمير مثلًا هؤلاء يشقُّ عليهم أن يتحرزوا من كُلِّ شيء.
فالصَّحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأبو حنيفة في أن الشيء اليسير يعفى عنه؛ لأنَّنا إذا حكمنا بأن هذه نجسة؛ فإمَّا أن نقول بأنَّه لا يُعفَى عن يسيرها، كما قاله بعض العلماء، كالبول والغائط، وإما أن نقول بالعَفْو عن يسير جميع النَّجاسات، ومن فرَّق فعليه الدَّليل.
قد يقول قائل: إن الدَّليل على ذلك أن الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يُصلُّون في ثيابهم وهي ملوَّثة بالدَّم من جراحاتهم.
فنقول: إن هذا دليل على ما هو أعظم من ذلك؛ وهو طهارة الدَّم إلا بدليل.
المهم أن المؤلف لم يذكر مما يعفى عن يسيره إلا شيئين؛ وهما الدم النجس من حيوان طاهر، والثاني: أثر الاستجمار بمحله، أقول: ذكر بعض العلماء العفو عن يسير كل نجس يشق التَّحرُّز منه، وهذا مذهب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن ذلك: يسير سَلَس البول لمن ابتُلي به، نسأل الله لنا ولكم السلامة؛ لأنه يشق التحرز منه، فيعفى عن يسيره إذا كان الانسان متحفظًّا تحفظًا كثيرًا بقدر استطاعته، فاليسير منه لا يضر.
قال: (ولا يَنجُسُ الآدمِيُّ بالمَوْتِ) الآدمي لا ينجس بالموت، وقوله: (الآدمِيُّ) أي: مَنْ كان من بني آدم؛ من مؤمن وكافر، وذكر وأنثى، وصغير وكبير، لا يَنْجُسُ بالموت.
الدليل: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، هذا واحد.
دليل آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وَقَصَتْه ناقته يوم عرفة قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» .
وقال في اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» .
وهذا يدلُّ على أن بَدَنَ الميت ليس بِنَجِس؛ لأنَّه لو كان نجسًا لم يُفِد الغسل به شيئًا، لو أنك غسلت الكلب آلاف المرات ما صار طاهرًا، ولولا أن الغسل يؤثِّر فيه الطَّهارة لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم به عبثًا لا فائدة منه، وعلى هذا فيكون الآدمي لا ينجس بالموت.
فإن قلت: هذا ظاهر في المؤمن أنَّه لا يَنْجُس، لكن بالنسبة للمشرك الكافر كيف تقول: لا يَنْجُس، والحديث: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، وقال الله عز وجل في القرآن: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: ٢٨]؟
فالجواب: أن نقول: إن المراد بالنجاسة هنا النَّجاسة المعنويَّة، ودليل ذلك: أن الله أباح لنا طعام الذين أوتوا الكتاب مع أن أيديهم تلامسه، وأباح لنا أن نتزوَّج نساء أهل الكتاب، والإنسان يلامس زوجته ولم يأمرنا بالتطهر منها، فدل ذلك على أن النجاسة المذكورة في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌالنجاسة المعنوية لا النجاسة الحسية، وعليه فالآدمي لا ينجس بالموت.
وذهب بعض العلماء إلى أن الآدمي الكافر يَنجُس بموته، واستدل بمنطوق الآية الكريمة ومفهوم حديث أبي هريرة، وأن هذا الكافر لا يغسَّل، فالعلة فيه أنه نَجِس العين، وما كان نَجِس العين لا يفيد فيه التَّغسيل.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، والقول الأول أصح
.
قال: (وما لا نَفْسَ له سائلة متَولِّد مِنْ طاهر) (وما) أي: والذي، (لا نَفْسَ له سائلة) (نفس) قالوا: بمعنى دم، (سائلة) يعني: يسيل إذا جرح أو قتل.
وقوله: (متولِّد) الصواب من حيث الإعراب أن يقول: متولدًا؛ يعني حال؛ ولهذا في الشرح قدَّر المبتدأ فقال: وهو متولِّد، ولَّا كان الواجب أن تُنْصَب.
المهم اشترط المؤلف شرطين: ألَّا يكون له نَفْس سائلة، وأن يكون متولِّدًا من طاهر، فهذا لا يَنْجُس بالموت، وفي الحياة أيضًا لا يَنْجُس من باب أَوْلَى.
مثال ذلك: الصَّراصر، تعرفون الصراصر؟
طلبة: الصواريد.
الشيخ: الصواريد، ما يخفى، معروفة.
طالب: ما هو؟
الشيخ: هذا اللي يكون في الحمامات هذا.
طالب: البحرينيون يقولون له: زهيوي.
الشيخ: زهيوي، الجعل، الخنفساء، العقرب، إلى أشياء كثيرة من هذا.
الوزغ له نفس سائلة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، قال الإمام أحمد: إن له نفسًا سائلة، وعلى هذا، فإذا مات يكون نجسًا.
الفأرة؟
طلبة: لها نفس.
الشيخ: لها نفس سائلة، إذا ماتت؟
طلبة: فهي نجسة.
الشيخ: فهي نجسة.
قال المؤلف: (متولِّد من طَاهرٍ) فإن تولَّد من نَجِسٍ فهو نَجِسٌ، وهذا مبنيٌّ على أنَّ النَّجس لا يطهُر بالاستحالة.
أمَّا على قول من قال: إن النَّجس يطهر بالاستحالة فلا يشترط أن يكون متولِّدًا من طاهر.
صراصر الكُنُفِ نجسة ولَّا طاهرة؟
طلبة: نجسة.
الشيخ: نجسة؛ لأنها متولِّدة من نجس.
طالب: ويش الصراصر؟
الشيخ: الصراصر: الصوارير.
طالب: الكنف؟
الشيخ: الكنف هذه محل التخلي، بس يمكن الظاهر أنكم صغيرين عنه.
طالب: (...).
الشيخ: موجود بالحج.
طالب: (...).
الشيخ: صح، على كل حال الشيء المتولد من نجس يكون نجسًا، بناء على أن النجاسة لا تَطهُر بالاستحالة، وإذا قلنا بأنها تطهر فإن هذا المتولد من نجس طاهر، إي نعم.
لو أننا وجدنا خنفساء سقطت في ماء وماتت فيه، ثم أخرجناها منه، هل ينجس؟
طلبة: لا ينجس.
الشيخ: ليش؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما فيه تفصيل.
الطالب: لأنه قليل (...).
الشيخ: أبدًا، هو قليل؛ ماء للشرب؛ يعني: واحد حاط للوضوء نحو مُدٍّ يتوضأ به، فوجد في الصباح أن فيه خنفساء ميتة.
طالب: لا نفس لها سائلة.
الشيخ: نعم، نقول: هذه طاهرة؛ لأنها ليس لها نفس سائلة.
هل هناك شيء آخر لا ينجس بالموت سوى هذه؟ نعم، لا ينجس بالموت أيضًا السمك؛ لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة: ٩٦]، الجراد يدخل في قوله: (وما لا نَفْسَ له سائِلَةٌ) وحينئذٍ لا يحتاج إلى استثناء.
فالذي لا ينجس بالموت إذن: الآدمي، الحوت، ما لا نفس له سائلة بشرط -على المذهب- أن يتولد من طاهر، هذه ثلاث ميتات لا تنجس بالموت. البعير ينجس بالموت؟
طلبة: لا ينجس.
الشيخ: البعير، سبحان الله! ينجس -يا إخواني- بالموت، ينجس -بارك الله فيكم- بالموت، ما هو مذَكًّى، المهم على كل حال، البعير ينجس بالموت.
الهرة فما دونها؟
طلبة: تنجس.
الشيخ: تنجس بالموت؛ لأن لها نفسًا سائلة، لها دم يسيل. البق؟
طلبة: لا ينجس.
الشيخ: لا ينجس، البعوض لا ينجس؛ لأنه ليس له نفس سائلة.
طالب: يا شيخ، ويش البق؟
الشيخ: هي صغار البعوض.

***

ثم قال المؤلف: (وبولُ ما يُؤكَل لَحْمُه وَرَوثُه ومنيه ومني الآدمي ورطوبة فرج المرأة وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر).
هذه عدة مسائل أخبر المؤلف عنها بخبر واحد:
أولًا: (بول ما يؤكل لحمه) كالإبل والبقر والغنم والظباء والأرانب والدجاج، وغيرها، بولها؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، لكن التمثيل بالدجاج يمكن قد يكون فيه نظر.
طالب: (...)؟
الشيخ: لأنه ليس لها بول فيما يظهر. (رَوثُه) أيضًا؟
طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر.
فإن قلت: ما هو الدليل على طهارته؟
فالجواب: الدَّليل البراءة الأصلية؛ يعني: عدم الدليل؛ لأن من ادعى أنه نجس فليأت بالدليل، وإلا فالأصل الطهارة.
ثم نقول: هناك دليل، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العُرنيين أن يلحقوا بالإبل؛ إبل الصَّدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها ، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الإناء منها.
دليل ثالث: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أَذِنَ بالصَّلاة في مرابِضِ الغنم ، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والرَّوث. وعليه، فيكون في ذلك دليل على طهارتها.
فإن قلت: ما الجواب عما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصَّة صاحبي القبرين، قال: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» ، والبول عام، سواء جعلنا (أل) للجنس أو للاستغراق، هذا واحد، فإنه يدُّل.. ويش يدل عليه؟
طلبة: على نجاسة البول.
الشيخ: على نجاسة البول.
ثانيًا: ما جوابك عن نهي النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة في مَعاطِنِ الإِبل، فإن هذا يدلُّ على نجاستها أيضًا، وإلا لما نهى عنه؟
فالجواب عن الأول: أن قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ» أي: بول نفسه، (فأل) للعهد الذِّهني، والدَّليل على ذلك أنَّ في بعض ألفاظ الحديث عند البخاري: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ» ، «مِنْ بَوْلِهِ» وهذا نَصٌّ صريح، فيحمل الأوَّل عليه، وتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأن العادة أن الإنسان يتنزه من بوله كلما بال.
وأما الجواب عن الحديث الثاني النَّهي عن الصَّلاة في مبارك الإبل أو أعطان الإبل، فيقابل بالإذن بالصلاة في مبارك الغنم، فيقال: إن العلَّة ليست هي النَّجاسة، ولو كانت العلَّة النَّجاسة لم يكن فرق بين الإبل والغنم، لكن العلَّة شيء آخر، ما هي العلة؟
قيل: إن الحكم هذا تعبُّدي؛ أي: غير معقول العلَّة، وقيل: إن العلة أنه يُخشَى إن صلَّى في مباركها أن تَأْوي إلى هذه المبارك وهو يصلِّي، فَتُشوِّش عليه صلاته؛ لأنها كبيرة الجسم، بخلاف الغنم؛ الغنم إذا جاءت ووجدت واحدًا يصلي يمكن تروح عنه تتركه، لكن الإبل ما تتركه، فيُخشَى أن تأتي وهو يصلي فتشوش عليه الصلاة.
وقيل: إن «الإبل خُلِقت من الشَّياطين» ، كما جاء به الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، خُلِقت من الشَّياطين ليس معناه أن أصلها الشياطين؛ يعني: أصل مادَّتها، لكن المعنى أنها خُلِقت من الشَّيطنة، فهي كقوله تعالى: خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧] ليس معناه أن مادة الخَلْق من عَجَل، لكن طبيعته هي هذه، وأنه ورد في بعض الأحاديث -وإن كان فيها ضعف- أن على كُلِّ شعفة بعير شيطانًا ، فيكون مأوى الإبل ومعاطنها مأوى للشياطين، فهو يشبه النهي عن الصلاة في الحمَّام؛ لأن الحمَّامات بيوت الشياطين.
طالب: الشعفة؟
الشيخ: الشعفة؛ شعفة السنام، البعير لها سنام، إي نعم.
على كل حال، نحن نقول: إنه ليس العلة في ذلك النجاسة، بدليل الإذن بالصلاة في مبارك الغنم. هذا بول ما يؤكل لحمه وروثه.
(ومَنِيُّه) منيه أيضًا طاهر، هل له مني؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟
طلبة: (...).
الشيخ: حسي؛ يعني: الدليل حسي؟
طالب: كيف يتوالد؟
الشيخ: ما فيه دليل، يمكن يتوالد من التولد، ما فيه دليل من القرآن؟
طالب: فيه يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور: ٤٥].
الشيخ: نعم، وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠]، حيًّا ولَّا حي؟
طلبة: حي.
الشيخ: بالجر ولَّا بالنصب؟
طلبة: بالجر.
طلبة آخرون: بالنصب.
الشيخ: بالجر يا إخواني، بالجر جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، إي نعم.
(...) قائل: أباحه لهم للضرورة، والضرورة تبيح المحظورات، أنت اللي أتيت به هات الجواب على هذا؟
طالب: الجواب على هذا يا شيخ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَا جَعَلَ اللَّهُ شِفَاءً» (...).
الشيخ: والروث طاهرَيْن.
طالب: فهو من باب أولى.
الشيخ: فالمني؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
ثانيًا: ولأن المني أصل حيوان؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر فكان طاهرًا.
طالب: كلمة (وروثه) (...)؟
الشيخ: مثل البول بالضبط، حكمه حكم البول.
الطالب: دليل خاص؟
الشيخ: أبدًا، فيها دليل الإذن بالصلاة في مرابض الغنم.
إحنا ذكرنا أن الشافعي رحمه الله يرى أن الأبوال كلها نجسة، الصحيح من مذهبهم هو هذا، واستدلوا بعموم قوله: «أَمَا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ».
ورددنا عليهم هذا الدليل بأنه قد ثبت في صحيح البخاري: «لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ» ، وحينئذٍ لا دلالة في الحديث.
قال المؤلف رحمه الله: (ومنيُّ الآدمي) هذا أحد المسائل المتعددة؛ بول ما يؤكل لحمه، وروثه ومنيه؛ ومني الآدمي، ورطوبة فرج المرأة، وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة، هذه ست مسائل كلها أخبر عنها بخبر واحد وهو قوله: (طاهر).
منيُّ الآدمي طاهر، والمنِيُّ هو الذي يَخْرج من الإنسان بالشَّهْوة، وهو ماء غليظ، وَصَفَهُ الله بقوله: مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [المرسلات: ٢٠] مَهِينٍيعني: غليظ، ما يسيل من غلظه، بخلاف الماء الذي يسيل، فهو ماء ليس بِمَهين، بل مُتَحرِّك، هذا الماء مِنْه خُلِقَ بنو آدم، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: ١٢، ١٣]، فمن هذا الماء خُلِق الأنبياء والأولياء خُلِق الصِّدِّيقون والشُّهداء والصَّالحون، فهو طاهر.
ولنا في تقرير طهارته ثلاثة طُرُق:
الطريق الأول: أن الأصل في الأشياء الطهارة، هذا واحد، فمن ادَّعى أن شيئًا ما نجس فعليه الدليل.
ثانيًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كانت أم المؤمنين عائشة تغسل الرطب من منيِّه وتَفرُك اليابس ، تفركه بظفرها بدون غسل، ويصلي فيه ولو كان نَجِسًا ما اكتفي فيه بالفَرْكِ؛ لأن النجاسة ما يكتفى فيها بالفرك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في دَمِ الحيض يُصيب الثَّوب، قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ بِالْمَاءِ» أو قال: «تَغْسِلُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» ، فلا بد من الغَسْل بعد الحتِّ، ولو كان نجسًا لكان لا بد من غَسْله بكل حال.
أما الطريق الثالث فهو أن هذا الماء أصل عِبَاد الله المخلصين من النَّبيين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، وتأبى حكمة الله عز وجل أن يكون أصل هؤلاء البَررة الأطهار نَجِسًا.
ولهذا مرَّ رجل بعالمين يتناظران، فقال: ما شأنكما؟ قال: كنت أحاول أن أجعل أَصْلَه طاهرًا وهو يحاول أن يجعل أصْلَه نجِسًا؛ لأن واحدًا منهم يرى نجاسة المني وواحدًا يرى طهارته.
وقد عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد مناظرة بين رَجُلَين؛ أحدهما يرى طهارة المنيِّ، والثاني يرى نجاسته، وهي مناظرة مفيدة لطالب العلم، لو رجعتم إليها في كتابه بدائع الفوائد غير الفوائد، له كتاب اسمه الفوائد وكتاب اسمه بدائع الفوائد.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه نجس كفَضَلات بني آدم، فإن فَضَلات بني آدم كالبول والغائط نجسة، فلماذا لا تجعلون هذا مثله؟
فالجواب: أنه ليس جميع فضلات بني آدم نجسة، فَرِيقُهُ، مُخَاطُه، عَرَقُه كلُّه طاهر.
ثم هناك فرق بين البول والغائط وبين المنيِّ؛ البول والغائط هو فَضْلَةُ الطَّعام والشَّراب، وله رائحة كريهة مستخْبَثَة في مشامِّ الناس وفي مناظر الناس، فكان نجسًا، أما المنيُّ فبالعكس؛ المنيُّ في الواقع خلاصة خلاصة الطَّعام؛ لأنه عبارة عن تحول المني لقوة ما حصل من الشهوة في البدن والحرارة، حتى وصل إلى هذا الماء الذي يشتمل على حيوانات كثيرة جدًّا مهيئة لأن تكون أصلًا لبني آدم، فكيف تكون هذه الخلاصة مثل السفل الذي هو الفاسد من الطعام والشراب؟! الطعام والشراب يتحول أولًا إلى دم، هذا الدَّم يسقي الله تعالى به الجسم؛ ولهذا يمر على الجسم كلِّه، كما يعرفه من يعرف دورات الدماء، ثم عند حدوث الشَّهوة يتحوَّل إلى هذا الماء الذي يُخلَق منه الآدمي.
فالفرق بين الفضْلَتَين من حيث الحقيقة واضح جدًّا، وإذا كان الفرق واضحًا هل يمكن أن نُلحِق إحداهما بالأخرى في الحكْم ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، هذه فضلة طيِّبَة طاهرة خلاصة، وهذه فضلة خبيثة مُنْتِنَة مكْروهة، تفل الشيء اللي ما فيه نفع هو اللي ينزل فلا يمكن أن يقاس، فإذن يكون دل عليه الأثر والنظر على طهارته. وطرق الطهارة الآن؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة بينَّاها.
قوله: (مني الآدمِيِّ) مفهومه أن مَنِي غير الآدميِّ نجس، ولكن هذا المفهوم لا عموم له، وهذه قاعدة عند العلماء يقولون: المفهوم لا عموم له؛ مفهوم المخالفة؛ لأنه يصدق بالمخالفة في صورة واحدة من الصور وإن كانت الباقي موافقة.
إذا وجدنا كلامًا له منطوق ومفهوم فالمفهوم لا عموم له، ويش معنى: لا عموم له؟ أي: أنه لا يخالف المنطوق في جميع الصُّور، يكفي في اعتباره أن يخالف المنطوق في صورة من الصور.

هذا اللي عندنا، وبنجيب مثال أيضًا من الحديث، لكن نحلل كلام المؤلف؛ مني الآدمي طاهر مفهومه: مني غيره ليس بطاهر، وقد سبق لنا قريبًا: أن مني ما يؤكل لحمه طاهر وهو غير آدمي، إذن مني ما لا يؤكل لحمه نجس، منين نأخذه؟ من مفهوم قوله: (مني الآدمي) فصار المفهوم الآن يتضمن شيئين؛ أحدهما: يوافق المنطوق، والثاني: يخالفه، صح ولَّا لا؟
طلبة: صح.
الشيخ: فصح أن نقيد بالآدمي؛ لأن لدينا صورة من الصور تخالف هذا الحكم، وهو مَنِي ما لا يؤكل لحمه فهو نجس، كل ما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس حتى وإن كان طاهرًا في الحياة، مثل الهرة منيها نجس، طيب الديك؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: إذن طاهر ولَّا لا؟ والهرة نجس. الفأرة؟
طلبة: نجس.
الشيخ: نجس؛ لأنه لا يؤكل لحمها، هذا الحكم أخذناه من كلام المؤلف من المفهوم.
إذا قال قائل: ما هو الدليل على أن مني ما لا يؤكل لحمه نجس، ويش الدليل؟
طالب: الأصل (...).
الشيخ: يقولون: إننا نقيس على البول، البول والروث منه نجس فيكون هذا نجس؛ لأن الكل فضلة.
يورد عليهم: الآدميُّ، وقال: الآدميُّ بوله وروثه نجس، لماذا جعلتم منيه طاهرًا؟
طالب: يقال: دل الدليل على (...).
الشيخ: يجاب عنه بأنه قام الدليل على طهارته بخلاف غيره، وقال بعض (...)، العَرَقِ والرِّيق، وشبهه، لكن -الحمد لله- أن هذه المسائل ما تعم بها البلوى، هذه مسائل الظاهر أنه يندر أن توجد، متى يلقى الإنسان مثلًا هر نزى على هرة وخرج منه شيء؟ وأبعد من ذلك: فأر نزى على فأرة متى توجد؟ فالحمد لله أن مسألتها قليلة، والقول بأنها طاهرة أو المناظرات فيها نظر، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- في آخر الباب أن من أهل العلم من قال: إنه يعفى عن يسير النجاسات في كل شيء إلا الكلب.
طالب: سبق لنا.
الشيخ: سبق، طيب، الحمد لله، إذا كان هذا فإن هذه المادة اللي هي مني ما لا يؤكل لحمه الغالب أنها تكون قليلة جدًّا يعفى عنها.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) بل نمنع القياس نقول: هذا قياسكم؛ قولكم: إنه فضلات خارجة من بني آدم فكان نجسًا كالبول.
فالجواب: ليس كل فضلات تكون نجسة، بدليل العرق والدمع والريق والنخامة وما أشبهها (...).
كالبول أيضًا ممنوع، وجه المنع؟
طالب: (...).
الشيخ: إذن -الحمد لله- تقرر أن القول الراجح أنه طاهر.
وقول بعضهم: إنه كالمذي، يقال: هناك فرق بينه وبين المذي، والمذي الصحيح أنه ليس كالبول، وأن له حكمًا بين المني والبول، فهو ليس بطاهر، وليست نجاسته مغلظة، بل يكتفى فيه بالنضح، وإن كان بعض العلماء قال: إنه طاهر، وجعل العلة أنه يخرج بسبب الشهوة فكان كالمني، لكن يقال: بينهما فرق فهو طهارته مخففة، وأيضًا يوجب شيئًا من الغسل، لكنه غسل محصور، ما هو؟ غسل الذكر والأنثيين فقط لا غسل بقية البدن.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا ما هو بصحيح، أولًا ما كل أحد يحصل منه المذي أبدًا، كثير من الناس ما يحصل منه المذي (...).
قال المؤلف: (ورُطوبة فَرْج المرأة) رطوبة فَرْج المرأة طاهر.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال: إن رطوبة فرج المرأة نجسة، وإنها إذا أصابت الثوب نجَّسته، ومنهم من يقول: إنها طاهرة.
فالذين قالوا: إنها نجسة قالوا: إن هذا شيء خارج من سبيل، فكان نجسًا كالبول، وقعَّدوا هذه القاعدة: أن جميع ما خرج من سبيل فالأصل فيه النجاسة إلا ما قام الدَّليل على طهارته.
وفي هذا القول من الحرج والمشقَّة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، ثم من ابْتُلِيَ به من النساء؛ لأن رطوبة فرج المرأة ليس عامًّا لكُلِّ امرأة؛ بعض النِّساء ما يكون عندها رطوبة بالغة تخرج وتسيل، وبعض النساء يكون عندها ذلك في أيام الحمل ولا سيما في الشُّهور الأخيرة منه، وبعض النساء ما يكون فيها شيء أبدًا من هذا، فهن يختلفن.
لكن من ابتليت به تجد مشقة عظيمة إذا قلنا بأنه نجس؛ ولهذا اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: إن رطوبة فرج المرأة طاهرة، واستدلوا لذلك: بأن الرَّجل يُجامع المرأة ولا شك أن هذه الرُّطوبة سوف تَعْلَق به، ومع ذلك لا يجب عليه أن يغسل ذكره، وهذا شيء كالمُجمع عليه بين الناس من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، وإذا كان هكذا فهو دليل على أنها طاهرة.
لا يقال: نقول: إنها نجسة ويُعفى عنها؛ لأنَّنا إذا قلنا: إنها نجسة احتجنا للقول بأنه يعفى عنها إلى دليل.
فإن قالوا: الدَّليل المشقَّة، فربما يكون الدليل المشقة وتكون هي نجسة، ولكن للمشقَّة من التحرُّز منها يُعْفَى عن يسيرها، كالدَّم وشبهه مما يَشُقُّ التحرُّز منه. لكن المذهب -كما ترون- أنها طاهرة، ودليلهم ما أشرت إليه.
وبناء على ذلك، تختلف الرطوبة؛ رطوبة فرج المرأة بين ما يخرج من مسلك الذَّكر وبين ما يخرج من مجرى البول؛ لأن الفرج -بإذن الله- له مجريان: مجرى مسلك الذكر، هذا يتَّصل بالرَّحم، ولا علاقة له بالمثانة ولا بمجاري البول، ولا شيء أبدًا، وهو يخرج من أسفل الفرج، ومجرى آخر: مجرى البول من أعلى الفرج، هذا هو الذي يتصل بالمثانة.
فإذا كانت هذه الرُّطوبةُ ناتجةً عن استرخاء في المثانة وهذه الرطوبة من مجرى البول فهي نجسةٌ، وحكمها حكم سلس البول، وإذا كانت هذه الرطوبة تخرج من مسلك الذَّكر فإنها طاهرة؛ لأنها ليست من فضلات الطعام والشراب، وإنما تخرج من هذه المسالك التي جعل الله تعالى فيها هذا السائل لحكمة يريدها، فيكون ذلك طاهرًا.
يبقى النظر: هل ينقض الوضوء أم لا؟
فيقال: أما ما خرج من مسالك البول فهو ينقض الوضوء؛ لأن الظاهر أنه من المثانة، وأما ما خرج من مسلك الذكر فإنه ينقض الوضوء عند جمهور العلماء، بل لم أجد أحدًا قال بأنه لا ينقض الوضوء إلا ابن حزم، ابن حزم يقول: لا ينقض الوضوء، ثم يقول: هذا ليس ببول ولا مذي، ويستدل عليه بالنفي يقول: ما دام هذا ليس ببول ولا مذي، فالذي يقول: إنه ينقض الوضوء فعليه الدليل، بل هذا كالذي يخرج من بقية البدن من الفضلات الأخرى، لكنه ما استدل على عادته بأقوال أحد ممن سبق، وإنما قاله من عنده، والعجيب أنه يقوله قياسًا وهو ينكر القياس.
لكن على كل حال نقض الوضوء أهون من القول بنجاسته؛ لأن القول بنجاسته صعب، ونقض الوضوء نقول: إن كان مستمرًا فحكمه حكم سلس البول؛ بمعنى أن المرأة تتطهر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها وتتحفظ ما استطاعت وتصلي ولا يضرها الخارج.
وإذا كان ينقطع وله وقت معين ينقطع فيه قبل أن يخرج وقت الصلاة فإنها تنتظر حتى يأتي الوقت الذي ينقطع فيه؛ لأن هذا حكم سلس البول؛ إذا كان سلس البول له وقت ينقطع فيه قبل أن يخرج وقت الصلاة فإنه يجب أن يؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت، وإذا كان ليس وقت ينقطع فيه فهو يصلي متى دخل الوقت، بشرط أن يتحفظ ما استطاع.
إذن رطوبة فرج المرأة فيها خلاف بين أهل العلم، فالذين قالوا: إنها نجسة قالوا: إنها خارجة من السبيل، فتكون نجسة كسائر ما يخرج من السبيل.
والذين قالوا: إنها طاهرة قالوا: ليس كل شيء يخرج من السبيلين نجسًا، بدليل: المني يخرج من السبيلين وليس بنجس، وهذه الرطوبة إن خرجت من مسلك البول فنحن نوافقكم على أنها نجسة؛ لأن الظاهر أنها خرجت من المثانة، وإن خرجت من أسفل من مسلك الذكر فإنها تكون طاهرة؛ لأنها ليست بولًا
، والأصل عدم النجاسة حتى يقوم دليل على النجاسة، بل إن عندنا دليلًا إيجابيًّا في هذه المسألة؛ وهو أن الإنسان إذا جامع أهله لا يلزمه غسل الذكر، ولو كان نجسًا للزمه غسل الذكر، ولو كان نجسًا لكانت الثياب إذا تلوثت بهذا وجب غسلها، بل لكان المني الذي يخرج من الإنسان يختلط بهذا الشيء النجس فيتنجس.
ثانيًا قالوا: (وسؤرُ الهِرَّة وما دونها) الهرة: القِطَّة معروفة، سؤرها: بقيَّة شرابها وطعامها، السؤر بمعنى: الباقي، ومنه قولهم: وحكم سائرها كهذا؛ السائر بمعنى: الباقي، والسؤر بمعنى: البقية، بقية طعامها وشرابها طاهر.
الدَّليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهِرَّة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» ، فحَكَم وعَلَّل؛ حكم بأنها ليست بنجسة، والنَّجاسة والطَّهارة نقول: نقيضان أو ضدان؟
طلبة: ضدان.
طلبة آخرون: نقيضان.
الشيخ: هما إما ضدان أو نقيضان؟
طلبة: ضدان.
الشيخ: طيب، قولوا: هل هناك شيء لا طاهر ولا نجس؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذا كان ما فيه شيء لا طاهر ولا نجس فهما نقيضان؛ لأن الضدين اللذان لا يجتمعان لكن بينهما ثالث؛ بمعنى أنه يمكن أن يرتفعا، كالسواد والبياض هذان ضدان؛ لأن هناك شيء لا أسود ولا أبيض، لكن حركة وسكون نقيضان؛ لأنه ما فيه شيء لا حركة ولا سكون، وجود وعدم؟
طلبة: نقيضان.
الشيخ: نقيضان، هذا الظاهر أنه من هذا الباب؛ طهارة ونجاسة نقيضان، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» يقتضي أنها طاهرة؛ لأن ما فيه نجاسة إلا الطهارة، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]. إذن قول الرسول: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» هذا الحكم.
العلة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»، الطَّوَّافُ: من يُكثر التَّرداد، ومنه: الطَّوَاف بالبيت؛ لأن الإنسان يكثر الدَّوران عليه، فمعنى «الطَّوَّافين» أي: المترددين عليكم.
المؤلف رحمه الله يقول: سؤر الهرة طاهر، ونقول: نعم، سؤر الهرة طاهر بمقتضى الحديث.
(وما دونها في الخِلْقَة)؟
طلبة: القياس.
الشيخ: طيب، القياس قياسًا عليها، القياس: إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة.
ما هي العلة في كون هذه طاهرة الهرة؟
طلبة: التطواف.
الشيخ: التطواف علينا، إذا كانت العلة التطواف علينا فالرسول عليه الصلاة والسلام ما قال: إنها صغيرة الجسم، لو قال: إنها صغيرة الجسم لقلنا: سؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر.
انتبه، أقول: إذن كون العلة صغر الجسم صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، العلة التطواف، وكون التطواف علة معلوم المناسبة، ويش المناسبة؟
طلبة: مشقة..
الشيخ: مشقة التحرز، إذن فلا ينبغي أن نعلِّق الحكم بما دون الهرة.
ثم لو أردنا أن نقيس قياسًا تامًّا لقلنا: سؤر الهرة وما كان بقدرها؛ لأن ظاهر كلام المؤلف أن ما كان بقدرها من السباع التي لا تؤكل؟
طلبة: فهو نجس.
الشيخ: فهو نجس؛ لأنه قال: (الهرة وما دونها).
فنقول: على تقدير أن تكون العلة صغر الحجم فيجب أن تقولوا: صغر الهرة وما ساواها في البدن طاهر، لا أن تقولوا: وما دونها؛ لأنه لا بد أن يكون الفرع مساويًا؟
طلبة: للأصل.
الشيخ: للأصل.
فالذي يترجح عندي أن العلة التي يجب أن تُتَّبع ما علل به النبي صلى الله عليه وسلم وهي أنها من الطوافين علينا، وعليه فكل ما كان كثير الطواف على الناس مما يشق التحرز منه فحكمه كالهرة، إلا أنه يستثنى من ذلك ما استثناه الشرع وهو الكلب، فإن الكلب لا أحد يشك بأنه كثير الطواف على الناس ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» ، فيكون هذا مستثنى.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) لأن هذا عذر.
(الأَهْلِيُّ والبَغْلُ منه نَجِسَةٌ).
أولًا: سبق لنا ما يحصل في فرج المرأة من الرطوبة أن المشقة تجلب التيسير، أفادنا المؤلف (...).
طالب: يا شيخ، حديث (...) إذا جامع الرجل ولم ينزل قال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» ؟
الشيخ: هذا قبل وجوب الغسل، كان بالأول إذا جامع الإنسان ولم ينزل فكالمذي؛ يعني: ما فيه إلا غَسل الذَّكَر فقط.
الطالب: غسل الذكر يعني؟
الشيخ: كغسله عن المذي، ما هو علشان النجاسة.

الطالب: حتى بعد نسخ الحكم وجوب الغسل؟
الشيخ: لا، ما يجب الغسل.
الطالب: (...)؟
الشيخ: اللي أخرجه أن نسخ الحكم كله، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» فقط، والغُسل غير الغَسل؛ لأن الغَسل لا بد فيه من دلكٍ أو شبهه مما يزيل الأثر، وهذا ليس بواجب في الغُسل.

طالب: معروف أن المذي يتقدم الجماع فيتلوث طرف ذكره؟
الشيخ: ما هو على كل حال يا أخي، ما هو كل الناس كذا، كثير من الناس ما عنده مذي عند الجماع.
الطالب: الغالب يا شيخ أنه يخرج.
الشيخ: واللهِ ما نقدر عاد نحكم على الغالب ولا كذا، يحتاج إلى تتبع الناس أخذ استفتاء، لكن..

الطالب: ما الذي يتعين عليه غسل الذكر؟
الشيخ: إذا خرج؛ لأن المعروف أن المذي إنما يخرج عندما تفتر الشهوة، وأما في أول ثورانها فليس فيه مذي، هذا الغالب، هذا اللي أنا أعرف.
الطالب: لكن من خرج يتعين عليه غسل.
الشيخ: إي، معلوم؛ لأن المذي هذا نجس.

***

يقول المؤلف: (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) قوله: (سباع) الظاهر أنها بالرفع؛ يعني: (سباع) مبتدأ و(نجسة) خبر، وليس المراد سؤر سباع البهائم؛ لأنه لو كان معطوفًا على قوله: (الهرة) لقال: وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسٌ بالتذكير، وعلى هذا فيكون (سباع) مبتدأ.
(سباع البهائم) هي البهائم التي تأكل وتفترس، مثل الذِّئبِ والضَّبُعِ والنمِر والفَهْدِ وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك إذا كانت أكبر من الهِرَّة.
وقوله: (والطير) يعني: وسباع الطَّير، ومثَّلنا قبل قليل بالنسر، وأظن الرخم أيضًا كبيرة.
طالب: والصقر؟
الشيخ: لا، الصقر دون الهرة، أقل من الهرة، المهم سباع الطير التي هي أكبر من أيش؟ (...) من الطيور.
طالب: أكبر من إيه يا شيخ؟
الشيخ: أكبر من الهرة.
وقوله: (الحمارُ الأهليُّ) احترازًا من الحمار الوحشيِّ؛ لأن الحمار الوحشيَّ حلالُ الأكل فهو طاهر.
لكن الحمار الأهليُّ محرَّمٌ، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة فنادى يومَ خيبر: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أي: نجس.
وقوله: (والبغل منه) أي: من الحمار الأهليِّ، والبغل هو: حيوان أو دابَّة تتولَّد من الحمار إذا نَزَا على الفرس تولد منه البغل؛ ولهذا قال: (البغل منه) أي: من الحمار الأهلي، فإن كان من حمار وحشي -كما لو نزا حمار وحشي على فرس- فإن هذا البغل منه طاهر؛ لأن الحمار الوحشي طاهر والفرس طاهر، فما تولد من الطاهر فهو طاهر.
المتولد من الحمار الأهلي وهو البغل متولد من الفرس، لماذا كان نجسًا؟ تغليبًا لجانب الحظر؛ لأن هذا البغل خُلِقَ من الفرس والحمار الأهليِّ، على وجه لا يتميَّز به أحدهما عن الآخر، فلا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال، ولا تمييز بينهما، فيكون البغل نجسًا هو حرام لا شك فيه، لكن يكون نجسًا؛ لأنه متولد من نجس وطاهر، فغلب جانب الحظر.
إذا كانت هذه الأشياء نجسة فإن أسآرها نجسة؛ يعني: بقية شرابها وطعامها يكون نجسًا، فلو أن حمارًا شرب من إناء وبقي بعد شربه شيء من الماء، فإن هذا الماء نجس، هذا كلام المؤلف، ولنقر عليه.
وذهب بعض العلماء وكثير من أهل العلم إلى أن أسآر هذه البهائم طاهر؛ أي: أنها لو شربت من الإناء فإن الماء لا ينجس، قال: لأن هذا يشق التحرز منه غالبًا؛ فإن الناس في البادية تكون أوانيهم ظاهرة مكشوفة، فتأتي هذه الأشياء؛ السِّباع فترد عليها وتشرب، فلو ألزمنا الناس بوجوب إراقة الماء وبوجوب غسل الإناء بعدها لكان في ذلك مشقَّة.
وعلى هذا فتكون طاهرة، والأحاديث في ذلك فيها شيء من التَّعارض؛ فبعضها يدلُّ على النَّجاسة، وبعضها يدلُّ على الطَّهارة.
فممَّا وَرَدَ مما يدلُّ على الطَّهارة حديث القُلَّتين؛ حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الماء وما ينوبُه من السِّباع؟ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» ، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: هذه السباع طاهرة، بل جعل الحكم منوطًا بالماء، وأنه إذا بلغ قُلَّتين لم يحمل الخبث، فدلَّ ذلك على أن ورود هذه السِّباع على الماء يجعله خبيثًا، لولا أيش؟ لولا أن الماء بلغ قلتين.
وفيه أحاديث أخر، وإن كان فيها ضعف، لكنها لها عِدَّة طرق تدلُّ على أن أسآر البهائم هذه طاهرة؛ حيث سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا بَقِيَ» ، وهذا يدلُّ على أنه طاهر ولا بأس به.
ويمكن أن يجمع بين الحديثين، فيُقال: إن كان الماء كثيرًا لا يتغيَّر بالشُّرب فإنه لا بأس به، يكون طهورًا، وإن تغير -كما لو رأينا الماء تغير بسبب شربها منه- فإنه يكون نجسًا، وبهذا نجمع بين الأحاديث، ونقول: سؤر هذه البهائم إن كان كثيرًا لم ينجس، وإن كان يسيرًا وتغير بالنجاسة فإنه ينجس، وحينئذٍ نكون وفَّقنا بين الأدلة واعتمدنا على علة معقولة.
إلا أن الحمار الأهلي والبغل فيهما قول قوي بالطهارة؛ يعني: أنهما طاهران، وهذا اختيار الموفق رحمه الله من أصحاب الإمام أحمد ومن العلماء المجتهدين في مذهب الإمام أحمد، يقول: الصحيح طهارة البغل والحمار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل والأمة يركبونهما ولا يخلو ركوبهما من عَرَقٍ ومن مطر ينزل، وقد تكون الثياب رطبة أو البدن رطبًا، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمَّته بأن يتحرزوا من ذلك.
وهذا القول هو الصَّحيح؛ أن الحمار الأهلي والبغل طاهران، فسؤرهما يكون طاهرًا، وعرقهما طاهر، وريقهما طاهر، وما يخرج من أنفيهما طاهر أيضًا، وهذا يؤيِّد ما أشرنا إليه من قبل في حديث أبي قتادة في الهِرَّة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» ، فإن الحمار بلا شكٍّ من الطَّوافين علينا، ولا سيما أهل الحُمُر الذين اعتادوهن، فإن التحرُّز منهن شاقٌّ جدًّا.
فإن قال قائل: الكلاب أيضًا لمن يجوز له اقتناؤها كصاحب الزَّرع والماشية والصَّيد يكثر دورانها وتطوافها؟
طلبة: ورد فيه نص.
الشيخ: نقول: هذا فيه نص أخرجها: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ» ، ولفظ لمسلم: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ، لفظ مسلم، وهذا يدل على نجاسة سؤر الكلاب حتى وإن كانت من الطَّوَّافين.
انتهى الكلام على إزالة النجاسة، وإن شاء الله تعالى سنكتب في هذا مذكرة لأنه مهم؛ لأنه ينبني عليها الصلاة ونجاسة الثياب وطهارتها؛ لأجل أن نشوف ما الذي يعفى عنه من هذه النجاسات والذي لا يعفى، وما هو النجس من غير النجس.
باب الحيض
01:15:46

أما الآن فنبدأ بالحَيْض، وما أدراك ما الحيض! الحيض دم يصيب النساء ويعضل الرجال؛ ولذلك من أصعب أبواب الفقه باب الحيض عند الفقهاء، حتى إن بعض الطلبة قال لأستاذه ذات يوم: يا شيخ، إننا لسنا نحيض، فدعنا من باب الحيض؛ لأنه مشكل على قواعد المذهب؛ يعني: فيه بعض الكتب ولا سيما الشافعية مطولين جدًّا ومفرعين؛ يعني: هذا الباب مئة وخمسين صفحة عبارة عن كتاب كامل، والحقيقة من الناحية الشرعية فيما يبدو لنا من السنة أنه باب سهل يسير؛ لأن هذه الإشكالات وهذه القواعد وهذه التفريعات التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله ما درسها الصحابة، ما درسها نساء الصحابة، المرأة إذا جاءها الحيض وقفت عن الصلاة وغيرها، وإذا طَهُرَت منه صلَّت، وإذا تنكَّر عليها جعلته غير حيض، فقواعده في الحقيقة في السنة يسيرة جدًّا؛ ولهذا الأحاديث الواردة فيه ما هي كثيرة.
لكن بما أننا نقرأ كتب الفقه وكلام الفقهاء يجب أن نعرف ما قاله العلماء في هذا الباب، ثم نعرض ذلك على الكتاب والسنة؛ فما وافق الكتاب والسنة أخذنا به، وما خالفه تركناه، وقلنا: غفر الله تعالى لمن قاله.
أولًا: ما هو الحيض؟ الحيض في اللُّغة: السَّيلان، يُقال: حَاضَ الوادي؛ إذا سال.
وأما في الشَّرع: فإنه دم يسيل يصيب المرأة إذا بلغت في أيام معلومة، خلقه الله عز وجل لحكمة غذاء الولد؛ ولهذا كانت الحامل غالبًا لا تحيض؛ لأن هذا الدَّم -بإذن الله- ينصرف إلى الجنين عن طريق السُّرَّة يتغذَّى به؛ إذ إن الجنين لا يمكن أن يتغذَّى بالأكل والشُّرب في بطن أمه، لو تغذَّى بالأكل والشُّرب لاحتاج هذا الأكل والشرب إلى خروج، وكيف يخرج؟ لكن جعل الله عز وجل بعلمه وحكمته هذا الدم يدخل عن طريق السرة ويتفرق في العروق، ويكفي عن الأكل والشرب لهذا الكائن الحي.
والحيض دَمُ طَبِيعَةٍ ليس دمًا طارئًا أو عارضًا، بخلاف الاستحاضة فإنها دم طارئ عارض، كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام فيها: «إِنَّ ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ» ، فهو دم طبيعة من طبيعة البشر، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله حين دخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تبكي في حجة الوداع، وكانت قد أحرمت بالعمرة فأتاها الحيض قبل أن تصل إلى مكة في مكان يقال له: سرف، فدخل عليها النبي وهي تبكي فقال لها: «مَا يُبْكِيكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ» يعني: حضت، قالت: نعم، قال: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» ، كتبه كتابة شرعية ولَّا قدرية؟
طلبة: قدرية.
الشيخ: قدرية، كتبه الله تعالى قَدَرًا على بنات آدم؛ يعني: وإذا عرف الإنسان أن هذا شيء مكتوب على غيره فإنه يتسلى به ويهون عليه.
وهذا الحيض قلنا: إنه يعتاد أنثى عند البلوغ؛ لأنه يحصل به البلوغ، ولكن هل له حد في السن ابتداء وانتهاء، وفي الأيام ابتداء وانتهاء؟
المعروف عند الفقهاء: نعم، والصحيح: لا، ليس له حد
، لكن على كلام الفقهاء له حد.
قال المؤلف في حده ابتداء السنوات: (لا حَيضَ قبل تسع سنين) (لا حَيضَ) شرعًا ولَّا حسًّا؟ شرعًا لا حيض قبل تسع سنين، فإن حاضت قبل تمام التِّسع فليس بحيض، حتى وإن حاضت حيضًا موقتًا بالعادة المعروفة وبصفة الدَّم المعروف فإنه ليس بحيض، دم عِرْقٍ لا يثبت له أحكام الحيض. إذن لا حيض شرعًا أو حسًّا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا.
(قبل تسع سنين) دخولها أو انتهائها؟
طلبة: دخولها.
الشيخ: لا، قبل انتهائها، فإذا حاضت أُمُّ تسع فليس بحيض، وبعد التسع؟
طلبة: حيض.
الشيخ: حيض.
نشوف كلام المؤلف الآن: (لا حَيضَ قبل تسع سنين) إن نظرنا إلى ظاهر كلام المؤلف: قبل ابتداء التسع، وإن نظرنا إلى المعنى العام قلنا: بعد انتهاء التسع، وهو كذلك.
(ولا بعد خمسين) (خمسين) أيش؟
طلبة: خمسين سنة.
الشيخ: خمسين سنة، فلو أنَّ امرأة استمرَّ بها الحيض على وتيرة واحدة وطبيعة واحدة ومدة واحدة بعد تمام الخمسين فليس بحيض.
مثال ذلك: امرأة تتم الخمسين سنة في شهر ربيع الأول، فجاءها الحيض على عادته في شهر ربيع الأول، في شهر ربيع الثاني جاءها الحيض كما هو على عادته.
طلبة: فهو استحاضة وليس (...).
الشيخ: على كلام المؤلف ليس بحيض، ليش؟ لأنَّه بعد الخمسين، ولا حيض بعد الخمسين، ولا فرق عندهم بين المرأة العربية والأعجمية، ولا بين المرأة الصحيحة والمرأة المريضة، ولا بين المرأة التي تأخر ابتداء حيضها والتي تقدَّم.
بعد الخمسين لا حيض، ما هو الدليل؛ لأن هذا حكم شرعي لا بد له من دليل، قالوا الدليل: لأن ذلك غير معروف عادة؛ يعني: أن العادة الغالبة ألَّا تحيض المرأة قبل تمام تسع سنين، والعادة الغالبة ألَّا تحيض بعد أيش؟
طلبة: خمسين سنة.
الشيخ: خمسين سنة.
فيقال: هذا ليس بدليل؛ أولًا: لأنه لا دليل على ذلك؛ لا دليل على أن العادة هي الدليل في مثل هذه الأمور التي لها علامات ظاهرة.
ثانيًا: أن الدليل على خلافه؛ لأن الله عز وجل علَّق الأحكام على الحيض وبيَّن طبيعة الحيض، فقال عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: ٢٢٢]، فمتى وُجِد الدم الذي هو الأذى فهو حيض لو لم يكن لها إلا شهر واحد عاد هذا لا يمكن، حتى رحمها يمكن صغير جدًّا.
المهم، متى وجد الحيض الذي هو الأذى حكم به، وصحيح أنها قد لا تحيض إلا بعد ثمان سنين غالبًا، لكن النساء يختلفن، أما بعد الخمسين فنقول أيضًا: الدليل على خلاف ما قلتم؛ لأن الله تعالى قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤] يئسن، والمرأة التي حاضت في آخر شهر من الخمسين وأول شهر من الحادية والخمسين هل هي آيسة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: غير آيسة، فهذا حيضها حيض مطرد بعدده وعدد الطهر بين الحيضات ولا فيه اختلاف أبدًا، من يقول: إن هذه آيسة والله عز وجل علق نهاية الحيض بماذا؟
طلبة: باليأس.
الشيخ: باليأس، وتمام الخمسين لا يحصل به اليأس إذا كانت عادة المرأة مستمرة، فتبين الآن أن تحديد أوله بتسع سنين ليس عليه دليل، وتحديد آخره بخمسين ليس عليه دليل، إذن على أي شيء نعتمد؟ نعتمد على الأوصاف، الحيض وُصِف بأنه أذى، فمتى وُجِد الدم الذي هو الأذى فهو حيض، وعلق انتهاء الحيض بماذا؟ باليأس منه، فمتى وُجِد اليأس انتهى الحيض، وإلا فما يأتي المرأة فهو حيض.
قال المؤلف: (ولا مع حَمْلٍ) يعني: ولا حيض مع حمل، فهذه ثلاثة أشياء؛ اثنان زمنيان، وواحد حال، ويش هو الحال؟
طلبة: الحمل.
الشيخ: الحمل؛ يعني: ولا حيض حال كون الأنثى حاملًا، ويش الدَّليل؟ الدليل من القرآن والواقع؛ قال الله تبارك وتعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤] يعني: عدتهن كم؟ ثلاثة أشهر، وقال تعالى: وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] فدلَّ هذا على أن الحامل لا تحيض؛ إذ لو حاضت لكان عدتها بثلاث حِيَضٍ، هذه عِدَّة المطلقة، فهذا دليل من القرآن على أن الحامل لا تحيض؛ إذ لو حاضت لكان عدتها كم؟ ثلاثة قروء، هذا دليل.
دليل آخر واقعي حسي وهو: أن الحامل لا تحيض، قال الإمام أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض، وهذا يدل على أن الحمل لا حيض معه. إذن عندنا دليل من القرآن ودليل من الواقع المحسوس.
وقال بعض العلماء: بل الحامل تحيض إذا كان ما يأتيها من الدَّم هو الحيض المعروف المعتاد لها فإنه حيض.
واستدلوا بما أشرنا إليه أولًا من أنَّ الحيض أذى، فمتى وُجِدَ هذا الأذى ثبت حكمه.
وأما إلغاء الاعتداد بالحيض بالنسبة للحامل فليس من أجل أن ما يصيب المرأة من الدَّم ليس بحيض، ولكن من أجل أن الحيض لا يصح أن يكون عدة مع الحمل؛ لأن الحمل يسيطر على ما عداه من العدد.
الحمل يُسمَّى عند الفقهاء: أم العدد، فهو حاكم على كل ما سواه من العدد؛ ولهذا لو مات الرجل عن امرأته ووضعت بعد ثلاث ساعات من موته انقضت العدة، بينما المُتوفَّى عنها زوجُها عدتها كم؟ أربعة أشهر وعشرة أيام، ألغي حتى العدد، حتى الزمن ألغي، فالسبب في هذا الحكمة من ذلك لا لأن الدم ليس بحيض، ولكن لأن الحمل أقوى الاعتداد بالحمل، أقوى من الاعتداد بغيره؛ ولهذا لو حاضت الحامل ثلاث حِيَضٍ مطَّردة كعادتها تمامًا، فإن عدَّتها لا تنقضي بالحيض.
ولهذا أيضًا تعرفون أن طلاق الحامل جائز، ولو وطئها الإنسان في الحال، السبب: لأنها تشرع في العِدَّة من يوم يطلق، ما لها عِدَّةُ حيضٍ، فيجوز طلاقها في الحال ويقع عليها الطَّلاق.
فالحاصل: أن الحيض يكون مع الحمل على القول الراجح؛ لأنه تبين أن ما استدل به لعدم وجود الحيض ليس بدليل صحيح، فإذا رأت الحامل الدَّم المطَّرد الذي يأتيها على وقته وشهره وحاله فإنه حيضٌ، تترك من أجله الصَّلاة والصَّيام، وكل ما تفعله الحائض إلا أنه يختلف عن الحيض الآخر بأنه لا عبرة به في العدَّة، والسبب لماذا لا عبرة به في العدة؟
طلبة: لأن الحمل أقوى.
الشيخ: لأن الحمل أقوى منه، إي نعم.
طالب: (...).