(وَإِنْ أَدْرَكَ مُكَلَّفٌ مِنْ وَقْتِها قَدْرَ التَّحرِيْمَةِ، ثُمَّ
زَالَ تَكْلِيْفُه، أَوْ حَاضَتْ، ثُمَّ كُلِّفَ وَطَهُرَتْ؛
قَضَوْها)
قوله: (أدرك مكلَّفٌ)، المكلَّف: هو البالغ العاقل،
ووُصِفَ بذلك للزوم العبادات له، والعبادات نوع إلزام وتكليف، وإن كان ما فيها
مشقَّة، لكن الإنسان ملزَمٌ بها، فهو البالغ العاقل.
وقوله: (من وقتها قدْرَ
التَّحريمة)، يعني: قَدْرَ تكبيرة الإحرام، وهذا مبنيٌّ على أن المعتبَر
هو؟
طلبة: إدراك ركعة.
الشيخ :
إدراك تكبيرة الإحرام.
(ثم زالَ تكليفُه)، زالَ تكليفُه بأن صغُر
بعد الكِبَر؟
طلبة: لا، مستحيل.
الشيخ: لا يمكن، إذن كيف؟ بأن جُنَّ بعد العقل، أو أُغميَ
عليه.
(أَوْ حَاضَتْ) بعد دخول وقت الصلاة بِقَدْرِ التحريمة حاضت
المرأة، زال تكليفُها أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: زال تكليفها، لكن لا لفوات شرط، ولكن لوجود مانع وهو
الحيض، وإلا فهي بالغة عاقلة، لكن وجود مانع يمنع الوجوب وهو الحيض، ولهذا فرَّق
المؤلِّف بينهما فقال: (ثم كُلِّفَ، وطَهُرَت)، طَهُرَت الحائض. وفي هذا
لَفٌّ ونشرٌ، كمِّل.
طالب: مرتَّبٌ.
الشيخ: مُرَتَّب، هذا مرتب، (إن أدرك مُكَلَّف) (ثم زال
تكليفه أو حاضت) هذا الثانية، (ثم كُلِّف) هذا الأول، (وطهرت)
هذا الثاني، فاللفُّ والنَّشر هنا مرتَّبٌ، يعني معناه: أنك إذا أتيت بالحكم
عائدًا على ما سبق، فإن كان على ترتيب ما سبق فهو مرتَّب، وإن كان على خلافه فهو
مشوَّش.
في القرآن مثال لهذا ولهذا؟
طالب: قوله
تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧].
الشيخ: طيب، اسمع يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، لو كان مرتَّبًا لقال: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ، لكنه غير مترتب
فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ.
وأما المرتَّب: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هود: ١٠٥، ١٠٦]، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: ١٠٨].
(ثم كُلِّفَ وطَهُرَت؛ قَضَوها)، كيف قال: (قَضَوها)،
يقول: (إن أدرك مكلَّف من وقتها)، مكلَّف واحد، وقال: (ثم حاضت)
مفردة، ولم يقل: قَضَيَاهَا؟ لأن المراد بالمكلَّف هنا الجنس، أو العموم؛
لوقوعه بعد الشَّرط، فلهذا صَحَّ أن يعود الضمير على اثنين مجموعًا.
(قَضَوها)، أي: قَضَوا تلك الصَّلاة.
مثال ذلك: امرأة بعد أن غربت
الشمس حاضت بعد أن مضى مقدار تكبيرة الإحرام، فنقول لها: إذا طَهُرْتِ وجب عليك
قضاء صلاة المغرب، وصلاة العشاء لا يلزمها قضاؤها؛ لأنه أتى عليها الوقتُ وهي غير
ملزمة بالصلاة.
طالب: (...) يصح العموم (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: العموم
(...).
الشيخ: النكرة في سياق النفي تعمالنكرة في سياق الشرط تكون
للعموم.
الطالب: النكرة في سياق الشرط
تعمالنكرة في سياق الشرط.
الشيخ: تكون للعموم.
نقول: تقضيها، المكلَّف الذي
زال تكليفه: إنسان بعد أن غربت الشمس أُغميَ عليه، ثم أفاق بعد منتصف الليل، يلزمه
قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من وقتها قَدْر التحريمة، أما العشاء ففي لزومها عليه
خلاف؛ فمن قال: إن المُغمَى عليه يقضي الصلوات التي فات وقتها وهو بالإغماء قال:
تلزمه صلاة العشاء؛ لا لأنَّه أدرك من وقت المغرب قَدْر التَّحريمة، ولكن لأن
الإغماء لا يُسْقِط فرض الصلاة، ومن قال - وهو الصحيح -: إن الإغماء يُسقط فرض
الصلاة، قال: لا يلزمه في هذه الصورة إلا قضاء صلاة المغرب بناءً على أنَّها تُدرَك
بإدراك تكبيرة الإحرام.
مثال ثالث: رجل غربت عليه الشمس ثم أصيب -والعياذ
بالله- بالجنون، ثم أفاق بعد منتصف الليل، يلزمه قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من
وقتها قدر التحريمة.
وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء الصلاة إذا أدرك من
وقتها قدر التحريمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ،
ركعة، وهذا لم يدرك ركعة، فكما أننا نعتبر الإدراك في آخر الوقت بركعة، فكذلك نعتبر
الإدراك في أول الوقت بركعة، هذان قولان.
وقال بعض أهل العلم -واختاره شيخ
الإسلام ابن تيمية-: لا يلزمه القضاء هذا المكلَّف ولا الحائض، إلا إذا بقي من وقت
الصلاة بمقدار فعل الصلاة فحينئذ يلزم القضاء.
نشوف الأدلة:
أما الأول الذي
يجعل ذلك منوطًا بإدراك تكبيرة الإحرام فبناءً على التعليل السابق؛ أن من أدرك
مقدار جزء من الصلاة، فإن الصلاة لا تتجزأ، فيكون كما لو أدركها كاملة.
وأما
القائلون بإدراك ركعة فحجتهم أيش الحديث: «مَنْ أَدْرَكَ
رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ»، قالوا: فهذا أدركها فيكون قد أدرك الصلاة.
وأما الذين قالوا: إنه لا يلزمه حتى يتضايق الوقت عنها، فقالوا: إن الإنسان له
أن يؤخِّر هذه الصلاة، فإذا طرأ المانع فقد طرأ عليه في وقت يجوز له تأخيرها إليه،
وهو غير مفرِّط ولا مُعْتَدٍ، بل فاعل ما يجب عليه، ولأن هذا الأمر يقع كثيرًا في
حيض النساء، ولم يُنْقَل أن المرأة إذا حاضت في أثناء الوقت ألزمت بقضاء الصلاة
التي حاضت في أثناء وقتها، والأصل براءة
الذمة، وهذا التعليل كما ترون تعليل قوي جدًّا.
وبناءً عليه فنقول: إذا زال التكليف، أو وُجِد المانع في وقت
واسع، فإن هذه الصلاة لا يلزم قضاؤها، إن قضاها احتياطًا فهو على خير، وإن لم يقضها
فليس بآثم، والعلة كما ذكرت.
وأجابوا عن الحديث بأن قوله: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ»، الإدراك في الغالب
يكون في الأخير؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَا أَدْرَكْتُمْ
فَصَلُّوا» ،
ما أدركتم في أول صلاة الإمام ولَّا من آخرها؟
طلبة:
من آخرها.
الشيخ: من آخرها، قالوا: فالإدراك غالبًا
يكون في الأخير. ونحن نقول: إذا أدرك من وقتها قدرَ ركعة فإنه يكون قد أدركها، أما
إذا زال التكليف، أو وُجِد المانع في وقت يجوز له التأخير فيه فإنه ليس بآثم ولا
مُعْتَدٍ، فلا يُلْزَم بالقضاء، ففي المسألة إذن ثلاثة أقوال.
قال: (ومن صار
أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها).
(من صار
أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته)، كيف ذلك؟ أهلية الوجوب تكون بالتكليف
وزوال المانع، فيصير أهلًا لوجوبها إذا بلغ قبل خروج الوقت، إذا عقل قبل خروج
الوقت، إذا زال الإغماء -على القول بأنه لا تقضى صلاة الإغماء- قبل خروج الوقت،
زوال المانع إذا طهرت قبل خروج الوقت.
فقوله: (من صار أهلًا لوجوبها)
يشمل من صار أهلًا لوجوبها؛ لكونه لم يكلَّف، أو لكونه مُتَّصِفًا بمانع ثم زال،
فمن صار أهلًا لوجوبها قبل خروج الوقت، بمقدار كم على رأي المؤلف؟ بمقدار تكبيرة
الإحرام، وعلى رأي من يقول بركعة يقول بركعة، المهم أنه صار أهلًا للوجوب قبل خروج
الوقت إما بركعة أو بتكبيرة الإحرام.
(لزمته) أي: لزمته تلك الصلاة التي
أدرك من وقتها قدر التحريمة على كلام المؤلف، أو قدر ركعة على القول الراجح، وهذا
واضح أنها تلزمه؛ لأنه خوطِب بها في الوقت، ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام:
«مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ
الصَّلَاةَ» .
لكن قال: (وما يجمع إليها قبلها)، فمثلًا: إذا أدرك من صلاة العصر قدر
ركعة أو قدر التحريمة لزمته صلاة العصر، ولزمته أيضًا صلاة الظهر، وإن أدرك ذلك في
صلاة العشاء لزمته صلاة العشاء وصلاة المغرب أيضًا، وإن أدرك ذلك في صلاة الفجر لا
يلزمه إلا الفجر؛ لأنها لا تُجمع لما قبلها، الفجر أمرها ظاهر أنه لا يلزمها سواها.
بقينا فيما إذا أدرك من وقت العصر أو من وقت العشاء، وجوب صلاة العصر عليه
ظاهر؛ لأنه أدرك وقتها، ووجوب صلاة العشاء ظاهر أيضًا؛ لأنه أدرك جزءًا من وقتها.
لكن ما وجه وجوب صلاة الظهر في المسألة الأولى، وصلاة المغرب في المسألة
الثانية؟
يقولون: إن وجه الوجوب: الأثر، والنظر؛ أما الأثر: فإنه رُوِيَ عن ابن
عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم.
وأما النظر: فلأن وقت الصلاة الثانية وقت
للأولى عند العذر الذي يبيح الجمع، فلما كان وقتًا لها عند العذر صار إدراكُ جزء
منه كإدراك جزء من الوقتين جميعًا، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال بعض أهل
العلم: إنه لا يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فأما ما قبلها فلا يلزمه.
واحتجوا بالأثر والنظر.
أما الأثر: فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ
الصَّلَاةَ» ،
و(أل) في قوله: (الصلاة) للعهد، أي: أدرك الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما
الصلاة التي قبلها فلم يدرك شيئًا من وقتها، وقد مر به وقتها كاملًا وهو ليس أهلًا
للوجوب، فكيف نُلْزِمُه؟!
وأما النظر فقالوا: إن هذا مقتضى القياس الصحيح؛ لأننا
متفقون وإياكم على أنه لو أدرك ركعةً من صلاة الظهر ثم وُجِد مانع التكليف لم يلزمه
إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت للظهر والعصر عند العذر والجمع، فما الفرق
بين المسألتين؟! كلتاهما أتى عليه وقت إحدى الصلاتين وهو ليس أهلًا للتكليف.
لكن في المسألة الأولى مر عليه وقت الصلاة الأولى، وفي المسألة الثانية مر عليه
وقت الصلاة الثانية، فأنتم إما أن تُلْزِمُوه بالقضاء في المسألتين -كما قال به بعض
العلماء- وإما ألَّا تُلْزِمُوه فيهما كما قاله أيضًا آخرون، أما أن تُفَرِّقُوا
فلا وجه لذلك.
فإن قالوا: فرَّقنا بناءً على الأثر الوارد عن الصحابة، فالجواب:
الأثر الوارد عن الصحابة ربما يُحْمَل -إن صح- على سبيل الاحتياط فقط، خوفًا من أن
يكون المانع قد زال قبل أن يخرج وقت الأولى، ولا سيما في الحيض، فإن الحيض قد لا
تعلم المرأة به إلا بعد مدة من طهارتها، يعني قد لا تشعر بأنها طهرت من حين ما تطهر
في ربع ساعة وعشر دقائق وما أشبه ذلك، فلعل ما جاء عن الصحابة يكون محمولًا على
الاحتياط لا على سبيل الوجوب.
والقول الثاني في المسألة هو الراجح؛ أنه لا يلزمه إلا الصلاة
التي أدرك جزءًا من وقتها، أما التي قبلها فلا تلزم، كما أن التي بعدها لا تلزم
فيما لو طرأ مانع التكليف.
طالب: (...)
بعد نصف الليل، وعلى المذهب يكون إلى الفجر.
الشيخ: إي نعم، لكن لا وجه له
المذهب.
الطالب: لكن هم
(...).
الشيخ: إي، هم
يقولون: إذا طهرت قبل الفجر لزمها العشاء والمغرب. (...)
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.ويجب فورًا قضاء الفوائت مرتَّبَة، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إذا أدرك المكلَّف من رجل أو امرأة من الوقت جزءًا ثم زال التكليف أو طرأ مانع فما الحكم؟
طالب: إذا كان هذا الوقت..
الشيخ: بنمشي على كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف (...) إذا أفاق يقضيها.
الشيخ: يقضيها، حجتهم في هذا؟
الطالب: أنهم يقولون: إن جزء الصلاة الفائتة تابع..
الشيخ: لا.
طالب: يقولون: إنها وجبت بدخول الوقت واستقرت.
الشيخ: لا.
طالب: قولنا: إدراك الجزء إدراك الكل.
الشيخ: نعم، إدراك الجزء كإدراك الكل، وهذا أدرك جزءًا منها، فكان كإدراك الكل، مثال ذلك؟
طالب: مثلًا يا شيخ حاضت امرأة بعد غروب الشمس بمقدار تكبيرة.
الشيخ: بمقدار تكبيرة الإحرام، فإذا طهرت؟
الطالب: تقضي هذه الصلاة.
الشيخ: وجب عليها القضاء.
مثال آخر في زوال التكليف، هذا وُجِد المانع؟
طالب: زوال التكليف يا شيخ الجنون بعد..
الشيخ: بعد أن غربت الشمس.
الطالب: بمقدار تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام جُنَّ، ثم أفاق.
الطالب: فإنه يقضي (...).
الشيخ: فإنه يجب عليه القضاء.
هل هناك قول آخر؟ ما هو القول الثاني في هذه المسألة؛ فيما إذا طرأ المانع أو زال التكليف؟
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟ لأنها لا تُقْضَى مطلقًا.
الطالب: (...).
الشيخ: أقول: فيها قول ثانٍ، ما هو القول الثاني؟
الطالب: القول الثاني، قالوا: مقدار ركعة.
الشيخ: نعم، قالوا: إن المدار على مقدار ركعة، فإذا زال التكليف بعد مقدار تكبيرة الإحرام ودون الركعة فإنه لا يلزمه القضاء، وكذلك لو وُجِدَ المانع –كالحيض- بعد زوال مقدار التحريمة ودون الركعة فإنه لا يلزمه القضاء، ما حجة هؤلاء؟
طالب: حجة هؤلاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ، وهذا لم يدرك ركعة.
الشيخ: نعم «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وهذا لم يدرك ركعة من الصلاة، فيه قول ثالث؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: لا يقضي من طرأ عليه زوال التكليف إلا إن بقي مقدار الصلاة من آخر الوقت.
الشيخ: يعني أنه في هذه الحال إذا زال التكليف وطرأ المانع لا يقضي إلا..
الطالب: إذا تضايق الوقت.
الشيخ: إلا إذا تضايق الوقت عن فعل العبادة، ما حجتهم؟
الطالب: حجتهم أن الشارع أباح له أن يؤخِّر الصلاة إلى هذا الوقت، فإذا طرأ عليه طارئ قبل أن يكون واجب عليه أن يؤديها فإنها لا تجب عليه.
الشيخ: فإنها لا تلزمه؛ لأنه قد وسع عليه، فيه أيضًا دليل آخر؟
طالب: الرد على استدلال الفريق الثاني..
الشيخ: لا، ما نريد الرد، إلى الآن نحن في الدليل لهذا، يقوي هذا القول.
طالب: إن النساء يحضن، ما زلن يحضن النساء، ولم يأت دليل على أنه يجب عليهن القضاء.
الشيخ: ولم يُنْقَل عنهن أنها إذا حاضت في أثناء الوقت تقضي تلك الصلاة.
الطالب: والأصل براءة الذمة.
الشيخ: الأصل براءة الذمةوالأصل براءة الذمة، هذا القول تعليله قوي جدًّا، إلا أننا ذكرنا أنه مع قوة تعليله يشكل عليه، ما الذي يشكل؟ الحديث «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فلهذا القولُ بهذا أن المعتبر هو الركعة ذكرنا أنه أقرب الأقوال، وهو قول وسط بين مَنْ يقيِّده بتكبيرة الإحرام، ومَن يقيِّده بتضايق الوقت.
طالب: لكن أجبنا عن هذا الحديث.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: بأن الإدراك في الأخير؛ في آخر الوقت لا في أوله.
الشيخ: إي، بأن الإدراك في آخره لا في أوله.
الطالب: قوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» .
الشيخ: لا، ما هو في هذا الحديث، «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا».
الطالب: في قولهم.
الشيخ: لا، لكن التفسير بأن الإدراك يكون في الآخر، على كل حال القول الوسط هذا أحوط، وأن تعليل القول الثالث قوي جدًّا..
طالب: (...) شيخ الإسلام حتى لو ترك صلاة الجماعة وكان آثمًا بالتَّرْك.
الشيخ: فيها عكس هذه المسألة، لو طرأ التكليف على الإنسان في أثناء الوقت، فما المعتَبَر؟
طالب: يقضيها وما تُجْمَع إليها.
الشيخ: يقضيها وما أجمع إليها بعدها ولَّا قبلها؟
الطالب: بعدها.
الشيخ: وما أجمع إليها بعدها؟
الطالب: قبلها.
الشيخ: قبلها، ويش مثاله؟
الطالب: مثلًا إذا بلغ بعد صلاة العصر يقضي العصر..
الشيخ: لو بلغ في وقت العصر.
الطالب: يقضي العصر والظهر؛ لأن الظهر تجمع إليها.
الشيخ: كذلك أيضًا لو زال المانع أثناء الوقت؟
طالب: لو زال المانع حاضت قبل..
الشيخ: لو زال المانع في أثناء الوقت.
الطالب: الْجُنُون.
الشيخ: لا، الجنون تكليف.
الطالب: لو زال الحيض عنها وطهُرت..
الشيخ: في أثناء الوقت.
الطالب: في أثناء وقت العصر يلزمها قضاء العصر والظهر قبلها.
الشيخ: والظهر، ما هو المعتَبَر فيما إذا طرأ التكليف وزال المانع؟
طالب: إذا طرأ التكليف وزال المانع، (...).
الشيخ: لكن أيش المعتبر تكبيرة الإحرام أو ركعة؟
الطالب: (...) يا شيخ، إدراك ركعة؟
الشيخ: المعتبر على كلام المؤلف؟
طالب: على كلام المؤلف تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام، فإذا طهُرت مثلًا قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام لزمها صلاة الظهر والعصر، فيه قول آخر؟
طالب: إدراك ركعة.
الشيخ: المعتبر إدراك ركعة. طيب، دليله؟
الطالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» .
الشيخ: ما فيها شيء عام، إحنا (...) صلاة ما هي بالعصر أو الفجر.
الطالب: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» .
الشيخ: صح، إي، هل هناك قول آخر في أنه لا يلزمها إلا قضاء الصلاة التي زال المانع في وقتها؟
طالب: إذا وُجِدَ التكليف وزال المانع فإنه لا يلزمها إلا العصر.
الشيخ: كيف إلا العصر؟ ما جبنا مثالًا الآن حتى تقول العصر.
الطالب: إذا مثلًا وُجِد التكليف في وقت العصر..
الشيخ: لا، تجيب مثال.
الطالب: ما يلزمه إلا الصلاة التي وُجِد التكليف فيها.
الشيخ: وُجِدَ التكليف في وقتها، وأما ما قبلها؟
الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: فلا يلزمه، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: لأن الذمة..
الشيخ: هذا تعليل.
طالب: قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ، ولم يقل: هو أدرك الصلاة التي قبلها.
الشيخ: صح، هذا دليل، تعليل؛ لأن وقت الصلاة الأولى قد انقضى قبل أن تنشغل ذمته بهذا الواجب.
دليل ثالث: القياس على المسألة الأولى؛ أنه لو زال التكليف بعد أن دخل وقت الصلاة التي تُجْمَع لما بعدها لم يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فهما سواء، هذا وهذا كلاهما سواء، وأما الأثر المروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس رضي الله عنهم فهذا رأيهما وليس محل إجماع.
طالب: ضعيفان.
الشيخ: إذا كانا ضعيفين فالحمد لله.
الطالب: (...) بأنهما ضعيفان.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، على كل حال، هذا مما يزيدنا قوة في الأخذ بالقول الصحيح، وإن كان الإمام أحمد استدل بذلك، والاستدلال بهما يدل على أنهما صحيحان عنده، لكن الحمد لله بعد تضعيفهما يوهن من القول بهما، على كل حال إذن نقول: خلاصة القول في هذه المسألة لأجل ما تشتبه عليكم: عندنا إذا طرأ التكليف وزال المانع، والثاني: إذا زال التكليف وطرأ المانع، هما متقابلان، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا طرأ التكليف وزال المانع فالمذهب المعتبَر مقدار تحريمة، والقول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، والقول الثالث: المعتبَر تضايق وقت الصلاة التي حصل ذلك فيها، فلو طرأ المانع وقد بقي من وقت الصلاة أكثر من فعلها، فعلى هذا القول الأخير لا تُقْضَى، وكذلك لو زال التكليف بأن جُنَّ الإنسان في أثناء الوقت، فإنه إذا زال التكليف قبل زمن أكثر مِن فعل الصلاة فإنه لا يلزمه هذه المسألة، أعني طروء المانع وزوال التكليف.
المسألة الثانية: عكسها، وهي زوال المانع، ويش بعد؟ وطروء التكليف.
طلبة: (...).
الشيخ: زوال المانع بأن تطهر المرأة في أثناء الوقت، والثاني طروء التكليف، مثال ذلك -زوال المانع- امرأة طهرت من الحيض قبل أن يخرج الوقت بمقدار تكبيرة الإحرام، تقول: على المذهب يلزمها قضاء الصلاة، وإن كان لها مجموعة قبلها لزمها قضاء الصلاة التي تُجْمَع إليها.
على القول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، وكذلك لو طرأ التكليف، بمعنى لو أن هذا الرجل المجنون عَقَل قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، لزمه أن يصلي العصر، بمقدار تكبيرة الإحرام؛ لم يلزمه على القول بأن المعتبر ركعة، ولزمه على القول بأن المعتبَر تكبيرة الإحرام.
وكلام المؤلف في هذا واضح، انظر ماذا يقول: ¬(وإن أدرك مكلَّف من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه)، هذا أيش نقول فيه؟ زوال التكليف.
(أو حاضت، ثم كُلِّف وطَهُرت، قَضَوْها).
طلبة: (...).
الشيخ: ثم قال: (ومن صار أهلًا لوجوبها)، هذه المسألة الثانية عكسها، (قبل خروج وقتها) إما بزوال المانع وإما بطروء التكليف، (لزمته وما يُجْمَع إليها قبلها).
والصحيح أن المعتبَر ركعة، وأنه لا يلزمه ما يُجْمَع إليها قبلها، كما لا يلزمه ما يُجْمَع إليها بعدها، هذا هو الصحيح.
إلا أن مسألة طروء المانع وزوال التكليف القول بأن المعتبر تضايق الوقت قلنا: إنه قول قوي جدًّا، لكن ربط ذلك بالركعة أحوط.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يجب قضاء الفوائت؛ الفوائت جمع فائتة، والفائتة كل عبادة مُوَقَّتَة خرجت وقتها فهي فائتة، سواء كانت نفلًا؛ كالوتر، أو فرضًا؛ كالصلوات الخمس.
فكل عبادة مُوَقَّتَة تُفْعَل بعد وقتها أو خرج وقتها قبل فعلها فهي فائتة، وتسمى حينئذ مَقْضِيَّة، ولهذا قال: يجب قضاء، ولم يقل: يجب أداء؛ لأن الأداء ما فُعِلَ بوقته، والقضاء ما فُعِلَ بعد وقته، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في وقته، فهذا ثلاثة أشياء: قضاء، وأداء، وإعادة؛ القضاء ما فُعِلَ بعد الوقت، والأداء ما فُعِلَ في الوقت، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في الوقت، مثلًا لو صَلَّيْتَ الظهر في مسجدك، وأتيت إلى مسجد جماعة وصلَّيْت معهم، تُسَمَّى هذه؟
طلبة: إعادة.
الشيخ: تسمى إعادة.
يجب قضاء الفوائت، عندنا قضاء لماذا سَمَّيناه قضاءً؟ لأنه بعد الوقت، فائتة؛ لأنها خرج وقتها قبل فعلها، فتكون فائتة.
قوله: (يجب) الوجوب مَرَّ علينا في أصول الفقه أنه ما أُمِرَ به على وجه الإلزام. هذا الواجب، والوجوب بمعنى الإلزام.
ودليل وجوب القضاء: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، واللام في قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» للأمر، والأمر للوجوب.
ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شُغِلَت ذِمَّتُه بها، فوجب عليه أداؤها؛ لأنها كانت دَيْنًا، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في المرأة التي سألته هل تحج عن أمها، قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» ، فصار لدينا دليل، أيش بعد؟ وتعليل.
الدليل: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، التعليل؛ لأن ذمته قد شُغِلَت بها فهي دَيْن عليه، والدين يجب قضاؤه.
وقوله: (يجب قضاء الفوائت)، ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يدعها عمدًا بلا عذر، أو يدعها لعذر، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ أن قضاء الفوائت واجب، سواء تركها لعذر أم لغير عذر، يعني: حتى المتعمِّد الذي تعمَّد إخراج الصلاة عن وقتها يقال: إنك آثِم وعليك القضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وقول جمهور أهل العلم.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا فاتت العبادة الْمُوَقَّتَة عن وقتها لعذر قُضِيَت، وإن فاتت لغير عذر فلا قضاء، لا تخفيفًا عن المؤخِّر، ولكن تنكيلًا به وسخطًا لفعله، وهناك فرق بين التخفيف، وبين التنكيل والسخط، فنحن نقول لمن تركها عمدًا: لا تَقْضِ؛ لأنك لو تقضي ألف مرة ما قَبِلَ الله منك حتى ولو تُبْتَ، إذا تبت فأحْسِن العمل.
حجة القائلين بأنه يقضي ولو كان لغير عذر، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فإذا كان المعذور بنوم أو نسيان يلزمه القضاء، فغير المعذور من باب أولى.
وقالوا أيضًا: إنه لما ترك الصلاة حتى خرج وقتها كانت دَيْنًا عليه، والدَّيْن لا وقت له، يجب على الإنسان أن يقضيه فورًا، ولو خرج وقته، أرأيت لو كان بينك وبين شخص معاملة يحل الدَّيْن فيها في أول ليلة من شهر ربيع الأول، ثم جاءت الليلة ولم تُوفِ، هل يسقط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يبقى في ذمتك حتى تُوفِيَه ولو بعد حين، وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم العبادات دَيْنًا، فإذا كان سمَّاها دَيْنًا فإنه يجب قضاؤها ولو تركها لغير عذر.
أما الذين قالوا بعدم الوجوب إذا كان لغير عذر فقالوا: لأن هذه الصلاة الْمُوَقَّتَة محدودة أولًا وآخرًا، والمحدود موصوف بهذا الوقت، يعني صلاة في هذا الوقت، فإذا أخرجها عنه بلا عذر فقد صلَّاها على غير الوصف الذي فُرِضَت عليه، أليس كذلك؟ فَتَرَك واجبًا من واجباتها عمدًا فلا تصح، كما لو صلَّى بغير وضوء عمدًا بلا عذر فإنه لا يصح.
هذا أيضًا إذا أخرجها عن وقتها عمدًا بلا عذر فإنها لا تصح؛ لأنها صلاة موصوفة بماذا؟ بالوقت؛ لأنها من كذا إلى كذا، إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣].
ثانيا: إذا أخرجها عن وقتها لغير عذر، فقد فعلها على وجه لم يُؤْمَر به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وهذا نص صريح عام، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا»، أيُّ عمل يكون؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فكان للعموم، «فَهُوَ رَدٌّ»، أي: مردود.
ثالثًا: أنه لو صلى قبل الوقت متعمِّدًا فصلاته باطلة بالاتفاق، حتى أنتم تقولون: صلاته باطلة، فأي فرق بين ما إذا فعلها قبل الوقت أو فعلها بعده، فإن كل واحد منهما قد تعدَّى حدود الله عز وجل، وأخرج العبادة عن وقتها، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٢٩].
رابعًا: أن هذا الرجل إذا أخَّرها عن وقتها فإنه ظالم مُعْتَدٍ، وإذا كان ظالمًا معتديًا فالله لا يحب المعتدين، ولا يحب الظالمين، فكيف يُوصَف هذا الرجل الذي لا يحبه الله لعدوانه وظلمه، بأنه قريب من الله متقرِّب إليه؟! هذا خلاف ما تقتضيه العقول والفِطَر السليمة، وهذا القول كما ترى قول قوي جدًّا.
أما قولهم: إنه إذا كان وقتًا للمعذور فغير المعذور من باب أولى فممنوع؛ لأن المعذور معذور، ولا يتمكن من الفعل في الوقت، فلما لم يتمكن لم يكلّف إلا ما يستطيع، أما هذا الرجل الغير معذور فهو أيش؟ قادر على الفعل مكلَّف به، فخالَف واستكبَر ولم يفعل.
فقياس هذا على هذا من أبعد القياس، والمسألة ليست مسألة أنه عُذر أو ما عُذر، نقول: نعم، المعذور وقت الصلاة في حقه عند زوال عذره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
إذن نقول: هذا قياس فاسد غير صحيح، مع مخالفته لعموم النصوص، كـ «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، ومع أنه مخالف للقياس فيما إذا صلى قبل دخول الوقت.
فالصواب أن مَنْ تَرَك الصلاة عمدًا حتى على القول بأنه لا يكفر كما لو كان يصلي ويُخَلِّي، فإنه لا يقضيها، ولكن يجب عليه أن يكون هذا الفعل دائمًا نُصْبَ عينيه، وأن يُكْثِر من الطاعات والأعمال الصالحة لعلها تُكَفِّر ما حصل منه من إضاعة الوقت.
قال المؤلف رحمه الله: (ويجب قضاء الفوائت).
يُستفاد منه: أنه يقضي الصلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النهار جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ فيها بالقراءة؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، وكما أن الأمر عائد إلى ذات الصلاة، فهو عائد إلى صفة الصلاة أيضًا، ومن صفاتها الجهر بالقراءة في الليل، والسر في القراءة في النهار.
وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة كما في حديث أبي قتادة في نومهم عن صلاة الصُّبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فصلَّاها كما كان يصليها كُلَّ يوم .
ويُستفاد منه أيضًا: أنه تُشْرَع فيها الجماعة إذا كانوا جمعًا، كيف ذلك؟ لأن القضاء يحكي الأداء، فكما أنهم لو صَلَّوْها في الوقت صَلَّوْها جماعة، فكذلك إذا قَضَوْها فإنهم يصلونها جماعة، وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة في حديث أبي قتادة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى ركعتي الفجر، ثم صَلَّى الفجرَ جماعة .
(ويجب فورًا قضاء الفوائت)، الفور معناه المبادرة بالشيء، كما قال تعالى: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا [آل عمران: ١٢٥]، فالفَوْر معناه الشيء المبادِر، فمعنى (فورًا) أي: يجب أن يبادِر بقضاء الفوائت، وهنا دليل وتعليل.
أما الدليل فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، متى؟ «إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يدل على أنها تُقْضَى فور الذِّكْر، من يوم يذكر يصلي، من يوم يستيقظ يصلي، هذا دليل، «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
تعليل: ولأن هذا دَيْن واجب عليه، والواجب المبادَرة به؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له إذا أَخَّرَ.
ولأن الإنسان إذا عَوَّدَ نفسه التهاون والتكاسل في الطاعات اعتادت هذا، وصار ذلك خُلُقًا له، فإذن لا بد من المبادرة.
ممكن أيضًا نستدل بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب والفورية، كما مر علينا في الأصول.
فإن قلت: أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكانٍ آخر؟
فالجواب: بلى، لكنه عَلَّلَ ذلك بأنه «مَكَانٌ حَضَرَهُمْ فِيهِ الشَّيْطَانُ» ، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن حضور الشياطين، ولهذا نُهِيَ عن الصلاة في الحمَّام؛ لأنه مأوى الشياطين، وفي الْحُشِّ، وما أشبه ذلك، بل وفي أعطان الإبل، نُهِيَ أن يصلَّى فيها؛ لأنها خُلِقَت من الشياطين.
وليس معناه: مادتها من الشياطين، لا، خُلِقَت من الشياطين؛ لأن فيها خُلُقًا كبيرًا من أخلاق الشياطين، وإذا كان في المخلوق خُلُق كبير من شيء معيَّن نُسِبَ إليه، ولهذا قال الله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧]، مع أنه خُلِقَ من تراب، لكن لما كانت طبيعته العجلة صار كأنه ناشئ منها، كأنها عنصر وجوده.
إذن، إذا قال قائل: كيف نجيب عن هذا الحديث؟ فالجواب أن الرسول عليه الصلاة والسلام علَّل ذلك بأنه موطِن حضر فيه الشياطين، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن يكون فيه حضور الشياطين، وهذا لا يدل على عدم وجوب الفورية، وإن كان بعض العلماء قال بعدم وجوب الفورية لهذا الحديث.
طالب: شيخ، يوجد يا شيخ جيران هنا ناس يصلون في محل (...) تارة يتركون الصلاة وتارة يصلوها، ونحن ننصحهم دائمًا، يا شيخ، ما أدري يعني هل يستمرون على هذا الشيء؛ لأني أراهم دائمًا يتكرر منهم هذا الشيء؟
الشيخ: بَلِّغُوا عنهم.
طالب: شيخ، إذا قضى مثلًا صلاة الفجر، إذا ناموا عنها مثلًا جماعة، فِعْل الرسول، هل يُثَوِّبُون في الأذان ولَّا لا؟
الشيخ: هو الظاهر أنه يثوب؛ لأن هذا للفجر.
طالب: شيخ، قول من قال من العلماء: إن صلاة العشاء إذا قُضِيَت فإن الجهر بها غير مشروع؛ لأن الجهر مقصود به إسماع الآخرين، أما إذا كان سيقضيها منفرِدًا يشغل الناس؟
الشيخ: منفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو أصلًا الجهر ما هو مشروع إلا في الجماعة حتى لو أداها في الوقت منفردًا ما هو مشروع له أن يقرأ.
طالب: ما هو دليل شيخ الإسلام عندما جعل مناط الوجوب تضايق الوقت؟
الشيخ: هو هذا الدليل اللي قلته لك، ذكرنا ثلاثة أدلة أظن.
طالب: شيخ، اللي ما يستطيع (...) الدين يعني ونقول: من أدرك ركعة من صلاة؟
الشيخ: يقول رحمه الله: إن الإنسان إذا كانت لم يتضايق فهو غير ملزَم بها الآن، فما دام غير ملزَم كيف نُلْزِمُه بالقضاء ونحن لا نُلْزِمُه بالفعل بالأداء، يعني هو الآن ما دام الوقت لم يَضِق فإننا لا نُلْزِمُه أن يؤديها، فإذا لم تلزم أداءً لم تلزَم قضاءً، والله تعالى قد وَسَّع عليه.
طالب: يا شيخ إذا تضايق الوقت هو (...) هناك ما نلزمه بالقضاء لأنه حتى الآن ما خرج وقت صلاة..؟
الشيخ: كيف؟ لا، إذا تضايق نلزمه بالأداء، إذا تضايق ما يجوز أن يؤخِّر ولو جزءًا واحدًا من وقتها.
***
الطالب: ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورةُ رجلٍ وأمةِ وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الرُّكْبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما حكم قضاء الفوائت؟
طالب: واجب يا شيخ.
الشيخ: واجب؟ قضاء الفوائت واجب؟
طالب: يجب عليه القضاء.
الشيخ: واجب؟
طالب: فرض يعني.
الشيخ: أو فرض يعني، لازم؟
طالب: (...).
الشيخ: تقييد.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إذا كانت هذه الفرائض يعني لرجل قبل أن يتوب إلى الله..
الشيخ: لا.
طالب: يجب قضاء الفوائت مطلقًا.
الشيخ: يجب.
الطالب: يجب وجوبًا مطلَقًا.
الشيخ: قضاء الفوائت يجب؟
طالب: لا يا شيخ، إن كان فرضًا يجب، وإن كان نفلًا يُسْتَحَبُّ.
الشيخ: إي، صح.
طالب: كلام المؤلف على أنه واجب.
طالب آخر: المؤلف يا شيخ؟
الشيخ: المهم ما علينا، أنا أسألكم عن قضاء الفوائت، إذن نقول: إذا كانت الفوائت مستحبة فالقضاء مستحب، وإلَّا فلا.
ما حكم قضاء الفرائض؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب، الدليل؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» .
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا دليل، التعليل؟
طالب: التعليل لأن الذمة انشغلت به (...) كالدين يجب عليه القضاء.
الشيخ: أحسنت، الذمة مشغولة بها لا تبرأ إلا بالقضاء، فكان ذلك واجبًا.
كلام المؤلف (يجب قضاء الفوائت) هل يشمل الفوائت عمدًا أو لعذر؟
طالب: يشمل عمدًا؛ بعذر وبغير عذر.
الشيخ: بعذر أو بغير عذر، وهذا هو المشهور من المذهب، ومذهب الأئمة الأربعة.
حجة القائلين بوجوب قضاء الفوائت سواء كان عمدًا أو غير عمد؟
طالب: أنه ما دام المعذور يقضي الصلاة، فمن باب أولى الذي تركها عمدًا يقضيها.
الشيخ: نعم أحسنت، والمعذور كما سمعنا في الحديث، هل هناك قول آخر؟
طالب: نعم، قول آخر أن الذي يترك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه.
الشيخ: لا قضاء عليه تخفيفًا؟
الطالب: لا (...).
الشيخ: ليس من باب التخفيف، ولكن من باب؟
الطالب: من باب التعنيف له.
الشيخ: نعم، ما دليل هؤلاء؟
الطالب: دليلهم قالوا: إن هذا تركها..
الشيخ: ما دليلهم؟
الطالب: دليلهم قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [التوبة: ٥].
الشيخ: لا.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .
الشيخ: لا؛ لأن مَن أحدث هذا في البدعة.
طالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌ» .
الشيخ: أحسنت، وهذا الذي أَخَّرَ الصلاة لغير عذر عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا.
كيف نرد على استدلالهم؟
طالب: في استدلال الذين قالوا بأن..
الشيخ: بأنه يقضي المتعمِّد؛ لأنه إذا قضى المعذور فالمتعمِّد من باب أولى.
الطالب: نقول: إن هذا شغله العذر عن إبراء الذمة، ولكن غير المعذور لم يكن له عذر أو شيء من هذا القبيل، النبي صلى الله عليه وسلم خَصَّ الحديث بالمعذور فقط.
الشيخ: ولا يقاس عليه؟
الطالب: ولا يقاس عليه الغير معذور.
الشيخ: أحسنت، قلنا: إن هذا القول اللي هو اختيار شيخ الإسلام القول الراجح، رجَّحْنَاه.
يقول المؤلف (فورًا)، أيش معنى (فَوْرًا)؟
طالب: يعني المبالغة بالشيء.
الشيخ: المبالغة بالشيء، هل هناك دليل على وجوب الفورية في قضاء الفوائت؟
الطالب: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣].
طالب آخر: تعليل، «فليُصَلِّها»، قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» .
الشيخ: «إِذَا ذَكَرَهَا»، فقيَّد وجوب الصلاة بما إذا ذكرها، كذا ولَّا لا؟ صحيح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولهذا لا نقول: إنه إذا ذكرها يكون الوقت موسَّعًا في حقِّه كما نقول في الأداء، بل هو مُضَيَّق من يوم يذكرها يجب أن يبادر إلى قضائها.
المؤلف يقول: (يجب قضاء الفوائت)، كيف يقضيها من حيث الصفة؟
طالب: قلنا: يقضيها الجهرية جهرية والسرية سرية.
الشيخ: والرباعية؟
الطالب: والرباعية رباعية.
الشيخ: والثنائية؟
الطالب: كذا.
الشيخ: كذا؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: يقضي الصلاة على صفتها.
الشيخ: على صفتها، كما قال.
الطالب: الصلاة السرية..
الشيخ: السرية يقصيها سرًّا، والجهرية يقضيها جهرًا، والثنائية اثنين، والرباعية رباعية.
لو أنه ذكر صلاة سَفَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: يصليها على حضر.
الشيخ: على حضر ولَّا على سفر؟
الطالب: ما فيه عذر أنه يقصر.
الشيخ: كيف؟ نسي.
الطالب: إي، صح، لكن ما فيه عذر أنه يصليها قصرًا.
الشيخ: أنا ما أبغي أصلي من جديد، الصلاة مقضية.
طالب: يقضيها يا شيخ كما هي.
الشيخ: أيش أربع ولا ثنتين؟
الطالب: لا، أربعًا.
الشيخ: أربعة، إذن ما قضاها كما هي.
الطالب: لا هي أساسًا أربعة، لكن لعذر السفر..
الشيخ: المهم أنها وَجَبَت عليه رباعية ولا ثنائية؟
الطالب: وجبت ثنائية.
الشيخ: طيب، كيف يقضيها؟
الطالب: يقضيها رباعية.
الشيخ: خطأ هذا، ما هو صحيح.
طالب: المذهب يقضيها رباعية، والصحيح أنه يقضيها..
الشيخ: لكن اللي يقتضيه الحديث: «فَلْيُصَلِّهَا» ؟
الطالب: يقضيها ثنائية.
الشيخ: ثنائية، وبالعكس؛ لو ذكر صلاة حضر في سفر؟
الطالب: حضر في سفر يقضيها رباعية؛ لأنها وجبت في ذمته رباعية.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صح، هذا مقتضى الحديث.
هل تُقْضَى جماعةً أو فُرَادَى؟ يعني لو فرضنا أن أناسًا ناموا عن صلاة الفجر في السفر، هل يقضونها جماعة أو فُرَادَى؟
طالب: يقضونها جماعة.
الشيخ: جماعة؟ ممكن أن تأخذها من حديث؟
طالب: حديث أبي قتادة لما نام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حتى طلعت الشمس فَقَضَوْهَا .
الشيخ: قضوها جماعة، صحيح، بل ربما نأخذها من قوله: «فَلْيُصَلِّهَا».
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن نقول: يصلها على الصفة اللي هي عليها، فإذا كانت مما يُشْرَع له الجماعة صلَّاها جماعة، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يعني يبدأ بها بالترتيب، فإذا كان عليه خمس صلوات تَبْتَدِئ بالظهر، صلى الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر؛ لأنها خمس.الدليل ممكن أن نأخذها من قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» ؛ لأن هذا يشمل عين الصلاة، وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن تكون في موضعها الترتيبي، فمثلًا: الظهر يصليها بين الفجر وأيش؟ والعصر، وحينئذ يكون صلَّاها، وكذلك المغرب بين العصر والعشاء.
إذن هذا الحديث: «فَلْيُصَلِّهَا» ما شاء الله مبروك يؤخَذ منه حتى وجوب الترتيب؛ لأنه إذا صلاها على ما هي عليه يلزم أن تكون في مكانها، وكذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فاته خمس صلوات في الخندق، فقضاها مُرَتَّبَة ، وكذلك في الجمع، كان يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأُوْلَى ، فكل هذه الأدلة تدل على أنه يجب الترتيب في قضاء الفوائت.
هل يسقط الترتيب بعذر من الأعذار؟
قال المؤلف رحمه الله: (ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، ذكر المؤلف أنه يسقط بشيئين:
أولًا: النسيان، فلو كان عليه خمس فرائض تبتدئ من الظهر، فنسي فبدأ بالفجر مع أنها هي الأخيرة، نقول: قضاؤه صحيح؛ لأنه نسي، لو بدأ بالعصر قبل الظهر نسيانًا صح القضاء؛ لأنه يسقط بالنسيان.
ما هو الدليل؟ الدليل عموم قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، وربما يُسْتَدَلُّ بتقديم الأنساك بعضها على بعض في يوم النحر، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لَا حَرَجَ» ، ولكن الاستدلال بهذا فيه نظر؛ لأن العبادات في الحج من غير جنس واحد، ولأن الترتيب بينها يسقط بالنسيان والعمد، وحينئذ لا يصح القياس.
إذن نأخذه من عموم قوله: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦].
ثانيا: خشية -شوف الإضافات، هذه العبارة- (خشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، إضافات، كم؟
طالب: أربع.
الشيخ: (خشية) مضاف، (خروج) مضاف، (خروج) مضاف، (وقت) مضاف، (وقت) مضاف، و(اختيار) مضاف، (اختيار) مضاف، و(الحاضرة) مضاف، كم صارت؟ خمس.
طالب: الحاضرة مضاف إليه يا شيخ.
الشيخ: إي، مضاف إليه، إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، (خشية) واحدة، (خروج) اثنين، (وقت) ثلاثة، (اختيار) أربعة، أربع إضافات.
مثل هذا عند البلاغيين يقولون إنه خارج عن البلاغة؛ لكثرة الإضافات، لكن نقول: إذا كان لا يتضح المعنى إلا بذلك فليس خارجًا عن البلاغة، صحيح يمكن أن يعدل المؤلف عن هذا فيقول: وإذا خشي أن يخرج وقت الحاضرة المختار، يمكن يعبِّر هكذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن، وإذا خشي أن يخرج وقت الحاضرة المختار.
طالب: (...).
الشيخ: لا، بس هذه ما فيها إضافات.
على كل حال المعنى أنه إذا كان يخشى أن يخرج وقت اختيار الحاضرة فإنه يسقط الترتيب، وإذا خشي أن يخرج الوقت كله من باب أولى، وليس عندنا وقت ضرورة على القول الراجح، إلا في صلاة العصر؛ لأنه سبق لنا أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وأما من جعله ينتهي بطلوع الفجر فيجعل ما بين نصف الليل وطلوع الفجر وقت ضرورة.
على كل حال هذا رجل ذكر أن عليه فائتة، وقد بقي على أن يكون ظِلُّ كل شيء مثليه ما لا يتسع للفائتة والحاضرة، ماذا نقول؟ نقول: قَدِّم الحاضرة.
ورجل آخر ذكر فائتة وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الفائتة والفجر، نقول: قَدِّم الحاضرة، وهي الفجر.
لماذا؟ لأنك لو أخَّرْتَها لزم أن تكون كلتا الصلاتين قضاءً، وإذا قَدَّمْت الحاضرة صارت المقضيَّة قضاءً والحاضرة أداءً، وأديتها في الوقت الذي أمر الله سبحانه وتعالى أن تؤدَّى فيه، عرفتم؟ فهذا وجه وجوب تقديم الحاضرة.
وجه وجوبه إذن أن الله أوجب أن تصلَّى هذه الحاضرة أيش؟ في وقتها، فإذا صليت غيرها أخرجتها عن الوقت.
ثانيًا: أنك إذا قدَّمْتَ الفائتة لم تستفد شيئًا، بل تضرَّرْتَ؛ لأنك إذا قدَّمْتَ الفائتة صارت كلتا الصلاتين قضاءً، وإذا بدأت بالحاضرة صارت الحاضرة أداءً والثانية قضاءً، وهذا أولى بلا شك.
هل يسقط بغير ذلك؟ نقول: نعم، يسقط، بما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد، كصلاة الجمعة؛ فإنه لو ذكر أن عليه فائتة بعد أن أُقِيمَت صلاة الجمعة، ولا يتمكن من قضائها وإدراك الجمعة، فإنه يبدأ بالجمعة؛ لأن فوات الجمعة كفوات الوقت، فوات جماعة الجمعة كفوات الوقت؛ لأنها لو فاتت الجماعة عليك فاتتك الجمعة، لا يمكن أن تصلِّيَها جمعة بعد فوات الجماعة فيها، هذا ثلاثة.
هل يسقط بالجهل؟ لو جاءنا رجل يسأل يقول: أنا والله عليَّ فوائت، عليَّ صلاة الظهر والعصر والمغرب، وإني ما أدري، فبدأت بصلاة المغرب، ثم بالعصر، ثم بالظهر؟
نقول: كلام المؤلف يدل على أنه لا يسقط؛ لأنه لم يذكر إلا النسيان، والجاهل قد يكون مفرِّطًا بترك التعلُّم فلا يُعْذَر، وعلى هذا فنقول لهذا الرجل الذي سألنا فقدَّم المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، نقول: أَعِد أيش؟
طالب: الظهر.
الشيخ: لا، أَعِد العصر ثم المغرب، أما الظهر لا يعيدها؛ لأنها في مكانها.
وهكذا كل شيء فيه الترتيب إذا عَكَسْتَ فآخر شيء لا تعيده؛ لأنه يكون هو أول شيء؛ لأن الذي قدمته هو الذي ما صح، أما الذي كان هو الآخِر فيصح، اللهم إلا كان عبادة واحدة، كما لو سجد قبل أن يركع فلا بد من إعادة السجود بعد الركوع.
على كل حال نقول: حتى لو سجد قبل أن يركع، فإذا ركع قلنا: لا تعِد الركوع، إذن لا يُسْتَثْنَى شيء من هذه القاعدة، صار يسقط بالجهل ولَّا لا؟ على كلام المؤلف لا يسقط بالجهل، فنقول لهذا الذي سأل حيث صلى المغرب، ثم العصر، ثم الظهر: أَعِد العصر والمغرب، ولو كان جاهلًا.
وقال بعض العلماء: بل يسقط بالجهل؛ لأن الجهل أخو النسيان في كتاب الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، فإذا كان هذا جاهلًا فإنه لا يضره، ونقول: صلاتك صحيحة.
وهذا القول هو الصواب؛ لأن العذر واحد، وكثير من الناس لا يطرأ على باله أن الأمر فيه خلاف، يعني فيه ضرر عليه، فيقدِّم بعضًا على بعض.
هل يُعْذَر بترك الجماعة، أو بخوف فوت الجماعة؟ يعني: هل يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة؟
المذهب: لا يسقط، فنقول: ابدأ بالفائتة، ثم صَلِّ الحاضرة مع الجماعة إن أدركتها، وإلا فلا شيء عليك.
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب يسقط بخوف فوت الجماعة، لا سيما على القول بأن الجماعة شرط لصحة الصلاة، قال: فيجب أن يقدِّم الصلاة الحاضرة بالجماعة ثم يصلِّي الفائتة.
وهذا -أعني القول بأنه يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة- مبني على القول بأنه لا يصح أن يصلي خلف مَن يصلي صلاة أخرى، أما على القول بالجواز فنقول: ادخل معهم في الجماعة، وانْوِ بها الصلاة التي عليك؛ الفائتةَ.
مثلًا: لو كان عليك الظهر وجئت وهم يصلون العصر، فإنا نقول على القول الراجح: ادخل معهم بنية الظهر، واختلاف النية لا تضر، لكن على القول بأن اختلاف النية يضر، يقول: لا يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة، كما هو المذهب.
فصار عندنا خمسة أشياء:
النسيان، وخوف خروج الوقت المختار أو غير المختار، خوف فوات الجمعة، خوف فوات الجماعة، الجهل.
المذهب: يُعْذَر بالثلاثة الأول، وهي: النسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة، وأما الرابع والخامس فلا يُعْذَر فيه.
والصحيح أنه يعذر فيه، فيسقط الترتيب بخمسة أشياء: النسيان، والجهل، وخوف فوت الجمعة، وخوف فوت الجماعة، وخشية خروج وقت الصلاة، خمسة.
(وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، ثم قال: (ومنها)، أي: من شروط الصلاة (ستر العورة)، الستر بمعنى التغطية.
والعورة: ما يسوء الإنسانَ إخراجُه والنظر إليه؛ لأنها من (العَوَر) وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب، هذه هي العورة.
وتختلف العورة، ولكن الآن سنناقش هذا التعبير (ستر العورة)، هل جاء في الكتاب والسنة كلمة (ستر العورة) فيما يتعلق بالصلاة أو لا؟
الجواب: لا، ما جاء كلمة (ستر العورة)، ومن أجل أنه لم يأت ينبغي ألَّا نعبِّر إلا بما جاء في القرآن والسنة في مثل هذا الباب، ونظير هذا التعبير الذي أوهم تعبيرُ بعضهم بلبس المخيط بدلًا عن القميص، والسراويل، والبرانس، والعمامة، إلى آخره.
لما قال العلماء: (ستر العورة)، اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر، واختلطت عليهم، حتى جعل بعضهم هذه وهذه سواء، والأمر ليس كذلك، فبين عورة الصلاة وعورة النظر فرق، العورتان لا تتَّفقان طردًا ولا عكسًا، كما سيتبين إن شاء الله.
إذن فلو عُبِّرَ بما جاء في القرآن أو السنة لكان أسلم، الذي جاء في القرآن: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]، فأمر الله تعالى أن نتزين ونتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكًا من الملوك بثياب رثَّة، أو نصف بدنه ظاهر، فكيف لا يستحي من أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوب منه أن يلبسها؟! ولهذا قال عبد الله بن عمر لمولاه نافع، وقد رآه يصلِّي حاسرًا رأسه، قال له: غَطِّ رأسك، هل تخرج إلى النَّاس وأنت حاسر الرَّأس؟ قال: لا، ما أخرج إلى الناس وأنا حاسر الرأس، قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تتجمَّلَ له ، وهذا صحيح بالنسبة لمن عادتهم ألَّا يحسروا عن رؤوسهم، ما يمكن الواحد يخرج حاسر الرأس أمام الناس.
إذن فاتخاذ الزينة غير ستر العورة، ونقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» ، وعاتق الرجل ليس بعورة بالاتفاق، ومع ذلك أَمَرَ النبي عليه الصلاة والسلام بستره، قال: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فدل هذا على أن مناط الحكم ليس ستر العورة.
وقال صلى الله عليه وسلم لجابر في الثوب: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» ، ومعلوم أنه لا يُشْتَرَط لستر العورة أن يلتحف الإنسان، بل ربما يكون فيه وَزْرَة تغطي ما يجب ستره في غير الصلاة.
إذن فليس مناط الحكم أيش؟ ستر العورة، إنما مناط الحكم اتخاذ الزينة، هذا هو الذي أمر الله به، وهو الذي دَلَّت عليه السنة، ومن أجل هذا التعبير التبس على بعض العلماء، وجعلوا المسألة -مسألة العورة- هنا كمسألة العورة هناك في باب النظر، وهما يختلافان، هذا من حيث التعبير بكلمة (ستر العورة).
ما هو الدليل على أنه من شرط صحة الصلاة ستر العورة؟
الدليل: قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» ، فلا بد من الاتزار، وإذا كان واجبًا في العبادة فكل واجب في العبادة شرط لصحتها، القاعدة الشرعية: أن كل واجب في العبادة فهو شرط لصحتها، فإذا تركه الإنسان عمدًا بطلت هذه العبادة؛ ولهذا لو ترك الإنسان التشهد الأول أو الأخير في الصلاة متعمِّدًا بطلت صلاته، حتى في الواجبات، لو تركها متعمِّدًا بطلت الصلاة.
ولهذا نقول: لا شك أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وأن مَن صلى من غير أن يلبس ما يستر به العورة، أو ما يجب ستره على الأصح، فإن صلاته باطلة.
وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن مَن صلى عريانًا مع قدرته على اللباس فصلاته باطلة. وكذلك نقله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن العلماء اتفقوا على أن الإنسان الذي يصلي عريانًا وهو قادر على اللباس فصلاته باطلة.
فيكون قد اجتمع في هذا الكتاب والسنة والإجماع.
العورة؛ قال المؤلِّف: (فيجب بما لا يصف بشرتها)، (يجب) الفاعل يعود على ستر العورة، يعني: فيجب ستر العورة بما، هذه الـ (ما)، ما نوعها؟
طلبة: موصولة.
الشيخ: يعني: بالذي، ويجوز أن نجعلها نكرة موصوفة، أي: بثوب لا يصف بشرته. هذا واحد، يعني: يشترط للساتر أن لا يصف البشرة، لا أن لا يُبَيِّن العضو، ووصف الشيء ذِكْرُ صفاته، والثوب لا يصف، هل الثوب يصف يقول لك مثلًا: ترى إن لون الجلد الذي تحتي أسود، أو إن لونه أحمر، أو إن لونه أبيض، ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: نطقًا لا يصف، لكن يصفه حالًا بلسان الحال، فإذا كان هذا الثوب الذي على البدن يُبَيِّن تمامًا لون الجلد، يُبَنِّه بيانًا واضحًا، فإن هذا ليس بساتر.
أما إذا كان يُبَيِّن منتهى السروال من بقية العضو فهذا ساتر، لكن إذا كان يُبَيِّن لون الجلد فهذا غير ساتر، فلا يصح الستر به.
طالب: مثلًا رجل يصلي بالليل وعليه مثلا فانلة وسروال، هل يكفيه هذا ولَّا لازم يلبس ثيابه؟
الشيخ: لا، يكفي هذا.
الطالب: لكن ما يخرج إلى الناس، يعني إذا قِسْنَا على..
الشيخ: لعل ابن عمر رضي الله عنه قال هذا ليُنَبِّه نافعًا، ما هو بشرط.
طالب: كيف يسقط بالجهل أو بالنسيان وهو واجب، والواجبات لا تسقط؟
الشيخ: أيهم.
الطالب: الترتيب بين الفوائت، فهو واجب، والقاعدة أن الواجب لا يسقط؟
الشيخ: يقول: هذا ليس واجبًا في نفس العبادة، لكن بينها، ما هو في نفسها، ولَّا العبادة نفسها وُجِدَت كاملة، لكن بين العبادة والأخرى فهو يشبه الواجب لها لا فيها.
طالب: شيخ، إذا واحد لبس شيئًا يعني ساترًا للعورة، ولكن لا يسمى زينة عُرفًا، فصلى به مع وجود لبس عنده زينة، ولكن تركه وصلى..
الشيخ: هذا نقول: أما مع وجود ما هو زينة ففي النفس من صحة الصلاة شيء، يعني لو جاب خِصَّاف، تعرف الخِصَّاف؟
طالب: لا.
الشيخ: الخِصَّاف خَصْف سعف النخل، ما تعرفه؟
طالب: الخوص.
طالب آخر: لا.
الشيخ: تعرف السُّفرة اللي من خوص النخل؟
طالب: نعم.
الشيخ: جاب سُفْر ولَفَّه على بدنه وقام يصلي، هذه مع وجود الزينة المعتادة والله في نفسي من هذا شيء، لكن مع عدم ذلك نقول: اتقوا الله ما استطعتم.
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعورة رجل وأمة وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجْهَهَا، ويستحب صلاته في ثوبين، ويكفي ستر عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها، ومن انكشف بعض عورته وفحُش، أو صلى في ثوب محرَّم عليه أو نجس أعاد، لا مَن حُبِس في محل نجس.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الترتيب يسقط بخمسة أمور: الجهل، والنسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة، وخوف فوت الجماعة، وسبق لنا أيضًا أن من شروط الصلاة؟
طالب: الوقت.
الشيخ: انتهينا من الوقت، وغير؟
طالب: ستر العورة.
الشيخ: ستر العورة. وذكرنا له دليلًا من القرآن والسنة والإجماع؟
طالب: نعم، قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
الشيخ: هذا في القرآن، نريد دليلًا من السنة على أنه لا بد من اللباس في الصلاة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه، معنى الحديث.. «إِذَا كَانَ الثَّوْبُ فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ».
الشيخ: فيه أيضًا حديث آخر؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .
الشيخ: نعم، الحديث الثالث؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
الشيخ: إلا بخمار، الإجماع، هل في المسألة إجماع على أن الإنسان إذا صلى وهو عريان قادر على الستر تبطل صلاته؟
طالب: نعم، قال بعض العلماء: إن فيه إجماعًا.
الشيخ: من الذي نقله؟
الطالب: ابن عبد البر.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: (...) الإفصاح.
الشيخ: وغيره؟
طالب: شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، والظاهر يمكن صاحب المغني لكني ما راجعته، على كل حال المسألة ليس فيها إشكال في أنه يجب على الإنسان عند الصلاة أن يأخذ زينته ويلبس ثيابه.
هل العورة هنا كالعورة في باب النظر؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؟
الطالب: تختلف.
الشيخ: تختلف، اذكر لي وجهين من الاختلاف طردًا وعكسًا؟
الطالب: أن في الصلاة الكتف ما يجوز يصلي والكتف مكشوف إذا كان يستطيع أن يغطيه، وفي غير الصلاة يجوز أن يكشفه.
الشيخ: صح، في النظر المرأة يجب أن تستر وجهها على القول الراجح، وفي الصلاة لا يجب، كذا؟ الأول طرد، والثاني عكس، يعني معناه أنه ليس سواء، وحينئذ ينبغي ألَّا نُعَبِّر هنا بستر العورة؛ لئلا يشتبه الأمر، وأن نُعَبِّر بأخذ الزينة أو باللباس أو ما أشبه ذلك، أنه لا بد للصلاة من لباس.
قال المؤلف: (يجب بما لا يصف بشرتها)، (بما)، (ما) هذه ويش هي؟
طالب: بالذي.
الشيخ: ولا تصح إعرابًا آخر؟





